تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير روح البيان |
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43)
{ ماتسبق من امة اجلها } من مزيدة للاستغراق اى ماتتقدم امة من الامم المهلكة الوقت الذى عين لهلاكهم { ومايستأخرون } ذلك الاجل بساعة وطرفة عين بل تموت وتهلك عندما حدلها من الزمان . (9/1)
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)
{ ثم اسلنا رسلنا } عطف على انشأنا لكن لا على معنى ان ارسالهم متأخر ومتراخ عن انشاء القرون المذكورة جميعا بل على معنى ان اراسل كل رسول متأخر عن نشاء قرن مخصوص بذلك خاصا به { تترى } مصدر من المواترة وهى التعاقب فى موضع الحال اى متواترين واحدا بعد واحد : وبالفارسية [ بى دربى يعنى يكى درعقب ديكرى ] ، قال فى ا لارشاد وغيره من الوتر وهو الفرد والتاء بدل من الواو والالف للتأنيث لان الرسل جماعة { كم جاء امة رسولها } المخصوصو اى جاء بالبينات وللتبليغ { كذبوه } نسبوا اليه الكذب يعنى اكثرهم بدليل قوله { ولقد ضل قبلهم اكثر الاولين } كما فى بحر العلوم ، قال لكاشفى [ تكذب كردنداورا وآنجه كفت ازتوحيد ونبوت وبعث وحشر دروغ بنداشتند وبتقليد بدران ولزوم عادات نابسنديده از دولت تصديق محروم ماندند ] { فاتبعنا بعضهم } اى بعض القرون { بعضا } فى الاهلاك اى اهلكنا بعضهم فى اثر بعض حسبما تبع بعضهم بعضا فى مباشرة الاسباب التى هى الكفر والتكذيب وسائر المعاصى ، قال الكاشفى [ يعنى هيج كدام را مهلت نداديم وآخرين راجون اولين معاقب كردانيم ] { وجعلناهم } بعد اهلاكهم { احاديث } لمن بعدهم اى لم يبق عين ولا اثر الا حكايات يسمر بها ويتعجب منها ويعتبر بها المعتبرون من اهل السعادة وهو اسم جمع للحديث او جمع احدوثة وهى ما يتحدث به تلهيا وتعجبا وهو املراد ههنا كاعاجيب جمع اعجوبة وهى ما يتعجب منها ، قال الكاشفى [ وساختيم آنراسخنان يعنى عقوبت خلق كردانيديم كه دائم عذاب ايشانرا يادكنند وبدان مثل زنند خلاصه سخن آنكه از ايشان غير حكايتى باقى نماندكه مردم افسانه وار ميكويند واكر سخن نيكوى ايشان بماندى به بودى برزكى كفته است ] (9/2)
تفنى وتبقى عنك احدوثة ... فاجهد بان تحسن احدوثتك
[ ودر ترجمه آن فرسوده اند
بس ازتو اين همه افسانها كه مى خوانند ... دران بكوكش كه نيكو بماند افاسنه
يقول الفقير فى البيت العربى دلالة على ان الاحدوثة تقا ل على الخير والشر وهو خلاف ما قال الاخفش من انه لا يقال فى الخير جعلتهم احاديث واحدوثة وانما يقال جعلت فلانا حديثا انتهى ، ويمكن ان يقال فى البيت ان الاحدوثة الثانية وقعت بطريق المشاكلة { فبعدا لقوم لايؤمنون } [ بست دورى باد از رحمت حق مركروهى راكه نمى كروند بابياء وتصديق ايشان نمى كنند ] وفى اكثر التفاسير بعدوا بعدا اى هلكوا واللام لبيان من قيل له بعدا وخصهم بالنكرة لان القرون المذكورة منكرة بخلاف ما تقدم من قوله فبعدا للقوم الظالمين حيث عرف بالالف واللام لانه فى حق قوم معينين كما سبق ، وفى الآية دلالى على ان عدم الايمان سبب للهلاك والعذاب فى النيران كما ان التصديق مدار للنجاة والتنعم فى الجنان .
قال يعقوب عليه السلام للبشير على أى دين تركت يوسف قال على الاسلام قال الآن تمت النعمة على يعقوب وعلى آل يعقوب اذ لا نعمة فوق الاسلام وحيث لا يوجد فجميع النعم عدم وحيث يوجد فجميع النقم عدم ، وسأل رجل عليا رضى الله عنه هل رأيت ربك فقال أفاعبد مالا ارى فقال كيف تراه قال لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلب بحقائق الايمان ، وعنه من عرف ربه جل ومن عرف نفسه ذل يعنى عرفان الرب بعطى جلالة فى المعنى وعرفان النفس يعطى ذلة فى الصورة فالكفار وسائر اهل الظلم عدو انفسهم اعزة فذلا صورة ومعنى حيث بعدوا من الله تعالى فى الباطن وهلكوا مع الهالكين فى الظاهر والمؤمنون وسائر العدول عدو انفسهم فعزوا صورة ومعنى حيث تقربوا ال الله تعالى فى الباطن ونجوا من الهلاك فى الظاهر فجميع التنزل انما يأتى من جهة الجهل بالرب والنفس (9/3)
رونق كار خسان كاسد شود ... همجو ميوه تازه زوفاسد شود
فعلى العاقل الانقياد لاهل الحق فان جمع الفيض انما يحصل من مشرب الانقياد وبالانقياد يحصل العرفان التام وشهود رب العباد
كى رسانند آن امانت را بتو ... تانباشى بيششان راكع دوتو
اللهم اعصمنا من العناد اثبتنا على الانقياد .
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45)
{ ثم ارسلنا موسى وآخاه هارون بآياتنا } هى الآيات التسع من اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الثمرات والطاعون ولامساغ لعد فلق البحر منها اذ المراد الآيات التى كذبوها { وسلطان مبين } حجة واضحة ملزمة للخصم وهى العصا وخصصها لفضلها على سائر الآيات او نفس الآيات عبر عنها بذلك على طريق العطف تنبيها على جمعها لعنوانين جليلين وتنزيلا لتغيرها منزلة التغاير الذاتى . (9/4)
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46)
{ الى فرعون وملائه } اى اشراف قومه من القبط خصوا بالذكر لان ارسال بنى اسرائيل منوط بآرائهم لا بأراء اعقابهم { فاستكبروا } عن الايمان والمتابعة وعظم الكبر ان يتهاون العبيد بآيات ربهم وبرسالاته بعد وضوحها وانتقاء الشك عنها ويتعظموا عن امتثالها وتقبلها { وكانوا قوما عالين } متكربين مجاوزين للحد فى الكبر والطغيان اى كانوا قوما عادتهم الاستكبار والتمرد . (9/5)
فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47)
{ فقالوا } عطف على استكبروا وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار اى قالوا فيما بينهم بطريق المناصحة { أتؤمن } الهمزة للانكار بمعنى لا نؤمن وينبغى ان يصدر منا الايمان { لبشرين مثلنا } وصف بالمثل الاثنان لانه فى حكم المصدر العام للافراد والتثنية والجمع المذكر والمؤنث { وقومهما } يعنون بنى اسرائيل { لنا } متعلقة بقوله { عابدون } والجملة حال من فاعل تؤمن اى خادمون منقادون لنا كالعبيد وكأنهم قصدوا بذلك التعرض لشأنهما واحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير البشر ، قال الكاشفى [ دربعضى تفاسير آورده انده كه بنى اسرائيل فرعون رامى برستيدند نعوذ بالله واوبت مى برستيد ياكوساله ] اى فتكون طاعتهم لهم عبادة على الحقيقة . (9/6)
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)
{ فكذبوهما } اى فاصروا على تكذيب موسى وهارون حتى يئسا من تصديقهم { فكانوا } فصاروا { من المهلكين } بالغرق فى بحر القلزم . (9/7)
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)
{ ولقد آتينا موسى } اى بعد اهلاكهم وانجاء بنى اسرائيل من ايديهم { الكتاب } التوراة { لعلهم } لعل بنى اسرائيل { يهتدون } الى طريق الحق بالعمل بما فيها من الشرائع والاحكام . (9/8)
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)
{ وجعلنا ابن مريم } ايى عيسى { وامه آية } دالة على عظم قدرتنا بولادته منها من غير مسيس بشر فالآية امر واحد مضاف اليهما او جعلنا ابن مريم آية بان تكلم فى المهد فظهرت منه معجزات جمة وامه آية بانها ولدته من غير مسيس فحذف الاول لدلالة الثانية عليها ، قال فى العيون آية اى عبرة لبنى اسرائيل بعد موسى لان عيسى تكلم فى المهد واحيى الموتى مريم ولدته من غيس مسيس وهما آيتان قطعا فيكون هذا من قبيل الاكتفاء بذكر احداهما انتهى ، وتقديمه عليه السلام لا صالته فيما ذكر من كونه آية كما ان تقديم امه فى قوله { وجعلناها وابنها آية للعالمين } لا صالتها فيما نسب اليها من الاحصان والنفخ وروى ان رسول الله عليه السلام صلى الصبح بمكة فقرأ سورة المؤمنين فلما اتى على ذكر عيسى وامه اخذته شرقة فرطع اى شرق بدمعه فعى بالقرآءة { وآويناهما الى ربوة } [ وجاى داديم مادر وبسررا وقتى كه ازيهود فرار كردند وباز آورديم بسوى ربوة از زمين بيت مقدس ] اى انزلناهما الى مكان مرتفع من الارض وجعلناه مأواهما ومنزلهما وهى ايليا ارض بيت المقدس فانها مرتفعة وانها كبد الارض واقربها الى السماء بثمانية عشر ميلا على مايروى عن كعب ، وقال الامام السهيلى اوت مريم بعيسى طفلا الى قرية من دمشق يقال لها ناصرة وبناصرة تمسى النصارى واشتق اسمهم منها ، قال الكاشفى [ آورداندكه مريم بابسر عم خود يوسف بن ماتان دوازده سال دران موضع بشر بردند وطعام عيسى ازبهاى ريسمان بودكه كه مادرش مى رشت وميفروخت ] ، يقول الفقير فيه اشارة الى ان غزل القطن والكتان ونحوهما لكونه من اعمال خيار النساء احب من غزل القز ونحوه على ما أكب عليه اهل بروسة والديارالتى يحصل فيها دود القز مع من زين اهل الدنيا وبه غالبا شهرة اربابها وافتخارهم { ذات قرار } [ خداوند قرار يعنى مقرى منبسط وسهل كه برو آرام توان كرفت ] وقيل ذات ثمار وزروع فان ساكنيها يستقرون فيها لاجلها ، قال الراغب قرّ فى المكان يقر قرارا اذا ثبت ثبوتا خامدا واصله من القر وهو البرد لاجل ان البرد يقتضى السكون والحريقتضى الحركة { معين } وماء معين ظاهر دار فعيل من معن الماء اذا جرى وقيل من العين والميم زائدة ويسمى الماء الجارى معيناً لظهوره وكونه مدركا بالعيون وصف ماء تلك الربوة بذلك للايذان بكونه جامعا لفنون المنافع من الشرب وسقى ما يسقى من الحيوان والنبات بغير كلفة والتنزه بمنظره الحسن المعجب ولولا ان يكون الماء الجارى لكان السرور الاوفر فائتا وطيب المكان مفقودا ولا مرّ ماجاء الله بذكر الجنات مشفوعا بذكر الماء الجارى من تحتها مسوقين على قران واحد ومن احاديث المقاصد الحسنة (9/9)
« ثلاث يجلون البصر النظر الى الخضرة والى الماء الجارى والى الوجه الحسن » اى ما يحل النظر اليه فان النظر الى الامرد الصبيح ممنوع ، قال الشيخ سعدى فى حق من يديم النظر الى النقاش عند نظر النقش (9/10)
جراطفل يكروزه هوشش نبرد ... كه درصنع ديدن جه بالغ جه خرد
محقق همى بيند اندر ابل ... كه در خوب رويان جين وجكل
وهما علمان لبلدتين من بلاد الترك يكثر فيهما المحابيب .
وفى التأويلات النجمية قوله { وجعلنا ابن مريم وامه آية } يشير به الى عيسى الروح الذى تولد من امركن بلا اب من علام الاسباب وهو اعظم آية من آيات الله المخلوقة التى تدل على ذات الله ومعرفته لانه خليفة الله وروح منه { و آويناهما الى ربوة } اى ربوة القلب فانه مأوى الروح ومأوى الامر بالاوامر والنواهى { ذات قرار ومعين } هو منزلهما ودار قرارهما يعنى ما دام القلب يكون مأوى الروح ومقره يكون مأوى الامر ومقره بان لاتسقط عنه التكاليف واما المعين فهو عين الحكمة الجارية من القلب عل اللسان انتهى ، اللهم يامعين اجعلنا من اهل المعين .
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)
{ يايها الرسل كلوا من الطيبات } خطاب لجميع الرسل لا على انهم خوطبوا بذلك دفعة لانهم ارسلوا متفرقين فى ازمنة مختلفة بل على معنى ان كل رسول منهم خوطب به فى زمانه ونودى ووصى ليلعم السامع ان اباحة الطيبات للرسل شرع قديم وان امرا نودى له جميع الانبياء ووصوا به حقيق ان يؤخذ به ويعمل عليه اى وقلنا لكل رسول كل من الطيبات واعمل صالحا فعبر عن تلك الاوامر المتعدد المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية اجمالا للايجاز ، وقال بعضهم انه خطاب لرسول الله وحده على دأب العرب فى مخاطبة الواحد بلفظ الجمع للتعظيم وفيه ابانة لفضله وقيامه مقام الكل فى حيازة كمالاتهم (9/11)
وقد جمع الرحمن فيك لمعاجزا ... آنكه خوبان همه دارند تو تنها دارى ... والطيبات مايستطاب ويستلذ من مابحات المآكل والفواكه { واعملوا صالحا } اى عملا صالحا فانه المقصود منكم والنافع عند ربكم وهذا الامر للوجوب بخلاف الاول وفيه رد وهدم لما قال بعض المبيحين من ان العبد اذا بلغ غاية المحبة وصفا قلبه واختار الايمن على الكفر من غير نفاق سقط عنه الاعمال الصالحة من العبادات الظاهرة وتكون عبادته التفكر هذا كفر وضلال فان اكمل الناس فى المحبة والايمان هم الرسل خصوصا جبيب الله مع ان التكاليف بالاعمال الصالحة والعبادات فى حقهم اتم واكمل { انى بما تعملون } من الاعمال الظاهرة والباطنة { عليم } فاجازيكم عليه ، وفى الآية دلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات يعنى على تقدير اعتقادهم بان ليس فى دينهم اكل الطيبات ، واعلم ان تأخير ذكر العمل الصالح يدل على ان تكون نتيجته اكل الحلال : وفى المثنوى
علم وحكمت زايد ازلقمه حلال ... عشق ورقت آيد ازلقمه حلال
جون زلقمه توحسد بينى ودام ... جهل وغفلت زايد آنرا دان حرام
هيج كندم كارى وجوه بردهد ... ديده اسبى كه كره خر دهد
لقمه تخمست وبرش انديشها ... لقمه بحر وكوهرش انديشها
زايد ازلقمه حلال اندر دهان ... ميل خدمت عزم رفتن آن جهان
قال الراغب اصل الطيب ماتستلذه الحواس والنفس والطعام الطيب فى الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز من المكان الذى يجوز فانه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا وآجلا لا يستوخم ولا فاه وان كان طيبا عاجلا لم يطب آجلا وفى الحديث « ان الله طيب لا يقبل الا طيبا » قال صاحب روضة الاخبار
فرموده لقمه كه دراصل نباشد حلال ... زونقتد مرد مكر درضلال
قطره باران توجون صاف نيست ... كوهر درياى توشفاف نيسث
وكان عيسى عليه السلام يأكل من غزل امه وكان رزق نبينا عليه السلام من الغنائم وهو اطيب الطيبات روى عن خت شداد انها بعثت الى رسول الله بقدح من لبن فى شدة الحر عند حظرة وهو صائم فرده اليها وقال من اين لك هذا فقالت من شاة لى ثم رده وقال من اين هذه الشاة فقالت اشتريتها بمالى فاخذه ثم انها جاءته وقالت يا رسول الله لم رددته فقال بذلك امرت الرسل ان لا يأكلوا الا طيبا ولا يعملوا الا صالحا ، قال الامام الغزالى رحمه الله اذا كان ظاهر الانسان الصلاح والستر فلا حرج عليك فى قبول صلاته وصدقته ولا يلزمك البحث بان تقول قد فسد الزمان فان هذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم بل حسن الظن بالمسلمين مأمور به ، قال ابو سليمان الدارانى رحمه الله لان اصوم النهار وافطر الليل على لقمة حلال احب الى من قيام الليل وصوم النهار وحرام على شمس التوحيد ان تحل قلب عبد فى جوفه لقمة حرام ثم ان اكل الطيبات وان رخص فيه لكنه قد يترك قطعا للطبيعة عن الشهوات ، قال ابو الفرج بن الجوزى ذكر القلب فى المباحات يحدث له ظلمه فكيف تدبير الحرام اذا غير المسك الماء منع الوضوء به فكيف ولوغ الكلب ولذا قال بعض الكبار من اعتاد بالمباحات حرم لذة المناجاة اللهم اجعلنا من اهل التوجه والمناجاة .
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)
{ وان هذه } اى ملة الاسلام والتوحيد واشير ليها بهذه للتنبيه على كمال ظهور امرها فى الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الامور المشاهدة { امتكم } اى ملتكم وشريعتكم ايها الرسل ، قال القرطبى الامة هنا الدين ومنه انا وجدنا آباءنا على امة اى على دين مجتمع { امة واحدة } حال من هذه اى ملة وشريعة متحدة فى اصول الشرائع التى لا تتبدل بتبدل الاعصار واما الاختلاف فى الفروع فلا يسمى اختلافا فى الدين فالحائض والطاهر من النساء دينهما واحد وان افترق تكليفهما ، وقيل هذه اشارة الى الامم المؤمنة للرسل المعنى ان هذه جماعتكم واحدة متفقة على الايمان والتوحيد فى العبادة ولا يلائمه قوله تعالى { وانا ربكم } من غير ان يكون لى شريك فى الربوبية { فاتقون } اى فى شق العصا ومخالفة الكلمة والضمير للرسل والامم جميعا على ان الامر فى حق الرسل للتهييج والالهاب وفى حق الامم للتحذير والايجاب ، وفى التفسير الكبير فيه تنبيه على ان دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه . (9/12)
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
{ فتقطعوا امرهم بينهم } اى جعلوا امر دينهم مع اتحاده قطعا متفرقة واديانا مختلفة { زبرا } حال من امرهم اى قطعا جمع زبور بمعنى الفرقة : وبالفارسية [ بارها يعنى كروه كروه شدند وختلاف كردند ] { كل حزب } اى جماعة من اولئك المتحزبين { بما لديهم } من الدين الذى اختاروه { فرحون } معجبون معتقدون انه الحق ، قال بعض الكبار كيف يفرح العبد با لديه وليس يعلم ماسبق له فى محتوم العلم ولا ينبغى للعارفين ان يفرحوا بما دون الله من العرش الى الثرى بل العارف الصادق اذا استغرق فى بحار المعرفة فهمومه اكثر من فرحه لما يشاهد من القصور فى الادراك ، قال الشيخ سعدى [ عاكفان كعبه جلالش بتقصير عبادت معترفندكه ما عبدناك حق عبادك وواصفان حليه جمالش بتحير منسوب كه ما عرفناك حق معرفتك (9/13)
كركسى وصف اوزمن برسد ... بى دل ازبى تشان جه كويد باز
عاشقان كشتكان معشوقند ... رنيايد زكشتكان اواز
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)
{ فذرهم فى غمرتهم } شبه ماهم فيه من الجهالة بالماء الذى يغمر القامة ويسترها لانهم مغمورون فيها لاعبون بها ، قال الراغب اصل الغمر ازالة اثر الشىء ومنه قيل للماء الكثير الذى يزيل اثر مسيله غمر وغامر والغمرة معظم الماء الساترة لمقرها وجعل مثلا للجهالة التى تغمر صاحبها والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى اتركهم يعنى الكفار المتفرقة على حالهم ولا تشغل قلبك بهم وبتفرقهم { حتى حين } هو حين قتلهم او موتهم على الكفر او عذابهم فهو وعيد لهم بعذاب الدنيا الآخرة وتسلية لرسول الله ونهى له عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره . (9/14)
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55)
{ أيحسبون انما نمدهم به } الهمزة لانكار الواقع واستقباحه وما موصولة اى أيظن الكفرة ان الذى نعطيهم اياه ونجعله مددا لهم { من مال وبنين } بيان للموصول وتخصيص البنين لشدة افتخارهم بهم . (9/15)
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)
{ نسارع } به { لهم فى الخيرات } فما فيه خيرهم واكرامهم ، قال الكاشفى [ يعنى كمان ميبرندكه امداد مايشانرا بمال وفرزند مسارعتست ازما براى ايشان درنيكويى واعمال ايشانرا استحقاق آن هست كه ما باداش آن بايشان نيكوبى كنيم ] { بل } [ نه جنين است كه مى بندارند بلكه ] { لايشعرون } [ نميدانندكه اين امداد استدراجست نه مسارعت در خير ] فهو عطف على مقدر أى كلا لانفعل ذلك بل هم لايشعرون بشىء اصلا كالبهائم لافطنة لهم ولا شعور ليتأملوا ويعرفوا ان ذلك الامداد استدراج واستجرار الى زيادة الاثم وهم يحسبونه مساعرة لهم فى الخيرات روى فى الخير ان الله تعالى اوحى الى نبى من الانبياء أيفرح عبدى ان ابسط له فى الدنيا فهو ابعد له منى أيجزع عبدى المؤمن ان اقبض عنه الدنيا وهواقرب له منى ثم قال أيحسبون ان ما نمدهم الخ ، قال بعض الكبار ان الله تعالى امتحن الممتحنين بزينة الدنيا ولذتها وجاهها ومالها وخيراتها فاستلذوها واحتجبوا بها عن مشاهدة الرحمن وظنوا انهم نالوا جميع الدرجات وانهم مقبولون حين اعطوا هذه الفانيات ولم يعلموا انها استدراج لامنهاج ، قال عبدالعزيز المكى من تزين بزينة فانية فتلك الزينة تكون وبالا عليه الا من تزين بما يبقى من الطاعات والموافقات والمجاهدات فان الانفس فانية والاموال عوارى والاولاد فتنة فمن تسارع فى جمعها وحظها وتعلق قلبه بها قطع عن الخيرات اجمع وما عبدالله بطاعة افضل من مخالفة النفس والتقلل من الدنيا وقطع القلب عنها لان المسارعة فى الخيرات هو اجتناب الشرور واول الشرور حب الدنيا لانها مزرعة الشيطان فمن طلبها وعمرها فهو حزبه وعبده وشر من الشيطان من يعين الشيطان على عمارة داره : ومن كلمات سلطان ولد (9/16)
بكذار جهان راكه جهان آن تونيست ... وين دم كه همى زنى بفرمان تونيست
كرمال جهان جمع كى شاد مشو ... ورتيكه بجان كنى جان آن تونيست
قال الشيخ سعدى قدس سره
برمرد هشيار دنيا خسست ... كه هر مدتى جاى ديكر كسست
برفتندهر كس درود آنجه كشت ... نماند بجزنام نيكو وزشت
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)
{ ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون } اى من خوف عذابه حذرون والخشية خوف يشوبه تعظيم والاشفاق عناية مختلطة بخوف لان المشفق يحب المشفق عليه وبخاف ما يلحقه وقد سبق تحقيقه فى سورة الانبياء وعن الحسن ان المؤمن جمع احسانا وخشية والكافر جمع اساءة وامنا (9/17)
هركه مرورا ايمن كنند ...
وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)
{ والذين هم بآيات ربهم } المنصوبة فى الآفاق والمنزلة على الاطلاق { يؤمنون } يصدقون مدلولها ولا يكذبونها بقول وفعل . (9/18)
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)
{ والذين هم بربهم لا يشركون } غيره شركا جليا ولاخفيا ولذلك عبر عن الايمان بالآيات ، قال الجنيد قدس سره من فتش سره فرأى فيه شيأ اعظم من ربه او اجل منه فقد اشرك به او جعل له مثلا . (9/19)
وفى التأويلات النجمية ومن اعظم الشرك ملاحظة الخلق فى الرد والقبول وهى الاستبشار بمدحهم والانكسار بذمهم وايضا ملاحضة الاسباب فاذا جاء اليقين بحيث ارتقع التوهم اى توهم ان الشىء من الحدثان لامن التقدير فحينئذ يتقى امن الشركك قال الجامى قدس سره
جيب خاص است كه كنج كهراخلاص است ... نيست اين در ثمين در بغل هر دغلى
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)
{ والذين يؤتون ماآتوا } اى يعطون ماعطوه من الزكوات والصدقات وتوسلوا به الى الله تعالى من الخيرات والمبرا وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والماضى على التحقق { وقلوبهم وجلة } حال من فاعل يؤتون اى والحال ان قلوبهم خائفة اشد الخوف ، قال الراغب الوجل استشغار الخوف { انهم الى ربهم راجعون } اى من ان رجوعهم اليه تعالى على ان مناط الوجل ان لايقبل منهم ذلك وان لايقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حنيئذ لامجرد رجوعهم اليه تعالى والمواصلات الاربعة عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر فى حيز صلاتها من الاوصاف الاربعة لا عن طوائف كل واحدة منها متصفة بواحد من الاوصاف المذكورة كأنه قيل ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون وبآيات ربهم يؤمنون الخ وانما كرر الموصول ايذانا باستقلال الموصوف بها ، قال بعض الكبار وجل العارف من طاعته اكثر من وجله من مخالفته لان المخالفة تمحى بالتوبة والطاعة تطلب بتصحيحها والاخلاص والصدق فيها فاذا كان فاعل الطاعات خائفا مضطربا فكيف لايخاف غيره قال الشيخ سعدى قدس سره . (9/20)
دران روز كزفعل برسند وقول ... اولو العز را تن بلرزد زهول
بجايى كه دهشت خرود انبياء ... توعذر كنه را جه دارى بيا
أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)
{ اولئك } المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة خاصة دون غيرهم { يسارعون } [ مى شتابند ] { فى الخيرات } اى فى نيل الخيرات التى من جملتها الخيرات العاجلة الموعودة على الاعمال الصالحة كما قال تعالى { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة } { وآتيناه اجره في الدينا وانه فى الآخرة لمن الصالحين } لانهم اذا سورع بها لهم فقد سارعوا فى نيلها وتعجلوها فيكون اثبت لهم ما نفى عن لكفار ، قال فى الارشاد ايثار كلمة فى على كلمة الى للايذان بانهم متقلبون فى فنون الخيرات لا انهم خارجون عنها متوجهون اليها بطريق المسارعة كما فى قوله تعالى { وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة } الخ { وهم لها سابقون } اى اياها سابقون متقدمون واللام لتقوية عمل اسم الفاعل اى ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم فى الدينا ، قال بعض الكبار بالمسارعات الى الخيرات تبتغى درجة السابقين ويطلب مكارم الواصلين لا بالدواعى والاهمال وتضييع الاوقات من اراد الوصول الى المقامات من غير آداب ورياضات ومجاهدات فقد خاب وخسر وحرم الوصول اليها . (9/21)
وفى التأيلات النجمية { اولئك يسارعون فى الخيرات } الخ اى هم المتوجهون الى الله المعرضون عما سواه المسارعون بقدم الصدق والسعى الجميل على حسب ماسبقت لهم ن الله الحسنى { وهم لها سابقون } على قدر سبق العناية انتهى ، يعنى بقدر سبق العناية يسبق العبد على طريق الهداية فلكل سالك حظوه ولذا قال بعض الكبار جنة النعيم لاصحاب العلوم وجنة الفردوس لاصحاب الفهوم وجنة المأوى لاصحاب التقوى وجنة عدن للقائمين بالوزن وجنة الخلد للمقيمين على الودّ وجنة المقامة لاهل الكرامة وليس فى مقدور البشر مراقبة لله تعالى فى السر والعلن مع الانفاس فان ذلك من خصائص الملأ الاعلى واما رسول الله عليه السلام فكانت له هذه الرتبة لكونه مسرعا فى جميع احواله فلا يوجد الا فى واجب او مندوب او مباح فهذا هو السبق الاعلى والمسارعة العليا حيث لاقدم فوقه نسأل الله تعالى ان يجعلنا من المسارعين الى الخيرات ومراقبى الانفاس مع الله فى جميع الحالات كما قال { والذين هم على صلاتهم دائمون }
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)
{ ولا نكلف نفسا } من النفوس { الا وسعها } قدر طاقتها لا اله الا الله والعمل بما يترتب عليه من الاحكام من قبيل ماهو فى الوسع ، قال مقاتل من لم يستطع القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع القعود فليومىء ايماء ، قال الحريرى لم يكلف الله العباد معرفته على قدره وانما كلفهم على اقدارهم ولو كلفهم على قدره لما عرفوه لانه لا يعرفه على الحقيقة احد سواه : قال الجامى (9/22)
عمرى خردجوجشمه هاجشمها كشاد ... تابر كمال كنه اله افكند نكاه ليكن كشيد عاقبتش در دو ديده نيل
شكل الف كه حرف نخست است ازاله ... { ولدينا } عندنا { كتاب } صحائف اعمال قد اثبت فيها اعمال كل احد على ماهى عليه { ينطق بالحق } بالصدق لا يوجد فيه مايخالف الواقع اى يظهر لحق ويبينه للناظر كما يبينه النطق ويظهر للسامع فنيظر هنالك اعمالهم ويترتب عليها اجزيتها ان خيرا فخير وان شر فشر : وبالفارسية [ ونزد ما ست نامه اعمال هركس كه سخن كويد براستى وكواهى دهد بركردار هركس ] { وهم لا يظلمون } فى الجزاء بنقص ثواب او بزيادة عذاب بل يجزون بقدر اعمالهم التي كلفوها ونطقت بها صحائفها بالحق .
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)
{ بل قلوبهم فى غمرة من هذا } اى بل قلوب الكفرة فى غفلة غامرة اى ساترة لها من هذا الذى بين فى القرآن من ان لديه كتابا ينطق بالحق ويظهر لهم اعمالهم السيئة على رؤس الاشهاد فيجزون بها { ولهم اعمال } خبيثة كثيرة { من دون ذلك } الذى ذكر من كون قلوبهم فى غفلة عظيمة مما ذكر وهى فنون كفرهم ومعاصيهم التى من جملتها ماسيأتى من طعنهم فى القرآن { هم لها عاملون } معتادون فعلها . (9/23)
حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64)
{ حتى اذا اخذنا مترفيهم } غاية لاعمالهم المذكورة ومبتدأ لما بعده من مضمون الشرطية اى لايزالون يعملون اعمالهم الى حيث اذا اخذنا متنعميهم ورؤساءهم { بالعذاب } الاخروى اذ هو الذى يفاجئون عنده الجؤار فيجابون بالرد والاقناط واما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار فالضمير فى قوله { اذا هم يجأرون } راجع الى المترفين اى فاجأوا الصراخ بالاستغاثة اى يرفعون اصواتهم بها ويتضرعون فى طلب النجاة فان اصل الجؤار دفع الصوت بالتضرع وجأر الرجل الى الله تضرع بالدعاء ، قال الراغب جأر اذا افرط فى الدعاء والتضرع تشبيها بجؤار الوحشيات كالضباء ونحوها وتخصيص المترفين باخذ العذاب ومفاجأة الجؤار مع عمومه لغيرهم ايضا لغاية ظهور انعكاس حالهم وايضا اذا كان لقاؤهم هذه الحالة الفظيعة ثابتا واقعا فما ظنك بحال الاصاغر والخدم ، وقال بعضهم المراد بالمترفين المعذبين ابو جهل واصحابه الذين قتلوا ببدر والذين هم يجأرون اهل مكة فيكون الضمير راجعا الى ما رجع اليه ضمير مترفيهم وهم الكفرى مطلقا . (9/24)
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)
{ لا تجأروا اليوم } على اضمار القول اى فيقال لهم وتخصيص اليوم بالذكر وهو يوم القيامة لتهويله والايذان بتفويتهم وقت الجؤار { انكم منا لا تنصرون } اى لايلحقكم من جهتنا نصرة تنجيكم مما دهمكم . (9/25)
قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)
{ قد كانت آياتى تتلى عليكم } فى الدنيا لتنتفعوا بها { فكنتم على اعقابكم تنكصون } الاعقاب جمع عقب وهو مؤخر الرجل ورجع على عقبه اذا انثنى راجعا والنكوص الرجوع القهقرى اى معرضون عن سماعها اشد الاعراض فضلا عن تصديقها والعمل بها . (9/26)
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)
{ مستكبرين به } اى حال كونكم مكذبين بكتابى الذى عبر عنه بآياتى على تضمين الاستكبار معنى التكذيب { سامرا } حال بعد حال وهو اسم جمع كالحاضر ، قال الراغب قيل معناه سمارا فوضع الواحد موضع الجمع وقيل بل السامر الليل المظلم والسمر سواد الليل ومنه قيل للحديث بالليل سمر وسمر فلان اذا تحجث ليلا كانوا يجتمعون حول البيت بالليل ويسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا وشعرا { تهجرون } حال اخرى من الهجر بالفتح بمعنى الهذيان او الترك اى تهذون فى شأن القرآن وتتركونه وفيه ذم لمن يسمر فى غير طاعة الله تعالى كان عليه السلام يؤخر العشاء الى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها ، قال القرطبى اتفق على كراهية الحديث بعدها لان الصلوات حد كفرت خطايا الانسان فينام على سلامة وقد ختم الحفظة صحيفته بالعبادة فان سمر بعد ذلك فقد لغا وجعل خاتمتها اللغو والباطل ، وكان عمر رضى الله عنه لا يدع سامرا بعد العشاء ويقول ارجوا فلعل الله يرزقكم صلاة او تهجدوا ، قال الفقيه ابو الليث رحمه الله السمر على ثلاثة اوجه . احدها ان يكون فى مذاركة العلم فهو افضل من النوم ويلحق به كل ما فيه خير وصلاح للناس فانه كان سمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعند العشاء فى بيت ابى بكر رضى الله عنه ليلا فى الامر الذي يكون من امر المسلمين . والثانيى ان يكون فى اساطير الاولين والاحاديث الكذب والسخرية والضحك فهو مكروه . والثالث ان يتكلموا للمؤانسة ويتجنبوا الكذب وقول الباطل فلا بأس به والكف عنه افضل للنهى الوارد فيه واذا فعلوا ذلك ينبغى ان يكون رجوعهم الى ذكر الله والتسبيح والاستغفار حتى يكون رجوعهم بالخير وكان عليه السلام اذا اراد القيام عن مجلسه قال « سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك » ثم يقول « علمنيهن جبريل » ، قال فى روضة الاخبار « من قال ذلك قبل ان يقوم من مجلسه كفر الله ما كان فى مجلسه ذلك » كذا فى الحديث انتهى ، وروى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت لا سمر الا لمسافر او لمصل ومعنى ذلك ان المسافر يحتاج الى ما يدفع عنه النوم للمشى فابيح له ذلك وان لم يكن فيه قربة وطاعة والمصلى اذا سمر ثم صلى يكون نومه على الصلاة وختم سمره بالطاعة ، فعلى العاقل ان يجتنب عن الفضول وعن كل ما يفضى الى البعد عن تحريم القبول وبفى عمره من تضيع الاوقات فى اكتساب ما هو من الآفات : قال الحافظ (9/27)
ما قصه سكندر ودارا بخوانده ايم ... از مابجز حكايت مهر ووفامبرس
وقال بعضهم
جزياد دوست هرجه كنم جمله ضايعست ... جز سر شوق هرجه بكويم بطالتست
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)
{ أفلم يدبروا القول } الهمزة لانكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر اى أفعل الكفار ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجرة فلم يتدبروا القرآن ليعرفوا بما فيه من اعجاز النظم وصحة المدلول والاخبار عن الغيب انه الحق من ربهم فيؤمنوا به فضلا عما فعلوا فى شأنه من القبائح ولتدبر احضار القلب للفهم ، قال الراغب التدبر التفكر فى دبر الامور { ام جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين } ام منقطعة مقدرة ببل والهمزة قيل للاضراب والانتقال عن التوبيخ بما ذكر الى التوبيخ بآخر والهمزة لانكار الواقع اى بل أجاءهم من الكتاب مال م يأت آباءهم الاولين حتى استبعدوه فوقعوا فى الكفر والضلال يعنى ان مجيء القرآن على طريقته فمن اين ينكرونه . (9/28)
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)
{ ام لم يعرفوا رسولهم } اضراب وانتقال من التوبيخ بما ذكر الى التوبيخ بوجه آخر والهمزة لانكار الوقوع ايضا اى بل ألم يعرفوه عليه السلام بالامانة والصدق وحسن الاخلاق وكمال العلم مع عدم التعلم من احد الىغير ذلك من صفة الانبياء { فهم له منكرون } اى جاهدون بنبوته فحيث انتفى عدم معرفتهم بشأنه عليه السلام ظهر بطلان انكارهم لانه مترتب عليه . (9/29)
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)
{ ام يقولون به جنة } انتقال الى توبيخ آخر والهمزة لانكار الواقع اى بل أيقولون به جنون : وبالفارسية [ ياميكويند درو ديوكيست ] مع انه ارجح الناس عقلا وايقبهم ذهنا واتقنهم رأيا واوفرهم رزانة { بل جاءهم بالحق } اى ليس الامر كما زعموا فى حق القرآن والرسول بل جاءهم الرسول بالصدق الثابت الذى لا ميل عنه ولا مدخل فيه للباطل بوجه من الوجوه ، قال الكشافى [ يعنى اسلام ياسخن راست كه قرآنست ] { واكثرهم للحق } من حيث هو حق اى حق كان لا لهذا الحق فقط كما ينبىء عنه الاظهار فى موقع الاضمار { كارهون } لما فى جبلتهم من الزيغ والانحراف المناسب للباطل ولذلك كرهوا هذا الحق الا بلج وزاغوا عن الطريق الانهج وتخصيص اكثرهم بهذا الوصف لا يقتضى الا عدم كرهة الباقين لكل حق من الحقوق وذلك لاينافى كراهتهم لهذا الحق المبين ، يقول الفقير لعل وجه التخصيص ان اكثر القوم وهم الباقون على الكفر كارهون للحق ولذا اصروا واقلهم وهم المختارون للايمان غير كارهين ولذا اقروا فان الحكمة الالهية جارية على ان قوم كل نبى اكثرهم معاند كما قال تعالى { ولقد ضل قبلهم اكثر الاولين } قال الحافظ (9/30)
كوهر باك ببايدكه شود قابل فيض ... ورنه هرسنك وكلى لؤلؤ ومرجان تشود
فالاقل وهم المستعدون كالجواهر النفيسة والازهار الطيبة والاكثر وهم غير المستعدين كلاحجار الخسيسة والنباتات اليابسة ، واعلم ان الكفار كرهوا الحق المحبوب المرغوب طبعا وعقلا ولو تركوا الطبع والعقل واتبعوا الشرع واحبوه لكان خيرا لهم فى الدنيا والآخرة ، ان قلت هل يعتد فى الآخرة بما يفعل الانسان فى الدنيا من الطاعة كرها ، قلت لا فان الله تعالى ينظر الى السرائر ولايرضى الاخلاص ولهذا قال عليه السلام « انما الاعمال بالنيات » وقال « اخلص يكفك القليل من العمل »
عبادت باخلاص نيت نكوست ... وكرنه جه آيد زبى مغز بوست
اكرجز بحق ميرود جاده ات ... در ىتش فشانند سجاده ات
ومن لطائق المولى الجامى
تهيست سبحة زاهد زكوهر اخلاص ... هزار بار من آنرا شمرده ام يك يك
ودلت الآية على ان ما هو مكروه عند الانسان لايلزم ان يكون مكروها عند الرحمن والله تعالى لا يحمل العباد الا على نعيم الابد وقد علم الحق تعالى قلة نهوض العباد الى معاملته الت لا مصلحة لهم فى الدراين الا بها فاوجب عليهم وجود طاعته ورتب عليها وجود ثوابه وعقوبته فاسقهم اليها بسلاسل الايجاب اذ ليس عندهم من المروءة ما يردهم اليه بلا علة هذا حال اكثر الخلق بخلاف اهل المروءة والصفا وذوى المحبة والوفا الذين لم يزدهم التكليف الاشرفا فى افعالهم وزيادة فى نوالهم ولو لم يكن وجوب لقاموا للحق بحق العبودية ورعوا ما يجب ان يراعى من حرمة الربوبية حتى ان منهم من يطلب لدخول الجنة فيأبى ذلك طلبا للقيام بالخدمة فتوضع فى اعناقهم السلاسل من الذهب فيدخلون بها الجنة قيل ولهذا يشير عليه السلام بقوله
« عجب ربكم من قوم يقادون الى الجنة بالسلاسل » وفى الحديث اشارة ايضا الى ان بعض الكراهة قد يؤول الى المحبة ألا ترى الى احوال بعض الاسارى فانهم يدخلون دار الاسلام كرها ثم يهديهم الله تعالى فيؤمنون طوعا فيساقون الى الجنة بالسلاسل فالعبرة فى كل شىء للخاتمة ، قال بعضهم من طالع الثواب والعقاب فاسلم معرفة ومحبة فهو انما اسلم طوعا وهو الذي يعتد به عند اهل الله تعالى ، فعلى العاقل ان يتدبر القرآن فيخلص الايمان ويصل الى العرفان والايقان بل الى المشاهدة والعيان والله تعالى ارسل رسوله بالحق فماذا بعد الحق الا الضلال . (9/31)
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)
{ ولو اتبع الحق } الي كرهوه ومن جملته ما جاء به عليه السلام من القرآن { اهواءهم } مشتهيات الكفرة بان جاء القرآن موافقا لمراداتهم فجعل موافقته اتباعا على التوسع والمجاز { لفسدت السموات والارض ومن فيهن } من الملائكة والانس والجن وخرجت عن الصلاح والانتظام بالكلية لان مناط النظام ومايه قوام العالم ليس الا الحق الذى من جملته الاسلام والتوحيد والعدل ونحو ذلك ، قال بعضهم لولا ان الله امر بمخالفة النفوس ومباينتها لاتبع الخلق اهواءهم وشهواتهم ولو فعلوا ذلك لضلوا عنطريق العبودية وتركوا او امر الله تعالى واعرضوا عن طاعته ولزموا مخالفته والهوى يهوى بمتابعيه الى الهاوية { بل اتيناهم بذكرهم } انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق الذى يقوم به العالم الى تشنيعهم بالاعراض عما جبل عليه كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها والمراد بالذكر القرآن الذى فيه فخرهم وشرفهم فى الدنيا والآخرة كما قال تعالى { وانه لذكر لك ولقومك } اى شرف لك ولقومك والمعنى بل اتيناهم بفخرهم وشرفهم الذى يجب عليهم ان يقبلوا عليه اكمل اقبال ، وفى التأويلات النجمية { بل اتيناهم } بما فيه لهم صلاح فى الحال وذكر فى المأل { فهم } بسوء اختيارهم { عن ذكرهم } عن صلاح حالهم وشرف مآلهم ، وفى الارشاد اى فخرهم وشرفهم خاصة { معرضون } لاعن غير ذلك مما لايوجب الاقبال عليه والاعتناء به . (9/32)
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)
{ ام تسألهم } انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم ام يقولون به جنة الى التوبيخ بوجه اخر كأنه قيل ام يزعمون انك تسألهم على اداء الرسالة { خرجا } اى جعلا واجر فلا جل ذلك لايؤمنون بك { فخراج ربك خير } تعليل لنفى السؤال المستفاد من الانكار اى لا تسألهم ذلك فان رزق ربك فى الدنيا وثوابه فى العقبى خير لك من ذلك لسعته ودوامه ففيه استغناء لك عن عطائهم والخرج بازاء الدخل يقال لكل ما تخرجه الى غيرك والخراج غالب فى الضريبة على الارض ففيه اشعار بالكثرة واللزوم فيكون ابلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله اياهن قال فى تفسير المناسبات وكأنه سماه خراجا اشاره الى انه اوجب رزق كل احد على نفسه بوعد لاخلف فيه { وهو خير الرازقين } اى خير من اعطى عوضا على عمل لان ما يعطيه لاينقطع ولايتكدر وهو تقدير لخيرية خراجه تعالى ، وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان العلماء بالله الراسخين فى العلم لا يدنسون وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الاطماع الفاسدة والصالحة الدنيوية والاخروية فيما يعاملون الله فى دعوة الخلق الى الله بالله لله (9/33)
زيان ميكند مرد تفسيردان ... كه علم وهنر ميفروشدبنان
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى الفتوحات الملكية مذهبنا ان للواعظ اخذ الاجرة على وعظه الناس وهو من احل ما يأكله وان كان ترك ذلك افضل وايضاح ذلك ان مقام الدعوة الى الله يقتضى الاجارة فانه مامن نبى دعا الى الله الا قال ان اجرى الا على الله فأثبت الاجر على الدعاء ولكن اختار ان يأخذه من الله لامن المخلوق انتهى .
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)
{ وانك لتدعوهم الى صراط مستقيم } تشهد العقول السلمية باستقامته لاعوج فيه يوجب اتهامهم لك . (9/34)
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)
{ وان الذين لا يؤمنون بالآخرة } وصفوا بذلك تشنيعالهم بماهم عليه من الانهماك فى الدنيا وزعمهم ان لا حياة الا الحياة الدنيا { عن الصراط } المستقيم الذى تدعوهم اليه { لناكبون } مائلون عادلون عنه فان الايمان بالآخرة وخوف ما فيها من الدواهى من اقوى الدواعى الى طلب الحق وسلوك سبيله وليس لهم ايمان وخوف حتى يطلبوا الحق ويسلكوا سبب له ففى الوصف بعدم الايمان بالآخرة اشعار بعلة الحكم ايضا كالتشنيع المذكور ، قال ابو بكر الوراق من لم يهتم لامر معاده ومنقلبه ومايظهر عليه فى الملأ الاعلى والمسند الاعظم فهو ضال عن طريقته غير متبع لرشده واحسن منه حالا من لم يهتم لما جرى له فى السابقة ، ثم فى الآيات اخبار ان الكفار متعنتون محجوجون من كل وجه فى ترك الاتباع والاستماع الى رسول الله عليه السلام : قال الشيخ سعدى قدس سره (9/35)
كسى راكه بندار درسر بود ... ميندار هركزكه حق بشنود
زعلمش ملال آيد ازوعظ ننك ... شقايق بباران نوريد زسنك
قيل لما انصرف هارون الرشيد من الحج اقام بالكوفة اياما فلما خرج وقف بهلول المجنون على طريقه وناداه باعلى صوته يا هارون ثلاثا فقال هارون تعجبا من الذى ينادينى فقيل له بهلول المجنون فوقف هارون وامر برفع الستر كان يكلم الناس وراء الستر فقال له أتعرفنى قال نعم اعرفك فقال من انا قال انت الذى لو ظلم احد فى المشرق وانت فى المغرب سألك الله تعالى عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون من تأثير كلامه وقال كيف ترى حال قال اعرضه على كتاب الله وهى { ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم } قال اين اعمالنا قال { انما يتقبل الله من المتقين } قال واين قرابتنا من رسول الله قال { فاذا نفخ فى الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } قال واين شفاعة رسول الله ايانا قال { يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضى له قولا } قال هارون هل لك حاجة قال نعم ان تغفر لى ذنوبى وتدخلنى الجنة قال ليس هذا بيدى ولكن بلغنا ان عليك دينا فنقضيه عنك قال الدين لا يقضى بدين ادّ اموال الناس اليهم قال هارون أنأمر لك برزق يردّ عليك الى ان تموت قال نحن عبد ان الله تعالى أترى يذكرك وينسانى فقبل نصحه ومضى الى طريقه واشار بهلول فى قوله الاخير الى مضمون قوله تعالى { فخراج ربك خير } لان ماورد من حيث لا يحتسب خير مما ورد من جهة معينة : قال الحافظ قدس سره
كنج زر كرنبود كنج قناعت باقيست ... آنكه آن داد بشاهان بكدايان ابن داد
قال الشيخ سعدى قدس سره
نيرزد عسل جان من زخم نيش ... قناعت نكوتر بدو شاب خويش
اكر بادشاهست اكر بينه دوز ... دوخفتند كردد شب هردو روز
وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)
{ ولو رحمناهم } روى انه لما اسلم ثمامة بن اثال الحنفى ولحق باليمامة ومنع الميرة عن اهل مكة واخذهم الله بالسنين حتى اكلوا العلهز وهو شىء يتخذونه من الوبر والدم ، قال الكاشفى [ واهل مكه يحوردن مرده ومردار مبتلا شدند ] جاء ابو سفيان الى رسول الله فى المدينة فقال انشدك الله والرحم اى اسألك بالله وبحرمة الرحم القرابة ألست تزعم انك بعثت رحمة للعالمين فقال بلى فقال قتلت الآباء بالسيف والانباء بالجوع فادع ان يكشف عنا هذا القحط فدعا فكشف عنهم فانزل الله هذه الآية { وكشفنا } ازلنا عنهم { مابهم } [ آنجه برايشان واقع است ] { من الضر } من سوء الحال يعنى القحط والجدب الذى غلب عليهم واصابهم { للجوا } اللجاج التمادى فى الخصومة والعناد فى تعاطى الفعل المزجور عنه وتمادى تناهى من المدى وهو الغاية والمعنى لتمادوا { في طغيانهم } الطغيان مجاوزة الحد فى الشىء وكل مجاوز حده فى العصيان طاغ اى فى افراطهم فى الكفر والاستكبار وعداوة الرسول والمؤمنين يعنى لارتدوا الى ما كانوا عليه ولذهب عنهم هذا التملق وقد كان ذلك (9/36)
ستيزندكى كار ديور وددست ... ستيزندكى دشمنى باخوداست
{ يعهمون } العمة التردد فى الامر من التحير اى عامهين عن الهدى مترددين فى الضلالة لا يدرون اين يتوجهون كمن يضل عن الطريق فى الفلاة لا أرى له ولا دراية بالطريق ، قال ابن عطاء الرحمة من الله على الاوراح المشاهدة ورحمته على الاسرار المراقبة ورحمته على القلوب المعرفة ورحمته على الابدان آثار الجذبة عليها على سبيل السنة ، وقال ابو بكر بن طاهر كشف الضر هو الخلاص من امانى النفس وطول الامل وطلب الرياسة والعلو وحب الدنيا وهذا كله مما يضر بالمؤمن ، وقال الواسطى للعلم طغيان وهو التفاخربه وللمال طغيان وهو البخل وللعمل والعبادة طغيان وهو الرياء والسمعة وللنفس طغيان وهو اتباع شهواتها .
وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)
{ ولقد اخذناهم بالعذاب } اللام جواب قسم محذوف اى وبالله لقد اخذناهم اى اهل مكة بالعذاب الدنيوى وهو ما اصابهم يوم بدر من القتل والاسر . (9/37)
وفى التأويلات النجمية اذقناهم مقدمات العذاب شدائده تنبيها لهم { فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع لربهم ومضوا على العتو والاستكبار والاستكانة الخضوع والذلة والتضرع اظهار الضراغة اى الضعف والذلة ووزن استكان استفعل من الكون لان الخاضع ينتقل من كون الى كون كما قيل استحال اذا انتقل من حال الى حال او افتعل من السكون اشبعت فتحة عينه وصيغة المضارع فى وما يتضرعون لرعاية الفواصل ، وفى الارشاد هو اعتراض مقرر لمضمون ماقبله اى وليس من عادتهم اليه تعالى .
حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)
{ حتى اذا } [ ناجون ] { فتحنا عليم بابا ذا عذاب شديد } هو عذاب الآخرة { اذا هم } [ ناكاه ايشان ] { فيه } [ دران عذاب ] { مبلسون } متحيرون آيسون من كل خير أى محناهم بكل محنة من القتل والاسر والجوع وغير ذلك فما رؤى منهم انقياد للحق وتوجه الى الاسلام واما ما اظهره ابو سفيان فليس من الاستكانة له تعالى والتضرع اليه فى شىء وانما هو نوع قنوع الى ان يتم غرضه فحاله كما قيل اذا جاع ضغا واذا شبع طغا واكثرهم مستمرون على ذلك الى ان يروا عذاب الآخرة فحينئذ يبلسون كقوله تعالى { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } وقوله تعالى { لايفتر عنهم وهم فيه مبلسون } قال عكرمة هو باب من ابواب جهنم عليه من الخزنة اربعمائة الف سود وجوههم كالحة انيابهم قد قلعت الرحمة من قلوبهم اذا بلغوه فتحة الله عليهم نسأل الله العافية من ذلك ، قال وهب بن منبه كان يسرج فى بيت المقدس الف قنديل فكان يخرج من طور سيناء زيت مثل عنق البعير صاف يجرى حتى ينصب فى القناديل من غير ان تمسه الايدى وكانت تنحدر نار من السماء بيضاء تسرج بها القناديل وكان القربان والسرج من ابنى هارون شبر وشبير فامر ان الايسرجا بنار الدنيا فاستجلا يوما فاسرجنا بنار الدنيا فوقعت النار فاكلت ابنى هارون فصرخ الصارخ الى موسى عليه السلام فجاء يدعو ويقول يا رب ان بانى هارون قد عملت مكانهما منى فاوحى الله اليه يابن عمران هكذا اقعل باوليائى اذا عصونى فكيف باعدائى ، وخرج على سهل الصعلوكى من مستوقد حمام يهودى فى طمر اسود من دخانه فقال ألستم تورن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فقال سهل على البداهة اذا صرت الى عذاب الله كانت هذه جنتك واذا صرت الى نعيم الله كانت هذه سجنى فتعجبوا من كلامه فعلم منه ان عذاب الآخرة ليس كعذاب الدنيا ومن عرف حقيقة الحال يقع فى خوف المآل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل « مالى لم ار ميكائيل ضاحكا قط » قال ماضحك ميكائيل منذ خلقت النار ، واعلم ان المجاهدات والرياضات عذاب للنفس والطبيعة لاذابة جوهرهما من حيث الهوى والشهوات وارجاعهما الى الفطرة الاصلية لكن لابد مع ذلك من التضرع والبكاء وتعفير الوجوه بالتراب لانه بالاعتماد على الكسب يصعب طريق الوصول وبالافتقار والذلة ينفتح باب القبول (9/38)
جز خضوع وبندكى واضطرار ... اندرين حضرت ندارد اعتبار
وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره كابدت العبادة ثلاثين سنة فرايت قائلا يقول لى يا ابا يزيد خزائنه مملوءه من العبادة ان اردت الوصول اليه فعليك بالذلة والافتقار فعلم منه ان العذاب لا ينقطع الا بافراد العبودية لله تعالى والتواضع على وجه ليس فيه شائبة انانية اصلا نسأل الله سبحانه ان يكشف عنا ظلمة النفس وينورنا بنور الانس والقدس انه المسئول فى كل امل والمأمول من كل عمل .
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78)
{ وهو الذى انشأ } خلق { لكم } لمنافعكم { السمع } وهى قووة فى الاذن بها تدرك الاصوات والفعل يقال له السمع ايضا ويعبر تارة بالسمع عن الاذن : وبالفارسية [ كوش ] { والابصار } جمع بصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة فيها : وبالفارسية [ والافئدة ] جمع فؤاد : وبالفارسية [ دل ] ن قال الراغب هو كالقلب لكن يقال فؤاد اذا اعتبر فيه معنى التفؤد اى التوقد يقال فادت اللحم شويته ولحم فئيد مشوى وخص هذه الثلاثة بالذكر لان اكثر المنافع الدينية والدنيوية متعلق بها { قليلا ما تشكرون } ماصلة لتأكيد القلة اى شكرا قليلا تشكرون هذه النعم الجليلة لان العمدة فى الشكر استعمالها فيما خلقت لاجله وانتم تخلون بها اخلالا عظيما ، وفى العيون لم تشكروه لا قليلا ولا كثيرا ، يقول الفقير وهذا لان القلة ربما تستعمل فى العدم وهو موافق لحال الكفارن ثم فى الآية اشارة الى معانى ثلاثة . احدها اظهار انعامه العظيم وافضاله الجسيم بهذه النعم الجليلة من السمع والابصار والافئدة ، وثانيهما مطالبة العباد بالشكر على هذه لنعم . وثالثها الشكاية من العباد اذا لشاكر منهم قليل كما قال تعالى { وقليل من عبادى الشكور } وشكر هذه النعم استعمالها فى طاعة المنعم وعبوديته فشكر السمع حفظه عن استماع المنهيات وان لا يسمع الا لله وبالله وعن الله (9/39)
كذركاه قرآن وبندست كوش ... به بهتان وباطل شنيدن مكوش
وشكر البصر حفظه عن النظر الى المحرمات وان ينظر بنظر العبرة لله وبالله والى الله
دوجشم ازبى صنع بارى نكوست ... زعيب برادر فروكيرو دوست
وشكر القلب تصفيته عن رين الاخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين فلا يشهد غير الله ولا يحب الا الله
تابكوهر دل كرده اند مانتدار ... زدزدامانت حق رانكامدار ومخسب
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)
{ وهو الذى ذرأكم فى الارض } خلقكم وبثكم فيها بالتناسل يقال ذرأ الله الخلق اى اوجد اشخاصهم { واليه } تعالى لا الى غيره { تحشرون } تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم فما لكم لا تؤمنون به ولا تشركون . (9/40)
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)
{ وهو الذى يحيى ويميت } من غير ان يشاركه فى ذلك شىء من الاشياء اى يعطى الحياة النطف والتراب البيض والموتى يوم القيامة ويأخذ الحياة من الاحياء ولم يقل احيى وامات كما قال انشأكم وذرأكم ولكن جاء على لفظ المضارع ليدل على ان الاحياء والاماتة عادته { وله } خاصة { اختلاف الليل والنهار } اى هو المؤثر فى تعاقبهما لا الشمس او فى اختلافهما ازديادا وانتقاصا { أفلا تعقلون } اى اى أتفعلون عن تلك الآيات فلا تعقلون بالنظر والتأمل ان الكل منا وان قدرتنا تعم الممكنات وان العبث من جملتها . (9/41)
بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)
{ بل قالوا } عطف على مضمر يقتضيه المقام اى لم يعقلوا بل قالوا اى كفار مكة { مثل ماقال الاولون } اى كما قال من قبلهم من الكفار ثم فسر هذا القبول المبهم بقوله { قالوا أئذا متنا } [ أيا جون بميرم ] { وكنا ترابا } [ وباشيم خاك ] { وعظاما } [ واستخوانى خاكى كهنه ] { أئنا لمبعوثون } [ اياما برانكيخته شدكان شويم استفهام برسبيل انكاراست يعنى جون خاك كرديم حشر وبعث جكونه بماراه يابد ] استبعدوا ولم يتأملوا انهم كانوا قبل ذلك ايضا ترابا فخلقوا والعامل فى اذا ما دل عليه لمبعوثون وهو نبعث لان ما بعد ان لا يعمل فيما قبلها . (9/42)
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)
{ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا } اى البعث وهو مفعول ثان لوعدنا { من قبل } متعلق بالفعل من حيث اسناده الى آبائهم لا اليهم اى وعد آباؤنا من قبل محمد فلم يروا له حقيقة : يعنى [ مارا وبدران مارا بوعده حشر ونشر تخويف كرده اند واين وعده راست نشد ] { ان هذا } ما هذا { الا اساطير الاولين } اكاذيبهم التى سطروها من غير ان يكون لها حقيقة . جمع اسطورة لانه يستعمل فيما يتلهى به كالاعاجيب والاضاحيك ، وفيه اشارة الى ان الناس كلهم اهل تقليد من المتقدمين والمتأخرين الا من هداه الله بنور الايمان الى التصديق بالتحقيق فان المتأخرين ههنا قلدوا آباءهم المتقدمين فى تكذيب الانبياء والجحود وانكار البعث : قال الجامى قدس سره (9/43)
خواهى بصوت كعبه تحقيق ره برى ... بى بربى مقلد كم كرده ره مرو
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)
{ قل لمن الارض ومن فيها } من المخلوقات تغليبا للعقلاء على غيرهم { ان كنتم تعلمون } شيأ ما فأخبرونى به فان ذلك كاف فى الجواب وفيه من المبالغة فى وضوح الامر فى تجهيلهم مالا يخفى (9/44)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)
{ سيقولون لله } لان بديهة العقل تضطرهم الى الاعتراف بانه تعالى خالقها { قل } عند اعترافهم بذلك تبكيتا لهم { أفلا تذكرون } اى تقولون ذلك فلا تتذكرون ان من فطر الارض وما فيها ابتداء قادر على اعادتها ثانيا فان البدء ليس باهون من الاعادة بل الامر بالعكس فى قياس العقول . (9/45)
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86)
{ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم } ترفى فى الامر بالسؤال من الادنى والاصغر الى الاعلى والاكبر فان السموات والعرش اعظم من الارض ولا يلز منه ان يكون من فى السموات اجل ممن فى الارض حتى تكون الملائكة افضل من جنس البشر كما لايخفى . (9/46)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)
{ سيقولون لله } باللام نظرا الى معنى السؤال فان قولك من ربه ولمن هو فى معنى واحد يعنى اذا قلت من رب هذا افمعناه لمن هذا فالجواب لفلان { قل } توبيخا لهم { أفلا تتقون } اى أتعلمون ذلك فلا تتقون عذابه بعد العمل بموجب العلم حيث تكفرون به وتنكرون البعث وتثبتون له شريكا فى الربوبية قدم التذكر على التقوى لانهم بالتذكر يصلون الى المعرفة وبعد ان عرفوه علموا انه يجب عليهم اتقاء مخالفته . (9/47)
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88)
{ قل من بيده } اليد فى الاصل اسم موضوع للجارحة من المنكب الى اطراف الاصابع وهو العضو المركب من لحم وعظم وعصب وكل من هذه الثلاثة جسم خصوص بصفة مخصوصة والله تعالى متعال عن الاجسام كلها وعن مشابهتها فلما تعذرت وجب الحمل على التجوز عن معنى معقول هو القدرة وبه تفسر قوله عليه السلام « ان الله خمر طينة آدم بيده » اى بقدرته الباهرة فان العضو المركب منها محال على الله ليس كمثله شىء لانه يلزم تركبه وتحيزه وذلك امارة الحدوث المنافى للازلية والقدم وكذلك الاصبعان فى قوله عليه السلام « ان قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن » فان اهل الحق على ان الاصبعين وكذا اليدان فى قوله { لما خلقت بيدى } مجازان عن القدرة فانه شائع اى خلقت بقدرة كاملة ولم يرد بقدرتين { ملكوت كل شىء } مما ذكر ومما يذكر اى ملكه التام فان الملكوت الملك والتاء للمبالغة ، قال الراغب الملكوت مختص بملك الله تعالى . (9/48)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان لكل شىء ملكوتا وهو روحه من عالم الملكوت الذى هو قائم به يسبح الله تعالى به كقوله { وان من شىء الا يسبح بحمده } وروح ذلك بيد الله انتهى ، يقول الفقير وهو الموافق لما قبل الآية فانه لما بين انه يهب كل جسم وجرم بين ان بيده روح ذلك الجسم والجرم { وهو يجير } اى يغيث غيره اذا شاء { ولا يجار عليه } اى ولا يغاث احد عليه اى لا يمنع احد منه بالنصر عليه وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة .
وفى التأويلات النجمية وهو يجير الاشياء من الهلاك بالقيومية ولايجار عليه اى لا مانع له ممن اراد هلاكه { ان كنتم تعلمون } ذلك فاجيبونى .
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)
{ سيقولون لله } اى ملكوت كل شىء وه والذى يجير ولا يجاز عليه { قل فأنى تسحرون } اى فمن اين تخدعون وتصرفون عن الرشد مع علمكم به مع ما انتم عليه من الغى فان لايكون مسحورا مختلا عقله لايكون كذلك والخادع هو الشيطان والهوى (9/49)
اى كه بى نفس وهوى ميروى ... ره اينست خطا ميروى
رواه روان زان ره ديكر روند ... بس توبدين راه جراميروى
منزل مقصود ازان جانبست ... بس تو ازين سو بكجاميروى
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)
{ بل اتيناهم بالحق } من التوحيد والوعد بالعبث { ونهم لكاذبون } فيما قاولا من الشرك وانكار البعث بين انهم اصروا على جحودهم واقاموا على عتوهم ونبوهم بعد ان ازيحت العلل فلات حين عذر وليس المساهلة موجب بقاء وقد انتقم الله منهم فانه يمهل ولا يهمل ، قال سقراط اهل الدنيا كسطور فى صحيفة كلما نشر بعضها طوى بعضها ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضى ستة آلاف سنة وليأتين عليها مئون من سنين ليس عليها موحدين يعنى عند آخر الزمان فكل من السعيد والشقى لايبقى على وجهه الدهر فيموت ثم يبعث فيجازى : وفى المثنوى (9/50)
خاك را ونطفه را ومضغة ... بيش جشم ما همى دارد خدا
كز كجا آوردمت اى بدنيت ... كه ازان آيد همى خفر يقيت
نو بدان عاشق بدى در دورآن ... منكر اين فضل بودى آن زمان
اين كرم جون دفع آن انكارتست ... كه ميان خاك ميكردى نخست
حجت انكار شد انشار تو ... از دوا بهتر شاد اين بيمار تو
خاك را تصوير اين كار از كجا ... نطفه را خصمى ونكار از كجا
جون دران دم بى دل وبى سربدى ... فكرت وانكار را منكر بدى
از جمادى جونكه انكارت برست ... هم ازين انكار حشرت شد درست
بس مثال تو جو آن حلقه زنيست ... كزدروتش خواجه كويد خواجه نيست
حلقه زن زين نيست دريابدكه هست ... بس زحلقه برندارد هيج دست
بس هم انكارت مبين ميكند ... كزجماداو حشر صد فن ميكند
جند صنعت رفت از انكارتا ... آب وكل انكار زاد از هل اتى
آب وكل ميكفت خود انكار نيست ... بانك ميزد بيخبر كاخبار نيست
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)
{ ما اتخذ الله من ولد } كما يقول النصارى والقائلون ان الملائكة بنات الله لانه لم يجانس احد ولم يمائله حتى يكون من جنسه وشبهه صاحبه فيتوالدا { وما كان معه من اله } يشاركه فى الالوهية كما يقول عبدة الاصنام وغيرهم والآية حجة على من يقول خالق النور وغير خالق الظلمة { اذا } [ آن هنكام ] وهو يدخل على جواب وجزاء وهو { لذهب كل اله بما خلق } ولم يتقدمه شرط لكن قوله وما كان معه من اله يدل على شرط محذوف تقديره ولو كان معه آلهة لانفرد كل اله بما خلقه واستبدّ به دون الاله الآخر وامتاز ملكه عن ملك الآخرك وبالفارسية : [ ببرد خداى آنراكه آفريده بود وردرآن مستقل ومستبد باشد بس مخلوقات اين خداى از مخلوق ديكر ومشاهدة ميرودكه ميان هيج مخلوقات علامات تميز نيست بس ثابت شدكه يا اوهيج خداى نيست وحده لا شريك له . (9/51)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اتخاذ الولد لا يصح كاتخاذ الشريك والامر ان جميعا داخلان فى حد الاستحالة لان الولد والشريك يوجب المساواة فى القدر والصمدية تتقدس عن جواز ان يكون له مثل اوجنس ولو تصورنا جوزاه اذا لذهب كل اله بما خلق فكل امر نيط باثنين فقد انتفى عن النظام وصحة الترتيب
بروحدتش صحيفة لا ريب حجتست ... اينك نوشته ازشهد الله بران كواه
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)
{ عالم الغيب والشهادة } بالجر على انه بدل من الجلالة اى عالم السر والعلانية : وبالفارسية [ بوشيده وآشكار ] . (9/52)
وفى التأويلات النجمية عالم الملك والملكوت والارواح والاجساد انتهى ، ثم ان الغيب بالنسبة الينا لا بالنسبة اليه تعالى فهو عالم به وبالشهادة على سواء وهو دليل آخر على انتقاء الشريك بناء على توافقهم فى تفرده تعالى بذلك ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى { فتعالى } الله وتنزه { عما يشركون } به مما لايعلم شيأ من الغيب ولايتكامل عليه بالشهادة فان تفرده بذلك موجب لتعاليه عن ان يكون له شريك ، قال الراغب شرك الانسان فى الدين ضربان احدهما الشرك العظيم وهو اثبات شريك الله تعالى يقال اشرك فلان بالله وذلك اعظم كفر والثانى الشرك الصغير وهو مراعاة غير الله معه فى بعض الامور وذلك كالرياء والنفاق وفى الحديث « والشرك فى هذه الامة اخفى من دبيب النمل على الصفا »
مرايى هوكس معبود سازد ... مرايى را ازان كفتند مشرك
قال الشيخ سعدى قدس سره
منه آب زرخان من بر بشيز ... كه صراف دانا نكيرد بجيز
قال الشيخ يحيى بن معاذ ان للتوحيد نورا وللشرك نارا وان نور التوحيد احرق سيآت الموحدين كما ان نار الشرك احرقت حسنات المشركين روى ان قائلا قال يا رسول الله فبم النجاة غدا قال « ان تخادع الله » قال وكيف نخادع الله قال « ان لاتعمل بما امرك الله وتريد به غير وجه الله »
زعمرو اى بسر جشم اجرت مدار ... جو درخانه زيد باشى بكار
والعمدة فى هذا الباب التوحيد فانه كما يتخلص من الشرك الاكبر الجلى بالتوحيد كذلك يتخلص من الشرك الاصغر به فينبغى ان يشتغل به ويجتهد قدر الاستطاعة لينال على درجات اهل الايمان والتوحيد من الصديقين ولكن برعاية الشريعة النبوية والاجتناب عن الصفات الذميمة للنفس حتى يتخلق باخلاق الله نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من المنقطعين عما سواه والعاملين بالله لله فى الله .
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93)
{ قل رب } [ اى بروردكار من ] { اما } اصله ان ما وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط كالنون فى قوله { ترينى } اى ان كان لابد من ان ترينى : وبالفارسية [ اكر نمايى مرا ] { مايوعدون } اى المشركون من العذاب الدنيوى المستأصل والوعد يكن فى الخير والشر يقال وعدته بنفع وضر . (9/53)
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94)
{ رب } يارب { فلا تجعلنى فى القوم الظالمين } اى قرينا لهم فى العذاب واخرجنى من بين ايديهم سالما والمراد بالظلم الشرك وفيه ايذان بكمال فظاعة ماوعدوه من العذاب وكونه بحيث يجب ان يستعيذ منه من لا يكاد يمكن ان يحيق به ورد لانكارهم اياه واستعجالهم به على طريقة الاستهزاء وهذا يدل على ان البلاء ربما يعم اهل الولاء وان للحق ان يفعل مايريد ولو عذب البر لم يكن ذلك منه ظلما ولا قبيحا . (9/54)
وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95)
{ وانا على ان نريك مانعدهم } من العذاب { لقادرون } ولكنا نؤخره لعلمنا بان بعضهم او بعض اعقابهم سيؤمنون اولانا لا نعذبهم وانت فيهم . (9/55)
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96)
{ ادفع بالتي } بالطريقة التى { هى احسن } اى اسحن طرق الدفع من الحلم والصفح { السيئة } التى تأتيك منهم من الاذى والمكروه وهو مفعول ادفع والسيئة الفعلة القبيحة وهو ضد الحسنة ، قال بعضهم استعمل معهم ما جعلناك عليه من الاخلاق الكريمة والشفقة والرحمة فانك اعظم خطرا من ان يؤثر فيك مايظهرونه من انواع المخالفات . (9/56)
وفى التأويلات النجمية يعنى مكافأة السيئة جائزة لكن العفو عنها احسن ويقال ادفع بالوفاء الجفاء ويقال الاحسن ما اشار اليه القلب بالمعافاة والسيئة ما تدعو اليه النفس للمكافأة ، ويقال [ دفع كن ظلمت خلائق را بنور حقائق ياخظوظ خودرا بحقوق خداطى كن تيه حوادث را بقدم سلوك در طريق معرفت
جوطى كشت تيه حوادث ازآنجا ... بملك قدم ران بيك حمله محمل
دران قلزم نور شو عوطه زن ... قروشوى ازخويشتن ظلمت ظل
بكى خوان يكى دان يكى كويكى جو ... سوى الله والله زوراست وباطل
{ نحن اعلم بما يصفون } بما يصفونك به على خلاف ما انت عليه كالسحر والشعر والجنون والوصف ذكر الشىء بحليته ونعته قد يكون حقا وقد يكون باطلا وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة وتسلية لرسول الله وارشاد له الى تفويض امره اليه تعالى .
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97)
{ وقل رب } يارب { اعوذ بك } العوذ الالتجاء الى الغير والتعلق به { من همزات الشياطين } اى وساوسهم المغوية على خلاف ما امرت به من المحاسن التى من حملتها دفع السيئة بالحسنة واصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض اى معلم الدواب ونحو الهمز الاز فى قوله تؤزهم ازا ، قال الراغب الهمز كالعصر يقال همزت الشىء فى كفى ومنه الهمز فى الحروف انتهى شبه حثهم للناس على المعاصى بهمز الرائض الدواب على الاسراع أو الوثب والجمع للمرات او لتنوع الوساوس او لتعدد المضاف اليه . (9/57)
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)
{ واعوذ بك رب ان يحضرون } اصله يحضرونى ويحوموا حولى فى حال من الاحوال صلاة او تلاوة او عند الموت او غير ذلك ، قال الحسن كان عليه السلام يقول عند استفتاح الصلاة « لا اله الا الله ثلاثا الله اكبر ثلاثا اللهم انى اعوذ بك من همزات الشياطين من همزها ونفثها ونفخها واعوذ بك رب ان يحضرون » يعنى بالهمز الجنون وبالنفث الشعر وبالنفخ الكبر روى انه اشتكى بعضهم ارقا فقال عليه السلام اذا اردت النوم فقل « اعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون » وكمالت الله كتبه المنزلة على انبيائه او صفات الله كالعزة والدقرة وصفها بالتمام لعرائها عن النقص والانقصام ، قال بعضهم هذا مقام من بقى له التفات الى غير الله فما من توغل فى بحر التوحيد بحيث لا يرى فى الوجود الا الله لم يستعذ الا بالله ولم يلتجىء الا الى الله والنبى عليه السلام لما ترقى عن هذا المقام قال « اعوذ بك منك » وكان عليه السلام اذا دخل الخلاء قال « اللهم انى اعوذ بك من الخبث والخبائث » اى من ذكور الجن واناثهم مما اتصف بالخباثة واجمعت الامة على عصمة النبى عليه السلام فان قرينه من الجن قد اسلم اوانه قد نزع منه مغمز الشيطان فالمراد من الاستعاذة تحذير غيره من شر الشيطان ثم ان الشيطان يوسوس فى صدور الناس فيغوى كل احد من الرجال والنساء ويوقع الاشرار فى البدع والاهواء وفى الحديث « صنفان من اهل النار لم ارهما » يعنى فى عصره عليه السلام لطهارة ذلك اصر بل حدثا بعده « قوم معهم سياط » يعنى احدهما قوم فى ايديهم سياط جمع سوط تسمى تلك السياط فى ديار العرب بالمقارع جمع مقرعة وهى جلدة طرفها مشدود عرضها كعرض الاصبع الوسطى يضربون بها السارقين عراة قيل هم الطوافون على ابواب الظلمة كالكلاب يطردون الناس عنها بالضرب والسباب « كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء » يعنى ثانيهما « كاسيات » يعنى فى الحقيقة « عاريات » يعنى فى المعنى لانهن يلبسن ثيابا رقاقا تصف ما تحتها او معناه عاريات من لباس التقوى وهن اللاتى يلقين ملاحفهن من ورائهن فتنكشف صدورهن كنساء زماننا او معناه كاسيات بنعم الله عاريات عن الشكر يعنى ان نعيم الدنيا لاينفع فى الآخرة اذا خلا عن العمل الصالح وهذا المعنى غير مختص بالنساء « مميلات » اى قلوب الرجال الى الفساد بهن او مميلات اكتافهن واكفالهن كما تفعل الراقصات او مميلات مقانعهن عن رؤسهن لتظهر وجوههن « مائلات » الى الرجال او معناه متبخترات فى مشيهن « رؤسهن كاسنمة البخت » يعنى يعظمن رؤسهن بالخمر والقلنسوة حتى تشبه اسنمة البخت او معناه ينظرن الى الرجال برفع رؤسهن « المائلة » لان اعلى السنام يميل لكثرة شحمه « لايدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وان ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا » اى من مسيرة اربعين عاما . (9/58)
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)
{ حتى اذا جاء احدهم الموت } حتى التى يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الاسمية وهى مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بيصفون اى يستمرون على سواء الذكر حتى اذا جاء احدهم كافرا اى احد كان الموت الذى لامر دله وظهرت له احوال الآخرة { قال } تحسرا على مافرط فيه من الايمان والعمل { رب } يارب { ارجعون } ردنى الى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب لان العرب تخاطب الواحد الجليل الشان بلفظ الجماعة وفيه رد على من يقول الجمع للتعظيم فى غير المتكلم انما ورد فى كلام المولدين ثم انه يقول له الى أى شىء تذهب الى جمع المال او غرس الغراس او بناء البنيان او شق النهار . (9/59)
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)
فيقول { لعلى اعمل صالحا فيما تركت } اى فى الايمان الذى تركته اى لعلى اعمل فى الايمان الذى آتى به البتة عملا صالحا فلم ينظم الايمان فى سلك الرجاء كسائر الاعمال الصالحة بان يقول لعلى او من فاعمل الخ للاشعار بانه امر مقرر الوقوع غنى عن الاخبار بوقوعه فضلا عن كونه مرجو الوقوع ، وقال فى الجلالين { لعلى اعمل صالحا } اى اشهد بالتوحيد { فيما تركت } حين كنت فى الدنيا انتهى ، قال بعضهم الخطاب فى ارجعون لملك الموت واعوانه وذكر الرب للقسم كما فى الكبير واستعان بالله اولا ثم بهم كما فى الاسئلة المقحمة وكما قال الكشافى [ امام ثعلبى باجمعى مفسران برانندكه خطاب با ملك المت واعوان اوست اول بكلمة رب استعانه مى نمايند بخداى وبكلمه ارجعون رجوع مى نمايند بملائكة ] ، ويدل عليه قوله عليه السلام « اذا عاين المؤمن الملائكة قالوا أنرجعك الى الدنيا فيقول الى دار الهموم والاحزان بل قدوما الى الله تعالى واما الكافر فيقول ارجعون » وقيل اريد بقوله فيما تركت فيما قصرت فتدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق ، قال فى الكبير وهو اقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا مافسدوه ، يقول الفقير فالمراد بالعمل الصالح هو العمل المبنى على الايمان لانه وان كان عمل عملا فى صورة الصالح لكنه كان فاسدا فى الحقيقة حيث احبطه الكفر فلما شاهد بطلانه رجا أن يرجع الى الدنيا فيؤمن ويعمل عملا صالحا صورة وحقيقة ، وقال القرطبى سؤال الرجعة غير مختص بالكافر اى بل يعمل المؤمن المقصر ، قال فى حقائشق البقلى بين الله سبحانه ان من كان ساقطا عن مراتب الطاعات لم يصل الى الدرجات ومن كان محروما من المراقبات فى البدايات كان محجوبا عن المشاهدات والمعاينات فى النهايات وان اهل الدعاوى المزخرفات والترهات تمنوا فى وقت النزع ان لم تمض عليهم اوقاتهم بالغفلة عن الطاعات ولم يشتغلوا بالدعاوى المخالفات والمحالات فاقبل على طاعة مولاك واجتنب الدعاوى واطلاق القول فى الاحوال فان ذلك فتنة عظيمة هلك فى ذلك طائفة من المريدين وما فزع احد الى تصحيح المعاملات الاداء بركة ذلك الى قرب الرب ومقام الامن ولا ترك احد هذه الطريقة الا تعطل وفسد ووقع فى الخوف العظيم وتمنى حين لا ينفع التمنى : قال الحافظ (9/60)
كارى كنيم ورنه خجالت بر آورد ... روزى كه رخت جان بجهان دكر كشيم
وقال الخجندى
علم وتقوى سر بسر دعويست ومعنى ديكرست ... مرد معنى ديكر وميدان دعوى ديكرست
{ كلا } ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها اى لا يرد الى الدنيا ابدا { انها } اى قولة رب ارجعون { كلمة } الكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضه مع بعض { هو } اى ذلك الاحد { قائلها } عند الموت لا محالة لتسلط الحزن عليه ولا يجاب لها { ومن ورائهم } فعال ولامه همزة عند سيبويه وابى على الفارسى وياء عند العامة وهومن ظروف المكان تمنى خلف وامام اى من الاضداد .
والمعنى امام ذلك الاحد والجمع باعتبار المعنى لانه فى حكم كلهم كما ان الافراد فى قال وما يليه باعتبار اللفظ { برزخ } حائل بينهم وبين الرجعة وهو القبر . (9/61)
وفى التأويلات النجمية وهو مابين الموت الى البعث اى بين الدنيا والآخرة وهو غير البرزخ الذى بين عالم الارواح المثالى وبين هذه النشأة العنصرية { الى يوم يبعثون } يوم القيامة هو اقناط كلى من الرجعة الى الدنيا لما علم ان لا رجعة يوم البعث الى الدنيا واما انرجعة حنيئذ فالى الحياة الاخروية .
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)
{ فاذا نفخ فى الصور } لقيام الساعة وهى النفخة الثانية التى عندها البعث والنشور والنفخ نفخ الريح فى الشىء والصور مثل قرن ينفخ فيه فيجعل الله ذلك سببا لعود الارواح الى اجسادها { فلا انساب بينهم } تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه او لا انساب يفتخرون بها والنسب القرابة بين اثنين فصاعدا اى اشتراك من جهة احد الابوين وذلك ضربان نسب بالطول كالاشتراك بين الاباء والابناء ونسب بالعرض كالنسب بين الاخوة وبنى الاعمام { يومئذ } كما بينهم اليوم { ولا يتساءلون } اى لا يسأل بعضهم بعضا فلا يقول له من انت ومن أى قبيلة ونسب انت ونحو ذلك لاشتغال كل منهم بنفسه لشدة الهول فلا يتعارفون ولا يتساءلون كما انه اذا عظم الامر فى الدنيا لم يتعرف الوالد لولده ولا يناقضه قوله تعالى { فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون } لان عدم التساؤل عند ابتداء النفخة الثانية قبل المحاسبة والتساؤل بعد ذلك وايضا يوم القيامة يوم طويل فيه خمسون موطنا كل موطن الف سنة ففى موطن يشتد عليم الهول والفزع بحيث يشغلهم عن التساؤل والتعارف فلا يفطنون لذلك وفى موطن يفيقون افاقة فينساءلون وتتعارفون ، وعن الشعبى قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله اما نتعارف يوم القيامة اسمع الله يقول { فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } فقال عليه السلام « ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس حين يرمى الى كل انسان كتابه وعند الموازين وعلى جسر جهنم » قال ابن مسعود رضى الله عنه يؤخذ بيد العبد والامة يوم القيامة فينصب على رؤس الاولين والآخرين ثم ينادى مناد ألا ان هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأت الى حقه فيفرح العبد يومئذ ان يثبت له حق على والده وولده او زوجته واخيه فلا انساب بينهم يومئذ ، وعن قتادة لاشىء ابغض الى الانسان يوم القيامة من ان يرى من يعرفه ان يثبت له عليه شىء ثم تلا { يوم يفر المرء من اخيه } الآية ، قال محمد بن على الترمذى قدس سره الانساب كلها منقطعة الام من كانت نسبته صحيحة فى عبودية ربه فان تلك نسبة لاتنقطع ابدا وتلك النسبة المفتخر بها لانسبة الاجناس من الآباء والامهات والاولاد ، قال الاصمعى كنت اطوف بالكعبة فى ليلة مقمرة فسمعت صوتا حزينا فتبعت الصوت فاذا انا بشاب حسن ظريف تعلق باستار الكعبة وهو يقول نامت العيون وغارت النجوم وانت الملك الحى القيوم وقد غلقت الملوك ابوابها واقامت عليها حرسها وحجابها وبابك مفتوح للسائلين فها انا سائلك ببابك مذنبا فقيرا مسكينا اسيرا جئت انتظر رحمتك يا ارحم الرحمين ثم انشأ يقول (9/62)
يامن يجيب دعا المضطر فى الظلم ... يا كاشف الضر والبلوى مع القسم (9/63)
قد نام وفدى حول البيت وانتبهوا ... وانت ياحى ياقيوم لم تنم
ادعوك ربى ومولاى ومستندى ... فارحم بكائى بحق البيت والحرم
انت الغفور فجد لى منك مغفرة ... اواعف عنى ياذا الجود والنعم
ان كان عفوك لا يرجوه ذو جرم ... فمن يجود على العاصين بالكرم
ثم رفع رأسه نحو السماء وهو ينادى يا الهى وسيدى مولاى ان اطعتك فلك المنة على وان عصيتك فبجهلى فلك الحجة على اللهم فباظهار منتك على واثبات حجتك لدىّ ارحمنى واغفر ذنوبى ولا تحرمنى رؤية جدى قرة عينى وحبيبك وصفيك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم ثم انشأ يقول
ألا ايها المأمول فى كل شدة ... اليك شكوت الضر فارحم شكايتى
ألا يارجائى انت كاشف كربتى ... فهب لى ذنوبى كلها واقض حاجتى
فزادى قليل ماراه مبلغى ... على الزاد ابكى ام لبعد مسافتى
اتيت باعمال قباح رديئة ... وما فى الورى خلق جنى كجنايتى
فكان يكرر هذه الابيات حتى سقط على الارض مغشيا عليه فدنوت منه فاذا هو زين العابدين على بن الحسين بن على بن ابى طالب فوضعت رأسه فى حجرى وبكيت لبكائه بكاء شديدا شفقة عليه فقطر من دموعى على وجهه فافاق من غيشته وفتح عينه وقال من الذى شغلنى عن ذكر مولاى فقلت انا الاصمعى يا سيدى ما هذا البكاء وماهذا الجمع وانت من اهل بيت النبوة ومعدن الراسلة أليس يقول الله { انما يريد الله ليذهب عنك الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا } قال فاستوى جالسا وقال يا اصمعى هيهات ان الله تعالى خلق الجنة لمن اطاعه وان كان عبدا حبشيا خلق النار لمن عصاه وان كان ملكا قرشيا اما سمعت قوله تعالى { فاذا نفخ فى الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } .
وفى التأويلات النجمية يشيى الى ان نفخة العناية الربوبية اذا نفخت فى صور القلب قامت القيامة انقطعت الاسباب فلا يلتفت احد الى احد من انسابه لا الى اهل ولا الى ولد لاشتغاله بطلب الحق تعالى واستغراقه فى بحر المحبة فلا يسأل بعضهم بعضا عم تركوا من اسباب الدنيا ولا عن احوال اهاليهم واخدانهم واوطانهم واذا فارقوها كان لكل امرىء منهم يومئذ شأن فى طلب الحق يغنيه عن مطالبة الغير .
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102)
{ فمن ثقلت موازينه } موزونات حسناته من العقائد والاعمال اى فمن كان له عقائد صحيحة واعمال صالحة يكون لها وزن وقدر عند الله فهو جمع موزون بمعنى لعمل الذى له وزن وخطر عند الله وباقى الكلام فى هذا المقام سبق فى تفسير سورة الاعراف { فاولئك هم المفلحون } الفائزون بكل مطلوب الناجون من كل مهروب ولما كان حرف من يصلح للواحد والجمع وحد على اللفظ وجمع على المعنى . (9/64)
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103)
{ ومن خفت موازينه } اى ومن لم يكن له من العقائد والاعمال ماله وزن وقدر عند الله تعالى وهم الكفار لقوله تعالى { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } { فاولئك الذين خسروا انفسهم } ضيعوها بتضييع زمان استكمالها وابطلوا استعدادها لنيل كمالها . والخسر والخسران انتقاص رأى المال كا فى المفردات ، قال الكشافى [ بس كروه آنندكه زيان كرده اند ازنفسهاى يعنى سرمايه عمر بباد غفلت برداند واستعدادات حصول كمال را بطلب آرزوهاى نفس ومتابعت شهوات ضايع ساختند ] { فى جهنم خالدون } بدل من صلة او خبر ثان لاولئك . (9/65)
قال فى التأويلات النجمية الانسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف ولاية الدجاجة وخروج الفروخ منها فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعدادها باقيا فاذا تصرف الدجاجة فيها فتغيرت عن حالها الى حال الفروخية ثم انقطع تصرف الدجاجة عنها تفسد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالوا مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة وهذا معنى قوله { فى جهنم خالدون } اى فى جهنم انفسهم فلا يخرجون بالفروخية وليس من سنة الله اصلاح الاستعداد بعد افساده : قال الجامى
آنراكه زمين كشد درون جون قارون ... نى موسيش آورد برون هارون
فاسد شده راز روز كار وارون ل ... ايمكن ان يصلحه العطارون
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)
{ تلفح وجوههم النار } تحرقها يقال لفحته النار بحرها احرقته كما فى القاموس واللفح كالنفح الا انه اشد تأثيرا كما فى الارشاد وغيره وتخصيص الوجوه بذلك لانها اشرف الاعضاء واعظم ما يصان منها فبيان حالها ازجر عن المعاصى المؤدية الى النار وهو السر فى تقديمها على الفاعل { وهم فيها كالحون } من شدة الاحتراق . الكلوح تقلص الشفتين عن الاسنان كما ترى الرؤس المشوية ، وعن مالك بن دينار كان سبب توبة عتبة الغلام انه مر فى السوق برأس اخرج من التنور فغشى عليه ثلاثة ايام ولياليهن وفى الحديث « تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السفلى حتى تبلغ سرته » انتهى فيقال لهم تعنيفا وتوبيخا وتذكيرا لما به استحقوا مابتلوا به من العذاب . (9/66)
أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106)
{ ألم تكن آياتى تتلى عليكم } فى الدنيا { فكنتم بها تكذبون } حينئذ { قالوا } يا { ربنا غلبت علينا } اى ملكتنا { شقوتنا } التى اقترفناها بسوء اختيارنا فصارت احوالنا مؤدية الى سوء العاقبة ، قال القرطبى واحسن ما قيل فى معناه غلبت علينا لذاتنا واهواؤنا فمسى اللذات والاهواء شقوة لانهما تؤديان اليها ، قال ابو تراب الشقوة حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق { وكنا } بسبب ذلك { قوما ظالين } عن الحق ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب وسائر المعاصى . (9/67)
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109)
{ ربنا اخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون } متجاوزون الحد فى الظلم لانفسنا { قال } تعالى بطريق القهر { اخسأوا فيها } اسكتوا فى النار سكوت هوان فانها ليست مقام سؤال وانزجروا انزجار الكلاب اذا زجرت من خسأت الكلب اذا زجرته مستهينا به فخسأ اى انزجر { ولا تكلمون } اى باستدعاء الاخراج من النار والرجع الى الدنيا فانه لايكون ابدا { انه } تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء اى ان الشان { كان فريق من عبادى } وهم المؤمنون { يقولون } فى الدنيا { ربنا آمنا } صدقنا بك وبجميع ماجاء من عندك { فاغفر لنا } استر ذنوبنا { وارحمنا } وانعم علينا بنعمك التى من جملتها الفوز بالجنة والنجاة من النار { وانت خير الراحمين } لان رحمتك منبع كل رحمة . (9/68)
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)
{ فاتخذتموهم سخريا } مهزوا بهم اى اسكتوا عن الدعاء بقولكم رنبا الخ لانكم كنتم تستهزؤن بالداعين بقولهم ربنا آمنا الخ وتتشاغلون { حتى انسوكم } اى الاستهزاء بهم فان انفسهم ليست سبب الانساء { ذكرى } اى ذكركم اياى والخوف منى والعمل بطاعتى من فرط اشتغالكم باستهزائهم { وكنتم منهم تضحكون } وذلك غاية الاستهزاء ، وقال مقاتل نزلت فى بلال وعمار وسلمان وصهيب وامثالهم من فقراء الصحابة كان كفار قريش كابى جهل وعتبة وابى بن خلف واضرابهم يستهزؤن بهم وباسلامهم ويؤذونهم . (9/69)
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)
{ انى جزيتهم اليوم بما صبروا } بسبب صبرهم على اذيتهم والصبر حبس النفس عن الشهوات { وانهم هم الفائزون } ثانى مفعولى الجزاء اى جزيتهم فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به ، وفى التأويلات النجمية وفيه من اللطائف ان اهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله من الله ينتفعون بانكار منكريهم واستخفاف مستهزئيهم وان اهل الشقاوة كما يخسرون بمعاملاتهم الفاسدة مع انفسهم يخسرون باستهزائهم وانكارهم على الناصحين المرشدين . (9/70)
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)
{ قال } الله تعالى تذكيرا لما لبثوا فيما سألوا الرجوع اليه من الدنيا بعد التنبيه على استحالته بقوله { اخسأوا فيها ولا تكلمون } { كم لبثتم فى الارض } التى تدعون ان ترجعوا اليها يقال لبث بالمكان اقام به ملازما له { عدد سنين } تمييز لكم { قالوا لبثنا يوما او بعض يوم } استفصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة الى دخولهم فى النار او لانها كانت ايام السرور وايام السرور قصار أو لانها منقضية والمنقضى كالمعدوم (9/71)
هردم ازعمر كرامى هست كنج بى بدل ... ميرود كنجى جنين هو لخظه برباد آه آه
{ فاسأل العادين } اى الذين يعلمون عد ايامها ان اردت تحقيقا فانا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها واحصائها . وفى التأويلات النجمية فاسأل العادين يعنى الذين يعدّون انفاسنا وايمانا وليالينا من الملائكة الموكلين علينا .
قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)
{ قال } الله تعالى { ان } ما { لبثتم الا قليلا } تصديقا لهم فى تقليلهم لسنى لبثهم فى الدنيا وقليلا صفة مصدر محذوف اى لبثا قليلا او زمان محذوف اى زمانا قليلا { لو انكم كنتم تعلمون } لعلمتم يومئذ قلة لبثكم فيها كما علمتم اليوم ، وفى بحر العلوم اى لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لما اجبتم بهذه المدة فعلى العاقل ان يتدارك حاله ويصلح اعماله قبل ان تنفد الانفاس وينهدم الاساس : قيل (9/72)
ألا انما الدنيا كظل سحابة ... اظلتك يوما ثم عنك اضمحلت
فلاتك فرحانا بها حين اقبلت ... ولا تكك جزعانا بها حين ولت
قال ارد شير بن بابك بن ساسان وهو اول ملك من آل ساسان لا تركنن الى الدنيا فانها لا تبقى على احد ولا تتركها فان الآخرة لا تنال الا بها ، قال العلامة الزمخشرى استغنم تنفس الاجل وامكان العمل واقطع ذكر المعاذير والعلل فانك فى اجل محدود وعمر غير ممدود قال الشيخ سعدى قدس سره
كنون وقت تخمست اكر برورى ... كر اميد وار اى كه خرمن برى
بشهر قيامت مرو تنكدست ... كه وجهى ندارد بغفلت نشست
غنيمت شمر اين كرامى نفس ... كه بى مرغ قيمت ندارد قفس
مكن عمر ضايع بافسوس و حيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال بعض الكبار لو علمت ان ما قات من عمرك لا عوض له لم يصح منك غفلة ولا اهمال ولكنت تأخذ بالعزم والحزم بحيث تبادر الاوقات وتراقب الحالات خوف الفوات عاملا على قول القائل
السباق السباق قولا وفعلا ... حذر انلفس حسرة المسبوق
وما حصل من عمرك اذا علمت ان لا قيمة له كنت تستغرق اوقاتك فى شكر الحاصل وتحصيل الواصل فقد قال على رضى الله عنه بقية عمر المرء مالها ثمن يدرك به منها ما فات ويحيى ما مات وفى الحديث « ما من ساعة تأتى على العبد لايذكر الله فيها الا كانت عليه حسرة يوم القيامة » ، واعلم ان العباد على قسمين فى اعمارهم فرب عمر اتسعت آماده وقلت امداده كاعمار بعض بنى اسرائيل اذ كان الواحد منهم يعيش الالف ونحوها ولم يحصل على شى مما يحصل لهذه الامة مع قصر اعمارها ورب عمر قليلة آماده كثيرة امداده كعمر من فتح عليه من هذه الامة فوصل الى عناية الله بلمحة فمن بورك له فى عمره ادرك فى يسير من الزمان مالا يدخل تحت العبارة فالخذلان كل الخذلان ان تتفرع من الشواغل ثم لاتتوجه اليه بصدق النية حتى يفتح عليك بما لاتصل الهمم اليه وان تقل عوائقك ثم لا ترحل اليه عن عوالم نفسك والاستئناس بيومك وامسك فقد جاء خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ومعناه ان الصحيح ينبغى ان يكون مشغولا بدين او دنيا فهو مغبون فيهما .
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)
{ أفحسبتم انما خلقناكم عبثا } الهمزة للاستفهام الانكارى والفاء للعطف على مقدر . والحسبان بالكسر الظن وعبثا حال من نون العظمة بمعنى عابثين وهو ما ليس لفاعله غرض صحيح او ارتكاب امر غير معلوم الفائدة . والمعنى أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم انا خلقناكم بغير حكمة { انكم الينا لاترجعون } عطف الى انما خلقناكم كم اى وحسبتم عدم رجوعكم الينا يعنى ان المصلحة من خلقكم الامر بالعمل ثم البعث للجزاء ومعنى الرجوع الى الله الرجوع الى حيث لا مالك ولا حاكم سواه ، قال الترمذى انا لله خلق الخلق ليعبدوه فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها فان عبدوه فانهم عبيد احرار كرام من رق الدنيا ملوك فى دارالسلام وان رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد اباق سقاط لئام وغدا اعداء فى السجون بين اطباق النيران . (9/73)
وفى التأويلات النجمية { أفحسبتم انما خلقناكم عبثا } بلا معنى ينفعكم او يضرك حتى عشتم كا يعيش البهائم فما تقربتم الينا بالاعمال الصالحات للتقرب وحسبتم { انكم الينا لا ترجعون } باللطف والقهر . فالرجوع باللطف بان يموت بالموت الاختيارى قبل الموت الاضطرارى وهو بان ترجعوا من اسفل سافلين الطبيعة على قدمى الشريعة والطريقة الى اعلى عليين عالم الحقيقة ، والرجوع بالقهر بان ترجعوا بعد الموت الاضطرارى فتقادون الى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها واغلال صفاتكم الذميمة ، وعن بهلول قال كنت يوما فى بعض شوارع البصرة فاذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز واذا أنا بصبى ينظر اليهم ويبكى فقلت هذا صبى يتحسر على مافى ايدى الصبيان ولاشىء معه فيلعب به فقلت اى بنى ما يبكيك اشترى لك من الجوز واللوز ماتلعب به مع الصبيان فرفع بصره الىّ وقال ياقليل العقل ماللعب خلقنا فقلت اى بنى فلماذا خلقنا فقال للعلم والعبادة وفقلت من اين لك ذلك بارك الله فيك قال من قوله تعالى { أفحسبتم انما خلنقاكم عبثا وانكم الينا لاترجعون } قلت له اى بنى اراك حكيما فعظنى واوجز فانشأ يقول
أرى الدنيا تجهز بانطلاق ... مشمرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحى ... ولا حى على الدنيا بباق
كأن الموت والحدثان فيها ... الى نفس الفتى فرسا سباق
فيا مغرور بالدنيا رويدا ... ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق السماء بعينيه واشار اليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه وهو يقول
يامن اليه المبتهل ... يامن عليه المتكل
يامن اذا ما آمل ... يرجوه لم يخط الامل
قال فلما اتم كلامه خر مغشيا عليه فرفعت رأسه الى حجرى ونفضت التراب عن و جهه بكمى فلما افاق قت له ايى بنى مانزل بكم انت صبى صغير لم يكتب عليكم ذنب قال اليك عنى يا بهلول انى رأيت والدتى توقد النار بالحطب الكبار فلا تقد الا بالصغار وانى اخشى ان اكون من صغار حطب جهنم قال فسألت عنه فقالوا ذاك من اولاد الحسين بن على بن ابى طالب رضى الله عنهم قلت قد عجبت من ان تكون هذه الثمرة الا من تلك الشجرة نفعنا الله به وبآبائه ، قال الشيخ ابو بكر الواسطى [ روزى اين آيت مى خواند فرمودكه نىنى خلق بعبث نيافريد بلكه خواست كه هستىء وى آشكارا شود وازمصنوعات وى بصفات كماليه اوراه برند .
وكفته ند شمارا ببازى نيافريده ايم بلكه براى ظهور نور محمد عليه السلام آفريده ايم جودر ازل مقر رشده بودكه آن كوهر تابان ازصدق جنس انس بيرون آيد بس اواصلست وشما همه فرع اوييد (9/74)
هفت ونه وجاركه برداختند ... خاص بى موكب اوساختند
اوست شه وآدميان جمله خيل ... اصلورى وجلمه عالم طفيل
دربحر الحقائق كفته كه شمارات براى آن آفريدم تا بر من سود كنيدنه بجهت آنكه من برشما سودكنم كما قال تعالى « خلقت الخلق ليربحوا علىّ لا لاربح عليهم » وكويند ملائكة را آفريد تامنظر قدرت باشند وآدميانرا خلق كرد تامخزن جوهر محبت باشند . در بعضى كتب سماوى هست كه اى فرزند آدم همه اشيا برى شما آفريدم وشمارا براى خودسر ( كنت كنزا مخفيا ) اينجا ظهور تمام دارد ] كما اشار اليه المولوى قدس سره فى المثنوى
اى ظهور تو بكلى نور نور ... كنج مخفى ازتو آمد در ظهور
كنج مخفى بود زبر جاك كرد ... خاك را تابان تر از افلاك كرد
كنج مخفى بدزبرى جوش كرد ... خاك را سلطان باطلس بوش كرد
خويش را تشناخت مسكين آدمى ... از فزونى آمد وشد دركمى
خويشتن را آدمى ارزان فوخت ... بود اطلس خويش را بردلق دوخت
اى غلامت عقل تدبيرات هوش ... جون جنينى خويش را ارزان فروش
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)
{ فتعالى الله } ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين فى ذاته وصفاته وافعاله وعن خلو افعاله عن الحكم والمصالح والغايات الجليلة { الملك الحق } الذى يحق له الملك على الاطلاق ايجادا واعداما بدأ واعادة واحياء واماته وعقابا واثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكه العظيم ، قال الامام الغزالى رحمه الله الملك هو الذى يستغنى فى ذاته وصفاته وافعاله عن كل موجود ويحتاج اليه كل موجود ، وفى المفردات الحق موجد الشىء بسبب ما يقتضيه الحكمة . (9/75)
وفى التأويلات النجمية ذاته حق وصفاته حق وقوله صدق ولا يتوجه لمخلوق عليه حق وما يفعل من احسانه بعباده فليس شىء منها بمستحق { لا اله الا هو } فان كل ما عداه عبديه { رب العرش الكريم } فكيف بما هو تحته ومحاط به من الموجودات كائنا ما كان وانما وصف العرش الكريم لانه مقسم فيض كرم الحق ورحمته منه تنقسم آثار رحمته كرمه الى ذرات المخلوقات .
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)
{ ومن } [ هركه ] { يدع } يعبد { مع الله الها آخر } افرادا او اشتراكا { لابرهان له به } اى بدعائه معه ذلك : وبالفارسية [ هيج حجتى نيست بربر ستنده را بيرستش آن واله ] وهو صفة لازمة لا لها كقوله { يطير بجناحيه } اذ لا يكون فى الآلهة ما يجوز ان يقوم عليه برهان اذا الباطل ليس له برهان جىء بها للتأكيد وبناء الحكم عليها تنبيها على ان الدين بمالا دليل عليه باطل فكيف بما شهدت بداهة العقول بخلافه { فانما حسابه عند ربه } فهو مجازى له على قدر ما يستحقه جواب يدع { انه لايفلح الكفارون } اى الشان لا ينجو من كفر من سوء الحساب والعذاب . (9/76)
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)
{ وقل رب اغفر وارحم } امر رسول الله بالاستغفار الاسترحام ايذانا بانهما من هرم الامور الدينية حيث امر به من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بمن نعداه كما قال فى التأويلات النجمية الخطاب مع محمد عليه السلام يشير الى انه مع كمال محبوبيته وغاية خصوصيته وربتبة نبوته ورسالته محتاج الى مغرفته ورحمته فكيف بمن دونه وبمن يدعو مع الله الها آخر اى فلا بد لامته من الاقتداء به فى هذا الدعاء { وانت خير الراحمين } يشير الى انه يحتمل تغير كل راحم بان يسخط على مرحومه فيعذبه بعد ان يرحمه وان الله جل ثناؤه اذا رحم عبده لم يسخط عليه ابد لان رحمته ازلية لا تحمتل التغير ، وفى حقائق البقلى اغفر تقصيرى فى معرفتكم وارحمنى بكشف زيادة المقام فى مشاهدتك وانت خير الراحمين اذ كل الرحمة فى الكونين قطرة مستفادة من بحار رحمتك القديمة ، وعن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه مرّ بمصاب مبتلى فقرأ فى اذنه { افحسبتم } حتى ختم السورة فبرىء باذن الله فقال عليه السلام « ماقرأت فى اذنه » فاخبر فقال « والذى نفسى بيده لو ان رجلا موقنا على جبل لزال » روى ان اول هذه السورة وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من اولها واتعظ باربع آيات من آخرها فقد نجا وافلح ، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان كلام عليه السلام اذا نزل الوحى يسمع عنده دوىّ كدوى النحل فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يده وقال « اللهم زدنا ولا تنقصنا واكرمنا ولا تهنا واعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارض عنا وارضنا » ثم قال « لقد انزل علىّ عشر آيات من اقامهن دخل الجنة » ثمر قرآ { قد افلح المؤمنون } حتى ختم العشر . (9/77)
سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)
{ سورة } سورة القرآن طائفة منه محيطة بما فيها من الآيات الكلمات والعلوم والمعارف مأخوذة من سورة المدينة وهو حائطها المشتمل عليه وهى خبر مبتدأ محذوف اى هذه سورة وانما اشير اليها مع عدم سبق ذكرها لانها باعتبار كونها فى شرف الذكر فى حكم الحاضر المشاهد والتنكير مفيد للفخامة من حيث الذات كما ان قوله تعالى { انزلناها } مفيد لها من حيث الصفة اى انزلناها من عالم القدس بواسطة جبريل { وفرضناها } اى اوجبنا ما فيها من الاحكام ايجابا قطعيا فان اصل الفرض قطع الشىء الصلب والتأثير فيه كقطع الحديد والفرض كلايجاب لكن الايجاب يقال اعتبار بوقوعه وثباته والفرض بقطع الحكم فيه كما فى المفردات { وانزلنا فيها } اى فى تضاعيف السورة { آيات } هى الآيات التى نيطت بها الاحكام المفروضة كما هو الظاهر لامجموع الآيات { بينات } واضحات دلالاتها على احكامها وتكرير انزلنا مع استلزام انزال السورة لانزالها لابراز كمال العناية بشأنها { لعلكم تذكرون } [ شايدكه شمايند بذيريد واز محارم برهيزيد ] وهو بحذف حدى التاءين اى تتذكرونها فتعلمون بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية الى اجراء احكامها وفيه ايذان بان حقها ان تكون على ذكر منهم بحيث متى مست الحاجة اليها استحضروها ، قال بعضهم لو لم يكن من آيات هذه السورة الا براءة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله لكان كثيرا فكيف وقد جمعت من الاحكام والبراهين مالم يجمعها غيرها . (9/78)
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)
{ الزانية والزانى } شروع فى تفصيل ما ذكر من الآيات البينات وبيان احكامها والزنى وطىء المرأة من غير عقد شرعى وقد يقصر واذا مد يصح ان يكون مصدر المفاعلة والنسبة اليه زنوى كذا فى المفردات والزانية هى المرأة المطاوعة للزنى الممكنة منه كما ينبىء عنه الصيغة لا المزينة كرها وتقديمها على الزانى لما ان زنى النساء من اماء العرب كان فاشيا فى ذلك الزمان او لانها الاصل فى الفعل لكون الداعية فيها اوفر والشهوة اكثر ولولا تمكينها منه لم يقع ورفعها على الابتداء والخبر قوله { فجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط اذ اللام بمعنى الموصول والتقدير التى زنت والذى زنى . والجلد ضرب الجلد بالكسر وهو قشر البدن يقال جلده ضرب جلده نحو بطنه وظهره اذا ضرب بطنه وظهره او معنى جلده ضربه بالجلد نحو عصاه اذا ضربه بالعصا ومائة نصب على المصدر : واملعنى بالفارسية [ بس بزنيد اى اهل واحكام هربكى را ازان هردو صد تازيانه ] وكان هذا عاما فى المحصن وغيره وقد نسخ فى حق المحصن قطعا ويكفينا فى حق الناسخ القطع بانه عليه السلام والحرية والعقل والبلوغ والنكاح الصحيح والدخول فلا احصان عند فقد واحدة منها وفى باب القذف الاربع الاول والعفة فمعنى قولهم رجم محصن اى مسلم حر عاقل بالغ متزوج وذو دخول ومعنى قولهم قذف محصنا اى مسلما حرا عاقلا بالغا عفيفا واذا فقدت واحدة منها فلا احصان { ولا تأخذكم بهما رأفة } رحمة ورقة ، وفى البحر الرأفة ارق الرحمة : وبالفارسية [ مهربانى كردن ] وتنكيرها للتقليل اى لا يأخذكم بهما شىء من الرأفة قليل من هذه الحقيقة ، وبالفارسية [ وفرانكيرد شمارا باين روزناكننده مهربانى ] { فى دين الله } فى طاعته واقامة حده فتعطلوا او تسامحوا فيه بعدم الايجاع ضربا والتكميل حدا وذلك ان المضروب يفعل اثناء الضرب افعالا غريبة ويتضرع ويستغيث ويسترحم وربما يغشى عليه فيرأف به الامام او الضارب او بعض الحاضرين لا سيما اذا كان احب الناس اليه كالولد والاخ مثلا فلا يستوفى حدالله وحقه ولا يكمل جلد مائة بل ينقصه بترك شىء منها او يخفف الضرب فنهاهم الله عن ذلك ، وفيه تنبيه على ان الله تعالى اذا اوجب امرا قبح استعمال الرحمة فيه وفى الحديث « يؤتى بوال نقص من حد سوطا فيقال لم نقصت فيقول رحمة لعبادك فيقال له انت ارحم منى انطلقوا به الى النار ويؤتى بمن زاد سوطا فيقال لم زدت فيقول لينهوا عن معاصيك فيقال له انت احكم منى فيؤمر به الى النار » ، قال فى الاسئلة المقحمة ان الله نهى عن الرأفة والرحمة وعلى هذا ان وجدنا واحا بقلبه اشفاق على اخيه المسلم حيث وقع فى المعصية يؤاخذ بها والجواب انه لم يرد الرأفة الجبلية والرحمة الغريزية فانها لا تدخل تحت التكليف وانما اراد بذلك الرأفة التى تمنع عن اقامة حدود الله وتفضى الى تعطيل احكام الشرع فهى منهى عنها ، قال فى بحر العلوم وفيه دلالة على ان المخاطبين يجب عليهم ان يجتهدوا فى حد الزنى ولا يخففوا الضرب بل يوجعوها ضربا وكذلك حد القذف عند الزهرى لاحد الشرب وعن قتادة يخفف فى حد الشرب والقذف ويجتهد فىحد الزنى { ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } من باب التهييج والتهاب الغضب لله ولدينه فان الايمان بهما يقتضى الجد فى طاعته والاجتهاد فى اجراء الاحكام ، قال الجنيد رحمه الله الشفقة على المخالفين كالاعراض عن الموافقين وذكر اليوم الآخر لتذكر ما فيه من العقاب فى مقابلة المسامحة والتعطيل وانما سمى يوم القيامة اليوم الآخر لانه يكون بعده ليل فيصير كله بمنزلة يوم واحد وقد قيل انه تجتمع الانوار كلها وتصير فى الجنة يوما واحدا وتجتمع الظلمات كلها وتصير فى النار ليلة واحدة { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } الشهود الحضور والعذاب الايجاع الشديد ، قال بعضهم التعذيب اكثار الضرب بعذبة السوط اى طرفه وقيل غير ذلك وفى تسميته عذابا دليل على انه عقوبة ويجوز ان يسمى عذابا لانه الم مانع من المعاودة كما سمى نكالا اى عقابا يردع عن المعاودة والطائفة فرقة يمكن ان تكون حافة حول الشىء وحلقة من الطوف والمراد به جمع يحصل به التشهير والزجر وقوله من المؤمنين لان الفاسق من صلحاء قومه اخجل وظاهر الامر الوجوب لكن الفقهاء قالوا بالاستحباب . (9/79)
والمعنى لتحضره زيادة فى التنكيل فان التفضيح قد ينكل اكثر مما ينكل التعذيب : وبالفارسية [ وبايد كه حاضر شونددر وقت عذاب آن دوتن يعنى درزمان اقامت برايشان كروهى ازمؤمنان تاتشهيرايشان حاصل وآن تفضيح مانع كردد ازمعاودت بامثال آن عمل ] فخد غير المحصن جلد مائة وسطا بسوط لاثمرة له ويجلد الرجل قائما ينزع عنه ثيابه الا ازاره ويفرق على بدنه الا رأسه ووجهه وفرجه وتجلد المرأة قاعدة لا ينزع من ثيابها الا الحشو والفروا وجاز الحفر لها لا اله ولا يجمع بين جلد ورجم ولا بين جلد ونفى الا سياسة ويرجم مريض زنى ولا يجلد حتى يبرأ وحامل زنت ترجم حين وضعت وتجلد بعد النفاس وللعبد نصفها ولا يحده سيده الا باذن الامام خلافا للشافعى وفى الحديث « اقامة حد بارض خير لاهلها من مطر اربعين ليلة » ، وعلم ان الزنى حرام وكبيرة روى حذيفة رضى الله عنه عنه عليه السلام يا معشر الناس اتقوا الزنى فان فيه ست خصال ثلاث فى الدنيا وثلاث فى الآخرة . (9/80)
اما التى فى الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر . واما التى فى الآخرة فسخط الله وسء الحساب وعذاب النار ومن الزنى زنى النظر والنظرة سهم مسموم من سهام ابليس : وفى المثنوى (9/81)
اين نظر ازدور جون تيراست وسم ... عشقت افزون ميكند توكم
وفى التأويلات النجمية قوله { الزانية والزانى } يشير الى النفس اذا زنت وزناها بان استلسمت لتصرفات الشيطان والدنيا فيها بما نهاها الله عنه والى الروح اذا زنى وزناه تصرفه فى الدنيا وشهواتها مما نهاه الله عنه { فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } من الجوع وترك الشهوات والمرادات تزكية لهما { وتأديبا ولا تأخذكم بها رأفة فى دين الله } يعنى اذا ادعيتم محبة الله فابغضوا مخالفى امره ولا ترحموا انفسكم وارواحكم على مخالفة الله فانهم يظلمون انفسهم بجهلهم بحالهم ون رحمتكم عليهم فى ترك تزكيتهم وتأديبهم كترك الولد علاج ولده المريض شفقة عليه لينهكه المرض فادبوهما { ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } يشير الى شهود اهل الصحبة وان يزكى النفس ويؤدب الروح بمشهد شيخ واصل كامل ليحفظه من طرفى الافراط والتفريط ويهديه الى صراط مستقيم هو صراط يسلكه فيه
قط اين مرحلة بنى همرهىء خضر مكن ... ظلما تست بترس از خطر كمراهى
الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)
{ الزانىلاينكح الا زانية او مشركة والزانية لاينكحها الا زان او مشرك } النكاح انما ورد فى القرآ ن بمعنى العقد اى التزوج لا الوطىء ، قال الراغب اصل النكاح للعقد ثم استعير للجماع ومحال ان يكون فى الاصل للجماع ثم استعير للعقد لان اسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاسقباح تعاطيه ومحال ان يستعير من لا يقصد فحشا ما يستفظعونه لما يستحسنونه انتهى وهذا حكم مؤسس على الغالب المعتاد جىء به لزجر المؤمنين عن نكاح الزوانى بعد زجرهم عن الزنى بهن يعنى الغالب ان المائل الى الزنى والتقحب لا يرغب فى نكاح الصوالح من النساء وانما يرغب فى نكاح فاسقة من شلكه او مشركة والمسافحة لا يرغب فى نكاحها الصلحاء وينفرون عنها وانما يرغب فيها فاسق مثلها او مشرك فان المشاكلة سبب الائتلاف والاجتماع كما ان المخالفة سبب الوحشة والافتراق . وقدم الزانى فى هذه الآية لان الرجل اصل فى النكاح من حيث انه هو الطالب ومنه تبدأ الخطبة ولان الآية نزلت فى فقراء المهاجرين الذين رغبوا فى نكاح موسرات كانت بالمدينة من بقايا المشركين لنفقن عليهم من اكسابهن على عادة الجاهلية كا قال الكاشفى [ بقايا از يهود ومردم را بخود دعوت نموده اجرت كرفتندى ضعفه مهاجرين كه مسكنى وعشرتى نداشند و ازتنك بريشان مى كذرانيدند داعية كردند كه ايشانرا بنكاح درآ ورده كه وكراين نفس ازايشان كرفته برعادت اهل جاهليت معاش كذرانند ] فاستأذنوا رسول الله فى ذلك فنفروا عنه ببيان انه افعال من الزناة وخصائص المشركين كأنه قيل الزانى لايرغب الا فى نكاح احداهما والزانية لا يرغب فى نكاحها الا احدهما لا تحوموا حوله كيلا تنتظموا فى سلكها او تتسموا بسمتهما فايراد الجملة الاولى منع ان مناط التتنفير هى الثانية لتأكيد العلاقة بين الجانبين مبالغة فى الزجر والتنفير لا مجرد الاشراك وانما تعرّض لها فى الاولى اشباعا فى التنفير عن الزانية بنظمها فى سلك المشركة { وحرم ذلك } اى نكاح الزانى { على المؤمنين } لما فيه من التشبيه بالفسقة والتعرض للتهمة والتسبب بسوء المقالة والطعن فى النسب وغير ذلك من المفاسد لا يكاد يليق باحج من الا دانى والا رازل فضلا عن المؤمنين ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة فى الزجر والحكم اما مخصوص بسبب النزول او منسوخ بقوله تعالى { وانحكوا الايامى منكم } فانه متناول للمسافحات ويؤيده ماروى انه عليه السلام سئل عن ذلك فقال « اوله نكاح وآخره نكاح » والحرام لايحرم الحلال ، وفى الآية اشارة الى الحذر عن اخدان السوء والحث عن مخالطة اهل الصحبة والاخدان فى الله تعالى فان الطبع من الطبع يسرق والمقارنة مؤثرة والامراض سارية وفى الحديث (9/82)
« لاتساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم او جامعهم فهو منهم وليس منا » اى لاتساكنوا مع المشركين فى المسكن الواحد لا تجتمعوا معهم فى المجلس الواحد حتى لايسرى اليكم اخلاقهم وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة وللناس اشكال فكل يطير بشكله (9/83)
همه مرغان كند باجنس برواز ... كبوتر باكبوتر باز با باز
وكل مساكن مثله كما قال قائلهم
عن المرء لا تسأل وابصر قرينة ... فان القرين بالمقارن يقتدى
فاما اهل الفساد فالفساد يجمعهم وان تناءت ديارهم واما اهل السداد فالسداد يجمعهم وان تباعد مزارهم ، قال الكاشفى [ جنسيت عت ضمست ومشاكله سبب الفت
هركس ماسب كهرخود كرفت يار ... بلبل بباغ رفت وزغن سوى خارزار
وحرم محافظة اخدان السوء على المؤمنين لئلا يؤثر فيهم فساد حالهم وسوء اخلاقهم ، ومن بلاغات الزمخشرى لا ترضى لمجالستك الا اهل مجانستك اى لا ترض ان تكون جليس احد من غير جنسك فانه العذاب الشديد ليس الا ، وجاء فى مسائل الفقه ان من رأى نصرانية سمينة فتمنى ان يكون نصرانيا ليتزوجها كفر . فقال بعضهم السمينة موجودة فى المؤمنات ايضا ولكن علة الضم الجنسية فعلى العاقل ان يصون نفسه بقدر الا مكان الله فانه الله غيور ينبغى ان يخاف منه كل آن .
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)
{ والذين يرمون المحصنات } الرمى يقال فى الاعيان كالسهم والحجر ويقال فى المقال كناية عن الشتم كالقذف فانه فى الاصل الرمى بالحجارة ونحوها مطلقا ، قال فى الارشاد فى التعبير عن النفوه بما قالوا فى حقهن بالرمى المنبىء عن صلابة الآله وايلام المرمى وبعده ايذان بشدة تأثيره فيهن والمحصنات العفائف وهو بالفتح يقال اذا تصور حصنها من نفسها وبالكسر يقال اذا تصور حصنها من غيرها والحصن فى الاصل معروف ثم تجوز به فى كل تحرز ومنه درع حصينة لكونها حصنا للبدن وفرس حصان لكونه حسنا لراكبه امرأة حصان للعفيفة والمعنى والذين يقذفون العفائف بالزنى بدليل ذكر المحصنات عقيب الزوانى وتخصيص المحصنات لشيوع الرمى فيهن والا قذف الذكر والانثى سواء فى الحكم الآتى والمراد المحصنات الاجنبيات لان رمى الازواج اى النساء الداخلات تحت نكاح الرامين حكمه سيأتى ، واجمعوا على ان شروط احصان القذف خمسة الحرية والبلوغ والعقل والاسلام والعفة من الزنى حتى ان من زنى مرة فى اول بلوغه ثم تاب وحسنت حاله فقذفه سخص لاحد عليه والقذف بالزنى ان يقول العاقل لمحصنة يازانية يابن الزانى يابن الزنية ياولد الزنى اولست لابيك يابن فلان فى غضب والقذف بغيره ان يقول يافاسق ياشارب الخمر يا آكل الربا ويا خبيث يانصرانى يايهودى يامجوسى فيوجب التعزير كقذف غير المحصن واكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا واقله ثلاثة لان التعزير ينبغى ان لا يبلغ اقل الحد اربعين وهى حد العبيد فى القذف بالزنى والشرب واما ابو يوسف فاعتبر حد الاحرار وهو ثمانون سوطا ونقص منها سوطا فى رواية وخمسة فى رواية وقال للامام ان يعزر الى المائة والفرق بين التعزير والحد ان الحد مقدر والتعزير مفوض الى رأى الامام وان الحد يندرىء بالشهبات دونه وان الحد لا يجب على الصبى والتعزير شرع والحد يطلق على الذمى ان كان مدقرا والتعزير لا يطلق عليه لان التعزير شرع للتطهير والكافر ليس من اهل التطهير وانما سمى فى حق اهل الذمة اذا كان غير مقدر عقوبة وان التقادم يسقط الحد دون التعزير وان التعزير حق العبد كسائر حقوقه ويجوز فيه الابراء والعفوا والشهادة على الشهادة ويجرى فيه اليمن ولا يجوز شىء منها فى الحد { ثم لم يأتوا باربعة شهداء } يشهدون عليهن بما رموهن به ولا يقبل فيه شهادة النساء كما فى سائر الحدود وفى كلمة ثم اشعار بجواز تأخيره الاتيان بالشهود وفى كلمة لم اشارة الى العجز عن الاتيان بهم ولا بد من اجتماع الشهود عند الاداء عند ابى حنيفة رحمه الله اى الواجب ان يحضروا فى مجلس واحد وان جاؤا متفرقين كانوا قذفة وفى قوله باربعة شهداء دلالة على انهم ان شهدوا ثلاثة يجب حدهم لعدم النصاب وكذا ان شهدوا عميانا او محدودين فى قذف او احدهم محدود او عبد لعدم اهلية الشهادة { فاجلدوهم ثمانين جلدة } انتصاب ثمانين كانتصاب المصادر ونصب جلدة على التمييز اى اضربوا كل واحد من الرامين ثمانين ضربة ان كان القاذف حرا واربعين ان كان عبدا لظهور كذبهم وافترائهم بعجزهم عن الاتيان بالشهداء : وبالفارسية [ بس بزنيد ايشانزا هشتاد تازيانه ] وان كان المقذوف زانيا عزر القاذف ولم يحد الا ان يكون المقذوف مشهورا بما قذف به فلاحد ولا تعزير حينئذ ويجلد القاذف كما يجلد الزانى الا انه لا ينزع عنه الثياب الا ماينزع عن المرأة من الحشو والفرو والقاذفة ايضا فى كيفية الجلد مثل الزانية وضرب التعزير اشد ثم للزنى ثمى للشرب ثم للقذف لان سبب حده محتمل للصدق والكذب وانما عوقب صيانة للاعراض : وبالفارسية [ حد قذف ازحد زنى وحد شرب اخص است زيراكه حد زنى بقرآن ثابت شده وثبوت حد شرب يقول صحابه است وسيب حد قذف محتمل است مر صدق رائى ] وان كل نفس الحد ثابتا بالنص وانما يحد بطلب المقذوف المحصن لان فيه حقه من حيث دفع العار عنه ولا بد ان يكون الطلب بالقول حتى لو قذف الاخرس وطلبه بالاشارة لا يجب الحد وكون المقذوف عائبا عن مجلس القاذف حال القذف او حاضرا سواء فاحفظه ويجوز للمقذوف ان يعفو عن حد القذف قبل ان يشهد ويثبت الحد والامام ايضا ويحسن منه ان يحمل المقذوف على كظم الغيظ ويقول له اعرض عن هذا ودعه لوجه الله قبل ثبوت الحد فاذا ثبت لمن يكن لواحد منهما ان يعفوا لانه خالص حق الله لهذا لم يصح ان يصالح عنه بمال واذا تاب القاذف قبل ان يثبت الحد سقط واذا قذف الصبى او المجنون امرأته او اجنبيا فلا حد عليهما ولا لعان لا فى الحال والا اذا بلغ او افاق ولكن يعذران تأديبا ولو قذف شخصا مرارا فان اراد زنية واحدة وجب حد واحد وان اراد زنيات مختلفة كقوله زنيت بزيد وبعمرو وتعدد لتعدد اللفظ كما فى الكبير { ولا تقبلوا لهم شهادة } عطف على اجلدوا داخل فى حكمه تتملة له ما فيه من معنى الزجر لانه مؤلم للقلب كما ان الجلد مؤلم للبدن وقد اذى المقذوف بلسانه فعوقب باهدار منافعه جزاء وفاقا واللام فى لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة قدمت عليها لكونها نكرة وفائدتها تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن اهليتهم الثابتة لهم عند الرمى وهو السر فى قبول شهادة الكافر المحدود فى القذف بعد التوبة والاسلام لانها ليست ناشئة ع اهليته السابقة بل اهليته حدثت له بعد اسلامه فلا يتناول الرد والمعنى لا تقبلوا من القاذفين شهادة من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند القذف { ابدا } اى مدة حياتهم وان تابوا واصلحوا { واولئك هم } لاغيرهم { الفاسقون } الكاملون فى الفسق والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود كأنهم هم المستحقون لاطلاق اسم الفاسق عليهم من الفسقة ، قال الكبير يفيد ان القذف من الكبائر لان الفسق لايقع الا على صاحبها . (9/84)
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
{ الا الذين تابوا } استثناء من الفاسقين { من بعد ذلك } اى من بعد ماقترفوا ذلك الذنب العظيم { واصلحوا } اعمالهم بالتدارك ومنه الاستسلام للحد والاستحلال من المقذوف { فان الله غفور رحيم } عليل لما يفيده الاستثناء من العفو عن المؤاخذة بموجب الفسق كأنه قيل فحينئذ لا يؤاخذهم الله بما فرط منهم ولا ينظمهم فى سلك الفاسقين لانه مبالغ فى المغفرة والرحمة ، وفى الآية اشارة الى غاية كرم الله ورحمته على عبادة بان يستر عليهم ماراد بعضهم اظهاره على بعض ولم يظهر صدق احدهما او كذبه ولتأديبهم اوجب عليهم الحد ورد قبول شهادتهم ابدا وسماهم الفاسقين وليتصفوا بصفاته السارية والكريمية والرحيمية فيما يسترون عيوب اخوانهم المؤمنين ولا يبتعوا عوراتهم وقد شدد النبى على من يتبع عورات المسلمين ويفشى اسرارهم فقال « يامعشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فانه من يتبع عوراتهم يفضحه الله يوم القيامة على رؤس الاشهاد » وقال عليه السلام « من ستر على مسلم ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة » قال الشيخ سعدى (9/85)
منه عيب خلق فروماية بيش ... كه جشمت فرودوز دازعيب خويش
كرت زشت خويى بود درسرشت ... نه بينى زطاوس جزياى زشت
طريق طلب كزعقوبت رهى ... نه حرفى كه انكشت بروى نهى
وفى الآية اشارة ايضا الى كما عنايته تعالى فى حق عباده بانه يقبل توبتهم بعد ارتكاب الذنوب العظام ولكن بمجرد التوبة لا يكون العبد مقبولا الا بشرط ازالة فساد حاله واصلاح اعماله ، قال بعضهم علامة تصحيح التوبة وقبولها ما يعقبها من الصلاح والتوبة هى الرجوع من كل ما يذمه لعلم واستصلاح ما تعدى فى سالف الازمنة ومداومتها باتباع العلم ومن لم يعقب توبته الصلاح كانت توبة بعيدة عن القبول
فراشوا جوبينى در صلح باز ... كه ناكه درتوبه كردد فراز
مروزير بار كناه اى بشر ... كه حمال عاجز بود درسفر
بهشت اوستاندكه طاعت برد ... كرا نقد بايد بضاعت برد
اكرمرغ دولت زقيدت بجست ... هنوزش سر رشته دارى بدست
اى فاسع الى اصلاح عملك قبل حلول اجلك .
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)
{ والذين يرمون ازواجهم } بيان لحكم الرامين لزوجاتهم خاصة بعد بيان حكم الرامين لغيرهن اى والذين يقذفون نساءهم بالزنى بان يقول لها يازانية او زنيت او رأيتك تزنى ، قال فى بحر العلوم اذا قال يازانية وهما محصنان فردت بلا بل انت حدث لانها قذفت الزوج وقذفه اياها لا يوجد الحد بل اللعان وما لم ترفع القاذف الى الامام لم يجب اللعان ، قال ابن عباس رضى الله عنهما لما نزل قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء } قال عاصم بن عدى الانصارى ان دخل رجل منا بيته فرأى ردلا على بطن امرأته فان جاء باربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج وان قتله قتل به وان قال وجدت فلانا مع تلك المرأة ضرب وان سكت سكت على غيظ الللهم افتح وكان لعاصم هذا بان عم يقال له عويم وكان له امرأة يقال لها خولة بنت قيس فاتى عويم عاصما فقال لقد رأيت شريكا بن السحماء على بطن امرأتى خولة فاسترجع عاصم واتى رسول الله عليه السلام فقال يا رسول الله ما اسرع مابتليت بهذا السؤال فى اهل بيتى فقال عليه السلام « وماذاك » قال اخبرنى عويم بان عمرى انه رأى شريكا على بطن امرأته خولة فدعا رسول الله اياهم جمعيا فقال لعويم « اتق الله فى زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها » فقال يارسول الله تالله لقد رأيت شريكا على بطنها وانى ما قربتها منذ اربعة اشهر وانها حبلى من غيرى فقال لها رسول الله « اتقى الله ولا تخبرى الا بما صنعت » فقالت يا رسول الله ان عويما رجل غيور وانه رأى شريكا يطيل النظر الىّ ويحدثنى فحملته الغيرة على ما قال فانزل الله تعالى قوله { والذين يرمون ازاجهم } وبين به ان حكم قذف الزوجة اللعان فامر رسول الله بان يؤذن للصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويم قم وقل « اشهد بالله ان خولة لزانية وانى لمن الصادقين » فقال ثم قال فى الثانية « اشهد انز رأيت شريكا على بطنها وانى لمن الصادقين » ثم قال فى الثالثة « اشهد بالله انها لحبلى من غير وانى لمن الصادقين » ثم قال فى الرابعة « اشهد بالله انها زانية ونى ماقربتها من اربعة اشهر ونى من الصادقين » ثم قال فى الخامسة « لعنة الله على عويم » يعني نفسه « ان كان من الكاذبين » ثم قال له اقعد وقال لخولة قومى فقامت وقالت « اشهد بالله ما انا بزانية وان زوجى لمن الكاذبين » وقالت فى الثانية (9/86)
« اشهد بالله ما رأى شركا على بطنى وانه لمن الكاذبين » وقالت فى الثالثة « اشهد بالله ما انا حبلى الا منه وانه لمن الكاذبين » وقالت فى الربعة « اشهد بالله ما رأنى على فاحشة قط وانه لمن الكاذبين » وقالت فى الخامسة « غضب الله على خولة ان كان عويم من الصادقين فى قوله » ففرق النبىّ عليه السلام بينهما وقضى او الولد لها ولا يدعى لاب وذلك قوله تعالى { والذين يرمون ازواجهم } { ولم يكن لهم شهداء } يشهدون بما رموهن من الزنى { الا انفسهم } يدل من شهداء جعلوا من جملة الشهداء ايذانا من اول الامر بعدم القاء قولهم بالمرة ونظمها فى سلك الشهادة فى الجملة { فشهادة احدهم } اى شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ خبره قوله { اربع شهادات } اى فشهادتهم المشروعة اربع شهادات { بالله } متعلق بشهادات { انه لمن الصادقين } اى فيما رماها به من الزنى واصله على انه الخ فحذف الجار وكسرت ان وعلق العامل عنها للتأكيد . (9/87)
وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)
{ والخامسة } اى الشهادة الخامسة للاربع المتقدمة اى الجاعلة لها خمسا بانظمامها اليهن هى مبتدأ خبره قوله { ان لعنة الله عليه } اللعن طرد وابعاد على سبيل السخط وذلك من الله فى الآخرة عقوبة وفى الدنيا انقطاع من قبول فيضه وتوفيقه ومن الانسان دعاء على غيره ، قال بعضهم لعنة الكفار دائمة متصلة الى يوم القيامة ولعنة المسلمين معناها البعد من الخير والذى يعمل معصية فهو فى ذلك الوقت بعيد عن الخير فاذا خرج من المعصية الى الطاعة يكون مشغولا بالخير { ان كان من الكاذبين } فيما رماها به من الزنى فاذا لاعن الرجل حبست الزوجة حتى تعترف فترجم او تلاعن . (9/88)
وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)
{ ويدرؤا عنها العذاب } اى يدفع عن المرأة المرمية العذاب الدنيوى وهو الحبس المغيا على احد الوجهين بالرجم الذى هو اشد العذاب يقال درأ دفع وفى الحديث « ادرأوا الحدود بالشبهات » تنبيها على تطلب حيلة يدفع بها الحد { ان تشهد اربعة شهادات بالله انه } اى الزوج { لمن الكاذبين } فيما رمانى به من الزنى . (9/89)
وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)
{ والخامسة } بالنصب عطفا على اربع شادات { ان غضب الله عليها } الغضب ثوران دم القلب ارادة الانتقام ولذلك قال عليه السلام « اتقوا الغضب فانه جمرة توقد فى قلب ابن آدم ألم تروا الى انتفاخ اوداجه وحمرة عينيه » فاذا وصف الله به فالمراد الانتقام دون غيره { ان كان } اى الزوج { من الصادقين } اى فيما رمانى به من الزنى وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها لما انها مادة الفجور ولان النساء كثيرا ما يستعمل اللعن فربما يجترىء على التفوه به لسقوط وقعه على قلوبهن بخلاف عضبه تعالى ، والفرقة الواقعة باللعان فى حكم التطليقة البائنة عند ابى حنيفة ومحمد رحمهما الله ولا يتأبد حكمها حتى اذا كذب الرجل نفسه بعد ذلك فحدّ جاز له ان يتزوجها وعند ابى يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعى هى فرقة بغير طلاق توجب تحريما مؤبد اليس لهما اجتماع بعد ذلك ابدا واذا لم يكن الزوج من اهل الشهادة بان كان عبدا او كافرا بان اسلمت امرأته فقذفها قبل ان يعرض عليه الاسلام او محدودا فى قذف وهى من اهلها حد الزوج ولا لعان لعدم اهلية اللعان وبيان اللعان مشبعا موضعه الفقه فليطلب هناك وكذا القذف . (9/90)
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله تواب حكيم } جواب لولا محذوف لتهويله والاشعار بضيق العبارة عن حصره كأنه قيل لولا تفضله عليكم ورحمته ايها الرامون والمرميات وانه تعالى مبالغ فى قبول التوبة حكيم فى جميع افعاله واحكامه التى من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان ما كان مما لايحيط به نطاق البيان ومن جملته انه تعالى لوم لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع ان الظاهر صقده لانه اعرف مجال زوجته وانه لا يفترى عليها لاشتراكهما فى الفضاحة وبعد ما شرع لهم ذلك لو جعل شهاداته موجبة لحدّ القذف عليه لفات النظر له ولا ريب فى خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجز بكذب احدهما حتما درائة لما توجه اليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلى الكاذب منها فى تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو اتم ما درأه عنه واطم وفى ذلك من احكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لايخفى اما على الصادق فظاهر واما على الكاذب فهو امهال له والستر عليه فى الدنيا ودره الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبىء عنه التعرض لعنوان توابيته سبحانه وما اعظم شأنه واوسع رحمته وادق حكمته ، قال الكاشفى [ واكرنه فضل خداى تعالى بودى برشما وبخشايش او وآنكه خداى قبول كنندة توبه است حكم كننده درحدود احكام هر آيينه شمارا فضيحت كردى ودروغ كواهى را بعذاب عظيم مبتلا ساختى وكويند اكرنه فضل خدا بودى بتأخير عقوبت شما هلاك شديد يا اكر نه فضل فرمودى باقامت زواجر ونهى ازفواحش هر آينه نسل منقطع شدى ومردم يك ديكررا هلاك كردندى يا اكر نه خداى تعالى بخشيدى برشما بقبول توبه درتيه ن اميدى سركردان ميشديد بس شما بمدد وتوفيق توبه بسر منزل رجا رسانيد (9/91)
كر توبه مددكار كنهكار نبودى ... اوراكه بسر حد كرم راه نمودى
ورتوبه بنودى كه در فيض كشودى ... زنك غم از آينه عاصى كه زدودى
قال بعض الكبار قال الله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ولم يقل ولولا فضل عبادتكم وصلاتكم وجهادكم وحسن قيامكم بامر الله { ما زكى منكم من احد ابدا } لنعلم ان العبادات وان كثرت فانها من نتائج الفضل
جوروبى بخدمت نهى بر زمين ... خدارا ثنا كوى وخودرا مبين
اللهم اجعلنا من اهل الفضل والعطاء والمحبة والولاء .
إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)
{ ان الذين جاؤا بالافك } ى مابلغ مما يكون من الكذب والافتراء : وبالفارسية [ بدرستى آنانكه آورده اند دروغ بررك درشان عائشة ] واصله الافك وهو القلب اى الصرف لانه مأفوك عن وجهه وسننه والمراد به ما افك على عائشة رضى الله عنها وذلك ان عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الامانة والعفة والشرف فمن رماها بالسوء قلب الامر من وجهه روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا اراد سفرا اقرع بين نسائه فأيهن خرجت قرعتها استصحبها والقرعة بالضم طينة او عجينة مدورة مثلا يدرج فيها رقعة يكتب فيها السفر والحضر ثم تسلم الى صبى يعطى كل امرأة واحدة منهن كذا فى القهستانى فى القسم فلما كان غزوة بنى المصطلق فى السنة الخامسة من الهجرة وهى غزوة المريسيع كما فى انسان العيون خرج سهمها وبنو المصطلق بطن من خزاعة وهم بنوا خزيمة والمصطلق من الصلق وهو رفع الصوت والمريسيع اسم ماء من مياه خزاعة مأخوذ من قولهم رسعت عين الرجل اذا دمعت من فساد ذلك الماء فى ناحية قديد ، قال فى القاموس المريسيع بئر او ماء واليه تضاف غزوة بنى المصطلق انتهى فخرجت عائشة معه عليه السلام وكان بعد نزول آية الحجاب وهو قوله تعالى { يايها الذين آمنوا لا تخلوا بيوت النبى } الآية لانه كان ذلك سنة ثلاث من الهجرة قالت فحملت فى هودج فسرنا فلما دنونا من المدينة قافلين اى راجعين نزلنا منزلا ثم نزلت من الرحل فقمت ومشيت لقضاء الحاجة حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأنى اقبلت الى رحلى فلمست صدرى فاذا عقد لى من جزع ظفار كقطام وهى بلد باليمن قرب صنعاء اليه نسبة الجزع وهو بالفتح وسكون الزاى المعجمة الخرز اليمانى فيه سواد وبياض يشبه به الاعين كما فى القاموس كان يساوى اثنى عشر درهما قد انقطع فرجعت فالتمسته فحبسنى ابتغاؤه واقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى بتخفيف الحاء اى يجعلون هودجها على الرحل وهو ابو مويهبة مولى رسول الله وكان رجلا صالحا مع جماعة معه فاحتملوا هودجى فرحلوه على بعيرى وهم يحسبون انى فيه بخفتى وكان النساء اذ ذاك خفافا لقلة اكلهن اى لان السمن وكثرة اللحم غالبا تنشأ عن كثرة الا كل كما فى انسان العيون فلم يستنكرواخفة الهودج حين رفعوه وذهبوا بالبعير فوجدت عقدى فدجئت منازلهم وليس فيها احد واقمت بمنزلى الذى كنت فيه وظننتا نهم سيفقدوننى فيرجعون فى طلبى فبينا انا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى خلف الجيش ، قال القرطبى وكان صاحب ساقة رسول الله لشجاعته كان من خيار الصحابة انتهى كان يسوق الجيش ويلتقط ما يسقط من المتاع كما فى الانسان فاصبح عند منزلى فرأى سوادا اى شخص اناسن نائم فاتانى فعرفنى فاستيقطت باسترجاعه اى بقوله انا لله وانا اليه راجعون اى لان تخلف ام المؤمنين عن الرفقة فى مضيقة مصيبة اى مصيبة فخمرت وجهى فى جلبابى وهو ثوب اقصر من الخمار ويقال له المقنعة تغطى به المرأة رأسها والله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه اى لانه استعمل الصمت ادبا وهوى حتى اناخ راحلته فقمت اليها فركبتها وانطاق يقود بى الراحلة حتى اتينا الجيش فى بحر الظهيرة اى وسطها وهو بلوغ الشمس منتهاها من الارتفاع وهم نازلون ، وبهذه الواقعة استدل بعض الفقهاء على انه يجوز الخلوة بالمرأة الاجنبيه اذا وجدها منقطعة ببرية او نحوها بل يجب استصحابها اذا خاف عليها لو تركها ، وفى معنى الآثار للطحاوى قال ابو حنيفة وكان الناس لعائشة محرما فمع ابهم سافرت فقد سافرت مع محرم وليس غيرها من النساء كذلك انتهى ، يقول الفقير لعل مراد الامام رحمه الله تعالى ان ازواج النبى عليه السلام وان كان كلهن محارم للامة لانه تعالى قال (9/92)
{ وازواجه امهاتهم } وحرم عليهم نكاحهن كما قال { ولاتنكحوا ازواجه من بعده ابدا } الا ان عائشة كانت افضل نسائه بعد خديجة واقربهن منه من حيث خلاقتها عنه فى باب الدين ولذا قال « خذوا ثلثى دينكم من عائشة » فتأكدت الحرمة من هذه الجهة اذ لابد لاخذ الدين من الاستصحاب للسفر والحضر والله اعلم قالت فلما نزلنا هلك فى من هلك بقول البهتان والافتراء وكان اول من اشاعه فى المعسكر عبد الله بن ابى ابن سلول رئيس المنافقين فانه كان ينزل مع جماعة المنافقين متبعدين من الناس فمرت عليهم فقال من هذه قالوا عائشة وصفوان فقال فجربها ورب الكعبة فافشوه وخاض اهل المعسكر فيه فجعل يرويه بعضهم عن بعض ويحدث به بعضهم بعضا قالت فقدمنا المديننة فاشتكيت اى مرضت حين قدمت شهرا ووصل الخبر الى رسول الله والى ابوىّ ولا اشعر بشىء من ذلك غير انه يريبنى ان لا اعرف من رسول الله العطف الذى كنت ارى منه حين اشتكيت فلما رأيت ذلك قلت يا رسول الله لو اذنت لى فانقلب الى ابوىّ يمرضانى والتمريض القيام على المريض فى مرضه قال لا بأس فانقلبت الى بيت أبوىّ وكنت فهي الى ان برئت من مرضى بعد بضع وعشرين ليلة فخرجت فى بعض الليالى ومعى ام مسطح كمنبر وهى بنت خالة ابى بكر رضى الله عنه قبل المناصع وهى مواضع يتخلى فيها لبول او حاجة ولا يخرج اليها الا ليلا وكان عادة اهل المدينة حنيئذ انهم كانوا لايتخذون الكنيف فى بيوتهم كلاعاجم بل يذهبون الى محل متسع قالت فلما فرغنا من شأننا واقبلنا الى البيت عثرت ام مسطح فى مرطها وهو كساء من صوف او خزكان يؤتزر به فقالت تعس مسطح بفتح العين وكسرها اى هلك تعنى ولدها والمسطح فى الاصل عمود الخيمة واسمه عوف فقلت لها أتسبين رجلا قد كشهد بدرا فقالت أو لم تسمعنى ما قال قلت وما قال فاخبرتنى بقول اهل الافك فازددت مرضا على مرض اى عاودنى المرض وازددت عليه وبكيت تلك الليلة حتى اصبحت لا ير قألى دمع ولا اكتحل بنوم ثم اصبحت ابكى (9/93)
جشمم ذكريه بر سر آبست روز شب ... جانم زناله درتب وتابست روز شب (9/94)
فاستشار رسول الله فى حقى فاشار بعضهم بالفرقة وبعضهم بالصبر وقد لبث شهرا لا يوحى اليه فى شأنى بشىء فقال واقبل حتى دخل علىّ وعندى ابواى ثم جلس فتشهد ثم قال « اما بعد ياعائشة فانه قد بلغنى عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فيبرئك الله وان كنت الممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى فان العبد اذا اعترف بذنب ثم تاب الله تاب الى الله عليه » فلما قضى رسول الله كلامه قلص دمعى اى ارتفع حتى ما احس منه بقطرة قلت لابى اجب عنى رسول الله فيما قال قال والله لادرى ما اقول لرسول الله فقلت لامى اجيبى عنى رسول الله قالت والله مادرى ما اقول لرسول الله فقلت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى نفوسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم انى بريئة لا تصدقونى ولئن اعترفت لكم بامر والله يعلم انى بريئة منه لتصدقونى والله وماجد لى ولكم مثلا الا ما قال ابو يوسف يعقوب { فصبر جميل والله المستعان على ماتصفون }
صبرى كنيم تاكرم او جه ميكند ... قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشى وانا والله حنيئذ اعلم انى بريئة والله مبرئى ببراءة ولكنى والله ما كنت اظن ان ينزل فى شأنى وحى يتلى ولشأنى كان احقر فى نفسى من ان يتكلم فى بامر يتلى ولكنى كنت ارجو ان يرى النبى عليه السلام رؤيا يبرئنى الله بها قالت فوالله ما قام رسول الله عن مجلسه ولا خرج من البيت حتى اخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحى اى من شدة الكرب فسجى اى غطى بثوب ووضعت له وسادة من ادم تحت رأسه وكان ينحدر مه مثل الجمان من العرق فى اليوم الثانى من ثقل القول الذى انزل عليه والجمان حبوب مدحرجة تجعل من الفضة امثال اللؤلؤ فلما سرى عه وهو يضحك ويمسح العرف من وجهه الكريم كان اول كلمة تكلم بها « ابشرى عائشة اما ان الله قد برأك » فقالت امى قومى اليه فقلت والله لا احمد الله فانزل الله تعالى { ان الذين جاؤا بالافك } الآيات ، قال السهيلى كان نزول براءة عائشة بعد قدومهم المدينة من الغزوة المذكورة لسبع وثلاثين ليلة فى قول المفسرين فمن نسبها الى الزنى كغلاة ا لرافضة كان كافرا لان فى ذلك تكذيبا للنصوص القرآنية ومكذبها كافر ، وفى حياة الحيوان عن عائشة رضى الله عنها لما تكلم اناس بالافك رأيت فى منامى فتى فقال لى مالك قلت حزينة مما ذكر النار فقال ادعى بكلمات يفرج الله عنك قلت وما هى قال قولى ياسابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغم ويا كاشف الظلم ويا اعدل من حكم ويا حسيب من ظلم وياول بلا بداية ويا آخر بلا نهاية اجعلى لى من امرى فرجا مخرجا قالت فانتبهت وقلت ذلك وقد انزل الله فرجى ، قال بعضهم برأ الله اربعة يوسف بشاهد من اهل زليخا وموسى من قول اليهود فيه ان له ادرة بالحجر الذى فر بثوبه ومريم بانطاق ولدها وعائشة بهذه الآيات وبعد نزولها خرج عليه السلام الى الناس وخطبهم وتلاها عليهم وامر بجلد اصحاب الافك ثمانين جلدة ، وعن عائشة ان عبد الله بن ابىّ جلد مائة وستين اي حدين قال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما وهكذا يفعل لكل من قذف زوجة نبىّ ى يجوز ان يفعل به ذلك ، وفى الخصائص الصغرى من قذف ازواجه عليه السلام فلا توبة له البتة كما قال ابن عباس رضى الله عنهما وغيره ويقتل كما نقله القاضى وغيره ويل يختص القتل بمن قذف عائشة ويحدّ فى غيرها حدّين كذا فى انسان العيون ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم تبغ امرأة بنى قط واما قوله تعالى فى امرأة نوح وامرأة لوط
{ فخانتاهما } فالمراد آذاتاهما قالت امرأة نوح فى حقه انه لمجنون وامرأة لوط دلت على اضيافه وانما جاز ان تكون امرأة النبى كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز ان تكون زانية لان النبى مبعوث الى الكفار ليدعوهم الى الدين والى قبول ما قاله من الاحكام والثواب والعقاب وهذا المقصود لا يحصل اذا ان فى الانبياء ما ينفر لكفرة عنهم والكفر ليس مما ينفر عندهم بخلاف الفجور فانه من اعظم المنفرات ، وعن كتاب الاشارات للفخر الرازى رحمه الله انه عليه السلام فى تلك الايام التى تكلم فيها بالافك كان اكثر اوقاته فى البيت فدخل عليه عمر فاستشاره فى تلك الواقعة فقال يارسول الله انا اقطع بكذب المنافقين واخذت براءة عائشة من ان الذباب لا يقرب بدنك فاذا كان الله صان بدنك ان يخالطه الذباب لمخالطته القاذورات فكيف بأهلك ودخل عليه عثمان فاستشاره فقال يارسول الله اخذت براءة عائشة من ظلك لانى رأيت الله صان ظلك ان يقع على الارض اى لان ظل شخصه الشريف كان لا يظهر فى شمس ولا قمر لئلا يوطأ بالاقدام فاذا صان الله ظلك فكيف باهلك ودخل علىّ فاستشاره فقال يا رسول الله اخذت براءة عائشة من شىء هو انا صلينا خلفك وانت تصلى بنعليك ثم انك خلعت احدى نعليك فقلنا ليكن ذلك سنة لنا فقلت (9/95)
« لا ان جبريل قال ان فى تلك النعل نجاسة » فاذا كان لا تكون النجاسة بنعليك فكيف باهلك فسر عليه السلام بذلك فصدقهم الله فيما قالوا وفضح اصحاب الافك بقوله { ان الذين جاؤا بالافك } { عصبة منكم } خبران والعصبة والعصابة جماعة من العشرة الى الاربعين والمراد هنا عبد الله بن ابىّ وزيد بن رفاعة ومسطح بن اثاثة وحمنة بن جحش ومن ساعدهم واختلفوا فى حسان بن ثابت والذى يدل على براءته ما نسب اليه فى ابيات مدح بها عائشة رضى الله عنها منها (9/96)
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل
فان كنت قد قلت الذى قد زعمتمو ... فلا رفعت سوطى الى ّ اناملى
وكيف وودّى ما حييت ونرصرتى ... لآل رسول الله زين المحافل
كما فى انسان العيون ، قال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام قد قيل ان حسان لم يكن فيهم اى فى الذين جاؤا بالافك فمن قال انه كان فيهم انشد البيت المروى حين جلدوا الحدّ
لقد ذاق حسان الذى كان اهله ... وحمنة اذ قالا لهجر ومسطح
ومن برأه الافك قال انما الرواية فى البيت
لقد ذاق عبدالله ما كان اهله ... انتهى : ومعنى الآية ان الذين اتوا بالكتاب فى امر عائشة جماعة كائنة منكم فى كونهم موصوفين بالايمان وعبد الله ايضا كان من جملة من حكم له بالايمان ظاهرا ون كان رئيس المنافقين خفية { لاتحسبوه شرا لكم } الخطاب لرسول الله وابى بكر وعائشة وصفوان ولمن ساءه ذلك من المؤمنين تسلية لهم من اول الامر والضمير للافك { بل هو خير لكم } لاكتسابكم الثواب العظيم لانه بلاء مبين ومحنة ظاهرة وظهور كرامتكم على الله بانزال ثمانى عشرة آية فى نزاهة ساحتكم وتعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيكم والثناء على من ظنّ بكم خيرا { لكل امرىء منهم } اى من اولئك العصبة والامرؤ الانسان والرجل كالمرء والالف للوصل { ما اكتسب من الاثم } بقدر ماخاض فيه لان بعضهم تكلم بالافك وبعضهم ضحك وبعضهم سكت ولم ينههم .
قال فى التأويلات على حسب سعايتهم وفساد ظنهم وهتك حرمة حرم نبيهم انتهى والاثم الذنب { والذى تولى كبره } اى تحمل معظم الافك ، قال فى المفردات فيه تنبيه على ان كل من سن سنة قبيحة يصير مقتدى به فذنبه اكبر { منهم } من العصبة وهو ابن ابى فانه بدأ به واذاعه بين الناس عداوة لرسول الله كما سبق { له عذاب عظيم } اى لعبد الله نوع من العذاب العظيم المه لان معظم الشر كان منه فلما كان مبتدئا بذلك القول لا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه السلام « من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة » .
وفى التأويلات النجمية { له عذاب عظيم } يؤاخذ بجرمه وهو خسارة الدنيا والآخرة ثم ارود الحديث المذكور
هركه بنهد سنتى بداى فتى ... تا در افتد بعد او خلق ازعمى
جمع كردد بروى آه جمله بزه ... كوسرى بودست وايشان دم غزه
لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)
{ لولا } تخضيضية بمعنى هلا : وبالفارسية [ جرا ] ومعناها اذا دخلت على الماضى التوبيخ واللوم عل ترك الفعل اذ لا يتصور فى الماضى واذا دخلت على المضارع فمعناها الحض على الفعل والطلب له فهى فى المضارع بمعنى الامر { اذ سمعتموه } ايها الحائضون اى الشارعون فى القول الباطل { ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا } عدول الى الغيبة لتأكيد التوبيخ فان مقتضى الايمان الظن بالمؤمن خيرا وذب الطاغين فيه فمن ترك هذه الظن والذب فقد ترك العمل بمقتضى الايمان والمراد بانفسهم ابناء جنسهم النازلون منلزة انفسهم كقوله تعالى { ولا تلمزوا انفسكم } فان المراد لا يعيب بعضكم بعضا فان المؤمنين كنفس واحدة اذ كان الواجب ان يظن المؤمنين والمؤمنات اول ماسمعوه ممن اخترع بالذات او بالواسطة من غير تلغثم بمثلهم ن آحاد المؤمنين خيرا { وقالوا } فى ذلك الآن { هذا } [ اين سخن ] { افك مبين } اى ظاهر مكشوف كونه افكا فكيف بالصديقة بن الصديق ام المؤمنين حرم رسول الله : يعنى حق سبحانه [ ازواج بيغمبر نكاه ميدارد ازمثل اين حالها بتعظيم وتكريم ايشان ] . (9/97)
لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)
{ لولا جاؤا } [ جرا نياوردند ] { عليه } [ برين سخن را ] { باربعة شهداء } اى هلا جاء الخائضون باربعة شهداء يشهدون على ماقالوا وهو اما من تمام القول او ابتداء كلام من الله { فاذا لم يأتوا بالشهداء } الاربعة { فاولئك } المفسدون { عند الله } فى حكمه وشرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة { هم الكاذبون } الكاملون فى الكذب المشهود عليه بذلك المستحقون لاطلاق الاسم عليهم دون غيرهم ، قال الكاشفى [ ايشانند دروغ كويان در ظاهر وباطن جه اكر كواه آوردندى در ظاهر حكم كاذب بنودندى اما در باطن كاذب بودندى زير كه اين صورت برازدواج انيا ممتنع است وجون كواه نياوردند در ظاهر اين كار نيز كاذبند ] ، قال القرطبى وقد يعجز الرجل عن اقامة البينة وهو صادق فى قذفه ولكنه فى حكم الشرع وظهر الامر كاذب لا فى علم الله وهو سبحانه انما رتب الحدود على حكمه الذى شرعه فى الدنيا على مقتضى علمه الذى تعلق بالانسان على ما هو عليه واجمع العلماء على ان احكام الدنيا على الظاهر وان السرائر الى الله . (9/98)
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)
{ ولولا } امتاعية اى لامتناع الشىء لوجود غيره { فضل الله عليكم ورحمته } خطاب للسامعين والمسلمين جميعا { فى الدنيا } من فنون النعم التى من جملتها الامهال بالتوبة { والآخرة } من ضروب الآلاء التى من جملتها العفو والمغفرة والمقدر ان لكم { لمسكم } عاجلا : يعنى [ هر آينه برسيدى شمارا ] { فما افضتم فيه } اى بسبب ما خضتم فيه من حديث الافك { عذاب عظيم } يستحقر دونه التوبيخ والجلد . (9/99)
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)
{ اذ تلقونه } بحذف احى التاءين ظرف للمس اى لمسكم ذلك العذاب العظيم وقت تلقيكم اياه من المخترعين { بالسنتكم } يأخذه بعضكم من بعض وذلك ان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول له ما وراءك فيحدثه بحديث الافك حتى شاع وانتشر فلم يبق بيت ولا دار الا طار فيه يقال تلقى الكلام من فلان وتلقنه وتلقفه ولقفه اذا اخذه من لفظه وفهمه ، وفى الارشاد التلقى والتلقف والتلقن معان متقاربة خلا ان فى الاول معنى الاستقبال وفى الثانى معنى الخطف والاخذ بسرعة وفى الثلث معنى الحذق والمهارة { وتقولون بافواهكم ماليس لكم به علم } معنى بافواهكم مع ان القول لا يكون الا بالفم هو ان الاخبار بالشىء يجب ان تستقر صورته فى القلب اولا ثم يجرى على اللسان وهذا الافك ليس الا قول لايجرى على الالسنة من غير علم به فى القلب وهو حرام لقوله تعالى { ولا تقف ماليس لك به علم } والمعنى وتقولون قولا مختصا بالافواه من غير ان يكن له مصداق ومنشأ فى القلوب لانه ليس بتعبير عن علم به فى قلوبكم { وتحسبونه هينا } سهلا لا تبعة له وهى بالفارسية [ عاقبة به ] ، او ليس له كثير عقوبة { وهو عند الله } والحال انه عنده تعالى { عظيم } فى الوزر واستجرار العذاب وعن بعضهم لا تقولن لشىء من سيآتك نقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير وقال عبدالله بن المبارك ما ارى هذه الآية نزلت الا فيمن اعتاد الدعاوى العظيمة ويجترىء على ربه فى الاخبار عن احوال الانبياء والاكابر ولا يمنعه عن ذلك هيبة ربه و لاحياؤه ، وقال الترمذى من تهاون بما يجرى عليه من الدعاوى فقد صغر ما عظمه الله ان الله تعالى يقول { وتحسبونه } الخ (9/100)
اكرمردى ازمردىء خوك مكوى ... نه هر شهوارى بدر برد كوى
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)
{ ولولا } [ جرا ] { اذ سمعتموه } من المخترعين والتابعين لهم { قلتم } تكذيبا لهم وتهويلا لما ارتكبوه { مايكون لنا } ما يمكننا { ان نتكلم بهذا } القول ومايصدر عنا ذلك بوجه من الوجوه وحاصله نفى وجود التكلم به لانفى وجوده على وجه الصحة والاستقامة { سبحانك } تعجب ممن تفوه به واصله ان يذكر عند معاينة العجب من صنائعه تنزيها له سبحانه من ان يصعب عليه امثاله ثم اكثر حتى استعمل فى كل متعجب منه او تنزيه له تعالى من ان يكون حرم نبيه فاجرة فان فجورها تنفير للناس عنه ومخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها كا سبق : وبالفارسية [ باكست خداى تعالى ازآنكه در حرم محترم بيغمبر قدح تواند كرد ] { هذا } الافك الذى لايصح لاحد ان يتكلم به { بهتان عظيم مصدر } بهته اى قال عليه ما لم يفعل اى كذب عظيم عند الله التقاول به كمافى التأويلات النجمية او يبهت ويتحير من عظمته لعظمة المبهوت عليه اى الشخص الذى يبهت عليه ان يقال عليه ما لم يفعل فان حقارة الذنوب وعظمها كما تكون باعتبار مصادرها كا قال ابو سعيد الخراز قدس سره « حسنات الابرار سيآت المقربين » كذا تكون باعتبار متلعقاتها . (9/101)
يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)
{ يعظكم الله } الوعظ النصح والتذكير بالعواقب اى ينصحكم ايها الخائضن فى امر عائشة { ان تعودوا لمثله } كراهية ان تعودوا لمثل هذا الخوض { ابدا } اى مدة حياتكم { ان كنتم مؤمنين } بالله وبرسوله وباليوم الآخر فان الايمان يمنع عنه ، وفيه اشارة الى ان العود الى مثل هذا يخرجهم من الايمانن قال فى الكبير يدخل فى هذه من قال ومن سمع ولم ينكر لاستائهما فى فعل ما لايجوز وان كان المقدم اعظم ذنبا . (9/102)
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)
{ ويبين الله لكم الآيات } الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب دلالة واضحة لتتعظوا وتتأدبوا بها اى ينزلها مبينة ظاهرة الدلالة على معانيها لا انه يبينها بعد ان لم تكن كذلك { والله عليم } باحوال جميع مخلوقاته جلائلها ودقائقها { حكيم } فى جميع تدابيره وافعاله فأنى يمكن صدق ما قيل فى حق حرمة من اصفطاه لرسالته وبعثه الى كافة الخلق ليرشدهم الى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا ، وقال الكاشفى [ وخداى تعالى داناست بطهارت ذيل عائشة حكم كننده ببرائت ذمت او ازعيب وعار ] (9/103)
تاركيبان دامنش باكست ازلوث خطا ... وز مذمت عيب جو آلوده ازسر تابيا
وجه زيبا كفته است
كرا رسد كه كند عيب دامن باكت ... كه همجو قطره كه بر برك كل جكدبا كى
وفى التأويلات النجمية ن الله تعالى لاجرى على خواص عباده الا ما يكون سببا لحقيقة اللطف وان كان فى صورة القهر تأديبا وتهذيبا وموجبا لرفعة درجاتهم وزايدة فى قرابتهم وان قصة الافك وان كانت فى صورة القهر كانت فى حق النبى عليه السلام وفى حق عائشة وابويها وجميع الصحابة ابتلاء وامتحانا لهم وتربية وتهذيبا فان البلاء للولاء كاللهب للذهب كما عليه السلام « ان اشد الناس بلاء الانبياء ثم الاولياء ثم الامثل فالامثل » وقال عليه السلام « يبتلى الرجل على قدر دينه » فان الله غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين فاذا حصلت مساكنة بعضهم الى بعض يجرى الله تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه ويرده الى حضرته وان النبى عليه السلام لما قيل له أى الناس احب اليك قال « عائشة فساكنها » وقال « ياعائشةحبك فى قلبى كالعقدة » وفى بعض الاخبار ان عائشة قالت يا رسول الله انى احبك واحب قربك فاجرى الله تعالى حديث الافك حتى رد رسول الله قلبه عنها الى الله بانحلال عقدة حبها ع قلبه وردت عائشة قلبها عنه الى الله حيث قالت لما ظهرت براءة ساحتها نحمد الله لا نحمدك فكشف الله غيابة تلك المحبة وازال الشك واظهر براءة ساحتها حين ادبهم وهذبهم وقربهم وزاد فى رفعة درجاتهم وقرباتهم ، قال فى الحكم العطائية وشرحها قال ابو بكر الصديق رضى الله عنه لعائشة رضى الله عنها لما نزلت براءتها من الافك على لسان رسول الله عليه السلام يا عائشة اشكرى رسول الله نظرا منه لوجه لكمال لها فقالت لا والله لاشكر الا الله رجوعا منها الى اصل التوحيد اذ لم يسع غيره فى تلك الحال قلبها دلها ابو بكر فى ذلك على المقام الاكمل عند الصحو وهو مقام البقاء بالله المقتضى لاثبات الآثار وعمارة الدارين التزاما لحق الحكم والحكمة وقد قال تعالى
{ ان اشكر لى ولوالديك } فقرن شكرهما بشكره اذ هما اصل وجودك المجازى كما ان اصل وجودك الحقيقى فضله وكرمه فله حقيقة الشكر كما له حقيقة النعمة ولغيره مجازه كما لغيره مجازها وقال عليه السلام « لايشكر الله من لا يشكر الناس » فجعل شكر الناس شرطا فى صحة شكره تعالى او جعل ثواب الله على الشكر لا يتوجه الا لمن شكر عباده وكانت هى يعنى عائشة فى ذلك الوقت لا فىعموم اوقاتها مصطلمة اى مأخوذة عن شاهدها فلم يكن لها شعور بغير ربها غائبة عن الآثار لما استولى عليه من سلطان الفرح لمنة المولى عليها فلم تشهد الا الواحد القهار من غير اعتبار لغيره وهذا هو كمل المقامات فى حالها وهو مقام ابينا ابراهيم عليه السلام اذ قال حسبى من سؤالى علمه بحالى والله المسؤل فى اتمام النعمة وحفظ الحرمة والثبات لمرادات الحق بالآداب اللائقة بها وهو حسبنا ونعم الوكيل . (9/104)
ثم قال فى التأويلات النجمية الطريق الى الله طريقان طريق اهل السلامة وطريق اهل الملامة فطريق اهل السلامة ينتهى الى الجنة ودرجاتها لانهم محبوسون فى حبس وجودهم وطريق اهل الملامة ينتهى الى الله تعالى لان الملامة مفتاح باب حبس الوجود وبها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس فعلى قدر ذوبان الوجود يكون الوصول الى الله تعالى فاكرم الله تعالى عائشة بكرامة الملامة ليخرجها بها من حبس الوجود بالسلامة وهذا يدل على ولايتها لان الله تعالى اذا تولى عبدا يخرجه من ظلمات وجوده المخلوقة الى نور القدم كما قال تعالى { الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور } انتهى : قال الحافظ قدس سره
وفاكنيم وملامت كشيم خوش باشيم ... كه در طريقت ما كافر يست رنجيدن
وقال الجامى قدس سره
عشق درهر دل كه سازد بهروردت خانه ... اول از سنك ملامت افنكند بنياد او
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)
{ ان الذين } هم ابن ابىّ ومن تبعه فى حديث الافك { يحبون } يريدون { ان تشيع الفاحشة } تنتشر وتظهر والفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والاقوال المراد هنا الزنى اى خبره { فى الذين آمنوا } اخلصوا الايمان { لهم } بسبب ذلك { عذاب اليم } نوع من العذاب متفاقم المه { فى الدنيا } كالحد ونحوه { والآخرة } كالنار وما يلحق بها ، قال ابن الشيخ ليس معناه مجرد وصفهم بانهم يحبون شيوعها فى حق الذين آمنوا من غير ان يشيعوا ويظهروا فان ذلك القدر لا يوجب الحد فى الدنيا بل المعنى ان الذين يشيعون الفاحشة والزنى فى الذين آمنوا كصفوان وعائشة عن قصد ومحبة لاشاعتها ، وفى الارشاد يحبون شيوعها وتصدون مع ذلك لاشاعتها وانما لم يصرح به اكتفاء بذكر المحبة فانها مستتبعة له لا محالة وفى الذين آمنوا متعلق بتشيع اى تشيع فيما بين الناس وذكر المؤمنين لانهم العمدة فيهم او بمضمر هو حال من الفاحشة فالموصول عبارة عن المؤمنين خاصة اى يحبون ان تشيع الفاحشة كائنة فى حق المؤمنين وفى شأنهم { والله يعلم } جميع الامور وخصوصا ما فى ضمائر من حب الاشاعة { وانتم لا تعلمون } فابنوا لامر فى الحد ونحوه على الظواهر والله يتولى السرائر . (9/105)
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤف رحيم } جواب لولا محذوف اى لولا فضله وانعامه عليكم وانه بليغ الرأفة والرحمة بكم لعاجلكم بالعقاب على ما صدر منكم . (9/106)
وفى الآيتين اشارات ، منها ان اهل الافك كما يعاقبون على الاظهار يعاقبون باسرار محبة الاشاعة فدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضرهم وفى الحديث « انى لاعرف قوما يضربون صدورهم ضربا يسمعه اهل النار وهو الهمازون الذي يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون لهم الفواحش » وفى الحديث « ايما رجل اشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها برىء يرى ان يشينه بها فى الدنيا كان حقا على الله ان يرميه بها فى النار » كما فى الكبير فالصنيع الذى ذكر من اهل الافك ليس من صنيع اهل الايمان ما قال عليه السلام « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » وقال « مثل المؤمنين فى تواردهم وتراحمهم كنفس واحدة اذا اشتكى منها عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر »
بنى آدم اعضاى يكديكررند ... كه در آفرينش زيك كوهرند
جو عضوى بدرد آوردروز كار ... دكر عضوها را نماند قرار
تو كز محنت ديكران بى غمى ... نشايد كه نامت نهند آدمى
فمن ار كان الدين مظاهرة المسلمين واعانة اهل الدين واردة الخير بكافة المؤمنين والذى يود الفتنة وافتضاح الناس فهو شر الخلق كالخناص ، ومنها ان ترك المعاجلة بالعذاب تعريض للتوبة فدل على ان عذاب الآخرة انما هو على تقدير الاصرار وعليه يحمل قوله عليه السلام « اذا كان يوم القيامة حد الله الذي شتموا عائشة ثمانين على رؤس الخلائق فستوهب لى المهاجرين منهم واستأمرك يا عائشة » ، قال الراوى فلما سمعت عائشة وكانت فى البيت بكت وقالت « والذى بعثك بالحق نبيا لسرورك احب الىّ من سرورى » فتبسم رسول الله ضاحكا وقال « ابنة صديق » ، ومنها غاية كرم الله ورحمته وفضله على عباده حيث يتفضل عليهم ويرحمهم ويزكيهم عن اوصافهم الذميمة مع استحقاقهم العذاب الاليم فى الدنيا والآخرة فانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولو كان للعذاب لكان من جهتهم بسوء اختيارهم وعصمنا الله واياكم م الاوصاف الذميمة الموجبة للعذاب الاليم وشرفنا بالاخلاق الحميدة الباعثة على الدرجات والتنعمات فى دار النعيم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)
{ يايها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } جمع خطوة بضم الخاء وهى ما بين القدمين اى مابين رجلى الخاطى وبالفتح المرة الواحدة من الخطو ثم استعمل اتباع الخطوات فى الاقتداء وان لم يكن ثمة خطو يقال اتبع خطوات فلان ومشى على عقبه اذا استن بسنته ولمراد ههنا سيرة الشيطان وطريقته . والمعنى لاتسلكوا الطريق التى يدعوكم اليها الشيطان ويوسوس بها فى قلوبكم ويزينها لاعينكم ومن جملتها اشاعة الفاحشة وحبها { ومن يتبع خطوات الشيطان } فقد ارتكب الفحشاء والمنكر فقوله { فانه } اى الشيطان { يأمر بالفحشاء المنكر } علة للجزاء وضعت موضعه والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه عرفا وعقلا سواء كان فعلا او قولا والمنكر ما ينكره الشرع ، وقال ابو الليث المنكر مالا يعرف فى شريعة ولا سنة ، وفى المفردات المنكر ما ينكر كل شىء تحكم العقول الصحيحة بقبحه او تتوقف فى استقباحه العقول وتحكم بقبحه الشريعة واستعير الامر لتزيينه وبعثه لهم على الشرك تحقيرا لشأنهم { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } بهذه البيانات والتوفيق للتوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها { مازكا } ما طهر من دنس الذنوب { منكم من احد } امن الاولى بيانية والثانية زائدة واحد فى حيز الرفع على الفاعلية { ابدا } آخر الدهر لا الى نهاية { ولكن الله يزكى } يطهر { من يشاء } من عباده بافاضة آثار فضله ورحمته عليه وحمله عل التوبة ثم قبولها منه كما فعل بكم ، وفيه حجة على القدرية فانهم زعموا ان طهارة النفوس بالطاعات والعبادات من غير توفيق من الله { والله سميع } مبالغ فى سمع الاقوال التى من جملتها ما قالوه من حديث الافك وما اظهروه من التوبة منه { عليم } بجميع المعلومات التى من جملتها نياتهم وفيه حث لهم على الاخلاص فى التوبة (9/107)
كر نباشد نيت خالص جه حاصل از عمل ... وفى الآية امور ، منها ان خطوات الشيطان كثيرة وهى جملة ما يطلق عليه الفحشاء والمنكر مومن جملته القذف والشتم الكذب وتفتيش عيوب الناس وفى الحديث « كلام ابن آدم كله عليه لا له الا امرا بمعروف او نهيا عن منكر او ذكر الله تعالى » وفى الحديث « كثرت خيانة ان تحدث اخاك حديثا هو لك به مصدق وانت له كاذب » وفى الحديث « طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس » وانفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط اهل الفقه والحكمة وجانب اهل الجهل والمعصية ، وعن بعضهم خطوت الشيطان النذور فى معصية الله كما فى تفسير ابى الليث فيخرج منها النذور فى طاعة الله كالصلاة والصوم ونحوهما مما ينهى عن الفحشاء والمنكر فضلا عن كونه فحشاء او منكرا ، ومنها انا مر التزكية انما هو الى الله فانه بفضله ورحمته وفق العبد للطاعات والاسباب ولكن لا بد للعبد من استاذ يتعلم منه كيفية التزكية على مراد الله تعالى واعظم الوسائل هو النبى عليه السلام ثم من ارشده الى الله تعالى ، قال شيخ الاسلام عبد الله الانصارى قدس سره مشايخى فى علم الحديث وعلم الشريعة كثيرة واما شيخى فى الطريقة فالشيخ ابو الحسن الخرقانى فلولا رأتيه ما عرفت الحقيقة فاهل الارشاد هداة طريق الدين ومفاتيح ابواب اليقين فوجود الانسان الكامل غنيمة ومجالسته نعمة عظيمة
زمن اى دوست اين يك بند بيذير ... بروفتراك صاحب دولتى كير (9/108)
كه قطره تا صدف را درنيا بد ... نكردد كوهر روشن نتابند
ثم ان التزكية الحقيقية تطهر القلب عن تعلقات الاغيار بعد تطهيره عن الميل الى المعاصى والاوزار وقوله { من يشاء } انما هو لان كل احد ليس باهل للتزكية كالمنافقين واهل الرين والرعونة ، ومنها الاشارة الى مغفرة من خاض فى حديث الافك من اهل بدر كمسطح ويدل عليها الاعتناء بشأنه فى الآية الآتية وقد ثبت ان الله اطلع على اهل بدر يعنى نظر اليهم بنظر الرحمة والمغفرة فقال ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) والمراد به اظهار العناية بهم واعلاء رتبتهم لا الترخيص لهم فى كل فعل كما يقال للمحبوب اصنع ماشئت ، وفى المقاصد الحسنة كأنك من اهل بدر هو كلام يقال لمن يتسامح او يتساهل والله المسئول فى قبول التوبة كل حوبة .
وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)
{ ولا يأتل } من الائتلال وهو القسمك وبالفارسية [ سوكند خرودن ] كما فى تاج المصادر من الالية بمعنى اليمين اى لا يخلف نزل فى شأن الصديق رضى الله عنه حين حلف ان يقطع نفقته عن مسطح ابن خالته لخوضه فى عائشة رضى الله عنها وكان فقيرا بدريا مهاجرا ينفق عليه ابو بكر رضى الله عنه { اولوا فضل منكم } ذووا الفضل فى الدين والفضل الزيادة { والسعة } فى المال { ان يؤتوا } اى على ان لا يؤتوا شيأ ولا يحسنوا باسقاط الحافض وهو كثير شائع { اولى القربى } ذوى القرابة { والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله } صفات لموصوف واحد اى ناسا جامعين لها لان الكلام فيمن كان كذلك لان مسطحا قريب ومسكين ومهاجر جىء بها بطريق العطف تنبيها على ان كلا منها علة مستقلة لاستحقاق الايتاء { وليفعوا } عن ذنبهم { وليصفحوا } اى ليعرضوا عن لومهم ، قال الراغب الصفح ترك التثريب وهو ابلغ من العفو وقد يعفو الانسان ولا يصفح { ألا تحبون } [ آيا دوست نمى داريد ] { ان يغفر الله لكم } اى بمقابلة عفوكم وصفحكم واحسانكم الى من اساء اليكم { والله غفور رحيم } مبالغ فى المغفرة والرحمة مع كمال قدرته على المؤاخذة وكثرة ذنوب العباد الداعية اليها ، وفيه ترغيب عظيم فى العفو ووعد كريم بمقابلته كأنه قيل ألا تحبون ان يغفر الله لكم فهذا من موجباته روى انه عليه السلام قرأ هذه الآية على ابى بكر رضى الله عنه فقال بلى احب ان يغفر الله لى فرد الى مسطح نفقته كفر عن يمينه وقال اوالله لا انزعها ابدا ، وفى معجم الطبرانى الكبير انه اضعف له النفقة التى كان يعطيه اياها قبل القذف اى اعطاه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلكن وفى الآية دليل على ان من حلف على امر فرأى الحنث افضل منه فله ان يحنث ويكفر عن يمينه ويكون له ثلاثة اجور احدها ائتماره بامر الله تعالى والثانى اجر بره وذلك فى صلة قرابته والثالث اجر التكفير . (9/109)
ثم فى الآية فوائد ، منها ان العلماء استدلوا بها على فضل الصديق رضى الله وشرفه من حيث نهاه مغايبة ونص على فضله وذكره بلفظ الجمع للتعظيم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم لا يفعلوا كيت وكيت والمنكرون يحملون الفضل على فضل المال لكن لا يخفى ان يستفاد منه قوله { والسعة } فيلزم التكرير فثبت كونه افضل الخلق بعد رسول الله عليه السلام ، قال فى انسان العيون وصف الله تعالى الصديق باولى الفضل موافق لوصفه عليه السلام بذلك فقد جاء ان عليا كرم الله وجهه دخل على النبى صلى الله عليه وسلم وابو بكر رضى الله عنه جالس عن يمين رسول الله فتنحى ابو بكر عن مكانه واجلس عليا بينه وبين النبى عليه السلام فتهلل وجه النبى فرحا وسرورا وقال
« لايعرف الفضل لاهل الفضل الا اولوا الفضل » قال الحكيم سنايى (9/110)
بود جندان كرامت وفضلش ... كه اولوا الفضل خوانذ ذو الفضلش
صورت وسيرتش همه جان بود ... زان زجشم عوان بنهان بود
روزوشب سال وما درهمه كار ... ثانى اثنين اذ هما فى الغار
ومنها انها كفت داعية الى المجاملة والاعراض عن مكافاة المسىء وترك الاشتغال بها وعن انس رضى الله عنه بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس اذ ضحك حتى بدت نواجذه فقال عمر رضى الله عنه بابى انت وامى مالذى اضحكك قال « رجلان من امتى جثيا بين يدى رب العزة فقال احدهما خذ لى مظلمتى من هذا فقال الله تعالى رد على اخيك مظلمته فقال يارب لم يبق من حسناتى شىء فقال يارب فليحمل عن من اوزارى » ثم فاضت عينا رسول الله بالبكاء فقال « ان ذك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس الى ان يحمل عنه اوزارهم » قال « فيقول الله تعالى للمتكلم ارفع بصرك فانظر فى الجنان فقال يارب ارى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأى نبى هذا او لأى صديق او لأى شهيد قال الله تعالى لمن اعطى الثمن قال يارب ومن يملك ذلك قال الله تعالى انت تملكه قال بماذا يارب قال الله تعالى يعفوك عن اخيك قال يارب قد عفوت عنه قال الله تعالى خذ بيد اخيك فادخله الجنة »
من كان يرجوا عفو من فوقه ... فلعفف عن ذنب الذى دونه
در عفو لذ تيست كه درا انتقام نيست ... ومنها بيان تأديب الله للشيوخ والاكابر ان لا يهجروا صاحب الزلات اهل العثرات من المريدين ويتخلقوا بخلق الله حيث يغفر الذنوب ولا يبالى واعلمهم ان لايكفوا اعطاءهم عنهم ويخبروهم ما وقع لهم من احكام الغيب فان من له استعداد لايحتجب بالعوارض البشرية عن احكام الطريقة ابدا والله المعين على كل حال وبيده العفو عن سيآت الاعمال .
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)
{ ان الذين يرمون } قد سبق معنى الرمى فى اوائل السورة { المحصنات } العفائف مما رمين من الفاحشة والزنى { الغافلات } [ بيخبران ] عنها على الاطلاق بحيث لم يخطر ببالهن شىء منها ولامن مقدمتها اصلا ففيها من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس فى المحصنات ، قال فى التعريفات الغفلة عن الشىء هو ان لايخطر ذلك بباله { المؤمنات } اى المتصفات بالايمان بكل ما يجب ان يؤمن به من الواجبات والمحظروات وغيرها ايمانا حقيقيا تفصيليا كما ينبىء عنه تأخير المؤمنات عما قبلها مع اصالة وصف الايمان والمراد بها عائشة الصديقة رضى الله عنها والجمع باعتبار ان رميها رمى لسائر امهات المؤمنين لاشتراك الكل فى العصمة والنزاهة والانتساب الى رسول الله عليه السلام كما فى قوله تعالى { كذبت قوم نوح المرسلين } ونظائره { لعنوا } بما قالوا فى حقهن وهتكوا حرمتهن { فى الدنيا والآخرة } حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة ابدا : وبالفارسية [ دور كرده شدند در دنيا از نام نيكو در آخرت از رحمت يعنى درين عالم مردود وملعونند ودران سراى مبغوض ومطرود ] واصل اللعنة الطرد والابعاد على سبيل السخط وذلك من الله تعالى فى الآخرة عقوبة وفى الدنيا انقطاع عن قبول فيضه وتوفيقه ومن الانسان دعاء على غيره { ولهم } مع ماذكر من اللعن الابدى { عذاب عظيم } لعظم ذنوبهم ، قال مقاتل هذا خاص فى عبدالله بن أبىّ المنافق واليه الاشارة بقول حضرة الشيخ نجم الدين فى تأويلاته { ان الذين } الخ اى ان الذين لم يكونوا من اهل بدر من اصحاب الافك اه ليخرج مسطح نحوه كما سبقت الاشارة الى مغفرته ، وقال بعضهم الصحيح انه حكم كل قاذف مالم يتب لقوله عليه السلام « اجتنبوا الموبقات السبع الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله الا بالحق واكل الربا واكل مال اليتيم والتولى يوم الزحف وقذف المؤمنات الغافلات » وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قذف ازواج النبى عليه السلام فلا توبة له ومن قذف مؤمنة سواهن قد جعل الله له توبة ثم قرأ { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء } الى قوله { الا الذين تابوا واصلحوا } الآية (9/111)
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
{ يوم } ظرف لما فى الجار والمجرور المتقدم من معنى الاستقرار { تشهد } الشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر او بصيرة { عليهم } تقديمه على الفاعل للمسارعة الى بيان كون الشهادة ضارة لهم { ألسنتهم } بغير اختيار منهم وهذا قبل ان يختم على افواههم فلا تعارض بينه وبين قوله تعالى { اليوم نختم على افواههم } { وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون } فتخبر كل جارحة بما صدر من افاعيل صاحبها لا ان كلا منها تخبر بجنايتها المعهودة فقط فالموصل عبارة عن جميع اعمالهم السيئة . (9/112)
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)
{ يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } التوفية بذل الشىء وافيا والوافى الذى بلغ التمام والدين الجزاء الحق منصوب على ان يكون صفة للدين اى يوم اذ تشهد جوارحهم باعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم الثابت الواجب الذى هم اهله وافيا كاملا { ويعلمون } عند معاينتهم الاهوال والخطوب { ان الله هو الحق المبين } اى الظاهر حقيته لما انه ابان لهم حقية ما كان بعدهم به فى الدنيا من الجزاء ويقال ان ما قال الله هو الحق . (9/113)
وفى الآية امور ، منها بيان جواز اللعنة على من كان من اهلها ، قال الامام الغزالى رحمه الله الصفا المقتضية للعن ثلاثى الكفر والبدعة والفسق وله فى كل واحدة ثلاث مراتب الاولى اللعن بالوصف الاعم كقولك لعنة الله على الكافرين او المبتدعة او الفسقة والثانية اللعن باوصاف اخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى او على القدرية والخوارج والروافض او على الزناة والظلمة وآكلى الربا وكل ذلك جائز ولكن فى لعن بعض اصناف المبتدعة خطر لان معرفة البدعة غامضة فما لم يرد فيه لفظ مأثور ينبغى ان يمنع منه العوام لان ذلك يستدعى المعارضة بمثله ويثير نزاعا وفسادا بين الناس والثالثة اللعن على الشخص فينظر فيه ان كان ممن ثبت كفره شرعا فيجوز لعنه ان لم يكن فيه اذى على مسلم كقولك لعنة الله على النمرود وفرعون وابى جهل لانه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت حال خاتمته بعد كقولك زيد لعنه الله وهو يهودى او فاسق فهذا فيه خطر لانه ربما يسلم او يتوب فيموت مقربا عند الله تعالى فكيف يحكم بكونه معلونا ، ومنها شهادة الاعضاء وذلك بانطاق الله تعالى فكما تشهد على المذنبين بذنوبهم تشهد للمطيعين بطاعتهم فاللسان يشهد على الاقرار وقراءة القرآن واليد تشهد باخذ المصحف والرجل تشهد بالمشى الى المسجد والعين تشهد بالبكاء الاذن تشهد باستماع كلام الله . وقال شهادة الاعضاء فى القيامة مؤجلة وشهادتها فى المحبة اليوم معجلة من صفره الوجه وتغير اللون ونحافة الجسم وانسكاب الدموع وخفقات القلب وغير ذلك : قال الحافظ
باضعف وناتوانى همجون خوش باش ... بيمارى اندرين ره بهتر زتن درستى
ومنها ان المجازاة بقدر الاستحقاق فللفاسقين بالقطيعة والنيران وللصالحين بالدرجات وللعارفين بالوصلة والقربة ورؤية الرحمن .
الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)
{ الخبيثات } من النساء اى الزوانى : وبالفارسية [ زنان ناباك ] { للخبيثين } من الرجال اى الزناة كابن ابىّ المنافق تكون له امرأة زانية اى مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم الى غيرهم لان لله ملكا يسوق الاهل الى الاهل ويجمع الاشكال بعضا الى بعض على ان اللام للاختصاص { والخبيثون } ايضا : وبالفارسية [ مردان ناباك ] { للخبيثات } لان المجانسة من دواعى الانظمام { والطيبات } منهن اى العفائف { للطيبين } منهم اى العفيفين { والطيبون } ايضا { للطيبات } منهن بحث لا يكادون يجاوزونهن الى من عداهن وحيث كان رسول الله عليه السلام اطيب الاطيبين وخيرة الاولين والآخرين تبين كون الصديقة من اطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ما قيل فى حقها من الخرفات حسبما نطق به قوله تعالى { اولئك } الموصوفون بعلو الشان يعنى اهل البيت ، وقال فى الاسئلة المقحمة آية الافك نزلت فى عائشة وصفوان فكيف ذكرها بلفظ الجمع والجواب لان الشين وعار الزنى والمعرة بسببه تتعدى الى الرسول لانه زوجها ولاى ابى بكر الصديق لانه ابوها والى عامة المسلمين لانها امهم فذكر الكل بفلظ الجمع { مبرؤن } [ بيزار كرده شدكان يعنى منزره ومعراند ] { مما يقولون } اى مما يقوله اهل الافك فى حقهم من الاكاذيب الباطلة وفى جميع الاعصار والاطوار الى يوم القيامة { لهم مغفرة } عظيمة لما يخلوا عنه البشر من الذنب { ورزق كريم } فى الجنة اى كثير ويقال حسن ، قال الكاشفى [ يعنى ريح وبسيار وبايدار مراد نعيم بهشت است ] ، قال الراغب كل شىء بشرف فى بابه فانه يوصف بالكرم وقال بعضهم الرزق الكريم هو الكفاف الذى لامنه فيه لاحد فى الدنيا ولا تبعة له فى الآخرة ، يقول الفقير الظاهر من سوق الآيات ولا سيما من قوله { ممايقولون } ان المعنى ان الخبيثات من القولك يعنى [ سخنان ناشايسته وناباك ] للخبيثين نم الرجال والنساء وى مختصة ولائقة بهم لاينبغى ان تقاتل فى حق غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين احقاء بان يقال فى حقهم خبائث القول الطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين اى مختصة وحقيقة بهم وكذا الطيبون من الفريقين احقاء بان يقال فى شأنهم طيبات لكم اولئك الطيبون مبرأون مما يقول الخبيثون فى حقهم فمآ له تنزيه الصديقة ايضا ، وقال بعض خبيثات القول مختصة بالخبيثين من فريقى الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بخبائث القول متعرضون لها كابن ابى المنافق ومن تابعه فى حديث الافك من المنافقين اذ كل اناء يترشح بما فيه والطيبات من الكلام للطيبين من الفريقين اى مختصة بهم لا تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بطيبات الكلام لايصدر عنهم غيرها اولئك الطيبون مبرأون مما يقول الخبيثون من الخبائث اى لا يصدر عنهم مثل ذلك فمآله تنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم ، وقد وقع ان الحسن بن زياد بن يزيد الساعى من اهل طبرستان وكان من العظماء وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وكان يرسل فى كل سنة الى بغداد عشرين الف دينار تفرق على اولاد الصحابة فحصل عنده رجل من اشياع العلوين فذكر عائشة رضى الله عنها بالقبيح فقال الحسن لغلامه يا غلام اضرب عنق هذا فنهض اليه العلويون وقالوا هذا رجل من شيعتنا فقال معاذ الله هذا طعن على رسول الله فان كانت عائشة خبيثة كان زوجها ايضا كذلك وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك بل هو الطيب الطاهر وهى الطيبة الطاهرة المبرأة من السماء يا غلام اضرب عنق هذا الكافر فضرب عنقه : وفى المثنوى (9/114)
ذره كاندر همه ارض وسماست ... جنس خودرا همجوا كاه وكهرباست (9/115)
ناريان مر ناربانرا جازبند ... نوريان مر نوريانرا طالبند
اهل باطل باطلاترا مى كشند ... اهل حق ازاهل حق هم سرخوشتند
طيبات آمد زبهر طيبين ... الخبيثات للخبيثين است بين
وقال الراغب الخبيث ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان او معقولا وذلك تناول الباطل فى الاعتقاد والكذب فى المقال والقبيح فى الفعال وقوله { الخبيثات للخبيثين } اى الاعمال الرديئة الاختيارات النبهرجة لامثالها واصل الطيب ما يستلذه الحواس وقوله { والطيبات للطيبين } تنبيه على ان الاعمال الطيبة تكون من الطيبين كما روى { المؤمن اطيب من عمله والكافر اخبت من عمله } .
وفى التأويلات النجمية يشير الى خباثة الدنيا وشهواتها انها للخبيثين من ارباب النفوس المتمردة والخبيثون من اهل الدنيا المطمئنين بها للخبيثات من مستلذات النفس ومشتهيات هواها معناه انها لا تصلح الا لهم وانهم لا يصلحون الا لها ، وايضا الخبيثات من الاخلاق الذميمة والاوصاف الرديئة للخبيثين من الموصوفين بها والطيبات من الاعمال الصالحة والاخلاق الكريمة للطيبين من الصالحين وارباب القلوب يعنى خلقت الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات كقوله { ولذلك خلقهم } وقال عليه السلام « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » وقال عليه الصلاة والسلام « خلقت الجنة وخلق لها اهل وخلقت النار وخلق لها اهل » وفى حقائق البقلى خبيثات هواجس النفس ووساوس الشيطان للباطلين من المرائين والمغالطين وهم لها وطيبات الهام الله بواسطة الملائكة لاصحاب القلوب والارواح والعقول من العارفين ، وايضا الترهات والطامات للمرتابين والحقائق والدقائق من المعارف وشرح الكواشف للعارفين والمحبين انتهى ، وكان مسروق اذا روى عن عائشة رضى الله عنها يقول حدثتنى الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله المبرأة من السماء وجاء ان ابن عباس رضى الله عنهما دخل على عائشة فى موتها فوجدها وجلة من القدوم على الله فقال لها لا تخافى فانك لا تقدمين الا على مغفرة ورزق كريم فغشى عليها من الفرح بذلك لانها كانت تقول متحدثة بنعمة الله عليها لقد اعطيت خصالا ما اعطيتهن امرأة لقد نزل جبريل بصورتى فى راحته حتى امر رسول الله ان يتزوجنى ولقد تزوجنى بكرا وما تزوج بكرا غيرى ولقد توفى وان رأسه لفى حجرى ولقد قبر فى بيتى وان الوحى ينزل عليه فى اهله فيتفرقون منه وانه كان لينزل عليه وانا معه فى لحاف واحد وابى رضى الله عنه خليفته وصديقه ولقد نزلت براءتى من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب لقد وعدت مغفرة وزرقا كريما .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)
{ ياأيها الذين آمنوا } روى عن عدى بن ثابت عن رجل من الانصار قال جاءت امرأة الى رسول الله عليه السلام فقالت يارسول الله انى اكون فى بيتى على الحالة التى لا احب ان يرانى عليها احد فيأتى الآتى فيدخل فكيف اصنع قال « ارجعى » فنزلت هذه الآية { لاتدخلوا بيتوا غير بيوتكم } [ يعنى بهيج خانة بيكانه درمياييد ] وصف البيوت بمغايرة بيوتهم خارج مخرج العادة التى هى سكنى كل احد فى ملكه والا فالآجر وةالمعير ايضا منهيان عن الدخول بغير اذن يقال اجره اكراه والاجره الكراء واعاره دفعه عارية { حتى تستأنسوا } اى تستأذنوا ممن يملك الاذن من اصحابها : وبالفارسية [ تاوقتى كه خبر كيريد ودستورى طلبيد ] ، من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشىء اذا ابصره مكشوفا فعلم به فان المستأذن مستعلم للحال مستكشف انه هل يؤذن له اولا ومن الاستئناس الذى هو خلاق الاستيحاش لما ان المستأذن مستوحش خائف ان لا يؤدن له فاذا اذن له استأنس ولهذا يقال فى جواب القادم المستأذن مرحبا اهلا وسهلا اى وجدت مكانا واسما واتيت اهلا لا اجانب ونزلت مكانا سهلا لا حزنا ليزول به استيحاشه وتطيب نفسه فيؤول المعنى الى ان يؤذن لكم وهو من باب الكناية حيث ذكر الاستئناس اللازم واريد الاذن الملزوم ، وعن النبى عليه السلام فى معى الاستئناس حيث سئل عنه فقال « وهو ان يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة ويتنحنح يؤذن اهل البيت » ، قال فى نصاب الاحتساب امرأة دخلت فى بيت غير بغير اذن صاحبه هل يحتسب عليها فالجواب اذا كانت المرأة ذات محرم منه حل لامرأته الدخول فى منازل محارم زوجها بغير اذنهم وهذا غريب يجتهدفى حفظه ذكره فى سرقة المحيط ولهذا لو سرقت من بيت محارم زوجها لاقطع عليها عند ابى حنيفة رحمه الله وما فى غير ذلك يحتسب عليها كما يحتسب على الرجل لقوله تعالى { لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } اى تستأذنوا انتهى ، فالدخول بالاذن من الآداب الجميلة والافعال المرضية المستتبعة لسعادة الدارين { وتسلموا على اهلها } عند الاستئذان بان يقول السلام عليكم أادخل ثلاث مرات فان اذن له دخل وسلم ثانيا والا رجع { ذلكم } الاستئذان مع التسليم { خير لكم } من ان تدخلوا بغتة ولو على الام فانها تحتمل ان تكون عريانة ، وفيه ارشاد الى ترك تحية اهل الجاهلية حين الدخول فان الرجل منهم كان اذا دخل بيتا غريبا صباحا ، قال « حييتم صباحا » واذا دخل مساء ، قال « حييتم مساء » قال الكاشفى [ وكفته اند كسى كه برعيال خود درمى آيد بايدكه بكلمه يا بآ وازيا بتنحنحى اعلام كند تاهل آن خانه يسترعورات ودفع مكروهات اقدام نمايند ] { لعلكم تذكرون } متعلق بمضمر اى امرتم به كى تذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه ، اعلم ان السلام من سنة المسلمين وهو تحية اهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة روى عنه عليه السلام قال (9/116)
« لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فقال الله تعالى يرحمك ربك يا آدم اذهب الى هؤلاء الملائكة وملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فلما فعل ذلك رجع الى ربه قال هذه تحيتك وتحية ذريتك » وروى عنه عليه السلام قال « حق المسلم على المسلم ست يسلم عليه اذا لقيه ويجيبه اذا دعاه وينصح له بالغيب ويشمته اذا عطس ويعوده اذا مرض ويشهد جنازته اذا مات » ثم انه اذا عرض امر فى دار من حريق او هجوم سارق او قتل نفس بغير حق او ظهور منكر يجب ازالته فحينئذ لا يجب الاستئذان والتسليم فان كل ذلك مستثنى بالدليل وهو ما قاله الفقهاء من ان مواقع الضرورات مستثناة من قواعد الشرع لان الضرورات تبيح المحظروات ، قال صاحب الكشاف وكم من باب من ابواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل بها وباب الاستئذان من ذلك انتهى ، وفى الآية الكريمة اشارة الى ترك الدخول والسكون فى البيوت المجازية الفانية من الاجساد وترك الاطمئنان بها بل لا بد من سلام الوداع للخلاص فاذا ترك العبد الركون الى الدنيا الفانية وشهواتها واعرض عن البيوت التى ليست بدار قرار فقد رجع الى الوطن الحقيقى الذى حبه من الايمان (9/117)
اكر خواهى وطن بيرون قدم نه ...
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)
{ فان لم تجدوا فيها } اى فى تلك البيوت { احدا } اى ممن يملك الاذن على ان من لا يملكه من النساء والولدان وجدانه كفقدانه اولم تجدوا احدا اصلا { فلات تدخلوها } فاصبروا { حتى يؤذن لكم } اى من جهة من يملك الاذن عند اتيانه فان فى دخول بيت فيه النساء والولدان اطلاعا على العورات وفى دخول البيوت الخالية اطلاعا على مايعتاد الناس اخفاءه مع نان التصرف فى ملك الغير محظور مطلقا : يعنى [ دخول درخانه خالى باى اذن كسى محل تهمت سرقه است ] ، يقول الفقير قد ابتليت بهذا مرة غفلة عن حكم الآية الكريمة فاطال علىّ وعلى رفقائى بعض من خارج البيت لكوننا مجهولين عندهم فوجدت الامر حقنا { وان قيل لكم ارجعوا } انصرفوا { فارجعوا } ولا تقفوا على ابواب الناس اى ان امرتم من جهة اهل البيت بالرجوع سواء كان الامر ممن يملك الاذن ام لا فارجعوا ولا تلحوا بتكرير الاستئذان كما فى الوجه الاول اولا تلحوا بالاصرار على الانتظار على الابواب الى ان يأتى الاذن كما فى الثانى فان ذلك ممايجلب الكراهة فى قلوب الناس ويقدح فى المروءة اى قدح { هو } اى الرجوع { ازكى لكم } ايى اطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الابواب من دنس الدناءة والرزالة { والله بما تعملون عليم } فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه فيجازيكم عليه . (9/118)
وفى التأويلات النجمية { فان لم تجدوا فيها احدا } يشير الى فناء صاحب البيت وهو وجود الانسانية { فلا تدخلوها } بتصرف الطبيعة الموجبة للوجود { حتى يؤذن لكم } بامر من الله بالتصرف فيها للاستقامة كما امر { وان قيل لكم ارجعوا } اى الى ربكم { فارجعوا } ولا تتصرفوا فيها تصرف المطمئنين { هو ازكى لكم } لئلا تقعوا فى فتنة من الفتن الانسانية وتكونوا مع الله بالله بلا انتم { والله بما تعملون } من الرجوع الى الله وترك تعلقات البيوت الجسدانية { عليم } انه خير لكم .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)
{ ليس عليكم جناح } ، قال فى المفردات جنحت السفينة ى مالت الى احد جانبيها سمى الاثم المائل بالانسان عن الحق جناحا ثم سمى كل اثم جناحا { ان تدخلوا } اى بغير استئذان { بيوتا غير مسكونة } اى غير موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل لينتفع بها من يضطر اليها كائنا من كان من غير ان يتخذها سكنا كالرابط والخانات والحوانيت والحمامات ونحوها فانها معدة لمصالح لناس كافة كمى ينبى عنه قوله تعالى { فيها متاع لكم } فانه صفة للبيوت اى حق تمتع لكم وانتفاع كالاستكنان من الحرب والبرد وايواء الامتعة والرحال والشراء والبيع والاغتسال وغير ذلك مما يليق بحال البيوت وداخلها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من قوام الرباطات والخانات واصحاب الحوانيت ومتصرفى الحمامات ونحوهم { والله يعلم ما تبدون } تظهرون { وما تكتمون } تستترون وعيد لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل لفساد او اطلاع على عورات ، قال فى نصاب الاحتساب رجل له شجرة فرصاد قد باع اغصانها فاذا ارتقاها المشترى يطلع على عورات الجار قل يرفع الجار الى القاضى حتى يمنعه من ذلك ، قال الصدر الشهيد فى واقعات لمختار ان المشترى يخبرهم وقت الارتقاء مرة او مرتين حتى يستروا انفسهم لان هذا جمع بين الحقين وان لم يفعل الى ان يرفع الجار الى القاضى فان رأى القاضى المنع كان له ذلك . ولو فتح كوّة فى جداره حتى وقع نظره فيها الى نساء جاره يمنع من ذلك ، وفى البستان لايجوز لاحد ان ينظر فى بيت غيره بغير اذنه فان فعل فقد اساء واثم فى فعله فان نظر ففقأ صاحب البيت عينه اختلفوا فيه قيل لاشىء عليه وقيل عليه الضمان وبه نأخذ ، وكان عمر رضى الله عنه يعس ليلة مع ابن مسعود رضى الله عنه فاطلع من خلل باب فاذاشيخ بين يديه شراب وقينة تغنيه فتسروا فقال عمر رضى الله عنه ما صح لشيخ مثلك ان يكون على مثل هذه الحالة فقال اليه الرجل فقال يا امير المؤمنين انشدك بالله ألا ما انصفتنى حتى اتكلم قال قل قال ان كنت عصيت الله فى واحدة فقد عصيت انت فى ثلاث قال ماهن قال تجسست وقد نهاك الله فقال { ولا تجسسوا } وتسورت وقد قال الله { ليس البر ان تأتوا البيوت من ظهروها } الى { وائتوا البيوت من ابوابها } ودخلت بغير اذن وقد قال الله { لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } فقال عمر صدقت فهل نت غافر لى فقال غفر الله لك فخرج عمر يبكى ويقول ويل لعمر ان لم يغفر الله له ، فان قلت دل هذا على ان المحتسب لا يدخل بيتا بلا اذن وقد صح انه يجوز له الدخول فى بيت من يظهر البدع بلا اذن ، قلت هذا فما اظهر وذلك فيما اخفى . (9/119)
وفى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى جواز تصرف السالك الواصل فى بيت الجسد الذى هو غير مسكون لصاحبه وهو الانسانية لفنائها عن وجودها بافناء الحق تعالى فيها متاع لكم اى الآلات والادوات التى تحتاجون اليها عند السير فى عالم الله ولتحصيلها بعثت الارواح لى اسفل سافلين الاجساد والله يعلم ما تبدون من تصرفاتكم بالآلات الانسانية وما تكتمون من نياتكم لنها لطلب رضى الله تعالى او الهوى نفوسكم انتهى : قال الجامى قدس سره (9/120)
جيب خاص است كه كنج كهر اخلاص است ... نيست اين درثمين دربغل هردغلى
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)
{ قل } يا محمد { للمؤمنين } حذف مفعول الامر تعويلا على دلالة جوابه عليه اى قل لهم غضوا { يغضوا من ابصارهم } ما يحرم : وبالفارسية [ بيوشند ديدهاى خودرا ازديدن نامحرم كه نظر سبب فتنه است ] ، والغض اطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية ولما كان ما حرم النظر اليه بعضا من جملة المبصرات تبعض البصر باعتبار تبعض متعلقة فجعل ماتعلق بالمحرم بعضا من البصر وامر بغضه { ويحفظوا فروجهم } عمن لا يحل او يستروها حتى لاتظهر والفرج الشق بين الشيئين كفرجة الحائط والفرج مابين الرجلين وكنى به عن السوءة وكثر حتى صار كالصريح فيه اتى بمن التبعيضية فى جانب الابصار دون الفروج مع ان المأمور به حفظ كل واحد منهما عن بعض ما تلقا به فان المستثنى من البصر كثير فان الرجل يحل له النظر الى جميع اعضاء ازواجه واعضاء ما ملكت يمينه وكذا لا بأس عليه فى النظر الى شعور محارمه وصدورهن وثديهن واعضائهن وسوقهن وارجلهن وكذا من امة الغير حال عرضها للبيع ومن الحرة الاجنبية الى وجهها وكفيها وقدميها فى رواية فى القدم بخلاف المستثنى من الفرج فانه شىء نادر قليل وهو فرج زوجته وامته فلذلك اطلق لفظ الفرج ولم يقيد بما استثنى منه لقلته وقيد غض البصر بحرف التبعض { ذلك } اى ماذكر من الغض والحفظ { ازكى لهم } اى اطهر لهم من دنس الريبة { ان الله خبير بما يصنعون } لا يخفى عليه شىء فليكونوا على حذر مه فى كل حركة وسكون روى ، عن عيسى ابن مريم عليهما السلام انه قال اياكم والنظرة فانها تزرع فى القلب شهوة ، قال الكاشفى [ درذخيرة الملوك آورده كه تيزرترين بيكى شيطانرا دروجود انسان جشم است زيرا حواس ديكر درمسماكن خود ساكن اند وتاجيزى بديشان نميررسد باستدراج آن مشغول نميتوانند شد امياديده حاسه ايست كه ازدور ونزيدك ابتلا وانام راصيد ميكند (9/121)
اين همه آفت كه بتن ميرسد ... از نظر توبه شكن ميرسد
ديده فرويوش جودر در صدف ... تانشوى تيربلارا هدف
وفى النصاب النظرة الاولى عفو والذى يليها عمد وفى الاثر « يابن آدم لك النظرة الاولى فما بال الثانية » وفى الحديث « اضمنوا لى ستا من انفسكم اضمن لكم الجنة اصدقوا اذا حدثتم واوفوا اذا وعدتم وادوا مائتمتم واحفظوا فروجكم وغضوا ابصاركم وكفوا ايديكم » وفى الحديث « بينما رجل يصلى اذ مرت به امرأة فنظر اليها واتبعها بصره فذهبت عيناه » .
قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته يشير الى غض ابصار الظواهر من المحرمات وابصار النفوس عن شهوات الدنيا ومألوفات الطبع ومستحسنات الهوى وابصار القلوب عن رؤية الاعمال ونعيم الآخرة وابصار الاسرار عن الدرجات والقربات وابصار الارواح عن الالتفات لما سوى الله وابصار الهم عن العلل بان لا يروا انفسهم اهلا للشهود من الحق سبحانه غيره عليه تعظيما واجلالا ويشر ايضا الى حفظ فروج الظواهر عن المحرمات وفروج البواطن عن التصرفات فى الكونين لعلة دنيوية او اخروية { ذلكم ازكى لهم } صيانة عن تلوث الحدوث ورعاية للحقوق عن شوب الحظوظ { ان الله خبير بما يصنعون } يعملون للحقوق والحظوظ اللهم اجعلنا من الذين يراغون الحقوق فى كل عمل .
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
{ وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن } فلا ينظرن الى مالا يحل لهن النظر اليه من الرجل وهى العورة عند ابى حنيفة واحمد وعند مالك ماعدا الوجه والاطراف ولاصبح من مذهب الشافعى انها لاتنظر اليه كما لا ينظر هو اليها { ويحفظن فروجهن } بالتصون عن الزنى او بالتستر ولا خلاف بين الائمة فى وجوب ستر العورة عن اعين الناس ، واختلفوا فى العورة ماهى فقال ابو حنيفة عورة الرجل ما تحت سرته الى ركبته والركبة عورة ، وفى نصاب الاحتساب من لم يستر الركبة ينكر عليه برفق لان فى كونها عورة اختلافا مشهورا ومن لم يستر الفخذ يعنف عليه ولا يضرب لان فى كونها عورة خلاف بعض اهل الحجيث ومن لم يستر السوءة يؤدب اذ لاخلاف فى كونهاعورة عن كراهية الهداية انتهى ومثل الرجل الامة وبالاولى بطنها وظهرها لانه موضع مشتهى والمكاتبة وام الولد والمدبرة كالامة وجميع الحرة عورة الا وجهها وكفيها والصحيح عنده ان قدميها عورة خارج الصلاة لا فى الصلاة وقال مالك عورة الرجل فرجاه وفخذاه والامة مثله وكذا المدبرة والمعتقة الى اجل والحرة كلها عورة الا وجهها ويديها ويستحب عنده لام الولد ان تستر من جسدها ما يجب على الحرة ستره والمكاتبة مثلها وقال الشافعى واحمد عورة الرجل مابين السرة والركبة وليست الركبة من العورة وكذا الامة والمكاتبة وام الولد والمدبرة والمعتق بعضها والحرة كلها عورة سوى الوجه والكفين عند الشافعى وعند احمد سوى الوجه فقط على الصحيح واما سرة الرجل فليست من العورة بالاتفاق كذا فى فتح الرحمن وتقديم الغض لان النظر يريد الزنى ورائد الفساد يعنى ان الله تعالى قرن النهى عن النظر الى المحارم بذكر حفظ الفرج تنبيها على عظم خطر النظر فانه يدعو الى الاقدام على الفعل وفى الحديث « النظر سهم من سهام ابليس » قيل من ارسل طرفه اقتنص حتفه : وفى المثنوى (9/122)
كرزناى جشم حظى مى برى ... نى كباب ازبهلوى خود مى خورى
اين نظر ازدور جون تيرست وسم ... عشقت افزون مى شود صبرتوكم
{ ولا يبدين زينتهن } فضلا عن ابداء مواقعها يقال بدا الشىء بدوا وبدوّا اى ظهر ظهورا بينا وابدى اى اظهر { الا ما ظهر منها } [ مكر آنجهظاهر شود ازان زينت بوقت ساختن كارها جون خاتم واطراف ثياب وكحل درعين وخضاب در كف ] فان فى سترها حرجابينا ، قال ابن الشيخ الزينة ما تزينت به المرأة من حلى او كحل او ثوب واو صبغ فما كان منها ظاهرا كالخاتم والفتخة وهى مالا فص فيه من الخاتم والكحل والصبغ فلا بأس بابدائه للاجانب بشرط الامن من الشهوة وما خفى منها كالسوار والدملج وهى خلقة تحملها المرأة على عضدها والوشاح والقرط فلا يحل لها ابداؤها الا للمذكورات فيما بعد بقوله { الا لبعولتهن } الآية .
وفى التأويلات النجمية يشير الى كتمان مازين الله به سرائرهم من صفاء الاحوال زكاء الاعمال فانه بالاظهار ينقلب الزين شينا الا ما ظهر مها واردحق او يظهر على احد منهم نوع كرامة بلا تعملة وتكلفه فذلك مستنثى لانه غير مؤاخذ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه انتهى ، قال فى حقائق البقلى فيه استشهاد على انه لا يجوز للعارفين ان يبدوا زينة حقائق معرفتهتم وما يكشف الله لهم من عالم الملكوت وانوار الذات والصفات ولا المواجيد الا ماظهر منها بالغلبات من الشهقات والزعقات والاصفرار والاحمرار وما يجرى على ألسنتهم بغير اختيارهم من كلمات السطح والاشارات المشاكلة وهذه الاحوال اشرف زينة للعارفين ، قال بعضهم ازين ما تزين به العبد الطاعت فاذا اظهرها فقد ذهبت زينتها ، وقال بعضهم الحكمة فى هذه الآية لاهل المعرفة انه من ظهر شيأ من افعاله الا ما ظهر عليه من غير قصد له فيه سقوط به عن رؤية الحق لان من وقع عليه رؤية الخلق ساقط عن رؤية الحق : قال الشيخ سعدى قدس سره (9/123)
همان به كر آبستن كوهرى ... كه همجون صدف سربخود دربرى
وفى المثنوى
داند وبوشد بامر ذى الجلال ... كه نباشد كشف را ازحق حلال
سر غيب آنرا سنرد آموختن ... كه زكفتن لب تواند دوختن
{ وليضربن بخمورهن على جيوبهن } ضمن الضرب عنى الالقاء ولذا عدى بعلى . والخمر جمع خمار وهو ما تغطى به المرأة رأسها وتسترها وما ليس بهذه الصفة فليس بخمار ، قال فى المفردات اصل الخمر ستر الشىء ويقال لما يسرت به خمار لكن الخمار صار فى التعارف اسما لما تغطى به المرأة رأسها . والجيوب جمع جيب وهو ماجيب من القميص اى قطع لادخال الرأس . والمعنى وليلقين مقانعهن على جويبهن ليسترن بذلك شعورهن وقروطهن واعناقهن عن الاجانب : وبالفارسية [ وبايدكه فرو كذارند مقنعهاى خودرا بركريبانهاى خويش يعنى كردن خودرا بمقنعة بيوشند تاشوى وبنا كوش وكردن وسينه ايشان يوشيده ماند ] ، وفيه دليل على ان صدر المرأة ونحرها عورة لايجوز للاجنبى النظر اليها { ولا يبدين زينتهن } اى الزينة الحفية كالسوار والدملج والوشاح والقرط ونحوها فضلا عن ابداء مواقعها كرره لبيان من يحل له الابداء ومن لايحل له ، وقال ابو الليث لا يظهرن مواضع زينتهن وهو الصدر والساق والساعد والرأس لان الصدر موضع الوشاح والساق موضع الخلخال والساعد موضع السوار والرأس موضع الاكليل فقد ذكر الزانية وارد بها موضع الزينة انتهى { الا لبعولتهن } ، قال فى المفردات البعل هو الذكر من الزوجين وجمعه بعولة كفحل وفحولة انتهى الا لازواجهن فانهم المقصودون بالزينة ولهم ان ينظروا الى جميع بدنهن حتى الموضع المعهود خصوصا اذا كان النظر لتقوية الشهوة الا انه يكره له النظر الى الفرج بالاتفاق حتى الى فرج نفسه لانه يروى انه يورث الطمس والعمى وفى كلام عائشة رضى الله عنها ما رأى مى ولا رأيت منه اى العورة ، قال فى النصاب اى الزينة الباطنية يجوز ابداؤها لزوجها وذلك لاستدعائه الهيا ورغبة فيها ولذلك لعن رسول الله عليه السلام السلقاء والمرهاء فالسلقاء التى لا تختصب والمرهاء التى لا تكتحل { او آبائهن } والجد فى حكم الاب { او آباء بعولتهن } [ يابدران شوهران خويش كه ايشان حكم آباء دارند ] { أو ابنائهن } [ يابسران خويش وبسر بسر هرجندبا شد درين داخلست ] { أو ابناء بعولتهن } [ يابسران شوهران خودجه ايشان درحكم بسرانندمر زنرا ] { أو اخوانهن } [ بابسران برادران خودكه حكم برادران دارند ] { او بنى اخوانهن } [ باسران برادران خود ] { او بنى اخواتهن } [ يابسران خواهران خود واينها جماعتى اندكه نكاح زن با ايشان روانيست كه ] والعلة كثرة المخالطة الضرورية بينهم وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما فى طباع الفريقين من النفرة عن مماسة القرائب ولهم ان ينظروا منهن لى ما يبدوا عند الخدمة ، قال فى فتح الرحمن فيجووز لجميع المذكورين عند الشافعى النظر الى الزينة الباطنية سوى ما بين السرة والركبة الالزوج فيباح له مابينهما ، وعند مالك ينظرون الى الوجه والاطراف ، وعند ابى حنيفة ينظرون الى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين ولا ينظرون الى ظهرها وبطنها وفخذها ، وعند احمد ينظرون الى ما يظهر غالبا كوجه ورقبة ويد وقدم ورأس وساق ، قال ابو الليث النظر الى النساء على اربع مراتب فى وجه يجوز النظر الى جميع اعضائهن وهو النظر الى زوجته وامته وفى وجه يجوز النظر الى الوجه والكفين وهو النظر الى المرأة التى لاتكون محرماله ويأمن كل واحد منهما على نفسه فلا بأس بالنظر عند الحاجة وفى وجه يجوز النظر الى الصدر والرأس الساق والساعد هو النظر الى امرأة ذى رحم او ذوات رحم محرم مثل الام والاخت والعمة والخالة وامرأة الاب وامرأة الابن وام المرأة سواء كان من قبل الرضاع او من قبل انلسب وفى وجه لا يجوز النظر الى شىء وهو ان يخاف ان يقع فى الاثم اذا نظر انتهى وعدم ذكر الاعمام والاخوال لا ان الاحوط ان يتسترن عنهم حذرا من ان يصفوهن لابنائهم فان تصور الابناء لها بالوصف كنظرهم اليها { او نسائهن } المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات فان الكوافر لا يتأثمن عن وصفهن للرجال فيكون تصور الاجانب اياها بمنزلة نظرهم اليها فان وصف مواقع زين المؤمنات للرجال الاجانب معدود من جملة الآثام عند المؤمنات فالمراد بنسائهن نساء اهل دينهن وهذا قول الكثر السلف ، يقول الفقير اكثر التفاسير المعتبرة مشحون بقول السلف فانه جعلوا المرأة اليهودية والنصراينة والمجوسية والوثنية فى حكم الرجل الاجنبى فمنعوا المسلمة من كشف بدنها عندهن الا ان تكون امة لها كما منعوها من التجرد عند الاجانب والظاهر ان العلة فى المنع شيآن عدم المجانسة دينا فان الايمان والكفر فرق بينهما وعدم الامن من الوصف المذكور فلزم اجتناب العفائف عن الفواسق وصحبتها والتجرد عندها .
ولذا منع المناكحة بين اهل السنة وبين اهل الاعتزال كما فى مجمع الفتاوى وذلك لان اختلاف العقائد والاوصاف كالتباين فى الدين والذات واصلح الله نساء الزمان فان غالب اخلاقهن كاخلاق الكوافر فكيف تجتمع بهن وبالكوافر فى الحمام ونحوه من كانت بصدد العفة والتقوى . وكتب عمر رضى الله عنه الى ابى عبيدة ان يمنع الكتابيات من دخول الحمامات مع المسلمات { او ما ملكت ايمانهن } اى من الاماء فان عبد المرأة بمنزلة الاجنبى منها خصيا كان او فحلا وهو قول ابى حنيفة رحمه الله وعليه عامة العلماء فلا يجوز لها الحج ولا السفر معه وان جاز رؤيته اياها اذا وجد الامن من الشهوة ، وقال ابن الشيخ فان قيل ما الفائدة فى تخصيص الاماء بالذكر بعد قوله { او نسائهن } فالجواب والله اعلم انه تعالى لما قال او نسائهن دل ذلك على ان المرأة لايحل لها ان تبدى زينتها للكافرات سواء كن حرائر او اماء لغيرها او لنفسها فلما قال { او ما ملكت ايمانهن } مطلقا اى مؤمنات كن او مشركات علم انه يحل للامة ان تنظر الى زنية سيدتها مسلمة كانت الامة او كافرة لما فى كشف مواضع الزينة الباطنية لامتها الكافرة فى احوال استخدامها اياها من الضرورة التى لا تخفى ففارقت الحرة الكافرة بذلك { او التابعين غير اولى الاربة من الرجال } الا ربة الحاجة اى الرجال الذين هم اتباع اهل البيت لاحاجة لهم فى النساء هم الشيوخ الاهمام والممسوخون بالخاء المعجمة وهم الذين حولت قوتهم واعضاؤهم عن سلامتها الاصيلة الى الحالة المنافية لها المانعة من ان تكون لهم حاجة فى النساء وان يكون لهن حاجة فيهم ويقال للممسوخ المخنث وهو الذى فى اعضائه لين وفى لسانه تكسر باصل الخلقة فلا يشتهى النساء وفى المجبوب والخصى خلاف والمجبوب من قطع ذكره وخصيتاه معا من الجب وهو القطع والخصى ن قطع خصيتاه والمتان ان الخصى والمجبوب والعنين فى حرمة النظر كغيرهم من الفحولة لانهم يشتهون ويشتهون وان لم تساعد لهم الآلة : يعنى [ ايشانرا آرزوى مباشرت هست غايتش آنكه توانابى بران نيست ] ، قال بعضهم قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم } محكم وقوله { والتابعين } مجمل والعمل بالمحكم اولى فلا رخصة للمذكورين من الخصى ونحوه فى النظر الى محاسن النساء وان لم يكن هناك احتمال الفتنة ، وفى الكشاف لا يحل امساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم ولم ينقل عن احد من السلف امساكهم انتهى ، وفى النصاب قرأت معاوية انما هو بمنزلة امرأة فقالت أترى ان المثلة به قد احلت ما حرم الله من النظر فتعجب من فطنتها وفقهها انتهى ، وفى البستان انه لايجوز خصاء بنى آدم لانه لامنفعه فيه لانه لايجوز للخصى ان ينظر الى النساء كما لايجوز للفحل بخلاف خصاء سائر الحيوانات ألا ترى ان خصى الغنم اطيب لحما واكثر شحما وقس عليه غيره { او الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الاطلاع او لعدم بلوغهم حد الشهوة ومن الظهور بمعنى الغلبة والقدرة : وبالفارسية [ تمييز ندراند وازحال مباشرت بى خبرند با آنكه قادر نيستند براتيان زنان يعنى بالغ نشده وبحد شهوت نرسيده ] والطفل جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف كالعدو فى قوله تعالى (9/124)
{ فانهم عدو لى } قال فى المفردات الطفل الولد مادام ناعما والطفيلى رجل معروف بحضور الدعوات ، وفى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى حد الطفل من اول ما يولد الى ان يستهل صارخا الى انقضاء ستة اعوام انتهى . والعورة سوءة الانسان وذلك كناية واصلها من العار وذلك لما يلحق فى ظهورها من الر اى المذمة ولذلك سمى النساء عورة من ذلك العوراء اى الكلمة القبيحة كما فى المفردات ، قال فى فتح القريب العورة كل ما يستحيى منه اذا ظهر وفى الحديث « المرأة عرة جعلها نفسها عروة لانها اذا ظهرت يستحيى منها كما يستحى من العورة اذا ظهرت » ، قال اهل اللغة سميت العورة عورة لقبح ظهروها ولغض الابصار مأخوذة من العور وهو النقص والعيب والقبح ومنه عور العين ، يقول الفقير يفهم من عبارة الطفل ان التقوى من الصبيان حضرة النساء بعد سبع سنين فان ابن السبع وان لم يكن فى حد الشهوة لكنه فى حد التمييز مع ابن بعض من لم يبلغ حد الحلم مشتهى فلا خير فى مخالطة النساء ، وفى ملتقط لناصرى الغلام اذا بلغ مبلغ الرجال الى قدمه يعنى لا يحل لانظر اليه عن شهوة . فاما السلام والنظر لا عن شهوة فلا بأس به ولذعها لم يؤمر بالنقاب حكى ان احدا من العلماء مات فرؤى فى المنام وقد اسود وجهه فسئل عن ذلك فقال رأيت غلاما فى موضع كذا فنظر اليه فاحترق وجهى فى النار ، قال القاضى سمعن الامام يقول ان مع كل امرأة شيطانين ومع غلام ثمانية عشر شيطانا . ويكره مجالسة الاحداث والصبيان والسفهاء لانه يذهب بالمهابة كما فى البستان ، قال فى انوار المشارق يحرم على الرجل النظر الى وجه الامرد اذا كان حسن الصورة سواء نظر بشهوة ام لا وسواء من من الفتنة ام خافها ويجب على من فى الحمام ان يصون نظره ويده وغيرهما عن عورة غيره وان يصون عورته عن نظر غيره ويجب الانكار على كاشف العورة { ولايضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين } اى يخفينه من الرؤية { من زينتهن } اى لايضربن بارجلهن الارض ليتقعقع خلخالهن فيعلم انهن ذوات خلخال فان ذلك مما يورث الرجال ميلا اليهن ويوهم ان لهن ميلا اليهم واذا كان اسماع صوت خلخالها للاجانب حراما كان رفع صوتها بحيث يسمع الاجانب كلامها حراما بطريق الاولى لان صوت نفسها اقرب الى الفتنة من صوت خلخالها ولذلك كرهوا اذان النساء لانه يحتاج فيه لى رفع الصوت ، يقول الفقير وبهذا القياس الخفى ينجلى امر النساء فى باب الذكر الجهرى فى بعض البلاد فان الجمعية والجهر فى حقهن مما يمنع عنه جدا وهن مرتكبات للاثم العظيم بذلك اذ لو استحب الجمعية والجهر فى حقهن لاستحب فى حق الصلاة والاذانوالتلبية ، قال فى نصاب الاحتساب ومما يحتسب على النساء اتخاذ الجلاجل فى ارجلهن لان اتخاذ الجلاجل فى رجل الصغير مكروه ففى المرأة البالغة اشد كراهة لانه مبنى حالهن على التستر { وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون } اذ لا يكاد يخلوا احدكم من تفريط فى امره ونهيه سيما فى الكف ع الشهوات . (9/125)
وجميعا حال من فاعل توبوا اى حال كونكم مجتمعين : وبالفارسية [ همه شما ] وايها المؤمنون تأكيد للايجاب وايذان بان وصف الايمان موجب للامتثال حتما ، وفى هذه الآية دليل على ان الذنب لا يخرج البعد من الايمان لانه قال { ايها المؤمنون } بعدما امر بالتوبة التى تتعلق بالذنب { لعلكم تفلحون } تفوزون بسعادة الدارين وصى الله تعالى جميع المؤمنين بالتوبة والاستغفار لان العبد الضعيف لاينفك عن تقصير يقع منه وان اجتهد فى رعاية تكاليف الله تعالى ، اما قشيرى رحمه الله تعالى [ فرموده كه محتاجتر بتوبه آنكس است كه خوردا محتاج توبة نداند ، در كشف الاسار آورده كه همه را ازمطيع وعاصى بتوة امر فرمود تاعاصى خجل زده نشود ده اكر فرمودى كه اى كنهاكاران شما توبه كنيد موجب رسوايى ايشان شدى دون دردنيا ايشانرا رسو نمى خواهند اميدهست كه درعقبى هم رسوانكند ] (9/126)
جو رسوا نكردى بجندين خطا ... درين عالم بيش شاه وكدا
دار علم هم برخاص وعام ... بيامرز ورسوا مكن السلام
قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان التوبة كما هى واجبة على المبتدىء من ذنوب مثله كذلك لازمة للمتوسط والمنتهى فان حسنات الابرار سيآت المقربين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « توبوا الى الله جميعا فانى اتوب اليه فى كل يوم مائة مرة » فتورة المبتدىء من المحرمات وتبوة المتوسط من زوائد المحللات وتوبة المنتهى بالاعراض عما سوى الله بكليته والاقبال على الله بكليته { لعلكم تفلحون } ففلاح المبتدىء من النار الى الجنة والمتوسط من ارض الجنة الى اعلى عليين مقامات القرب ودرجاتها والمنتهى من حبس الوجود المجازى الى الوجود الحقيقى ومن ظلمة الخلقية الى نور الربوبية : وفى المثنوى
جون تجلى كرد اوصاف قديم ... بس بسوزد وصف حادث راكليم (9/127)
قرب نى بالاوبستى رفتن است ... قرب حق ازحبس هستى ستن است
قال بعض الكبار ان الله تعالى طالب المؤمنين جميعا بالتوبة ومن آمن بالله وترك الشرك فقد تاب وصحت توبته ورجوعه الى الله وان خطر عليه خاطرا او جرى عليه معصية فى حين التوبة فان المؤمن اذا جرى عليه معصية ضاق صدره واهتم قلبه وندم روحه ورجع سره هذا للعموم والاشارة فى الخصوص ان الجميع محجوبون باصل النكرة وماوجدوا منه من القربة وسكنوا بمقاماتهم ومشاهداتهم ومعرفتهم وتوحيدهم اى انتم فى حجب هذا المقام توبوا منها الىّ فان رؤيتها اعظم الشرك فى المعرفة لان من ظن انه واصل فليس له حاصل من معرفة وجوده وكنه جلال عزته فمن هذا اوجب التوبة عليهم فى جميع الانفاس لذلك هجم حبيب الله فى بحر الفناء وقال « انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى كل يوم مائة مرة » ففهم ان عيب كل توبة توبة حتى تتوب من التوبة وتقع فى بحر الفناء من غلبة رؤية القدم والبقاء اللهم اجعلنا فانين باقين .
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
{ وانحوا الايامى منكم } مقلوب ايايم جمع ايم كيتامى مقلوبن يتايم جمع يتيم فقلب قلب مكان ثم ابدلت الكسرة فتحة والياء الفا فصار ايامى ويتامى والايم من لا زوج له من الرجال والنساء بكرا كان او يثبا ، قال فى المفردات الايم المرأة التى لا بعل لها وقد قيل الرجل الذى لازوج له وذكل على طريق التشبيه بالمرأة لا على التحقيق : والمعنى زوجوا ايها الاولياء والسادات من لازوج له من احرار قومكم وحرائر عشيرتكم فان النكاح سبب لبقاء النوع وحافظ من السفاح { والصالحين من عبادكم وامائكم } ، قال فى الكواشى اى الخيرين او المؤمنين ، قال فى الوسيط معنى الصلاح ههنا اللايمان ، وفى المفردات الصلاح ضد الفساد وهما مختصمان فى اكثر الاستعمال بالافعال وتخصيص الصالحين فان من لا صلاح له من الارقاء بمعزل من ان يكون خليقا بان يعتنى مولاه بشأنه ويشفق عليه ويتكلف فى نظم مصالحه بما لابد منه شرعا وعادة من بذلك المال والمنافع بل حقه ان لايستبقيه عنده واما عدم اعتبار الصلاح فى الاحرار والحرائر فلان الغالب فيهم الصلاح ، يقول الفقير قد اطلق فى هذه الآية الكريمة العبد والامة على الغلام والجارية وقد قال عليه السلام « لايقولن احدكم عبدى وامتى كلكم عبيد الله وكل نسائكم اماء الله ولكن ليقل غلامى وجاريتى وفتاى وفتاتى » والجواب ان ذلك انما يكره اذا قاله على طريق التطاول على الرقيق والتحقير لشأنه والتعظيم لنفسه فسقط التعارض والحمد لله تعالى { ان يكونوا } [ اكرباشند ايامى وصلحا ازعباد واما { فقراء } [ درويشان وتنكدستان ] { يغنهم الله من فضله } اى لايمنعن نقر الخاطب والمخطوبة من المناكحة فان فى فضل الله غنية عن المال فانه غاد ورائح [ كه كاه آيدوكه رود مال وجاه ] والله يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ، قال بعضهم من صح افتقاره لى الله صح استغناؤه بالله { والله واسع } غنى ذو سعة لا تنفد نعمته اذ لاتنتهى قدرته { عليم } يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر على ما تقتضيه حكمته ، اتفق الائمة على ان النكاح سنة لقوله عليه السلام « من احب فطرتى فليستن بسنتى ومن سنتى النكاح » وقوله عليه السلام « يامعشر الشباب من استطاع من منكم الباءة فليتزوج فانه اغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء » فان كان تائق اى شديد الاشتياق الى الوطىء يخاف العنت وهو الزنى وجب عليه عند ابى حنيفة واحمد وقال مالك والشافعى هو مستحب لمحتاج اليه يجد اهبة ومن لم يجد التوقان فقال ابو حنيفة واحمد النكاح له افضل من نفل العبادة وقال مالك والشافعى بعكسه وعند الشافعى ان لم يتعبد فالنكاح افضل ، واختلفوا فى تزويج المرأة نفسها فاجازه ابو حنيفة لقوله تعالى (9/128)
{ فلا تعضلوهن ان ينكحن ازواجهن } نهى الرجال عن منع النساء عن النكاح فدل على انهن يملكن النكاح ومنعه الثلاثة وقالوا انما يزوجها وليها بدليل هذه الآية لان الله تعالى خاطب الاولياء به كما ان تزويج العبيد والاماء الى السادات واختلفوا هل يجبر السيد على تزويج رقيقة اذا طلب ذلك فقال احمد يلزمه ذلك الا امة يستمتع بها فان امتنع السيد من الواجب عليه فطلب العبد البيع لزمه بيعه وخالفه الثلاثة ، قال فى الكواشى وهذا امر ندب اى ما وقع فى الآية ، قال فى ترجمة الفتوحات [ واكر عزم نكاح كنى جهد كن كه ازقريشيات بدست كنى واكر از اهل بيت باشد بهتر ونيوكتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرموده كه بهترين زنانى كه برشتر سوار شدند زنان قريش اند ] قال الزجاج حث الله على النكاح واعلم انه سبب لنفى الفقير ولكن الغنى على وجهين غنى بالمال وهو اضعف الحالين وغنى بالقناعة وهو اقوى الحالين وانما كان النكاح سبب الغنى لان العقد الدينى يجلب العقد الدنيوى اما من حيث لايحتسبه الفقير او من حيث ان النكاح سبب للجد فى الكسب والكسب ينفى الفقر (9/129)
رزق اكر جند بيكمان برسد ... شرط عقسلت جستن ازدرها
واختلف الائمة فى الزوج اذا اعسر بالصداق والنفقة والكسوة والمسكن هل تملك المرأة فسخ نكاحها فقال ابو حنيفة رحمه الله لا تملك الفسخ بشىء من ذلك وتؤمر بالاستدانة للنفقة لتحيل عليه فاذا فرضها القاضى وامرها بالاستدانة صارت دينا عليه فتتمكن من الاحالة عليه والرجوع فى تركته لو مات روى عن جعفر بن محمد ان رجلا شكا اليه الفقر فامره اني تزوج فتزوج الرجل ثم جاء فشكا اليه الفقر فامره بان يطلقها فسئل عن ذلك قلت لعله من اهل هذه الآية { ان يكونوا فقراء } الخ فلما لم يكن من اهلها قلت لعله من اهل آية اخرى { وان يتفرقا يغن الله كلا من سعته } قال بعضهم ربما كان النكاح واجب الترك اذا ادى الى معصية او مفسدة وفى الحديث « يأتى على الناس زمان لا ينال فيه المعيشة الا بالمعصية فاذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة » وفى الحديث « اذا اتى على امتى مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة والترهب على رؤس الجبال » كما فى تفسير الكواشى ، قال امير المؤمنين على كرم الله وجهه اذا نفد عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم فان يكون اوان خروج المهدى من بطن امه وقد نظم حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر هذا المعنى فى بيتين بقوله
اذا نفد الزمان على حروف ... ببس الله فالمهدى قاما
ودروات الخروج عقيب صوم ... الا بلغة من عندى سلام
ولولا الحسد لظهر سر العدد انتهى ، يقول الفقير ان اعتبر كل راء مكرر الان من صفتها التكرار يبلغ حساب الحروف الى الف ومائة وستة وثمانين فالظاهر من حديث الكواشى ان المراد مائو وثمانون بعد الالف وعليه قوله عليه السلام « خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ » قالوا ما خفيف لحاذ يا رسول الله قال « الذى لا اهل له ولا ولد » (9/130)
وفى التأويلات النجمية { وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم } يشر الى المريدين الطالبين وهم محرومون من خدمة شيخ يتصرف فيهم ليودع فى ارحام قلوبهم النطفة من صلب الولاية فندبهم الى طلب شيخ من الرجال البالغين الواصلين الذين بهم تحصل الولادة الثانية فى عالم الغيب بالمعنى وهو طفل الولاية كما ان ولادتهم اولى حصلت فى عالم الشهادة بالصورة ليكون ولوجهم فى الملكوت كما ان عيسى عليه السلام قال لم يلج ملكوت السموات والارض من لم يولد مرتين والنشأة الاخرى عارة عن الولادة الثانية والعبد فى هذا المقام امن من رجوعه الى الكفر والموت اما انه من الكفر فبقوله تعالى { كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا } يعنى اذا كنتم نطفة { فاحياكم } بالولادة الاولى { ثم يميتكم } بموت الارادة { ثم يحييكم } بالولادة الثانية { ثم اليه ترجعون } بجذبة { ارجعى الرى ربك راضية } وما امنه من الموت فبقوله تعالى { او من كان ميتا } يعنى الارادة من الصفات النفسانية الحيوانية { فاحييناه } بنور الربوبية { وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس } اى بنور الله فهو وحى بحياة الله لا يموت ابدا بل ينقل من دار الى دار { ان يكونوا فقراء } معدومى استعداد قبل الفيض الالهى { يعنهم الله من فضله } بان يجعلهم مستعدى قبول الفيض فان طريق من العبد الى الله مسدود وانما الطريق من الله الى العبد مفتةح بانه تعالى هو الفتاح وبيد المفتاح { والله واسع } الارحام القلوب لتستعد لقبول فيضه { عظيم } بايصاله الفيض اليها انتهى .
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)
{ وليستعفف } ارشاد للعاجزين عن مبادى النكاح واسبابه الى ماهو اولى لهم واحرى بهم بعد بيان جواز مناكحة الفقراء والعفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة والمتعفف المتعاطى لذلك بضرب من الممارسة والقهر والاستعفاف طلب العفة . والمعنى ليجتهد فى العفة وقمع الشهوة { الذين لايجدون نكاحا } اى اسباب نكاح من مهر ونفقة فانه لا معنى لوجدان نفس العقد والتزويج وذلك بالصوم كما قال عليه السلام « ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه لو وجاء » معناه ان الصوم يضعف شهوته ويقهرها عن طلب الجماع فيحصل بذلك صيانة الفرج وعفته فالامر فى { ليستعفف } محمول على الوجوب فى صورة التوقان { حتى يغنيهم الله من فضله } فيجدوا ما يتزوجون به ، قال فى ترجمة الفتوحات [ بعض ازصالحانرا جيزى نبود وزن خواست فرزند آمد وما يحتاج آن نداشت بس فرزندرا كرفت وبيرون آمد وندا كردكه اين جزاى آنكس است كه فرمان حق نبرد كفتند زناكرده كفت نى ولكن حق تعالى فرمود { وليستعفف الذين لايجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله } من فرمان نبردم وتزوج كردم وفضيحت شد مردمان بروى شفقت كردند وباخير تمام بمنزل خود بازكشت ] اى فكان التزوج سببا للغنى كا فى الآية الاولى . (9/131)
قال فى التأويلات النجمية { وليستعفف الذين لايجدون نكاحا } ايى ليحفظ الذين لايجدون شيخا فى الحال ارحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان { حتى يغنيهم الله من فضله } بان يدلهم على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر عليهما السلام او يقيض لهم شيخا كما كان يبعث لى كل قوم نبيا او يختص بجذبة عناية من يشاء من عباده كما قال تعالى { يجتبى اليه من يشاء ويهدى اليه من ينيب } فلا يخلو حال المستعفف عن هذه الوجوه { والذين يبتغون الكتاب } الابتغاء الاجتهاد فى الطلب والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة اى الذين يطلبون المكاتبة { مما ملكت ايمانكم } عبدا كان او امة وهى ان يقول المولى لمملوكه كاتبتك على كذا كذا درهما تؤديه الىّ وتعتق ويقول المملوك قبلته او نحو ذلك فان اداه اليه عتق يقال كاتب عبده كتابا اذا عاقده على مال منجم يؤديه على نجوم معلومة فيعتق اذا ادى الجميع فان المكاتب عبد ما بقى عليه درهم ومعنى المفاعلة فى هذا العقد ان المولى يكتب اى يفرض ويوجب على نفسه ان يعتق المكاتب اذا ادى البدل ويكتب العبد على نفسه ان يؤدى البدل من غير اخلال وايضا بدل هذا العقد مؤدل منجم على المكاتب والمال المؤجل يكتب فيه كتاب على من عليه المال غالبا ، وفى المفردات كتابة العبد ابتياع نفسه من سيده بما يوديه من كسبه واشتقاقها يصح ان يكون من الكتابة التى هى الايجاب وان يكون من الكتب الذى هو النظم باللفظ والانسان يفعل ذلك روى ان صبيحا مولى حويطب بن عبد العزى سأل مولاه ان يكاتبه فابى عليه فنزل الآية كما فى التكملة { فكاتبوهم } خبر الموصول والفاء لتضمنه معنى الشرط اى فاعطوهم ما يطلبون من الكتابة والامر فيه للندب لان الكتابة عقد يتضمن الارفاق فلا تجب كغيرها ويجوز حالا ومنجما واعير منجم عند ابى حنيفة رضى الله عنه { ان عملتم فيهم خيرا } اى امانة ورشدا وقدرة على اداء البدل لتحصيله من وجه الحلال وصلاحا بحيث لايؤذى الناس بعد العتق واطلاق العنان ، قال الجنيد ان علمتم فيهم علما بالحق وعملا به وهو شرط الامر اى الاستحباب للعقد المستفاد من قوله فكاتبوهم فاللازم من انتفائه انتفاء الاستحباب لا انتفاء الجواز { وآتوهم من مال الله الذى آتيكم } امر للموالى امر ندب بان يدفعوا الى المكاتبين شيأ مما اخذوا منهم وفى معناه حط شىء من مال الكتابة وقد قال عليه السلام
« كفى بالمرء من الشح ان يقول آخذ حقى لا اترك منه شيأ » وفى حديث الاصمعى اتى اعرابى قوما فقال لهم هذا فى الحق او فيما هو خير منه قالوا وما اخير من الحق قال التفضل والتفضل افضل من اخذ الحق كله كذا فى المقاصد الحسنة للسخاوى ، قال الكاشفى [ حويطب صبيح را بصد دينار مكاتب ساخنة بود بعد از استماع اين آيت بيست دينار بدو بخشيد ] يعنى وهب له منها عشرين دينارا فاداها وقتل يوم حنين فى الحرب واضافة المال اليه تعالى ووصفه باتيانه اياهم للحث على الامتثال بالامر بتحقيق المأمور به فان ملاحظة وصول المال اليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالك الحقيقى له من اقوى الدواعى الى صرفه الى الجهة المأمور بها ، قال بضعهم هو امر لعامة المسلمين باعانة المكاتبين بالتصدق عليهم : يعنى [ خطاب { وآتوهم } راجع بعامه مسلما نانست كه اعانت كنند اورا زكات بدهند تامال كتابت ادا كنا وكردن خودرا از طوق بندكى مخلوق بيرون آرد وبدين سبب اين خير را فك رقبه مى كويند واز عقبه عقوبت بدان ميتوان كذشت ] (9/132)
بشنو از من نكته اى زنده دل ... زل بس مركم به نيكى يادكن
كه بلطف آزاده را بنده ساز ... كه باحسان بنده آزاد كن
وفى الحديث « ثلاثة حق على الله عونهم المكاتب الذى يريد الاداء والناكح يريد العفاف والمجاهد فى سبيل الله » واختلفوا فيما اذا مات المكاتب قبل اداء النجوم فقال ابو حنيفة رحمه الله ومالك ان ترك وفاء بما بقى عليه من الكتابة كان حرا وان كان فيه فضل فالزيادة لاولاده الاحرار وقال الشافعى احمد يموت رقيقا وترتفع الكتابة سواء ترك مالا او لم يترك كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع { ولاتكرهوا فتياتكم } اى ماءكم فان كلا من الفتى والفتاة كناية مشهوره عن البعد والامة وباعتبار المفهوم الاصلى وهو ان الفتى الطرى من الشباب ظهر مزيد مناسبة الفتيات لقوله تعالى { على البغاء } وهو الزنى من حيث صدوره عن الشواب لانهن اللاتى يتوقع منهن ذلك غالبا دون من عداهن من العجائز والصغائر يقال بغت المرأة بغاء اذا فجرت وذلك لتجاوزها الى ما ليس لها ثم الاكراه انما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضى تلف النفس او تلف العضو واما اليسير من التخويف فلا تصير مكرهة { ان اردن تحصنا } تعففا اى جعلن انفسهن فى عفة كالحصن وهذا ليس لتخصيص النهى بصورة ارادتهن التعفف عن الزنى واخراج ماعداها من حكمه بل للمحافظة على عادتهم المستمرة حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه وكان لعبد الله بن ابىّ ست جار جميلة يكرههن على الزنى وضرب عليهن ضرائب جمع ضريبة وهى الغلة المضروبة على العبد والجزية فشكت اثنتان الى رسول الله وهما معاذة ومسيكة فنزلت وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ماكانوا يفعلونه من القبائح مالا يخفى فان من له ادنى مروءة لايكاد يرضى بفجور من يحويه من امائه فضلا عن امرهن او اكراههن عليه لاسيما عند ارادتهن التعفف وايثار كلمة ان على اذ تحقق الارادة فى مورد النص حتما للايذان بوجوب الانتهاء عن الاكراه عند كون ارادة التحصن فى حيز التردد والشك فكيف اذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } قيد للاكراه والعرض ما لايكون له ثبوت ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له قائما بالجوهر كاللون والطعم وقيل الدنيا عرض حاضر تنبيها على ان لا ثبات لها والمعنى لا تفعلوا ما انتم عليه من اكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال من كسبهن وبين اولادهن ، قال الكاشفى [ در تبيان آورده كه زانى بودى كه صد شتر ازبراى فرزندى كه ازمزنى بها داشت بدادى ] { ومن } [ هركه ] { يكرههن } على ماذكر من البغاء { فان الله من بعند اكراههن } اى كونهن مكرهات على ان الاكراه مصدر من المبنى للمفعول { غفور رحيم } اى لهن وتوسيط الاكراه بين اسم ان وخبرها للايذان بان ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة ، وفيه دلالة على ان المكرهين محرومون منهما بالكلية وحاجتهن الى المغفرة المنبئة عن سابقة الاثم باعتبار انهن وان كن مكرهات لا يخلون من تضاعيف الزنى عن شائبة مطاوعة بحكم الجبلة البشرية ، وفى الكواشى المغفرة ههنا عدم الاثم لانها لا اثم عليها اذا اكرهت على الزنى بقتل او ضرب مفض الى التلف او تلف العضو واما الرجال فلا يحل له الزنى وان اكره عليه لان الفعل من جهته ولا يتأتى الا بعزيمة منه فيه فكان كالقتل بغير حق لايبيحه الاكراه بحال انتهى .
وفى الآيتين الكريمتين اشارتان ، الاولى ان بعض الصلحاء الذين لم يبلغوا مراتب ذوى الهمم العلية فى طلب الله ولكن ملكت ايمانهم نفوسهم الامارة بالسوء فيريدون كتابتها من عذاب الله وعتقها من النار بالتوبة والاعمال الصالحة فكاتبوهم هى توّبوهم ان تفرستم فيهم آثار الصدق وصحة الوفاء على ما عاهدوا الله عليه فانه لايلزم التلقين لكل من يطلبه وانما يلزم لاهل الوفاء وهم انما يعرفون بالفراسة القوية التى اعطاها الله لاهل اليقين وآتوهم من قوة الولاية والنصح فى الدين الذى اعطاكم الله فان لكل شىء زكاة وزكاة الولاية العلم والمعرفة والنصيحة للمستنصحين والارشاد للطالبين والتعاون على البر والتقوى والرفق بالمتقين وكما ان المال ينتقض بل يزول ويفنى بمنع الزكاة فكذا الحال يغيب عن صاحبه بمنع الفقراء المسترشدين عن الباب ألا ترى ان السلطنة الظاهرة انما هى لاقامة المصالح واعانة المسلمين فكذا السلطنة الباطنة (9/133)
وللارض من كأس الكرام نصيب ... والثانية ان النفوس المتمردة اذا اردن التحصن بالتوبة والعبودية بتوفيق الله وكرمه فلا ينبغى اكراهها على الفساد طلبا للشهوات النفسانية ، واعلم ان من لم يتصل نسبه المعنوى بواحد من اهل النفس الرحمانى وادعى لنفسه الكمال والتكميل فهو زان فى الحقيقة ومن هو تحت تربيته هالك لانه ولد الزنى وربما رأيت من يكره بعض اهل الطلب على التردد لباب اهل الدعوى ويصرفه عن باب اهل الحق عنادا وغرضا ومرضا واتباعا لهواه فهو انما يكرهه على الزنى لانه بملازمة باب اهل الباطل يصير المرء هالكا كولد الزنى اذ يفسد استعداده فساد البيضة نسأل الله تعالى ان يحفظنا من كيد الكفارين ومكر الماكرين .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)
{ ولقد انزلنا اليكم آيات مبينات } اى وبالله لقد انزلنا اليكم فى هذه السورة الكريمة آيات مبينات لكل مابكم حاجة الى بيانه من الحدود وسائر الاحكام والآداب والتبيين فى الحقيقة لله تعالى واسناده الى الآيات مجازى { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } اى وانزلنا مثلا كائنا من قبيل امثال الذين مضوا من قبلكم من القصص العجيبة والامثال المضروبة لهم فى الكتب السابقة والكلمات الجارية على ألسنة الانبياء فتنتظم قصة عائشة الحاكية لقصة يوسف وقصة مريم فى الغرابة وسائر الامثال الواردة انتظاما واضحا فان فى قصتهما ذكر تهمة من هو بريىء مما اتهم به فيوسف اتهمته زليخا ومريم اتهمها اليهود مع براءتهما { وموعظة } تتعظون بها وتنزجرون عما لا ينبغى من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب ومدار العطف هو التغاير العنوانى المنزل منزلة التغاير الذاتى { للمتقين } وتخصيصهم مع شمول الموعظة للكل حسب شمول الانزال لانهم المنتفعون . (9/134)
وفى التأويلات النجمية اى ليتعظ من يريد الاتقاء عما اصاب المتقدمين فان السعيد من وعظ بغيره : قال الشيخ سعدى قدس سره
نرود مرغ سوى دانه فراز ... جون دكرمرغ بيند اندر بند
بند كير از مصائب دكران ... تانكيرند ديكران ز توبند
روى عن الشعبى انه قال خرج اسد وذئب وثعلب يتصيدون فاصطادوا حمار وحشى وغزالا وارنبا فقال الاسد للذئب اقسم فقال الحمار الوحشى للملك والغزال لى والارنب للثعلب قال فرفع الاسد يده وضرب رأس الذب ضربة فاذا هو متجندل بين يدى الاسد ثم قال للثعلب اقسم هذه بيننا فقال الحمار يتغدى به الملك والغزال يتعشى به والارنب بين ذلك فقال الاسد ويحك ما اقضاك من علمك هذا القضاء فقال القضاء الذى نزل رأس الذئب ويقال الموعظة هى التى تلين القلوب القاسية وتسيل العيون اليابسه وهى من صفات القرآن عند من يلقى السمع وهو شهيد وفى الحديث « ان هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد » قيل وما جلاؤها قال « تلاوة القرآن وذكر الله تعالى » فعلى العاقل ان يستمع الى القرآن ويتعظ بمواعظة ويقبل الى قبول ما فيه من الاوامر والى العمل بما يحويه من البواطن والظواهر
مهترى در قبول فرمانست ... ترك فرمان دليل حرمانست
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
{ الله نور السموات والارض } ، قال الامام الغزالى قدس سره فى شرح الاسم النور هو الظاهر الذى به كل ظهور فان الظاهر فى نفسه المظهر لغيره يسمى نورا ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور لا محالة للوجود ولا ظلام اظلم من العدم فالبريى من ظلمة العدم الى ظهور الوجود جدير بان يسمى نورا والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور ذاته فهو نور السموات والارض فكما انه لاذرة من نور الشمس الا وهى دالة على وجود الشمس النيرة فلاذرة من وجود السموات والارض ومابينهما الا وهى بجواز وجودها دالة على وجوب وجود موجدها انتهى ويوافقه النجم فى التأويلات حيث قال { الله نور السموات والارض } اى مظهرهما من العدم الى الوجود فان معنى النور فى اللغة الضياء وهو الذي يبين الاشياء ويظهرها للابصار انتهى نقوله تعالى { الله نور السموات والارض } من باب التشبيه البليغ اى كالنور بالنسبة اليهما من حيث كونه مظهرا لهما اى موجدا فان اصل الظهور وهو الظهور من العدم الى الوجود فان الاعيان الثابتة فى علم الله تعالى خفية فى ظلم العدم وانما تظهر بتأثير قدرة الله تعالى كما فى حواشى ابن الشيخ ، يقول الفقير لاحاجة الى اعتبار التشبيه البليغ فان النور من الاسماء الحسنى واطلاقه على الله حقيقى لامجازى فهو بمعنى المنور ههنا فان تعالى نور الماهيات المعدومة بانوار الوجود واظهارها من كتم العدم بفيض الجود كما قال عليه السلام « ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره » فخلق ههنا بمعنى التقدير فان التقدير سابق على الايجاد ورش النور كناية عن افاضة الوجود على الممكنات والممكن يوصف بالظلمة فانه يتنور بالوجود فتنويره اظهاره ، واعلم ان النور على اربعة اوجه . اولها نور يظهر الاشياء للابصار وهو لا يراها كنور الشمس وامثالها فهو يظهر الاشياء المخفية فى الظلمة ولايراها . وثانيها نور البصر وهو يظهر الاشياء للابصار ولكنه يراها وهذا النور اشرف من الاول . وثالثها نور العقل وهو يظهر الاشياء المعقولة المخفية فى ظلمة الجهر للبصائر وهو يدركها ويراها . ورابعها نور الحق تعالى وهو يظهر الاشياء المعدومة المخفية فى العدم للابصار والبصائر من الملك والملكوت وهو يراها فى الوجود كما كان يراها فى العدم لانها كانت موجودة فى علم الله وان كانت معدومة فى ذواتها فما تغير علم الله ورؤيته باظهارها فى الوجود بل كانت التغير راجعا الى ذوات الاشياء وصفاتها عند الايجاد والتكوين فتحقيق قوله تعالى { الله نور السموات والارض } مظهرما ومبديهما وموجدهما من العدم بكمال القدرة الازلية (9/135)
در ظلمت عدم همه بوديم بى خبر ... نور وجود سر شهود از تو يافتيم
قال بعض الكبار [ در زمان ظلمت هيجكس ساكن ازمتحرك نشناسد وعلو ازسفل تمييز نكنند وقبيح را ازصبيح باز نداند وجون رايت نور ظهور نمود خيل ظلام روى بانهزام آرند ووجودات وكيفيات ظاهر كردد وصفو از كدر وعرض ازجوهر متميزشود مدركة انسانية داندكه استفاده اين دانش وتميز بنور كرده اما در ادراك نور متحير باشدجه داندكه عالم ازنور مملو است واومخفى ظاهر بدلالات وباطن بالذات بس حق سبحانه وتعالى كه مابدو دولت ادراك يافته ايم وبمربتة تميز اشيا رسيده سزاوار آن باشد كه آنرا نور كويند (9/136)
همه عالم بنور اوست بيدا ... كجا او كرد از عالم هويدا
زهى نادانكه اوخروشيد تابان ... بنور شمع جويد در بيابان
در تبيان آورده كه مدلول السموات والارض جه هو دليلى از دلائل قدرت وبدائع حكمت كه در دو اثر سبهر برين ومراكز زمين واقعست دلالتى واضح دارد بروجود قدرت وبدائع حكمت او ]
ففى كل شىء له آية ... تدل على انه واحد
وجود جمله اشيا دليل قدرت او ... وقال سلطان المفسرين ابن عباس رضى الله عنهما اى هادى اهل السموات والارض فهم بنوره تعالى يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة ينجون : يعنى [ بهدايت او بهستىء خود راه بردند وبارشاد او مصالح دين ودنيا بشناسند ] ولما وصلوا الى نور الهداية يتوفيقه تعالى سمى نفسه باسم النور جريا على مذهب العرب فان العرب قد تسمى الشىء الذى من الشىء باسمه كما يسمى المطر سحابا لانه يخرج منه ويصحل به فلما حصل نور الايمان والهداية بتوفيقه سماه بذلك الاسم ويجوز ان يعبر عن النور بالهداية وعن الهداية بالنور لما يحصل احدهما من الآخر قال الله تعالى { وبالنجم هم يهتدون } لما اهتدوا بنور النجم جعل النجم كالهادى لهم وجعلهم من المهتدين بنوره وعلى هذا سمى القرآن نورا والتوراة نورا بمعنى الاهتداء بهما كما فى الاسئلة المقحمة فعلى هذا شبهت الهداية بالنور فى كونها سببا للوصول الى المطلوب فاطلق اسم النور عليها على سبيل الاستعارة ثم اطلق النور بمعنى الهداية عليه تعالى على طريق رجل عدل ، وقال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره خطر ببالى على وجه الكشف ان النور فى قوله تعالى { الله نور السموات والارض } بمعنى العلم وهو بمعنى العالم من باب رجل عدل ووجه المناسبة بينهما انه تنكشف بالنور المحسوسات وبالعلم تنكشف المعقولات بل جميع الامور كذا فى الواقعات المحمودية ويقال انه منور السموات بالشمس والقمر والكواكب والارض بالانبياء والعلماء والعباد ، وقال عرائس البيان اراد بالسموات والارض صورة المؤمن رأسه السموات وبدنه الارض وهو تعالى بجلالة قدره نور السموات والارض اذ زين الرأس بنور السمع والبصر والشم والذوق والبيان فى اللسان فنور العين كنور الشمس والقمر ونور الاذن كنور الزهرة والمشترى ونور الانف كنور المريخ وزخل ونور اللسان كنور عطارد وهذه السيارات النيرات تسرى فى بروج الرأس ونور ارض البدن الجوارج والاعضاء والعضلات واللحم والدم والشعرات وعظامها الجبال [ امام زاهد فرموده كه خدايرا نورتوان كفت ولى روشنى نتوان كفت جه روشنى ضد تاربكست وخداى تعالى آفريد كار هردوضداست ] فالنور الذى بمقابلة الظلمة حادث لان ما كان بمقابلة الحادث حادث فمعنى كونه تعالى نورا هو انه مبدأ هذا النور المقابل بالظلمة ثم ان اضافة النور الى السموات والارض مع ان كونه تعالى نورا ليس بالاضافة اليهما فقط للدلالة على سعة اشراقه فانهما مثلان فى السعة قال تعالى
{ وجنة عرضها السموات والارض } ويجوز ان يقال قد يراد بالسموات والارض العالم باسره كما يراد بالمهاجرين والانصار جميع الصحابة كما فى حواشى سعدى المفتى ونظيره قوله تعالى ف يالحديث القدسى خطابا للنبى عليه السلام « لولاك لما خلقت الافلاك » اى العوالم باسرها لكنه خصص الافلاك بالذكر لعظمها وكونها بحيث يراها كل من هو من اهل النظر وهو اللائح بالبال والله الهادى الى حقيقة الحال { مثل نوره } اى نوره الفائض منه تعالى على الاشياء المستنيرة وهو القرآن المبين كما فى الارشاد فهو تمثيل له فى جلاء مدلوله وظهرو ما تضمنه من الهدى بالمشكاة المنعوتة والمراد بالمثل الصفة العجيبة اى صفة نوره العجيب واضافته الى ضميره تعالى دليل على ان اطلاقه عليه لم يكن على ظاهره كما فى انوار التنزيل { كمشكاة } اى سفة كوة غير نافذة فى الجدار فى الانارة وهى بلغة الحبشة : والفارسية [ مانندروزنه ايست درديوارى كه او بخارج راه ندارد جون طاقى ] { فيها مصباح } اى قنديل من الزجاج الصافى الازهر وفائدة جعل المصباح فى زجاجة والزجاجة فى كوة غير نافذة شدة الاضاءة لان المكان كلما تضائق كان اجمع للضوء بخلاف الواسع فالضوء ينتشر فيه وخص الزجاج لانه احكى الجواهر لما فيه { الزجاجة كأنها كوكب درى } متلألىْ وقاد شبيه بالدر فى صفائه وزهرته كالمشترى والزهرة والمريخ ودرارى الكواكب عظامها المشهورة ومحل الجملة الاولى على انها صفة لزجاجة او للام مغنية عن الرابض كأنه قيل فيها مصباح هو فى زجاجة هى كأنها كوكب درى وفى اعادة المصباح والزجاجة معرفين اثر سبقهما منكرين والاخبار عنهما بما بعدهما مع انتظام الكلام بان يقال كمشكاة فيها مصباح فى زجاجة كأنها كوكب درى من تفخيم شأنها بالتفسير بعد الابهام ما لايخفى { يوقد من شجرة } اى يبتدأ ايقاد المصباح من زيت شجرة { مباركة } اى كثيرة المنافع لان الزيت يسرج به وهو ادام ودهان ودباغ ويوقد بحطب الزيتون وبثقله ورماده يغسل به الابريسم ولا يحتاج فى استخراج دهنه الى عصار وفيه زيادة الاشراق وقلة الدخان وهو مصحة من الباسور { زيتونة } بدل من شجرة « وبالفارسية [ كه آن زيتونست كه هفتاد بيغمبر بدو دعا كرده ببركت وازجملة ابراهيم خليل عليه السلام ] وخصها من بين سائر الاشجار لان دهنها اضوء واصفى ، قال فى انسان العيونشجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة { لاشرقية ولاغربية } اى لاشرقية تطلع عليها الشمس فى وقت شروقها فقط ولاغربية تقع عليها حين غروبها فقط بل بحيث تقع عليها طول النهار فلا يسترها عن الشمس فى وقت من النهار شىء كالتى على قلة او صحراء فتكون ثمرتها انضج وزيتها اصفى اولا فى مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ولافى مفيأة تغيب عنها دائما فتتركها نيئا اولا نابتة فى شرق المعمورة نحو كنكدر وديار الصين وخطا ولا فى غربها نحو طنجة وطرابلس وديار قيروان بل فى وسطها وهو الشام فان زيتونه اجود الزيتون او فى خط الاستواء بين المشرق والمغرب وهى قبة الارض فلاتوصف باحد منهما فلا يصل اليها حر وبرد مضرين وقبة الارض وسط الارض عامرها وخرابها وهو مكان تعتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ويستوى الليل والنهار فيه ابدا لايزيد احدهما على الآخر اى يكون كل منهما اثنتى عشرة ساعة [ حسن بصرى رحمه الله فرموده كه اصل اين شجره ازبهشت بدنيا آورده اند بس از اشجار اين عالم نيست كه وصف شرقى وغربى برو تواند كرد ] { يكاد زيتها يضيء } [ روشنى دهد ] { ولو لم تمسسه نار } [ واكرجه نرسيده باشد بوى آتشى يعنى درخشندكى بمثابه ايست بى آتش روشنايى بخشد ] اى هو فى الصفاء والاناره بحيث يكاد يضيء المكان بنفسه من غير مساس نار اصلا وتقدير الآية يكاد زيتها يضيء لو مسته نار ولو لم تمسه نار اى يضيء كائنا على كل حال من وجود الشرط وعدمه فالجملة حالية جيء بها لاستقصاء الاحوال حتى فى هذه الحال { نور } خبر مبتدأ محذوف اى ذلك النور الذى عبر به عن القرآن مثلت صفته العجيبة الشأن بما فصل من صفة المشكاة نور كائن { على نور } كذلك اى نور متضاعف فان نور المصباح زاد فى انارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لاشعته فليس عبارة عن مجموع نورين اثنين فقط بل المراد به التكثير كما يقال فلان يضع درهما على درهم لا يراد به درهمان { يهدى الله لنوره } اى يهدى هداية خاصة موصلة الى المطلوب حتما لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن { من يشاء } هدايته من عباده بان يوفقهم لفهم مافيه من دلائل حقيته وكونه من عند الله من الاعاجز والاخبار عن الغيب وغير ذلك من موجبات الايمان وهذا من قبيل الهداية الخاصة ولذا قال من يشاء ففيه ايذان بان مناطط هذه الهداية وملاكها ليس الا مشيئته وان تظاهر الاسباب بدونها بمعزل من الافضاء الى المطالب (9/137)
قرب تو باسباب وعلل نتوان يافت ... بى سابقه فضل ازل نتوان يافت (9/138)
{ ويضرب الله الامثال للناس } اى بينهما تقريبا الى الافهام وتسهيلا لسبل الادراك : يعنى [ معقولات را در صورت محسوسات بيان ميكند براى مردم تازود در يابند ومقصود سخن بر ايشان كردد ] وهذا من قبيل الهداية العامة ولذا قال للناس { والله بكل شىء عليم } من ضرب الامثال وغيره من دقائق المعقولات والمحسوسات حقائق الجليات والخفيات ، قالوا اذا كان مثلا القرآن فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحى وهى لا مخلوقة ولا مختلقة [ نزديكست كه هنوز قرآن ناخوانده دلائل وحجج او برهمكنان واضح شود بس جودبر آن قراءت كند { نور على نور } باشد ] ، فان قبل لم شبهه بذلك وقد علمنا ان ضوء الشمس ابلغ من ذلك بكثير اجيب بانه سبحانه اراد ان يصف الضوء الكامل الذى يلوح فى وسط الظلمة لان الغالب على اوهام الخلق وخيالاتهم انما هى الشبهات التى هى كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذى يظهر فيما بين الظلمات وهذا المقصود لا يحصل من تشبيهه بضوء الشمس لان ضوءها اذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص واذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق ، وقال بعضهم [ مراد نور ايمانست حق سبحانه وتعالى تشبيه كرد سينه مؤمن را بمشكاة ودل را درسينه بقنديل زجاجه درمشكاة وايمانرا بجراغى افورخته در قنديل وقنديل بكوكبى درخشنده ولكمه اخلاص بشجره مباركة ازتاب آفتاب خوف وخلال نوال رجا بهره دارد نونزديكست كه فيض كلمه بى آنكه بزبان مؤمن كذرد علام را منور كند جون اقرار بآن برزبان جارى شده وتصديق جنان بآن ياركشته { نور على نور } بظهور رسيد ] وشبه بالزجاج دون سائر الجواهر لاختصاص الزجاج بالصفاء يتعدى النور من ظاهره الى باطنه وبالعكس وكذلك نور الايمان يتعدى من قلب المؤمن الى سائر الجوارح والاعضاء وايضا ان الزجاج سريع الانكسار بادنى آفة تصيبه فكذا القلب سريع الفساد بادنى آفة تخل فيه [ وكفته اند آن نور معرقت اسرار الهيست يعنى جراغ معرفت دوزجاجه دل غارف ومشكاة سينه او افروخته است از بركت زيت تلقين شجره مبارك حضرت محمدى عليه السلام نه شرقيست ونه غربى بلكه مكبست ومكه مباركة سره علام وازفرا كرفتن عارف آن اسراررا ازتعليم آن سيد ابرار { نور على نور } معلوم توان كرد ] وانما شبه المعرفة بالمصباح وه سريع الانطفاء وقلب المؤمن بالزجاج وهو سريع الانكسار ولم يشبهها بالشمس التى لا تطفىء ولا قلب المؤمن بالاشياء الصلبة التى لاتنكسر تنبيها على انه على خطر وجدير بحذر كما فى التيسير [ در ورح الارواح آورده كه آن نور حضرت محمد يست عليه السلام مشكاة آدم باشد وزجاجه نوح زيتون ابراهيم كه نه يهوديه مائل است جون يهود غرب را قبله ساختند ونه نصرانية جون نصارى روى بشرق آورده اند ومصباح خضرت رسالتست عليه السلام يا مشكاة ابراهيم است وزجاجة دل صافى مطهر او مصباح عام كامل او شجره خلق شامل او كه نه در جانب خلود افراط است ونه در طرف تقصير وتفريط بلكه طريق اعتدال كه « خير الامور اوسطها » واقع شده وصراط سوى عبارت از آنست . (9/139)
ودر عين المعانى فرموده كه نور محبت حبيب بانور خلت خليل نور على نور است ] (9/140)
بدر نور بسر نوريست مشهور ... ازينجافهم كن نور على نور
قال القشيرى { نور على نور } نور اكتسبوه بجهدهم ونظرهم واستدلالهم ونور وجدوه بفضل الله بافعالهم واقوالهم قال تعالى { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } وفى التأويلات النجمية هذا مثل ضربه الله تعالى للخلق تعريفا لذاته وصفاته فلكل طائفة من عوام الخلق وخواصهم اختصاص بالمعرفة من فهم الخطاب على حسب مقاماتهم وحسن استعدادهم فما العوام فاختصاصهم بالمعرفة فى رؤية شواهد الحق وآياته بار انه اياهم فى الآفاق واما الخواص فاختصاصهم بالمعرفة فى مشاهدة انوار صفات الله تعالى واذاته تبارك وتعالى باراءته فى انفسهم عند التجلى لهم بذاته وصفاته كما قال تعالى فى الطائفتين { سنريهم آياتنا فى الآفاق } اى لعوامهم { وفى انفسهم } اى لخواصهم { حتى يتبين لهم انه الحق } فكل طائفة بحسب ماقمهم تخطى من المعرفة فاما حظ العوام من رؤية شواهد الحق وآياته فى الآفاق باراءة الحق فبان يرزقهم فهما ونظرا فى معنى الخطاب ليتفكروا فى خلق السموات والارض ان صروتها وهى علام الاجسام هى المشكاة والزجاجة فيها هى العرش والمصباح الذى هو عمود القنديل الذى يجعل فيه الفتيلة فهى بمثابة الكرسى من العرش وزجاجة العرش { كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة } وهى شجرة الملكوت وهو باطن السموات والارض ومعناهما { لاشرقية } اى ليست من شرق الازق والقدم كذات الله وصفاته { ولاغربية } اى ليست من غرب الفناء والعدم كعالم الاجسام وصورة العالم بل هى مخلوقة ابدية لايعتريها الفناء { يكاد زيتها } وهو عالم الارواح { يضيء } اى يظهر من العد فى عالم الصور المتولدات بازدواج الغيب والشهادة طبعا وخاصية كما توهمه الدهرية والطبائعية عليم لعنات الله تترى { ولو لم تمسسه نار } نار القدرة الالهية { نور على نور } اى نور الصفة الرحمانية على نور اى باستوائه على نور العرش فينقسم نور الصفة الحرمانية من العرش الى السموات والارض فيتولد منه متولدات ما فى السموات والارض بالقدرة الآلهية على وفق الحكمة والارادة القديمة فلهذا قال تعالى { ان كل من فى السموات والارض الا آتى الرحمن عبدا } فافهم جدام ، واما حظ الخواص فى مشاهدة انوار صفات الله تعالى وذاته باراءة الحق فى انفسهم فانما يتعلق بالسير فيها لان الله تعالى خلق نفس الانسان مرآة قابلة لشهود ذاته وجميع صفاته اذا كانت صافية عن صدأ الصفات الذميمة والاخلاق الرديئة مصقولة بمصقلة كلمة لا اله الا الله لينتفى بنفى لا اله تعلقها عما سوى الله ويثبت باثبات الا الله فيها نور جمال الله وجلاله فيرى بنور الله الجسد كالمشكاة والقلب كالزجاجة والسر كالمصباح { والزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة } وهى شجرة الروحانية { لاشرقية } اى لا قديمة ازلية { ولاغربية } اى لافانية تغرب فى سماء الوجود فى غين العدم { يكاد زيتهام } وهو الروح الانسانى { يضيء } بنور العقل الذى هو ضوء الروح وصفاؤه اى يكاد زيت الروح ان يعرف الله تعالى بنور العقل { ولو لم تمسسه نار } اى نار نور الالهية فابت عظمة جلال الله وعزة كبريائه ان تدرك بالعقول الموسومة بوصمة الحدوث الا ان يتجلى نور القدم لنور العقل الخارج من العدم كما قال تعالى { نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء } اى ينور مصباح سر من يشاء بنور القدم فتتنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد ويخرج اشعتها من روزنة الحواس فاستضاءت ارض البشرية
{ واشرقت الارض بنور ربها } وتحقق حنيئذ مقام ( كنت له سمعا وبصرا ) الحديث ، وفيه اشارة الى ان نور العقل مخصوص بالانسان مطلقا ولا سبيل له بالوصول الى نور الله فهو مخصوص بهدية الله اليه فضلا وكرما لا يتطرق اليه كسب العباد وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء { ويضرب الله الامثال للناس } اى للناسين عهود ايام الوصال بلاهم فى ازل الآزال { والله بكل شىء عليم } فى حالات وجود الاشياء وعدمها بغير التغير فى ذاته وصفاته انتهى كلام التأويلات ، قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره ، اعلم ان النور الحقيقى يدرك به وهو لايدرك لانه عين ذات الحق من حيث تجردها عن النسب والاضافات ولهذا سئل النبى عليه السلام هل رأيت ربك قال « نورانى اراه » اى النور المجرد لايمكن رؤيته وكذا اشار الحق فى كتابه لما ذكر ظهور نوره فى مراتب المظاهر قال { الله نور السموات والرض } فلما فرغ من ذكر مراتب التمثيل قال { نور على نور } فاحد النورين هو الضياء والآخر هو النور المطلق الاصلى ولهذا تمم فقال { يهدى الله لنور من يشاء } اى يهدى الله بنوره المتعين فى المظاهر والسارى فيها الى نوره المطلق الاحدى انتهى كلامه فى الفكوك ، وقال فى تفسير الفاتحة فالعالم بمجموع صوره المحسوسة وحقائقه الغيبية المعقولة اشعة نور الحق وقد اخبر الحق انه نور السموات والارض ثم ذكر الامثلة والتفاصيل المتعينة بالمظاهر على نحو ما تقتضيه مرآتها ثم قال فى آخر الآية { نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء } فاضاف النور الى نفسه مع انه عين النور وجعل نوره المضاف الى العالم الاعلى والاسفل هدايا الى معرفة نوره المطلق ودالا عليه كما جعل المصباح والمشكاة والشجرة وغيرها من الامثال هاديا الى نوره المقيد وتجلياته المتعينة فى مراتب مظاهره وعرّف ايضا على لسان نبيه عليه السلام انه النور وان حجابه النور انتهى باجمال ، قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه قوله { نور على نور } النور الاول هو النور الاضافى المنبسط على سموات الاسماء وارض الاشياء والنور الثانى هو النور الحقيقى المستغنى عن سموات الاسماء وارض الاشياء والنور الاضافى دليل دال على النور الحقيقى والدليل ظاهر النور المطلق والمدلول باطنه وفى التحقيق الاتم هو دليل على نفسه لا يعرف الله الا الله سبحانه . (9/141)
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36)
{ فى بيوت } متعلق بالفعل المذكور بعده وهو يسبح ، قال فى المفردات اصل البيت مأوى الانسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه وجمعه ابيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن اخص والابيات بالشعر ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر ومن صوف ووبر وبه شبه بيت الشعر وعبر عن مكان الشىء بانه بيته والمراد بالبيوت المساجد كلها لقول ابن عباس رضى الله عنهما المساجد بيوت الله فى الارض تضيء لاهل السماء كما تضيء النجوم فى الارض { اذن الله } الاذن فى الشىء اعلام باجازته والرخصة فيه { ان ترفع } بالبناء او التعظيم ورفع القدر : يعنى [ آنرا رفيع قدر وبزرك مرتبه دانند ] ، قال الامام الراغب الرفع يقال تارة فى الاجسام الموضوعة اذا عليتها عن مقرها نحو قوله تعالى { ورفعنا فوكم الطور } وتارة فى البناء اذا طولته نحو قوله تعالى { واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت } وتارة فى الذكر اذا نوهته نحو قوله تعالى { ورفعنا لك ذكرك } وتارة فى المنزلة اذا شرفتها نحو قوله تعالى { ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات } { ويذكر فيها اسمه } اسم الله تعالى ما يصح ان يطلق عليه بالنظر الى ذاته او باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس او الثبوتية كالعليم او باعتبار فعل من افعاله كالخالق لكنها توقيفيه عند بعض العلماء وهو عام فى كل ذكر توحيدا كان او تلاوة قرآن او مذاكرة علوم شرعية او اذانا او اقامة او نحوها : يعنى [ در آنجا بذكر ونماز اشتغال بايد نمود وازسخن دنيا وكلام مالا يعنى براحتراز بايد بود ] وفى الاثر « الحديث فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البيهمة الحشيش » { يسبح له فيها } فيها تكرير لقوله فى بيوت للتأكيد والتذكير لما بينهما من الفاصلة وللايذان بان التقديم للاهتمام لا لقصر التسبيح على الوقوع فى البيوت فقط والتسبيح تنزيه الله واصله المرّ السريع فى عبادة الله فان السبح المرّ السريع فى الماء او فى الهواء يستعمل باللام وبدونها ايضا وجعل عاما فى العبادات قولا كان او فعلا او نية اريد به ههنا الصلوات المفروضة كما ينبىء عنه تعيين الاوقات بقوله تعالى { بالغدو والآصال } اى بالغدوات والعشيات فالمراد بالغدو وقت صلاة الفجر المؤداة بالغداة وبالآصال ماعداه من اوقات صلوات الظهر والعصر والعشائين لان الاصل يجمعها ويشملها كما فى الكواشى وغيره . والغدو مصدر يقال غدا يغدو غدوا اى دخل فى وقت الغدوة وهى ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والمصدر لا يقع فيه الفعل فاطلق على الوقت حسبما يشعر اقترانه بالآصال جمع اصيل وهو العشى اى من زوال الشمس الى طلوع الفجر . (9/142)
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)
{ رجال } فاعل يسبح { لا تلهيهم } لا تشغلهم من غاية الاستغراق فى مقام الشهود يقال الهاه عن كذا اذا شغله عما هو أهم { تجارة } التجارة صفة التاجر من بيع وشراء والتاجر الذى يبيع ويشترى ، قال فى المفردات التجارة الصترف فى رأس المال طالبا للربح وليس فى كلامهم تاء بعدها جيم غير هذه اللفظة وتخصيص التجارة لكونها اقوى الصوارف عندهم واشهرها اى لا يشغلهم نوع من انواع التجارة { ولا بيع } البيع اعطاء الثمن واخذ الثمن والشراء اعطاء الثمن واخذ الثمن اى ولافرد من افراد البياعات وان كان فى غاية الربح وافراده بالذكر مع اندراجه تحت التجارة لكونه اهم من قسمى التجارة فان الريح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء اى ربح الشراء متقوع فى ثانى الحال عند البيع فلم يكن ناجزا كربح البيع فاذا لم يلههم المقطوع فالمظنون اولى { وعن ذكر الله } بالتسبيح والتمجيد { واقام الصلوة } اى اقامتها بمواقيتها من غير تأخير وقد اسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالاعلال وعوض عنها الاضافة ، قال ابن الشيخ اقامة الصلاة اتمامها برعاية جميع ما اعتبره الشرع من الاركان والشرائط السنن والآداب فمن تساهل فى شىء منها لا يكون مقيما لها { وايتاء الزكوة } اى المال الذى فرض اخراجه للمستحقين وايراده ههنا وان لم يكن مما يفعل فى البيوت لكونه قرين اقامة الصلاة لا يفارقها فى عامة المواضع { يخافون } صفة ثانية للرجال والخوف توقع مكروه عن امارة مظنونة او معلومة كما ان الرجاء والطمع توقع محبوب عن امارة مظنونة او معلومة وايضاد الخوف الامن . والمعنى بالفارسية [ مى ترسند اين مردمان باودود جنين توجه واستغراق ] { يوما } مفعول ليخافون لا ظرف ولمراد يوم القيامة اى من اليوم الذى { تتقلب فيه القلوب والابصار } صفة ليوما والتقلب التصرف والتغير من حال الى حال وقلب الانسان سمى به لكثرة تقلبه من وجه الى وجه والبصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التى فيها . والمعنى تضطرب وتتغير فى انفسها وتنتقل عن اماكنها من الهول والفزع فتنقلب القلوب فى الجوف وترتفع الى الحنجرة ولا تنزل ولا تخرج كا قال تعالى { وبلغت القلوب الحناجر } وتقلب الابصار شخوصها كما قال تعالى { ليوم تشخص فيه الابصار } وذا زاغت الابصار او تتقلب القلوب بين توقع النجاة وخوف الهلاك والابصار من أى ناحية يؤخذ بهم ومن أى جهة يأتى كتابهم . (9/143)
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)
{ ليجزيهم الله } متعلق بمحذوف يدل عليه ماحكى من اعمالهم المرضية اى يفعلون ما يفعلون من المداومة على التسبيح والذكر واقامة الصلاة وايتاء الزكاة والخوف من غير صارف لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شر فشر والاجر خاص بالمثوبة الحسنى كما فى المفردات { احسن ما علموا } اى احسن جزاء اعمالهم حسبما وعد لهم بمقابلة حسنة واحدة عشرة امثالها الى سبعمائة ضعف { ويزيدهم من فضله } اشياء لم يعدهم بها على اعمالهم ولم تخطر ببالهم وهوالعطاء الخاص لا العمل { والله يرزق من يشاء بغير حساب } تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الاحسان . والرزق العطاء الجارى والحساب استعمال العدد اى يفيض ويعطى من يشاء ثوابا لايدخل تحت حساب الخلق ، قال كثير من الصحابة رضى الله عنهم نزلت هذه الآية فى اهل الاسواق الذين اذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا اليها اى لا فى اصحاب الصفة وامثالهم الذين تركوا التجارة ولزموا المسجد فانه تعالى قال { وايتاء الزكوة } واصحاب الصفة وامثالهم لم يكن عليهم الزكاة قال الامام الراغب قوله تعالى { لاتلهيهم } الآية ليس ذلك نهيا عن التجارة وكراهية لها بلى نهى عن التهافت والاشتغال عن الصلوات والعبادات بها انتهى [ آورده اندكه مالك حسين كه والىء هرات بود ازحضرت قطب الاقطاب خواجه بهاء الحق الدين محمد نقشبند قدس سره برسيد كه در طريقه شما ذكر جهر وخلوت وسماع مى باشد فرمودندكه نمى باشد بس كفت ببناى طريقت شما برجيست فرمودندكه « خلوات درانجمن بظاهر باخلق وبباطن باحق » ] (9/144)
ازدورن شوآشنا وازبرون بياكنه وش ... انيجنين زيبا روش كم مى بود اندر جهان
آنجه حق سبحانه وتعالى فرمايدكه { رجال لاتلهيهم تجارة } الآية اشارت بدين مقامست
سر رشته دولت اى برادر بكف آرا ... وين عمر كرامى بخسارت مكذار
دائم همه جا باهمه كس درهمه كار ... ميدار نهفت جشم دل جانب يار
قال فى الاسئلة المقحمة كيف خص الرجال بالمدح والثناء دون النساء فالجواب لانه لاجمعة على النساء ولا جماعة فى المساجد ، قال بعضهم من اسقط عن سره ذكر مالم يكن فكان يسمى رجلا حقيقة ومن شغله عن ربه ذلك شىء فليس من الرجال المتحققين .
وفى التأويلات النجمية وانما سماهم رجالا لانه لا تتصرف فيهم تجارة وهى كناية عن النجاة من دركات النيران كما قال تعالى { هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم } ولا بيع كناية عن الفوز بدرجات الجنان كما قال { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } وقهو قوله { ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة } ولوتصرف فيهم شىء من الدارين بالتفاتهم اليه وتعلقهم به حتى شغلهم عن ذكر الله اى عن طلبه والشوق الى لقائه لكانوا بمثابة النساء فانهن محال التصرف فيهن وما استحقوا اسم الرجال واوحى الله تعالى الى داود عليه السلام فقال ( ياداود فرغ لى بيتا اسكن فيه قال يارب انت منزه عن البيوت قال فرغ لى قلبك ) وتفريغها اى القلوب التى اشارت اليها البيوت تصفيتها عن نقوش المكونات وتصقيلها عن صدأ تعلقات الكونين وانما هو بذكر الله والمداومة عليه كما قال عليه السلام
« ان لكل شىء صقالة وان صقالة القلوب بذكر الله » فاذا صقلت تجلى الله فيها بنور الجمال وهو الزيادة فى قوله تعالى { للذين احسنوا الحسنى وزيادة } والرزق بغير حساب فى ارزاق الارواح والمواهب الالهية قاما ارزاق الاشباح فمحصورة معدودة ، فعلى العاقل الاجتهاد باعمال الشريعة وآداب الطريقة فانه سبب الوصول الى انوار الحقيقة ومن تنور باطنه فى الدنيا تنور ظاهره وباطنه فى العقبى وكل جزاء فانما هو من جنس العمل روى انه اذا كان يوم القيامة يحشر قوم وجوههم كالكوكب الدرى فتقول لهم الملائكة ما اعمالكم فيقولون كنا اذا سمعنا الاذان قمنا الى الطهارة لا يشغلنا غيرها ثم يحشر طائفة وجوههم كلاقمار فيقولون بعد السؤال كنا نتوضأ قبل الوقت ثم يحشر طائفة وجوههم كالشموس فيقولون كنا نسمع الاذان فى المسجد وفى الحديث « اذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من ابواب المسجد ملائكة يكتبون الاول فالاول » اى ثواب من يأتى فى الوقت الاول والثانى « فاذا جلس الامام » يعنى صعد على المنبر « طووا الصحف وجاؤا يسمعون الذكر » اى الخطبة « فلا يكتبون ثواب من يأتى فى ذلك الوقت » والمراد منه اجر مجرد مجيئه قيل لا يكتبون اصلا وقيل يكتبونه بعد الاستماع والمراد بالملائكة كتبة ثواب من يحضر الجمعة وهم غير الحفظة اللهم اجعلنا من المسارعين المسابقين واحشرنا فى زمرة اهل الصدق والحق واليقين . (9/145)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)
{ والذين كفروا اعمالهم } اى اعمالهم التى هى من ابواب البرّ كصلة الارحام وعتق الرقاب وعمارة البيت وسقاية الحاج واغاثة الملهوفين وقرى الاضياف واراقة الدماء ونحو ذلك مما لو قارنه الايمان لا ستتبع الثواب { كسراب } هو مايرى فى المفازة من لمعان الشمس عليها نصف النهار فيظن انه ماء يسرب اى يذهب ويجرى وكان السراب فيما لاحقيقة له كالشراب فيما له حقيقة { بقيعة } متعلق بمحذوف هو صفة السراب اى كائن فى قاع وهى الارض المنبسطة المستوية قد انفرجت عنها الجبال ، قال فى المختار القيعة مثل القاع وبعضهم يقول هو جمع { يحسبه الضمأن ماء } صفة اخرى لسراب اى يظنه الشديد العطش ماء حقيقة من ظمىء بالكسر يظمأ والظمىء بالكسر مابين الشربتين الورودين والظمأ العطش الذى يحدث من ذلك وتخصيص الحسبان بالظمأن مع شموله لكل من يراه كائنا من كان من العطشان والريان لتكميل التشبيه بتحقيق شركة طرفيه فى وجه الشبه وهو الابتداء المطمع والانتهاء الموئس { حتى اذا } [ تاجون ] { جاءه } اى جاء ما توهمه ماء وعلق به رجاءه ليشرب منه { لم يجده } اى ماحسبه ماء { شيأ } اصلا لا متحققا ولا متوهما كما كان يراه من قبل فضلا عن وجدان ماء فيزداد عطشا { ووجد الله } اى حكمه وقضاءه { عنده } عند المجىء كما قال { ان ربك لبالمرصاد } يعنى مصير الخلق اليه { فوفيه حسابه } اى اعطاه وافيا كاملا حساب عمله يعنى ظهر له بعد ذلك من سوء الحال مالا قدر عنده للخيبة والقنوط اصلات كمن يجىء الى باب السلطان للصلة فيضرب ضربا وجيعا { والله سريع الحساب } لا يشغله حساب عن حساب ، قال الكاشفى [ زود حسابست حساب يكى اورا از حساب ديكرى بازندارد تمثيل كرد اعمال كافررا بسراب واورا بتشنه جكر سوخته بس همجاننكه تشنه ازسراب ناميد شده باشد شدتش زيادة مى شود كافر انرا ازاميد به باداش اعمال خود جون نيايند حسرت افزون ميكردد ] ، وفى الآية اشارة الى اهل كفران النعمة وهم الذين يصرفون نعمة الله فى معاصيه ومخالفته ثم يعاملون على الغفلة بالرسم والعادة التى وجدوا عليها آباءهم صورة بلا معنى بل رياء وسمعة وهم يحسبون بجهلهم انهم يحسنون صنعا زين لهم الشيطان اعمالهم فمثل اعمالهم كسراب لا طائل تحته وصاحب الاعمال يحسب من غفلته وجهالته ان اعماله المشوبة هى ما يطفىء به نار غضب الله حتى اذا جاءه عند الموت لم يجده شيأ مما توهمه ووجد الله عند اعماله للوزن والجزاء والحساب وهو غضبان عليه لسوء معاملته معه فجازاه حق جزائه والله سريع الحساب يشير الى ان من سرعة حسابه ان يظهر على ذاته وصفاته آثار معاملته السيئة بالاخلاق الذميمة والاحوال الرديئة فى حال حياته . (9/146)
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
{ او كظلمات } عطف على كسراب واو للتنويع فان اعمالهم ان كانت حسنة فكالسراب وان كانت قبيحة فكالظلمات { فى بحر لجى } اى عميق كثير الماء منسوب الى اللج وهو معظم ماء البحر ، قال الكاشفى [ دردرياى عميق كه دم بدم ] { يغشيه موج } صفة اخرى للبحر اى يستره ويغطيه بالكلية { من فوقه موج } مبتدأ وخبر والجملة صفة لموج اى يغشاه اماج متراكمة بعضها على بعض { من فوق سحاب } صفة لموج ثانى واصل السحب الجر وسمى السحاب اما لجر الريح او لجره الماء اى من فوق الموج الثانى الا على سحاب غطى النجوم وحجب انوارها ، وفيه ايماء الى غاية تراكم الامواج وتضاعفها حتى كأنها بلغت السحاب { ظلمات } اى هذه ظلمات { بعضها فوق بعض } اى متكائفة متراكمة حتى { اذا اخرج } اى من ابتلى بهذه الظلمات واضماره من غير ذكر الله لدلالة المعنى عليه دلالة واضحة { يده } وهى اقرب اعضائه المرئية اليه وجعلها بمرأى منه قريبة من عينه لينظر اليها { لم يكد يريها } لم يقرب ان يراها لشدة الظلمة فضلا عن ان يراها { ومن لم يجعل الله له نورا } اى ومن لم يشأ الله ان يهديه لنور القرآن ولم يوفقه للايمان به { فما له من نور } اى فماله هداية ما من احد اصلا ، قال الكاشفى [ اين تمثيل ديكراست مر عملهاى كفاررا ظلمات اعمال تبرهْ اوست وبحر لجى دل او وموج آنجه دل اورا مى بوشند ازجهل وشرك وسحاب مهر خذلان برآن بس كرادار وكفتارش ظلمت ومدخل ومخرجش ظلمت ورجوع اودر روز قيامت هم بظلمت عكس مؤمن كه اورانوراست واين را { ظلمات بعضها فوق بعض } ] (9/147)
مؤمنات ازتيركى دور آمدند ... لاجرم على نور آمدند
كافر تاريك دل را فكرتست ... حال كارش ظلمت اندر ظلمتست
والاشارة بالظلمات الى صورة الاعمال التى وقعت على الغفلة بلا حضور القلب وخلوص النية فهى { كظلمات فى بحر لجى } وهو حب الدنيا { يغشاه موج } من الرياء { من فوق موج } من حب الجاه وطلب الرياسة { من فوقه سحاب } من الشرك الخفى { ظلمات بعضها فوق بعض } يعنى ظلمة غفلة الطبيعة وظلمة حب الدنيا وظلمة حب الجاه وظلمة الشرك { اذا اخرج يده } يعنى العبد يد قصده واجتهاده وسيعه ليرى صلاح حاله وما آله فى تخصله من هذه الظلمات لم ير بنظر عقله طريق خلاصه من هذه الظلمات لان من لم يصبه رشاش النور الالهى عند قسمه الانوار فماله من نور يخرجه من هذه الظلمات فان نور العقل ليس له هذه القوة لانها من خصوصية نور الله كقوله تعالى { الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور } والنكتة فى قوله تعالى { يخرجهم } الخ كأنه يقول اخرجت الماء من العين والمطر من السحاب والنار من الحجر والحديد من الجبال الدخان من النار والنبات من الارض والثمار من الاشجار كما لايقدر احد ان يرد هذه الاشياء الى مكانها كذلك لايقدر ابليس وسائر الطواغيت ان يردك الى ظلمة الكفر والشك والنفاق بعدما اخرجتك الى نور الايمان واليقين والاخلاص والله الهادى .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)
{ ألم تر ان الله يسبح له من فى السموات والارض } الهمزة للتقرير والمراد من الرؤية رؤية القلب فان التسبيح الآتى لا يتعلق به نظر البصر اى قد علمت يا محمد علما يشبه المشاهدة فى القوة واليقين بالوحى او الاستدلال ان الله تعالى ينزهه على الدوام فى ذاته وصفاته وافعاله عن كل مالا يليق بشأنه من نقص وآفة اهل السموات والارض من العقلاء وغيرهم ومن لتغليب العقلاء { والطير } بالرفع عطف على من جمع طائر كركب وراكب والطائر كل ذى جناح يسبح فى الهواء وتخصيصها بالذكر مع اندراجها فى جلمة ما فى الارض لعدم استقرارها قرار ما فيها لانها تكون بين السماء والارض غالبا { صافات } اصل الصف البسط ولهذه يسمى اللجم القديم صفيفا لانه يبسط اى تسبحه تعالى حال كونها صافات اى باسطات اجنحتها فى الهواء تصففن { كل } من اهل السموات والارض { قد علم } بالهام الله تعالى ويوضحه ما قرىء علم مشددا اى عرف { صلاته } اى دعاء نفسه { وتسبيحه } تنزيهه { والله عليم بما يفعلون } اى يفعلونه من الطاعة والصلاة والتسبيح فيجازيهم على ذلك وفيه وعيد لكفرة الثقلين حيث لا تسبيح لهم طوعا واختيارا . (9/148)
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)
{ ولله } لا لغيره { ملك السموات والارض } لانه الخالق لهما ولما فيهما من الذوات والصفات وهو المتصرف فى جميعها ايجادا واعداما ابداء واعادة { والى الله } خاصة { المصير } اى رجوع الكل بالفناء والبعث فعلى العاقل ان يعبد هذا المالك القوى ويسبحه باللسان الصورى المعنوى وهذا التسبيح محمول عند البعض على مكان بلسان المقال فانه يجوز ان يكون لغير العقلاء ايضا تسبيح حقيقة لا يعلمه الا الله ومن شاء من عباده كما فى الكواشى وقد سبق تفصيل بديع عند قوله تعالى فى سورة الاسراء { وان من شىء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } فارجع تغنم ، وعن ابى ثابت قال كنت جالسا عند ابى جعفر الباقر فقال لى أتدرى ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وعبد طلوعها قلت لا قال فانهن يقدسن ربهن ويسألن قوت يومهن [ آورده اندكه ابو الجناب نجم الكبرى قدس سره در رساله فواتح الجمال ميفرمايندكه ذكرى كه جارى بر نفوس حيوانات انفاس ضروريه ايشانست زيرا كه در بر آمدن وفرو رفتن نفس حرف هاكه اشارت بغيب هروبت حق است كفته ميشود اكر خواهند واكر نخواهند وآن حرف هاست كه در اسم مبارك الله است والف ولام از براى تعريفست وتشديد لام از براى مبالغة در آن تعريف بس مى بايد كه طالب هوشمند در وقت تلفظ باين حرف شريف هويت حق سبحانه وتعالى ملحوظ وى باشد ودر خروج ودخول نفس واقف بودكه در نسبت حضور مع الله فتورى واقع نشود ] ويقال لهذا عند النقشبندية [ هوش دردم ] (9/149)
هاغيب هويت آمداى حرف شناس ... انفاس ترابود بآن حرف اساس
باش آكه ازان حرف دراميدوهراس ... حرفى كفتم شكرف اكردارى باس
يقول الفقير ايقظه القدير رأيت فى بعض المبشرات حضرة شيخى وسندى قدس سره وهو يخاطبنى ويقول هل تعرف سر قولهم الله بالرفع دون الله بالنصب والجر فقلت لا فقال انه فى الاصل الله هو فبضم الشفتين فى اسم تحصل هذه الاشارة الى نور الذات الاحدية فى الممكنات وسر الكمال السارى فى الظاهر ولا تحصل هذه الاشارة فى النصب والجر الحمد لله تعالى ، وقال بعض العلماء تسبيح الحيوان والجماد محمول على ما كان بلسان الحال فان كل شىء يدل بوجوده واحواله على وجود صانع واجب الوجود متصف بصفات الكمال مقدس عن كل مالا يليق بشأنه .
وقال فى التأويلات اعلم ان التسبيح على ثلاثة اوجه تسبيح العقلاء وتسبيح الحيوانات وتسبيح الجمادات . فتسبيح العقلاء بالنطق والمعاملات . وتسبيح الحيوانات بلسان الحاجات وصورة الدلالات على صانعها . وتسبيح الجمادات بالخلق هو عام فى جميعها فاها مظهر الآيات فاما تسبيح العقلاء فمخصوص بالملك والانسان فتسبيح الملك غذاؤه يعيش به ولو قطع عنه لهلك وليس موجبا لترقية لانه مسبح بالطبع وتسبيح الانسان تنزيه الحق بالامر لا بالطبع فموجب لترقية بان يفنى فيه اوصاف انسانيته ويبقيه بوصف سبوحيته فانه به ينطق عند فناء وجوده
{ كل قد علم صلوته وتسبيحه } يشير الى ان لكل شىء علما وشعورا مناسب له على صلاته وهى القيام بالعبودية وعلى تسبيحه هو ثناء الربوبية وذلك لان كل شىء ملكوتا هو قائم به وقيام الملكوت بيده تعالى كما قال { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شىء } وعالم الملكوت هو الحياة المحض والعلم كما قال { وان الدار الآخرة لهى الحيوان } الملكوت هو عالم الارواح فلكل شىء روح منه بحسب استعداده لقابلية الروح فخلق الانسان فى احسن تقويم لقابلية الروح الاعظم فلهذا صار كاملهم افضل المخلوقات واكرمها فهو يعلم خصوصية صلاته وتسبيحه على قدر حظه من عالم الملكوت بل على قدر حظه من عالم الربوبية وهو منفرد به عما دونه والملك يعلم صلاته وتسبيحه على قدر حظه من عالم الملكوت والحيوانات والجمادات تعلم صلاتها وتسبيحها بملكوتها بلا شعور منها بالصورة { والله عليم بما يفعلون } اى بحقيقته بالكمال وهم يعلمون بحسب استعدادهم انتهى مافى التأويلات وهذا لا ينفى نطق الجمادات عند انطاق الله تعالى وكذا نطق الحيوانات العجم بطريق خرق العادة او بطريق لا يسمعه ولا يفهمه الا اهل الكشف والعيان كما سبق امثلته فى سورة الاسراء نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا ممن لا يمضى نفسه الا بذكر شريف ولا يمر وقته الا بحال لطيف اه الفياض الوهاب الجواد . (9/150)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)
{ ألم تر ان الله يزجى سحابا } الازجاء سوق الشىء برفق وسهولة لينساق غلب فى سوق شىء يسير أو غير معتد به ومنه البضاعة المزجاة فانها يزجها كل احد ويدفعها لقلة الاعتداد بها ففيه ايماء الى ان السحاب بالنسبة الى قدرته تعالى مما لايعتد به ويسمى السحاب سحابا لانسحابه فى الهواء اى انجراره وهو اسم جنس يصح اطلاقه على سحابة واحدة وما فوقها والمراد ههنا قطع السحاب بقرينة اضافة بين الى ضميره فانه لايضاف الا الى متعدد . والمعنى قد رأيت رؤية بصرية ان الله يسوق غيما الى حيث يريد { ثم يؤلف بينه } اى بين اجزائه بضم بعضها الى بعض فيجعله شيأ واحدا ابعد ان كان قطعا { ثم يجعله ركاما } اى متراكما بعضه فوق بعض فانه اذا اجتمع شىء فوق شىء فهو ركوم مجتمع ، قال فى المفردات يقال سحاب مركوم اى متراكم والركام ما يلقى بعضه على بعض { فترى الودق } اى المطر اثر تكاثفه وتراكمه ، قال ابو الليث الودق المكر كله شديده وهينه ، وفى المفردات الودق قيل ما يكون خلال المطر كأنه غبار وقد يعبر به عن المطر { يخرج من خلاله } حال من الودق لان الرؤية بصرية والخلال جمع خلل كجبال وجبل وهو فرجة بين الشيئين والمراد ههنا مخارج القطر . والمعنى حال كون ذلك الودق يخرج من اثناء ذلك السحاب وفتوقه التى حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض ، قال كعب السحاب غربال المطر ولولاه لا فسد المطر ما يقع عليه { وينزل من السماء } اى من الغمام فان كل ماعلاك سماء وسماء كل شىء اعلاه { من جبال } اى من قطع عظام تشبه الجبال فى العظم كائنه { فيها } اى فى السماء فان السماء من المؤنثات السماعية { من برد } مفعول ينزل على ان من تبعيضية والاوليان الاتبداء الغاية على ان الثانية بدل اشتمال من الاولى باعادة الجار والبرد محركه الماء المنعقد اى مايبرد من المطر فى الهواء فيصلب كما فى المفردات . والمعنى ينزل الله مبتدئا من السماء من جبال فيها بعض برد قال بعضهم ان الله تعالى خلق جبالا كثيرة فى السماء من البرد والثلج ووكل بها ملكا من الملائكة فاذا اراد ان يرسل البرد والثلج على قطر من اقطار الارض يأمره بذلك فثلج هناك ماشاء الله بوزن ومقدار فى صحبة كل حبة منها ملك بضعها حيث امر بوضعها ، قال ابن عباس رضى الله عنهما لا عين تجرى على الارض الا واصلها من البرد والثلج ويقال ان الله تعالى خلق ملائكته نصف ابدانهم من الثلج ونصفها من النار فلا الثلج يطفىء النار ولا النار تذيب الثلج فاذا اراد الله ارسال الثلج فى ناحية امرهم حتى يترفرفوا باجنحتهم من الثلج فما تساقط عن الترفرف فهو الثلج الذى يقع هناك يقال رفرف الطائر اذا حرك جناحيه حول الشىء يري دان يقع عليه وقيل المراد من السماء اى فى الآية المظلة اى الفلك وفيها جبال من برد كما ان فى الارض جبالا من حجر وليس فى العقل ما ينفيه والمشهور ان الابخرة اذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوى البرد اجتمت هناك وصارت سحابا فان لم يشتد البرد تقاطرت مطرا وان اشتد فان وصل الى الاجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل بردا وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر او الثلج وكل ذلك مستند الى ارادة الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح ، وفى اخوان الصفاء الاجزاء المائية والترابية اذا كثرت فى الهواء وتراكمت فالغيم منها هو الرقيق والسحاب هو المتراكم والمطر هو تلك الاجزاء المائية اذا التأم بعضها مع بعض وبردت وثقلت رجعت نحو الارض والبرد قطر تجمد فى الهواء بعد خروجه من سمك السحاب والثلوج قطر صغار تجمد فى خلال الغيم ثم تنزل برفق من السحاب انهى والاجزاء اللطيفة الارضية تسمى دخانا والمائية بخارا ، قال ابن التمجيد اذا اشرقت الشمس على ارض يابسة تحللت منها اجزاء نارية ويخالطها اجزاء ارضية يسمى المركب منهما دخانا ، وفى الشرح القانون الفرق بين الدخان والبخار هو ان تركيب الدخان من الاجزاء الارضية والنارية وتركيب البخار من المائية والهوائيه فيكون البخار الطف من الدخان { فيصيب به } اى بما ينزل من البرد والباء للتعدية : وبالفارسية [ بس ميرساند آند تكرك را ] { من يشاء } فيناله ما يناله من ضرر فى نفسه وماله نحو الزرع والضرع والثمرة { ويصرفه عمن يشاء } فيأمن غائلته { يكاد سنا برقه } اى يقرب ضوء برق السحاب فان السنا مقصورا بمعنى الضوء الساطع وممدودا بمعنى الرفعة والعلو والبرق لمعان السحاب ، وفى القاموس البرق واحد بروق السحاب او ضرب ملك السحاب وتحريكه اياه لينساق فترى النيرا ، وفى اخوان الصفاء البرق نار تنقدح من احتكاك تلك الاجزاء الدخانية فى جوف السحاب { يذهب بالابصار } اى يخطفها من فرط الاضاءة وسرعة ورودها ، قال الكاشفى [ واين دليل است بر كمال قدرت كه شعله آتش ازميان ابر آبدار بيرون مى آرد ] فسبحان من يظهر الضد من الضد . (9/151)
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)
{ يقلب الله الليل والنهار } بالمعاقبة بينهما او بنقص احدهما وزيادة الآخر او بتغيير احوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور وغيرها مما يقع فيهما من الامور التى من جملتها ما ذكر من ازجاء السحاب وماترتب عليه وفى الحديث قال الله تعالى « يؤذينى ابن آدم بسب الدهر وانا الدهر بيدى الامر اقلب الليل والنهار » كذا فى المعالم والوسيط { ان فى ذلك } الذى فصل من الازجاء الى التقليب { لعبرة } لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم ووحدته وكمال قدرته واحاطة علمه بجميع الاشياء ونفاذ مشيئته وتنزهه عما لا يليق بشأه العلى واصل العبر تجاوز من حال الى حال والعبرة الحالة التى يتوصل بها من معرفة المشاهد الى ما ليس بمشاهد { لاولى الابصار } لكل من يبصر ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة كما فى المفردات . يعنى ان من له بصيرة يعبر من المذكور الى معرفة المدبر ذلك من القدرة التامة والعلم الشامل الدال قطعا على الوحدانية ، وسئل سعيد بن المسيب اى العبادة افضل قال التفكر فى خلقه والتفقه فى دينه ، ويقال العبر باوقار والمعتبر بمثقال فعلى العاقل الاعتبار آناء الليل اطراف النهار ، قالت رابعة القيسية رحمها الله ما سمعت الاذان الا ذكرت منادى يوم القيامة وما رأيت الثلوج الا ذكرت تطاير الكتب مارأيت الجراد الا ذكرت الحشر . (9/152)
والاشارة فى الآية الكريمة ان الله تعالى يسوق السحب المتفرقة الت تنشأ من المعاصى والاخلاق الذميمة ثم يؤلف بينها ثم يجعلها مترا كما بعضها على بعض فترى مطر التوبة يخرج من خلاله كما خرج من سحاب وعصى آدم ربه فغوى مطر ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى فالانسان من النيسان والشر جزء من البشر فاذا انب الانسان فلتكن همته طلب العفو والرحمة من الله تعالى ولا يمتنع منه مستعظما لذنبه ظانا ان الله تعالى وصف ذاته الازلية بالغفارية والتوابية حين لم يكن بشر ولا ذنب ولا حادث من الحوادث فاقتضى ذلك وجود الذنب من الانسان البتة لان المغفرة انما هى بالنسبة الى الذنب : ولذا قال الحافظ
سهو وخاطاى بنده كرش نيست اعتبار ... معنىء عفو ورحمت آمر زكار جيست
وينزل الله من سماء القلب من قساوة فيها جموده من قهر الحق وخذلانه فيصيب من برد القهر من يشاء من اهل الشقاوة ويصرفه عمن يشاء من اهل السعادة يكاد سنا برق القهر يذهب البصائر يقلب الله ليل معصية من يشاء نهار الطاعة كما قلب فى حق آدم عليه السلام ويقلب نهار طاعة من يشاء ليل المعصية كما قلب فى حق ابليس ان فى ذلك التقليب لعبرة لارباب البصائر بان يشاهدوا آثار لطفه وقهره فى مرآة التقليب كذا فى التأويلات النجمية .
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)
{ والله خلق كل دابة } الدب والدبيب مشى خفيف ويستعمل ذلك فى الخيوان وفى الحشرات اكثر كما فى المفردات والدابة هنا ليست عبارة عن مطلق ما يمشى ويتحرك بل هى اسم للحيوان الذى يدب على الارض ومسكنه هنالك فيخرج منها الملائكة والجن فان الملائكة خلقوا من نور والجن من نر ، وقال فى فتح الرحمن خلق كل حيوان يشاهد فى الدنيا ولا يدخل فيه الملائكة والجن لانا لانشاهدهم انتهى . ةوالمعنى خلق كل حيوان يدب على الارض { من ماء } هو جزؤ مادته اى احد العناصر الاربعة على ان يكون التنوين للوحدة الجنسية فدخل فيه آدم المخلوق من تراب وعيسى المخلوق من روح او من ماء مخصوص هو النطفة اى ماء الذكر والانثى على ان يكون التنوين للوحدة النوعية فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكل اذ من الحيوان ما يتولد لاعن نطفة [ درتبيان از ابن عباس رضى الله عنهما نقل ميكندكه حق سبحانه جوهرى آفريد ونظر هيبت برو افكند بكداخت وآب شد بعض آنراتغليب نمود بآتش وازان جن بيافريد بس بغضى را تغليب كرد بباد وازان ملائكة بيافريد بس تغليب نمود مقدارى را بخاك وازان آدمى وسائر حيوانات خلق كرد واصل آن همه آبست ] ، قال فى الكواشى تنكير ماء موذن ان كل دابة مخلوقة من ماء مختص بها وهو النطفة فجميع الحيوان سوى الملائكة والجن مخلوق من نطفة وتعريف الماء فى قوله { وجعلنا من الماء كل شىء حى } نظر الى الجنس الذى خلق مه جميع الحيوان لان اصل جميع الخلق من الماء ، قالوا خلق الله ماء فجعل بعضه ريحا فخلق منها الملائكة وجعل بعضه نارا فخلق منها الجن وبعضه طينا فخلق منه آدم انتهى . (9/153)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان كل ذى روح خلق من نور محمد عليه السلام لان روحه اول شىء تعلقت به القدرة كما قال « اول ما خلق الله روحى » ولما كان هو درة صدف الموجودات عبر عن روحه بدرة وجوهرة فقال « لما اراد الله ان يخلق العالم خلق درة » وفى رواية جوهرة « ثم نظر اليها بنظر الهيبة فصارت ماء » الحديث فخلقت الارواح من ذلك الماء اه ، فان قيل ما الحكمة فىخلق كل شىء من الماء قيل لان الخلق من الماء اعجب لانه ليس شىء من الاشياء اشد طوعا من الماء لان الانسان لو اراد ان يمسكه بيده او اراد ان يبنى عليه او يتخذ مه شيأ لايمكنه والناس يتخذون من سائر الاشياء انواع الاشياء ، قيل فالله تعالى اخبر انه يخلق من الماء الوانا من الخلق وهو قادر على كل شىء كذا فى تفسير ابى الليث عليه الرحمة { فمنهم من يمشى على بطنه } كالحية والحوت ونحوهما وانما قال يمشى على وجه المجاز وان كان حقيقة المشى بالرجل لانه جمعه مع الذى يمشى على التبع .
يعنى ان تسمية حركة الحية مثلا ومرورها مشيا مع كونها زحفا للمشاكلة فان المشى حقيقة هو قطع المسافة والمرور عليها مع قيد كون ذلك المرور على الارجل { ومنهم من يمشى على رجلين } كلانس والجن والطير كما فى الجلالين { ومنهم من يمشى على اربع } كالنعم والوحش وعدم التعرض لما يمشى على اكثر من اربع كالعناكب ونحوها من الحشرات لعدم الاعتداد بها كما فى الارشاد ، وقال فى فتح الرحمن لانها فى الصورة كالتى تمشى على اربع وانما تمشى على اربع منها كما فى الكواشى وتذكير الضمير فى منهم لتغليب العقلاء والتعبير عن الاصناف بمن ليوافق التفصيل الاجمال وهوهم فى فمنهم والترتيب حيث قدم الزاحف على الماشى على رجلين وهو على الماشى على اربع لان المشى بلا آلة ادخل فى القدرة من المشى على الرجلين وهو اثبت لها بالنسبة الى من مشى على اربع { يخلق الله مايشاء } مما ذكر ومما لم يذكر بسيطا كان او مركبا على ماشاء من الصور والاعضاء والهيآت والحركات والطبائع والقوى والافاعل مع اتحاد العنصر [ صابح حديقه فرموده (9/154)
اوست قادر بهرجه خواهدوخواست ... كارها جمله نزد او بيداست
وقال بعضهم
نقشنبد برون كلها اوست ... نقش دان درون دلها اوست
{ ان الله على كل شىء قدير } فيفعل الله مايشاء كما يشاء .
لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)
{ لقد انزلنا آيات مبينات } اى لكل مايليق بيانه من الاحكام الدينية والاسرار التكوينية { والله يهدى من يشاء } بالتوفيق للنظر الصحيح فيها والارشاد الى التأمل فى معانيها { الى صراط مستقيم } يعنى الاسلام الذى هو دين الله وطريقه الى رضاه وجنته . (9/155)
وفى التأويلات النجمية اخبر عن سيرة هذه الدواب التى خلقت من الماء فقال { فمنه من يمشى على بطنه } يعنى سيرته فى مشيه ان يضيع عمره فى تحصيل شهوات بطنه { ومنهم من يمشى على رجلين } اى يضيع عمره فى تحصيل شهوا فرجه فان كل حيوان اذا قصد قضاء شهوته يمشى على رجلين عند المباشرة وان كان له اربع قوائم { فمنهم من يمشى على اربع } اى يضعي عمره فى طلب الجاه لان اكثر طالبى الجاه يمشى راكبا على مركوب اربع قوائم كالخيل والبغال الحمير كما قال تعالى { والخيل والبغال الحمير لتركبوها وزينة يخلق الله مايشاء } من انواع المخلوقات على مقتضى حكمته ومشيته الازليه لما يشاء كما يشاء اظهارا للقدرة ليعلم ان الله على خلق كل نوع من انواع المخلوقات والمقدروات قادر ومن اخبار الرشيد انه خرج يوما للصيد فارسل بازيا اشهب فلم يزل يعلو حتى غاب فى الهواء ثم رجع بعد اليأس منه ومعه سمكة فاحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل يا امير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضى الله عنهما ان الهواء معمور بامم مختلفه الخلق سكان فيه وفيه دواب تبيض وتفرخ فيه شيأ على هيئة السمك لها اجنحة ليست بذات ريش فاجاز مقاتلا على ذلك واكرمه { لقد انزلنا آيات مبينات } اى انزلنا القرآن مبينات آياته ماخلقنا من كل نوع من انواع الانسان المذكورة اوصافهم ولكنهم لو وكلوا الى ما جبلوا عليه لما كانوا يهتدون الا الى هذه الاوصاف التى جبلوا عليها ولا يهتدون الى صراط مستقيم هو صراط الله بارادتهم ومشيئتهم { والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم } يصل به الى الحضرة بمشيئة الله وارادته الازلية تسأل الله الهداية الى سواء الطريق والتوفيق لجادة التحقيق .
وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)
{ ويقولون آمنا بالله وبالرسول } نزلت فى بشر المنافق خاصم يهوديا فى ارض فدعاه الى كعب بن الاشرف من احبار اليهود ودعاه اليهودى الى النبى عليه الصلاة والسلام فصيغه الجمع للايذان بان للقائل طائفة يساعدونه ويتابعونه فى تلك المقالة كما يقال بنوا فلان قتلوا فلانا والقاتل منهم واحد { واطعنا } اى اطعناهما فى الامر والنهى والاطاعة فعل يعمل بالامر لاغير لانها الانقياد وهو لا يتصور الابعد الامر بخلاف العبادة وغيرها { ثم يتولى } يعرض عن قبول حكمه ، قال الامام الراغب تولى اذا عدى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله فى اقرب المواضع واذا عدى بعن لفظا او تقديرا اقتضى معنى الاعراض وترك القرب فان الولى القرب والتولى قد يكون بالجسم وقد يكون بترك الاصغاء والائتمار وثم يجوز ان يكون للتراخى الزمانى وان يكون لاستبعاد امر التولى عن قولهم آمنا واطعنا { فريق منهم } اى من القائلين ، قال فى فى المفردات الفرق القطعة المنفصلة ومنه الفرقة للجماعة المنفردة من الناس والفريق الجماعة المنفردة عن آخرين { من بعد ذلك } القول المذكور { وما اولئك } اشارة الى القائلين فان نفى الايمان عنهم مقتض لنفيه عن الفريق المتولى بخلاف العكس اى وما اولئك الذين يدعون الايمان والاطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم فى الاعتقاد والعمل { بالمؤمنين } حقيقة كما يعرف عنه اللام اى ليسوا بالمؤمنين المعهودين بالاخلاص فى الايمان والثبات عليه . (9/156)
وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
{ واذا دعوا ال الله ورسوله ليحكم } اى الرسول { بينهم } لانه المباشر للحكم حقيقة وان كان الحكم حكم الله حقيقة وذكر الله لتفخيمه عليه السلام والايذان بجلالة محله عنده تعالى والحكم بالشىء ان تقضى بانه كذا وليس بكذا سواء الزمت بذلك غير او لم تلزمه { اذا فريق منهم معرضون } اى فاجأ فريق منهم الاعراض عن المحاكمة اليه عليه السلام لكون لحق عليهم وعلمهم بانه عليه السلام يحكى بالحق عليهم ولا يقبل الرشوة وهو شرح للتولى ومبالغة فيه واعرض اظهر عرضه اى ناحيته . (9/157)
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
{ وان يكون لهم الحق } اى الحكم لا عليهم { يأتوا اليه } الى صلة يأتوا فان الاتيان والمجيء يعديان بالى { مذعنين } منقادين لجزمهم بانه عليه السلام يحكم لهم . (9/158)
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)
{ أفى قلوبهم مرض } انكار واستقباح لاعراضهم المذكور وبيان لمنشأة اى أذلك الاعراض لانهم مرضى القلوب لكفرهم ونفاقهم { ام } لانهم { ارتابوا } اى شكوا فى امر نبوته عليه السلام مع ظهور حقيقتها { ام } لانهم { يخافون ان يحيف الله عليهم ورسوله } فى الحكومة . والحيف الجور والظلم الميل فى الحكم الى احد الجانبين يقال حاف فى قضيته اى جار فيما حكم ثم اضرب عن الكل وابطل منشئيته وحكم بان المنشأ شىء آخر من شنائعهم حيث قيل { بل اولئك هم الظالمون } اى ليس ذلك الشىء مما ذكر اما الاولان فلانه لو كان لشىء مهما لاعرضوا عنه عليه السلام عند كون الحق لهم ولما اتوا اليه مذعنين لحكمه لتحقق نافقهم وارتيابهخم حينئذ ايضا واما الثالث فلانتفائه رأسا حيث كانوا لايخافون الحيف اصلا لمعرفتهم امانته عليه لسلام وثباته على الحق بل لانهم هم الظالمون يريدون ان يظلمموا من له الحق عليه ويتم لهم جحوده فيأبون المحاكمة اليه عليه السلام لعلهم بانه يقضى عليهم بالحق فمناط النفى المستفاد من الاضراب فى الاولين هو و صف منشئيتهما فى الاعراض فقط مع تحققهما فى نفسهما وفى الثالث هو الوصف مع عدم تحققه فى نفسه وفى الرابع هو الاصل والوصف جميعا . (9/159)
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)
{ انما كان قول المؤمنين } بالنصب على انه خبر كان وان مع مافى حيزها اسمها { اذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم } اى الرسول { بينهم } وبين خصومهم سواء كانوا منهم او من غيرهم { ان يقولوا سمعنا } الدعاء { وأطعنا } بالاجابة والقبول والطاعة موافقة الامر طوعا وهى تجوز لله ولغيره كم فى فتح الرحمن [ يهرجه كنى درميان حكمى ] { واولئك } المنعوتون بما ذرك من النعت الجميل { هم المفلحون } الفائزون بكل مطلب والناجون من كل محذور . قال فى المفردات الفلاح الظفر وادراك البغية . (9/160)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)
{ ومن } [ وهركه ] { يطع الله ورسوله } اى من يطعهما كائنا من كمان فما امرا به من الاحكام الشرعية اللازمة والمتعدية { ويخش الله } على ما مضى من ذنوبه ان يكون مأخوذا بها { ويتقه } فيما بقى من عمره واصله يتقيه فحذف الياء للجزم فصار يتقه كسر القاف والهاء ثم سكن القاف تخفيفا على خلاف القياس لان ما هو على صيغة فعل انما يسكن عينه اذا كانت كلمة واحدة نحو كتف فى كتف ثم اجرى ما اشبه ذلك من المنفصل مجرى المتصل فان تقه فى قولنا يتقه بمنزلة كتف فسكن وسطه كما سكن وسط كتف { فاولئك } الموصوفون بالطاعة والخشية والاتقاء { هم الفائزون } بالنعيم المقيم لامن عداهم . والفوز مع حصول السلامة كما فى المفردات [ در كشاف أورده كه ملكى از علما التماس آيتى كردكه بدان عمل كافى باشد ومحتاج بآيات ديكر بناشد علماى عصار وبرين آيت اتفاق كردند جه حصول فوز وفلاح جزبفرمان بردارى وخشيت وتقوى ميسر نيست ] (9/161)
اينك ره اكر مقصد اقصى طلبى ... وينك عمل ار رضاى مولى طلبى
فلابد من الاطاعة لله ولرسوله فى اداء الفرائض واجتناب المحارم فقد دعا الله تعالى فلا بد من الاجابة ، قال ابن عطاء رحمه الله الدعوة الى الله بالحقيقة والدعوة الى الرسول بالنصيحة فمن لم يجب داعى الله كفر ومن لم يجب داعى الرسول ضل وسبب عدم الاجابة المرض ، قال الامام الراغب المرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالانسان وذلك ضربان جسمى وهو المذكور فى قوله تعالى { ولاعلى المريض حرج } والثانى عبارة عن الرذائل كالجهل والجبن والبخل والنفاق ونحوها من الزذائل الخلقية نحو قوله تعالى { فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا } ويشبه النفاق والكفر وغيرهما من الزذائل بالمرض اما لكونها مانعة عن ادراك الفضائل كالمرض المانع للبدن عن التصرف الكامل واما لكونها مانعة عن تحصيل الحياة الاخروية المذكورة فى قوله تعالى { وان الدار الآخرة لهى الحيوان } واما ليل النفس بها الى الاعتقادات الرديئة ميل البدن المريض الى الاشياء المضرة انتهى و فى الحديث « لايؤمن احدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به » معناه لايبلغ العبد كمال الايمان ولا يستكمل درجاته حتى يكون ميل نفسه منقادا لما جاء به النبى عليه السلام من الهدى والاحكام ثم ان حقيقة الاطاعة والاجابة انما هى بترك ما سوى الله والاعراض عما دونه فمن اقبل على غيره فهو لأفات عرضت له وهى انحراف مزاج قلبه عن فطرة الله التى فطر الناس عليها من حب الله وحب الآخرة والشك فى الدين بمقالات اهل الاهواء والبدع من المتفلسفين والطبائعيين والدهريين وغيرهم من الضلال وخوف الحيف بان يأمره الله ورسوله بترك الدنيا ونهى النفس عن الهوى وانواع المجاهدات والرياضات المؤدية الى تزكية النفس وتصفية القلب لتحلية الروح بحلية اخلاق الحق والوصول الى الحضرة ثم لا يوفيان بما وعدا بقوله { للذين احسنوا الحسنى وزيادة } ويظلمان عليه بعدم اداء حقوقه اما علم ان الله لا يظلم مثقال ذرة .
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)
{ واقسموا بالله } اى حلق المنافقون بالله واصله من القسامة وهى ايمان تقسم على المتهمين فى الدم ثم صار اسما لكل حلف { جهد ايمانهم } الجهد بالفتح الطاقة واليمين فى اللغة القوة وفى الشرع تقوية احد طرفى الخبر بذكر الله ، قال الامام الراغب اليمين فى الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المجاهد والمعاهد عنده ، قال فى الارشاد جهد نصب على انه مصدر مؤكد لفعله الذى هو فى حيز النصب على نه حال من فاعل اقسموا اى اقسموا به تعالى يجهدون ايمانهم جهدا ومعنى جهد اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم جهد نفسه اذا بلغ اقصى وسعها وطاقتها اى جاهدين بالغين اقصى مراتب اليمين فى الشدة والوكادة فممن قال اقسم بالله فقد جهد بيمينه ومعنى الاستعارة انه لما لم يكن لليمين وسع وطاقة حتى يبلغ المنافقون اقصى وسع اليمين وطاقتها كان باصله يجهدون ايمانهم جهدا ثم حذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافا الى المفعول نحو فضرب الرقاب : وبالفارسية [ وسوكند كردند منافقان بخداى تعالى سخترين سوكندان خود ] { لئن امرتهم } اى بالخروج الى الغزو فانهم كانوا يقولون لرسول الله اينما كنت نكن معك ولئن خرجت خرجنا معك وان اقمت اقمنا وان امرتنا بالجهاد جاهدنا { ليخرجن } جواب لاقسموا لان اللام الموطئة للقسم فى قوله لئن امرتهم جعلت ما يأتى بعد الشرط المذكور جوابا للقسم لاجزاء للشرط وكان جزاء الشرط مضمرا مدلولا عليه بجواب القسم وجواب القسم وجزاء الشرط لما كانا متماثلين اقتصر على جواب لقسم وحيث كانت مقالتهم هذه كاذبة ويمينهم فاجرة امر عليه السلام بردها حيث قيل { قل لاتقسموا } لا تحلقوا بالله على ماتدعون من الطاعة { طاعة معروفة } خبر مبتدأ محذوف والجملة تعليل للنهى اى لان طاعتكم طاعة نفاقية واقعة باللسان فقط من غير مواطأة من القلب وانما عبر عنها بمعروفة للايذان بان كونها كذلك مشهور معروف لكل احد كذا فى الارشاد ، وقال بعضهم طاعة معروفة بالاخلاص وصدق النية خير لكم وامثل من قسمكم باللسان بالمطلوب منكم هى لا اليمين الكاذبة المنكرة . (9/162)
وفى التأويلات النجمية { قل لا تقسموا } بالكذب قولا بل اطيعوا فعلا فانه { طاعة معروفة } بالافعال غير دعوى القيل والقال { والله خبير بما تعملون } بالحال صدقا وبالقال كذبا او بطاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل فيجازيكم على ذلك .
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)
{ قل اطيعوا الله واطيعوا الرسول } فى الفرائض والسنن على رجاء الرحمة والقبول { فان تولوا } بحذف احدى التاءين اى تتولوا وتعرضوا عن هذه الطاعة اثر ما امرتهم بها { فانما عليه } اى فاعلموا انما عليه صى الله عليه وسلم { ما حمل } اى ما كلف وامر به من تبليغ الرسالة { وعليكم ما حمتلم } ما امرتم به من الاجابة والطاعة ولعل التعبير عنه بالتحمل للاشعار بثقله وكونه مؤونة باقية فى عهدتهم بعد كأنه قيل وحيث توليتم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل { وان تطيعوه } اى فيما امركم به من الطاعة { تهتدوا } الى الحق الذى هو المقصد الاقصى الموصل الى كل خير والمنجى من كل شر وتأخيره عن بيان حكم التولى لما فى تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب { وما على الرسول } محمد ويبعد ان يحمل على الجنس لانه اعيد معرفا { الا البلاغ المبين } التبليغ الموضح لكل ما يحتاج الى الايضاح وقد فعل وانما بقى ما حملتم فان اديتم فلكم وان توليتم فعليكم ، قال ابو عثمان رحمه الله من امر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لان الله تعالى قال { وان تطيعوه تهتدوا } ، ياقل ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل واحدة منها بغير قرينتها : اولاها قوله تعالى { واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } فمن صلى ولم يؤد الزكاة لم تقبل منه الصلاة : والثانية قوله تعالى { اطيعوا الله واطيعوا الرسول } فمن اطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه : والثالثة قوله تعالى { ان اشكر لى ولوالديك } فمن شكر الله فى نعمائه ولم يشكر الوالدين لا يقبل منه ذلك فاطاعة الرسول مفتاح باب القبول ويرشدك على شرف الاطاعة ان كلب اصحاب الكهف لما تبعهم فى طاعة الله وعدله دخول الجنة فاذا كان من تبع المطيعين كذلك فما ظنك بالمطيعين ، قال حاتم الاصم رحمه الله من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب من ادعى حب الجنة من غير انفاق فهوه كذاب ومن ادعى محبة الله من غير ترك محارم الله فهو كذاب ومن ادعى محبة النبى عليه السلام من غير محبة الفقراء فهو كذاب (9/163)
محب درويشان كليد جنت است ... واعلم ان احمد بن حنبل رحمه الله لما راعى الشريعة بين جماعة كشفوا العورة فى الحمام قيل له فى المنام ان الله تعالى جعلك اماما للناس برعايتك الشريعة : وفى المثنوى
رهرو راه طريقت اين بود ... كاو باحكام شريعت ميرود
نسأل الله التوفيق .
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)
{ وعد الله الذين آموا وعلموا الصالحات } الخطاب لعامة الكفرة ومن تبعيضية او له عليه السلام ولمن معه منن المؤمنين ومن بيانية وتوسيط الظرف بين المعطوفين لاظهار اصالة الايمان { ليستخلفنهم فى الارض } جواب للقسم اما باضمار على معنى وعدهم الله واقسم لستخلفنهم او بتنزيل وعده تعالى منزلة القسم لتحقق انجازه لا محالة اى ليجعلهم خلفاء متصرفين فى الارض تصرف الملوك فى ممالكهم ، قال الكاشفى [ فى الارض : درزمين كفار ازعرب وعجم ] لقوله عليه السلام « ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل » ، قال الراغب الخلافة النيابة عن الغير اما لغيبة المنوب عنه واما لموته واما لعجزه واما لتشريف المستخلف وعلى هذا الوجه الاخير استخلف الله اولياءه فى الارض { كما استخلف الذين من قبلهم } اى استخلافا كائنا كاستخلاف الذين من قبلهم وهم بنوا اسرائيل استخلفهم الله فى مصر والشام بعد اهلاك فرعون والجبابرة { وليمكنن لهم دينهم } التمكين جعل الشىء مكانا لآخر يقال مكن له فى الارض اى جعلها مقر له ، قال فى تاج المصادر التمكين [ دست دادن وجاى دادن ] يقال مكنتك ومكنت لك مثل نصحتك وتصحت لك ، وقال ابو على يجوز ان يكون على حد ردف لكم انتهى . والمعنى ليجعلن دينهم مقررا ثابتا بحيث يستمرون على العمل باحكامه من غير منازع { الذى ارتضى لهم } الارتضاء [ بسنديدن ] كما فى التاج . (9/164)
قال فى التأويلات النجمية يعنى يمكن كل صنف من الخلفاء حمل امانته التى ارتضى لهم من انواع مراتب دينهم فانهم ائمة اركان الاسلام ودعائم الملة الناصحون لعباده الهادون من يسترشد فى الله حفاظ الدين وهم اصناف . قوم هم حفاظ اخبار الرسول عليه السلام وحفاظ القرآن وهم بمنزلة الخزنة . وقوم هم علماء الاصول من الرادين على اهل العناد واصحاب البدع بواضح الادلة غير مخلصين الاصول بعلوم الفلاسفة وشبههم فانها مهلكة عظيمة لا يسلم منها الا العلماء الراسخون والاولياء القائمون بالحق وهم بطارقة الاسلام وشجعانه . وقوم هم الفقهاء الذين اليهم الرجوع فى علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات وهم فى الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين فى الملك . وآخرون هم اهل المعرفة واصحاب الحقائق وارباب السلوك الكاملون المكملون وهم خلفاء الله على التحقيق واقطاب العالم وعمد السماء واوتاد الارض بهم تقوم السموات والارض وهم فى الدين كخواص الملك واعيان مجلس السلطان فالدين معمور بهؤلاء على اختلاف طبقاتهم الى يوم القيامة { وليبدلنهم } التبديل جعل الشىء مكان آخر وهو اعم من العوض فان العوض هو ان يصير لكم الثانى باعطاء الاول والتبديل يقال للتغيير وان لم تأت ببدله : والمعنى بالفارسية [ وبدل دهد ايشانرا ] { من بعد خوفهم } من الاعداء { امنا } منهم واصل الامن طمانينة النفس وزوال الخوف كان اصحاب النبى عليه السلام قبل الهجرة كثر من عشر سنين خائفين ثم هاجروا الى المدينة وكانوا يصبحون فى السلاح ويمسون فيه حتى نجز الله وعده فاظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب
دمبدم صيت كمال دولت خدام او ... عرصه روى زمين راسر بسر خواهد كرفت (9/165)
شاهباز همتش جون بر كشايد بال قدر ... ازثريا تا ثرى در زير برخواهد كرفت
{ يعبدوننى } حال من الذين آمنوا لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد { لايشركون بى شيأ } حال من الواو اى يعبدوننى غير مشركين بى فى العباد شيأ { ومن كفر } ومن ارتد { بعد ذلك } الوعد او اتصف بالكفر بان ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بمامر من الترغيب والترهيب فان الاصرار عليه بعد مشاهدة دلائل التوحيد كفر مستأنف زائد على الاصل او كفر هذه النعمة العظيمة { فاولئك هم الفاسقون } الكاملون فى الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان ، قال المفسرون اول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان رضى الله عنه فلما قتلوه غير الله ما بهم من الامن وادخل عليهم الخوف الذى رفع عنهم حتى صاروا يقتلون بعد ان كانوا اخوانا متحابين والله تعالى لا يغير نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بانفسهم وفى الحديث « اذا وضع السيف فى امتى لا يرفع عنها الى يوم القيامة » وفى المثنوى
هرجه باتوا آيد از ظلمات غم ... آن زبى شرمى وكستاخيست هم
قال ابراهيم بن ادهم رحمه الله مشيت فى زرع انسان فنادانى صاحبه يا بقر فقلت غير اسمى بزلة فلو كثرت لغير الله معرفتى .
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)
{ واقيموا الصلوة وآتوا الزكاة } عطف على مقدر يستدعيه المقام اى فآمنوا وعلموا صالحا واقيموا الخ { واطيعوا الرسول } فى سائر ما امركم به فهو من باب التكميل { لعلكم ترحمون } اى افعلوا ما ذكر من الاقامة والايتاء والاطاعة راجين ان ترحموا فهو متعلق بالاوامر الثلاثة . (9/166)
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)
{ لاتحسبن } يا محمد او يامن يصلح للخطاب كائنا من كان { الذين كفروا } مفعول اول للحسبان { معجزين فى الارض } العجز ضد القدرة واعجزت فلانا جعلنه عاجزا اى معجزين لله عن ادراكهم واهلاكهم فى قطر من الاقطار بما رحبت وان هربوا منها كال مهرب { ومأواهم النار } عطف على جملة النهى بتأويلها بجملة خبرية اى لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الارض فانهم مدركون ومأواهم النار { ولبئس المصير } جواب لقسم مقدر والمخصوص بالمدح محذوف اى وبالله لبئس المصير والمرجع هى اى النار يقال صار الى كذا اى انتهى اليه ومنه صير الباب لمصيره الذى ينتهى اليه فى تنقله وتحركه ، وفى الآية اشارة الى كفران النعمة فان الذين انفقوا النعمة فى المعاصى وغيروا ما بهم من الطاعات مأواهم نار القطيعة ، قال على رضى الله عنه اقل ما يلزمكم لله ان لا تستعينوا بنعمه على معاصيه ، قال الحسن رحمه الله اذا استوى يوماك فانت ناقص قيل كيف ذاك قال ان الله زادك فى يومك هذا نعما فعليك ان تزداد فيه شكرا وكل ما اوجد لفعل ما فشرفه لتمام وجود ذلك الفعل منه كالفرس للعدو فى الكرّ والفرّ والسيف للعمل والاعضاء خصوصا اللسان للشكر ومتى لم يوجد فيه المعنى الذى لاجله اوجد كان ناقصا فالانسان القاصر فى عباداته كالانسان الناقص فى اعضائه والآته ، واعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا جميع الناس الى الله تعالى والى توحيده وطاعته فاجاب من اجاب وهم اهل السعادة واولهم الصاحبة رضىة الله عنهم واعرض من اعرض وهم اهل الشقاوة واقدمهم الكفرة والمنافقون المعاصرون له عليه السلام ولما هربوا من باب الله تعالى بترك اطاعة رسوله واصروا عليه عاقبهم الله تعالى عاجلا ايضا حيث قتلوا فى الوقائع واصيبوا بما لايخطر ببالهم فانظر كيف ادركهم الله تعالى فلم يعجزه كما ادرك الامم السالفة العاصة نسأل الله تعالى ان يجعلنا فى حصين عصمته ويتغمدنا برحمته ويحرسنا بعين عنايته . (9/167)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)
{ يا ايها الذين آمنوا } روى ان غلاما لاسماء بنت ابى مرثد دخل عليها فى وقت كراهته فنزلت والخطاب للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات جميعا بطريق التغليب { ليستأذنكم } هذه اللام لام الامر الاستئذان طلب الاذن والاذن فى الشىء اعلام باجازته والرخصة فيه : والمعنى بالفارسية [ بايدكه دستورى طلبند از شما ] { الذين ملكت ايمانكم } من العبيد والحوارى { والذين لم يبلغوا الحلم } اى الصبيان القاصرون عن درجة البلوغ المعهود والتعبير عن البلوغ بالاحتلام لكونه اظهر دلائله وبلوغ الغلام صيرورته بحال لو جامع انزل ، قال فى القاموس الحلم بالضم والاحتلام الجماع فى النوم والاسم الحلم كعنق انتهى ، وفى المفردات ليس الحلم فى الحقيقة هو العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل وتسمى البلوغ بالحلم لكونه جديرا صاحبه بالحلم { منكم } اى من الاحرار { ثلث مرات } ظرف زمان ليستأذن ايى ليستأذنوا فى ثلاثة اوقات فى اليوم والليلة لانها ساعات غرة وغفلة ثم فسر تلك الاوقات بقوله { من قبل صلوة الفجر } لظهور انه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة ومحله النصب على انه بدل من ثلاث مرات { وحين تضعون ثيابكم } اى ثيابكم التى تلبسونها فى النهار وتخلعونها لاجل القيلولة وهى النوم نصف النهار { من الظهيرة } بيان للحين وهى شدة الحر عند انتصاف النهار ، قال فى القاموس الظهيرة حد انتصاف النهار انما ذلك فى القيظ والتصريح بمدار الامر اعنى وضع الثياب فى هذا الحين دون الاول والآخر لما ان التجرد عن الثياب فيه لاجل القيلولة لقلة زمانها ووقوعها فى النهار الذى هو مظنة لكثرة الورود والصدور ليس من التحقق والاطراد بمنزلة مافى الوقتين فان تحقق التجرد واطراده فيهما امر معروف لايحتاج الى التصريح به { ومن بعد صلوة العشاء } الآخرة ضرورة انه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف وهو كل ثوب تغطيت به { ثلث عورات } خبر مبتدأ محذوف اى هن ثلاثة اوقات كائنة { لكم } يختل فيها التستر عادة والعورة الخلل الذى يرى منه مايراد ستره وسميت الاوقات المذكورة عورات مع انها ليست نفس العورات بل هذه اوقات العورات على طريق تسمية الشىء باسم ما يقع فيه مبالغة فى كونه محلاله { ليس عليكم ولا عليهم } اى على المماليك والصبيان { جناح } اثم فى الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الامر والاطلاع على العورات { بعدهن } اى بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث وهى الاوقات المتخللة بين كل وقتين منهم فالاستئذان لهؤلاء مشروع فيها لابعادها ولغيرهم فى جميع الاوقات { طوافون } اى هم يعنى المماليك والاطفال طوافون { عليكم } للخدمة طوافا كثيرا والطواف الدوران حول الشىء ومنه الطائف لمن يدور حول البيت حافا ومنه استعير الطائف من الجن والخيال والحادثة وغيرها { بعضكم } طائف { على بعض } اى هم يطوفون عليكم للخدمة وانتم تطوفون للاستخدام ولو كلفهم الاستئذان فى كل طوفة اى فى هذه الاوقات الثلاثة وغيرها لضاف الامر عليهم فلذا رخص لكم فى ترك الاستئذان فما وراء هذه الاوقات { كذلك } اشارة الى مصدر الفعل الذى بعده والكاف مقحمة اى مثل ذلك التبيين { يبين الله لكم الآيات } الدالة على الاحكام اى ينزلها مبينة واضحة الدلالات عليها لا انه تعالى بينها بعد ان لم تكن كذلك { والله عليم } مبالغ فى العلم بجميع المعلومات فيعلم احوالكم { حكيم } فى جميع افاعليه فيشرع لكم ما فيه صلاح امركم معاشا ومعادا روى عن عكرمة ان رجلين من اهل العراق سألا ابن عباس رضى الله عنهما عن هذه الآية فقال ان الله ستير يحب الستر وكان الناس لم يكن لهم ستور على ابوابهم ولا حجال فى بيوتهم فربما فاجأ الرجل ولده او خادمه او يتيم فى حجره ويرى منه مالا يحبه فامرهم الله تعالى ان يستأذنوا الثلاث ساعات التى سماها ثم جاء باليسر وبسط الرزق عليهم فاتخذو الستور والحجال فرأى الناس ان ذلك قد كفاهم عن الاستئذان الذى امروا به ، ففيه دليل على ان الحكم اذا ثبت لمعنى فاذا زال المعنى زال الحكم فالتبسط فى اللباس والمعاش والسكنى ونحوها مرخص فيه اذا لم يؤد الى كبر واغترار ، قال عمر رضى الله عنه اذا وسع الله عليكم فوسعوا على انفسكم . (9/168)
ويقال اليسار مفسدة للنساء لاستيلاء شهوتهن على عقولهن وفى الحديث « ان الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده » يعنى اذا آتى الله عبده نعمة من نعم الدنيا فليظهرها من نفسه وليلبس لباسا نظيفا يليق بحاله ولتكن نيته فى لبسه اظهار نعمة الله عليه ليقصده المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات وليس لبس الخلق مع اليسار من التواضع ، وفى الآية رخصة اتخاذ العبيد والاماء للخدمة لمن قال بحقهم وبيان ان حق الموالى عليهم الخدمة وفى الحديث « حسنة الحر بعشر وحسنة المملوك بعشرين » يضاعف له الحسنة وهو لمن احسن عبادة الله ونصح لسيده اى اراد له خيرا واقام بمصالحه على وجه الخلوص كذا فى شرح المشارق ، قال فى نصاب الاحتساب وينبغى ان يتخذ الرجل جارية لخدمة داخل البيت دون العبد البالغ لان خوف الفتنة فى العبد اكثر من الاحرار الاجانب لان الملك يقلل الحشمة والمحرمية منتفية والشهوة داعية فلا يأمن الفتنة . وقيل من اتخذ عبدا لخدمة داخل البيت فهو كسحان بالسين المهملة اى اعرج او مقعد . وابتاع بعض المشايخ غلاما فقيل بورك لك فيه فقال البركة مع من قدر على خدمة نفسه واستغنى عن استخدام غيره فخفت مؤوته وهانت تكاليفه وكفى سياسة العبد والمرء فى بيته بمنزلة القلب وقلما تنتفع خدمة الجوارح الا بخدمة القلب ، ودلت الآية على ان من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فانه تعالى امرهم بالاستئذان فى الاوقات المذكورة وفى الحديث (9/169)
« مروهم بالصلاة وهم ابناء سبع واضربوهم على تركها وهم ابناء عشر » وانما يؤمر بذلك ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ ولذا كره الباسه ذهبا او حريرا لئلا يعاده والاثم على الملبس كما فى القهستانى : قال الشيخ سعدى قدس سره (9/170)
بخردى درش زجر وتعليم كن ... به نيك وبدش وعده وبيم كن
قال ابن مسعود رضى الله عنه اذا بلغ الصبى عشر سنين كتبت له حسناته ولم تكتب سيآته حتى يحتلم ، قال فى الاشباه وتصح عبادة الصبى وان لم تحب عليه واختلفوا فى ثوابها والمعتمد انه له وللمعلم ثواب التعليم وكذا بجميع حسناته وليس كالبالغ فى النظر الى الاجنبية والخلوة بها فيجوز له الدخول على النساء الى خمس عشرة سنة كما فى الملتقط : وقال الشيخ سعدى
بسرجون زده بر كذشته سنين ... زنا محرمان كوفراتر نشين
بر بنبه آتش تشايد فروخت ... كه تاجشم برهم زنى خانه سوخت
وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)
{ واذا بلغ الاطفال منكم الحلم } اى الاطفال الاحرار الاجانب فيخرج العبد البالغ فانه لايستأذن فى الدخول على سيدته فى غير الاوقات الثلاثة المذكورة كما قال فى التتمة يدخل العبد على سيدته بلا اذنها بالاجماع { فليستأذنوا } اى ان ارادوا الدخول عليكم { كما استأذن الذين } بلغوا الحلم { من قبلهم } او ذكورا من قبلهم كما قال تعالى فيما تقدم { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } الآية فالمعنى فليستأذنوا استئذنا كائنا مثل استئذان المذكورين قبلهم بان يستأذنوا فى جميع الاوقات ويرجعوا ان قيل لهم ارجعوا { كذلك يبين الله لكم آياته والله عليكم حكيم } كرره للتأكيد والمبالغة فى الامر بالاستئذان ، اعلم ان بلوغ الصغير بالاحبال والانزال والاحتلام وبلوغ الصغيرة بهما وبالحبل والحيض فان لم يوجد فيهما شىء من الاصل وهو الانزال والعلامة وهو الباقى فيبلغان حين يتم لهما خمس عشرة سنة كما هو المشهور وبه يفتى لقصر اعمار اهل زماننا ، قال بعض الصحابة كان الرجل فيمن قبلكم لا يحتلم حتى يأتى عليه ثمانون سنة ، قال وهب ان اصغر من مات من ولد ابن آدم مائتى سنة وادنى مدة البلوغ للغلام اثنتا عشرة سنة ولذا تطرح هذه المدة من سن الميت الذكر ثم يحسب ما بقى منع مره فتعطى فدية صلاته على ذلك وادنى مدته للجارية تسع سنين على المختار ولذا تطرح هذه المدة من الميت الانثى فلا تحتاج الى اسقاط صلاتها بالفدية ثم هذه بلوغ الظاهر واما بلوغ الباطن فبالوصول الى سر الحقيقة وكماليته فى اربعين من اول كشف الحجاب وربما يحصل للبعض علامة ذلك فى صباه ، قال ايوب عليه السلام ان الله يزرع الحكمة فى قلب الصغير والكبير فاذا جعل الله العبد حكيما فى الصبى لم تضع منزلته عند الحكماء حداثة سنهوهم يرون عليه من الله نور كرامته ، ودخل الحسين بن فضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من اهل العلم فاحب ان يتكلم فمنعه فقال أصبى يتكلم فى هذا المقام فقال ان كنت صبيا فلست باصغر من هدهد سليمان ولا انت اكبر من سليمان حين قال { احطت بما لم تحط به } [ حكما كفته اند توانكرى بهنرست نه بمال وبزركى بعقلست نه بسال ] فالاعتبار لفضل النفس لا للصغر والكبر وغيرهما ، قال هشام بن عبدالملك لزيد بن على بلغنى انك تطلب الخلافة ولست لها باهل قال لم قال لانك ابن امة فقال فقد كان اسماعيل ابن امة واسحق ابن حرمة وقد اخرج الله من صلب اسماعيل خير ولد آدم صلوات الله عليه وعليهم اجمعين : قال الموالى الجامى قدس سرة (9/171)
جه غم زمنقصت صورت اهل معنى را ... جوجان زروم بود كوتن از حبش مى باش
قال السعدى قدس سره
جو كنعانرا طبيعت بى هنر بود ... بيمبر زادكى قدرش نيفزود
هنر بنماى اكر دارى نه كوهر ... كل ازخارست وابراهيم ازآزر
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)
{ والقواعد } مبتدأ جمع قاعد بلا هاء لاختصاصها بالمرأة واذا اردت القعود بمعنى الجلوس قلت قاعدة كحامل من حمل البطن وحاملة من حمل الظهر ، قال فى القاموس القاعد التى قعدت عن الولد وعن الحيض وعن الزوج { من النساء } حال من المستكن من القواعد اى العجائز اللاتى قعدن عن الحيض الحمل : وبالفارسية [ وتشستكان درخانها وباز ماندكان ] { اللاتى لا يرجون نكاحا } صفة للقواعد لا للنساء اى لايطمعن فى النكاح لكبرهن فاعتبر فيهن القعود عن الحيض الحمل الكبر ايضا لانه ربما ينقطع الحيض والرغبة فيهن باقية : وبالفارسية [ آنانكه اميد ندارند نكاح خودرا يعنى طمع نمى كنندكه كسى ايشانرا نكاح كند بجهت بيرى وعجز ] { فليس عليهن جناح } الجملة خبر مبتدأ اى اثم ووبال فى { ان يضعن } عند الرجال { ثيابهن } اى الثياب الظاهرة كالجلباب والازار فوق الثياب والقناع فوق الخمار { غير متبرجات بزينة } حال من فاعل يضعن . واصل التبرج التكلف فى اظهار ما يخفى خص بكشف عورة زينتها ومحاسنها للرجال . والمعنى حال كونهن غير مظهرات لزينة خفية كالسوار والخلخال والقلادة لكن لطلب التخفيف جاز الوضع لهن { وان يستعففن } بترك الوضع اى يطلبن العفة وهى حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة وهو مبتدأ خبره قوله { خير لهن } من الوضع لبعده من التهمة { والله سميع } مبالغ فى جميع مايسمع فيسمع ما يجرى بينهن وبين الرجال من المقاولة { عليم } فيعلم مقاصدهن وفيه من الترهيب ما لايخفى ، اعلم ان العجوز اذا كانت بحيث لا تشتهى جاز النظر اليها لأمن الشهوة . وفيه اشارة الى ان الامور اذا خرجت عن معرض الفتنة وسكنت ناشرة الآفات سهل الامر وارتفعت الصعوبة وابيحت الرخص ولكن التقوى فوق امر الفتوى كما اشار اليه قوله تعالى { وان يستعففن خير لهن } وفى الحديث « لايبلغ العبد ان يكن من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس » ، قال ابن سيرين ما غشيت امرأة ققط لا فى يقظة ولا فى نوم غير ام عبدالله وانى لارى المرأة فى المنام فاعلم انها لاتحل لى فاصرف بصرى ، قال بعضهم ليت عقلى فى اليقظة كعقل ابن سيرين فى المنام ، وفى الفتوحات المكية يجب على الورع ان يجتنب فى خياله كما يجتنب فى ظاهره لان الخيال تابع للحس ولهذا كان المريد اذا وقع له احتلام فلشيخه معاقبته على ذلك لان الاحتلام برؤيا فى النوم او بالتصور فى اليقظة لايكون الامن بقية الشهوة فى خياله فاذا احتلم صاحب كمال فانما ذلك لضعف اعضائه الباطنة لمرض طرأ فى مزاجه لاعن احتلام لا فى حلال ولا فى حرام انتهى . ثم ان العجوز فى حكم الرجل فى ترك الحجاب لا فى مرتبته كما قال حكيم ان خير نصفى الرجل أخره يذهب جهله ويتقرب حلمه ويجتمع رأيه وشر نصفى المرأة آخرها يسوء خقلها ويحد لسانها ويعقم رحمها ، وعدم رجاء النكاح انما هو من طرف الرجل لا من طرف العجوز غالبا فانه حكى ان عجوزا مرضت فاتى ابنها بطبيب فرآها متزينة باثواب مصبوغة فعرف حالها فقال ماحوجها الى الزوج فقال الابن ما للعجائز والازواج فقالت ويحك انت اعلم من الطبيب وحكى لما مات زوج رابعة العدوية استأذن عليها الحسن البصرى واصحابه فاذنت لهم بالدخول عليها وارخت سترا وجلست وراء الستر فقال لها الحسن واصحابه انه قد مات بعلك ولا بد لك منه قالت نعم وكرامة لكن من اعلمكم حتى ازوجه نفسى فقالوا الحسن البصرى فقالت ان اجبتنى فى اربع مسائل فانا لك فقال سلى ان وفقنى الله اجبتك قالت ما تقول لوم مت انا وخرجت من الدنيا مت على الايمان ام لا قال هذا غيب لا يعلمه الى الله ثم قالت ما تقول لو وضعت فى القبر وسألنى منكر ونكير أأقدر على جوابهما ام لا قال هذا غيب ايضا ثم قالت اذا حشر الناس يوم القيامة وتطايرت الكتب أأعطى كتابى بيمينى ام بشمالى قال هذا غيب ايضا ثم قالت اذا نودى فى الخلق فريق فى الجنة وفريق فى السعير كنتا انا من أى الفريقين قال هذا غيب ايضا قالت من كان له علم هذه الاربعة كيف يشتغل بالتزوج ثم قالت يا حسن اخبرنى كم خلق الله العقل قال عشرة اجزاء تسعة للرجال وواحد للنساء ثم قالت يا حسن كم خلق الله الشهوة قال عشرة اجزاء تسعه للنساء وواحد للرجل قالت يا حسن انا اقدر على حفظ تسعة اجزاء من الشهوة بجزء من العقل انت لا تقدر على حفظ جزء من الشهوة بتسعة اجزاء من العقل فبكى الحسن وخرج من عندها ، وعن سليمان عليه السلام الغالب على شهواته اشد من الذى يفتح المدينة وحده : قال الشيخ سعدى قدس سره (9/172)
مبر طاعت نفس شهوت برست ... كه هر ساعتش قبله ديكرست (9/173)
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
{ ليس على الاعمى } مفتقد البصر : وبالفارسية [ نابينا ] { حرج } اثم ووبال { ولا على الاعرج حرج } العروج ذهاب فى صعود وعرج مشى مشى العارج اى الذاهب فى صعود فعرج كدخل اذا اصابه شىء فى رجله فمشى مشية العرجان وعرج كطرب اذا صار ذلك خلقة له والاعرج بالفارسية [ لنك ] { ولا على المريض حرج } المريض بالفارسية [ بيمار ] والمرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالانسان كانت هذه الطوائف يتحرجون من مواكلة الاصحاء حذرا من استقذارهم اياهم وخوفا من تأذيهم بافعالهم واوضاعهم فان الاعمى ربما سبقت اليه عين مواكله ولا يشعر به والاعرج يتفسح فى مجلسه فيأخذ اكثر من موضعه فيضيق على جليسه والمريض لا يخلو عن حالة تؤذى قرينه اى برائحة كريهة او جرح يبدوا او انف يسيل او نحو ذلك فقال تعالى لا بأس لهم بان يأكلوا مع الناس ولا مأثم عليهم { ولا على انفسكم } اى عليكم وعلى من يماثلكم فى الاحوال المؤمنين حرج { ان تأكلوا } الاكل تنول المطعم اى ان تأكلوا انت ومن معكم { من بيوتكم } اصل البيت مأوى الانسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه لكن البيوت بالمسكن اخص الابيان بالشعر وليس المعنى ان تأكلوا من البيوت التى تسكنون فيها بانفسهم وفيها طعامكم وسائر اموالكم لان الناس لايتحرجون من اكل طعامهم فى بيوت انفسهم فينبغى ان يكون المعنى من بيوت الذين كانوا فى حكم انفسكم لشدة الاتصال بينهم وبينكم كالازواج والاولاد والمماليك ونحوهم فان بيت المرأة كبيت الزوج وكذا بيت الاولاد فلذلك يضيف الزوج بيت زوجته الى نفسه وكذا الاب يضيف بيت ولده الى نفسه وفى الحديث « ان اطيب ما كل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه » فى حديث آخر « انت ومالك لابيك » فاذا كان هذا حال الاب مع الولد فقس عليه حال المملوك مع المولى { او بيوت آبائكم } الاب الوالد اى حيوان يتولد من نطفته حيوان آخر { او بيوت امهاتكم } جمع ام زيدت الهاء فيه كا زيدت فى اهراق من اراق والام بازاء الاب اى الوالدة { او بيوت اخوانكم } الاخ المشارك لآخر فى الولادة من الطرفين او من احدهما او من الرضاع ويستعار فى كل مشارك لغيره فى القبيلة او فى الدين اوفى صنعه او فى معاملة اوفى مودة او فى غير ذلك من المناسبات { او بيوت اخواتكم } الاخت تأنيث الاخ وجعل التاء فيها كالعوض عن المحذوف منه { او بيوت اعمامكم } العم اخ الاب العمة اخته واصل ذلك من العموم وهو الشمول ومنه العامة لكثرتهم وعمومهم فى البلد العمامة لشمولها { او بيوت عماتكم } [ خواهران بدرانخود ] { او بيوت اخاوالكم } الخال اخ الام والخالة اختها : وبالفارسية [ برادران مادران خود ] { او بيوت خالاتكم } الفتح والفتح ازالة الاغلاق والاشكال . (9/174)
والمعنى { او ماملكتم مفاتحه } اى اومن البيوت التى تملكون التصرف فيها باذن اربابها كما اذا خرج الصحيح الى الغزوا وخلف الضعيف فى بيته ودفع اليه مفتاحه واذن له ان يأكل مما فيه من غير مخافة ان يكون اذنه لا عن طيب نفس منه ، وقال بعضهم هو مايكمون تحت ايديهم وتصرفهم من ضيعة او ماشية كالة او حفظا فملك المفاتح حينئذ كناية عن كون المال فى يد الرجل وحفظه ، فالمعنى ليس عليكم جناح ان تأكلوا من اموال لكم يد عليها لكن لامن اعيانها بل من اتباعها وغلاتها كثمر البستان ولبن الماشية { او صديقكم } الصداقة صدق الاعتقاد فى المودة وذلك مختص بالانسان دون غيره فالصديق هو من صدقك فى مودته : وبالفارسية [ دوست حقيقى ] ، قال ابو عثمان رحمه الله الصديق من لايخالف باطنه باطنك كما لايخالف ظاهره ظاهرك اذ ذاك يكون الانبساط اليه مباحا فى كل شىء من امور الدين والدنيا . ونعم ما قيل صديقك من صدقك لامن صدّقك . والمعنى او بيوت صديقكم وان لم يكن بينكم وبينهم قرابة نسبية فانهم ارضى بالتبسط واسر به من كثير من الاقرباء روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان الصديق اكبر من الوالدين روى ان الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والامهات وانما قالوا فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ، وعن الحسن انه دخل يوما بيته فرأى جماعة من اصدقائه قد اخذوا طعاما من تحت سريره وهم يأكلون فتهلك وجهه سرورا وقال هكذا وجدناهم يعنى من لقى من البدريين ، قال الكاشفى [ فتح موصلى رحمه الله در خانه دوتسى آمد واو حاضر نبودكيسه اورا زجاريه طلبيدزو درم برداشت وباقى بكنيزك بازداد وجون خواجه بخانه رسيدو صورت واقعة زجارية بشنيد شكرانه آن انبساط كنيزك را آزاردكرد وبنواخت : درنكارستان آورده ] (9/175)
شبى كفتم نهان فرسوده را ... كه بود آسوده در كنج رباطى
زلدتهاجه خوشتر در جهان كفت ... ميان دوستدراران انبساطى
[ ودر عوارف المعارف فرموده كه جون كسى يارخودرا كويد « اعطنى من مالك » ودر جواب كويد كمترست دوستى نمى شايد يعنى بايدكه هرجه درميان دراد ميدهد واز استفسار جند وجون بكذردكه دوست جانى بهترست از مال فانى ودرين باب كفته اند اى دوست برو بهرجه دارى يارى بخر بهيج مفروش ] : ولله در من قال
ياران بجان مضايقه باهم نميكنند ... آخر كسى بحال جدايى جراكند
بيسار جد وجهد ببايدكه تاكسى ... خودرا بآدمى صفتى آشنا كند
قال المفسرون هذا كله اذا علم رضى صاحب البيت بصريح الاذن او بقرينه دالة كالقرابة والصداقة ونحو ذلك ولذلك خص هؤلاء بالذكر لاعتيادهم التبسط فيما بينهم يعنى ليس عليكم جناح ان تأكلوا من منازل هؤلاء اذا دخلتموها وان لم يحضروا ويعلموا من غير ان تتزودوا وتحلموا ، قال الامام الواحدى فى الوسيط وهذه الرخصة فى اكل مال القرابات وهم لا يعملون ذلك كرخصته لمن دخل حائطا وهو جائع ان يصيب من ثمره او مرّ فى سفره بغنم وهو عطشان ان يشرب من رسلها توسعة منه تعالى ولطفا بعباده ورغبة بهم عن دناءة الاخلاق وضيق النظر ، واحتج ابو حنيفة بهذه الآية على من سرق من ذى محرم لا تقطع يده اى اذا كان ماله غير محرز كما فى فتح الرحمن الانه تعالى اباح لهم الاكل من بيوتهم ودخولها بغير اذنهم فلا يكون ماله محرزا منهم اى اذا لم يكن مقفلا ومخزونا ومحفوظا بوجه من الوجوه المعتادة ولا يلزم منه ان لا تقطع يده اذا سرق من صديقه لان من اراد سرقة المال من صديقه لايكون صديقا له بل خائنا عدوا له فى ماله بل فى نفسه فان من تجاسر على السرقة تجاسر على الاهلاك قرب سرقة مؤدية الى ما فوقها من الذنوب فعلى العاقل ان لايغفل عن الله وينظر الى احوال الاصحاب رضى الله عنهم كيف كانوا اخوانا فى الله فوصلوا بسبب ذلك الى ماوصلوا من الدرجات والقربات وامتازوا بالصدق الاتم والاخلاص الاكمل والنصح الاشمل عمن عداهم فرحمهم الله تعالى ورضى عنهم وألحقنا بهم فى نياتهم اعمالهم { ليس عليكم جناح } فى { ان تأكلوا } حال كونكم { جميعا } اى مجتمعين { او اشتاتا } جمع شت بمعنى متفرق على انه صفة كالحق او بمعنى تفرق على انه مصدر وصف به مبالغة .
واما شتى فجمع شتيت كمرضى ومريض ، نزل فى بنى ليث بن عمرو وهم حى من كنانة كانوا يتحرجون ان يأكلوا طعامهم منفردين وكان الرجل منهم لايأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه فان لم يجد من يواكله لم يأكل شيأ وربما قعد الرجل والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح الى الروح وربما كان معه الابل الحفل اى المملوءة الضرع لبنا فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فاذا امسى ولم يجد احدا اكل فرخص فى هذه الآية الاكل وحده لان الانسان لا يمكنه ان يطلب فى كل مرة احدا يأكل معه واما اذا وجد احدا فلم يشاركه فما اكله فقد جاء الوعيد فى حقه كما قال عليه السلام « من اكل وذو عينين ينظر اليه ولم يواسه ابتلى بداء لادواء له » ، قال الامام النسفى رحمه الله دل قوله تعالى { جمعيا } على جواز التناهد فى الاسفار وهو اخراج كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه اى على السوية ، وقال بعضهم فى خلط المال ثم اكل الكل منه الاولى ان يستحل كل منهم غذاء كل او يتبرعون لامين ثم يتبرع لهم الامين { فاذا دخلتم بيوتا } اى من البيوت المذكورة بقرينة المقام اى للاكل وغيره وهذا شروع فى بيان ادب الدخول بعد الترخيص فيه { فسلما على انفسكم } اى فابدأوا بالتسليم على اهلها الذين بمنزلة انفسكم لما بينكم وبينهم من القرابة الدينية والنسبية الموجبة لذلك { تحية } ثابتة { من عند الله } اى بأمره مشروعة من لدنه ويجوز ان يكون صلة للتحية فانها طلب الحياة التى من عنده تعالى . (9/176)
والتسليم طلب السلامة من الله للمسلم عليه وانتصابها على المصدرية لانها بمعنى التسليم اى فسلموا تسليما { مباركة } مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامها { طيبة } تطيب بها نفس المستمع { كذلك } اشارة الى مصدر الفعل الذى بعده اى مثل ذلك التبيين { يبين الله لكم الآيات } الدالة على الاحكام اى ينزلها مبينة واضحة الدلالات عليها { لعلكم تعقلون } اى لكى تفقهوا مافى تضاعيفها من الشرائع والاحكام والآداب وتعملون بموجبها وتفوزون بذلك بسعادة الدارين ، وعن انس رضى الله عنه قال خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لشىء فعلته ولا لشىء كسرته لم كسرته وكنت قائما اصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال « ألا اعلمك ثلاث خصال تنفتع بها » فقلت بلى بأبى أنت وامى يارسول الله قال « متى لقيت احدا من امتى فسلم عليه يطل عمرك واذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خيرك وصل صلاة الضحى فانها صلاة الابرار الاوابين » ، يقول الفقير لاحظ عليه السلام فى التسليم الخارجى المعنى اللغوى للتحية فرتب عليه طول العمر لانه ربما يستجيب الله تعالى دعاء المسلم عليه فيطول عمر المسلم بمعنى وجدان البركة فيه ولاحظ فى التسليم الداخلى معنى البركة فرتب عليه كثرة الخير لانها المطلوبة غالبا بالنسبة الى البيت ولما كان الوقت وقت الوضوء لصلاة الضحى والله اعلم الحقها بالتسليم واوردها بعد الداخلى منه اشارة الى ان الافضل اخفاء النوافل بادائها فى البيت ونحوه ، قالوا ان لم يكن فى البيت احد يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد روى ان الملائكة ترد عليه وكذا حال المسجد وفى الحديث « اذا دخلتم بيوتكم فسلما على اهلها واذا طعم احدكم طعاما فليذكر اسم الله عليه فان الشيطان اذا سلم احدكم فلم يدخل بيته معه واذا ذكر الله على طعامه قال لا مبيت لكم ولاعشاء وان لم يسلم حين يدخل بيته ولم يذكر اسم الله على طعامه قال ادركتم العشاء والمبيت » والتسليم على الصبيان العقلاء افضل من تركه كما فى البستان . ولا يسلم على جماعة النساء الشواب كيلا يحصل بينهما معرفة وانبساط فيحدث من تلك المعرفة فتنة . ولا يبتدىء اليهود والنصارى بالسلام فانه حرام لانه اعزاز الكافر وذا لايجوز . (9/177)
وكذا السلام على اهل البدعة ولو سلم على من لايعرفه فظهر ذميا او مبتدعا يقول استرجعت سلامى تحقيرا له ولو احتاج الى سلام اهل الكتاب يقول السلام على من اتبع الهدى ولو رد يقول وعليكم فقط وقد مر ما يتعلق بالسلام مشبعا فى الجلد الاول عند قوله تعالى فى سورة النساء { واذا حييتم بتحية } ارجع ، قال فى حقائق البقلى قدس سره اذا دخلتم بيوت اولياء الله بالحرمة والاعتقاد الصحيح فانتم من اهل كرامة الله فسلموا على انفسكم بتحية الله فانها محل كرامة الله فى تلك الساعة ، يقول الفقير وكذا الحال فى دخول المزارات والمشاهد المتربكة وان كان العامة لا يعرفون ذلك ولايعتقدون : قال الكمال الخجندى (9/178)
معتقد صوفيان ... ست جو من صوفىء نيك اعتقاد
فظ
ت ماجون كذرى همت خواه ... زيارتكه رندان جهان خواهد بود
امى
صبح زرعنى ربى نجد وقبلها ... بوى دوست مى آيدازان ياكيزه منزلها
علنا من الذين يجدون النفس الرحمانى من قبل اليمن فى كل حين وزمن .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
{ انما المؤمنون } نزلت حين جمع النبى عليه السلام المسلمين يوم الجمعة ليستشيرهم فى امر الغزو وكان يثقل المقام عنده على البعض فيخرج بغير اذنه او فى حفر الخندق وكان المنافقون ينصرفون بغير امر رسول الله وكان الحفر من اهم الامور حتى حفر رسول الله بنفسه وشغل عن اربع صلوات حتى دخلت فى حد القضاء فقال تعالى { انما المؤمنون } اى الكاملون فى الايمن وهو مبتدأ خبره قوله { الذين آمنوا بالله ورسوله } عن صميم قلوبهم واطاعوهما فى جميع الاحكام فى السر والعلانية { واذا كانوا معه } مع النبى عليه السلام { على امر جامع } الى آخره معطوف على آمنوا داخل معه فى حيز الصلة اى على امر مهم يجب اجتماعهم فى شأنه كالجمعة والاعياد والحروب والمشاورة فى الامور وصلاة الاستسقاء وغيرها من الامور الداعية الى الاجتماع وصف الامر بالجمعم للمبالغة فى كونه سببا لاجتماع الناس فان الامر لكونه مهما عظيم الشان صار كأنه قد جمع الناس فهو من قبيل اسناد الفعل الى السبب { لم يذهبوا } من الجمع ولم يتفرقوا عنه عليه السلام { حتى يستأذنوه } عليه السلام فى الذهاب فيأذن لهم واعتبر فى كمال الايمان عدم الذهاب قبل الاستئذان لانه المميز للمخلص من المنافق ثم قال لمزيد التأكيد { ان الذين يستأذنوك } يطلبون الاذن منك { اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } لاغير المستأذنين ، قال الكاشفى [ تعريض جمع منا فقانست كه درغزوه تبوك بتخلف ازجهاد دستورى جستند ودر باره ايشان نازل شد كه ] { انما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله } الآية اى فبعض المستأذنين وكل غير المستأذنين دخلوا فى الترهيب وذلك بحسب الاغراض الفاسدة ولانه فرق بين الاستئذان فى التخلف وبين الاستئذان فى الانصراف ألا ترى الى عمر رضى الله عنه استأذنه عليه السلام فى غزوة تبوك فى الرجوع الى اهله فأذن له فقال « انطلق فوالله ما انت بمنافق » هكذا لاح بالبال { فاذا استأذنوك } اى وبعد ما تحقق ان الكاملين فى الايمان هم المستأذنون فاذا استأذنوك فى الانصراف { لبعض شأنهم } الشأن الحال والامر ولا يقال الا فما يعظم من الاحوال والامور كما فى المفردات لبعض امرهم المهم او خطبهم الملم لم يقل لشؤنهم بل قيد بالبعض تغليظا عليهم فى امر الذهاب عن مجلس رسول الله مع العذر المبسوط ومساس الحاجة { فأذن لمن شئت منهم } لما علمت فى ذلك من حكمة ومصلحة فلا اعتراض عليك فى ذلك { واستغفر لهم الله } بعد الاذن فان الاستئذان وان كان لعذر قوى لايخلوا من شائبة تفضيل امر الدنيا على الآخرة ، ففيه اشارة الى ان الافضل ان لايحدث المرء نفسه بالذهاب فضلا عن الذهاب { ان الله غفور } مبالغ فى فرطات العباد { رحيم } مبالغ فى افاضة اثر الرحمة عليم ، وفى الآية بيان حفظ الادب بان الامام اذا جمع الناس لتدبير امر من امور المسلمين ينبغى ان لا يرجعوا الا باذنه ولا يخالفوا امير السرية ويرجعوا بالاذن اذا خرجوا للغزو ونحوه وللامام ان يأذن وله ان لا يأذن الا على مايرى فمن تفرق بغير اذن صار من اهل الهوى والبدع وكان عليه السلام اذا صعد المنبر يوم الجمعة واراد رجل الخروج وقف حيث يراه فيأذن له ان شاء ولذا قال عظماء الطريقة قدس الله اسرارهم ان المريد اذا اراد ان يخرج لحاجة ضرورية ولم يجد الشيخ مكانه فان يحضر الباب ويتوجه بقلبه فيستأذن من روحانية الشيخ حتى لايستقل فى خروجه بل يقع ذلك من طريق المتابعة فان للمتابعة تأثيرا عظيما . (9/179)
قال فى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان المريد الصادق من يكون مستسلما لتصرفات شيخه وان لا تنفس الا باذن شيخه ومن خالف شيخه فى نفسه سرا او جهرا لا يشم رائحة الصدق وسيره غير سريع وان بدر منه شىء من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والافصاح عما حصل منه من المخالفة والخيانة ليهديه شيخه الى مافيه كفارة جرمه ويلتزم فى الغرامة بما يحكم به عليه واذا رجع المريد الى الله والى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته فان المريدين عيال على الشيوخ فرض عليهم ان ينفقوا عليهم من قوت اموالهم بما يكون جبرانا لتقصيرهم انتهى ، فعلى المريدين ان يوافقوا مشايخهم فى جميع الاحوال وان لايستبدوا بآرائهم فى امور الشريعة والطريقة وان لايخالفوهم بالاستبعاد بالخروج من عندهم الى السفر والحضر والمجاهدة والرياضة ، قال عبدالله الرازى قال قوم من اصحاب ابى عثمان قدس سره اوصنا قال عليكم بالاجتماع على الدين واياكم ومخالفة الاكابر والدخول فى شىء من الطاعات الا باذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما امكنكم فارجعوا ان لايضيع الله لكم سعيا انتهى فمن وقع منه تقصير فلا يقنط فان لله تعالى قبولا ثم قبولا : قال المولى الجامى (9/180)
بلى بنود درين ره ن اميدى ... سياهى را بود رو درسفيدى
ز صد در كر اميدت بر ينايد ... بنوميدى جكر خوردن نشايد
در ديكر ببايد زد كه ناكاه ... ازان درسوى مقصود آورى راه
والله تعالى يقبل التوبة والاستغفار ، واعلم ان هذه الابيات تشير الى ابواب الشفاعة وكثرتها والا فمن رده باب من الابواب الحقة فلا تقبله سائر الابواب ألا ترى ان من رده الله تعالى لايقبله النبى عليه السلام ومن رده النبى عليه السلام لا يقبله الخلفاء الاربعة ولا غيرهم من امته فمن ترك الاستئذان من رسول الله لا يأذن له احد ولو اذن لايفيد وكذا حال من ترك الاستئذان من وارث رسول الله يعنى انه لايفيد اذن غير الوارث وما اذن وارث آخر فلا يتصور لان الوارثين كالحلقة المفرغة فاذا لم ينطبع فى مرآة واحد منهم صورة صلاح احد لم ينطبع فى مرآة الآخر نسأل الله القبول بحرمة الرسول .
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
{ لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم } المصدر مضاف الى الفاعل اى لاتجعلوا دعوته وامره اياكم فى الاعتقاد والعمل بها { كدعاء بعضكم بعضا } اى لا تقيسوا دعوته اياكم الى شىء من الامور على دعوة بعضكم بعضا فى جواز الاعراض والمساهلة فى الاجابة والرجوع بغير اذن فان المبادرة الى اجابته واجبة والمراجعة بغير اذنه محرمة ، وقال بعضهم المصدر مضاف الى المفعول والمعنى لاتجعلوا نداءكم اياه وتسميتكم له كنداء بعضكم بعضا باسمه مثل يا محمد ويا ابن عبدالله وفع الصوت به والنداء وراء الحجرة ولكن بلقبه المعظم مثل يانبى الله ويارسول الله كما قال تعالى { يايها النبى } { يايها الرسول } قال الكاشفى [ حضرت عزت همه انبيارا بنداى علامت خطاب كرده وحبيب خودرا بنداى كرامت ] (9/181)
يا آدمست با بدرانبيا خطاب ... ايا ايها النبى خطاب محمد است
قال ابو الليث فى تفسيره وفى الآية بيان توقير معلم الخير لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معلم الخير فامر الله بتوقيره وتعظيمه وفيه معرفة حق الاستاذ وفيه معرفة اهل الفضل ، قال فى حقائق البقلى احترام الرسول من احترام الله ومعرفته من معرفة الله والادب فى متابعته من الادب مع الله .
وفى التأويلات النجمية يشير الى تعظيم المشايخ فان الشيخ فى قومه كالنبى فى امته اى عظموا حرمة الشيوخ فى الخطاب واحفظوا فى خدمتهم الادب وعلقوا طاعتهم على مراعاة الهيبة والتوقير { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم قد للتحقيق بطريق الاستعارة لاقتضاء الوعيد اياه كما ان رب يجيىء للتكثير وفى الكواشى قد هنا موذنة بقلة المتسللين لانهم كانوا اقل من غيرهم ، والتسلل الخروج من البين على التدريج والخفية يقال تسلل الرجل اى انسرق من الناس وفارقهم بحيث لايعلمون والمعنى يعلم الله الذين يخرجون من الجماعة قليلا قليلا على خفية { لواذا } هو ان يستتر بشىء مخالفة من يراه كما فى الوسيط ، قال فى القاموس اللوذ بالشىء الاستتار والاحتصان به كاللواذا مثلثة انتهى . والمعنى ملاوذة بان يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج او بان يلوذ بمن يخرج بالاذن ، اراءة انه من اتباعه وانتصابه على الحالية من ضمير يتسللون اى ملاوذين او على انه مصدر مؤكذ بفعل مضمر هو الجللة فى الحقيقة اى يلاوذون لواذا وهو عام للتسلل من صف القتال ومن المسجد يوم الجمعة وغيرهما من المجامع لحقة ، وقال بعضهم كان يثقل على المنافقين خطبة النبى يوم الجمعة فيلوذون ببعض اصحابه او بعضهم ببعض فيخرجون من المسجد فى استتار من غير استئذان فاوعدهم الله تعالى بهذه الآية { فليحذر الذين يخالفون عن امره } يخالفون امره بترك مقتضاه ويذهبون سمتا بخلاف سمته وعن لتضمينه معنى الاعراض والميل والضمير لله لانه الآمر حقيقة او للرسول لانه المقصود بالذكر { ان } اى من ان { تصيبهم } [ برسدبريشان ] { فتنة } محنة فى الدنيا فى البدن او فى المال او فى الولد كالمرض والقتل والهلاك وتسلط السلطان ، قال الكاشفى [ يامهرغفلت بردل ياروى توبة .
جنيد قدس سره فرموده كه فتنة سختىء دلست ومتأثر ناشدن او ازمعرفت آلهى ] { او يصيبهم عذاب اليم } اى فى الآخرة ، وفى الجلالين { ان تصيبهم فتنة } بلية تظهر نفاقهم { او يصيبهم عذاب اليم } عاجل فى الدنيا انتهى وكلمة او لمنع الخلودون الجمع واعادة الفعل صريحاً للاعتناء بالتحذير وفى ترتيب العذابين على المخالفة دلالة على ان الامر للوجوب . (9/182)
وفى التأويلات النجمية { فليحذر الذين يخالفون عن امره } اى عن امر شيخهم { ان تصبيهم فتنة } من موجبات الفترة بكثرة المال او قبول الخلق او التزويج بلا وقته او السفر بلا امر الشيخ او مخالفة الاحداث و النسوان والافتتان بهم او صحبة الاغنياء او التردد على ابواب الملوك او طلب المناصب او كثرة العيال فان الاشتغال بما سوى الله فتنة { او يصيبه عذاب اليم } بالانقطاع عن الله ا نتهى ، وفى حقائق البقلى الفتنة ههنا والله اعلم فتنة صحبة الاضداد والمخالفين والمنكرين وذلك ان من صاحبهم يسوء ظنه باولياء الله لانهم اعداء الله واعداء اوليائه يقعون كل وقت فى الحق ويقبحون احوالهم عند العامة لصرف وجوه الناس اليهم وهذه الفتنة اعظم الفتن ، قال ابو سعيد الحراز ورحمه الله الفتنة هى اصباغ النعم مع الاستدراج من حيث لا يعلم العبد ، وقال رويم الفتنة للعوام والبلاء للخواص ، وقال ابو بكر بن طاهر الفتنة مأخوذ بها والبلاء معفو عنه ومثاب عليه .
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
{ الا } [ بدانيدو آكاه باشيد ] { ان لله مافى السموات والارض } من الموجودات باسرها خلقا وملكا وتصريفا ايجادا واعداما بدأ واعادة { قد } كما قبله { يعلم ما أنتم عليه } ايها المكلفون من الاحوال والاوضاع التى من جملتها الموافقة والمخالفة والاخلاص والنفاق { ويوم يرجعون اليه } عطف على ما أنتم عليه ويوم مفعول به لاظرف اى يعلم تحقيقا يوم يرد المنافقون المخالفون للامر اليه تعالى للجزاء والعقاب فيرجعون من الرجع المعتدى لامن الرجوع اللازم والعلم بوقت وقوع الشىء مسلتزم للعلم بوقوعه على ابلغ وجه { فينبئهم بما علموا } من الاعمال السيئة اى يظهر لهم على رؤس الاشهاد ويعلمهم اى شىء شنيع عملوا فى الدنيا ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء وعبر عن اظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم تنبيها على انهم ك انوا جاهلين بحال مارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته لغلبة احكام الكثرة الخلقية الامكانية وآثار الا مزجة الطبيعية الحيوانية فى نشأتهم { والله بكل شىء عليم } لا يخفى عليه شىء فى الارض ولا فى السماء وان كان المنافقون يجتهدون فى ستر اعمالهم عن العيون واخفائها (9/183)
آنكس كه بيافريد بيدا ونهان ... جون نشناسدنهان وبيدايجهان
وفى التأويلات النجمية { ألا ان لله مافى السموات اولارض } من نعيم الدنيا والآخرة فمن تعلق بشىء مننه يبعده الله عن الحضرة ويؤاخذه بقدر تعلقه بغيره { ويوم يرجعون اليه } بسلاسل المتعلقات { فينبئهم بما عملوا } عند مطالبتهم بمكافأة الخير خيرا ومجازاة الشر شرا { والله بكل شىء عليم } اى بكل شىء من مكافأة الخير ومجازاة الشر عليم بالنقير والقطمير مما عملوا من الصغير والكبير انتهى ، واعلم ان التعلق بكل من نعيم الدنيا ونعيم الآخرة حرام على اهل الله تعالى نعم ان اهل الله يحبون الآخرة بمعنى ان الآخرة فى الحقيقة هو الآخر بالكسر وهو الله تعالى ، قال بعض اهل الحقيقة ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك . فعلى العاقل ان يقطع حبل العلاقات ويتصل بسر تجرد الذات والصفات ويتفكر فى امره ويحاسب نفسه قبل ان يجيء يوم الجزاء والمكافات فان عقب هذه الحياة مماة وهذا البقاء ليس على الدوام والثبات وفى الحديث « ما قال الناس لقوم طوبى لكم الا وقد خبأ لهم الدهر يوم سوء » قال الشاعر
ان الليالى لم تحسن الى حد ... الا اساءت اليه بعد احسان
وق آخر
احسنت ظنك بالايام اذا حسنت ... ولم تخف شعر ما يأتى به القدر
وقال آخر
لا صحة المرء فى الدنيا تؤخره ... ولا يقدم يوما موته الوجع
{ والله بكل شىء عليم } من يوم الموت والرجوع اختيارا واضطرارا وغير ذلك من الامور سرا وجهرا فطوبى لمن شاهد ولاحظ هذا الامر وختم بالخوف والمراقبة الوقت والعمر .
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)
{ تبارك الذى نزل الفرقان } اى تكاثر خير الذى الخ فالمضاف محذوف من البركة وهى كثرة الخير وترتيبه على تنزيل الفرقان لما فيه من كثرة الخير دينيا ودنيويا او معناه تزايد على كل شىء وتعالى عنه فى صفاته وافعاله فان البركة تتمضمن معنى الزيادة فترتيبه عليه لدلالته على تعاليه ، قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة يروى ان الصاحب ابن عباد كان يتردد فى معنى الرقيم وتبارك والمتاع ويدور على قبائل العرب فسمع امرأة تسأل اين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم واخذ المتاع وتبارك الجبل فاستفسر عنهم وعرف ان الرقيم الكلب وان المتاع هو ما يبل بالماء فيسمح به القصاع وان تباك بمعنى صعد ، وقال بعضهم البركة ثبوت الخير الآلهى فى الشىء وسمى محبس الماء بركة لدوام الماء فيها وثبوته . فمعنى تبارك دام دواما ثابتا لانتقال له ولهذا لا يقال له يتبارك مضارعا لانه للانتقال ، قال فى برهان القرآن هذه لفظة لاتستعمل الا لله و لاتستعمل الا بلفظ الماضى وخص هذه الموضع بالذكر لان ما ابعده امر عظيم وهو القرآن المشتمل على معانى جميع كتب الله . والفرقان مصدر فرق بين الشيئين اى فصل وسمى به القرآن لغاية فرقه بين الحق والباطل والمؤمن والكافر { على عبده } الاخلص ونبيه الاخص وحبيبه الاعلى وصفيه الاولى محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وفيه تشريف له بالعبدية المطلقة وتفضيل بها على جميع الانبياء فانه تعالى لم يسم احد منهم بالعبد مطلقا كقوله تعالى { عبده زكريا } وتنبيه على ان الرسول لايكون الا عبدا للمرسل ردا على النصارى ولذا قدم فى التشهد عبده على رسوله { ليكون للعالمين نذيرا } غاية للتنزيل اى ليكون العبد منذرا بالقرآن للانس والجن ممن عاصره او جاء بعده ومخوفا من عذاب الله وموجبات سخطه . فالنذير بمعنى المنذر والانذار اخبار فيه تخويف كما ان التبشير اخيار فيه سرور ، قال الامام الراغب العالم اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والاعراض وهو فى الاصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع ويختم به وجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة فالعالم آلة فى الدلالة على صانعه واما جمعه فلان كل نوع قد يسمى عالما فيقال عالم الانسان وعالم الماء وعالم النار واما جمعه جمع السلامة فلكون الناس فى جملتهم والانسان اذا شارك غيره فى اللفظ غلب حكمه انتهى ، قال ابن الشيخ جمع بالواو والنون لان المقصود استغراق افراد العقلاء من جنس الجن والانس فان جنس الملائكة وان كان من جملة اجناس العالم الا ان النبى عليه السلام لم يكن رسولا الى الملائكة فلم يبق من العالمين المكلفين الا الجن والانس فهو رسول اليهما جميعا انتهى اى فتكون الآية وقوله عليه السلام (9/184)
« ارسلت للخلق كافة » من العام المخصوص ولم يبعث نبى غيره عليه السلام الا الى قوم معين واما نوح عليه اسلام فانه وان كان له عموم بعثة لكن رسالته ليست بعامة لمن بعده واما سليمان عليه السلام فانه ما كان مبعوثا الى الجن فانه نم التسخير العام لايلزم عموم الدعوة ، والآية حجة لابى حنيفة رضى الله عنه فى قوله ليس للجن ثواب اذا اطاعوه سوى النجاة من العذاب ولهم عقاب اذا عصوا حيث اكتفى بقوله { ليكون للعالمين نذيرا } ولم يذكر البشارة ، قال فى الارشاد عدم التعرض للتبشير لا نسياق الكلام على احوال الكفرة . (9/185)
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)
{ الذى } اى هو الذى { له } خاصة دون غيره استقلالا او اشتراكا { ملك السموات والارض } الملمك هو التصرف بالامر والنهى فى الجمهور ، قال الكاشفى [ بادشاهىء آسمانهارا وزميمنها جه وى منفرداست بآ فريد آنها بس اورا رسد تصرف دران ] ثم قال ردا على اليهود والنصارى { ولم يتخذ ولدا } ليرث ملكه لانه حى لا يموت وهو عطف على ما قبله من الجملة الظرفية ، قال فى المفردات تخذ بمعنى اخذ واتخذ افتعل منه والولد المولود ويقال للواحد والجمع والصغير والكبير والذكر والانثى ثم قال ردا على قريش { ولم يكن له شريك فى الملك } اى فى ملك السموات والارض لينازعه او ليعاونه فى الايجاد : وفى المثنوى (9/186)
وحد اندر ملك اورا يارنى ... بندكانش را جز اوسالارنى
نيست خلقش رادكركس مالكى ... شركتش دعوت كند جزهالكى
{ وخلق كل شىء } احدث كل موجود من الموجودات من مواد مخصوصة على صور معينة وربت فيه قوى وخواص مختلفة الاحكام والآثار { فقدره تقديرا } اى فهيأه لما راده منه من الخصائص والافعال اللائقة به كهيئة الانسان للادراك والفهم والنظر والتدبر فى امور المعاش والمعاد واستنباط الصانع المتنوعة ومزاولة الاعمال المختلفة وهكذا احوال سائر الانواع .
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)
{ واتخذوا } اى المشركون لا نفسهم { من دونه } اى حال كونهم متجاوزين عبادة الذى خلق هذه الاشياء { آلهة } من الاصنام { لايخلقون شيأ } اى لاتقدر تلك الآلهة على خلق شىء من الاشياء اصلا لاعلى ذهاب ولا على غيره وانما ذكره الاصنام بلفظ العقلاء لان الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء فخاطبهم بلغتهم كما فى تفسير ابى الليث { وهم يخلقون } كسائر المخلوقات { ولا يملكون لانفسهم } اى لايستطيعون { ضرا } اى دفع ضر قدم لكونه اهم من النفع { ولا نفعا } ولا جلب نفع فكيف يملكون شيأ منهما لغيرهم فهم اعجز من الحيوان فانه ربما يملك دفع الضر وجلب النفع لنفسه فى الجملة { ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا } اى لا يقدرون على اماتة الاحياء واحيائهم اولا وبعثهم ثانيا ومن كان كذلك فبمعزولين عن الالوهية لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها ، وفيه تنبيه على ان الاله يجب ان يكون قادرا على البعث والجزاء يعنى ان الضار والنافع والمميت والمحي والباعث ه والله تعالى فهو المعبود الحقيقى وما سواه فليس بمعبود بل عابد لله تعالى كما قال تعالى { ان كل من فى السموات والارض الا آتى الرحمن عبدا } وفى الآية اشارة الى الاصنام المعنوية وهم المشايخ المدّعون والدجاجلة المضلون فانهم ليسوا بقادرين على احياء القلوب واماته النفوس فالتابعون لهم فى حكم عابدى الاصنام فليحذر العاقل من اتخاذ اهل الهوى متبوعا فان الموت الاكبر الذى هو الجهل انما يزول بالحياة الاشرف الذى هو العلم فان كان للعبد مدخل فى افادة الخلق العلم النافع ودعائهم الى الله على بصيرة فهو الذى رقى غيره من الجهل الى المعرفة وانشأة نشأة اخرى واحياه حياة طيبة باذن الله تعالى وهى رتبة الانبياء ومن يرثهم من العلماء العاملين واما من سقط عن هذه الرتبة فليس الاستماع الى كلامه الا كاستماع بنى اسرائيل الى صوت العجل : قال المولى الجامى قدس سره (9/187)
بلاف ناخلفنان زمانه غره مشو ... مروجو سامرى ازره ببانك كوساله
وقد قال تعالى { وكونوا مع الصادقين } اى كونوا فى جملة الصادقين ومصاحبين لهم وبعضهم ولذا قالوا يلزم للمرء ان يختار من البقاء احسنها دينا حتى يتعاون بالاخوان الصادقين ، قيل لعيسى عليه السلام ياروح الله من نجالس فقال من يزيدكم فى علمه منطقه ويذكركم الله رؤيته ويرغبكم فى الآخرة عمله : قال الصائب قدس سره
نورى ازبيشانىء صاحب دلان دريوزه كن ... شمع خودرا برى دل مرده زين محفل جرا
اى كه روى عالمى را جانب خود كرده ... رونمى آرى بروى صائب بيدل جرا
اللهم بحق الفرقان اجعلنا مع الصادقين من الاخوان .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)
{ وقال الذين كفروا } كنضر ابن الحارث وعبدالله بن امية ونوفل بن خويلد ومن تابعهم { ان هذا } اى ماهذا القرآن { الا افك } كذب مصروف عن وجهه لان الافك كل مصروف عن وجهه الذى يحق ان يكون عليه ومنه قيل للرياح العادلة عن المهاب المؤتفكات ورجل مأفوك مصروف عن الحق الى الباطل { افتريه } اختلقه محمد من عند نفسه . والفرق بين الافتراء والكذب ان الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه كما فى الاسئلة المقحمة { واعانة عليه } اى على اختلاقه { قوم آخرون } اى اليهود فانهم يلقون اليه اخبار الامم وهو يعبر عنها بعبارته { فقد جاؤا } فعلوا بما قوالوا فان جاء واتى يستعملان فى معنى فعل فيعديان تعديته { ظلما } عظيما بجعل الكلام المعجز افكا مختلقا مفتعلا من اليهود يعنى وضعوا الافك فى غير موضعه { وزورا } اى كذبا كبيرا حيث نسبوا اليه عليه السلام ماهو بريىء منه ، قال الامام الراغب قيل للكذب زور لكونه مائلا عن جهته لان الزور ميل فى الزور اى وسط الصدر والازور المائل الزور . (9/188)
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)
{ وقالوا } فى حق القرآن هذا { اساطير الاولين } ماسطره المتقدمون من الخرافات والاباطيل مثل حديث رستم واسفنديار : وبالفارسية [ افسانهاى اوليانست كه در كتابها نوشته اند ] وهو جمع اسطار جمع سطر او اسطورة كاحدوثة واحاديث ، قال فى القاموس السطر الصف من الشىء الكتاب والشجر وغيره والخط والكتابة والقطع بالسيف ومنه الساطر للقصاب واسطره كتبه والاساطير الاحاديث التى لا نظام لها { اكتتبها } امر ان تكتب له لانه عليه السلام لايكتب وهو كاحتجم وافتصد اذا امر بذلك ، قال فى المفردات الا كتتاب متعارف فى الاختلاق { فهى } اى الاساطير { تملى عليه } تلقى على محمد وتقرأ عليه بعد اكتتابها وانتساخها ليحفظها من افواه من يمليها عليه لكونه اميا لا يقدر على ان يتلقاها منه بالقراءة والاملاء فى الاصل عبارة عن القاء الكلام على الغير ليكتبه { بكلاة وأصيلا } اول النهار وآخره اى دائما او خفية قبل انتشار الناس وحين يأوون الى مساكنهم ، وفى ضرام السقط اول اليوم الفجر ثم الصباح ثم الغداة ثم البكرة ثم الضحى ثم الضحوة ثم الهجيرة ثم الظهر ثم الرواح ثم المساء ثم العصر ثم الاصيل ثم العشاء الاولى ثم العشاء الاخيرة عند مغيب الشفق . (9/189)
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)
{ قل } يا محمد ردا عليه وتحقيقا للحق { أنزله الذى يعلم السر } الغيب { فى السموات والارض } لانه اعجزكم لفصاحته عن آخركم وتضمن اخبارا عن مغيبات مستقبله او اشياء مكنونة لا يعلمها الا عالم الاسرار فكيف تجعلونه اساطير الاولين { انه كان غفورا رحيما } اى انه تعالى ازلا وابدا مستمر على المغفرة والرحمة فلذلك لايعجل على عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليه واستحقاقكم ان يصب عليكم العذاب صبا ، وفيه اشارة الى ان اهل الضلالة من الذين نسبوا القرآن الى الافك لو رجعوا عن قولهم وتابوا الى الله ليكن غفورا لهم رحيما بهم كما قال تعالى { وانى لغفار لمن تاب } (9/190)
در توبه بازست وحق دستكير ... اعلم ان الله تعالى أنزل القرآن على وفق الحكمة الازلية فى رعاية مصالح الخلق ليهتدى به اهل السعادة الى الحضرة وليضل به اهل الشقاوة عن الحضرة وينسبوه الى الافك كما قال تعالى { واذ لم يهتدوا فسيقولون هذا افك قديم } والقرآن لا يدرك الا بنور الايمان والكفر ظلمة وبالظلمة لايرى الا الظلمة فبظلمة الكفر رأى الكفار القرآن النور انى القديم كلاما مخلوقا ظلمانيا من جنس كلام الانس فكذلك اهل البدعة لما رأوا القرآن بظلمة البدعمة رأوا كلاما مخلوقا ظلمانيا بظلمة الحدوث وظلموا انفسهم بوضع القرآن فى غير موضعه من كلام الانس وفى الحديث « القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق فمن قال بكونه مخلوقا فقد كفر بالذى انزله » نسأل الله العصمة والحفظ من الالحاد وسوء الاعتقاد ، ثم اعلم ان الامور اللازمة تعليم الجهلاء ورد الملاحدة والمبتدعة فانه كوضع الدواء على جراحة المجروح او كقتل الباغى المضر وردهم بالاجوبة القاطعة مما لايخالف الشريعة والطريقة ألا ترى ان الله تعالى امر حبيبه عليه السلام بالجواب للطاعنين فى القرآن وقد اجاب السلف عمن اطال على القرآن وذهب على حدوثه ومخلوقيته وكتبوا رسائل وكذا علماء كل عصر جاهدوا المخالفين بما امكن من المعارضة حتى ألقوهم الحجر اوفحموهم وخلصوا الناس من شبهاتهم وشكوكهم وفى الحديث « من انتهر » اى منع « بكلام غليظ صاحب بدعة سيئة مما هو عليه من سوء الاعتقاد والفحش من القول والعمل ملأ الله تعالى قلبه امنا وايمانا ومن اهان صاحب بدعة آمنه الله تعالى يوم القيامة من الفزع الاكبر » اى النفخة الاخيرى التى تفزع الخلائق عندها او الانصراف الى النار أو حين يطبق على النار او يذبح الموت واطلق الا من فى صورة الانتهار والمراد والمراد الامن فى الدنيا مما يخاف خصوصا من مكر من انتهره ويدل عليه مابعده وهو الايمان فانه من مكاسب الدنيا نسأل الله الامن والامان وكمال الايمان والقيام باوامره والاتعاظ بمواعظه وزواجره .
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7)
{ وقالوا } اى المشركون من اشراف قريش كابى جهل وعتبة وامية وعاص وامثالهم وذلك حين اجتماعهم عند ظهر الكعبة { ما } استفهامية بمعنى انكار الوقوع ونفيه مرفوعة على الابتداء خبرها قوله { ل هذا الرسول } وجدت اللام مفصولة عن الهاء فى المصحف واتباعه سنة وفى هذا تصغير لشأنه عليه السلام وتسميته رسولا بطريق الاستهزاء اى أى سبب حصل لهذا الذى يدعى الرسالة حل كونه { يأكل الطعام } كما نأكل والطعام ما يتناول من الغذاء { ويمشى فى الاسواق } لطلب المعاش كمانمشى جمع سوق وهو الموضع اذى يجلب اليه المتاع للبيع ويساق انكروا ان يكون الرسول بصفة البشر يعنى ان صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا ، قال بعضهم ليس بملك ولا ملك وذلك لان الملائكة لا يأكلون ولا يشربون والملوك لا يتسوفون ولا يبتذلون فعجبوا ان يكون مثلهم فى الحال ولا يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال لعدم بصيرتهم وقصور نظرهم على المحسوسات فان تمييز الرسل عمن عداهم ليس بامور جسمانية وانما هو باحوال نفسانية فالبشرية مركب الصورة والصورة مركب القلب والقلب مركب العقل والعقل مركب الروح والروح مركب المعرفة والمعرفة قوة قدسية صدرت عن كشف عين الحق ، قال الكاشفى [ ندانستندكه نبوت منافى بشريت نيست بلكه مقتضى آنست تاتناسب وتجانس كه سبب افاده واستفاده است بحصول بيوندد ] (9/191)
جنس بايد تادر آميزد بهم ... وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الكفار صم بكم عمى فهم لايعقلون لانهم نظروا الى الرسول بنظر الحواس الحيوانية وهم بمعزل من الحواس الروحانية والربانية فما رأوا منه الا مايرى من الحيوان ومارأوه بنظر يرى به النبوة والرسالة ليعرفوه انه ما كان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين فلهذا قال تعالى { وتراهم ينظرون اليك وهم لايبصرون } وذلك لانه لهم قلوب لايفقهون بها النبوة والرسالة ولهم أعين لا يبصرون بها الرسول والنبى ولهم آذان لا يسمعون بها القرآن ليعلموا انه معجزة الرسول فيؤمنوا به { لولا } حرف تحضيض بمعنى : هلا وبالفارسية [ جرا ] { أنزل اليه ملك } اى على هيئته وصورته المباينة لصورة البشر والجن { فيكون } نصب لانه جواب لولا { معه } مع الرسول { نذيرا } معينا له فى الانذار معلوما صدقه بتصديقه .
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)
{ او يلقى اليه كنز } من السماء يستظهر به ويستغنى عن تحصيل المعاش . والكنز المال المكنوز اى المجموع المحفوظ : وبالفارسية [ كنج ] { او تكون له جنة يأكل منها } اى ان لم يلق اليه كنز فلا اقل من ان يكون له بستان يتعيش بفائدة كما لاهل الغنى والقرى { وقال الظالمون } وهم القائلون الاولون لكن وضع المظهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيما قالوا لكونه اضلالا خارجا عن حد الضلال اى قالوا للمؤمنين { ان تتبعون } اى ماتتبعون { الا رجلا مسحورا } قد سحر فغلب على عقله ، قال بعض اهل الحقائق كانوا يرون قبح حالهم فى مرآة النبوة وهم يحسبون انه حال النبى عليه السلام . والسحر مشتق من السحر الذى هو اختلاط الضوء والظملة من غير تخلص لاحد الجانبين والسحر له وجه الى الحق ووجه الى الباطل فانه يخيل الى المسحور انه فعل ولم يفعل . (9/192)
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)
{ انظر كيف ضربوا لك الامثال } اى كيف قالوا فى حقك تلك الاقاويل العجيبة الخارجة عن العقول الجارية لغرابتها مجرى الامثال واخترعوا لك تلك الاحوال الشاذة البعدية من الوقوع وذلك من جهلهم بحالك وغفلتهم عن جمالك ، قال بعضهم مثلوك بالمسحور والفقير الذى لا يصلح ان يكون رسولا والناقص عن القيام بالامور اذ طلبوا ان يكون معك مثلك { فضلوا } عن الحق ضلالا مبينا { فلان يستطيعون سبيلا } لى الهدى ومخرجا من ضلالتهم ، قال بعض الاكابر وقد ابطلوا الاستعداد بالاعتراض والانكار عن النبوة فحرموا من الوصول الى الله تعالى . (9/193)
تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10)
{ تبارك الذى } اى تكاثر وتزايد خير الذى { ان شاء جعل لك } فى الدنيا لانه قد شاء ان يعطيه ذلك فى الآخرة { خيرا من ذلك } مما قالوا من القاء الكنز وجعل الجنة ولكن اخره الى الآخرة لانه خير وابقى وخص هذا الموضع بذكر تبارك لان مابعده من العظائم حيث ذكر النبى عليه السلام والله تعالى خاطبه بقوله « لولاك يامحمد ما خلقت الكائنات » كذا فى برهان القرآن { جنات تجرى من تحتها الانهار } بدل من خيرا ومحقق لخيريته مما قالوا لان ذلك كان مطلقا عن قيد التعدد وجريان الانهار { ويجعل لك قصورا } بيوتا مشيدة فى الدنيا كقصور الجنة : وبالفارسية [ كوشكهاى عالى ومسكنهاى رفيع ] ، قال الراغب يقال قصرت كذا ضممت بعضه الى بعض ومنه سمى القصر انتهى والجملة عطف على محل الجزاء الذى هو جعل وفى الحديث « ان ربى عرض على ان يجعل لى بطحاء مكة ذهبا قلت لا يارب ولاكن اجوع يوما واشبع يوما فاما اليوم الذى اجوع فيه فأتضرع اليك وادعوك وما اليوم الذى اشبع فيه فأحمدك واثنى عليك » ، قال الكاشفى [ دراسباب نزول مذكوراست كه جون مالداران قريش حضرت رسالت را بفقر وفاقة سرزنش كردند رضوان كه آراينده روضات جنانست باين آيت نازل شد ودرجى از نور بيش حضرت نهاد وفرمودكه بروردكارتو ميفرما يدكه مفاتح خزائن دنيا درانيجاست آنرا بدست تصرف توميدهيم بى آنكه از كرامت ونعمتى كه نامزد توكرده ايم در آخرت مقدار بريشه كم نكردد حضرت فرمودكه اى رضوان مرا بدينها حاجت نيست فقررا دوستر ميدارم وميخواهم كه بنده شكور وصبور باشم رضوان كفت « اصبت اصاب الله » يك نشانه علو همت آن حضرت همينست كه باوجود تنكدستى واحتياج كوشه جشم التفات بر خزائن روى زمين نيفكند آنرا ملاحظه بايد نمودكه درشب معراج مطلقا نظر بما سوى الله نكشوده وبهيج جيز از بدائع ملكوت وغرائب عرصه جبروت التفاوت نفرمود تاعبارت ازان اين آمد كه { مازاغ البصر وما طغى } (9/194)
زرنك آميزىء ريحان آن باغ ... نهاده جشم خودرا مهر مازاغ
نظر جون بر كرفت ازتقش كونين ... قدم زد در حريم قاب قوسين
وعن عائشة رضى الله عنها قلت يارسول الله ألا تستطعم الله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع وشد الحجر على بطنه من السغب فقال « يا عائشة والذى نفسى بيده لو سألت ربى ان يجرى معى جبال الدنيا ذهبا لاجراها حيث شئت من الارض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقرها علىغناها وحزن الدنيا على فرحها . ياعائشة ان الدنيا لا تنبغى لمحمد ولا لآل محمد » ، يقول الفقير عصمه الله القدير كان عليه السلام من اهل الاكسير الاعظم والحجر المكرم فانه شأنه على من شأن سائر الانبياء من كل وجه وقد اوتوا ذلك العلم الشريف وعلم به بعضهم كادريس وموسى ونحوهما على مافى كتب الصناعة الحجرية لكنه عليه السلام لم يلتفت اليه ولم يعمل به ولو عمل به لجعل مثل الجبال ذهبا ولملك مثل ملك كسرى وقيصر لانه ليس بمناف للحكمة بالكلية فان بعض الانبياء قد اوتوا فى الدنيا مع النبوة ملكا عظيما ، وانما اختار الفقر لنفسه لوجوه .
احدها انه كان غنيا لقصده قوم طمعا فى الدنيا فاختار الله له الفقر حتى ان كل من قصده علم الخلائق انه قصده طلبا للعقبى . والثانى ما قيل ان الله اختار الفقر له نظرا لقلوب الفقراء حتى يتسلى الفقير بفقره كما يتسلى الغنى بماله . والثالث ما قيل ان فقره دليل على هوان الدنيا على الله تعالى كما عليه السلام « لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » فالله تعالى قادر على ان يعطيه ذلك الذى عيروه بفقده وماهو خير من ذلك بكثير وكلنه يعطى عباده على حسب المصالح وعلى وفق المشيئة ولا اعتراض لاحد عليه فى شىء من افعاله فيفتح على واحد ابواب المعارف والعلوم ويستدّ عليه ابواب الدنيا وفى حق الآخر بالعكس من ذلك وفى القصيدة البردية (9/195)
وروادته الجبال الشم من ذهب ... عن نفسه فاراها ايما شمم
الشم جميع الاشم والشمم الارتفاع اى اراها ترفعا اى ترفع لا يكتنه كنهه
واكدت زهده فيها ضرورته ... ان الضرورة لا تعدوا على العصم
جمع عصمة يعنى ان شدة حاجته لم تعد ولم تغلب على العصمة الازلية بل اكدت ضرورته زهده فى الدنيا الدنية فما زاغ بصر همته فى الدنيا وما طغى عين نهمته فى العقبى
وكيف تدعو الى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
يقال دعاه اليه اى طلبه اليه وحمله عليه ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال ( اوحى الله تعالى الى عييى ان صدق محمدا وائمر امتك من ادركه منهم ان يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولاه ماخلقت الجنة والنار والقد خلقت العرش فاضطرب فكتبت عليه لا اله الا الله محمد رسول الله فسكن ) فمن كانت الدنيا رشحة من فيض نعمه فكيف تدعو الى الدنيا ضرورة فاقته كذا فى شرح القصيدة لابن الشيخ : فى المثنوى
راهزن هركز كدابى را نزد ... كرك كرك مرده را هر كزكزد
خضر كشتى را براى آن شكست ... تاتواند كشتى از فجار رست
دون شكسته مى رهدا شكسته شو ... امن در فقرست اندر فقر رو
آنكهى كوداشت از كان نقد جند ... كشت باره باره از زخم كلند
تيغ بهراوستكورا كردنيست ... سايه افكندست بروى حم نيست
يعنى فيلازم العبد التواضع والفقر .
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
{ بل كذبوا بالساعة } اى القيامة والحشر والنشر . والساعة جزء من اجزاء الزمان ويعير به عن القيامة تشبيها بذلك لسرعة حسابه ما قال { وهو اسرع الحاسبين } او لما نبه عليه قوله تعالى { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الى ساعة من نهار } كما فى المفردات وهو اضراب عن توبيخهم بحكاية جنايتهم السابقة وانتقال منه الى توبيخهم بحاكية جنايتهم الاخرى للتخليص الى بيان ما لهم فى الآخرة بسببها من فنون العذاب { واعتدنا } هيأنا واصله اعددنا { لمن كذب بالساعة } وضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة فى التشنيع { سعيرا } نارا عظيمة شديدة الاشعتال ، قال بعض اهل الحقائق سعير الآخرة انما سعرت من سعير الدنيا وهى حرص العبد على الدنيا وملاذها . (9/196)
إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
{ اذا رأتهم } صفة للسعير اى اذا كانت تلك السعير بمرأى منهم وقابلتهم بحيث صاروا بازائها كقولهم دارى تنظر دارك اى تقابلها فاطلق الملزوم وهو الرؤية واريد اللازم وهو كون الشىء بحيث يرى والانتقال من الملزوم الى اللازم مجاز { من مكان بعيد } هو اقصى مايمكن ان يرى منه قيل من المشرق الى المغرب وهى خمسمائة عام ، وفيه اشارة بان بعد مابينها وبينهم من المسافة حين رأتهم خارج عن حدود البعد المعتاد من المسافات المعهودة { سمعوا لها تغيظا } اى صوت تغيظ على تشبيه صوت غليانها بصوت المغتاظ اى الغضبان اذا غلى صدره من الغيظ فعند ذلك يهمهم والهمهمة ترديد الصوت فى الصدر ، قال ابن الشيخ يقال اما رأيت غضب الملك اذا رأى ما يدل عليه فكذا ههنا ليس المسموع التغيظ وهو اشد الغضب بل ما يدل عليه من الصوت ، وفى المفردات التغيظ اظهار الغيظ وهو اشد الغضب وقد يكون ذلك مع صوت مسموع والغضب هو الحرارة الى يجدها الانسان من ثوران دم قلبه { وزفيرا } وهو صوت يسمع من جوفه واصله ترديد النفس حتى ينتفخ الضلوع منه ، قال عبيد بن عمير ان جهنم لتزفر زفرة لايبقى بنى مرسل ولا ملك مقرب الا خرّ لوجهه ترعد فى فرائصهم حتى ان ابراهيم عليه السلام ليجتوا على ركبتيه ويقول يارب يارب لا اسألك الا نفسى ، قال اهل السنة البنية ليست شرطا فى الحياة فالنار على ماهى عليه يجوز ان يخلق الله فيها الحياة والعقل والرؤية والنطق ، يقول الفقير وهو الحق كا يدل عليه قوله تعالى { وان الدار الآخرة لهى الحيوان } فلا احتياج الى تأويل امثال هذا المقام . (9/197)
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
{ واذا القوا منها مكانا } اى فى مكان ومنها بيان تقدر فصار حالا منه والضمير عائد الى السعير { ضيقا } صفة لمكان مفيدة لزيادة شدة حال الكرب مع الضيق كما ان الروح مع السعة وهو السر فى وصف الجنة بان عرضها السموات والارض ، واعلم انه تضيق جهنم عليهم كما تضيق حديدة الرمح على الرمح او تكون لهم كحال الوتد فى الحائط فيضم العذاب وهو الضيق الشديد الى العذاب وذلك لتضيق قلوبهم فى الدنيا حتى لم تسع فيها الايمان { مقرنين } اى حال كونهم قد قرنت ايديهم الى اعناقهم مشدودة اليها بسلسلة او يقرنون مع شياطينهم سلسلة فى سلسلة : يعنى [ هريك را بقرين او ازجن بسلسة آتشين بهم باز بسته ] يقال قرنت البعير بالبعير جمعت بينهما وقرنته بالتشديد على التكثير { دعوا } [ بخوانند برخود ] { هنالك } اى فى ذلك المكان الهائل والحالة الفظيعة { ثبورا } هو الويل والهلاك [ واين كلمه كسى كويدكه آرزومند هلاك باشد ] اى يتمنون هلاكا وينادون فيقولون يا ثبوراه ياويلاه ياهلاكاه تعالى فهذا اوانك وفى الحديث « اول من يكسى يوم القيامة ابليس حلة من النار بعضها على حاجبيه فيسحبها من خلفه وذريته خلفه وهو يقول واثبوراه وهم ينادون ياثبورهم حتى يقفوا على النار فينادى ياثبوراه وينادون ياثبورهم » فيقول الله تعالى او فيقال لهم على ألسنة الملائكة تنبيها على خلود عذابهم . (9/198)
لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)
{ لاتدعوا اليوم ثبورا واحدا } اى لا تقتصروا على دعاء ثبور واحد { وادعوا ثبوار كثيرا } اى بحسب كثرة الدعاء المتعلق به لابحسب كثرته فى نفسه فان ما يدعون ثبورا واحدا فى حد ذاته وتحقيقه لا تدعوه دعاء واحدا وادعوا ادعية كثيرة فان ما انتم فيه من العذاب لغاية شدته وطول مدته مستوجب لتكرير الدعاء فى كل آن . (9/199)
قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15)
{ قل أذلك } العذاب { خير ام جنة الخلد التى وعد المتقون } اى وعدها المتقون اى المتصفون بمطلق التقوى لا بالمرتبة الثانية او الثالثة منها فقط فالمؤمن متق وان كان عاصيا وجنة الخلد هى الدار التى لاينقطع نعيمها ولا ينقل عنها اهلها فان الخلود هو تبرى الشىء من اعتراض الفساد وبقاءه على الحالة لتى هو عليها واضافة الجنة الى الخلد للمدح والا فالجنة اسم للدار المخلدة ويجوز ان تكون الجنة اسما لا يدل على البستان الجامع لوجوه البهجة ولا يدخل الخلود فى مفهومها فاضيفت اليه للدلالة على خلودها ، فان قيل كيف يتصور الشك فى انه ايهما خير حتى يحسن الاستفهام والترديد وهو يجوز للعاقل ان يقول السكر احلى ام الصبر وهو دواء مرّ يقال ذلك فى معرض التقريع والتهكم والتحسير على مافات ، وفى الوسيط هذا التنبيه على تفاوت مابين المنزلتين لا على ان فى السعير خيرا ، وقال بعضهم هذا على المجاز وان لم يكن فى النار خير والعرب تقول العافية خير من البلاء وانما خاطبهم بما يتعارفون فى كلامهم { كانت } تلك الجنة { لهم } فى علم الله تعالى { جزاء } على اعمالهم بمقتضى الكرم لا بالاستحقاق والجزاء الغنى والكفاية فالجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شرا فشر . والجزية ما يؤخذ من اهل الذمة وتسميتها بذلك للاجتزاء بها فى حقن دمهم { ومصيرا } مرجعا يرجعون اليه وينقلبون . والفرق بين المصير والمرجع ان المصير يجب ان يخالف الحالى الاولى ولا كذلك المرجع . (9/200)
لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
{ لهم فيها مايشاؤن } اى مايشاؤنه من انواع النعيم واللذات مما يليق بمرتبتهم فانهم بحسب نشأتهم لا يريدون درجات من فوقهم فلا يلزم تساوى مراتب اهل الجنان فى كل شىء . ومن هذا يعلم فساد ما قيل فى شرح الاشباه بجواز اللواطة فى الجنة لجواز ان يريدها اهل الجنة ويشتهيها وذلك لان اللواطة من الخبائث التى ماتعلقت الحمة بتحليلها فى عصر من الاعصار كالزنى فكيف يكون ما يخالف الحكمة مرادا ومشتهى فى الجنة فالقول بجوازها ليس الا من الخباثة . والحاصل ان عموم الآية انما هو بالنسبة الى المتعارف ولذا قال بعضهم فى الآية دليل على ان كل المرادات لا تحصل الا فى الجنة ولما لم تكن اللواطة مرادة فى الدنيا للطيبين فكذا فى الآخرة { خالدين } فيها حال من الضمير المستكن فى الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ { كان } المذكور من الدخول والخلود وماشاؤن { على ربك وعدا مسئولا } اى موعودا حقيقا بان يسأل ويطلب وما فى على من معنى الوجوب لامتناع الخلف فى وعده ، واعلم ان اهم الامور الفوز بالجنة والنجاة من النار كما قال النبى عليه السلام للاعرابى الذى قال له انى اسأل الله الجنة واعوذ به من النار « انى لاعرف دندنتك ولا دندنة معاذ » قوله « دندن » معناه انى لاعرف ما تقول انت ومعاذ يعنى من الاذكار والدعوات المطولة ولكنى اختصر على هذا المقدار فاسأل الله الجنة واعوذ به من النار فقال له النبى عليه السلام حولها ندندن اى حول الجنة والنار او حول مسألتهما والمسألة الاولى سؤال طللب والثانية سؤال استعاذة كما فى ابكار الافكار ومعنى الحديث ان المقصود بهذا الذكر الطويل الفوز بهذا الوافر الجزيل كما فى عقد الدرر والآلى ، قال فى رياض الصالحين العبد فى حق دينه اما سالم وهو المقتصر على اداء الفرائض وترك المعاصى او رابح وهو المتبرع بالقربات والنوافل او خاسر وهو المقصر فى اللوازم فان لم تقدر ان تكون رابحا فاجتهد ان تكون سالما واياك ان تكون خاسرا وفى الحديث « من قال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير فى يوم مائة مرة كانت له عدل ذلك حتى يمسى ولم يأت بافضل مما جاء به الا احد عمل اكثر من ذلك » رواه البخارى وغيره ، قال بعض المشايخ فى هذا الحديث دليل على تفضيل الصوفية ويؤخذ ذلك من جعل هذا الاجر العظيم لمن هذا القول مائة مرة فكيف من يومه كله هكذا فان طريقتهم مبنية على دوام الذكر والحضور وكان عليه السلام طويل الصمت كثير الذكر (9/201)
هرآن كو غال از حق يكزمانست ... دران دم كافرست اما نهانست
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)
{ ويوم يحشرهم } اى واذكر يامحمد لقومك يوم يحشر الله الذين اتخذوا من دونه آلهة ويجمعهم { ومايعبدون من دون الله } ماعام يعم العقلاء وغيرهم لكن المراد هنا بقرينة الجواب الآتى العقلاء من الملائكة وعيسى وعزير { فيقول } اى الله تعالى للمبعودين { ءانتم اظللتم } [ كمراه كرديد ] { عبادى هؤلاء } بان دعوتموهم الى عبادتكم وامرتموهم بها { ام هم ضلوا السبيل } عن السبيل بانفسهم لاخلالهم بالنظر الصحيح واعراضهم عن المرشد النصيح فحذف الجار واوصل الفعل الى المفعول كقوله تعالى { وهو يهدى السبيل } والاصل الى السبيل او للسبيل ، يقول الفقير والظاهر انه محمول على نظيره الذى هو اخطأوا الطريق وهو شائع ، فان قلت انه تعالى كان عالما فى الازل بحال المسئول عنه فما فائدة هذا السؤال ، قلت فائدته تقريع العبدة والزامهم كما قيل لعيسى عليه السلام { ءانت قلت للناس اتخذونى وامى الهين من دون الله } لانهم اذا سئلوا بذلك واجابوا بما هو الحق الواقع تزداد حسرة العبيد وحيرتهم ويبكتون بتكذيب المعبودين اياهم وتبريهم منهم ومن امرهم بالشرك وعبادة غير الله . (9/202)
قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)
{ قالوا } استئناف كأنه قيل فماذا قالوا فى الجواب فقيل قالوا { سبحانك } هو تعجب مما قيل له او تنزيه لله تعالى عن الانداد ويجوز ان يحمل ما يعبدون على الاصنام وهى وان كانت جمادات لا تقدر على شىء لكن الله تعالى يخلق فيها الحياة ويجعلها صالحة للخطاب والسؤال والجواب { ما كان ينبغى لنا } اى ماصح وما استقام لنا { ان نتخذ من دونك } اى متجاوزين اياك { من اولياء } من مزيدة لتأكيد النفى واولياء مفعول تتخذ وهو من الذى يتعدى الى مفعول واحد كقوله تعالى { قل أغير الله اتخذ وليا } والمعنى معبودين نعبدهم لما بنا من لحالة المنافية له وهى العصمة او عدم القدرة فأنى يتصور ان تحمل غيرها على ان يتخذ وليا غيرك فضلا عن ان يتخذنا وليا ، قال ابن الشيخ جعل قولهم ما كان ينبغى الخ كناية عن استبعاد ان يدعوا احدا الىّ اتخذا ولى دونه لان نفس قولهم بصريحه لا يفيد المقصود وهو نفى ما نسب اليهم من اضلال العباد وحملهم على اتخاذ الاولياء من دون الله . (9/203)
وفى التأويلات النجمية نزهو الهل عن ان يكون له شريك ونزهوا انفسهم عن ان يتخذوا وليا غير الله ويرضوا بان يعبدوا من دون الله من الانسان فلهذا قال تعالى فيهم { اولئك هم شر البرية } { ولكن متعتهم وآباءهم } التمتع [ برخوردارى دادن ] ، اى ماظللناهم ولكن جعلتهم وآباءهم منتفعين بالعمر الطويل وانواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها فاستغرقوا فى الشهوا وانهمكوا فيها { حتى نسوا الذكر } اى غفلوا عن ذكرك وتركوا ما وعظوا به او عن التذكر لآلائك والتدبر فى آياتك فجعلوا اسباب الهداية بسوء اختيارهم ذريعة الى الغواية وهو نسبة الضلال اليهم من حيث انه يكسبهم واسناد له الى مافعل الله بهم فحملهم عليه كأنه قيل انا لانضلهم ولم نحملهم على الضلال ولكن اضللت انت بان فعلت لهم ما يؤثرون به الضلال فخلت فيهم ذلك مذهب اهل السنة وفيه نظر التوحيد واظهار ان الله هو السبب لاسباب
درين جمن مكنم سرزنش بخود رويى ... جنانكه برورشم ميدهند ميرويم
{ وكانوا } فى قضائك الازلى { قوما بورا } هالكين جمع بائر كما فى المفردات او مصدر وصف به الفاعل مبالغة ولذلك يستوى فيه الواحد والجمع يقال رجل بائر وقوم بور وهو الفاسد الذى لا خير فيه ، قال الراغب البوار فرط الكساد ولما كان فرط الكساد يؤدى الى لفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر بالبوار عن الهلاك .
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
{ فقد كذبوكم } اى فيقول الله تعالى للعبد فقد كذبكم المعبودون ايها الكفرة { بما تقولون } اى فى قلوكم انهم آلهة والباء بمعنى فى { فما تستطيعون } اى ماتملكون ايها المتخذون الشركاء { صرفا } دفعا للعذاب عنكم بوجه من الوجوه لا بالذات ولا بالواسطة { ولا نصرا } اى افرادا من افراد النصر لا من جهة انفسكم ولا من جهة غيركم مما عبدتم وقد كنتم زعمتم انهم يدفعون عنكم العذاب وينصرونكم { ومن } [ وهركه ] { يظلم منكم } ايها المكلفون اى يشرك كما دل عليه قوله { نذقه } [ بجشانيم اورا در آخرت ] { عذابا كبيرا } هى النار والخلود فيها فان ماترتب عليه العذاب الكبير ليس الا الظلم العظيم الذى هو الشرك وفيه وعيد اياض لفساق المؤمنين ثم اجاب عن قولهم مالهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق . (9/204)
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
{ وما ارسلنا قبلك } احدا { من المرسلين الا } رسلا { انهم } كسرت الهمزة لوقوعها فى صدر جملة وقعت صفة لموصوف محذوف او الا قيل انهم وان تكسر بعد القول كما فى الاسئلة المقحمة { ليأكلون الطعام ويمشون فى الاسواق } فلم يكن ذلك منافيا لرسالتهم فانت لاتكون بدعا منهم { وجعلنا بعضكم } ايها الناس { لبعض فتنة } ابتلاء ومحنة الفقراء بالاغنياء والمرسلين بالمرسل اليهم ومناصبتهم لهم العداوة واذا هم لهم والسقماء بالاصحاب والاسافل بالاعالى والرعايا بالسلاطين والموالى بذوى الانساب والعميان بالبصراء والضفعاء بالاقوياء ، قال الواسطى رحمه الله ما وحد موجود الا لفتنة وما فقد مفقود الا لفتنة { أتصبرون } غاية للجعل اى لنعلم انكم تصبرون وحث على الصبر على مافتتنوا به ، قال ابو الليث اللفظ لفظ الاستفهام والمراد الامر يعنى اصبروا كقوله { أفلا يتوبون الى الله } اى توبوا . (9/205)
وفى التأويلات النجمية وجعلنا بعضكم يا معشر الانبياء لبعض فتنة من الامم بان يقول بعضهم لبعض الانبياء ائتنا بمعجزة مثل معجزة النبى الفلانى أتصبرون يا معشر الانبياء على ما يقولون ويامعشر الامم عما تقولون انتهى وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه كأنه قيل لا تتأذ بقولهم فانا جعلنا بعض الناس سببا لامتحان البعض والذهب انما يظهر خلوصة بالنار ومن النار الابتلاء { وكان ربك بصيرا } بمن يصبر وبمن يجزع ، قال الامام الغزالى البصير هو الذى يشاهد ويرى حتى لايعزب عنه ما تحت الثرى وابصاره ايضا منزه عن ان يكون بحدقة واجفان ومقدس ان يرجع الى انطباع الصور والالوان فى ذاته كما تنطبع فى حدقة الانسان فان ذلك من التغير والتأثر المقتضى للحدوث واذا نزه عن ذلك كان البصير فى حقه عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت المبصرات وذلك اوضح واجلى مما يفهم من ادراك البصر من ظواهر المرئيات وحظ العبد من حيث الحس من وصف البصر ظاهر ولكنه ضعيف قاصر اذ لا يتمد الى مابعد ولا يتغلغل الى باطن ما قرب بل يتناول الظواهر ويقصر عن البواطن والسرائر ، وانما حظه الدينى منه امران احدهما ان يعلم انه خلق البصر لينظر الى الآيات وعجائب الملكوت والسموات فلا يكون نظره الا عبرة ، قيل لعيسى عليه اسلام هل احد من الخلق مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلى . والثانى ان يعلم انه بمرأى من الله ومسمع فلا يستهين بنظره اليه واطلاعه عليه ومن اخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله والمراقبة احدى ثمرات الايمان بهذه الصفة فمن قارب معصية فهو يعلم ان الله يراه فما اجسره فاخسره ومن ظن انه لايراه فما اكفره انتهى كلام الغزالى رحمه الله فى شرح الاسماء الحسنى ، ثم ان البعد لابد له من السكون الى قضاء الله تعالى فى حال فقره وغناه ومن الصبر على كل امر يرد عليه من مولاه فانه تعالى بصير بحاله مطلع عليه فى كل فعاله وربما يشدد المحنة عليه بحكمته ويمنع مراده عنه مع كمال قدرته : قال حضرة الشيخ العطار قدس سره
مكر ديوانه شوريده ميخاست ... برهنه بد زحق كرباس ميخواست (9/206)
كه الهى بيرهن در تن ندارم ... وكر تو صبر دارى من ندارم
خطابى آمد آن بى خويشتن را ... كه كرباست دهم اما كفن را
زبان بكشاد آن مجنون مضطر ... كه من دانم ترا اى بنده برور
كه تا اول نميرد مرد عاجز ... توندهى هيج كر باسيش هر كز
ببايد مرد اول مفلس وعور ... كه تا كر باس بايد ازتو دركور
وفى الحكمة اشارة الى الفناء عن المرادات وان النفس مادامت معضوبة باقية بعض اوصافها الذميمة اخلاقها القبيحة فان فيض رحمة الله وان كان يجرى عليها لكن لا كما يجرى عليها اذا كانت مرحومة مطهرة عن الرذائل هذا حال اهل السلوك واما من كان من اهل النفس الامارة وقد جرى عليه مراده بالكلية فهو فى يد الاستدراج ولله تعالى حكمه عظيمة فى اغنائه وتنعيمة واغراقه فى بحر نعيمه فمثل هذا هو الفتنة الكبيرة لطلاب الحق الباعثة لهم على الصبر المطلق والله المعين وعليه التكلان .
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)
{ وقال الذين لايرجون لقاءنا } اصل الرجال ظن يقتضى حصول مافيه مسرة واللقاء يقال فى الادراك بالحس والبصر وبالبصيرة وملاقاة الله عبارة عن القيامة وعن المصير اليه تعالى اى الرجوع الى حيث لاحاكم ولا مالك سواه . والمعنى وقال الذين لايتوقعون الرجوع الينا اى ينكرون البعث والحشر والحساب والجزاء وهم كفار اهل مكة ، وفى تاج المصدر الرجاء [ اميد داشتن وترسيدن ] انتهى فالمعنى على الثانى بالفارسية [ نمى ترسند ازديدن عذاب ما ] { لولا } حرف تحضيض بمعنى هلا ومعناها بالفارسية [ جرا ] { انزل علينا الملائكة } [ فروفرستاده نمى شو دبر مافرشتكان ] اى بطريق الرسالة لكون البشرية منافية للرسالة بزعمهم { اونرى ربنا } جهرة وعيانا فيأمرنا بتصديق محمد واتباعه لان هذا الطريق احسن واقوى فى الافضاء الى الايمان وتصديقه ولما لم يفعل ذلك علمنا انه ما اراد تصديقه . (9/207)
ومن لطائق الشيخ نجم الدين فى تأويلاته أنه قال يشير الى ان الذين لايؤمنون بالآخرة والحشر من الكفرة يتمنون رؤية ربهم بقولهم { او نرى ربنا } فالمؤمنون الذين يدعون انهم يؤمنون بالآخرة والحشر كيف ينكرون رؤية ربهم وقد ورد بها النصوص فلمنكرى الحشر عليهم فضيلة بانهم طلبوا رؤية ربهم وجوزوها كما جوزا انزال الملائكة ولمنكرى الرؤية ممن يدعى الايمان شركة مع منكرى الحشر فى جحد ما رود به الخبر والنقل لان النقل كما ورد بكون الحشر ورد بكون الرؤية لاهل الايمان { لقد استكبروا } اللام جواب قسم محذوف اى والله لقد استكبروا ، والاستكبار ان يشبع فيظهر من نفسه ماليس له اى اظهروا الكبر باطلا { فى انفسهم } اى فى شأنها يعنى وضعوا لانفسهم قدرا ومنزلة حيث ارادوا لانفسهم الرسل من الملائكة ورؤية الرب تعالى ، وقال الكاشفى [ بخداى كه بزركى كردند در نفسهاى خود يعنى تعاظم ورزدين وجراءت نمودن درين تحكم ] { وعتوا } اي تجاوزوا الحد فى الظلم والطغيان والعتوا الغلو والنبو عن الطاعة { عتوّا كبيرا } بالغا الى اقصى غاياته من حيث عاينوا المعجزات القاهرة واعرضوا عنها واقترحوا لانفسهم الخبيثة معاينة الملائكة الطبية ورؤية الله تعالى التى لم ينلها احد فى الدنيا من افراد الامم وآحاد الانبياء غير نبينا عليه السلام وهو انما رآه تعالى بعد العبور عن حد الدنيا وهو الافلاك السبعة التى هى من علام الكون والفساد ، وفى الوسيط انما وصفوا بالعتو عند طلب الرؤية لانهم طلبوها فى الدنيا عنادا للحق واباء على الله ورسوله فى طاعتهما فغلوا فى القول والكفر غلوا شديدا ، وفى الاسئلة المقحمة فاذا كان رؤية الله جائزة فكيف وبخهم على سؤالهم لها قلنا التوبيخ بسبب انهم طلبوا مالم يكن لهم طلبه لانهم بعد ان عاينوا الدليل قد طلبوا دليلا آخر ومن طلب الدليل بعد الدليل فقد عتا عتوا ظاهرا ولانهم كلفوا الايمان بالغيب فطلبوا رؤية الله وذلك خروج عن موجب الامر وعن مقتضاه فان الايمان عند المعاينة لايكون ايمانا بالغيب فلهذا وصفهم بالعتو .
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)
{ يوم يرون الملائكة } اى ملائكة العذاب فيكون المراد يوم القيامة ولم يقل يوم تنزل الملائكة ايذانا من اول الامر بان رؤيتهم ليست على طريق الاجابة الى ماقترحوه بل على وجه آخر غير معهود ويوم منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى { لا بشرى يومئذ للمجرمين } لانه فى معنى لايبشر يومئذ المجرمون لابنفس بشرى لانه مصدر والمصدر لايعمل فيما قبله وكذا لايجوز ان يعمل ما بعد لافيما قبلها واصل الجرم قطع الثمرة من الشجر واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه ووضع المجرمون موضع الضمير تسجيلا عليهم بالاجرام مع ماهم عليه من الكفر ويومئذ تكرير للتأكيد بين الله تعالى ان الذى طلبوه سيوجد ولكن يلقون منه مايكرهون حيث لا بشرى لهم بل انذار وتخويف وتعذيب بخلاف المؤمنين فان الملائكة تنزيل عليهم ويبشرونهم ويقولون لاتخافوا ولاتحزنوا . ومعنى الآية بالفارسية [ هيج مثرده نيست آنروز مر كافر ان اهل مكه را ] { ويقولون } اى الكفرة المجرمون عند مشاهدة الملائكة وهو معطوف على ماذكر من الفعل المنفى { حجرا محجورا } الحجر مصدر حجره اذا منعه والمحجور الممنوع وهو صفة حجرا ارادة للتأكيد كيوم أيوم وليل أليل كانوا يقولون هذه الكلمة عند لقاء عدو وهجوم مكروه . والمعنى انهم يطلبون نزول الملائكة عليهم ويقترحونه وهم اذا رأوهم يوم الحشر يكرهون لقاءهم اشد كراهة ويقولون هذه الكلمة وهى ما كانوا يقولون عند نزول بأس استعاذة وطلبا من الله ان يمنع لقاءهم منعا ويحجر المكروه عنهم حجرا فلا يلحقهم [ درزاد آورده كه جون كفار درشهر حرام كسى را ديدندى كه ازوتر سيدندى ميكفتندكه ] حجرا محجورا يريدون ان يذكروه انه فى الشهر الحرام [ تاز شراو ايمن ميشدند اينجانيز خيال بستندكه ممكر بدين كلمة ازشدت هول قيامت خلاص خواهنديافت ] ويقال ان قريشا كانوا اذا استقبلهم احد يقولون حاجورا حاجورا حتى يعرف انهم من الحرم فيكف عنهم فاخبر تعالى نهم يقولون يوم القيامة فلا ينفعهم . (9/208)
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)
{ وقدمنا الى ماعملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } القدوم عبارة عن مجيىء المسافر بعد مدة والهباء الغبار الذى يرى فى شعاع الشمس يطلع من الكوة من الهبوة وهو الغبار ومنثورا صفته بمعنى مفرقا مثل تعالى حالهم وحال اعمالهم التى كانوا يعملونها فى الدنيا من صلة رحم واغاثة ملهوف وقرى ضيف وفك اسير واكرام يتيم ونحو ذلك من المحاسن التى لو عملوها مع الايمان لنا لواثوا بها بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقصد الى ماتحت ايديهم من الدار والعقار ونحوهما فمزقها وابطلها بالكلية ولم يبق لها اثرا اى قصدنا اليها واظهرنا بطلانها بالكلية لعدم شرط قبولها وهو الايمان فليس هناك قدوم على شىء ولا نحوه وهذا هو تشبيه الهيئة وفى مثله تكون المفردات مستعملة فى معانيها الاصلية وشبه اعمالهم المحبطة بالغبار فى الحقارة وعدم الجدوى ثم بالمنثور منه فى الانتثار بحيث لايمكن نظمه وفيه اشارة الى ان اعمال اهل البدعة التى عملوها بالهوى ممزوجه بالرياء فلا يوجد لها اثر ولا يسمع منها خبر : قال الشيخ سعدى قدس سره (9/209)
شنيدم كه نابالغى روزه داشت ... بصد محنت آورد روزى بجاشت
بكفتا بس آن روز سائق نبرد ... بزرك آمدش طاعت از طفل خرد
بدر ديده بوسيد ومادر سرش ... فشاندند بادام وزر بر سرش
جوبروى كذر كرد يك نيمه روز ... فتاداند رو آتش معده سوز
بدل كفت اكر لقمه جندى خورم ... جه داند بدر عيب يا مدرم
جوروى بسر در بدر بود وقوم ... نهان خورد وبيدا بسر برد صوم
كه داند جودر بند حق نيستى ... اكر بى وضو در نماز ايستى
بس اين بيرازان طفل نادان ترست ... كه از بهر مردم بطاعت درست
كليد در دوز خست آن نماز ... كه درجشم مردم كزارى دراز
اكر جز بحق ميرود جادمات ... در آتش نشانند سجاده ات
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)
{ اصحاب الجنة } اى المؤمنون { يومئذ } اى يوم اذ يكون ماذكر من عدم التبشير وقولهم حجرا محجورا وجعل اعمالهم هباء منثورا { خيار مستقرا } المستقر المكان الذى يستقر فيه فى اكثر الاوقات للتجالس والتحادث . والمعنى خير مستقرا من هؤلاء المشركين المنتعمين فى الدنيا : وبالفارسية [ بهترند ازروى قرار كاه يعنى ماسكن ايشان در آخرت به از منازل كافر انست كه دردنيا داشتند ] ويجوز ان يكون التفضيل بالنسبة الى ما للكفرة فى الآخرة ، فان قلت كيف يكون اصحاب الجنة خير مستقرا من اهل النار ولا خير فى النار ولا يقال العسل احلى من الخل ، قلت انه من قبيل التقريع والتهكم كما فو قوله تعالى { قل آذلك خير ام جنة الخلد } كما سبق ويجوز ان يكون التفضيل لارادة الزيادة المطلقة اىهم فى اقصى ما يكون من خير وعلى القياس قوله تعالى { واحسن مقيلا } اى من الكفرة فى دار الدنيا : وبالفارسية [ ونيكوترست ازجهت مكان قيلولة ] او فى الآخرة بطريق التهكم اوهم فى اقصى مايكون من حسن المقيل وهو موضع القيلولة الاستراحة نصف النهار فى الحر يقال قلت قيلولة نمت نصف النهار المراد بالمقيل ههنا المكان الذى ينزل فيه للاستراحة بالازواح والتمتع بمغازلتهن اى محادثتهن ومراودتهن والا فليس فى الجنة حر ولا نوز بل استراحة مطلقة من غير غفلة ولا ذهاب حس من الحواس وكذا ليس فى النار مكان استراحة ونوم للكفار بل عذاب دائم والم باق ، وانما سمى بالمقيل لما روى ان اهل الجنة لا يمربهم يوم القيامة الا قدر النهار من اوله الى وقت القائلة حتى يسكنون مساكنهم فى الجنة واهل النار فى النار واما المحبوسون من العصاة فتطول عليهم المدة مقدار خمسن الف سنة من سنى الدنيا والعياذ بالله تعالى ، ثم فى احسن رمز الى ان مقيل اهل الجنة مزين بفنون الزين والزخارف كبيت العروس . (9/210)
وفى التأويلات النجمية { اصحاب الجنة } يعنى المؤمنين بالحشر والموقنين بالرؤية { يومئذ خير مستقرا } لأن مستقر عوامهم الجنة ودرجاتها ومستقر خواصهم حضرة الربوبية وقرباتها لقوله تعالى الى ربك يومئذ المستقر { واحسن قيلا } لان النار مقيل منكرى الحشر والجنة مقيل المؤمنين والحضرة مقيل الراجعين المجذوبين انتهى ، فعلى العاقل تحصيل المستقر الاخروى والمقيل العلوى ، وصار الشيخ الحجازى ليلة يردد قوله تعالى { وجنة عرضها السموات والارض } ويبكى فقيل له لقد ابكتك آية مايبكى عند مثلها اى لانها بيان لسعة عرض الجنة فقال وما ينفعنى عرضها اذا لم يكن لى فيها موضع قدم وفى الحديث « من سعادة المرء المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيىء » ، وسئل بعضهم عن الغنى فقال سعة البيوت ودوام القوت ثم ان سعادات الدنيا كلها مذكورة لسعادات الآخرة فالعاقل من لاتغرّه الدنيا الدنية : وفى المثنوى
افتخار ازرنك وبوو ازمكان ... هست شادى وفريب كودكان
هر كجا باشدشه مارا بساط ... هست صحرا كربود سم الخياط
هر كجا يوسف رحى باشد جوماه ... جنت است آن جه كه باشد قعرجاه
فجنة العارف هى القلب المطهر ومعرفة الله فيه كما قال يحيى بن معاذ الرازى رحمه الله تعالى فى الدنيا جنة من دخلها لم يشتق الى الجنة قيل وماهى قال معرفة الله
جودادت صورت خوب وصفت هم ... بيا تابدهدت اين معرفت هم
جو خونى مشك كردد ازدم باك ... بود ممكن كه تن جانى شود باك
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25)
{ ويوم تشقق السماء } اى واذكر يوم تنفتح : وبالفارسية [ بشكافد ] كما قال فى تاج المصادر التشقق [ شكافته شدن ] واصله تتشقق فحذف احدى التاءين كا فى تلظى { بالغمام } هو السحاب يسمى به لكونه ساترا لضوء الشمس والغم ستر الشىء اى بسبب طلوع الغمام منها هو الغمام الذى ذكر فى قوله تعالى { هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة } قيل هو غمام ابيض رقيق مثل الضبابةولم يكن الا لبنى اسرائيل : يعنى [ ظلة بنى اسرائيل بود درتيه ] ، وقال ابو الليث الغمام شىء مثل السحاب الابيض فوق سبع سموات كما روى فى الخبر « دعوة المظلوم ترفع فوق الغمام » ، قال الامام النسفى رحمه الله الغمام فوق السموات السبع هو سحاب ابيض غليظ كغلظ السموات السبع ويمسكه الله اليوم بقدرته وثقله من ثقل السموات فاذا اراد الله ان يشقق السموات القى ثقله عليها فانشقت فذلك قوله { ويوم تشقق السماء بالغمام } اى بثقل الغمام فيظهر الغمام ويخرج منها وفيه الملائكة كما قال تعالى { ونزل الملائكة تنزيلا } اى تنزيلا عجيبا غير معهود قيل تشقق سماء سماء وتنزل الملائكة خلال ذلك الغمام بصحائف اعمال العباد وروى فى الخبر انه تتنشق السماء الدنيا فتنزل الملائكة الدنيا بمثل من فى الارض من الجن والانس فيقول لهم الخلق أفيكم ربنا يعنون هل جاء امر ربنا بالحساب فيقولون لا وسوف يأتى ثم ينزل ملائكة السماء الثانية بمثل من فى الارض من الملائكة والانس والجن ثم ينزل ملائكة كل سماء على هذا التضعيف حتى ينزل ملائكة سبع سموات فيظهر الغمام وهو كالسحاب الابيض فوق سبع سموات ثم ينزل الامر بالحساب فذلك قوله تعالى { ويوم تشقق } الآية الان انه قد ثبت ان الارض بالقياس الى سماء الدنيا كحلقة فى فلاة فكيف بالقياس الى سماء الدنيا فملائكة هذه المواضع باسرها كيف تسعها الارض كذا فى حواشى ابن الشيخ ، يقول الفقير يمدالله الارض يوم القيامة مد الاديم فتسع مع ان السموات مقبية فكلما زالت واحدة منها ونزلت تتسع الارض بقدرها فيكفى لملائكتها اطرافها وقد ثبت ان الملائكة اجسام لطيفة رقيقة فلا تتصور بينهم المزاحمة كمزاحمة الناس . (9/211)
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)
{ الملك يومئذ الحق للرحمن } الملك مبتدأ والحق صفته وللرحمن خبره ويومئذ ظرف لثبوت الخبر للمبتدأ . والمعنى ان السلطنة القاهرة والاستيلاء الكلى العام صورة ومعنى بحيث لازوال له اصلا ثابت للرحمن يومئذ وفائدة التقييد ان ثبوت الملك المذكور له تعالى خاصة يوم القيامة (9/212)
جو مدعيان زبان دعوى ... از مالكيت در بسته باشند
واما ماعداه من ايام الدنيا فيكون غيره ايضا له تصرف صورى فى الجملة { وكان } ذلك اليوم { يوما على الكافرين عسيرا } اى عسيرا عليهم شديدا لهم : وبالفارسية [ دشوار ازشدت اهوال ] وهو نقيض اليسير واما على المؤمنين فيكون يسيرا بفضل الله تعالى وقد جاء فى الحديث « انه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون اخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها فى الدينا » الحاصل ان الكافرين يرون ذلك اليوم عسيرا عظيما من دخول النار حسرة فوات الجنان بعدما كانوا فى اليسير من نعيم الدنيا واهل الايمان والطلب والجد والاجتهاد يرون فيه اليسر من نعيم الجنان ولقاء الرحمن بعد ان كانوا فى الدنيا راضين بالعسر تاركين لليسر موقنين ان مع العسر يسرا ، وخرج على سهل الصعلوكى من سجن حمام يهودى فى طمر اسود من دخانه فقال ألستم ترون الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فقال سهل على البداهة اذا صرت الى عذاب الله كانت هذه جنتك واذا صرت الى نعيم الله كانت هذه سجنى فتعجبوا من كلامه ، وقيل للشبلى رحمه الله فى الدنيا اشغال وفى الآخرة اهوال فمتى النجاة قال دع اشغالها تأمن من اهوالها فلله در قوم فرغوا عن طلب الدنيا وشهواتها ولم يغتروا بها ولم يلتفتوا اليها لانه قيل
اين جهان جيفه است ومردار ورخيص ... برجنين مردار جون باشم حريص
وقيل [ نوشبته اندر بر ايوان جنة المأوى كه هركه عشوه دنيا خريد واى بوى ] بل وقلعوا من قلوبهم اصل حب ماسوى الله تعالى ونصبوا نفوسهم لمقاساة شدائد الجهاد الى ان يصلوا الى اليسر الذى هو المراد ، وفى الآية اشارة الى ان اهل الانكار يلقون يوم القيامة عسرا لانهم وقعوا فى اعراض الاولياء فى الدنيا تنفيرا للناس عنهم وصرفا لوجوه العامة اليهم ارادة اليسر من المال والمعاش والاعانة ونحو ذلك فيجدون فى ذلك اليوم كل ملك لله فلا يملكون لانفسهم صرفا ولا نصرا فلابد من الاقرار وتجديد الايمان كما ورد « جددوا ايمانكم بقول لا اله الا الله » ، فان قلت يفهم منه ان الايمان يخلق ، قلت معنى خلاقة الايمان ان لا يبقى للمؤمن شوق وانجذاب الى المؤمن به فتكرار الكلمة الطيبة يورث تجديد الميل والانجذاب والمحبة الالهية فعلى الطالب الصادق ان يكررها فى جميع الاحوال حتى لاينقطع عن الله الملك المتعال
جدابى مبادا مرا ازخدا ... دكر هرجه بيش آيدم شايدم
نسأل الله الوقوف عند الامر الى حلول الاجل وانتهاء العمر .
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)
{ ويوم يعض الظالم على يديه } يوم منصوب باذكر المقدر . والعض ازم بالاسنان : وبالفارسية [ كزيدن بدندان ] وعض اليدين عبارة عن الندم لما جرى به عادة الناس ان يفعلوه عند ذلك وكذا عض الانامل واكل البنان وحرق الاسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لانها من روادفها ، قال فى الكواشى ويجوز ان تكون على زائدة فيكون المراد بالعض حقيقة العض والاكل كما روى انه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه ثم تنبتان ثم يأكلهما هكذا كلما نبتتا اكلهما تحسرا وندامة على التفريط والتقصير . والمعنى على الاول بالفارسية [ وياد كن روزى راكه ازفرط حسرت مى خايد ظالم بردستهاى خود يعنى بدندان مى كزد دسترا جنانجة متحيران ميكنند ] والمراد بالظالم الجنس فيدخل فيه عقبة بن ابى معيط وذلك ان عقبة كان لا يقدم من سفر الا صنع طعاما وكان يدعو الى الطعام من اهل مكة من اراد وكان يكثر مجالسة النبى عليه السلام ويعجبه حديثه فقدم ذات يوم من سفره وصنع طعاما دعا رسول الله الى طعامه ، قال الكاشفى [ وبسبب جوار سيد الابرار را طلبيده بود ] فاتاه رسول الله فلما قدم الطعام اليه ابى ان يأكل فقال « ما انا بالذى آكل من طعامك حتى تشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله » وكان عندم من العار ان يخرج من عندم احد قبل ان يأكل فالح عليه بان يأكل فلم يأكل فشهد بذلك عقبة فاكل رسول الله من طعامه كان ابىّ بن خلف الجمحى غائبا وكان خليل عقبة وصديقه فلما قدم اخبر بما جرى بين عقبة وبين رسول الله فاتاه فقال صبوت ياعقبة اى ملت عن دين آبائك الى دين حادث فقال لا والله ما صبوت ولكن دخل على رجل فابى ان يأكل من طعامى الا ان اشهد له فاستحييت ان يخرج من بيتى قبل ان يطعم فشهدت فطعم فقال ما انا بالذى ارضى منك ابدا حتى تأتيه فتبزق فى وجهه وتشتمه وتكذبه نعوذ بالله تعالى فاتاه فوجوده ساجدا فى دار الندوة ففعل ذلك : يعنى [ آب دهن حواله روى دلا راى رسول الله كرد ] والعياذ بالله تعالى [ در تجمه اسباب نزول آورده كه آب ده او شعله آتش جانسوز كشت وبران حضرت نرسيد وبروى باز كشت وهردوكرانه روى وى بسوخت تازنده بود آن داغها مى نمود ] : وفى المثنوى (9/213)
هركه بر شمع خدا آرد بفو ... شمع كى ميرد بسوزد بوز او
كى شود دريا زيو سنك نجس ... كى شود خورشيداز بف منطمس
فقال رسول الله صلى الله عليه سلم لعقبة « لا القاك خارجا من مكة الا علوت رأسك بالسيف » فاسر يوم بدر فامر عليه السملا عليا رضى الله عنه او عاصم بن ثابت الانصارى رضى الله عنه فقتله وطعن عليه السلام بيده الطاهرة ا لطاسرة ابيا اللعين يوم احد فى المبارزة فرج على مكة فمات فى الطريق بسرف بفتح السين المهملة وكسر الراء وهو مناسب لوصفه لانه مسرف وفى الحديث
« شر الناس رجل قتل نبيا او قتله نبى » اما الاول فلان الانبياء لهم العلو التام فلا يقابلهم الا من هو فى انزال الدرجات والذا يعادى السافل العالى واذا كملت المضادة وقع القتل لان الضد يطلب ازالة ضده . واما الثانى فلان الانبياء مجبولون على الشفقة على الخلق فلا يقدمون على قتل احد الا بعد اليأس من فلاحه والتيقن بان خيانته سبب لمزيد شقائه وتعدى ضرره فقتلهم من قلتوا من احكام الرحمة : وفى المثنوى (9/214)
جونكه دندان تو كرمش درفتاد ... نيست دندان بركنش اى اوستاد
تاكه باقى تن نكردد زا ر ازو ... كرجه بود آن تو شو بيزار ازو
قال فى انسان العيون ولم يقتل عليه السلام بيده الشريفة قط احدا الا ابىّ بن خلق لا قبل ولا بعد { يقول } الخ حال من فاعل يعض { يا } هؤلاء { ليتنى } [ كاشكى من ] فالمنادى محذوف ويجوز ان يكون يا لمجرد التنبيه من غير قصد الى تعيين المنبه { اتخذت } فى الدنيا { مع الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم { سبيلا } طريقا الى النجاة من هذه الورطات يعنى اتبعته وكنت معه على الاسلام .
يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)
{ يا ويلتى } اى [ واى برمن ] والويل والويلة الهلكة ويا وليتا كلمة جزع وتحسر واصله ياويلتى بكسر التاء فابدلت الكسرة فتحة وياء المتكلم الفا فرارا من اجتماع الكسر مع الياء اى يا هلكتى تعالى واحضرى فهذا اوان حضورك والنداء وان كان اصله لمن يتأتى منه الاقبال وهم العقلاء الا ان العرب تتجوّز وتنادى مالا يعقل اظهارا للتحسر { ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا } الخليل الصديق من الخلة وهى المودة لانها تتخلل النفس اى تتوسطها والمراد من اضله فى الدنيا كائنا من كان من شياطين الجن والانس فيدخل فيه ابىّ المذكور ، قال فى القاموس فلان وفلانة مضمومتين كناية عن اسمائهما اى فلان كناية عن علم ذكور من يعقل وفلانة عن علم اناثهم وبال اى باللام يعنى الفلان والفلانة كناية عن غيرنا اى عن غير العاقل واختلف فى ان لام فلان واو او ياء . (9/215)
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)
{ لقد } والله لقد { اظلنى } لأكمراه كردم اوبازداشت ] { عن الذكر } اى عن القرآن المذكر لكل مرغوب ومرهوب { بعد اذ جاءنى } وتمكنت من العمل به وعمرت ما يتذكر فيه من تذكر { وكان الشيطان } اى ابليس الحالم على مخالة المضلين ومخالفة الرسول وهجر القرآن { للانسان } المطيع له { خذولا } كثير الخذلان ومبالغا فى حبه يواليه حتى يؤديه الى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه وكذا حال من حمله على صداقته . والخذلان ترك النصرة ممن يظن به ان ينصر وفى وصفه بالخذلان اشعار بانه كان يعده فى الدنيا ويمنيه بانه ينفعه فى الآخرة وهذا اعتراض مقرر لمضمون ماقبله اما من جهته تعالى واما من تمام كلام الظالم ، وهذه الآية عامة فى كل متحابين اجتماعا على معصية الله تعالى والخلة الحقيقة هى ان لا تكون لطمع ولا لخوف بل فى الدين ولذا ورد « كونوا فى الله اخوانا » اى فى طريق الرحمن لا فى طريق الشيطان وفى الحديث « المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل » وفى الحديث « لاتصاحب الامؤمنا ولا يأكل طعامك الا تقى » ، قال مالك بن دينار انك ان تنقل الحجارة مع الابرار خير من ان تأكل الخبيص مع الفجار ، قال بعضهم المراد بالشيطان قرين السوء سماه شيطانا لانه الضال المضل فمن لم يكن فيه طلب الله فهو الشيطان كالانعام بل هو اضل لان الانعام ليست بمضلة والشيطان ضال مضل وانشد ابو بكر محمد بن عبدالله الحامدى رحمه الله (9/216)
اصحب خيار الناس حين لقيتهم ... خير الصحابة من يكون عفيفا
والناس مثل دراهم ميزتها ... فوجدت فيهم فضة وزيوفا
وفى الحديث « مثل الجليس الصالح مثل العطار ان لم ينلك من عطره يعبق بك من ريحه ومثل الجليس السوء مثل الكير ان لم يحرقك بناره يعبق بك ريحه » قدم ناس الى مكة وقالوا قدمنا الى بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم فى يومين قيل كيف قالوا احدهم انا كنت مغنيا لهم وما كنت منهم فقيل له غن فغنى بقول عدى
عن المرء لا تسأل وابصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى
فقيل صدقت وامر بقتله : وفى المثنوى
حق ذات باك الله الصمد ... كه بود به مار بد از يار بد
مار بد جانى ستاند از سليم ... يار بد آرد سوى نارجحيم
ازقرين بى قول وكفت وكوى او ... خو بدزدد دل نهان ازخوى او
اى خنك آن مرده كزخودرسته شد ... در وجود زنده بيوسته شد
واى آن زنده كه بامرده نشست ... مرده كشت وزندكى ازوى بجست
جون تو درقر آن حق بكريختى ... باروان انبيا آو يختى
هست قرآن حالهاى انيا ... ما هيان بحر با كبريا
ور بخوابى ونه قرآن بذير ... انبيا واوليارا ديده كير
وربذيرايى جو برخوانى قصص ... مرغ جانت تنك آيد در قفص
مرغ كو اندرقفص زاندا انيست ... مى نجويند رستن از زندانيست
روحهايى كز قفصها رسته اند ... انبياو رهبر شايسته اند
از برون آواز شان آيد زيدن ... كه ره رستن ترا اين است اين
مابدين رستيم زين تنكن قفص ... جزكه اين ره نيست جاره اين قفص
نسأ الله الخلاص والالتحاق بارباب الاختصاص والعمل بالقرآن فى كل زمان وعلى كل حال .
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)
{ وقال الرسول } عطف على قوله تعالى { وقال الذين لايرجون لقاءنا } ومابينهما اعتراض اى قالوا كيت وكيت وقال الرسول محمد عليه السلام اثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث الى ربه { يارب } [ اى برود كارمن ] { ان قومى } قريشا { اتخذوا هذا بطريق القرآن مهجورا } اى متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به وصدوا عنهن وفيه تلويح بان حق المؤمن ان يكون كثير التعاهد للقرآن اى التحفظ والقراءة كل يوم وليلة كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم وفى الحديث « من تعلم القرآن وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يارب العالمين عبدك هذا اتخذنى مهجورا اقضى بينى وبينه » ومن اعظم الذنوب ان يتعلم الرجل آية فى القرآن او سورة ثم ينساها والنسيان ان لايمكنه القراءة من المصحف كا فى القنية وفى الحديث « ان هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد » قيل وماجلاؤها قال « تلاوة القرآ وذكر الله » (9/217)
دل بر دردرا دوا قرآن ... جان مجروح را شفا قرآن
هرجه جويى زنص قرآ جوى ... كه بود كنج علمها قرآن
وفى المثنوى
شاهنامه ياكليله بيش تو ... همجنان باشدكه قرآن از عتو
فرق آنكه باشد از حق ومجاز ... كه كند كحل عنايت جشم باز
ورنه بشك ومشك بيش اخشمى ... هردويكسانست جون بنود شمى
خويشتن مشغول كردن ازملال ... باشدش قصد كلام ذو الجلال
كاتش وسواس را وغصه را ... زان سخن بنشاند وسازد دوا
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
{ وكذلك } اى كما جعلنا لك اعداء من مجرمى قومك كابى جهل ونحوه { جعلنا لك نبى } من الانبياء المتقدمين { عدوا } اى اعداء فانه يحتمل الواحد والجمع { من المجرمين } اى مجرمى قومهم كنمرود ابراهيم وفرعون لموسى واليهود لعيسى فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا ، وفيه تسلية لرسول الله وحمل له على الاقتداء بمن قبله من الانبياء الذين هم اصحاب الشريعة والدعوة اليها { وكفى بربك } اى ربك والباء صلة للتأكيد { هاديا } تمييز اى من جهة هدايته لك الى كافة مطالبك ومنها انتشار شريعتك وكثرة الآخذين بها { ونصيرا } ومن جهة نصرته لك على جميع اعادئك فلا تبال بمن يعاديك وسيبلغ حكمك الى اقطار الارض واكناف الدنيا ، دلت الآية بالعبارة والاشارة على ان لكل نبى وولى عدوا يمتحنه الله به ويظهر شرف اصطفائه ، قال ابو بكر بن طاهر رحمه الله رفعت درجات الانبياء والاولياء بامتحانهم بالمخالفين والاعداء (9/218)
از براى حكمتى روح القدس ازطشت زر ... دست موسى را بسوى طشت آزر مى برد
قال فى التأويلات النحمية يشير الى انه تعالى يقيض لكل صديق صادق فى الطلب عدوا معاندا من مطرودى الحضرة ليؤذيه وهو يصبر على اذاه فى الله ويختبر به حلمه ويرضى بقضى الله ويستسلم بالصبر على بلائه ويشكره على نعمة التوفيق للتسليم وتوفيض الامر الى الله والتوكل عليه ليسير بهذه الاقدام الى الله بل يطير بهذه الاجنحة فى الله بالله ما هو سنة الله فى تربية انبيائه واوليائه ولن تجد لسنة الله تبديلا وفى الخبر « لو ان مؤمنا ارتقى على ذروة جبل لقيض الله اليه منافقا يؤذيه فيؤجر عليه » ثم لم يغادر الله المجرم المعاند العدو لوليه حتى اذاقه وبال ماستوجبه على معاداته كما قال فى حديث ربانى « من عادى لى وليا فقد بارزنى بالحرب » وقال « وانا انتقم لاوليائى كما ينتقم الليث الجريىء لجروه » [ دانشمندى بود درفن منطق منفرد ودر سائر علوم رياضى متبحر مولانا مير جمال نام كه دركسوت قلندرى مى زيست وكنك مى بوشيد ونماز نمى كذاريد ودر ارتكاب محرمات بغايت دلير وبى حيابود ومنكر طريق مشايخ وطائفه اوليا ودائم الاوقات غيبت ومذمت حضرات ايشان ميكرد وسخنان بى ادبانه مكيفت روزى باسه طالب علم كه ايشان نيز درمقام هزل وظرافت وتعرض وسفاهت بودند بمجلس مولانا ناصر الدين اترارى در آمدند وبيش ازانكه بسخن آغاز كند مقدارى بنك ازآستين كنك بيرون آورد ودردهان نهاد وخواست كه فرو برد در كلوى وى محكم شد وراه نفس بروى بسته كشت آخر حضرت شيخ فرمودند تامشتى محكم بركلوى وى زدند وآن بنك ازكلوى وى درميان مجلس افتاد وهمه حاضران بروخنديدند واو باخجالت تام از مجلس بيرون آمد ورسوا شد فرار نمود وديكركسى ازو نشان نداد ] : وفى المثنوى
جون خدا خواهدكه برده كس درد ... ميلش اندر طغه باكان برد
آنكه مى دريد جامه خلق جست ... شد دريده آن او ايشان درست
آن دهان كر كزو تسخير بخواند ... مر محمد را دهانش كر بماند
باز آمد كاى محمد عفو كن ... اى ترا الطاف وعلم من لدن
من ترا افسوس ميكردم ز جهل ... من بدم افسوس را منسوب اهل
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)
{ وقال الذين كفورا لولا نزل عليه القرآن } [ وكفتند مشركان عرب جرا فروفر ستاده نشده برمحمد قرآن ] فلولا تحضيضة بمعنى هلا والتنزيل بمعنى هلا والتنزيل ههنا مجرد عن معنى التدريج بمعنى انزل كخير بمعنى اخبر قوله { جملة واحدة } دفعة واحدة كالكتب الثلاثة اى التوراة والانجيل والزبور حال من القرآن اذ هى فى معنى مجتمعا وهذا اعتراض حيرة وبهت لا طائل تحته لان الاعجاز لا يختلف بنزوله جملة او مفرقا وقد تحدّوا بسورة واحدة فعجزوا عن ذلك حتى اخلدوا الى بذل المهج والاموال دون الاتيان بها مع ان للتفريق فوائد منها ماشار اليه بقوله { كذلك لنثبت به فؤادك } محل الكاف النصب على انها صفة لمصدر مؤكد معلل بما بعده وذلك اشارة الى ما يفهم من كلامهم اى مثل ذلك التنزيل المفرق الذى قدحوا فيه نزلناه لا تنزيلا مغايرا له لنقوّى بذلك التنزيل المفرق فؤادك اى قلبك فان فيه تيسيرا لحفظ النظم وفهم المعنى وضبط الاحكام والعمل بها ألا ترى ان التوراة انزلت دفعة فشق العمل عن بنى اسرائيل ولانه كما نزل عليه وحى جديد فى كل امر وحادثة ازداد هو قوة قلب وبصيرة وبالجملة انزل القرآن منجما فضيلة خص بها نبينا عليه السلام من بين سائر النبيين فان المقصود من انزاله ان يتخلق قلبه المنير بخلق القرآن ويتقوى بنوره ويتغذى بحقائقه وعلومه وهذه الفوائد انما تكتمل بانزاله مفرقا ألا يرى ان الماء لو نزل من السماء جملة واحدة لما كانت تربية الزروع مثلها اذا نزل مفرقا الى ان يستوى الزرع { ورتلناه ترتيلا } عطف على ذلك المضمر والترتيل التفريق ومجيىء الكلمة بعد الاخرى بسكوت يسير دون قطع النفس واصله فى الاسنان وهو تفريجها . والمعنى كذلك نزلناه وقرأناه عليك شيأ بعد شىء على تؤده وتمهل فى عشرين سنة او ثلاث وعشرين . (9/219)
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)
{ ولا يأتونك بمثل } اى بسؤال عجيب وكلام غريب كأنه مثل فى البطلان يريدون به القدح فى حقك وحق القرآن . والمعنى بالفارسية [ ونمى آرند مشركان عرب براى تو يامحمد مثلى يعنى دربيان قد نبوت وطعن كتاب توسخن نمى كويند ] { الا جئناك } فى مقابلته : وبالفارسية [ مكر آنكه مامى آريم براى تو ] فالباء فى كقوله { بالحق } للتعدية ايضا اى بالجواب الحق الثابت المبطل لما جاؤا به القاطع لمادة القيل والقال { واحسن تفسيرا } عطف على الحق . والتفسير تفعيل من الفسر وهو كشف ما غطى . والمعنى وبماهو احسن بيانا وتفصيلا لما هو الحق والصواب ومقتضى الحكمة بمعنى انه فى غاية ما يكون من الحسن فى حد ذاته لا ان ما يأتون به له حسن فى الجملة وهذا احسن منه لان سؤالهم مثل فى البطلان فكيف يصح له حسن اللهم الا ان يكون بزعمهم يعنى لما كان السؤال حسنا بزعمهم قيل الجواب الحسن من السؤال والاستثناء مفرغ محله النصب على الحالية اى لا يأتونك بمثل فى حال من الاحوال الا حال اتياننا اياك الحق الذى لا محيد عنه ، وهذا بعبارته ناطق ببطلان جميع الاسئلة وبصحة جميع الاجوبة وباشارته منبىء عن بطلان السؤال الا خير وصحة جوابه اذلولا ان التنزيل على التدريج لما امكن ابطال تلك الاقتراحات الشنيعة او يقال كل نبى اذا قال له قومه قولا كان النبى هو الذى يرد عليهم واما النبى عليه السلام اذا قالوا له شيأ فالله يرد عليهم . (9/220)
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
{ الذين } اى هم الذين { يحشرون على وجوههم الى جهنم } اى يحشرون كائنين على وجوههم يسحبون عليها ويجرّون الى جهنم : يعنى [ روى برزمين نهاده ميروند بسوى دوزخ ] وفى الحديث « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة اصناف صنف على الدواب وصنف على الاقدام وصنف على الوجوه » فقيل يا نبى الله كيف يحشرون على وجوههم فقالت « ان الذى امشاهم على اقدامهم فهو قادر على ان يمشيهم على وجوههم » { اولئك } [ آن كروه ] { شر مكانا } [ برترازروى مكان يعنى مكان ايشان برترست ازمنازل مؤمنان كه دردنيا داشتند وايشان طعنه مى زدنكه ] { أى الفريقين خير مقاما واحسن نديا } وقال تعالى { فسيعلمون من هو شر مكانا } اى من الفريقين بان يشاهدوا الامر على عكس ماكانوا يقدرونه فيعلمون انهم شرك مكانا لاخير مقاما { واضل سبيلا } واخطأ طريقا من كل احد : وبالفارسية [ وكج تر وناصوا بترند از جهت راه جه راه ايشان مفضى بآتش دوزخست ] والاظهر ان التفضيل للزيادة المطلقة . والمعنى اكثر ضلالا عن الطريق المستقيم وجعل مكانهم شرا ليكون ابلغ من شرارتهم وكذا وصف السبيل بالاضلال من باب الاسناد المجازى للمبالغة ، واعلم انهم كانوا يضللون المؤمنين ولذا قال تعالى حكاية { وانا واياكم لعلى هدى او فى ضلال مبين } فاذا افضى طريق المؤمنين الى الجنة وطريقهم الى النار يتبين للكل حال الفريقين : قال الصائب (9/221)
واقف بميشوند كه كم كرده اند راه ... تارهروان بر اهنمايى نمى رسند
والمميز يوم القيامة هو الله تعالى فانه يقول { وامتازوا اليوم ايها المجرمون } ولما استكبر الكفار واستعلوا حتى لم يخروا لسجدة الله تعالى حشرهم الله تعالى على وجوههم ولما تواضع المؤمنون رفعهم الله على النجائب فمن هرب عن المخالفة واقبل الى الموافقة نجا ومن عكس هلك واين يهرب العاصى والله تعالى مدركه ، قال احمد بن ابى الجوارى كنت يوما جالسا على غرفة فاذا جارية صغيرة تقرع الباب فقلت من بالباب فقالت جارية تسترشد الطريق فقلت طريق النجاة ام طريق الهرب فقالت يابطال اسكت فهل للهرب طريق وانما يهرب العبد فهو فى قبضة مولاه فعلى العاقل ان يهرب فى الدنيا الى خير مكان حتى يتخلص فى الآخرة من شر مكان وخير مكان فى الدنيا هو المساجد ومجالس العلوم النافعة فان فيها النفحات الالهية : قال المولى الجامى قدس سره
مانداريم مشامى كه توانيم شنيد ... ورنه هردم رسداز كلشن وصلت نفحات
نسأل الله نفحات روضات التوحيد وروائح حدائق التفريد .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35)
{ ولقد آتينا موسى الكتاب } اللام جواب لقسم محذوف اى وبالله لقد آتينا موسى التوراة اى انزلناها عليه بعد اغراق فرعون وقومه ، وفى الارشاد والتعرض فى مطلع القصة لايتاء الكتاب مع انه كان بعد مهلك القوم ولم يكن له مدخل فى هلاكهم كسائر الآيات للايذان من اول الامر ببلوغه عليه السلام غاية الكمال ونيله نهاية الآمال التى هى انجاء بنى اسرائيل من ملك فرعون وارشادهم الى طريق الحق بما فى التوراة من الاحكام { وجعلنا معه } الظرف متعلق بجعلنا { اخاه } مفعول اول له { هرون } بدل من اخاه وهو اسم اعجمى ولم يرد فى شىء من كلام العرب { وزيرا } مفعول ثان اى معينا يوازره ويعاونه فى الدعوة واعلاء الكلمة فان الموازرة المعاونة ، وفى القاموس الوزر بالكسر الثقل والحمل الثقيل والوزير جبأ الملك الذى يحمل ثقله ويعينه برأيه وحاله الوزارة بالكسر ويفتح والجمع وزراء والحبأ محركة جليس الملك وخاصته ، وقال بعضهم الوزير الذى برجع اليه ويتحصن برأيه من الوزر بالتحريك وهو ما يلتجأ اليه ويعتصم به من الجبل ومنه قوله تعالى { كلا لاوزر } اى لا ملجأ يوم القيامة والوزر بالكسر الثقل تشبيها بوزر الجبل ويعبر بذلك عن الاثم كما يعبر عنه بالثقل لقوله { ليحلموا اوزارهم } وقوله { ليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم } والوزير بالفارسية [ يار ومدد كار وكارساز ] ، فان قلت كون هارون وزيرا كالمنافى لكونه شريكا فى النبوة لانه اذا صار شريكا له خرج عن كونه وزيرا ، قلت لا ينافى ذلك مشاركته فى النبوة لأن المتشاركين فى الامر متوازران عليه . (9/222)
فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36)
{ فقلنا } لهما حنيئذ { اذهبا الى القوم الذين كذبوا بآياتنا } هم فرعون وقومه اى القبط والآيات هى المعجزات التسع المفصلات الظاهرة على يد موسى عليه السلام ولم يوصف القوم عند ارسالهما اليهم بهذا الوصف ضرورة تأخر تكذيب الآيات عن اظهارها المتأخر عن الامر به بل انما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلام بيانا لعله استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير ويقال بآياتنا التكوينية اى بالعلامات التى خلق الله فى الدنيا ويقال بالرسل وبكتب الانبياء الذين قبل موسى كما فى قوله { وقوم نوح لما كذبوا الرسل } فالباء على كل تقدير متعلقة بكذبوا لا باذهبا وان كان الذهاب اليهم بالآيات كما فى قوله فى الشعراء { فاذهبا بآياتنا } واما التكذيب فتارة يتعلق بالآيات كما فى الاعراف { فظلموا بها } اى بالآيات وقوله فى طه { ولقد اريناه آياتنا } وتارة بموسى وهارون كما فى قوله فى المؤمنين { فكذبوهما } { فدمرناهم تدميرا } التدمير ادخال الهلاك على الشىء والدمار الاستئصال بالهلاك والدمور الدخول بالمكروه وتقدير الكلام المستمر اليهم فارياهم آياتنا كلها فكذبوهما تكذيبا مستمرا فاهلكناهم اثر ذلك التكذيب المستمر اهلاكا عجيبا هائلا لايدرك كنهه : وبالفارسية [ بس هلاك كرديم ايشانرا هلاك كردنى باغراق درياى قلزم ] فاقتصر على حاشيتى القصة اى اولها وآخرها اكتفاء بما هو المقصود منها وهو الزام الحجة ببعثة الرسل والتدمير بالتكذيب والفاء للتعقيب باعتبار نهاية التكذيب اى باعتبار استمراره والا فالتدمير متأخر عن التكذيب بازمنة متطاولة . (9/223)
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37)
{ وقوم نوح } منصوب بمضمر يدل عليه فدمرناهم اى ودمرنا قوم نوح { لما كذبوا الرسل } اى نوحا ومن قبله من الرسل كشيث وادريس او نوح وحده لأن تكذيبه للكل لاتفاقهم على التوحيد والاسلام ويقال ان نوحا كان يدعو قومه الى الايمان به وبالرسل الذين بعده فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل كما ثبت ان كل نبى اخذ العهد من قومه ان يؤمنوا بخاتم النبيين ان ادركوا زمانه { اغرقناهم } بالطوفان . والاغراق [ غرقه كردن ] والغرق الرسوب فى الماء اى السفول وهو استئناف مبين لكيفية تدميرهم { وجعلناهم } اى اغراقهم وقصتهم { للناس آية } عظيمة يعتبر بها كل من شاهدها او سمعها : وبالفارسية [ نشانى ودستانى ] وهو مفعول ثانى لجعلنا وللناس ظرف لغوله { واعتدنا } [ وآماده كرديم ] اى فى الآخرة { للظالمين } اى لهم اى للمغرقين والاظهار فى موقع الاضمار للتسجيل بظلمهم والايذان بتجاوزهم الحد فى الكفر والتكذيب { عذابا اليما } سوى ما حل بهم من عذاب الدنيا ومعنى اليما وجيعا : وبالفارسية [ دردناك ] . (9/224)
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38)
{ وعادا } عطف على قوم نوح : يعنى [ هلاك كرديم قوم عادرا بتكذيب هود ] { وثمود } [ وكروه ثمودارا بتكذيب صالح ] { واصحاب الرس } الرس البئر وكل ركية لم تطو بالحجارة والآجر فهورس كا فى فى الكشاف الرس البئر الغير المطوية اى المبنية انتهى ، وفى القاموس كالصحاح المطيوة باسقاط غير ، واصحاب الرس قوم يعبدون الاصنام بعث الله اليهم شعيبا عليه السلام فكذبوه فبينما هم حول الرس اى بئرهم الغير المبينة التى يشربون منها ويسقون مواشيهم اذا نهارت فخسف بهم وبديارهم ومواشيهم واموالهم فهلكوا جميعا ، وفى القاموس الرس بئر كانت لبقية من ثمود كذبوا نبيهم ورسوه فى بئر انتهى اى دسوه واخفوه فيها فنسبوا الى فعلهم بنبيهم فالرس مصدر ونبيهم هو حنظلة بن صفوان كان قبل موسى على ما ذكر ابن كثير وحين دسوه فبها غار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست اشجارهم وانقطعت ثمارهم بعد ان كان ماؤها يرويهم ويكفى ارضهم جميعا وتبدلوا بعد الانس الوحشة وبعد الاجتماع الفرقة لانهم كانوا ممن يعبد الاصنام وقد كان ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم ذى عنق طويل كان فيه من كل لون فكان ينقض على صبيانهم يخطفهم اذا اعوزه الصيد وكان اذا خطف احدا منهم اغرب به الى جهة الغرب فقيل له الطول عنقه ولذهابه الى جهة الغرب عنقاء مغرب [ فروبرنده وانابديد كننده ] فيوما ماخطف ابنة مراهقة فشكوا ذلك الى حنظلة النبى عليه السلام وشرطوا ان كفوا شره ان يؤمنوا به فدعا على تلك العنقاء فارسل الله عليها صاعفة فاحرقتها ولم تعقب او ذهب الله بها الى بعض جزائر البحر المحيط تحت خط الاستواء وهى جريرة لايصل اليها الناس وفيها جيوان كثير كالفيل الكركدن والسباع وجوارح الطير ، قال الكاشفى [ بيغمبر دعا فرمودكه خدايا ابن مرغ رابكير ونسل بريده كردان دعاى بيغمبر بفراجابت رسيده وآن مرغ غائب شد وديكر ازوخبرى واثرى بيدا نشد وحزنام ازو نشان نماند ودرجيزهاى نايافت بدو مثل زنند كما قيل (9/225)
منسوخ شدمروت ومعدوم شد وفا ... وزهردونام ماند جو عنقا وكيميا
[ وصاحب لمعات ازبى نشانىء عشق برين وجه نشان ميدهد ]
عشقم كه دردوكون مكانم بديدنيست ... عنقاى مغربم كه نشانم بديدنيست
فالعنقاء المغرب بالضم وعنقاء مغرب ومغربة ومغرب بالاضافة طائر معروف الاسم لا الجسم او طائر عظيم يبعد فى طيرانه او من الالفاظ الدالة على غير معنى كما فى القاموس ، ثم كان جزاؤه منهم ان قتلوه وفعلوا به ما تقدم من الرس ، يقال وجد حنظلة فى بئر بعد دهر طويل يده على شجته فرفعت يده فسال دمه فتركت يده فعادت على الشجة ، وقيل اصحاب الرس قوم نساؤهم مساحقات ذكر ان الدلهاث ابنة ابليس اتتهن فشهت الى النساء ذلك وعلمتهن فلسط الله عليهم صاعقة من اول الليل وخسفا فى آخره وصيحة مع الشمس فلم يبق منهم احد وفى الخبر
« ان من اشراط الساعة ان تستكفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء وذلك السحق » وفى الحديث المرفوع « سحاق النساء زنى بينهن » وقيل قوم كذبوا نبيا اتاهم فحبسوه فى بئر ضيقة القعر ووضعوا على رأس البئر صخرة عظيمة لا يقدر على حملها الاجماعة من الناس وقد كان آمن به من الجميع عبد اسود وكان العبد يأتى الجبل فيحتطب ويحمل على ظهره ويبيع الحزمة ويشترى بثمنها طعاما ثم يأتى البئر فيلقى اليه الطعام من خروق الصخرة وكان على ذلك سنين ثم ان الله تعالى اهلك القوم وارسل ملكا فرفع الحجر واخرج النبى من البشر وقيل بل الاسود عالج الصخرة فقواه الله لفرفعها والقى حبلا اليه واستخرجه من البئر ، فاوحى الله الى ذلك النبى انه رفيقه فى الجنة وفى الحديث « ان اول الناس دخولا الجنة لعبد اسود » يريد هذا العبد على بن الحسين ابن على زين العابدين رضى الله عنهم (9/226)
[ روايت كند از بدر خويش كفتا مردى آمد از بنى تميم بيش امير المؤمنين على رضى الله عنه كفت يا امير المؤمنين خبرده مارا از اصحاب رس از كدام قوم بودند ودركدام عصر وديار ومسكن از ايشان كجا بود بادشاه ايشان كه بود رب العزة بيغمبر بايشان فرستاد يانفرستاد وايشانرا بجه هلاك كرد مادرقرآن ذكر ايشان ميخوانيم كه اصحاب الرس نه قصه بيان كرده نه احوال ايشان كفته امير المؤمنين على كفت ياخا تميم سؤالى كردى كه بيش ازتو هيج كس اين سؤال ازمن نكرد وبعد ازمن قصه ايشان ازهيج كس نشنود ايشان قومى بودند در عصر بنى اسرائيل بيش از سليمان بن داود بدرخت صنوبر مى برستيدند آن درخت كه يافث بن نوح كشته بود برشفير جشمه معروف وبيرون ازان جشمه نهرى بود روان وايشانرا دوازده باره شهر بود برشط آن نهر ونام آن نهر رس بود ودر بلاد مشرق ودرروز كاز هيج نهر عظيم تر وبزركتر ازان نهر نبود ونه هيج شهر آبادان تر ازان شهر هاى ايشان ومهينه از شهرهاى مدينه بود نام آن اسفند آباد وبادشاه ايشان از نراد نمرود بن كنعان بود ودر آن مدينه مسكن داشت وآن درخت صنوبر در آن مدينه بود وايشان تخم آن درخت بردند بآن دوازده باره شهر تادر شهرى درختى صنوبر برآمد وبباليد وهل آن شهر آنرا معبود خود ساختند وآن جشمه كه در زيرصنوبر اصل بود هيج كس را دستورى نبودكه ازآن آب بخورد يابركر فتى كه ميكفتندكه « هى حياة آلهتنا فلا ينبغى لاحد ان ينقص من حياتها » بس مردمان كه آب ميخوردند ازنهر رس ميخوردند ورسم وآيين ايشان بود درهر ماهى اهل آن شهرها كردآن درخت صنوبر خويش برآمدن وآنرا بزيور وجامهاى الوان بياراستن وقربانها كردن وآتشى عظيم افروختن وآن قربانها برآن آتش نهادن تادخان وقتاران بالا كرفتى جندانكه درآن تاركى دود ديدهاى ايشان ازآ سمان محجوب كشتى ايشان آن ساعت بسجود درفتادندى وتضرع وزارى فرادرخت كردندى تازميان آن درخت شيطان آواز دادى كه « انى قد رضيت عنكم فطيبوا نفسها وقروا عينا » جون آواز شيطان بكوش ايشان رسيدى سر برداشتندى شادان وتازان ويك شبانروز درنشاط وطرب وخمر خوردن بسرآ وردندى يعنى كه معبودما آزما راضى است بدين صفت روز كار در آن بسرآ وردند تاكفر وشرك ايشان بغايت رسيد وتمرد وطغيان ايشان بالا كرفت رب العالمين بايشان بيغمبرى فرستاد از بنى اسرائيل از نراد يهودا بن يعقوب روزكارى دراز ايشانرا دعوت كرد ايشان نكرديدند وشرك وكفورا بيفزودند تا بيغمبر در الله زاريد ودر ايشان دعاى يد كرد كفت « يارب ان عبادك ابوا الا تكذيبى والكفر بك يعبدون شجرة لا تضر ولا تنفع فأرهم قدرتك وسلطانك » جون بيغمبر اين دعا كرد درختهاى ايسان همه خشك كشت كفتند اين همه ازهمه ازشومى اين مرداست كه دعوى بيغبرى ميكند وعيب خدايان ما ميجويد واورا بكرفتند ودرجاهى عظيم كرند آورده اند در قصة كه انبوبها ساختند فراخ وآنرا بقعرآب فرو بردند وآب ازان انبوبها برميكشدند تابخشك رسيد آنكه از آنجا درجاهى دور فرو بردند واورا در آن جاه كردند وسنكى عظيم برسر آن جاه استوار نهادند وانبوبها ازقعر آب برداشتند كفتند اكنون دانيم كه خدايان مازما خشنود شوند كه عيب جوى ايشانرا هلاك كرديم بيغمبر در آن وحشتكاه بالله ناليد وكفت « سيدى ومولاى قد ترى ضيق مكانى وشدة كربى فارحم ضعف ركنى وقلة حيلتى عجل قبض روحى ولا تؤخر اجابة دعوتى حتى مات عليه السلام فقال الله لجبريل ان عبادى هؤلاء غرهم حلمى وامنوا مكرى وعبدوا غيرى وقتلوا رسولى فانا المنتقم ممن عصانى ولم يخش عقابى ونى حلفت لاجعلنهم عبرة ونكالا للعالمي » بس رب العالمين باد عاصف كرم بايشان فروكشاد تاهمه بيكديكر شدند وفراهم بيوستند آنكه زمين در زير ايشان جون سنك كبريت كشت واز بالا ابرى سياه بر آمد وآتش فروباريد وايشان جنانكه از زير در آتش فروكدازد فروكداختند ] نعوذ بالله من غضبه ودرك نقمته كذا فى كشف الاسرار للعالم الربانى الرشيد اليزدى { وقرونا اى درمنا ايضا اهل اعصار جمع قرن وهم القوم المتقرنون فى زمن واحد ، وفى القاموس الاصح انه مائة سنة لقوله عليه السلام لغلام
« عش قرنا فعاش مائة سنة » { بين ذلك } المذكور من الطوائف والامم : وبالفارسية [ ميان قوم نوح وعاد وميان عاد وثمود تا بصحاب الرس ] { كثيرا } لايعلم مقدارها الا الله كقوله { ايعلمهم الا الله } ولذلك قالوا كذب الناسبون اى الذين ادعوا العلم بالانساب وهو صفة لقوله قرونا والافراد باعتبار معنى الجمع او العدد كما فى قوله { وبث منهما رجالا كثيرا } (9/227)
وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39)
{ وكلا } منصوب بمضمر يدل عليه ما بعده اى ذكرنا وانذرنا كل واحد من الامم المذكورين المهلكين { ضربنا له الامثال } بيناله القصص العجيبة الزاجرة عماهم عليه من الكفر والمعاصى بواسطة الرسل { وكلا } اى كل واحد منهم بعد التكذيب والاصرار { تبرنا تتبيرا } اهلكا اهلاكا عجيبا هائلا فان التبر بالفتح والكسر الاهلاك والتتبير التكسير والتقطيع ، قال الزجاج كلى شىء كسرته وفتته فقد تبرته منه التبر لمكسر الزجج وفتات الذهب والفضة قبل ان يصاغا فاذا صبغا فهما ذهب وفضة . (9/228)
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)
{ ولقد اتوا } اى وبالله لقد اتى قريش فى متاجرهم الى الشام ومروا { على القرية التى امطرت مطر السوء } يعنى سدوم بالدال المهملة وقيل بالذال المعجمة اعظم قرى قوم لوط امطرت عليها الحجارة واهلكت فان اهلها كانوا يعملون الخبيث وكان كل حجر منها قدر انسان ، واعلم ان قرى قوم لوط خمس مانجا منها الا واحدة لان اهلها كانوا لا يعملون العمل الخبيث وسدوم من التى اهلكت وتخصيصها ههنا لكونها فىممر تجار قريش وكانوا حين مرورهم بها يرونها مؤتفكة ولا يعتبرون . وانتصاب مطر على انه مصدر مؤكد بحذف الزوائد كما قيل فى انبته الله نباتا حسنا اى امطار السوء ومطر مجهولا فى الخير وامطر فى الشر وقيل هما لغتان والسوء بفتح السين وضمها كل ما يسوء الانسان ويغمه من البلاء والآفة : والمعنى بالفارسية [ وبركذشتند بر آن شهركه باران بدباريد يعنى بروسنك بارانيده شد ] وفى الخبر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم « رأى ليلة المعراج فى السماء الثالثة حجارة موضوعة فسأل عن ذلك جبريل فقال هذه الحجارة فضلت من حجارة قوم لوط خبئت للظالمين من امتك » اى خفيت واعدت وذلك ان من اشراط الساعة ان يمطر السماء بعض الحبوب كالقمح والذرة ونحوهما وقد شاهدناه فى عصرنا وسيأتى زمان تمطر الحجارة ونحوها على الظالمين نعود بالله تعالى { أفلم يكونوا يرونها } [ آيانمى ديند آنرا سرنكون ] اى فى مرار مرورهم فيخافوا ويعتبروا ويؤمنوا { بل كانوا لايرجون نشورا } حقيقة الرجاء انتظار الخير وظن حصول ما فيه مسرة وليس النشور اى احياء الميت خيرا مؤديا الى المسرة فى حق الكافر فهو مجاز عن التوقع والتوقع يستعمل فى الخير والشر فامكن ان يتصور النسبة بين الكافر وتوقع النشور . والمعنى بل كانوا كفرة لايتوقعون نشورا اى ينكرون النشور المستتبع للجزاء الاخروى ولا يرون لنفس من النفوس نشورا اصلا مع تحققه حتما وشموله للناس عموما واطراده وقوعا فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوى فى حق طائفة خاصة مع عدم الاطراد والملازمة بينه وبين المعاصى حتى يتذكروا ويتعظوا بما شاهدوه من آثار الهلاك وانما يحملونه على الاتفاقات ، واعلم ان النشور لا ينكره الا الكفور وقد جعل الله الربيع فى الدنيا شاهدا له ومشيرا لوقوعه وفى الخبر « اذا رأيتم الربيع فاذكروا النشور » والربيع مثل يوم النشور لان الربيع وقت القاء البذر ويكون الزراع قلبه معلقا الى ذلك الوقت أيخرج ام لا فكذلك المؤمن يجتهد فى طاعته وقلبه يكون معلقا بين الخوف والرجاء الى يوم القيامة أيقبل الله تعالى منه ام لا ثم اذا خرج الزرع وادرك يحصد ويداس ويذرى ثم يطحن ويعجن ويخبز واذا خرج من التنور بلا احتراق يصلح للخوان ولو احترق ضاع عمله وبطل سعيه وكذلك العبد يصلى ويصوم ويزكى ويحج فاذا جاء ملك الموت حصد روحه بمنجل الموت وجعلوه فى القبر يكون فيه الى يوم القيامة واذا جاء يوم القيامة وخرج من قبره ووقع الحشر والنشور وامر به الى الصراط فاذا جاوز الصراط سالما فقد صلح للرؤية والا فقد هلك فعلى العاقل ان يتفكر فى النشور ويتذكر عاقبة الامور : وفى المثنوى (9/229)
فضل مردان برزن حالى برست ... زان بودكه مر بابان بين ترست (9/230)
مردكاندر عاقبت بينى خمست ... او زاهل عاقبت اززن كمست
ازجهان دو بانك مى آيد بضد ... تاكدامين را تو باشى مستعد
آن يكى بانكش نشور اتقيا ... وين دكر بانكش قريب اشقيا
آن يكى بانك اين اينك حاضرم ... بانك ديكر بنكراندر آخرم
من شكوفه خارم اى فخر كبار ... كل بريزم من نمايم شاخ خار
بانك اشكوفه اش كه اينك فروش ... بانك خارش اوكه سوى مامكوش
اى خنك آن كو زوّال آن شنيد ... كش عقول ومستمع مردان شنيد
وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)
{ واذا رأوك } اى ابصروك يا محمد يعنى قريشا { ان يتخذونك الا هزوا } ان نافية اى ما يتخذونك الا موضع هزو اى يستهزئون بك قائلين بطريق الاستحقار والتهكم { أهذا الذى بعث الله رسولا } اى بعث الله الينا رسولا ليثبت الحجة علينا : وبالفارسية [ ايا اين كس آنست كه اورا برانكيخت خدا وفرستاد بيغمبر ] يعنى لم يقتصروا على ترك الايمان وايراد الشبهات الباطلة بل زادوا عليه الاستخفاف والاستهزاء اذا رأوه وهو قول ابى جهل لابى سفيان وهذا نبى بنى عبدمناف . (9/231)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان هل الحس لايرون النبوة والرسالة بالحس الظاهر لانها تدرك بنظر البصيرة المؤيدة بنور الله وهم عميان بهذا البصر فلما سمعوا منه مالم يهتدوا به من كلام النبوة الرسالة ماتخذوه الا هزؤا وقالوا مستهزئين أهذا الذى بعث الله رسولا وهو بشر مثلنا محتاج الى الطعام والشراب : وفى المثنوى
كاربا كان را قياس ازخود مكير ... كرجه ماند در نبشتن شير شير
جمله عالم زين سبب كمراه شد ... كم كسى زابدال حق آكاه شد
همسرى با انبيا بر داشتند ... اوليا را همجو خود بندشتند
كفته اينك مابشر ايشان بشر ... ماوايشان بسته خوابيم وخور
اين ندانستند ايشان ازعمى ... هست فرق درميان بى منتهى
هردوكون زنبور خوردند ازمحل ... ليك شد زين نيش وزان ديكر عسل
هردوكون آهوكيا خوردندو آب ... زين يكمى سركين شدوزان مشك ناب
هردونى خوردند ازيك آبخور ... اين يكى خالى وان براز شكر
إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)
{ ان كاد } ان مخففة من الثقيلة واللام فى { ليضلنا } هى الفارقة بينهما وضمير الشان محذوف اى انه كاد اى قارب محمد ليضلنا { عن آلهتنا } اى ليصرفنا عن عبادتها صرفا كليا بحيث يبعنا عنها : وبالفارسية [ بدرستى نزديك بودكه اوبسخن دلفريب وبسيارى جهد دردعوت واظهار دلائل برمدعاى خود كمراه كند وبازادارد مارا از برستش خديانا ما { لولا ان صبرنا عليها } ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها قال الله تعالى فى جوابهم { وسوف يعلمون } البتة وان تراخى { حين يرون العذاب } الذى يستوجبه كفرهم اى يرون فى الآخرة عيانا ومن العذاب عذاب بدر ايضا { من اضل سبيلا } نسبوه عليه السلام الى الضلال فى ضمن الاضلال فان احدا لا يضل غيره الا اذا كان ضالا فى نفسه فردهم الله ، واعلم انه لا يهملهم وان امهلهم وصف السبيل بالضلال مجازا والمراد سالكوها ومن اضل سبيلا جملة استفهامية معلقة ليعلمون فهى سادة مسد مفعوليه . (9/232)
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)
{ أرأيت } [ آياديدى ] { من اتخذ الهه هواه } كلمة أرأيت تستعمل تارة للاعلام وتارة للسؤال وههنا للتعجيب من جهل من هذا وصفه والهه مفعول ثان قدم على الاول للاعتناء به لانه الذى يدور عليه امر التعجب والهوى مصدر هويه اذا احبه واشتهاه ثم سمى به المهوى المشتهى محمودا كان او مذموما ثم غلب على غير المحمود فقيل فلان اتبع هواه اذا اريد ذمه فالهوى ما يميل اليه الطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند منقول ودليل معقول . والمعنى أرأيت يا محمد من جعل هواه الها لنفسه بان اطاعه وبنى عليه امر دينه معرضا عن استماع الحجة والبرهان بالكلية كأنه قيل ألا تعجب ممن جعل هواه بمنزلة الاله فى الالتزام طاعته وعدم مخالفته فانظر اليه وتعجب منه وهذا الاستفهام للتقرير والتعجيب وكفته اند قومى بودند ازعرب كه سنك مى برستيدند هركاه كه ايشانرا سنكى نيكو بجشم آمدى ودل ايشان آن خواستى آنرا سجود بردندى وآنجه داشتندى بيفكندندى حارث بن قيس ازايشان بود دركاروانى ميرفتند وآن سنك داشتند ازشتر بيفتاد آواز در قافله افتادكه سنك معبود ازشتر بيفتاد توقف كنيد تاجبوييم ساعتى جستند ونيافتند كوينده ازايشان آواز دادكه ] وجدت حجرا احسن منه فسيراو وفى الحديث « ماعبد اله ابغض على الله من الهوى » فكل من يعيش على ما يكن له فيه شرب نفسانى ولو كان استعمال الشريعة بهذه الطبيعة ومطلبه فيه الحظوظ النفسانية لا الحقوق الربانية فهو عابد هاه كما فى التأويلات النجمية ، قال الكاشفى صاحب تأويلات فرموده كه هركه بغير خداى جيزى دوست دارد وبروبازماند واورا برسته درحقيقت هواى خودرا مى برستد زيرا كه هواى اورا برمحبت غير خدا ميدارد سيد حسينى رحمه الله در طرب المجالس آورده كه جون آدم صفى عليه السلام باحوا عقد بستند ابليس ودنيا بيكديكر بيوستند وهمجنانكه ازامتزج آنان بايكديكر آدمى وجود كرفت ازوصلت اينان باهمه هوا مدد مى يابند رسوم وعادات مردوده ومذاهب واديان مختلفه همه ازتأثير او ظهور مى يابد (9/233)
غبارى كه خيزد ميان ره اوست ... جه كويم كه هريوسفى را جه اوست
قوت غلبه اوتاحديست كه « الهوى اول اله عبد فى الارض » درشان او واردشده وزبان قرآن درحق اةو جنين فرموده كه { أرأيت من اتخذ الهه هواه } كويى كه اصل هواست آلهة باطله همه فرع اويند وازينجا كه مخالفت هوى سبب وصول بحقيقت ايمانست ]
سرزهوى نافتن ازسروريست ... ترك هوى قوت بيغمبريست
قال ابو سليمان رحمه الله من اتبع نفسه هواها فقد سعى فى قتلها لان حياتها بالذكر وموتها وقتلها بالغفلة فاذا غفل اتبع الشهوات واذا اتبع الشهوات صار فى حكم الاموات : وفى المثنوى
اين جهان شهوتى بتخانه ايست ... انبيا وكافر انرا لانه ايست (9/234)
ليك شهوت بنده باكان بود ... زرنسوزد زانكه نقد كان بود
كافران قلبند وباكان همجوزر ... اندرين بتوه درند اين دونفر
قلب جون آمد سيه شد درزمان ... زردر آمد شد رزى اوعيسان
[ يكى را ازا كابر سمرفند كفتند كه اكركسى درخواب بيندكه حق سبحانه وتعالى مرده است تعبير آن جيست وى كفت كه اكابر كفته اندكه اكركسى درخواب بيندكه بيغمبر صلى الله عليه وسلم مرده است تعبيرش آنست كه درشريعت اين صاحب واقعة قصورى وفتورى واقع شده است وآن مردن صورت شريعت است اين نيز مثل آن زنكى دارد . وبعضى كبار مى فرمودندكه ميتوان بودكه كسى حضور مع الله بوده باشد ناكاه آن حضور نماند تعبير آن مردن آن باشد . ومولانا نور الدين عبدالرحمن جامى رحمه الله اين سخن را تأويل ديكر كرده بودند فرموده كه ميتواند بودكه بحم آيت كريمه { أرأيت من اتخذ الهه هواه } يكى ازهواها كه صابح واقعة آنرا خداى خود كرفته بوده است . ازدل وى رخت بندند ونابود شود آن مردن خداى عبارت ازنابودن اين هوابود بس اين خواب دليل باشد برآنكه حضور اوزياده شود كذا فى رشحات على الصفى بن الحسنى الكاشفى ] { أفأنت تكون } [ آيامى باشى تو ] { عليه } [ برآنكس كه هواى خودرا خدا ساخته ] { وكيلا } حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصى وحاله هذا اى الاتخاذ اى لست موكلا على حفظه بل انت منذر فهذا الاستفهام للانكار وليس هذا نيها عن دعائه اياهم بل الاعلام بانه قد قضى ما عليه من الانذار والاعذار ، وقال بعض المفرسين هذه منسوخة بآية السيف .
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
{ أم تحسب } بل أتظن : وبالفارسية [ بلكه كما ميبرى ] { ان اكثرهم يسمعون } مايتلى علهيم من الآيات حق سماع { او يعقلون } مافى تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية الى المحاسن فتهتم بشأنهم وتمطع فى ايمانهم وتخصيص الاكثر لانه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استدبارا وخوفا على الرياسة ، قال ابن عطاء رحمه الله لا تظن انك تسمع نداءك انما تسمعهم ان سمعوا نداء الازل والا فان نداءك لهم ودعوتك لا تغنى عنهم شيأ واجابتهم دعوتك هو بركة جواب نداء الازل ودعوته فمن غفل واعرض فانما هو لبعده عن محل الجواب فى الازل { ان هم } ما هم فى عدم انتفاعهم بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وانتفاء التدبير فما يشاهدونه من الدلائل والمعجزات { الا كالانعام } الا كالبهائم التى هى مثل فى الغفلة وعلم فى الضلالة . (9/235)
وفى التأويلات النجمية ليس لهم نهمة الا فى الاكل والشرب واستجلاب حظوظ النفس كالبهائم التى نهمتها الا كل والشرب { بل هم اضل سبيلا } من الانعام لانها تنقاد لمن يقودها وتميز من يحسن اليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وهؤلاء لاينقادون لربهم ولا يعرفون احسانه من اساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الذى هو اعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذى هو اشد المضار ولانها لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا ولا شرا بخلاف هؤلاء ولان جهالتها لا تضر باحد وجهالة هؤلاء تؤدى الى هيج الفتن وصد الناس عن الحق ولانها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون مستحقون اعظم العقاب على تقصيرهم ، واعلم ان الله تعالى خلق الملائكة وعلى العقل جبلهم وخلق البهائم وركب فيها الشهوة وخلق الانسان وركب فيه الامرين اى العقل والشهوة فمن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم ولذا قالى تعالى { بل اضل سبيلا } لان الانسان بقدمى العقل والمغلوب والهوى ينقل الى اسفل دركه لا تبلغ البهائم الهيا بقدم الشهوة فقط ومن غلب عقله هواه اى شهوته فهو بمنزلة الملائكة الذين لا يعصون الله مامرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن كان غالبا على امره فهو خير من الملائكة كما قال تعالى { اولئك خير البرية } كما قال فى المثنوى
در حديث آمد كه يزدان مجيد ... خلق عالم را سه كونه آفريد
يك كروه را جمله عقل وعلم وجود ... آنو فرشته است اوندادا جزسجود
نيست اند عنصر ش حرص وهوا ... نور مطلق زنده از عشق خدا
يك كروه ديكر از دانش تهى ... همجو حيوان ازعلف در فربهى
او نييند جز كه اصطبل وعلف ... از شقاوت غافلست و از شرف
اين سوم هست آدمى زاد وبشر ... از فرشته نيمى ونيمى ز حز
نيم خر خود مائل سفلى بود ... نيم ديكر مائل علوى شود
آن دوقسم آسوده ازجنبك وخراب ... وين بشر باد ومخالف در عذاب
واين بشرهم زامتحان قسمت شدند ... آدمى شكلند وسه امت شدند
يك كروه مستغرق مطلق شدست ... همجو عيسى باملك ملحق شدست
نقش آدم ليك معنى جبرئيل ... رسته ازخشم وهوا وقال وقيل
قسم ديكر باخران محلق شدند ... خشم محض وشهوت مطلق شدند
وصف جبريلى درايشان بود رفت ... تنك بود آن خانه وآن وصف رفت
نام « كالانعام » كرد آن قوم را ... زانكه نسبت كو بيقظه نوم را
روح حيوانى ندارد غير نوم ... حسهاى منعكس دارند قوم
ماند يك قسمى دكر اندر جهاد ... نيم حيوان نيم حى بارشاد
روزوشب درجنك واندر كشمش ... كرده جاليش آخرش ياولش
فعلى العاقل الاحتراز عن الافعال الحيوانية فانها سبب لزوال الجاه الصورى والمعنوى ، سئل بعض البرامكة عن سبب زوال دوالتهم قال نوم الغدوات وشرب العيشات ، وقيل لى وانا مراقب بعد صلاة الفجر من لم يترك النو اى من لم يترك الراحة الظاهرة مطلقا ومال كالحيوان الى الدعة الحضور لم يتخلص من الغفلة فمدار الخلاص هو ترك الراحة والعمل بسبيل مخالفة النفس والطبيعة . (9/236)
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45)
{ ألم تر الى ربك } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والرؤية رؤية العين . والمعنى ألم تنظر الى بديع صنعه تعالى فان المنظور يجب ان يكون مما يصح ان يتعلق به رؤية العين { كيف } منصوبة بقوله { مد الظل } اصل المد الجزء من المدة للوقت الممتد والظل ما يحصل مما يضيىء بالذات كالشمس او بالغير كالقمر ، قال فى المفردات الظل ضد الضح وهو بالكسر الشمس وضوئها كما فى القاموس وهو اعم من الفيىء فانه يقال ظل الليل ظل الجنة ويقال لكل موضع لاتصل اليه الشمس ظل ولايقال الفيىء الا لمازال عنه الشمس يعنى ان الشمس تنسخ وتزيله شيأ فشيأ الى الزوال ثم ينسخ الظل ضوء الشمس ويزيله من وقت الزوال الى الغروب فالظل الآخذ فى التزايد الناسخ لضوء الشمس يسمى فيأ لانه فاء من جانب المشرق الى جانب المغرب فهو من الزوال الى الغروب والظل الى الزوال . والمعنى كيف انشأ الظل أى ظل كان من جبل او بناء او شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا وهو بيان لكمال قدرته وحكمته بنسبه جميع الامور الحادثة اليه بالذات واسقاط الاسباب العادية عن رتبة السببية والتأثير بالكلية وقصرها على مجردة الدلالة على وجود المسببات { ولو شاء } ربك سكون ذلك الظل { لجعله ساكنا } اى ثابتا على حاله من الطول والامتداد ومقيما : وبالفارسية [ ثابت وآرام يافته بريك منوال ] يقال فلان يسكن بلد كذا اذا اقام به واستوطن والجملة اعتراضية بين المعطوفين للتنبيه من اول الامر على انه لامدخل فيما ذكر من المد للاسباب العادية وانما المؤثر فيه المشيئة والقدرة { ثم جعلنا الشسم عليه دليلا } عطف على مدّ داخل فى حكمه ولم يقل دالة لان المراد ضوء الشمس والمعنى جعلناها علامة يستدل باحوالها المتغيرة على احواله من غير ان يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطقت به الشرطية المعترضة والالتفات الى نون العظمة لما فى جعل المذكور العارى عن التأثير مع ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد المنبىء عن السببية من مزايدة دلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة وهو السر فى ايراد كلمة التراخى . (9/237)
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
{ ثم قبضناه } عطف على مدّ داخل فى حكمه وثم للتراخى الزمانى اى ازلناه بعدما انشأناه ممتدّا او محوناه بمحض قدرتنا ومشئتنا عند ايقاع شعاع الشمس موقعه من غير ان يكون له تأثير فى ذلك اصلا وانما عبر عنه بالقبض المنبىء عن جميع المنبسط وطيه لما انه قد عبر عن احداثه بالمد الذى هو البسط طولا { الينا } تنصيص على كون مرجعه الى الله تعالى كما ان حدوثه عنه عز وجل { قبضا يسير } اى على مهل قليلا قليلا حسب ارتفاع دليله اى الشمس . يعنى انه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل فى جانب المغرب فلو قبضه الله تعالى دفعة لتعطلت منافع الظل والشمس قبضه يسيرا يسيرا لتبقى منافعها والمصالح المتعلقة بهما هذا ما ارتضاه المولى ابو السعود فى تفسيره ، وقال غيره { كيف مدّ الظل } اى بسطه فيما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس لانه لاشمس معه وهو اطيب الازمنة لان الظلمة الخالصة سبب لنفرة الطبع وانقباض نور البصر وشعاع الشمس مسخن للجو ومفرق لنور الباصرة وليس فيما بين طلعوعيهما شىء من هذين ولذلك قال تعالى فى وصف الجنة { وظل ممدود } ويقال تلك الساعة تشبه ساعات الجنة الا ان الجنة انور فالظل هو الامر المتوسط بين ضوء الخالص والظلمة الخالصة { ولو شاء لجعله ساكنا } دائما لا شمس معه ابدا من السكنى وهو الاستقرار ولا تنسخه الشمس بان لا يتحرك حركة انقباض ولا انبساط بان جعل الشمس مقيمة على موضع واحد فهو من السكون الذى هو عدم الحركة { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } لانه لولا الشمس لما عرف الظل كما انه لولا النور لما عرف الظلمة والاشياء تتبين باضدادها وهذا المعنى يؤيده تعميم الظل كما سبق من المفردات لكن لم يرض به ابو السعود رحمه الله لان ما ذكر من معنى الظل فى هذا الوجه وان كان فى الحقيقة ظلا للافق الشرقى لكنه غير معهود والمتعارف انه حالة مخصوصة يشاهدونها فى موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف [ درعين المعانى آورده كه مد ظل اشارت بزمان فترتس كه مردم درحيرت بودند وشمس بنور اسلام كه طلوع سيدانام عليه السلام والسلام از افق اكرام طالع كشت واكر آن سايه دائم بودى خلق درتاريكىء غلفت مانده بروشنى آكاهى نرسيدى (9/238)
كرنه خورشيد جمال ياركشتى رهنمون ، ازشب تاريك غفلت كس نبردى برون [ صاحب كشف الاسرار كويد اين آيد ازورى ظاهر معجزه مصطفى عليه السلام وبفهم اهل حقيقت اشار تست بقرب وكرامت وى اما بيان معجزه آنست كه حضرت رسالت عليه السلام درسفرى بوقت قيلوله در زير درختى فرودآمد ياران بسيار بودند وسايه درخت اندك حق سبحانه وتعالى بقدرت كامله سايه آن درخت اممدود كردانيد جنانجه همه لشكر اسلام در آن سايه بياسودند واين آيت نازل شد ونشان خصوصيت قربت آنكه فرمود
{ الم تر الى ربك كيف مد الظل } موسى عليه السلام را بوقت طلب { ارنى } داغ { لن ترانى } بردل نهاد واين حضرت را بى طلب فمودكه نه مرا بينى ودر من مى نكرى ديكرجه خواهى ] (9/239)
فرست ميان آنكه يارش در بر ... با آنكه دوجشم انتظار رش بر در
وفى المثنوى
مرغ بر بالا بران وسايه اش ... مى دود برخاك وبران مرغ وش
ابلهى صياد آن سايه شود ... مى دود جند آنكه بى مايه شود
بى خبر كان عكس آن مرغ هواست ... بى خبر كه اصل آن ساريه كجاست
تير اندازد بسوى سايه او ... تركشش خلى شود ازجست وجو
تركش عمرش تهى شد عمر رفت ... از دو يدن در شكار سايه تفت
سايه يزدان جو باشد دايه اش ... وارهاند از خيال وسايه اش
سايه يزدان بود بنده خدا ... مرده اين عالم وزنده خدا
دامن او كير زو تر بى كمان ... تا رهى در دامن آخر زمان
« كيف مد الظل » نقش اولياست ... كاو دليل نور خورشيد خداست
اندراين وادىى مرو بى اين دليل ... « لاحب الآفلين » كوجون خليل
رو زسايه آفتابى را بياب ... دامن شه شمس تبر يزى بتاب
قال فى المصطلحات الظل هو الوجود الاضافى الظاهر بتعينات الاعيان الممكنة واحكامها التى هى معدومات ظهرت باسمه النور الذى هو الوجود الخارجى المنسوب اليها فيستر ظلمة عدميتها النور الظاهر بصورها صار ظلا لظهور الظل بالنور وعدميته فى نفسه قال الله تعالى { ألم تر الى ربك كيف مد الظل } اى بسط الوجود الاضافى على الممكنات فالظلمة بازاء هذا النور هو العدم وكل ظلمة فهى عبارة عن عدم النور عما من شأنه ان يتنور به قال الله تعالى { الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور } الآية والكامل المتحقق بالحضرة الواحدية والسلطان ظل الله اى ظل الحقيقة الالهية الجامعة وهى سر الانسان الكامل الذى صورته السلطان اعظم الظاهر اى فى الجامعية والاحاطة .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)
{ وهو } اى الله تعالى وحده { الذى جعل لكم الليل لباسا } كاللباس يستركم بظلامه كما يستر اللباس فشبه ظلامه باللباس فى الستر . واصل اللبس ستر الشىء وجعل اللباس وهو ما يلبس اسما لكل ما يغطى الانسان من قبيح وجعل الزوج لزوجها لباسا فى قوله { هن لباس لكم وانتم لباس لهن } من حيث انه يمنعها عن تعاطى قبيح وجعل التقوى لباسا فى قوله { ولباس التقوى } على طريق التمثيل والتشبيه ، فان قلت اذا كان ظلمة الليل لباسا فلا حاجة الى ستر العورة فى صلاة الليل ، قلت لاعتبار لستر الظلمة فان ستر العورة باللباس ونحوه لحق الصلاة هو باق فى الظلمة والضوء { والنوم سباتا } النوم استرخاء اعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد والسبت قطع العمل ويوم سبتهم يوم قطعهم للعمل وسمى يوم السبت لذلك او نقطاع الايام عنده لان الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والارض يوم الاحد فخلقها فى ستة ايام فقط عمله يوم السبت كما فى المفردات . والمعنى وجعل النوم الذى يقع فى الليل غالبا راحة للابدان بقطع المشاغل والاعمال المختصة بحالة اليقظة او جعله موتا فعبر عن القطع بالسبات الذى هو الموت لما بينهما من المشابهة التامة فى انقطاع الحياة وعليه قوله تعالى { وهو الذى يتوفاكم بالليل } فالموت والنوم من جنس واحد خلا ان الموت هو الانقطاع الكلى اى انقطاع ضوء الروح عن ظاهر البدن وباطنه والنوم هو الانقطاع الناقص اى انقطاع ضوء الروح عن ظاهره دون باطنه والمسبوت الميت لانقطاع الحياة عنه والمريض المغشى عليه لزوال عقله وتمييزه وعليه قولهم مثل المبطون والمفلوج والمسبوت ينبغى ان لا يبادر الى دفنهم حتى يمضى يوم وليلة لتحقق موتهم { وجعل النهار نشورا } النهار الوقت الذى ينتشر فيه الضوء وهو فى الشرع مابين طلوع الفجر الى غروب الشمس وفى الاصل مابين طلوع الشمس الى غروبها والنشور ما من الانتشار اى وجعل النهار ذا نشور اى انتشار ينتشر فيه الناس لطلب المعاش وابتغاء الرزق كما قال { لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } او من نشر الميت اذا عاد حيا اى وجعل النهار زمام بعث من ذلك السبات والنوم كبعث الموتى على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه اى نفس البعث على طريق المبالغة ، وفيه اشارة الى انو النوم واليقظة انموذج للموت والنشور ، وعن لقمان عليه السلام يابنى كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنتشر : وفى المثنوى (9/240)
نوم ماجون شد اخ الموت اى فلان ... زين برادر آن برادررا بدان
وفى الآية رخصة للمنام بقدر دفع الضرورة وهو فتور البدن ، قال بعض الكبار النوم راحة للبدن والمجاهدات اتعاب البدن فيتضادان وحقيقة النوم سد حواس الظاهر لفتح حواس القلب والحكمة فى النوم ان الروح القدسى او اللطيفة الربانية او النفس الناطقة غريبة جدا فى هذا الجسم السفلى مشغولة باصلاحه وجلب منافعه ودفع مضاره محبوسة فيه مادام المرء يقظان فاذا نام ذهب الى مكانه الاصلى ومعدنه الذاتى فيستريح بواسطة لقاء الارواح ومعرفة المعانى والغيوب مما يتلقى فى حين ذهابه الى عالم الملكوت من المعانى التى يراها بالامثلة فى عالم الشهادة وهو السر فى تعبير الرؤيا فاذا هجر المجاهد النوم والاستراحة ذابت عليه الاركان الاربعة من الترابية والمائية والنارية والهوائية فيعرى القلب حنيئذ عن الحجب فينظر الى عالم الملكوت بعين قلبه فيشتاق الى ربه وربما يرى المقصود فى نومه كما حكى عن شاه شجاع انه لم ينم ثلاثن سنة فاتفق انه نام ليلة فرأى الحق سبحانه فى منامه ثم بعد ذلك كان يأخذ الوسادة معه ويضطجع حيث كان فسئل عن ذلك فانشأ يقول
رأيت سرور قلبى فى منامى ... فاحببت التنعس والمناما (9/241)
فهذا حال اهل النهاية فانهم حيث كانت بصيرتهم يقظانة كان منامهم فى حكم اليقظة ولذا قال بعضهم
مشو بمرك زامداد اهل دل نوميد ... كه خواب مردم آكاه عين بيداريست
واما حال غيره فكما قيل
سر آنكه ببالين نهد هوشمند ... كه خوابش بقهر آورد دركمند
وعن ذى النون المصرى رحمه الله ثلاثة من اعلام العباجة حب الليل للسهر فى الطاعة والخلوة بالصلاة وكراهة النهار لرؤية الناس والغفلة عن الصلاة والمبادرة بالاعمال مخافة الفتنة ، قال بعضهم جعل الليل وقتا لسكون قوم ووقتا لانزعاج آخرين فارباب الغفلة يسكنون فى ليلهم والمحبون يسهرون فان كانوا فى روح الوصال فلا يأخذهم النوم لكمال انسهم وان كانوا فى ألم الفراق فلا يأخذهم النوم لكمال قلقهم فالسهر للاحباب صفة اما لكمال السرور او لهجوم الغموم ثم الادب عند الانتباه ان يذهب بباطنه الى الله تعالى ويصرف فكره الى امر الله قبل ان يجول الفكر فى شىء سوى الله ويشغل اللسان بالذكر فالصادق كالطفل الكلف بالشىء اذا انام ينام على محبة الشىء واذا انتبه يطلب ذلك الذى كان كلفا به وعلى هذا الكلف والشغل يكون الموت والقيام الى الحشر فلينظر وليعتبر عند انتباهه من النوم ماهمه فانه يكون هكذا عند القيام من القبران كان همه الله والا فهمه غير الله ، وفى الخبر « اذا نام العبد عقد الشيطان على رأسه ثلاثة عقد فان قعد وذكر الله انحلت عقدة فان توضأ انحلت اخرى وان صلى ركعتين انحلت كلها فاصبح نشيطا طيب النفس والا اصبح كسلان خبيث النفس » وفى خبر آخر « ان نام حتى يصبح بال الشيطان فى اذنه » والعياذ بالله من شر النفس والشيطان .
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)
{ وهو } تعالى وحده { الذى ارسل الرياح } [ كشاد بادها درهوا قال فى كشف الاسرار ارسال اينجا بمعنى كشادن است جنانكه كوبى ] ارسلت الطائر وارسلت الكلب الملعم انتهى ، وفى المفردات فد يكون الارسال للتسخير كارسال الريح والريح معروفة هى فيما قيل الهواء المتحرك وقيل فى الرحمة رياح بلفظ الجمع لانها تجمع الجنوب والشمال والصبا وقيل فى العذاب ريح لانها واحدة وهى الدبور وهو عقيم لا يلقح ولذا ورد فى الحديث « اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » { بشرا } حال من الرياح تخفيف بشر بضمتين جمع بشورا وبشير بمعنى مبشر لان الرياح تبشر بالمطر كما قال تعالى { ومن آياته ان يرسل الرياح مبشرات } بالفارسية [ بشارت دهندكان ] { بين يدى رحمته } اى قدام المطر على سبيل الاستعارة وذلك لانه ريح ثم سحاب ثم مطر . وبالفارسية [ بيش ازنول رحمت كه اوبارانست يعنى وزيدن ايشان غالبا دلالت ميكند بروقوع مطر دراوان آن باران آسمانرا رحمت نام كرد ازانكه برحمت ميفرستد ] { وانزلنا } بعظمتنا والالتفات الى نون العظمة لابراز كمال العناية بالانزال لانه نتيجة ارسال الرياح { من السماء } من جهة الفوق وقد سبق تحقيقه مرارا { ماء طهورا } بليغا فى الطهارة وهو الذى يكون طاهرا فى نفسه ومطهرا لغيره من الحدث والنجاسة : وبالفارسية [ آبى باك وباك كننده ] ، والطهور يجيىء صفة كما فى ماء طهورا واسما كما فى قوله عليه السلام « التراب طهور المؤمن » وبمعنى الطهارة كما فى تطهرت طهورا حسنا اى وضوأ حسنا ومنه قوله عليه السلام « لاصلاة الا بالطهور » (9/242)
قالى فى فتح الرحمن الطهور هو الباقى على اصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار على أى صفة كان من عذوبة وملوحة وحرارة وبرودة وغيرها وما تغير بمكثه او بطاهر لا يمكن صونه عنه كالتراب والطحلب وورق الشجر ونحوها فهو طاهر فى نفسه مطهر لغيره يرفع الاحداث ويزيل الانجاس بالاتفاق قال تغير عن اصل خلقته بطاهر يغلب على اجزائه ما يستغنى عنه الماء غالبا لم يجز التطهير به عد الثلاثة وجوز ابو حنيفة رحمه الله الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من المطاهرات مالم تزل رقته ، وقال ايضا يجوز ازالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد ونحوهما وخالفه الثلاثة ومحمد بن الحسن وزفر كما فصل فى الفقه ثم فى توصيف الماء بالطهور مع ان وصف الطهارة لا دخل له فى ترتيب الاحياء والسقى على انزال الماء اشعار بالنعمة فيه لان وصف الطهارة نعمة زائدة على انزال ذات الماء وتتميم للعنة المستفادة من قوله لنحيى به ونسقيه فان الماء الطهور اهنأ وانفع مما خالطه ما يزيل طهوريته وتنبيه على ان ظواهرهم لما كانت مما ينبغى ان يطهروها كانت بواطنهم بذلك اولى لأن باطن الشىء اولى بالحفظ عن التلوث من ظاهره وذلك لان منظر الحق هو باطن الانسان لاظاهره والتطهير مطلقا سبب لتوسع الرزق كما قال عليه السلام « دم على الطهارة يوسع عليك الرزق » والماء الذى هو سبب الرزق الصورى طاهر ومطهر فينبغى لطالبه ان يكون دائما على الطهارة الظاهرة فانها الجالبة له واما الطهارة الباطنة فجالية للرزق المعنوى وهو ما يكون غذاء للروح من العلو والفيوض .
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)
{ لنحيى به } اى بما انزلنا من السماء من الماء الطهور وهو تعليل للانزال { بلدة ميتا } لا اشجار فيها ولا اثمار ولا مرعى واحياؤها بانبات النبات والمراد القطعة من الارض عامرة كانت او غيرها : وبالفارسية [ شهرى مرده يعنى موضعى كه درخشك سال بوده يامكانى راكه در زمستان خشك وافسرده كشت ] ، والتذكير حيث لم يقل بلدة ميتة لانه بمعنى البلد او الموضع والمكان ولأنه غير جار على الفعل بان يكون على صيغة اسم الفاعل او المفعول فاجرى مجرى الجامد { ونسقيه } اى ذلك الماء الطهور وعند جريانه فى الاودية اى اجمّاعه فى الحياض او المنابع والآبار : وبالفارسية [ وبياشامانيم ان اب ] وسقى واسقى لغتان بمعنى يقال سقاه الله الغيث واسقى والاسم السقيا ، قال الامام الراغب السقى والسقيا ان تعطيه ماء ليشربه والاسقاء ان تجعل له ذلك حتى يتناوله كيف يشاء والاسقاء ابلغ من السقى لان الاسقاء هو ان تجعل له ماء يستقى منه ويشرب كقوله اسقيته نهرا . فالمعنى مكناهم من ان يشربوه ويسقو منه انعامهم { مما خلقنا انعاما واناسى كثيرا } متعلق بقوله نسقيه اى نسقى ذلك الماء بعض خلقنا من الانعام والاناسىّ وانتصابها على البدل من محل الجار المجرور فى قوله مما خلقنا ويجوز ان يكون انعاما واناسى مفعول نسقيه . ومما خلقنا متعلق بمحذوف على انه حال من انعاما والانعام جمع نعم وهى المال الراعية واكثر ما يقع هذا الاسم على الابل ، وقال فى المغرب الانعام الازواج الثمانية فى قوله ( من الابل الاثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين ) واناسى جمع انسان عند سيبويه على ان اصله اناسين فابدلت النون ياء وادغم فيها الياء التى قبلها ، وقال الفراء والمبرد والزجاج انه جمع انسى وفيه نظر لان فعالى انما يكون جمعا لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كراسىّ فى جمع كرسىّ فلو اريد بكرسى انسب لم يجز جمعه على كراسىّ ويبعد ان يقال ان الياء فى انسى ليست للنسب وكان حقه ان يجمع على اناسية نحو مهالية فى جمع المهلىّ كذا فى حواشى ابن الشيخ ، وقال الراغب الانسى منسوب الى الانس يقال ذلك لمن كثر انسه ولكل ما يؤنس به وجمع الانسىّ اناسىّ وقال فى الكرسى انه فى الاصل منسوب الى الكرس اى التبلد ومنه الكراسة للمتبلد من الاوراق انتهى ، قوله كثيرا صفة اناسى لانه بمعنى بشر والمراد بهم اهل البوادى الذين يعيشون بالمطر ولذا نكر الانعام والاناسى . يعنى ان التنكير للافراد النوعى وتخصيصهم بالذكر لان اهل المدن والقرى يقيمون بقرب الانهار والمنابع فلا يحتاجون الى سقيا السماء وسائر الحيوانات من الوحوش والطيور تبعد فى طلب الماء لا يعوزها الشرب غالبا يقال اعوزه الشىء اذا احتاج اليه فلم يقدر عليه وخص الانعام بالذكر لانها قنية للانسان اى يقتنيها ويتخذها لنفسه لا للتجارة وعامة منافعهم ومعايشهم منوطة بها فلذا قدم سقيها على سقيهم كما قدم على الانعام احياء الارض فاه سبب لحياتها وتعيشها فانظر كيف رتب ذكر ماهو رزق الانسان ورزق رزقه فان الانعام رزق الانسان والنبات رزق الانعام المطر رزق النبات فقد ذكر المطر ورتب عليه ذكر حياة الارض بالنبات ورتب عليه ذكر الانعام . (9/243)
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)
{ ولقد صرفناه } اى وبالله لقد كررنا هذا القول الذى هو ذكر انشاء السحاب وانزال القطر لما مر من الغايات الجليلة فى القرآن وغيره من الكتب السماوية { بينهم } اى بين الناس من المتقدمين والمتأخرين { ليذكروا } اى ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة فى ذلك ويقوموا بشكره حق القيام واصله يتذكروا والتذكر التفكر { فابى } الاباء شدة الامتناع ورجل ابىّ ممتنع من تحمل الضيم وهو متأول بالنفى ولذا صح الاستثناء اى لم يفعل او لم يرد او لم يرض { اكثر الناس } مما سلف وخلف { الا كفورا } الا كفران النعمة وقلة المبالاة بشأنها فان حقها ان يتفكر فيها ويستدل بها على وجود الصانع وقدرته واحسانه وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك اداء شكرها واعظم الكفر جحود الوحدانية او النبوة او الشريعة والكفران فى جحود النعمة اكثر استعاملا والكفر فى الدين اكثر والكفور فيهما جميعا كما فى المفردات واكثر اهل التفسير على ضمير صرفناه راجع الى نفس الماء الطهور الذى هو المطر . فالمعنى { ولقد صرفناه } اى فرقنا المطر بينهم بانزاله فى بعض البلاد والامكنة دون غيرها او فى بعض الاوقات دون بعض او على صفة دون اخرى بجعله تارة وابلا وهو المطر الشديد واخرى طلا وهو المطر الضعيف ومرة ديمة وهو المطر الذى يدوم اياما فابى اكثر الناس الا جحودا للنعمة وكفرا بالله تعالى بان يقولوا مطرنا بنوء كذا اى بسقوط كوكب كذا كما يقول المنجمون فجعلهم الله بذلك كافرين حيث لم يذكروا صنع الله تعالى ورحمته بل اسندوا مثل هذه النعمة الى الافلاك والكواكب فمن لايرى الامطار الا من الانواء فهو كافر بالله بخلاف من يرى ان الكل بخلق الله تعالى والانواء امارات بجعل الله تعالى والانواء النجوم التى يسقط واحد منها فى جانب المغرب وقت طلوع الفجر ويطلع رقيبهفى جانب المشرق من ساعته والعرب كانت تضيف الامطار والرياح والحر والبرد الى الساقط منها وقيل الى الطالع منها لانه فى سلطانه يقال ناء به الحمل اثقله واماله فالنوء نجم مال للغروب ويقال لمن طلب حاجة فلم ينجح اخطأ نوءك وفى الحديث « ثلاث من امر الجاهلية الطعن فى الانساب والنياحة والانواء » وعن زيد بن خالد الجهنى رضى الله عنه قال صلى النبى صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية فى اثر سماء كانت من الليل فلما انصرف اقبل على الناس فقال « هل تدرون ماذا قال ربكم » قالوا الله ورسوله اعلم قال « قال اصبح عبادى مؤمن بى وكافر فما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بى ومؤمن بالكواكب » (9/244)
كذا فى كشف الاسرار . فعلى المؤمن ان يحترز من سوء الاعتقاد ويرى التأثير فى كل شىء من رب العباد فالمطر بامره نازل وفى انزاله الى بلد دون بلد وفى وقت دون وقت وعلى صفة دون صفة حكمة مصلحة وغاية جليلة روى ان الملائكة يعرفون عدد القطر ومقداره فى كل معام لانه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد روى مرفوعا « مامن ساعة من ليل ولانهار الا السماء المطر فيها يصرفه الله حيث يشاء » وفى الحديث « مامن سنة بامطر من اخرى ولكن اذا عمل قوم بالمعاصى حوّل الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافى والبحار » وفى المثنوى (9/245)
تو بزن يا ربنا آب طهور ... تاشود اين نار عالم جمله نور
آب دريا جمله در فرمان تست ... آب وآتش اى خداوندان تست
كرتو خواهى آتش آب خوش شود ... ورنخواهى آب آتش هم شود
اين طلب ازما هم ازايجادتست ... رستن از بيداد يارب دادتست
بى طلب تو اين طلب مان داده ... كنج احسان برهمه بكشاده
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51)
{ ولو شئنا } اردنا { لعثنا } [ برانكيختيم وفرستاديم ] ، قال الراغب البعث اتارة الشىء وتوجيهه { فى كل قرية } مصر ومدينة وبالفارسية : [ درهرديهى ومجتمعى ] فان القرية اسم للموضع الذى يجتمع فيه الناس { نذيرا } بمعنى المنذر والانذار اخبار فيه تخويف اى نبيا ينذر اهلها فيخفف عليك اعباء النبوة ولكن بعثناك الى القرى كلها رسولا وقصرنا الامر عليك اجلالا لشأنك واعظاما لاجرك وتفضيلا لك على سائر الرسل : وبالفارسية [ اما بجهت تعظيم وعلو مكان تو نيوت را بر تو ختم كرديم وترا بر كافه مردمان تا بروز قيامت مبعوث ساختيم ] . (9/246)
قال فى التأويلات النجمية يشير الى كمال القدرة والحكمة وعزة النبى عليه السلام وتأديب الخواص . اما القدرة فظهر انه قادر على مايشاء وليس الامر كما زعم الفلاسفة والطبايعية ان ظهور ارباب النبوة يتعلق بالقرانات والاتصالات فحسب بل يتعلق بالقدرة كيف يشاء وما يشاء ، والذى يدل على بطلان اقاويلهم وصحة ما قلنا ماروى ان موسى عليه السلام تبرّم وقتا بكثرة ما كان يسأل فاوحى الله فى ليلة واحدة الى الف نبى من بنى اسرائيل فاصبحوا رسلا وتفرق الناس عن موسى عليه السلام فضاق قلب موسى وقال يارب انى لم اطق ذلك فقبض الله ارواحهم فى ذلك اليوم . واما الحكمة فقد اقتضت قلة الانبياء فى زمان واحد اظهارا لعزتهم فان فى الكثرة نوعا من الازراء وايضا فها احتمال غيرة البعض على البعض كما غار موسى على تلك الانبياء فاماتهم الهل تعالى عزة لموسى عليه السلام . واما عزة النبى عليه السلام فبانفراده فى النبوة فى زمانه واختاصصه بالفضيلة على الكافة وارساله الى الجملة ونسخ الشرائع بشريعته وختم النبوة به وحفظ كتابه عن النسخ والتغيير والتحريف واقامة ملته الى قيام الساعة . واما تأديب الخواص فبقوله { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا } اذ نوع تأديب للنبى عليه السلام بادق اشارة كما قال { ولئن ئشنا لنذهبن بالذى اوحينا اليك } فالقصد ان يتأدب به خواص عباده وان يكونوا معصومين من رؤية الاعمال والعجب بها انتهى : يعنى [ مقصود آنست كه رب العزة ميخواهد تادوستان وخواص بند كان خود بيوسته معصوم دارد از آنكه ايشانرا باخود التفاتى بود ياباروش خويش نظرى كنند ] .
فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)
{ فلا تطع الكافرين } فيما ندبوك اليه من عبادة الآلهة واتباع دين الآباء واغلظ عليه ولاتداهنهم واثبت على الدعوة واظهار الحق { وجاهدهم } [ وجهاد كن با ايشان وابكوش ] والجهاد والمجاهدهة استغراق الوسع فى مدافعة العدو { به } اى بالقرآن بتلاوة مافى تضاعيفه من المواعظ وتذكير احوال الامم المكذبة { جهادا كبيرا } عظيما تاما شديدا لابخالطه فتور فان مجاهدة السفهاء بالحجج اكبر من مجاهدة الاعداء بالسيف وانما لم يحمل المجاهدة على القتال بالسيف لانه انما ورد الاذن بعد الهجرة بزمان والسورة مكية ، قال الامام الراغب المجاهدة تكون باللسان واليد وفى الحديث « جاهدوا الكفار بايديكم وألسنتكم » وفى حديث آخر « جاهدوا المشركين باموالكم وانفسكم وألسنتكم » قوله وألسنتكم اى اسمعوهم ما يكرهونه ويشق عليهم سماعه من هجو وكلام غليظ ونحو ذلك كما فى مشارع الاشواق ، يقول الفقير ويجوز ان يكون الجهاد بالالسنة بترك المداهنة فى حقهم واغراء الناس على دفع فسادهم كما ان الجهاد بالاموال بالدفع الى من يحاربهم وسيتأصلهم ، ثم الاشارة بلفظ المشركين الى اهل الرياء والبدع فاشارة الخطاب فى جاهدوا ايضا الى اصحاب الاخلاص والسنة فانه لابد لاهل الحق من جهاد اهل البطلان فى كل زمان خصوصا عند غلبة الخوف فانه افضل الجهاد كما قال عليه السلام « افضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر » وانما كان افضل الجهاد لان من جاهد العدو كان مترددا بين رجاء وخوف ولايدرى هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور فى يده فهو اذا قال الحق وامره بالمعروف فقد تعرض للتلف فصار ذلك افضل انواع الجهاد من اجل غلبة لخوف كذا فى ابكار الافكار للسمرقندىن ثم الاشارة فى الآية الى النفس وصفاتها فلا تطعهم وجاهدهم بسيف الصدق على قانون القرآن فى مخالفة الهوى وترك الشهوات وقطع التعلقات جهادا كبيرا لاتواسيهم بالرخص وتعاندهم بالعزائم قائما بحق الله من غير جنوح الى غيره او مبالاة بما سواه : وفى المثنوى (9/247)
اى شهان كشتيم ماخصم برون ... ماند خصمى زان بتر دراندرون
كشتن اين كار عقل وهوش نيست ... شير باطن سخره خركوش نيست
دوزخست اين نفس ودوزخ ازهادست ... كوبدرياها نكردد كم وكاست
هفت دريارا در آشامد هنوز ... كم نكردد سوزش آن خلق سوز
قوت ازحق خواهم وتوفيق ولاف ... تابسوزن بركنم اين كوه قاف
سهل شيرى دانكه صفها بشكند ... شير آنست آنكه خودرا بشكند
اللهم سل من آفات العدو مطلقا .
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)
{ وهو الذى مرج البحرين } من مرج الدابة خلاها وارسلها ترعى ومرج امرهم اختلط والبحر الماء الكثير عذبا كان او ملحا عند الاكثر واصله المكان الواسع الجامع للماء الكثير كما فى المفردات . والمعنى خلاهما وارسلهما فى مجاريهما كما يرسل الخيل فى المرج متلاصقين بحيث لا يتماز جان ولا يلتبس احدهما بالآخر ويدل على بعد كل منهما عن الآخر مع شدة التقارب بينهما الاشارة الى كل منهما باداة القرب كما يجيىء يوجوز ان يكون محمولا على المقيد وهو قوله تعالى { مرج البحرين يلتقيان } { هذا عذب } ح ال بتقدير القول اى مقولا فى حقهما هذا عذب اي طيب : وبالفارسية [ اين يك اب شيرين ] { فرات } قاطع للعطش لغاية عذوبة صفة عذب والتاء اصلية ، قال الطيبى سمى بالفرات لأنه يرفت العطش اى يكسره على القلب يعنى يكفى فى اعتبار معنى الكسر اشتقاق الفرات منه بالاشتقاق الكبير كجبذ من الجذب ومنه سمى الفرات نهر الكوفة وهو ونهر عظيم عذب طيب مخرجه من ارمينية وفى الملكوت اصله فى قرية من قرى جابلقا ينحدر الى الكوفة وآخر مصبه بعضا فى دجله وبعضا فى بحر فارس { وهذا ملح } [ وان ديكر شور ] ، قال الراغب الملح الماء الذى تغير طعمه التغير المعروف وتجمد ويقال له ملح اذا تغير طعمه وان لم يتجمد فيقال ماء ملح وقلما تقول العرب ماء مالح { اجاج } بليغ الملوحة صفة الملح قالوا ان الله تعالى خلق ماء الحر مرّا زعاقا اى مرّا غليظا بحيث لا يطاق شربه انزل من السماء ما عذبا فكل ماء عذب من بئر او نهر او عين فمن ذلك المنزل من السماء واذا اقتربت الساعة بعث الله ملكا معه طست لايعلم عظمه الا الله فجمع تلك المياه فردها الى الجنة . واختلفوا فى ملوحة ماء البحر فزعم قول انه لما طال مكثه واحترفه الشمس الشمس صار مرا ملحا واجتذب الهواء مالطف من اجزائه فهو بقية صفته الارض من الرطوبة فغلظ لذلك . وزعم آخرون ان فى البحر عروقا تغير ماء البحر ولذلك ص مرا زعاقا { وجعل بينهما } اى بين البحرين : وبالفارسية [ وبساخت ميان اين دودريا ] { برزخا } حدا وحاجزا من قدرته غير مرئى { وحجرا محجورا } الحجر بمعنى المنع والمحجور الممنوع وهو صفة الحجر على التأكيد كليل اليل ويوم ايوم وهذه كلمة استعاذة كما سبق فى هذه السورة . والمعنى ههنا على التشبيه اى تنافرا بليغا كأن كلا منهما يتعوذ من الآخر بتلك المقالة ويقول حراما محرما عليك ان تغلب علىّ وتزيل صفتى وكيفيتى ، اعلم ان اكثر اهل التفسير حمل البحرين على بحرى فارس والروم فانهما يلتقيان فى البحر المحيط وموضع التقائهما هو مجمع البحرين المذكور فى الكهف ولكن يلزم على هذا ان يكون البحر الاول عذبا والثانى ملحا مع انهم قالوا لا وجود للبحر العذب وذلك لانهما فى الاصل خليجان من المحيط وهو مرّ وان كان اصله عذبا كما قال فى فتح القريب عند قوله تعالى (9/248)
{ وكان عرشه على الماء } اى العذب فحين خلق الله الارض من زبده جزر المحيط عن الارض فاحاط بالعالم احاطة العين لسوادها فالوجه ان يحمل العذب على واحد من الانهار فان كل نهر عظيم بحر كما فى مختار الصحاح كدجلة نهر بغداد تنصب الى بحر فارس وتدخل فيه وتشقه وتجرى فى خلاله فراسخ لايتغير طعمها كما ان الماء الذى يجرى فى نهر طبرية نصفه بارد ونصفه حار فلا يختلط احدهما بالآخر والاوجه ان يمثل بالنيل المبارك والبحر الاخضر وهو بحر فارس الذى هو شعبة من البحر الهندى الذى يتصل بالبحر المحيط وبحر فارس مرّ فانه صرح فى خريدة العجائب انه يتكون فيه اللؤلؤ وانما يتكون فى الملح وذلك ان بحر النيل يدخل فى البحر الاخضر قبل ان يصل الى بحيرة الزنج ويختلظ به وهو معنى المرج ولولا اختلاطه بملوحته لما قدر احد على شربه لشدة حلاوته كما فى انسان العيون ، وذكر بعضهم ان سيحون وجيحون والنيل والفرات تخرج من قبة من زبرجدة خضراء من جبل عال وتسلك على البحر المظلم وهى احلى من العسل واذكى رائحة من المسك ولكنها تتغير المجارى فالبحر الملح على هذا هو بحر الظملة وهو البحر المحيط الغربى ويسمى المظلم لكثرة اهواله وارتفاع امواجه وصعوبته ولا يعلم ما خلفه الا الله تعالى وماقيل ان الماء العذب الماء الملح يجتمعان فى البحر فيكون العذب اسفل والملح اعلى لا يغلب احدهما على الآخر وهو معنى قوله وحجرا محجورا يخالف ما قال بعضهم ان كل الانهار تبتدىء من الجبال وتنصب فى البحار وفى ضمن ممرها بطائح وبحيرات فاذا صبت فى البحر المالح واشرقت الشمس على البحر تصعد الى الجو بخارا وتنعقد غيوما اى ولذا لايزيد ماء البحار بانصباب الانهار فيها فهو يقتضى ان يكون الماء العذب اعلى لا اسفل اذا العذب خفيف والملح ثقيل وميل الخفيف الى الاعلى ، وقال وهب ان الحوت والثور يبتلعان ما ينصب من مياه الارض فى البحار فلذا لايزيد ماء البحار فاذا امتلأت اجوافهما من المياه قامت القيامة ولانهاية لقدرة الله تعالى فقد ذكروا ان بحيرة تنيس تصير عذبة ستة اشهر وتصير ملحا اجاجا ستة اشهر كذا دأبها ابدا ، قال الكاشفى [ محققان برآنندكه بحرين خوف ورجاست كه دردل مؤمن هيج يك برديكرى غلبة نكندكه « لووزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » وبرزخ حمايت الهى وعنايت ن متناهى ] وفى كشف الاسرار البحر الملح لاعذوبة فيه والعذب لا ملوحة فيه وهما فى الجوهرية واحد ولكنه سبحانه بقدرته غاير بينهما فى الصفة كذلك خلق القلوب بعضها معدن اليقين والعرفان وبعضها محل الشك والكفران ، وقال بعضهم البحران بحر المعرفة وبحر النكرة فالاول بحر الصفات يفيض لطائفه على الارواح والقلوب والعقول ويستعد به والعارفون والثانى بحر الذات فانه ملح اجاج لا تتناوله العقول والقلوب والارواح اذ لا تسير السيارات فى بحار القدم فهى نكرة وبينهما برزخ المشيئة لا يدخل اهل بحر الصفات بحر الذات ولا يرجع اهل بحر الذات الى بحر الصفات . (9/249)
وايضا قلوب اهل المعرفة منورة بانوار الموافقات وقلوب اهل النكرة مظلمة بظلمة المخالفات وبينهما قلوب العامة ليس لها علم ما يرد عليها وما يصدر منها فليس معها خطاب ولا لها جواب : وفى المثنوى (9/250)
ماهيانزا بحر نكذارد برون ... خاكيانرا بحر نكذارد درون
اصل ماهيى زاب وحيوان ازلكست ... حيله وتدبير اينجا باطلست
قفل زفتست وكشاينده خدا ... دست درتسليم زن اندر رضا
قطره باقلزم جه استيزه كند ... ابلهست اوريش خود برمى كند
نسأل الله الفياض الوهاب ان يدخلنا فى بحر فيضه الكثير وعطائه الوفير وهو على ذلك قدير .
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
{ وهو الذى خلق } اوجد { من الماء } هو الماء الذى خمر به طينة آدم عليه السلام او هو النطفة { بشرا } آدميا والشرة ظاهرة الجلد كما ان الادمة محركة باطن الذى يلى اللحم وعبر عن الانسان بالبشر اعتبارا بظهور جلدة من الشعر بخلاف الحيوانات التى عليها الصوف او الشعر او الوبر كالضأن والمعز والابل وخص فى القرآن كل موضع اعتبر من الانسان جثته وظاهره بلفظ البشر واستوى فيه الواحد والجمع { فجعله } اى البشر او الماء { نسبا وصهرا } اى قسمه قسمين ذوى نسب اى ذكورا ينسب اليهم فيقال فلان ابن فلان وفلانة بنت فلان (9/251)
فانما امهات الناس اعية ... مستودعات وللآباء ابنا
وذوات صهر اى اناثا يصاهربهن ويخالط كقوله تعالى { فجعل منه الزوجين الذكر والانثى } وقال الامام الراغب النسب اشتراك من جهة الابوين وذلك ضربان نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والابناء ونسب بالعرض كالنسبة بين الاخوة وبنى العم وقيل فلان نسيب فلان اى قريبه انتهى . والصهر زوج بنت الرجل وزوج اخته كالختن على مافى القاموس وقيل غير ذلك ، وفى تاج المصادر [ المصاهرة : باكسى بنكاح وصلت كردن ] { وكان ربك قديرا } مبالغا فى القدرة حيث قدر ان يخلق من مادة واحدة بشرا ذا اعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين وربما يخلق من مادة واحدة توأمين ذكرا وانثى ، قال فى كشف الاسرار [ ابنسيرين كفت اين آيت در مصطفى عليه السلام وعلى كرم الله وجهه فروآمدكه مصطفى دختبر خويش را بزنى بعلى داد على بسر عمش بود وشوهر دخترش هم نسب بودهم صهر وقصة تزويج فاطمة رضى الله عنها آنست كه مصطفى عليه لسلام روزى درمسجد آمد شاخى ريحان بدست كرفته سلمان را رضى الله عنه كفت ياسلمان رو على را خوان سلما رفت وكفت يا على اجب رسول الله على كفت ياسلمان رسول خدايرا اين زمان جون ديدى وجكونه اورا كذا شتى كفت ياعلى سخت شادان وخندان جون ماه تابان وشمع رخشان على آمد بنزديك مصطفى عليه السلام ومصطفى آن شاخ ريحان فرادست على داد عظيم خوش بوى بود كفت يارسول الله اين جه بويست بدين خوشى كفت ياعلى ازان نثارهاست كه حور بهشت كرده اند بر تزويج دخترم فاطمة كفت باكه يا رسول الله كفت باتوا يا على من در مسجد نشته بودم كه فرشته در آمد برصفتى كه هر كز جنان نديده بودم كفت نام من محمودست ومقام من در آسمان دنيا ومقام معلوم خود بودم ثلثى زشب ندايى شنيدم از طبقات آسمان كه اى فرشتكان مقربان وروحانيان وكروبيان همه جمع شويد در آسمان دجهارم همه شدند وهمجنين مكان مقعد صدق واهل فراديس اعلى ودرجات عدن حاضر كشتند فرمان آمدكه اى مقربان دركاه واى خاصكيان بادشاه سوره هل أتى على الانسان برخوانيد ايشان همه بآواز دلربايى بالحان طرب ازايى سوره هل أتى خواندن كرفتند آنكه درخت طوبى را فرمان آمدتو نثاركن بربشتها بر تزويج فاطمه زهرا باعلى مرتضى ودرخت طوبى در بهشت هيج قصر وغرفة ودريجه نيست كه از درخت طوبى در آنجا شاخى نيست بس طوبى برخود بلر زيد ودر بهشت كوهر ومرواريد وحلها باريدن كرفت بس فرمان آمد تامنبرى ازيك دانه مرواريد سبيد در زير درخت طوبى بنهادند فرشته كه نام اورا حيل است ودر هفت طبقه آسمان فرشته ازو فصيحتر وكويا ترنيست بآن منبر بر آمد وخدايرا جل جلاله ثنا كفت وبربيغمبران درود داد آنكه جبار كائنات خداوند ذو الجلال قادر بركمال بى واسطه ندا كرد كه ايى جبرائيل واى ميكائيل شما هو دوكواه معرفت فاطمه باشيد ومن كه خداوندم ولى فاطمة ام واى كروبيان واى روحانيان آمسان شما كواه باشيدكه من فاطمة زهرا بزننى بعلىء مرتضى دادم آن ساعت كه رب العزة اين ندا كرد برى برآمد زيرجنات عدن ابرى روشن وخوش كه در آن تيركى وكر فتكى نه وبوى خوش وجواهر نثار كرد ورضوان وولدان وحور بهشت برين عقد نثار كردند بس رب العزة مرابدين بشارت بتوفر ستاد يامحمد كفت حبيب مرا بشارت ده وباوى بكوكه ما اين عقد در آسمان بستيم تونيز در زمين ببنديد بس مصطفى عليه السلام مهاجر وانصارا حاضر كرد آنكه روى باعلى كردكفت ياعلى جنين حكمى در آسمان رفت اكنون من فاطمة دخترم را بجهار صد درم كابين بزنى بتودادم علىكفت يارسول الله من بذيرفتم نكاه وى رسول كفت بارك الله فيكما ] ، قال فى انسان العيون كان فى السنة الثانية من الهجرة تزويج فاطمة لعلى رضى الله عنهما عقد عليهما فى رمضان وكان عمرها خمس عشرة سنة وكان سن على يومئذ احدى وعشرين سنة وخمسة اشهر وأولم عليها بكبش من عند سعد وآصع من ذرة من عند جماعة من الانصار رضى الله عنهم ولما خطبها على قال عليه السلام
« ان عليا يخطبك فسكتت » وفى رواية قال لها « اى بنية ان ابن عمك قد خطبك فما تقولين » فبكت ثم قالت كأنك يابت ادخرتنى لفقير قريش فقال عليه السلام « والذى بعثنى بالحق ماتكلمت فى هذا حتى اذن الله فيه من السماء » فقالت فاطمة رضيت بما رضى الله ورسوله وقد كان خطبها ابو بكر وعمر رضى الله عنهما فقال عليه السلام « لكل انتظر بها القضاء » فجاء ابو بكر وعمر رضى الله عنهما الى على رضى الله عنه يأمرانه ان يخطبها قال على فنبهانى اىلامر كنت عنه غافلا فجئته عليه السلام فقلت تزوجنى فاطمة قال (9/252)
« وعند شىء » قال فرسى وبدنى اى درعى قال « اما فرسك فلا بدلك منها واما بدنك فبعها » فبعتها باربعمائة وثمانين درهما فجئته عليه السلام فوضعتها فى حجره فقبض منها قبضة فقال « اى بلال ابتع بها طيبا » ولما اراد ان يعقد خطب خطبة منها « الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بوحدته الذى خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته ثم ان الله تعالى جعل المصاهرة نسبا وصهرا وكان بربك قديرا ثم ان الله امرنى ان ازوج فاطمة من على على اربعمائة مثقال فضة أرضيت ياعلى » قال رضيت بعد ان خطب على ايضا خطبة منها « الحمد لله شكرا لانعمه واياديه واشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له شهادة تبلغه وترضيه » ولما تم العقد دعا عليه السلام بطبق بسر فوضعه بين يديه ثم قال للحاضرين انتبهوا وليلة بنى بها قال عليه السلام لعلى « لاتحدث شيأ حتى تلقانى » فجاءت بها ام أيمن حتى قعدعت فى جانب البيتوعلى فى جانب آخر وجاء رسول الله فقال لفاطمة « أئتنى بماء » فقات تعثر فى ثوبها من الحياء فاتته بقعب فيه ماء فاخذه رسول الله ومج فهي ثم قال لها « تقدمى » وتقدمت فنضح بين يدييها وعلى رأسها وقال « اللهم انى اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » ثم قال « ائتونى بماء » فقال على رضى الله عنه فعلمت الذى يريد فقمت وملأت القعب فاتيت به فاخذه فمج فيه وصنع بى كما صنع بفاطمة ودعلى الى بما دعا لها به ثم قال « اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما فى شملهما » اى الجماع وتلا قوله تعالى { قل هو الله احد } والمعوذتين ثم قال « ادخل باهلك باسم الله والبركة » وكان فراشها اهاب كبش اى جلده وكان لهما قطيفة اذا جعلاها بالطول انكشفت ظهورهما واذا جعلها بالعرض انكشفت رؤسهما وقالت له فى بعض الايام يارسول الله مالنا فراش الا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار فقال لها عليه السلام « يابنية اصبرى فان موسى بن عمران عليه السلام اقام مع امرأته عشر سنين ليس لهما فراش الا عباءة قطوانية » وهى نسبة الى قطوان موضع بالكوفة ، وفاطمة ولدتها خديجة رضى الله عنها قبل النبوة بخمس سنين ماتت بالمدينة بعد موت النبى عليه السلام بستة اشهر ولها ثمان وعشرون سنة ومناقبها كثيرة معروفة رضى الله عنها وعن اولادها واشتشهد على رضى الله عنه بالكوفة وهو ابن ثلاث وستين سنة وصلى عليه الحسن ودفن ليلا وغيب قبره بوصية منه كان مخفيا فى زمن بنى امية وصدرا من خلافة بنى العباس حتى دل عليه الامام جعفر الصادق رضى الله عنه قال عليه السلام لعلى رضى الله عنه (9/253)
« يهلك فيك رجلان محب مطر وكذاب مفتر » كما فى انسا العيون . (9/254)
وفى التأويلات النجمية الاشارة فى الآية الى ان الانسان خالق مركبا من جنسين مختلفين صورته من عالم الخلق وروحه من عالم الامر فجعل له نسبا وصهرا فنسبه الى روحه وانتساب الروح الى الله والى رسوله وانتسابه الى الله قوله { ونفخت فيه من ورحى } والى رسوله بقوله عليه السلام « انا من الله والمؤمنون منى » فجعل الله خواص عباده من اهل هذا النسب وصهره بشريته التى خلقت من الماء كما قال تعالى { انى خالق بشرا من طين فاذا سويته ونفخت فيه من روحى } جمع بني الامرين فجعل الله عوام خلقه من اهل هذا الصهر فالغالب عليهم خواص البشر وهى الحرص والشهوة والهوى والغضب فبها يرد الى الوركات السفلية والغالب على اهل النسب خواص الروحانية وهى الشوق والمحبة والطلب والحلم والكرم وبها يجذب الى الدرجات العلية وكان ربك قديرا على جعل الفريقين من اهل الطريقين انتهى : قال المولى الجامى قدس سره
قرب تو بسباب وعلل نتوان يافت ... به سابقه فضل ازل نتوان يافت
والله المرجو فى كل مسئول .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)
{ ويعبدون } اى المشركون حال كونهم { من دون الله } متجاوزين عبادة الله تعالى { مالا ينفعهم } ان عبدوه مفعول يعبدون . والنفع ما يستعان به فى الوصول الى الخيرات وما يتوصل به الى الخير فهو خير والنفع الخير وضده الضر { ولا يضرهم } ان لم يعبدوه وما ليس من شأنه النفع والضر اصلا وهو الاصنام وما فى حكمها من المخلوقات اذما من مخلوق يستقل بالنفع والضر فلا فائدة فى عبادته والاعتماد عليه واتباعه { وكان الكافر } بشركه وعداوته للحق { على ربه } الذى رباه بنعمته متعلق بقوله { ظهيرا } عونا للشيطان فالظهير بمعنى المظاهر اى المعين والمراد بالكافر الجنس او ابو جهل فانه اعان الشيطان على الرحمن فى اظهار المعاصى والاصرار على عداوة الرسول وتشجيع الناس على محاربته ونحوها . (9/255)
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56)
{ وما ارسلناك } فى حال من الاحوال { الا } حال كونك { مبشرا } للمؤمنين بالجنة والرحمة . والتبشير اخبار فيه سرور { ونذيرا } منذرا للكافرين بالنار والغضب . والانذار اخبار فيه تخويف . (9/256)
قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)
{ قل } لهم { ماأسألكم عليه } اى على تبليغ الرسالة التى ينبىء عنها الارسال { من اجر } من جهتكم فتقولوا انه يطلب اموالنا بما يدعونا اليه فلا نتبعه . والاجر ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان او اخرويا { الا من شاء } الا من فعل من يريد { ان يتخذ الى ربه سبيلا } ان يتقرب اليه ويطلب الزلفى عنده بالايمان والطاعة حسبما ادعوكم اليه . يعنى ان اعطيتم اياى اجرا فاعطونى ذلك الفعل فانى لا اسأل غيره : وبالفارسية [ مزد من ايمان وطاعت مؤمنانست زيراكه مرا من عند الله اجرى مقرراست وثابت شده كه هر بيغمبرى را برا برعباد وصلحاى امت او ثواب خواهد بود ] والظاهر ان الاستثناء منقطع . والمعنى لا اطلب من اموالكم جعلا لنفسى لكن من شاء انفاقه لوجه الله فليفعل فانى لا امنعه عنه . (9/257)
وفى التأويلات النجمية { الام من شاء ان يتخذ } بما يتوسل به الى من خدمه او انفاق او تعظيم { الى ربه } فربة ومنزلة ولهذا قال المشايخ يصل المريد بالطاعة الى الجنة وبالتعظيم واجلال الشيوخ الى الله تعالى ، وفى الفتوحات المكية مذهبنا ان للواعظ اخذ الاجرة على وعظ الناس وهو من احل ما يأكل وان كان ترك ذلك افضل وايضاح ذلك ان مقام الدعوة الى الله يقتضى الاجارة فان ما من نبى دعا الى الله الا قال ان اجرى الا على الله فاثبت الاجر على الدعاء ولكن اختار ان يأخذه من الله لا من المخلوق انتهى ، وافتى المتأخرون بصحة الاجرة للاذان والاقامة والتذكير والتدريس والحج والغزو وتعليم القرآن والفقه وقراءتهما لفتور الرغبات اليوم ولو كانت الاجرة على امر واجب كما اذا كان المعلم والامام والمفتى واحدا فانها لم تصح اجماعا كما فى الكرمانى وغيره وكذا اذا كان الغسال فى القرية واحدا فانه يتعين له غسل الميت ولا يجوز له طلب الاجرة .
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)
{ وتوكل على الحى الذى لايموت } فى الاستكفاء عن شرورهم والاغناء عن اجورهم فانه الحقيق بان يتوكل عليه دون الاحياء الذين من شأنهم الموت فانهم اذا ماتوا ضاع من توكل عليهم واصل التوكل ان يعلم العبد بان الحادثات كلها صادرة من الله ولا يقدر احد على الايجاد غيره فيفوض امره الى الله فيما يحتاج اليه وهذا القدر فرض وهو من شرط الايمان قال تعالى { وعلى لله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين } ومازاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فهى احوال تلحق بالتوكل على وجه الكمال كذا فى التأويلات النجمية ، قال الواسطى من توكل على الله لعلة غير الله فلم يتوكل على الله بل توكل على غير الله ، وسئل ابن سالم أنحن مستنون بالكسب او التوكل فقال ابن سالم التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما استن الكسب لضعف حالهم حين اسقطوا عن درجة التوكل الذى هوحاله فلما اسقطوا عنه لم يسقطهم عن درجة طلب المعاش بالمكاسب الى هى سنة ولولا ذلك لهلكوا ، يقال عوام المتوكلين اذا اعطوا شكروا واذا منعوا صبروا . وخواصهم اذا اعطوا آثروا واذا منعوا شكروا ، ويقال الحق يجود على الاولياء اذا توكلوا بتيسير السبب من حيث يحتسبون ولا يحتسبون . ويجود على الاصفياء بسقوط الارب واذا لم يكن ارب فمتى يكون طلب ، ويقال التوكيل ان يكون مثل الطفل لا يعرف شيأ يأوى اليه الاثدى امه كذلك المتوكل يجب ان لايرى لنفسه مأوى الا الله تعالى : وفى المثنوى (9/258)
نيست كسبى از توكل خوبتر ... جيست از تسليم خود محبوبتر
طفل تاكيرا وتابوديانبود ... مر كبش جز كرن بابا نبود
جون فضولى كشت ودست وبانمود ... درعنا افتاد ودر كور وكبود
ماعيال حضرتيم وشير خواه ... كفت « الخلق عيال للآله »
آنكه او از آسمان باران دهد ... هم تواند كو زرحمت نان دهد
{ وسبح بحمده } اى نزه تعالى عن صفات النقصان وعن كل مايرد على الوهم والخيال حال كونك مثنيا عليه بنعوت الكمال طالبا لمزيد الانعام بالشكر على سوابقه وفى الحديث « من قال كل يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر » كما فى فتح الرحمن { وكفى به } الباء زائدة للتأكيد اى حسبك الحى الذى لايموت وقوله { بذنوب عباده } ماظهر منا وما بطن متعلق بقوله { خبيرا } مطلقا فيجزيهم جزاء وافيا فلا يحتاج معه الى غيره .
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)
{ الذى خلق السموات والارض } محل الموصول الجر على انه صفة اخرى للحى { وما بينهما } من الاركان والمواليد { فى ستة ايام } فى مدتها من ايام الدنيا لانه لم يكن ثمة شمس ولا قمر وذلك مع قدرته على خلقها فى اسرع لمحة ليعلم العباد ان التأنى مستحب فى الامور { ثم استوى على العرش } اصل الاستواء الاستقرار والتساوى واعتدال الشىء فى ذاته ومتى عدى بعلى اقتضى معنى الاستيلاء والغلبة كما فى المفردات وهو المراد هنا خص العرش بالذكر لكونه اعظم الاجسام { الرحمن } خبر مبتدأ محذوف اى الذى خلق الاجرام العلوية والسفلية وما بينهما هو الرحمن وهو تمهيد لما يأتى من قوله { واذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } وبيان ان المزاد من الاستواء المذكور فى الحقيقة تعيين مرتبة الرحمانية { فاسأل به } متعلق بما بعده وهو { خبيرا } كما فى قوله { انه رؤف رحيم } ونظائره اى فاسأل خبيرا بما ذكر من الخلق والاستواء يعنى الذى خلق واستوى لانه هو الخبير بافعاله وصفاته كما قال { ولا ينبئك مثل خبير } وقال { وما يعلم تأويله الا الله } ومن جعل قوله { والراسخون فى العلم } عطفا على الا الله يكون الخبير المسئول منه هو الراسخون فى العلم وقد مر تحقيق الآية فى سورة الاعراف وسورة يونس وسورة طه فارجع ، وفى الفتوحات المكية لما كان الحق تعالى هو السلطان الاعظم ولابد للسلطان من مكان يكون فيه حتى يقصد بالحاجات مع انه تعالى لا يقبل المكان اقتضت المرتبة ان يخلق عرشا ثم ذكر انه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج منه كل ذلك رحمة للعباد وتنزيلا لعقولهم ولولا ذلك لبقى العبد حائرا لا يدرى اين يتوجه بقلبه وقد خلق الله تعالى القلب ذا جهة فلا يقبل الا ما كان له جهة وقد نسب الحق تعالى لنفسه الفوقية م سماء وعرش واحاطة بالجهات كلها بقوله { فينما تولوا فثم وجه الله } وبقوله « ينزل ربنا الى سماء الدنيا » وبقوله عليه السلام « ان الله فى قبلة احدكم » وحاصله ان الله تعالى خلق الامور كلها للمراتب لا للاعيان انتهى . (9/259)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
{ واذا قيل لهم } اى لهؤلاء المشركين { اسجدوا } صلوا وعبر عن الصلاة بالسجدة لانها من اعظم اركانها { للرحمن } الذى برحمته اوجد الموجودات { قالوا ومالرحمن } اى أى شىء هو اومن هو لان وضع ماعم وهو سؤال عن المسمى بهذا الاسم لانهم ماكانوا يطلقونه على الله ولا يعرفون كونه تعالى مسمى بهذا الاسم وان كان مذكورا فى الكتب الاولى انه من اسماء الله تعالى او لانهم كانوا يعرفون كونه تعالى مسمى بهذا الاسم الا انهم يزعمون انه قديرادبه غيره وهو مسليمة الكذاب باليمامة فانه يقال رحمن اليمامة وكان المشركون يكذبونه ولذلك غالطوا بذلك وقالوا ان محمدا يأمرنا بعبادة رحمن اليمامة ونظيره ان المنافقين صدرت منهم كلمات وحركات فى حق النبى عليه السلام بالاستهزاء والاستسخار فقال تعالى { ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب } فغالطوا فى الجواب عن ذلك بهاتين اللفظتين الموهمتين صدق ما كانوا فيه حتى كذبهم الله تعالى بقوله { قل أبالله وآياته كنتم تستهزئون } والمغالطة هو ان المشىء او المتكلم يدل على معنى له مثل او نقيض فى شىء ويكون المثل او النقيض احسن موقعا لارادته الابهام به كذا فى العقد الفريد للعلامة ابن طلحة { أنسجد لما تأمرنا } بسجوده من غير ان نعرف ان المسجود له ماذا وهو واستفهام انكار اى لا نسجد للرحمن الذى تأمرنا بسجودنا له { وزادهم } اى الامر بالسجود للرحمن { نفورا } عن الايمان . والنفور الانزعاج عن الشىء والتباعد وهو نظير قوله { فلم يزدهم دعائى الا فرارا } فمن جهل وجود الرحمن او علم وجوده وفعل فعلا او قال قولا لا يصدر الا من كافر فكافر بالاتفاق كما فى فتح الرحن وذلك كما اذا سجد للصنم او القى المصحف فى المزابل او تكلم بالكفر يكفر بلا خلاف لكونه علامة التكذيب ، وكان سفيان الثورى رحمه الله اذا قرأ هذه الآية رفع رأسه الى السماء وقال الهى زادنى خضوعا مازاد اعداءك نفورا وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله ان يرزقنى مرافقتك فى الجنة قال « اعنى بكثرة السجود » ، قال فى فتح الرحمن وهذا محل سجود بالاتفاق ، قال الكاشفى [ اين سجده هفتم است بقول امام اعظم وبقول امام شافعى سجده هشتم واين را درفتوحات سجده نفور وانكار ميكويد وميفرمايدكه جون مؤمن درتلاوت اين سجده كند ممتاز كردد ازاهل انكار بس اين سجده را امتيازنيز توان كفت ] وتكبير سجود تلاوة سنة كما فى النهاية او ندب كما فى الكافى او الثانى ركن كما فى الزاهدى لم يوجد ان كليهما ركن واذا اخر عن وقت القراءة يكن قضاء كا قال ابو يوسف فهو على الفور عنده لكنه ليس على الفور عندنا فجمعي العمر وقته سوى المكروه كا فى كتب الاصول والفروع والتأخير ليس بمكروه . (9/260)
وذكر الطحاوى انه مكروه وهو الاصح كما فى التجنيس ذكره القهستانى فى شرحه ثم ان قوله تعالى { اسجدوا للرحمن } يدل على ان لا سجدة لغير الرحمن ولو كانت لامرت المرأة بسجدة زوجها ، قال شمس الائمة السرخسى السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر وما يفعلونه من تقبيل الارض بين يدى العلماء فحرام . وذكر الصدر الشهيد لا يكفر بهذا السجود لانه يريد به التحية انتهى لكنه يلزم عليه ان لايفعل لانه شريعة منسوخة وهى شريعة يعقوب عليه السلام فان السجود فى ذلك الزمان كان يجرى مجرى التحية كالتكرمة بالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الناشئة فى التعظيم والتوقير ويدل عليه قوله تعالى فى حق اخوه يوسف وابيه { وخروا له سجدا } واما الانحناء للسلطان او لغيره فمكروه لانه يشبه فعل اليهود كما ان تقبيل يد نفسه بعد المصافحة فعل المجوس . واختلفوا فى سجود الشرك عند تجدد النعم واندفاع النقم فقال ابو حنيفة ومالك يكره فيقتصر على الحمد والشكر باللسان وخالف ابو يوسف ومحممد ابا حنيفة فقالا هى قربة يثاب عليها وقال الشافعى واحمد يسن وحكمه عندهما كسجود التلاوة لكنه لايفعل فى الصلاة كذا فى فتح الرحمن ، وذكر الزاهدى فى شرح القدورى ان السجدات خمس صلواتية وهى فرض وسجدة سهو وسجدة تلاوة وهما واجبتان وسجدة نذر وهى واجبة بان قال لله علىّ سجدة تلاوة وان لم يقيدها بالتلاوة لاتجب عند ابى حنيفة خلافا لابى يوسف وسجدة شكر ذكر الطحاوى عن ابى حنيفة انه قال لا اراه شيأ ، قال ابو بكر الرازى معناه ليس بواجب ولامسنون بل مباح لا بدعة وعن محمد انه كرهها قال ولكنا نستحبها اذا اتاه مايسره من حصول نعمة او دفع نقمة ، قال الشافعى فيكبر مستقبل القبلة ويسجد فيحمد الله تعالى ويشكره ويسبح ثم يكبر فيرفع رأسه اما بغير سبب فليس بقربة ولا مكروه واما ما يفعل عقيب الصلاة فمكروه لان الجهال يعتقدونها سنة او واجبة وكل مباح يؤدى اليه فمكروه انتهى والفتوى على ان سجدة الشكر جائزة بل مستحبة لا واجبة ولامكروهة كما فى شرح المنية (9/261)
بشكر عشق بنه جبهه دائما برخاك ... كه نعمتست نخوردست ساكن افلاك
الهل اجعلنا من المتواضعين لك فى اللمع والحلك .
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)
{ تبارك الذى } اى تكاثر خير الفياض الذى وقد ذكر فى اول هذه السورة فارجع ، قال فى برهان القرآن خص هذا الموضع بذكر تبارك لان مابعده من عظائم الامور حيث ذكر البروج والسيارات والشمس والقمر والليل النهار ولولاها ماوجد فى الارض حيوان ولا نبات ولامثلهما { جعل } بقدرته الكاملة { فى السماء } [ در آسمان ] { بروجا } هى البروج الاثنا عشر كل برج منزلان وثلث منزل للقمر وهى منازل الكواكب السبعه السياره وهى ثلاثون درجة للشمس واسماء البروج الحمل الثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة الميزان والعقرب والقوس والجدى والدلوا الحوت فالحمل والعقرب بيتا المريخ والثور والميزان بيتا الزهرة والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد والسرطان بيت القمر الاسد بيت الشمس والقوس والحوت بيتا المشترى والجدى والدلو بيتا زخل وهذه البروج مقسومة على الطابئع الاربع فيكون لكل واحدة منها ثلاثة بروج مثلثات الحمل والاسد والقوس مثلثة نارية والثور والسنبلة والجدى مثلثة ارضية والجوزاء والميزان والدلوا مثلثة هوائية والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية وسميت المنازل بالبروج وهى القصور العالية لانها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة لسكانها واشتقاقها من التبرج لظهورها ، وقال الحسن ومجاهد وقتادة البروج هى النجوم الكبار مثال الزهرة وسهيل والمشترى والسماك والعيوق واشباهها سميت بروجا لاستنارتها وحسنها وضوئها والابرج الواسع ما بين الحاجبين ثم ان منازل القمر باساميها ذكرت فى اوائل سورة يونس فارجع { وجعل فيها } اى فى البروج لافى السماء لان البروج اقرب فعود الضمير اليها اولى وان جاز عوده الى السماء ايضا { سراجا } [ جراغى راكه آفتابست ] ، قال الراغب السراج الزاهر بفتيلة ويعبر به عن كل شىء مضىء والمراد به ههنا الشمس لقوله تعالى { وجعل الشمس سراجا } شبهت الشمس والكواكب الكبار بالسرج والمصابيح كما فى قوله تعالى { ولقد زينا المساء الدنيا بمصابيح } فى الانارة والاشراق { وقمرا } بالفارسية [ ماه ] والهلال بعد ثلاث قمر سمى قمرا لبياضه كما فى المختار او لابيضاض الارض به والاقمر الابيض كما فى كشف الاسرار { منيرا } مضيئا بالليل ، قال فى كشف الاسرار [ كفته اندمراد ازين آسمان آسمان قر آنست كه جمله اهل ايمان در ظل بيان وى اند هرسورتى ازان جون برجى آنجا در عالم صور سبع مبانى است واينجا در عالم سور سبع مثانى جنانكه درشب هركه جشم برستاره داردراه زمين وى كم نشود هركه اندرشب فتنه ازبيم شك وشبهه جشم دل برستاره آيت قرآن دارد راه دينش كم نشود ] ، قال فى نفائس المجالس فى الآية دلالة على كمال قدرته فان هذه الاجرام العظام والنيرات من آثار قدرته ، واعلم ان الله تعالى جعل فى سماء نفسك بروج حواسك وجعل فيها سراج روحك وقمر قلبك منيرا بانوار الروحانية فعليك بالاجتهاد فى تنوير وجودك وتخليص قلبك من الظلمات النفسانية لتستعد لانوار التجليات وتتخلص من ظلمة السوى فتصل الى المطلب الاعلى فيصحل لك البقاء بعد الفناء فتجد بعد الفقر كمال الغنى فتشاهد كمال قدرة الملك القادر هنا ، وفى عرائس القرآن بروج السماء مجارى الشمس والقمر وهى الحمل والنثور الخ . (9/262)
وفى القلب بروج وهى برج الايمان وبرج المعرفة وبرج العقل وبرج اليقين وبرج الاسلام وبرج الاحسان وبرج التوكل وبرج الخوف وبرج الرجاء وبرج المحبة وبرج الشوق وبرج الوله فهذه اثنا عشر برجا بها دوام صلاح القلب كما ان الاثنى عشر برجا من الحمل الخ بها صلاح الدار الفانية واهلها وفى السماء سراج الشمس ونور القمر وفى القلب سراج الايمان والاقرار وقمر المعرفة يتلألأ نور ايمانه ومعرفته على لسانه بالذكر وعلى عينيه بالعبرة وعلى جوارحه بالطاعة والخدمة . (9/263)
وفى التأويلات النجمية يشير الى سماء القلوب وبروج المنازل والمقامات وهى اثنى عشر منزلا التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والاخلاص والتسليم والتفويض والرضى وهى منازل سيارات الاحوال فيها شمس التجلى وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشترى المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزخل البقاء انتهى
هركه خواهد بجان سير بروج ... آسمانرا كند جو عيسى عروج
آسمانرا طريق معراجست ... دل بمعراج فلك محتاجست
جون كذر ميكند زبرج فنا ... يا بد آخر تجليات بقيا
اين تجلى زسوى عرشى نه ... اين تسلى زسمت فرشى نه
اين تجلىء خالق الابراج ... بسراجش نديده جشم سراج
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
{ وهو الذى جعل } بحكمته التامة { الليل والنهار خلفة } الخلفة مصدر للنوع فلا يصلح ان يكون مفعولا ثانيا لجعل ولا حالا من معفوله لابد من تقدير المضاف ويستعمل بمعنى كان خليفته او بمعنى جاء بعده فالمعنى على الاول جعلهما ذوى خلفة يخلف كل واحد منهما الآخر بان يقوم مقامه فيما ينبغى ان يعمل فيه فمن فرط فى علمل احدهما قضاه فى الآخر فيكون توسعة على العباد فى نوافل العبادات والطاعات ويؤيده ما قال عليه السلام لعمر بن الخطاب رضى الله عنه وقد فاتته قراءة القرآن بالليل « يا ابن الخطاب لقد انزل الله تعالى فيك آية وهو الذى الخ مافاتك من النوافل بالليل فاقضيه فى نهارك ومافاتك فى النهار فاقضه فى الليل » وعلى الثانى جعلهما ذوى اعتقاب يجيىء الليل ويذهب النهار ويجيىء النهار ويذهب الليل ولم يجعل نهارا لا ليل له وليلا لا نهار له ليعلم الناس عدد السنين والحساب وليكون للانتشار فى المعاش وقت معلوم وللاستقرار والاستراحة وقت معلوم ففى الآية تذكير لنعمته وتنبيه على كمال حكمته وقدرته { لمن اراد ان يذكر } ان يتذكر آلاء الله ويتفكر فى صنعه فيعلم ان لا بدل له من صانع حكيم واجب بالذات رحيم على العباد فالمراد بمن هو الكافر ثم اشار الى المؤمن بقوله { او اراد شكورا } بضم الشين مصدر بمعنى الشكر اى ان يشكر الله بطاعته على ما فيها من النعم فتكون او على حالها ويجوز ان تكون بمعنى الواو فالمعنى جعلناهما خلفة ليكوننا وقتين للذاكرين والشاكرين من فاته ورده فى احدهما تداركه فى الآخر ووجه التعبير باو التنبيه على استقلال كل واحد منهما بكونه مطلوبا من الجعل المذكور ولو عطف بالواو لتوهم ان المطلوب مجموع الامرين ، قال الامام الراغب الشكر تصور النعمة واظهارها قيل هو مقلوب على الكشر اى الكشف ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها وقيل اصله من عين شكرى اى ممتلئة والشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه والشكر على ثلاثة اضرب شكر بالقلب وهو تصور النعمة وشكر باللسان وهو الثناء على النعمة وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها (9/264)
عطايست هرموى ازو برتنم ... جه كونه بهر موى شكرى كنم
اعلم ان الآية الكريمة اشارة الى ان ورد النفل لا يقضى اذا فات لكن على طريق الاستحباب لا على طريق الوجوب وذلك دوام الورد سبب لدوام الوارد ودوام الوارد سبب للوصلة ألا ترى ان النهر انما يصل الى البحر بسبب امداد الامطار والثلوج التى فى الجبال فلو انقطع المدد فقد المرام كما قال الصائب
از زاهدان خشك رسايى طمع مدار ... سيل ضعيف واصل دريا نميشود
ولذا أكب العباد والسلاك على الاوراد فى الليل والنهار وجعلوها على انفسهم بمنزلة الواجبات ولذا لو فات عنهم ورد الليل قضوه فى النهار ولو فات عنهم ورد النهار قضوه فى الليل يعنى اتوا ببدله مما كان مثلا له حتى لاينقطعوا دون السبيل فمن عرف الطريق الى الله لا يرجع ابدا ولو رجع عذب فى الدارين بما لم يعذب به احد من العالمين فعليك بالورد صباحا ومساء فانه من ديدن السلف الصالحين واياك والغفلة عنه فانها من دأب من بال على اذنه الشيطان من الفاسقين ، وعن الشيخ ابى بكر الضرير رضى الله عنه قال كان فى جوارى شاب حسن الوجه يصوم بالنهار ولايفطر ويقوم الليل ولاينام فجاءنى يوما وقال يا استاذ انى نمت عن وردى الليلة فرأيت كأن محرابى قد انشق وكأنى بجوار قد خرجن من المحراب لم ار احسن وجها منهن واذا واحدة فيهن شوهاء اى قبيحة لم ار اقبح منها منظرا فقلب لمن انتن ولمن هذه فقلن نحن لياليك التى مضين وهذه ليلة نومك فلومت فى ليلتك هذه لكانت هذه حظك ثم انشأت الشوهاء تقول (9/265)
اسأل لمولاك وارددنى الى حالى ... فانت قبحتنى من بين اشكالى
لاترقدّن الليالى ما حييت فان ... نمت الليالى فهن الدهر امثالى
فاجابتها جارية من الحسان
نحن الليالى اللواتى كنت تسهرها ... تتلو القران بترجيع ورنات
نحن الحسان اللواتى كنت تخطبنا ... جوف الظلام بانات وزفرات
قال ثم شهق شهقة خر ميتا ذكره الامام اليافعى فى روض الرياحين روى ان ابليس ظهر ليحيى ابن زكريا عليهما السلام فرأى عليه معاليق من كل شىء فقال يحيى يا ابليس ما هذه المعاليق التى ارى عليك قال هذه الشهوات التى اصيب بهن ابن آدم قال فهل لى فيها من شىء قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر قال يحيى هل غير ذلك قال لا والله قال لله علىّ ان لا املأ بطنى من طعام ابدا قال ابليس ولله على ان لا اتصح مسلما ابدا كذا فى آكام المرجان ، واحتضر عابد فقال ما تأسفى علىّ دار احزانوالخطايا والذنوب وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم افطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله فمن وجد الفرصة فليسارع وبقية العمر ليس لها ثمن
اى كه بنجاه رفت ودر خوابى ... مكر اين بنج روز دريابى
خواب نوشين بامداد رحيل ... باز دراد بياده را زسبيل
[ كفته اند ايزد تعالى فلك آفريد ومدت دوروى دوقسم كردانيد يك قسم ازان شب ديجور نهادكه اندران وقت روى زمين بسان قيرشود وقسم ديكر روز بانور نهادكه روى زمين بسان كافور شود ازروى اشارت ميكويد اى كسانى كه اندر روشنايى روز دولت آرام داريد ايمن مباشيد كه شب محنت بر انرست واى كسانى كه اندر تاريكىء شب محنت بى آرام بوده آيد نوميد مباشيدكه روشنايى روز دولت براثرست ]
اى دل صبور باش ومخور غم كه عاقبت ... اين شام صبح كرددواين شب سحر شود
نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من اهل اليقظة والشهود الواصلين الى مطالعة الجمال فى كل مشهود ونعوذ به من البقاء فى ظلمة الوجود والحرمان من فيض الجود انه رحيم ودود .
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)
{ وعباد الرحمن } دون عباد الدنيا والشيطان والنفس والهوى فانهم وان كانوا عبادا بالايجاد لكنهم ليسوا باهل لاضافة التشريف والتفضيل من حيث عدم اتصافهم بالصفات الآتية التى هي آثار رحمته تعالى الخاصة المفاضة على خواص العباد . والمعنى عباده المقبولون وهو مبتدأ خبره قوله { الذين يمشون } المشى الانتقال من مكان الى مكان بارادة { على الارض } الى هى غاية فى الطمأنينة والسكون والتحمل حال كونهم { هونا } هو السكينة والوقار كما فى القاموس وتذلل الانسان فى نفسه بما لايلحق به غضاضة كا فى المفردات وهين لين وقد يخففان ساكن مئتد ملائم رقيق اى هينين لينى الجانب من غير فظاظة او يمشرون مشيا هينا مصدر وصف به . والمعنى انهم يمشون بسكينة وتواضع لا بفخر وفرح ورياء وتجبر وذلك لما طالعوا من عظمة الحق وهيبته وشاهدوا من كبريائه وجلاله فخشعت لذلك ارواحهم وخضعت نفوسهم وابدانهم وفى الحديث « المؤمنون هينون لينون كالجمل الانف ان قيد انقاد وان انيخ على صخرة استناخ » وفى الصحاح انف العبير اشتكى انفه من البرة فهو انف ككتف وفى الحديث « المؤمن كالجمل ان قيد انقاد وان استنيخ على صخرة استناخ » وذلك للوجع الذى به فهو ذلول منقاد . قيد مجهول قاد والقود نقيض السوق فهو من امام وذلك من خلف : والانقياد [ كشيده وكردن نهادن ] يقال اتخت الجمال فاستناخ اى ابركته فبرك ، قال الشيخ سعدى (9/266)
فروتن بود هو شمند كزين ... نهد شاخ برميوه سر بر زمين
جوسيل اندر آمد بهول ونهيب ... فتاد ازبلندى بسر در نشيب
جوشبنم بيفتاد مسكين وخرد ... بمهر آسمانش بعيوق بر
{ وذا خاطبهم الجاهلون } الجهل خلو النفس من العلم واعتقاد الشىء بخلاف ما هو عليه وفعل الشىء بخلاف ما حقه ان يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا او فاسادا كما يترك الصلاة عمدا وعلى ذلك قوله { أتتخذنا هزؤا قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين } فجعل فعل الهزؤ جهلا . والمعنى واذا كلمهم السفهاء مواجهة بالكلام القبيح { قالوا سلاما } اى نطلب منكم السلام فيكون منصوبا باضمار فعل كما فى المفردات او انا سملنا من اثمكم وانتم سلمتم من شرنا كما فى احياء العلوم ، وقال بعضهم سلاما مصدر فعل محذوف اقيم مقام التسلم اى قالوا نتسلم منكم تسلما اى لانجاهلكم : والمجاهلة [ باكسى سفاهت كردن ] ولاتخالط بشىء من اموركم وهو الجهل وما يبتنى على خفة العقل فلا خير بيننا وبينكم ولا شر بل متاركة : بالفارسية [ جفاى يكديكر بكذاشتن ] واكثر المفسرين على ان السلام ليس عين عبارتهم بل صفة لمصدر محذوف . والمعنى قالوا قولا سلاما اى سدادا يسلمون فيه من الاذى والاثم [ مراد ترك تعرض سفهاست واعراض از مكالمه ومجادله ايشان ] كما قال المحقق الرومى
اكر كويند زراقى وسالوس ... بكوهستم دوصد جندان وميرو (9/267)
وكر ازخشم دشنامى دهندت ... دعاكن خوش دل وخندان وميروا
قال الشيخ سعدى قدس سره
يكى بربطى دربغل داشت مست ... بشب درسر بارسايى شكست
جو روز آمد آن نيك مرد سليم ... بر سنك دل برد يك مشت سيم
كه دوشينه معذور بودى ومست ... ترا ومرا بربط وسر شكست
مرا به شد آن زخم ورخاست بيم ... ترا به نخواهد شد الابسيم
اذان دوستان خدا بر سرند ... كه از خلق بسيار بر خر خورند
ثم ان قوله واذا بيان لحالهم فى المعاملة مع غيرهم اثر بيان حالهم فى انفسهم ، وهذه الآية محكمة عند اكثرهم لان الحلم عن السفيه مندوب اليه والاغضاء عن الجاهل امر مستحسن فى الادب والمروءة والشريعة واسلم للعرض واوفق للورع وفى الحديث « اذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد اين اهل الفضل فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون سراعا الى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون كنا اذا ظلمنا صبرنا واذا اسيىء الينا غفرنا واذا جهل علينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم اجر العاملين » وفى الحديث « رأيت قوما من امتى ما خلقوا بعد وسيكونون فيما بعد اليوم احبهم ويحبوننى يتناصحون ويتباذلون ويمشون بنور الله فى الناس رويدا فى خفية وتقيه يسلمون من الناس ويسلم الناس منهم بصبرهم وحلمهم قلوبهم بذكر الله تطمئن ومساجدهم بصلاتهم يعمرون يرحمون صغيرهم ويجلون كبيرهم ويتواسون بينهم يعود غنيهم على فقيرهم يعودون مرضاهم ويتبعون جنائزهم » فقال رجل من القوم فى ذلك يرفقون فالتفت اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلا « كلا انه لا رفيق لهم هم خدام انفسهم هم اكرم على الله من ان يوسع عليه لهوان الدنيا عند ربهم ثم تلا عليه السلام وعباد الرحمن » الآية ، وقال بعضهم فى صفة عباد الرحمن العبادة حليتهم والفقر كرامتهم وطاعة الله حلاوتهم وحب الله لذتهم والى الله حاجتهم والتقوى زادهم والهدى مركبهم والقرآن حديثهم والذكر زينتهم والقناعة مالهم والعبادة كسبهم والشيطان عدوهم والحق حارسهم والنهار عبرتهم والليل فكرتهم والحياة مرحلتهم والموت منزلهم والقبر حصنهم والفردوس مسكنهم والنظر الى رب العالمين منيتهم ، اعلم ان عباد الله كثير فمنهم عبدالرحمن ومنهم عبدالرزاق ومنهم عبدالوهاب الى غير ذلك ولكن لايكون المرء بمجرد الاسم عبدا حقيقة لا عبد الله ولا نحوه وذلك لان عبد الله هو الذى تجلى بجميع اسمائه تعالى فلا يكون فى عباده ارفع مقاما واعلى شانا منه لتحققه بالاسم الاعظم واتصافه بجميع صفاته ولذا خص نبينا عليه السلام بهذه الاسم فى قوله { وانه لما قام عبدالله يدعوه } فلم يكن هذا الاسم بالحقيقة الاله وللاقطاب من ورثته بتبعيته . وعبدالرحمن هو مظهر الاسم الرحن فهو رحمه للعالمين جميعها بحيث لا يخرج احد من رحمته بحسب قابليته واستعداده . وعبدالرحيم هو مظهر الاسم الرحيم وهو يختص رحمته بمن اتقى واصلح ورضى الله عنه وينتقم ممن غضب الله عليه . وعبدالرزاق هو الذى وسع الله له رزقه فيؤثر به على العباد . وعبدالوهاب هو الذى تجلى له الحق باسم الجود فيهب ما يبنغى على الوجه الذى ينبغى بلا عوض ولاغرض ويمد اهل عنايته تعالى بالامداد جعلنا الله واياكم من المتحققين باسمائه الحسنى انه المطلب الاعلى والمقصود الاسنى .
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)
{ والذين يبيتون } عطف على الموصوف الاول والبيتوتة خلاف الظلول وهى ان يدركك الليل نمت اول تنم ولذلك يقال ياتب فلان قلقا اى مضطربا : والمعنى [ بالفارسية عباد الرحمن آنانندكه شب بروزمى آرند ] { لربهم } لا لحظ انفسهم وهو متعلق بما بعده والتقديم للتخصيص مع مراعاة الفاصلة { سجدا } جمع ساجد اى حال كونهم ساجدين على وجوههم { وقياما } جمع قائم مثل نايم ونائم او مصدر اجرى مجراه اى قائمين على اقدامهم وتقديم السجود على القيام لرعاية الفواصل وليعلم ان القيام فى الصلاة مقدم مع ان السجدة احق بالتقديم لما ورد « اقرب مايكون العبد من ربه وهو ساجد » والكفرة عنها يستكبرون حتى قال بعضهم منه لا افعلها لانى لا احب ان تعلوا رأسى استى . والمعنى يكونون ساجدين لربهم وقائمين اى يحبون الليل كلا او بعضا بالصلاة كما قال تعالى فى حق المتقين { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } وتخصيص البيتوتة لان العبادة بالليل اشق وابعد من الرياء وهو بيان لحالهم فى معاملتهم مع ربهم ووصف ليلهم بعد وصف نهارهم ، وقد اشتهر بقيام الليل كله وصلاة الغداة بوضوء العشاء الاخيرة سعيد ابن المسيب وفضيل بن عياض وابو سليمان الدارانى وحبيب العجمى ومالك بن دينار ورابعة العدوية وغيرهم . (9/268)
قال فى التأويلات النجمية يبيتون لربهم ساجدين ويصبحون واجدين فوجدت صباحهم ثمرات سجود رواحهم كما فى الخبر « من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار » اى عظم ماء وجهه عند الله واحسن الاشياء ظاهر بالسجود محسن وباطن بالوجود مزين ، وكانت حفصة بنت سيرين اخت محمد بن سيرين تقرأ كل ليلة نصف القرآن تقوم به فى الصلاة وكانت تقوم فى مصلاها بالليل فربما طفى المصباح فيضيىء لها البيت حتى تصبح وكانت من عابدات اهل البصرة وكان اخوها ابن سيرين اذا اشكل عليه شىء من القرآن قال اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ وكانت تقول يا معشر الشباب خذو من انفسكم وانتم شباب فانى مارأيت العمل الا فى الشباب ، وكانت رابعة العدوية تصلى الليل كله فاذا قرب الفجر نامت نومة خفيفة ثم تقوم وتقول يا نفس كم تنامين وكم تقومين يوشك ان تنامى نومة لا تقومين منها الا صبيحة يوم النشور فكان هذا دأبها حتى ماتت وفى الخبر « قم من اللي ولو قدر حلب شاة » ومن حرم قيام الليل كسلا وفتورا فى العزيمة اوتهاونا بقلة الاعتداد بذل كاو اغترارا بحاله فلبيك عليه فقد قطع عليه طريق كثير من الخبر . والذى يخل بقيام الليل كثرة الاهتمام بامور الدنيا وكثرة اشغال الدنيا واتعاب الجوارح والامتلاء من الطعام وكثرة الحديث واللهو واللغط واهمال القيلولة والموفق من يغتنم وقته ويعرف داءه ودواءه ولا يهمل فيهمل ، يقول الفقير قواه الله القدير على فعل الخير الكثير ، ان قلت ما تقول فى قوله عليه السلام
« من صلى العشاء فى جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى الفجر فى جماعة كان كقيام ليلة » الخ فانه يرفع مؤنة قيام الليل ، قلت هذا ترغيب فى الجماعة وبيان للرخصة وتأثير النية فان من نوى وقت العشاء ان يقيم الفجر بجماعة كان كمن انتظرها فى المسجد قرب همة عالية تسبق الاقدام ولكن العمل مع النية افضل من النية المجردة والعزيمة فوق الرخصة ، قال سهل بن عبدالله التسترى رحمه الله يحتاج العبد الى السنن الرواتب لتكميل الفرائض ويحتاج الى النوافل لتكميل السنن ويحتاج الى الآداب لتكميل النوافل ومن الادب ترك الدنيا ، وقد اختلفوا فى ان طول القيام افضل أو كثرة السجود والركوع ، قال فى الدرر طول القيام اولى من كثرة السجود لقوله عليه السلام « افضل الصلوات طول القنوت » اى القيام ولان القراءة تكثر بطول القيام وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح والقراءة افضل منه انتهى ، وقال بعضهم بافضلية الثانى [ ابن عمر يكى را يدكه در نماز قيام دراز داشت كفت اكر من اورا شناختمى بكثرة ركوع وسجود فرمودمى كه از رسول خدا شنيدم عليه السلام كه كفت ] « ان العبد اذا قام يصلى أتى بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه كلما ركع او سجد تساقطت عنه » ، وقال معدان بن طلحة لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت اخبرنى بعمل يدخلنى الله به الجنة فقالت سألت عن ذلك رسول الله فقالى « عليك بكثرة السجود لله فانك لا تسجد لله سجدة الا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة » ، واعلم ان الاصل فى كل عمل هو تحقيق النية وتصحيح الاخلاص (9/269)
مشايخ همه شب دعا خوانده اند ... سحر كه مصلى برافشانده اند
كسى كوبتابد زمحراب روى ... بكفرش كواهى دهند اهل كوى
توهم بشت بر قبله در نماز ... كرت در خدانيست روى نياز
وجهنا الله واياكم الى وجهه .
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
{ والذين يقولون } اى فى اعقاب صلواتهم او فى عامة اوقاتهم { ربنا } [ اى بروردكارما ] { اصرف عنا } صرفه رده { عذاب جهنم } العذاب الايجاع الشديد { ان عذابها كان غراما } اى شرا دائما وهلاكا لازما غير مفارق لمن عذب به من الكفار ، قال الراغب مأخوذ من قولهم هو مغرم بالنساء اى يلازمهن ملازمة الغريم اى ملازمة من له الدين لغريمه اى من عليه الدين فكلاهما غريم ، قال محمد بن كعب ان الله تعالى سأل الكفار ثم نعمته فلم يؤدوها اليه فاغرقهم فادخلهم النار . (9/270)
إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
{ انها ساءت مستقرا ومقاما } تعليل لاستدعائهم المذكور بسوء حالها فى انفاسها اثر تعليله بسوء حال عذابها فهو من تمام كلامهم والضمير فى ساءت لا يعود الى اسم ان وهو جهنم ولا الى شىء آخر بعينه بل هو ضمير مبهم يفسره مابعده من التمييز وهو مستقر او مقاما وذلك لان فاعل افعال الذم يجب ان يكون معرفا باللام او مضافا الى المعرف به او مضمرا مميزا بنكرة منصوبة . والمعنى بئست موضع قرار واقامة هى اى جهنم : وبالفارسية [ بتحقيق دوزخ بدا آرامكاهست وبدجاى بودنى ] ، وفى الآية ايذان بانهم مع حسن مخالقتهم مع الخلق واجتهادهم فى عبادة الحق خائفون من العذاب متضرعون الى الله فى صرفه عنهم . يعنى يجتهدون غاية الجهد ويستفرغون نهاية الوسع ثم عند السؤال ينزلون منزلة العصاة ويقفون اهل الاعتذار ويخاطبون بلسان التذلل كما قيل (9/271)
ومارمت الدخول عليه حتى ... حللت محلة العبد الذليل
وذلك لعدم اعتدادهم باعمالهم ووثوقهم على استمرار احوالهم كقوله { والذين يؤتون ماآتوا وقلوبهم وجلة } قال الشيخ سعدى قدس سره
طريقت همنست كاهل يقين ... نكوكار بودند وتقصير بين
وقال
بنده همان به كه تقصير خويش ... عذر بدركاه خداى آورد
ورنه سزاوار خدا ونديش ... كس نتواند كه بجاى آورد
قال ابن نجيد لايصف لاحد قدم فى العبودية حتى يكون افعاله عنده كلها رياء واحواله كلها دعاوى ، وقال النهر جورى من علامة من تولاه الله فى اعماله ان يشهد التقصير فى اخلاصه والغفلة فى اذكاره والنقصان فى صدقة والفتور فى مجاهدته وقلة المراعاة فى فقره فيكون جميع احواله عنده غير مرضية ويزداد فقرا الى الله تعالى فى نقره وسيره حتى يفنى عن كل مادونه ، ودلت الآية على الدعاء مطلقا خصوصا فى اعقاب الصلوات وهو مخ العبادة فليدع المصلى مفردا وفى الجماعة اماما كان او مأموما وليقل « اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد اللهم انى اسألك الجنة وما قرب اليها من قول وعمل واعوذ بك من النار وما قرب اليها من قول وعمل الله استر عوراتى وآمن روعاتى واقل عثراتى اللهم انى أسئلك ايمانا لا يرتد ونعيما لا ينفد وقرة عين الابد ومرافقة نبيك محمد اللهم البس وجوهنا منك الحياء واملأ قلوبنا بك فرحا واسكن فى نفوسنا عظمتك وذلل جوارحنا لخدمتك واجعلك احب الينا مما سواك اللهم افعل بنا ما أنت اهله ولا تفعل بنا ما نحن اهله اللهم اغفر لى ولوالدى وارحمهما كما ربيانى صغيرا واغفر لاعمامنا وعماتنا واخوالنا وخالاتنا وازواجنا وذرياتنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات يارحم الراحمين ويا خير الغافرين » وغير ذلك مما هو مذكور فى عوارف المعارف نقلا عن قوت القلوب للامام المكى .
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
{ والذين اذا انفقوا } نفق الشىء اذا مضى ونفد اما بالبيع نحو نفق المبيع نفاقا واما بالموت نحو نفقت الدابة نفوقا واما بالفناء نحو نفقت الدراهم وانفقتها { لم يسرفوا } لم يجاوزوا حد الكرم { ولم يقتروا } ولم يضييقوا تضييق الشحيح فان القتر والاقتار والتقتير هو التضييق الذى هو التضييق الذى هو ضد الاسراف والاسراف مجاوزة الحد فى النفقة { وكان } الانفاق المدلول عليه بقوله انفقوا { بين ذلك } اى بين ماذكر من الاسراف والتقتير وهو خبر كان وقوله { قواما } خبر بعد خبر اهو الخبر وبين ذلك ظرف لغو لكان على رأى من يرى اعمالها فى الظرف . والمعنى وسطا عدلا سمى به لاستقامة الطرفين واعتدالهما بحيث لا ترجح لاحداهما على الآخر بالنسبة اليه لكونه وسطا بينهما كمركز الدائرة فانه يكون نسبة جميع الدائرة اليه على السواء ونظير القوام السواء سمى به لاستواء الطرفين فالآية نظير قوله تعالى فى سورة الاسراء { ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } (9/272)
وسط را مكن هركز از كف رها ... كه خير الامورست اوساطها
وتحقيق المقام الانفاق ضربان محمود ومذموم ، فالمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة وهو بذل ماوجبت الشريعة بذله كالصدقة المفروضة والانفاق على العيال ولذا قال الخسن مانفق الرجل على اهله فى غير اسراف ولافساد والا اقتار فهو فى سبيل الله ومنه مايكسب صاحبه اجرا وهو الانفاق على من الزمت الشريعة انفاقه عليه ومنه مايكسب له الحرية وهو بذل ماندبت الشريعة الى بذله فهذا يكتسب ن الناس شكرا ومن ولى النعمة اجرا ، والمذموم ضربان افراط وهو التبذير والاسراف وتفريط وهو الامساك والتقتير وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية فالتبذير من جهة الكمية ان يعطى اكثر ما يحتمله حاله ومن حيث الكيفية ان يضعه فى غير موضعه والاعتبار فيه بالكيفية اكثر من الكمية فرب منفق درهما من الوف وهو فىنفاقه مسرف وببذله ظالم مفسد كمن اعطى فاجره درهما او اشترى خمرا ورب منفق الوفا لايملك غيرها هو فيه مقتصد وبذله محمود كما روى فى شأن ابى بكر الصديق رضى الله عنه حيث انفقجميع ماله فى غزوة تبوك ولما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « ماذا ابقيت لاهلك يا ابا بكر » قال الله ورسوله ، وقد قيل لحكيم متى يكون بذل القليل اسرافا والكثير اقتصاد اقال اذا كان بذل القليل فى باطل وبذل الكثير فى حق ومن هذا الباب ما قال مجاهد فى الآية لو كان لرجل مثل ابى قبيس ذهبا فانفقه فى طاعة الله لم يكن مسرفا ولو انفق درهما فى معصية الله كان مسرفا والتقتير من جهة الكمية ان ينفق دون مايحتمله حاله ومن جهة الكيفية ان يمنع من حيث يجب وينفق حيث لايجب والتبذير عند الناس احمد لانه جود لكنه اكثر مما يجب والتقتير بخل والجود على كل حال احمد من البخل لان رجوع المبذر الى السخاء سهل وارتقاء البخيل اليه صعب وان المبذر قد ينفع غيره وان اضر بنفسه والمقتر لا ينفع نفسه ولا غيره على ان التبذر فى الحقيقة هو من وجه اقبح اذلا اسراف الا وفى جنبه حق يضيع ولان التبذير يؤدى صاحبه الى ان يظلم غيره ولذا قيل الشحيح اعذر من الظالم ولانه جهل بقدر المال الذى هو سبب استبقاء النفس والجهل رأس كل شر والمتلاف ظالم من وجهين لاخذه من غير موضعه ووضعه فى غير موضعه ، قال يزيد بن حبيب فى هذه الآية اولئك اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لايأكلون طعاما للتنعيم واللذة ولا يلبسون ثيابا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنهم عن الحر والقرّ وفى الحديث
« ليس لابن آدم حق فيما سوى هذه الخصال بيت يكنه وثوب يوارى عورته وجرف الخبز والماء » يعنى كسر الخبز واحدتها جرفة بالكسر ، وقال عمر رضى الله عنه كفى سرفا ان لايشتهى الرجل شيأ الا اشتراه فاكله (9/273)
اكرجه باشد مرادت خورى ... زدوران بسى امرادى برى
دريغ آدمى زاده بر محل ... كه باشد جو انعام بل هم اضل
قال الحافظ
خواب وخورت زمرتبه خويش دور كرد ... آنكهرسى بخويش كه بىخواب وخورشوى
ثم ان الاسراف ليس متعلقا بالمال بل بكل شىء وضع فى غير موضعه اللائق به ألا ترى ان الله تعالى وصف قوم لوط بالاسراف لوضعهم البذر فى غير المحرث فقال { أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل انتم قوم مسرفون } ووصف فرعون بقوله { انه كان عاليا من المسرفين } فالتكبر لغير المتكبر اسراف مذموم وللمتكبر اقتصاد محمود وعلى هذا فقس ، وفى الآية اشرة الى اهل الله الباذلين عليه الوجود { اذا انفقوا } وجودهم فى ذات الله وصفاته { لم يسرفوا } اى لم يبالغوا فى المجاهدة والرياضة حتى يهلكوا انفسهم بالكلية فقال { ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة } { ولم يقتروا } فى بذل الوجود بان لايجاهدوا انفسهم فى ترك هواها وشهواتها كما اوحى الله تعالى الى داود عليه السلام فقال « انذر قومك من اكل الشهوات فان القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عنى » { وكان بين ذلك قواما } بحيث لا يهلك نفسه بفرط المجاهدة ولا يفسد قلبه بتركها وتتبع الشهوات كما فى التأويلات النجمية .
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)
{ والذين لايدعون } لايعبدون { مع الله آلها آخر } كالصنم اى لايجعلونه شريكا له تعالى ، يقال الشرك ثلاثة . الها ان يعبده غيره تعالى . والثانى ان يطيع مخلوقا بما يأمره من المعصية . والثالث ان يعمل لغير وجه الله فالاول كفر والآخران معصية . (9/274)
وفى التأويلات النجمية يعنى لا يرفعون حوائجهم الى الاغيار ولا يتوهمون منهم المسار والمضار وايضا لا يشوبون اعمالهم بالرياء والسمعة ولا يطلبون مع الله مطلوبا ولا يحبون معه محبوبا بل يطلبون الله من الله ويحبونه به : قال الصائب
غير حق را مىدهى ره درحريم دل جرا ... ميكشى برصفحه هستى خط باطل جرا
{ ولا يقتلون النفس التى حرم الله } اى حرمها بمعنى حرم قتلها فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه مبالغة فى التحريم والمراد نفس المؤمن والمعاهد { الا بالحق } المبيح لقلتها اى لا يقتلونها بسبب من الاسباب الا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها كما اذا قتل احد فيقتص به اوزنى وهو محصن فيرجم اوارتد او سعى فى الارض بالفساد فيقتل { ولا يزنون } الزنى وطىء المرأة من غير عقد شرعى ، واعلم ان الله تعالى نفى عن خواص العباد امهات المعاصى من عبادة الغير وقتل النفس المحرمة والزنى بعدما اثبت لهم اصول الطاعات من التواضع ومقابلة القبيح بالجميل واحياء الليل والدعاء والانفاق العدل وذلك اظهارا لكمال ايمانهم فانه انما يكمل بالتحلى بالفضائل والتخلى عن الرذائل واشعارا بان الاجر المذكور فيما بعد موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة باضداده اى وعباد الرحمن الذين لايفعلون شيأ من هذه الكبائر التى جمعتهن الكفرة حيث كانوا مع اشراكهم به سبحانه مداومين على قتل النفوس المحرمة التى من جملتها الموؤدة مكين على الزنى اذا كان عندهم مباحا ، وعن عبدالله ابن مسعود رضى الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الذنب اعظم قال « ان تجعل لله ندا وهو خلقلك » قال قلت ثم أى قال « ان تقتل ولدك مخافة ان يطعم معك » قال قلت ثم أى « قال ان تزنى بحليلة جارك » .
وفى التأويلات النجمية { ولايزنون } اى لا يتصرفون فى عجوز الدنيا بشهوة نفسانية حيوانية بل يكون تصرفهم فيها لله وفى الله وبالله اى بخلاف حال العامة { ومن } [ هركه ] { يفعل ذلك } شيأ مماذكر من الافعال كما هو دأب الكفرة { يلق اثاما } هو جزاء والعقوبة كالوبال والنكال وزنا ومعنى : وبالفارسية [ به بيندجزاى بزه كارىء خود ] تقول اثم الرجل بالكسر اذنب واثمه جازاه ، قال فى القاموس هو كسحاب واد فى جهنم والعقوبة وفى الحديث « الغى والاثام بئران يسيل فيهما صديد اهل النار » .
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
{ يضاعف له العذاب يوم القيامة } [ المضاعفة : افزون كردن يعنى يك دو كردن ] كما قال الراغب العضف تركب قدرين متساويين يقال اضعف الشىء وضعفته وضاعفته ضممت اليه مثله فصاعدا والجملة بدل من يلق لاتحادهما فى المعنى اى يتزايد عذابه وقتا بعد وقت وذلك لانضمام المعاصى الى الكفر . (9/275)
وفى التأويلات النجمية اى يكون معذبا بعذابين عذاب دركات النيران وعذاب فرجات درجات الجنان وقربات الرحمن { ويخلد } [ وجاويد ماند ] { فيه } اى فى ذلك العذاب حال كونه { مهانا } ذليلا محتقرا جامعا للعذاب الجسمانى والروحانى لايغاث : وبالفارسية [ خوار وبى اعتبار ] قرأ ابن كثير وحفص فيهى مهانا باشباع كسرة الهاء وجعلها بالياء فى الوصل وذلك للتنبيه على العذاب المضاعف ليحصل التيقظ والامتناع عن سببه .
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)
{ الا من تاب } من الشرك والقتل والزنى { وآمن } وصدق بوحدانية الله تعالى { وعمل عملا صالحا } [ وبكند كردارشايسته براى تكميل ايمان ] ذكر الموصوف مع جريان الصالح والصالحات مجرى الاسم للاعتناء به والتنصيص على مغايرته للاعمال السابقة والاستثناء لانه من الجنس لان المقصود الاخبار بان من فعل ذلك فانه يحل به ماذكر الا ان يتوب . واما اصابة اصل العذاب وعدمها فلا تعرض لها فى الآية { فاولئك } الموصوفون بالتوبة والايمان والعمل الصالح : وبالفارسية [ بس آن كروه ] { يبدل الله سيآتهم } التى عملوها فى الدنيا فى الاسلام { حسنات } يوم القيامة وذلك بان يثبت له بدل كل سيئة حسنة وبدل كل عقاب ثوابا ، قال الراغب التبديل جعل الشىء مكان آخر وهو اعم من العوض فان العوض هو ان يصير لك الثانى باعطاء الاول والتبديل يقال للتغيير وان لم تأت ببدله ، عن ابى ذر رضى الله عنه قال عليه السلام « يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها فيقال عملت يوم كذا كذا وهو مقر لاينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول ان لى ذنوبا ماراها ههنا » قال فلقد رأيت رسول الله صلى الله علي وسلم يضحك حتى بدت نواجذه ثم تلا { فاولئك } الخ ، قال الزجاج ليس ان السيئة بعينها تصير حسنة ولكن التأويل ان السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة انتهى ، قال المولى الجامة { فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات } يعنى فى الحكم فان الاعيان نفسها لاتتبدل ولكن تنقلب احكامها انتهى كلامه فى شرح الفصوص ، وقال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى شرح الاربعين حديثا ( الطاعات كلها مطهرات ) فتارة بطريق المحور المشار اليه بقوله تعالى { ان الحسنات يذهبن السيآت } وبقوله عليه السلام « اتبع الحسنة تمحها » وتارة بطريق التبديل المشار اليه بقوله { الا من تاب وآمن } الخ فالمحو المذكور عبارة عن حقيقة العفو والتبديل من مقام المغفرة وان تنبهت لما اشرت اليه عرفت الفرق بين العفو والمغفرة انتهى كلامه . (9/276)
وفى التأويلات النجمية { الا من تاب } عن عبادة الدنيا وهوى النفس { وآمن } بكرامات وكمالات اعدها الله لعباده الصالحين مما لاعين رأت ولا اذن سمعت ولاخطر على قلب بشر { وعمل عملا صالحا } لتبليغه الى تلك الكمالات وهو الاعراض عما سوى الله بجملته والاقبال على الله بكليته رجاء عواطف احسانه كما قيل لبعضهم كلى بكلك مشغول فقال كلى لكلك مبذول ولعمرى هذا هو الاكسير والاعظم الذى ان طرح ذرة منه على قدر الارض من نحاص السيآت تبدلها ابريز الحسنات الخالصة كما قال تعالى اخبارا عن اهل هذا الاكسير { فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات } كما يبدل الاكسير النحاس ذهبا انتهى ، يقول الفقير لاشك عند اهل الله تعالى فى انقلاب الاعيان واستحالتها ألا ترى الى انحلال مزاج المادة الاصلية الى غيرها فى العالم الصناعى فاذا انحل المزاج واستحالت المادة الى الصورة الهيولانية صلحت لان يولد الحكيم منها انسان الفلاسفة ، قال الامام الجلدكى الارض تستحيل ماء والماء يستحيل ارضا والعناصر يتسحيل نارا وبالعكس النار تستحيل هواء والهواء ماء والماء يستحيل ارضا والعناصر يتسحيل بعضها الى بعض مع ان كل عنصر من العناصر ممتزج من طبيعتين فاعلة ومنفعلة فهذا برهان واضح على انحلال المزاج الى غيره فى الاصول ، واما فى الفصول فان الارض تستحيل نباتا والنبات يستحيل حيوانا فوقف الفاضل ابن سينا وقال ان الحيوان لايستحيل اللهم الا ان يفسد الى عناصره ويرجع الى طبائعه فنقول ان الارض والماء اذات لم يفسدا فى الصورة عن كيانهما لما استحالا نباتا والنبات اذا لم يفسد عن كياله لما استحال حيوانا فكيف خفى عليه ان النبات والحيوان يفسدان بالطبخ ويصيران للانسان غذاء وينحل مزاجهما الى الكيموس الغذائى ويصيران فى جوف الانسان دما ويستحيل الدم بالحركة الشوقية بين الذكر والانثى فيصير منيا ثم جنينا ثم انسانا وكذلك جسد الانسان بعد فساده يمكن ان يصير نباتا ويستحيل الى حيوانات شتى مثل الديدان وغيرها ويستحيل الجميع حتى العظام الرقات الى ان تقبل التكوين اذا شربت ماء الحياة وانما الاجزاء الجسدانية للانسان محفوظة معلومة عند الله وان استحالت من صفة الى صفة وتبدلت من حالة الى حالة وانحل مزاج كل منها الى غيره الا ان روحه وعقله ونفسه وذاته الباطنة باقية فى برزخها : ق الحافظ
دست ازمس وجود جومردان ره بشوى ... تاكيمياى عشق بيابى وزر شوى (9/277)
{ وكانن الله غفورا } ولذلك بدل السيآت حسنات { رحيما } ولذلك اثاب على الحسنات .
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
{ ومن تاب } اى رجع عن المعاصى مطلقا بتركها بالكلية والندم عليها { وعمل صالحا } بتدارك به ما فرط منه او خرج عن المعاصى ودخل فى الطاعات { فانه } بما فعل { يتوب الى الله } يرجع اليه تعالى بعد الموت ، قال الراغب ذكر لى يقتضى الا نابة { متابا } اى متابا عظيما الشان مرضيا عنده ماحيا للعقاب محصلا للثواب فلا يتحد الشرط والجزاء لان فى الجزاء هو الرجوع الى الله رجوعا مرضيا ، قال الراغب متابا اى التوبة التامة وهو الجمع بين ترك القبيح وتحرى الجميل اه وهذا تعميم بعد التخصيص لان متعلق التوبة فى الآية الاولى الشرك والقتل والزنى فقط وههنا مطلق المعاصى ، والتوبة فى الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما امكنه ان يتدارك من الاعادة فمتى اجتمع هذه الاربع فقد كمل شرائط التوبة : قال المولى الجامى (9/278)
باخلق لاف توبه ودل بركنه مصر ... كس بى نمى بردكه بدين كونه كمرهم
قال ابن عطاء التوبة الرجوع من كل خلق مذموم والدخول فى كل خلق محمود اى وهى توبة الخواص ، وقال بعضهم التوبة ان يتوب من كل شىء سوى الله تعالى اى وهى توبة الاخص فعليك بالتوبة والاستغفار فانها صابون الاوزار وفى الحديث القدسى « انين المذنبين احس الىّ من زجل المسبحين » اى من اصواتهم بالتسبيح والاصرار يؤدى الى الشرك والموت على غير الملة الاسلامية ، قال ابو اسحق رأيت رجلا نصف وجهه مغطى فسألته فقال كنت نباشا فنبشت ليلة قبرا امرأة فطلمتنى وعلى وجهه اثر الاصابع فكتبت ذلك الى الاوزاعى فكتب الى ّ ان اسأله كيف وجد اهل القبور فسألته فقال وجدت اكثرهم متحولا عن القبلة فقال الاوزاعى هو الذى مات على غير الملة الاسلامية اى بسبب الاصرار المؤدى الى الكفر والعياذ بالله تعالى . وذكر فى اصول الفقه ان ارتكاب المنهى اشد ذنبا من ترك المأمور ومع ذلك صار ابليس مردودا : وفى المثنوى
توبه را ازجانب مغرب درى ... بازباشد تاقيامت بردرى
تا زمغرب بزند سر آفتاب ... باز باشد آن دراوزى رومتاب
هشت جنت را زرحمت هشت در ... كه درتوبه است زان هشت اى بسر
آن همه كه باز باشد كه فراز ... وان درتوبه نباشد جزكه باز
هين غنيمت دار دربازست زود ... رخت آنجا كش بكورىء حسود
نسأل الله تعالى توبة نصوحا ومن آثار رحمته فيضا ونوالا وفتوحا .
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)
{ والذين لا يشهدون الزور } من الشهادة وهى الاخبار بصحة الشىء عن مشاهدة الاعيان . والزور الكذب اصله تمويه الباطل بما يوهم انه حق ، وقال الراغب الازور المائل الزور اى الصدر وقيل للكذب زور لكونه مائلا عن جهته وانتصابه على المصدرية والاصل لا يشهدون شهادة الزور باضافة العام الى الخاص فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه . والمعنى لا يقيمون الشهادة الكاذبة : وبالفارسية [ كواهى دروغ ندهند ] ، واختلف الائمة فى عقوبة شاهد الزور ، فقال ابو حنيفة رحمه الله لايعزر بل يوقف فى قومه ويقال لهم انه شاهد زور ، وقال الثلاثة يعزر ويوقف فى قومه ويعرفون انه شاهد زور ، وقال مالك يشهر فى الجوامع والاسواق والمجامع ، وقال احمد يطاف به فى المواضع التى يشتهر فيها فيقال انا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه ، وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه يجلد شاهد الزور اربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف فى الاسواق كما فى كشف الاسرار ، قال ابن عطاء رحمه الله هى شهادة اللسان من غير مشاهدة القلب ويجوز ان يكون يشهدون من الشهود وهو الحضور وانتصاب الزور على المفعول به والاصل لا يشهدون مجالس الزور فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه . والمعنى لا يحضرون محاضر الكذب ومجالس الفحش فان مشاهدة الباطل مشاركة فيه من حيث انها دليل الرضى به كما اذا جالس شارب الخمر بغير ضرورة فانه شريك فى الاثم ، واما الملامية وهم الذين لا يظهرون خيرا ولا يضمرون شرا لانفراد قلوبهم مع الله يمشون فى الاسواق ويتكلمون مع الناس بكلام العامة ويحضرون بعض مواضع الشرور لمشاهدة القضاء والقدر حتى يوافقوا الناس فى الشر فهم فى الحقيقة عباد الرحمن وهم المرادون بقوله عليه السلام « اوليائى تحت قبابى لايعرفهم غيرى » قال الحافظ (9/279)
مكن بنامه سياهى ملامت من مست ... كه آكهست كه تقدير برسرش جه نوشت
وقال الخجندى
برخيز كمال از سر ناموس كه رندان ... كردند اقامت بسر كوى ملامت
وقال بعضهم المراد بالزور اعياد المشركين واليهود والنصارى [ يابازيكاه ايشان ] كما فى تفسير الكاشفى ، قال فى ترجمة الفتوحات [ نبايد كه اهل ذمت ترابشرك خود فريب دهندكه نزد حق تعالى هلاك تو در آنست شيخ اكبر قدس سره الاطهر ميفر مايد كه دردمشق اين معنى مشاهدة كردم كه زنان ومردان بانصارى مسامحت ميكنند وصغار واطفال خودرا بكنايس مى برند واز آب معموديه برسبيل تبرك برايشان مى افشا نند واينها قرين كفراست ياخود نفس كفراست وآنرا هيج مسلمانى نبسندد ] وفى قاضى خان رجل اشترى يوم النيروز شيأ لم يشتره فى غير ذلك اليوم ان اراد به تعظيم ذلك اليوم كما عظمه الكفرة يكون كفرا وان فعل ذلك لاجل الشرب والتنعم يوم النيروز لايكون كفرا انتهى المراد نيروز النصارى لانيروز العجم كما هو الظاهر من كلامه ، وقال بعضهم يدخل فى مجلس الزور اللعب واللهو والكذب والنوح والغناء بالباطل روى عن محمد بن المنكدر قال بلغنى ان الله تعالى يقول يوم القيامة اين الذين كانوا ينزهون انفسهم واسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان ادخلوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوا عبادى تحميدى وثنائى وتمجيدى واخبروهم ان لاخوف عليهم ولاهم يحزنون كذا فى كشف الاسرار ، ومن سنن الصوم ان يصون الصائم لسانه عن الكذب والغيبة وفضول الكلام والسب النميمة والمزاح والمدح والغناء والشعر والمراد بالغناء التغنى بالباطل وهو الذى يحرك من القلب ماهو مراد الشيطان من الشهوة ومحبة المخلوقين واما يحرك الشوق الى الله فمن التغنى بالحق كا فى الاحياء ، واختلف فى القراءة بالالحان فكرهها مالك والجمهور ولخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم ولذا قال فى قاضى خان لا ينبغى ان يقدم فى التراويح « الخوشخوان » بل يقدم « الدرستخوان » فان الامام اذا حسن الصوت يشغل عن الخشوع والتدبر والتفكر انتهى ، واباحها ابو حنيفة وجماعة من السلف للاحاديث لأن ذلك سبب للرقة واثارة الخشية كما فى فتح القريب ، قال فى اصول الحديث اذا جلس الشيخ من اهل الحديث مجلس التحديث يفتتح بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيأ من القرآن انتهى وانما استحب تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها مالم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فان افرط زاد حرفا او اخفى حرفا حرام كما فى ابكار الافكار : قال الشيخ سعدى
به ازروى زيباست اواز خوش ... كه اين حظ نفست وآن قوت روح (9/280)
ورأى عليه السلام ليلة المعراج ملكا لم ير قبله مثله وكان اذا سبح اهتز العرش لحسن صوته كان بين يديه صندوقان عظيمان نم نور فيهما براءة الصائمين من عذاب النار وتفصيله فى مجالس النفائس لحضرة الهدائى قدس سره ، وقال سهل قدس سره المراد بالزور مجالس المبتدعين ، وقال ابو عثمان قدس سره مجالس المدعين وكذا كل مشهد ليس لك فيه زيادة فى دينك بل تنزل وفساد { واذا مروا } علىطريق الاتفاق { باللغو } اى ما يجب ان يلغى ويطرح مما لاخير فيه : وبالفارسية [ بجيزى نايسنديده ] وقال فى فتح الرحمن يشمل المعاصى كلها وكل سقط من فعل او قول ، وقال الراغب اللغو من الكلام مالا يعتد به هو يعد ذلاقه روية وفكر فيجرى مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور { مروا } حال كونهم { كراما } جمع كريم يقال تكرم فلان عما يشينه اذا تنزه واكرم نفسه عنه ، قال الرغب الكرم اذا وصف الله به فهو اسم لاحسانه وانعامه المتظاهر واذا وصف به الانسان فهو اسم للاخلاق والافعال المحمودة التى تظهر منه ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه .
والمعنى معرضين عنه مكرمين انفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الاغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن الصريح به ، قال فى كشف الاسرار قيل اذا ارادوا ذكر النكاح وذكر الفروج كنوا عنه فالكرم ههنا هو الكناية والتعريض وقوله عز وجل { كانا يأكلان الطعام } كناية عن البول والخلاء وقد كنى الله عز وجل فى القرآن عن الجماع بلفظ الغشيان والنكاح والسر والاتيان والافضاء واللمس والمس والدخول والمباشرة والمقاربة فى قوله { ولا تقربوهن } والطمث فى قوله { لم يطمثهن } وهذا باب واسع فى العربية ، قال الامام الغزالى اما حد الفحش وحقيقته فهو التعبير عن الامور المستقبحة بالعبارات الصريحة واكثر ذلك يجرى فى الفاظ الوقاع وما يتعلق به واهل الصلاح يتحاشون من التعرض لها بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز وبذكر ما يقاربها ويتعلق بها مثلا يكنون عن الجماع بالمس والدخول والصحبة وعن التبول بقضاء الحاجة وايضا لا يقولون قالت زوجتك كذا بل يقال قيل فى الحجرة او قيل من وراء السترة او قالت ام الاولاد كذا وايضا يقال لمن به عيب يستحيى منه كالبرحة والقرع والبواسير العارض الذى يشكوه وما يجرى مجراه وبالجلمة كل ما يخفى ويستحى منه فلا ينبغى ان يذكر الفاظه الصريحة فانه فحش والفاحش يحشر يوم القيامة فى صورة الكلب ، قال الشيخ سعدى [ ريشى اندرون جامه داشّم حضرت شيخ قدس سره هر روز برسيدى كه ريشت جونست ونبرسيدى كه كجاست دانستم كه ازان احتراز ميكند كه ذكر هو عضوى روانباشد وخرد مندان كفته اند هركه سخن نسنجد ازجوابش برنجد ] (9/281)
تانيك ندانى كه سخن عين صوابست ... بايدكه بكفتن دهن ازهم نكشايى
كرراست سخن كويى ودربند بمانى ... به زانكه دروغت دهد ازبند رهايى
والمراد ان الصدق اولى وان لزم الضرر على نفس القائل واما جواز الكذب فانما هو لتخليص الغير ودفع الفتنة بين الناس وهو المراد من قوله [ دروغ مصلحت آميزبه ازراست فتنة انكيز ] نسأ الله تعالى ان يجعلنا من الصادقين المخلصين بل من الصديقين المخلصين ويحشرنا مع الكرماء الحلماء والعلماء الادباء انه الموفق للاقوال الحسنة والافعال المستحسنة .
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)
{ والذين اذا ذكروا } وعظوا : وبالفارسية [ بنداده شوند ] { بآيات ربهم } المشتملة على المواعظ والاحكام { لم يخروا عليها } خر سقط سقوطا يسمع منه خرير والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذل مما يسقط من علو { صما } دمع اصم وهو فاقد حاسة السمع وبه يشبه من لايصغى الى الحق ولا يقبله { وعميانا } جمع اعمى وهو فاقد حاسة البصر . والمعنى لم يقفوا على الآيات حال كونهم صما لم يسمعوا لها وعميا لم يبصروها بل اكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية وانتفعوا بها ، قال الكاشفى [ بكوش هوش شنيديد وبديده بصريت جلوات جمال آنرا ديدند حاصلى آنكه از آيات الهى تغافل نورزيدند ] انهى وانما عبر عن المعنى المذكور بنفى الضد تعريضا لما يفعله الكفرة والمافقون فالمراد من النفى الصمم والعمى دون الخرور وان دخلت الاداة عليه . (9/282)
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
{ والذين يقولون ربنا } [ اى بروردكارما ] { هب لنا } [ بنجس مارا ] وهو امر من وهب يهب وهبا وهبة . والهبة ا ن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض وبوصف الله بالواهب والوهاب بمعنى انه يعطى كلا على قدر استحقاقه { من ازواجنا } [ از زنان ما ] وهو جمع زوج يقال لكل ما يقترن بآخر مماثلا له او مضادا زوج واما زوجة فلغة رديئة كما فى المفردات { وذرياتانا } [ وفرزندان ما ] وهو جمع ذرية اصلها صغار الاولاد ثم صار عرفا فى الكبار ايضا ، قال فى القاموس ذرأ الشىء كثره ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين { قرة اعين } [ كسى كه روشنىء ديدها بود ] اى بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل فان المؤمن اذا ساعده اهله فى طاعة الله يسر بهم قلبه وتقربهم عينه لما يرى من مساعدتهم له فى الدين وتوقع لحوقهم به فى الجنة حسبما وعد بقوله { الحقنا بهم ذرياتهم } فالمراد بالقرور المسئول تفضيلهم بالفضائل الدينية لا بالمال والجاه والجمال ونحوها . وقرة منصوب على انه مفعول هب وهى اما من القرار ومعناه ان يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه عن النظر الى البرد فقروا العين على هذا يكون كناية عن الفرج والسرور فان دمع العين عند السرور بارد وعند الحزن حار . ومن اما ابتدائية على معنىهب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح او بيانية على انها حال كأنه قيل هب لنا قرة اعين ثم فسرت القرة وبينت بقوله { من ازواجنا وذرياتنا } ومعناه ان يجعلهم الله لهم قرة اعين وهومن قولهم رأيت منك اسدا اى انت اسد قال بعضهم (9/283)
نعم الا له على العباد كثيرة ... والجهن نجابة الاولاد
قال الشيخ سعدى قدس سره
زن خوب فرمان بر بارسا ... كند مرد درويش را بادشا
جومستور باشد زن خوب روى ... بديداروى در بهشت است شوى
{ واجعلنا للمتقين اماما } الامام المؤتم به انسانا كان يقتدى بقوله وفعله او كتابا او غير ذلك محقا كان او مبطلا كما فى المفردات اى اجعلنا بحيث يقتدى بنا اهل التقوى فى اقامة مراسم الدين بافاضة العلم والتوفيق للعمل ، وفى الارشاد والظاهر صدروه عنهم بطريق الانفراد وان عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلنى للمتقين اماما ما خلا انه حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير للقصد الى الايجاز على طريقة قوله تعالى { يايها الرسل كلوا من الطيبات } وابقى اماما علىحاله ولم يقل ائمة واعادة الموصول فى المواضع السبعة مع كفاية ذكر الصلاة بطريق العطف على صلة الموصول الاول للايذان بان كل واحد مما ذكر فى حيز صلة الموصولات المذكورة وصف جليل على حدته له شأن خطير حقيق بان يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل شىء من ذلك تتمة لذلك وتوسيط العاطف بين الصفة والموصوف لتنزيل الاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى ، قال القفال وجماعة من المفسرين هذه الآية دليل على ان طلب الرياسة فى الدين واجب ، وعن عروة انه كان يدعو بان يجعله الله ممن يحمل عنه العلم فاستجيب دعاؤه ، واما الرياسة فى الدنيا فالسنة ان لا يتقلد الرجل شيأ من القضاء والامارة والفتوى والعرافة بانقياد قلب وارتضائه الا ان يكره عليه بالوعيد الشديد وقد كان لم يقبلها الاوائل فكيف الاواخر
بوحنيفة فضا نكرد وبمرد ... تو بميرى اكر قضا نكنى (9/284)
يقول الفقير ان قلت قول الشيخ ابى مدين قدس سره آخر ما يخرج من رؤس الصديقين حب الجاه قد يفسر فيه الخروج بالظهور فما معناه قلت ان الصديقين لما استكملوا مرتبة الاسم الباطن احبوا ان يظهروا بمرتبة الاسم الظاهر ليكون لهم حصة من كمالات الاسماء الآلهية كلها وهذا المعنى لا يقتضى التقلد المعروف كابناء الدنيا بل يفكى ان تنتظم بهم مصالح الدنيا بأى وجه كان ولقد شاهدت من هذا ان شيخى الاجل الا كمل قدس سره رأى فى بعض مكاشفاته انه سيصير سلطانا فلم يمض الا قليل حتى استولى البغاة على القسطنطينية وحاصروا السلطان ومن يليه فلم تندفع الفتنة العامة الا بتدبير حضرة الشيخ حيث دبر تدبيرا بليغا كوشف عنه فاستأصل الله البغاة واعتق السلطان المؤمنين جميعا فمثل هذا هو الظهور بالاسم الظاهر وتمامه فى كتابنا المسمى الفيض هذا قال فى كشف الاسرار [ جابر بن عبدالله كفت بيش امير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله عنه حاضر بودم كه مردى بنزدوى آمد وبرسيدكه يا امير المؤمنين { وعباد الرحمن } الخ نزول اين آيت درشان كيست وايشان جه قوم اندكه رب العالمين ايشانرا نامزد كرد جابر كفت على رضى الله عنه آن ساعت روى بامن كرد وكفت يا جابر تدرى من هؤلاء هيج دانى كه ايشان كه اند واين آيت كجافر وآمد كفتم يامير المؤمنين نزلت بالمدينة بمدينة فرو آمد اين آيت كفت نه ياجابر كه اين آيت بمكه فرو آمد يا جابر { الذين يمشون على الارض هونا } ابو بكر بن ابى فحافة است اورا حليم قريش ميكفتند بدكاركه رب العزة اورا بعز اسلام كرامى كرد اورا درم مسجد مكه از هوش برفته ازيس كه كفار بنى مخزوم وبنى اميه اورا زده بودند وبنوتيم از بهر او خصومت كردند يابنى مخزوم اورا بخانه بردند همجنان ازهوش برفته جون باهوش آمد مادر خودرا ديد بربالين وى تشسته كفت يامه اين محمد محمد كجاست وكاروى بجه رسيد بدرش بو قحافة كفت ] وما سؤالك عنه ولقد اصابك من اجله مالا يصيب احدا لاجل احد [ اى بسرجه جاى آنست كه توزحال محمد برسى ودل بوى جنين مشغول دارى نمى بينى كه برتوجه ميرود ازبهروى اى بسر نمى بينى بنو تيم كه بتعصب توبرخاستند وميكويند اكر توازدين محمد باز كردى وبدين بدران خويش بازآيى ما ثارتو از بنى مخزوم طلب داريم وايشانرا بيجانيم ودمار آريم تاتشفى توبديد كنيم ابو بكر سخت حليم بودبر دبار ومتواضع سربر داشت وكفت ( اللهم اهد بنى مخزوم فانهم لا يعلمون يأمروننى بالرجوع عن الحق الى الباطل ) رب العزة اورا بستود در آن حلم ووقار وسخنان ازاد وارودرحق وى كفت
{ الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } يا جابر { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } سالم است مولى ابو حذيفة كه همه شب درقيام بودى متعبد ومتهجد { والذين يقولون ربنا اصرفن عنا عذاب جهنم } او ذر غفاريست كه بيوسته بابكاوجزن بودى ازبيم دوزخ واز آتش قطيعت تارسول خدا اورا كفت ( ياباذر هذا جبريل يخبرنى ان الله تعالى اجارك من النار ) { والذين اذا انفقوا لم يسرفوا } الخ ابو عبيدة است انفق ماله على نفسه وعلى اقربائه فرضى الله فعله { والذين لايدعون مع الله الها آخر } الخ على بن ابى طالب است كه هركزبت نبرستيد وهركز زنانكرد وقتل بى حق نكرد { والذين لايشهدون الزور } سعيد بن زيد بن عمر وبن نفيل است خطاب بن نفيل درعى بفروخت بس بشيمان شد سعيدرا كفت تو دعوى كن كه آن درع جدمرابود عمرو بن نفيل وخطاب را دران حقى نه تاترا رشوتى دهم سعيد كفت مرا برشوت تو حاجتى نيست ودروغ كفتن كار من نيست فرضى الله فعله { والذين اذا ذكروا } الخ سعيد بن ابى وقاص است { والذين يقولون ربنا } الخ عمر بن الخطاب است ايشانرا اجمله بدين صفات ستوده واخلاق بسنديده كه نتايج اخلاق مصطفاست يادركرد آنكه كفت ] . (9/285)
أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75)
{ اولئك } المتصفون بما فصل فى حيز صلة الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم به والمستجمعون لهذه الخصال وهو مبتدأ خبره قوله تعالى { يجزون الغرفة } الجزاء الغناء والكفاية والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شرا فشر . والغرف رفع الشىء او تناوله يقال غرفت الماء والمرق والغرفة الدرجة العالية من المنازل لكل بناء مرتفع عال اى يثابون اعلى منازل الجنة وهى اسم جنس اريد به الجمع كقوله تعالى { وهم فى الغرفات آمنون } ودر فصول عبدالوهاب [ كوشكهاست برجهار قائمة نهاده از سيم وزر ولؤلؤ ومرجان ] { بما صبروا } ما مصدرية ولم يقيد الصبر بالمتعلق بل اطلق ليشيع فى كل مصبور عليه . والمعنى بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات ومن ذلك الصوم قال عليه اللام « الصوم نصف الصبر والصبر نصف الايمان » اى فيكون الصوم ربع الايمان وهو اى الصوم قهر لعدو الله فان وسيلة الشيطان الشهوات وانما تقوى الشهوات بالاكل والشرب ولذلك قال عليه السلام م « ان الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع » (9/286)
جوع باشد غداى اهل صفا ... محنت وابتلاى اهل هوا
جوع تنوير خانه دل تست ... اكل تعمير خانه كل تست
خانه دل كذا شتى بى نور ... خانه كل جه ميكنى معمور
وفى الحديث « ان فى الجنة لغرفا مبنية فى الهواء لاعلاقة من فوقها ولا عماد لها من تحتها لا يأتيها اهلها الا شبه الطير لا ينهالها الا اهل البلاء » اى الصابرون منهم .
وفى التأويلات النجمية { اولئك يجزون الغرفة } من مقام العندية فى مقعد صدق عند مليك مقتدر { بما صبروا } فى البداية على اداء الاوامر وترك النواهى وفى الوسط على تبديل الاخلاق الذميمة بالاخلاق الحميدة وفى النهاية على افناء الوجود الانسانى فى الوجود الربانى انتهى ، والصبر ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا الى الله ، قال بعض الكبار من ادب العارف بالله تعالى اذا اصابه ألم ان يرجع الى الله تعالى بالشكوى رجوع ايوب عليه السلام ادبا مع الله واظهارا للعجز حتى لا يقاوم القهر الالهى كما يفعله اهل الجهل بالله ويظنون انهم اهل تسليم وتفويض وعدم اعتراف فجمعوا بين جهالتين { ويلقون فيها } اى فى الغرفة من جهة الملائكة { تحية } [ التلقية : جيزى بيش كسى را آرودن ] يعدى الى المفعول الثانى بالباء وبنفسه كما فى تاج المصادر يقال لقيته كذا وبكذا اذا استقبلته به كما فى المفردات . والمعنى يستقبلون فيها بالتحية { وسلاما } اى وبالسلام تحييهم الملائكة ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات فان التحبة هى الدعاء بالتعمير والسلام هو الدعاء بالسلامة ، قال فى المفردات التحية ان يقال حياك الله اى جعل لك حياة وذلك اخبار ثم يجعل دعاء ويقال حيى فلان فلانا تحية اذا قال له ذلك واصل التحية من الحياة ثم جعل كل دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول حياة اوسبب حياة اما الدنيا واما لآخرة ومنه التحيات لله والسلام والسلامة التعرى عن الآفات الظاهرة والباطنة وليست السلامة الحقيقة الا فى الجنة لان فيها بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعزا بلا ذل وصحة بلا سقم ، قال بعضهم الفرق ان السلام سلامة العارفين فى الوصول عن الفرقة التحية روح تجلى حياة الحق الازلى على ارواحهم واشباحهم فيحيون حياة ابدية ، وقال بعضهم ويلقون فيها تحية يحيون بها بحياة الله وسلاما يسلمون به من الاستهلاك الكلى كام استحفظ ابراهيم عليه السلام من آفة البرد بالسلام بقوله تعالى
{ كونى بردا وسلاما على ابراهيم } (9/287)
سلامت من دلخسته درسلام توباشد ... زهى سعادت اكر دولت سلام تويابم
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)
{ خالدين فيها } حال من فعل يجزون اى حال كونهم لايموتون ولايخرجون من الغرفة { حسنت } الغرفة { مستقرا ومقاما } من جهة كونها موضع قرار واقامة و هو مقابل ساءت مستقرا معنى ومثله اعرابا ، فعلى العاقل ان يتهيأ لمثل هذه الغرفة العالية الحسنة بما سبق من الاعمال الفاضلة المستحسنة ولا يقع فى مجرد الامانى والآمال فان الامنية كالموت بلا اشكال (9/288)
وبقدر الكدّ والتعب تكتسب المعالى ... ومن طلب العلى جد فى الايام والليالى
قال بعض الكبار من اراد ان يعرف بعض محبة الحق او محبته له فلينظر الى حاله الذى هو عليه من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه والائمة المجتهدين بعده فان وجد نفسه على هداهم واخلاقهم من الزهد والورع وقيام الليل على الدوام وفعل جميع المأمورات الشرعية وترك جميع المنهيات حتى صار يفرح بالبلايا والمحن وضيق العيش وينشرح لتحويل الدنيا ومناصبها وشهواتها عنه ليعلم ان الله يحبه والا فليحكم بان الله يبغضه والانسان على نفسه بصيرة . وفى الاكثار من النوافل توطئة لمحبة الله تعالى قال عليه السلام حاكيا عن الله تعالى « ماتقرب المتقربون الىّ بمثل اداء مافرضت عليه ولايزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل حتى احبه » ومن آثار محبته تعالى لعبده المطيع له اعطاء الغرفة العالية له فى الجنة لعلو قدره ومنزلته عنده واذا وقع التجلى الالهى يكونون جلوسا على مرابتهم فالانبياء على المنابر والاولياء على الاسرة والعلماء بالله على الكراسى والمؤمنون المقلدون فى توحيدهم على مراتب وذلك الجلوس كله يكون فى جنة عدن عند الكثيب الابيض واما من كان موحدا من طريق النظر فى الادلة فيكون جالسا على الارض وانما نزل هذا عن الرتبة التى للمقلد فى التوحيد لانه تطرقه الشبه من تعارض الادلة والمقالات فى الله وصفاته فمن كان تقليده للشارع جزما فهو اوثق ايمانا ممن يأخذ توحيده من النظر فى الادلة ويؤؤلها ، واعلم ان الله تعالى انما ذكر الغرفة فى الحقيقة لاجل الطامعين الراغبين فيها واما الخواص عباده فليس لهم طمع فى شىء سوى الله تعالى فلهم فوق الغرفة ونعيمها نعيم آخر تشير اليه التحية والسلام على تقدير ان يكونا من الله تعالى اذ لايلتذ العاشق بشىء فوق ما يلتذ بمطالعة جمال معشوقه وسماع كلامه وخطابه حكى انه كان لبعضهم جار نصرانى فقال له اسمل على ان اضمن لك الجنة فقال النصرانى الجنة مخلوقة لاخر لها ثم ذكر له الحوار والقصور فقال اريد افضل من هذا
صحبت نخواهم بود عين قصور ... فقال اسلم على ان اضمن لك رؤية الله تعالى فقال الآن وجدت ليس شىء افضل من رؤية الله فاسلم ثم مات فرآه فى المنام على مركب فى الجنة فقال له انت فلان قال نعم قال مافعل الله بك قال لما خرج روحى ذهب به الى العرش فقال الله تعالى آمنت بى شوقا الى لقائى فلك الرضى والبقاء .
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
{ قل } يا محمد للناس كافة { مايعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم } هذا بيان لحال المؤمنين منهم وما استفهامية محلها النصب على المصدر او نافية وما يعبأ مايبالى ولا يعتد كا فى القاموس ما اعبأ بفلان مابالى وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه ودعاؤكم مبتدأ خبره موجود او واقع وهو مصدر مضاف الى الفاعل بمعنى العبادة كما فى قوله تعالى { والذين لايدعون مع الله الها آخر } ونظائره والمعنى . على الاستفهامية أى عبىء واعتبار يعتبركم ربى ويبالى ويعتنى بشأنكم لولا عبادتكم وطاعتكم له تعالى فان شرف الانسان وكرامته بالمعرفة والطاعة والا فهو وسائر الحيوانات سواء ، وقال الزجاج أى وزن ومقدار يكون لكم عند الله تعالى لولا عبادتكم له تعالى وذلك ان اصل العبىء بالكسر والفتح بمعنى الثقل والحمل من أى شىء كان فمعنى ما اعبأ به فى الحقيقة ما ارى له وزنا وقدرا واليه جنح الامام الراغب فى الآية هذه وفى الآية معان آخر والاظهر عند المحققين ما ذكرناه { فقد كذبتم } بيان لحال الكفرة من الناس اى فقط كذبتم ايها الكفرة بما اخبرتكم به حيث خالفتموه وخرجتم عن ان يكون لكم عند الله اعتناء بشأنكم واعتبار او وزن ومقدار { فسوف يكون لزاما } مصدر كالقتال اقيم مقام الفاعل كما يقام العدل فى مقام العادل اى يكون جزاء التكذيب او اثره وهو الافعال المتفرعة عليه لازما يحيق بكم لا محالة حتى يكبكم فى النار اى يصرعكم على وجوهكم كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم مابعدها لما قبلها وانما اضمر من غير ذلك للايذان بغاية ظهوره وتهويل امره للتنبيه على انه مما لايكتنهه الوصف والبيان ، وعن بعضهم ان المراد بالجزاء جزاء الدنيا وهو ماوقع يوم بدر قتل منهم واسر سبعن ثم اتصل به عذاب الآخرة لازمالهم : قال الشيخ سعدى قدس سره (9/289)
رطب ناورد جوب خر زهره بار ... جه تخم افكنى برهمان جشم دار
واعلم ان الكفار ابطلوا الاستعداد الفطرى وافسدوا القوى بالاهمال فكان حالهم كحال النوى فانه محال ان ينبت منه الانسان تفاحا فاصل الخلق والقوة لا يتغير البتة ولكن كما ان فى النوى امكان ان يخرج ما فى قوته الى الوجود وهو النخل بالتفقد والتربية وان يفسد بالاهمال والترك فكذا فى الانسان امكان اصلاح القوة وافسادها ولولا ذلك لبطل فائدة المواعظ والوصايا والوعد والوعيد والامر والنهى ولا يجوز العقل ان يقال للعبد لم فعلت ولم تركت وكيف يكون هذا فى الانسان ممتنعا وقد وجدناه فى بعض البهائم ممكنا فالوحشى قد ينتقل بالعادة الى التأنس والجامح الى السلاسة فالتوحيد والتصديق والطاعة امر ممكن من الانسان بازالة الشرك والتكذيب والعصيان وقد خلق لاجلها كما قال ابن عباس رضى الله عنهما فى الآية قل ما يعبأ بخلقكم ربى لولا عبادتكم وطاعتكم اياه .
يعنى انه خلقكم لعبادته كما قال { وما خلقت الجن والانس الا ليعدبون } فالحكمة الالهية والمصلحة الربانية من الخلق هى الطاعة وافعال الله تعالى ون لم تكن معللة بالاغراض عند الاشاعرة لكنها مستتبعة لغايات جليلة ، قال الامام الراغب الانسان فى هذه الدار الدنيا كما قال امير المؤمنين على بن ابى طالب كرم والله وجهه الناس سفر والدار دار ممر لادار مقر وبطن امه مبدأ سفره والآخرة مقصده وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله وشهوره فراسخه وايامه امياله وانفاسه خطاه ويسار به سير السفينة براكبها كما قال الشاعر (9/290)
رأيت اخا الدنيا وان كان ثاويا ... اخا سفر يسرى به وهو لايدرى
وقد دعى الى دار السلام لكن لما كان الطريق اليها مشكلة مظلمة جعل الله لنا من العقل الذى ركبه فينا وكتبه التى انزلها علهيا نورا هدايا ومن عبادته التى كتبها علينا وامر نابها حصنا واقيا فمن قال هذه الطاعات جعلها الله عذابا علينا من غير تأويل كفر فان اوّل مراده بالتعب لايكفر ولو قال لو لم يفرض الله تعالى كان خيرا لنا بلا تأويل كفر لان الخير فيما اختاره الله الا ان يؤول ويريد بالخير الا هون والاسهل نسأل الله ان يسهلها علينا فى الباطن والظاهر والاول والآخر؟
طسم (1)
{ طسم } الحروف المقطعة فى اوائل السور يجمعها قولك ( سرّ حصين قطع كلامه ) واولى ما قال اهل التفسير فى حق هذه الحروف الله اعلم بمراده لانها من الاسرار الغامضة كما قال ابو بكر الصديق رضى الله عنه « ان لكل كتاب سرا وسر القرآن فى المقطعات » كما فى رياض الاذكار والمعانى المتعقلة بالاسرار والحقائق لايعلمها الا الله ومن اطعله ا لله عليها من الراسخين فى العلم وهم العلماء بالله فلا معنى للبحث عن مرتبة ليس للسان حظ منها ولا للقلم نصيب واما اللوازم التى تشير الى الحقائق فلبيانها مساغ فانها دون الحقائق وفى مرتبة والى الالو يشير قول ابن عباس رضى الله عنهما فى { طسم } عجزت العلماء عن تفسيرها كما فى فتح الرحمن والى الثانى يشير مافى كشف الاسرار حيث قال بالفارسية [ روايت كنند از على رضى الله عنه كه كفته آنكه كه { طسم } از آسمان فرود آمد رسول خدا عليه السلام كفت « طاء » طور سيناست و « سين » سكندريه و « ميم » مكه معنى آنست والله اعلم كه رب العزة سوكند يادكرد باين بقاع شريف جنانكه ] لا اقسم بهذا البلد . اما جبل طور سينا الذى بين الشام ومدين فهو محل مناجاة موسى عليه السلام وكلامه مع الله تعالى ومقام التجلى كما قال { فلما تجلى ربه للجبل } وهذا الدبل اذا كسرت حجارته يخرج من وسطها صورة العوسج على الدوام وتعظيم اليهود لشجرة العوسج لهذا المعنى ويقال لشجرة العوسج شجرة اليهود . واما الاسكندرية فهى آخر مدن المغرب ليس فى معمور الارض مثلها ولا فى اقاصى الدنيا كشكلها وعدت مساجدها فكانت عشرين الف مسجد نقل ان المدينة كانت سبع قصبات متوالية وانما اكلها البحر ولم يبقى منها الا قصبة واحدة وهى المدينة الآن وصار منار المرآة الاسكندرية فى البحر لغلبة الماء على قصبة المنار ، وقصة المرآة أنه كان فى اعلا المنار الذى ارتفاعه ثلاثمائة ذراع الى القبة مرآة غريبة قد عملها الحكماء للاسكندر يرى فيها المراكب من مسيرة شهر وكان بالمرآة اعمال وحركات تحرق المراكب فى البحر اذا كان فيها عدو بقوة شعاعها فارسل صاحب الروم يخدع صاحب مصر ويقول ان الاسكندر قد كنز على المنار كنزا عظيما من الجواهر النفيسة فان صدقت فبادر الى اخراجها وان شككت فانا ارسل لك مركبا مملوأ من ذهب وفضة واقمشة لطيفة ومكننى من استخراجها ولك ايضا من الكنز ما تشاء فانخدع لذلك وظنه حقا فهدم القبة فلم يجد شيأ وفسد طلسم المرآة . واما مكة المشرفة المكرمة فهى مدينة قديمة غنية عن البيان وفيها كعبة الاسلام وقبلة المؤمنين والحج اليها احد اركان الدين ، ويقال الطاء طوله اى قدرته . (9/291)
والسين سناؤه اى رفعته . والميم ملكه ومجده فاقسم الله بهذه ، ويقال يشير الى طاء طيران الطائرين بالله والى . سين السائرين الى الله . والى ميم مشى الماشين لله فالاول مرتبة اهل النهاية والثانى مرتبة اهل التوسط والثالث مرتبة اهل البداية ولكل سالك خطوة ولكل طائر جناح ، ويقال الطاء اشارة الى طهارة اسرار اهل التوحيد . والسين اشارة الى سلامة قلوبهم عن مساكنة كل مخلوق . والميم اشارة الى منة الخالق عليهم بذلك ، وقال سيد الطائفة الجنيد قدس سره الطاء طرب التأبين فى ميدان الرحمن . والسين سرور العازفين فى ميدان الوصلة . والميم مقام المحبين فى ميدان القربة . (9/292)
وقال نجم الدين قدس سره يشير الى طاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين . والى سين سيادته على الانبياء والمرسلين . والى ميم مشاهدة جمال رب العالمين ، وقال الامام جعفر الصادق رضى الله عنه اقسم الله بشجرة طوبى وسدرة المنتهى ومحمد المصطفى بقوله { طسم } فالطاء شجرة طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد المصطفى عليه الصلاة والسلام . واما سر اصطفاء طوبى فان الله تعالى خلق جنة عدن بيده من غير واسطة وجعلها له كالقلعة للملك وجعل فيها الكثيب مقام تجلى الحق سبحانه وفيه مقام الوسيلة لخير البرية وغرس شجرة طوبى بيده فى جنة عدن واطالها حتى علت فروعها سرو جنة عدن ونزلت مظلة على سائر الجنان كلها وليس فى اكمامها ثمر الا الحلىّ والحلل لباس اهل الجنة وزينتهم ولها اختصاص فضل لكونها خلقها الله بيده ولذلك كانت اجمع الحقائق الجنانية نعمة واعمها بركة فانها لجميع اشجار الجنة كآدام عليه السلام ولما ظهر من البنين وما فى الجنة نهر الا وهو يجرى من اصل تلك الجنة وهى محمدية المقام . واما سر اجتباء سدرة المنتهى فهى شجرة بين الكرسى والسماء السابعة لافنانها حنين بانواع التسبيحات والتحميدات والترجيعات عجيبة الا لحان تطرب بها الارواح والقلوب وتزيد فى الاحوال وهى الحد البرزخى بين الدارين سماها المنتهى لان الارواح اليها تنتهى وتصعد عمال اهل الارض من السعداء واليها تنزل الاحكام الشرعية وام فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملائكة السموات فى الوتر فكان امام الانبياء فى بيت المقدس وامام الملائكة عند سدرة المنتهى فظهر بذلك فضله على اهل الارض والسماء كما فى تفسير التيسير وهى مقام جبريل يسكن فى ذروتها كما ان مقر العقل وسط الدماغ وذلك لان جبريل سدرة العقل ومقامه اشارة الى مقام العقل وهو الدماغ ولذلك من رأى جبريل فانما رأى صورة عقله لان جبريل لايرى من مقام تعينه لغير الانبياء عليهم السلام . واخر الميم المشاربه الى محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم لسر الختمية وكما ان ختم الانبياء بسيد المرسلين كذلك ختم حروف الهجاء بالياء المشتمل عليها لفظ الميم فقد جمع الله فى القسم بقوله { طسم } ثلاث حقائق وهى اصول الحقائق كلها .
الاولى حقيقة جنانية نعيمة جامعة وهى شجرة طوبى ولذا اودعها الله فى المقام المحمدى لكونها جامعة للنعم الجنانية ومقسما لها كما ان النبى عليه السلام مقسم العلوم والمعارف وانواع الكمالات . والثانية حقيقة برزخية جامعة لحقائق الدارين وهى شجرة سدرة المنتهى فاغصانها نعيم لاهل الجنة واوصلها زقوم لاهل النار لانها فى مقعر فلك البروج وهو الفلك الاعظم ويسمى فلك الافلاك لانه يجمع الافلاك وايضا الفلك الاطلس لانه غير مكوكب كالثوب الاطلس الخالى عن النقش ومقعر سطحيه اى الفلك الاعظم يماس محدب الفلك الثوابت ومحدبه لا يماس شيأ اذ ليس وراءه شىء لاخلاء ولاملاء بل عنده ينقطع امتدادات العالم كلها ، وقيل فى ورائه افلاك من انوار غير متناهية ولا قائل بالخلاء فيما تحت الفلك الاعظم بل هو الملأ كذا فى كتب الهيئة وعند الصوفية المقام الذى يقال له لاخلاء ولاملاء فوق عالم الارواح لا فوق العرش ، قال فى شرح التقويم ولما كان المذكور فى الكتب الالهية السموات السبع زعم قوم من حكماء الملة ان الثامن هو الكرسى والتاسع هو العرش وهذا يناسب قوله تعالى { وسع كرسيه السموات والارض } والثالثة حقيقة الحقائق الكلية وهى الحقيقة المحمدية لقد اقسم الله فى { طسم } باجمع الحقائق كلها لفضلها على جميع الحقائق لان الحقيقة المحمدية حقيقة الحقائق وروحها دنيا وبرزخا وآخره ولهذا ختم به الحقائق (9/293)
هر دو عالم بسته فتراك او ... عرض وكرسى كرده قبله خاك او
بيشواى اين جهان وآن جهان ... مقتداى آشكارا ونهان
وقال بعض كبار المكاشفين لا يعرف حقائق الحروف المقطعة فى اوائل السور الا اهل الكشف والوجود فانها ملائكة واسماؤهم اسماء الحروف وهم اربعة عشر ملكا لان مجمع المقطعات من غير تكرار اربع عشر آخرهم { ن والقلم } وقد ظهروا فى منازل القرآن على وجوه مختلفة فمنازل ظهر فهيا ملك واحد مثل « ن ص » ومال ظهر فيها اثنا مثل { طس ويس وحم } ومنازل ظهر فيها ثلاثة مثل { الم وطسم } ومنازل ظهر فيها اربعة مثل { المص والمر } ومنازل ظهر فيها خمسة مثل { كهيعص وحمعسق } وصورها مع التكرار تسعة وسبعون ملكا بيد كل ملك شعبة من الايمان فان الايمان بضع وسبعون شعبة والبضع من واحد الى تسعة فقد استعمل فى غاية البضع ، فاذا نطق القارى بهذه الحروف كان مناديا لهم فيجيبونه يقول القارى { الم } فيقول هؤلاء الثلاثة من الملائكة ماتقول فيقول القارى ما بعد هذه الحروف فيقال بهذا الباب الذى فتحت ترى عجائب وتكون هذه الارواح الملكية التى هى الحروف اجسامها تحت تسخيره وبما بيدها من شعب الايمان تمده وتحفظ عليه ايمانه ، قال فى ترجمة وصايا الفتوحات [ ازجلمه شعب ايمان شهادتست بتوحيد ونماز كزاريدن وزكاة دادن وروزه داشتن وحج كزاريدن ووضوء ساختن واز جنابت غسل كردن وغسل روز جمعه وصبر وشكر وورع وحيا وامان ونصيحت وطاعت اولو الامر وذكر حق كرفتن ورنج خود از خلق برداشتن وامانت ادا كردن ومظلوم را يارى دادن وترك ظلمه كردن وكسى را خوار ناداشتن وترك غيبت وترك نميمت وترك بخس كردن وجون درخانه كسى خواهى در آمدن دستورى خواستن وخشم را خوابانيدن واعتبار كرفتن وقول نيكورا سماع كردن وبر آنجه نيكوترست دفع كردن وقول بدرا بجهر ناكفتن وبكلمه طيب اتيان كردن وحفظ فرج زبان وتوبه وتوكل وخشوع وترك لغو يعنى سخن بيهوده وترك مالا يعنى وحفظ عهد وميثاق ووفا نمودن وبرتقوى يارى دادن وبراثم وعدوان بارى نادادن وتقوى را ملازم بودن ونيكويى كردن وصدق ورزيدن وامر معروف كردن ونهى منكر وميان دومسلمان اصلاح كردن وازبهر خلق دعا كردن ورحمت خواستن وبزرك را مكرم داشتن وبحدود الله قيام نمودن وترك دعوىء جاهليت كردن واز بس يكديكر بدنا كفتن وباهم ديكر دشمنى ناكردن وكواهى دروغ وقول دروغ ناكفتن وترك همز ولمز وغمز يعنى بيش وبس بدنا كفتن وبجشم نازدن وغمازى ناكردن وبجماعات حاضر شدن وسلام راخاص كردن وبيكديكر هديه فرستادن وحسن خلق وحسن عهدى وسر نكاه داشتن ونكاح دادن وبنكاح كرفتن وحب اهل بيت وحب زنان وبوى خوش دوست داشتن وحب انصار وتعظيم شعائر وترك عيش وبر مؤمن سلاح نداشتن وتجهيز مرده كردن وبر جنازه نماز كزاردن وبيمار برسيدن وآنجه درراه مسلمانان زحمت باشد درو كردن وهرجه براى نفس خود دوست ميدارى براى هريك از مؤمنان دوست داشتن وحق تعالى ورسول اورا ازهمه دوستر داشتن وبكفر بازنا كشتن وبملائكه وكتب ورسل وهرجه ايشان ازحق آورده اند ايمان داشتن ] وغير ذلك مما اشتمل عليه الكتاب والسنة وهى كثيرة جدا وفى الحديث
« الايمان بضع وسبعون شبعة افضلها قول لا اله الا الله وادناها اماطة الاذى عن الطريق الحياء شعبة من الايمان » انتهى وهى خصال اهل الايمان ولم يرد تعديدها باعيانها فى حديث واحد واهل العلم عدوا ذلك على وجوه واقصى ما يتناوله لفظ هذا الحديث تسعة وسبعون ، قال الامام النسفى فى تفسير التيسير وانا اعدها على ترتيب الختاره وعلى الاجتهاد فاقول بدأ فيه بالتهليل والذى يليه التكبير والتسبيح والتحميد والتمجيد والتجريد والتفريد والتوبة والانابة والنظافة والطهارة والصلاة والزكاة والصيام والقيام والاعتكاف والحج والعمرة والقربان والصدقة والغزوز والعتق وقراءة القرآن وملازمة الاحسان ومجانبة العصيان وترك الطغيان وهجر العدوان وتقوى الجنان وحفظ اللسان والثناء والدعاء والخوف والرجاء والحياء والصدق والصفاء والنصح والوفاء والندم والبكاء والاخلاص والذكاء والحلم والسخاء والشكر فى العطية والصبر فى البلية والرضى بالقضية والاستعداد للمنية واتباع السنة وموافقة الصحابة وتعظيم اهل الشيبة والعطف على صغار البرية والاقتداء بعلماء الامة والشفقة على العامة واحترام الخاصة وتعظيم اهل السنة واداء الامانة اظهار الصيانة والاطعام والانعام وبر الايتام وصلة الارحام وافشاء السلام وصدق الاستسلام وتحقيق الاستعصام والزهد فى الدينا والرغبة فى العقبى والموافقة للمولى ومخالفة الهوى والحذر من لظى وطلب جنة المأوى وبث الكرم وحفظ الحرم والاحسان الى الخدم وطلب التوفيق وحفظ التحقيق ومراعاة الجار والرفيق وحسن الملكة فى الرقيق وادناها اماطة الاذى عن الطريق فمن استكمل الوفاء بشعب الايمان نال بوعد الله كمال الامان وهو الذى قال الله تعالى فيه (9/294)
{ الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون } (9/295)
تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)
{ تلك آيات الكتاب المبين } تلك مبتدأ خبره مابعده اى هذه السورة آيات القرآن الظاهر اعجازه وصحة انه كلام الله ولو لم يكن كذلك لقدروا على الاتيان بمثله ولما عجزوا عن المعارضة فهو من ابان بمعنى بان او ظهر او المبين للاحكام الشرعية وما يتعلق بها . (9/296)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان هذه الحروف المقطعة ههنا وفى اوائل السور ليست من قبيل الحروف المخلوقة بل من قبيل آيات الكتاب المبين القديمة اذ كل حرف منها دال على معادن كثيرة كالآيات .
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)
{ لعلك باخع نفسك } لعل للاشفاق اى الخوف والله تعالى منزه عنه فهو بالنسبة الى النبى عليه السلام يقال بخع نفسه قتلها غما وفى الحديث « اتاهم اهل اليمن هم ارق قلوبا وابخع طاعة » فكانهم فى قهرهم نفوسهم بالطاعة كالباخعين اياها واصل البخع ان يبلغ بالذبح والبخاع وذلك اقصى حد الذبح وهو بالكسر عرق فى الصلب غير النخاع بالنون مثلثة فانه الخيط الذى فى جوف الفقار ينحدر من الدماغ ويتشعب منه شعب فى الجسم والمعنى اشفق على نفسك وخف ان تقلتها بالحزن بلا فائدة وهو حث على ترك التأسف وتصبير وتسل له عليه السلام ، قال الكاشفى [ جو قريش قرآ نرا ايمان نياوردند وحضرت رسالت سبحانه وتعالى بجهت تسلى دل مقدس وى فرمودكه مكرتو يا محمد هلاك كننده وكشنده نفس خودرا ] { ان لايكونوا مؤمنين } مفعول له بحذف المضاف اى خيفة ان لايؤمن قريش بذلك الكتاب المبين فان الخوف والحزن لا ينفع فى ايمان من سبق حكم الله بعدم ايمانه كما ان الكتاب المبين لم ينفع فى ايمانه فلا تهتم فقد بلغت ، قال فى كشف الاسرار [ اى سيد اين مشتى بيكانكان كه مقهور سطوت وسياست ماند ومطر وددركاه عزت ما تودل خويش بايشان جرا مشغول دارى وازانكار ايشان برخود جرا رنج نهى ايشانرا بحكم ما تسليم كن وباشغل من آرام كير ] . (9/297)
وفى التأويلات النجمية يشير الى تأديب النبى عليه السلام لئلا يكون مفرطا فى الرحمة والشفقة على الامة فانه يؤدى الى الركون اليهم ان التفريط فى ذلك يؤدى الى الفظاعة وغلظ القلب بل يكون مع الله مع المقبل والمدبر
ترا مهر حق بس زجمله جهان ... برو ازنقوش سوى ساده باش
بهار وخزانرا همه در كذر ... جوسرو سهى دائم آزاده باش
ثم بين ان ايمانهم ليس مما تعلقت به مشيئة الله تعالى .
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)
{ ان نشأ } [ اكرماخواهيم ] { ننزل عليهم من السماء آية } دالة ملجئة الى الايمان كانزال الملائكة او بلية قاسرة عليه كآية من آيات القيامة { فظلت } فصارت ومالت اى فتظن { اعناقهم } اى رقابهم : وبالفارسية [ بس كردد كردنهاى ايشان ] { لها } اى لتلك الآية { خاضعين } منقادين فلا يكون احد منهم يميل عنقه الى معصية الله ولكن لم نفعل لانه لا عبرة بالايمان المبنى على القسر والالجاء كالايمان يوم القيامة واصله فظلوا لها خاضعين فان الخضوع صفة اصحاب الاعناق حقيقة فاقحمت الاعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع وترك الخبر على حاله ، وفيه بيان ان الايمان والمعرفة موهبة خاصة خارجة عن اكتساب الخلق فى الحقيقة فاذا حصلت الموهبة نفع الانذار والتبشير والا فلا فلبيك على نفسه من جبل على الشقاوة : وقال الحافظ (9/298)
جون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست ... آن به كه خود بعنايت رها كنند
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)
{ وما يأتيهم من ذكر } من موعظة من المواعظ القرآنية او من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم كل تذكير وتنبهم اتم تنبيه كانها نفس الذكر { من الرحمن } بوحيه الى نبيه دل هذا الاسم الجليل على ان اتيان الذكر من آثار رحمة الله تعالى على عباده { محدث } مجدد انزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير فلا يلزم حدوث القرآن { الا كانوا عنه معرضين } الاجددوا اعراضا عن ذلك الذكر وعن الايمان به واصرارا على ما كانوا عليه واستثناء مفرغ من اعم الاحوال محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم باضمار قد وبدونه على الخلاف المشهور اى ما يأتيهم من ذكر فى حال من الاحوال الا حال كونهم معرضين عنه . (9/299)
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6)
{ فقد كذبوا } بالذكر عقيب الاعراض فالفاء للتعقيب اى جعلوه تارة سحرا واخرى شعرا ومرة اساطير { فسيأتيهم } البتة من غير تخلف اصلا والفاء للسببية اى لسبب اعراضهم المؤدى الى التكذيب المؤدى الى الاستهزاء { انبؤا ما كانوا به يستهزئون } اى اخبار الذكر الذى كانوا يستهزئون به من العقوبات العاجلة والآجلة التى بمشاهدتها يقفون على حقيقة حال القرآن بانه كان حقا او باطلا وكان حقيقا بان يصدق ويعظم قدره او يكذب فيستخف امره كما يفقون على الاحوال الخافية عنهم باستماع الانباء وفيه تهويل له لان النبأ لايطلق الا على خبر خطير له وقع عظيم ، قال الكاشفى [ وبعد ازظهور نتايج تكذيب بشيمانى نفع ندهد امروز بدان مصلحت خويش كه فردا دانى وبشيمان شوى وسودندارد ] (9/300)
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7)
{ أو لم يروا } الهمزة للانكار التوبيخى والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى افعل المكذبون من قريش ما فعلوا من الاعراض عن الآيات والتكذيب والاستهزاء بها ولم ينظروا { الى الارض } اى الى عجائبها الزاجرة عما فعلوا الداعية الى الاقبال الى اعرضوا { كم انبتنا فيها } [ جند برويانيديم در زمين بعد از مردكى وافسردكى ] { من كل زوج كريم } [ ازهر صنفى كياه نيكو وبسنديده جون رياحين وكل نسرين وبنفشه وياسمين وشكوفهاى رنكا رنك وبركهاى كونا كون ] وسائر نباتات نافعة مما يأكل الناس والانعام ، وقال اهل التفسير كم خبرية منصوبة بما بعده على المفعولية والجمع بينها وبين كل لان كل للاحاطة بجميع ازواج النبات وكم لكثرة المحاط به من الازواج من كل زوج اى صنف تمييز والكريم من كل شىء مرضيه ومحموده يقال وجه كريم اى مرضى فى حسنه وجماله كتاب كريم مرضى فى معانيه وفوائده وفارس كريم مرضى فى شجاعته وبأسه . والمعنى كثر من كل صنف مرضى كثير المنافع انبتنا فيها وتخصيص النبات النافع بالذكر دون ماعداه من اصناف الضار وان كان كل نبت متضمنا لفائدة وحكمه لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا ، واعلم انه سبحانه كما انبت من ارض الظاهر كل صنف ونوع من النبات الحسن الكريم كذلك انبت فى ارض قلوب العارفين كل نبت من الايمان والتوكل واليقين والاخلاص والاخلاق الكريمة كما قال عليه السلام « لا اله الا الله ينبت الايمان كما ينبت البقل » ، قال ابو بكر بن طاهر اكرم زوج من نبات الارض آدم وحواء فانهما كانا سببا فى اظهار الرسل والانبياء والاولياء والعارفين ، قال الشعبى الناس من نبات الارض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار فهو لئيم . (9/301)
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)
{ ان فى ذلك } اى فى الانبات المذكور او فى كل واحد من تلك الاصناف { لآية } عظيمة دالة على كمال قدرة منبتها وغاية وفور علمه ونهاية سعة رحمته موجبة للايمان زاجرة عن الكفر { وماكان اكثرهم } اى اكثر قومه عليه السلام { مؤمنين } مع ذلك لغاية تماديهم فى الكفر والضلالة وانهما كهم فى الغى والجهالة وكان صلة عند سيبويه لانه لو حمل على معنى اكثرهم فى علم الله وقضائه لتوهم كونهم معذورين فى الكفر بحسب الظاهر وبيان موجبات الايمان من جهته تعالى يخالف ذلك ، يقول الفقير قوله تعالى { ان نشأ ننزل } الآية ونظائره يدل على المعنى الثانى ولا يلزم من ذلك المعذورية لانهم صرفوا اختيارا الى جانب الكفر والمعصية وكانوا فى العلم الازلى غير مؤمنين بحسب اختيارهم ونسبة عدم الايمان الى اكثرهم لان منهم من سيؤمن . (9/302)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
{ وان ربك لهو العزيز } الغالب القادر على الانتقام من الكفرة { الرحيم } المبالغ فى الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يأخذهم بغتة ، وقال فى كشف الاسرار يرحم المؤمن الذين هم الاقل بعد الاكثر . (9/303)
وفى التأويلات النجمية بعزته قهر الاعداء العتاة وبرحمته ولطفه ادرك اولياء بجذبات العناية ، وعن السرى السقطى قدس سره قال كنت يوما اتلكم بجامع المدينة فوقف علىّ شاب حسن الشباب فاخر الثياب ومعه اصحابه فسمعنى اقول فى وعظى عجبا لضعيف يعصى قويا فتغير لونه فانصرف فلما كان الغد جلست فى مجلسى واذا به قد اقبل فسلم وصلى ركعتين وقال يسارى سمعتك بالامس تقول عجبا لضعيف كيف يعصى قويا فما معناه فقلت لا اقوى من الله ولا اضعف من العبد وهو يعصيه فنهض فخرج ثم اقبل من الغد وعليه ثوبان ابيضان وليس معه احد فقال ياسرى كيف الطريق الى الله تعالى فقلت ان اردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل وان اردت الله فاترك كل شىء سواه تصل اليه وليس الا المساجد والمحراب والمقابر فقام وهو يقول والله لاسلكت الا اصعب الطرق وولى خارجا فلما كان بعد ايام اقبل الىّ غلمان كثير فقلوا ما فعل احمد بن يزيد الكاتب فقلت لاعرف الا رجلا جاءنى من صفته كذا وكذا وجرى لى معه كذا وكذا ولا اعلم حاله فقالوا بالله عليك متى عرفت حاله فعرفنا ودلنا على داره فبقيت سنة لاعرف له خبرا فبينا انا ذات ليلة بعد العشاء الآخرة جالس فى بيتى اذ بطارق يطرق الباب فاذنت له فى الدخول فاذا بالفتى عليه قطعة من كساء فى وسطه واخرى على عاتقه ومعه زنبيل فيه نوى فقبل بين عينى وقال يا سرى اعتقك الله من النار كما اعتقنى من رق الدنيا فاومأت الى صاحبى ان امضى الى اهله فاخبرهم فمضى فاذا زوجته قد جاءت ومعها ولده وغلمانه فدخلت والقت الولد فى حجره وعليه حلى وحلل وقالت ياسيدى ارملتنى وانت حىّ وايتمت ولدك وانت حىّ قال السرى فنظر الىّ وقال يا سرى ماهذا وفاء ثم اقبل عليها وقال والله انك لثمرة فؤادى وحبيبة قلبى وان هذا ولدى لاعز الخلق علىّ غير ان هذا السرى اخبرنى ان من اراد الله قطع كل ما سواه ثم نزع ماعلى الصبى وقال ضعى هذا فى الاكباد الجائعة والاجساد العارية وقطع قطعة من كسائه فلف فيها الصبى فقالت المرأة لا ارى ولدى فى هذه الحالة وانتزعته منه فحين رأها قد اشتغلت به نهض وقال ضيعتم علىّ ليلتى بينى وبينكم الله وولى خارجا وضجت المرأة بالبكاء فقالت ان عدت ياسرى سمعت له خبرا فاعلمنى فقلت ان شاء الله فلما كان بعد ايام اتتنى عجوز فقالت ياسرى بالشونيزبة غلام يسألك الحضور فمضيت فاذا به مطروح تحت رأسه لبنة فسلمت عليه ففتح عينيه وقال ترى يغفر تلك الجنايات فقلت نعم قال يغفر لمثلى قلت نعم قال انا غريق قلت هو منجى الغرقى فقال على مظالم فقلت فى الخبر انه يؤتى بالتائب يوم القيامة ومعه خصومه فيقال لهم خلوا عنه فان الله تعالى يعوضكم فقال ياسرى معى دارهم من لقط النوى اذا انامت فاشتر ما احتاج الهي وكفنى ولا تعلم اهلى لئلا يغيروا كفنى بحرام فجلست عنده قليلا ففتح عليه وقال لمثل هذه فليعمل العاملون ثم مات فاخذت الدراهم فاشتريت ما يحتاج اليه ثم سرت نحوه فاذا الناس يهرعون اليه فقلت مالخبر فقيل مات ولىّ من اولياءي الله نريد ان نصلى عليه فجئت فغسلته ودفناه فلما كان بعد مدة وفد اهله يستعلمون خبره فاخبرتهم بموته فاقبلت امرأته باكية فاخبرتها بحاله فسألتنى ان اريها قبره فقلت اخاف ان تغيروا اكفانه قالت لا والله فاريتها القبر فبكت وامرت باحضار شاهدين فاحضرا فاعتقت جواريه ووقفت عقارها وتصدقت بمالها ولزمت قبره حتى ماتت رحمة الله عليهما
جون كند كحال عنايت ديده باز ... اينجنين باشد بدنيا اهل راز (9/304)
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
{ واذ نادى ربك موسى } اذ منصوب باذكر المقدر والمناداة والنداء رفع الصوت واصله من الندى وهو الرطوبة واستعارته للصوت من حيث ان من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق . والمعنى اذكر يا محمد لقومك وقت نداءه تعالى وكلامه موسى اى ليلة رأى الشجرة والنار حين رجع من مدين وذكرهم بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم اياه وحذرهم ان يصيبهم مثل ماصابهم { ان ائت } تفسير نادى فان مفسرة بمعنى اى والاتيان مجيىء بسهولة . والمعنى قال له يا موسى ائت { القوم الظالمين } انفسهم بالكفر والمعاصى واستعباد بنى اسرائيل وذبح ابنائهم . (9/305)
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)
{ قوم فرعون } بدل من القوم والاقتصار على القوم للايذان بشهرة ان فرعون اول داخل فى الحكم { ألا يتقون } استئناف لا محل له من الاعراب وألا تحضيض على الفعل اتبعه ارساله اليهم لانذار وتعجيبا من غلوهم فى الظلم وافراطهم فى العدون اى ألا يخافون الله ويصرفون عن انفسهم عقابه بالايمان والطاعة : وبالفارسية [ آيا نمى ترسند يعنى بايد كه سند ارز عذاب حضرت الهى ودست از كفر بدارند وبنى اسرائيل را بكذارند ] . (9/306)
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12)
{ قال } استئناف كأنه قيل فماذا قال موسى فقيل قال متضرعا الى الله تعالى { رب } [ اى بروردكار من ] { انى اخاف } الخوف توقع مكروه عن امارة مظنونة او معلومة كما ان الرجاء والطمع توقع محبوب عن امارة مظنونة او معلومة { ان يكذبون } ينكروا نبوتى وما اقول من اول الامر ، قال بعض الكبار خوفه كان شفقة عليهم وصله يكذبونى فحذفت الياء استغناء بالكسر . (9/307)
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13)
{ ويضيق صدرى } [ وتنك شود دل من ازانفعال تكذيب ] كان فى موسى حده وهو معطوف على اخاف وكذا قوله { ولا ينطلق لسانى } [ ونكشايد زبان من وعقده كه دارد زياده كاردد ] فان الانطلاق بالفارسية [ كشاده شدن وبشدن ] والمراد هنا هو الاول واللسان الجارحة وقوتها قال الله تعالى { واحلل عقدة من لسانى } يعنى يعنى من قوة لسانى فان العقدة لم تكن جارحة وانما كانت فى قوتها التى هى النطق بها كما فى المفردات { فارسل } جبريل عليه السلام { الى هرون } ليكون معينا لى فى التبليغ فانه افصح لسانا وهو اخوه الكبير : وبالفارسية [ اورا شريك من كردان برسالت تا باعانت او زند فرعونيان روم ] ، واعلم ان التكذيب سبب لضيق القلب وضيق القلب سبب لتعسر الكلام على من يكون فى لسانه حبسة لانه عند ضيق القلب ينقبض الروح والحرارة الغريزية الى باطن القلب واذا انقبضا الى الداخل ازدادت الحبسة فى اللسان فلهذا بدأ عليه السلام بخوف التكذيب ثم ثنى بضيق الصدر ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان وسأل تشريك اخيه هارون فانه لو لم يشرك به فى الامر لاختلفت المصلحة المطلوبة من بعثة موسى وسبب عقدة لسانه عليه السلام احتراقه من الجمرة عند امتحان فرعون كما قال العطار (9/308)
همجو موسى اين زمان درطشت آتش مانده ايم ... طفل فرعونيم ما كان ودهان براخكرست
ولم تحتق اصابعه حين قبض على الجمرة لتكون فصاحته بعد رجوعه الى فرعون بالدعوة معجزة ولذا قال بعضهم من قال كان اثرم ذلك الاحتراق على لسانه بعد الدعوة فقد اخطأ ، قال بعض الكبار ينبغى للواعظ ان يراقب الله فى وعظه ويجتنب عن تكلم ما يشين بجمال الانبياء ويهتك حرماتهم ويطلق ألسنة العامة فى حقهم ويسيىء الظن بهم والا مقته الله وملائكته .
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)
{ ولهم } اى لقوم فرعون { علىّ } اى بذمتى { ذنب } اى جزاء ذنب وموجبه فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه والمراد به قتل القبطى دفعا عن السبطى وانما سماه ذنبا على زعمهم ، وقال الكاشفى [ وايشانرا برمن دعوى كناهست مراد قتل قبطيست وبزعم ايشان كناه ميكويد ] { فاخاف } ان اتيتهم وح