تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير روح البيان |
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)
{ ودخل } صاحب الجنتين وهو قطروس { جنته } بصاحبه يطوف به فيها ويعجبه منها ويفاخره بها وتوحيدها يعنى بعد التثنية لاتصال احداهما بالاخرى واما لان الدخول يكون فى واحدة فواحدة . (7/361)
وقال الشيخ افردها ارادة للروضة { وهو } اى والحال انه { ظالم لنفسه } ضار لها يعجب بماله وكفره بالمبدأ والمعاد وهو اقبح الظلم كأنه قيل فماذا قال اذ ذاك { قال ما اظن } كثيرا ما يستعار الظن للعلم لان الظن الغالب يدانى العلم ويقوم مقامه فى العادات والاحكام ومنه المظنة للعلم { ان تبيد } تفنى وتهلك وتنعدم من باد اذا ذهب وانقطع { هذه } الجنة { ابدا } الابد الدهر وانتصابه على الظرف والمراد هنا المكث الطويل وهو مدة حياتهه لا الدوام المؤبد اذ لا يظنه عاقل لدلالة الحس والحدس على ان احوال الدنيا ذاهبة باطلة فلطول امله وتمادى غفلته واغتراره بمهلته قال بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنته والاغترار بها وامره بتحصيل الباقيات الصالحات .
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)
{ وما اظن الساعة } اى القيامة التى هى عبارة عن وقت البعث { قائمة } كائنة فيما سيأتى { ولئن رددت } والله لئن رجعت { الى ربى } بالبعث على الفرض والتقدير كما زعمت فليس فنيه دلالة على انه كان عارفا بربه مع ان العرفان لا ينافى الاشراك وكان كافرا مشكرا . (7/362)
قال فى البرهان قال تعالى { ولئن رددت الى ربى } وفى حم { ولئن رجعت الى ربى } لان الرد عن الشئ يتضمن كراهة المردود ولما كان فى الكهف تقديره ولئن رددت عن جنتى هذه التى اظن ان لا تبيد ابدا الى ربى كان لفظ الرد الذى يتضمن الكراهة اولى وليس فى حم ما يدل على كراهته فذكر بلفظ الرجع ليقع فى كل سورة ما يليق بها { لاجدن } يومئذ { خيرا منها } من هذه الجنة { منقلبا } تمييز اى مرجعا وعاقبة ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة اعتقاده انه تعالى انما اولاه فى الدنيا لاستحقاقه الذاتى وكرامته عليه سبحانه وهو معه اينما توجه ولم يدر ان استدراج . يعنى [ مقتضاى استحقاق من آنست كه فردا بهشت بمن دهد جنانجه امروز اين باغ بمن داده ] فقول من قال انه كريم رحيم يعطينى فى الآخرة خيرا مما اعطانى فى الدنيا وهو مخالف لاوامره ونواهيه غاية الغرور بالله كما قال { ايها الانسان ما غرك بربك الكريم } الى قوله { وان الفجار لفى جحيم }
آتشى خوش برفروزيم ازكرم ... تانماندجرم وزلت بيش وكم
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)
{ قال له صاحبه } اى اخوه المؤمن وهو استئناف كما سبق { وهو يحاوره } اى والحال ان القائل يخاطبه ويجادله : قال فى الاررشاد وفائدة هذه الجملة الحالية التنبيه من الامر الاول على ان ما يتلو كلام معنى بشأنه مسوق للمحاروة { أكفرت } حيث قلت ما اظن الساعة قائمة فانه شك فى صفات الله وقدرته { بالذى خلقك } اى فى ضمن خلق اصلك آدم عليه السلام { من تراب } فانه متضمن بخلقه منه اذ هو انموذج مشتمل اجمالا على جميع افراد الجنس وهمزة الاستفهام للتقريير والامكان بمعنى ما كان ينبغى ان تكفر ولم كفرت بمن اوجدك من تراب اولا { ثم من نطفة } اى من منى فى رحم امك ثانيا وهى مادتك القريبة { ثم سواك } جعلك معتدل الخلق والقامة حال كونك { رجلا } انسانا ذك ابالغا مبلغ الرجال . (7/363)
قال فى القاموس الرجل بضم الجيم وسكونها معروف او انما هو اذا احتلم وشب .
لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)
{ لكنا هو الله ربى } اصله لكن انا فحذفت الهمزة بنقل حركتها الى نون لكن او بدون نقل على خلاف القياس فتلاقت النونان فكان الادغام اثبت جميع القراء الفها فى الوقف وحذفوها فى الوصل غير ابن عامر فانه اثبتها فى الوصل ايضا لتويضها من الهمزة اولا جراء الوصل مجرى الوقف وهو ضمير الشأن مبتدأ خبره الله ربى وتلك الجملة خبرانا والعائد منها اليه ياء الضمير فى ربى والاستدراك من قوله أكفرت كأنه قال لاخيه انت كافر بالله لكنى مؤمن موحد فوقع لكن بين جملتين مختلفتين فى النفى والثابت { ولا اشرك بربى احدا } فيه ايذان بان كفره كان بطريق الاشراك . (7/364)
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)
{ ولولا اذ دخلت جنتك قلت } وهلا قلت عند دخول جنتك { ما شاء الله } ما موصولة خبر مبتدأ محذوف اى الامر ما شاء الله واللام فى الامر للاستغراق والمراد تحضيضه على الاعتراف بانها وما فيها بمشيئة الله تعالى ان شاء ابقاها على حالها عامرة وان شاء افناها وجعلها خربة { لا قوة الا بالله } اى هلا قلت ذلك اعترافا بعجزك وبان ما تيسر لك من عمارتها وتدبيرها انما هو بمعونته تعالى واقداره وفى الحديث « من رأى شيأ فاعجبه فقال ما شاء الله لا قوة الا بالله » لم تضره العين وفى الحديث « من رأى احدا اعطى خيرا من اهل او مال فقال عنده ما شاء الله لا قوة الا بالله لم ير فيه مكروها » وفسر النبى عليه السلام معنى لا حول ولا قوة الا بالله فقال « لا حول تحول عن معاصى الله الا بعصمه الله ولا قوة على طاعة الله الا بالله » وروى « انها دواء من تسعة وتسعين داء ايسرها الهمّ » { ان ترن انا اقل منك مالا وولدا } اصله ان ترنى والرؤية اما بصرية فاقل حال واما علمية فهو مفعول ثان والاول ياء المتكلم المحذوفة وانا على التقديرين تأكيد للياء . (7/365)
فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)
{ فعسى } لعل { ربى ان يؤتين } اصله يؤتيننى { خيرا من جنتك } هذه فى الآخرة بسبب ايمانى لان الجنة الدنيوية فانية والاخروية باقية والجملة جواب الشرط { ويرسل عليها } على جنتك فى الدنيا { حسبانا من السماء } عذابا يرميها به من برد او صاعقة او نار . (7/366)
قال فى القاموس الحسبان بالضم جمع حساب والعذاب والبلاء والشر والصاعقة .
يقول النقير انما توقعه فى حقه لعلمه بان الكفران مؤد الى الخسران وان الاعجاب سلب للخراب كما قال تعالى { ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم } فكلامه هذا جواب عن قول صاحبه المنكر ما اظن ان تبيد هذه ابدا { فتصبح } الاصباح هنا بمعنى الصيرورة اى تصير جنتك { صعيدا زلقا } مصدر اريد به المفعول مبالغة اى ارضا ملساه يزلق عليها بملاصقتها باستئصال نباتها واشجارها وجوز القرطبى ان تكون زلقا من زلق رأسه اى حلقه والمراد انه لا يبقى فيها نبات كالرأس المحلوق فزلقا بمعنى مزلوق ايضا .
أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
{ او يصبح ماؤها غورا } اى غائرا فى الارض ذاهبا لا تناله الايدى ولا الدلاء فاطلق هذا المصدر مبالغة { فلن تستطيع } تقدر ابداله { له } اى للماء الغائر { طلبا } فضلا عن وجدانه ورده . (7/367)
قال فى الجلالين لا يبقى له اثر تطلبه به .
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)
{ واحيط بثمره } عطف على مقدر كانه قيل فوقع بعض توقعه من المحذور واهلك امواله المعهودة التى هى جنتاه وما حوتاه مأخوذ من احاط به العدو لانه اذا احاط به فقد غلبه واستولى عليه فيهلكه { فاصبح } صار { يقلب كفيه } ظهر البطن تأسفا وتحسرا كما هو عادة النادمين فان النادم يضرب يديه واحدة على الاخرى . (7/368)
قال فى بحر العلوم تقليب الكفين وعض الكف والانامل واليدين واكل البنان وحرق الاسنان ونحوها كنايات عن الندم والحسرة لانها من رواد فها تطلق الردافة على المردوف فيرتقى الكلام به الى الذروة العليا ويزيد الحسن بقبول السامع ولانه فى معنى الندم عدى تعديته بعلى كأنه قيل فاصبح يندم { على ما انفق } [ برآن جيزى خرج نموده بود اول ] { فيها } فى عمالتها من المال : وفى المثنوى
بر كذشته حسرت أوردن خطاست ... باز نايد رفته ياد آن هباست
ولعل تخصيص الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما انه انما يكون على الافعال الاختيارية .
يقول الفقير الظاهر ان الانفاق انما هو لتملكها فالتحسر على ماله مغن عن التحسر على الجنة لانها بدله وهذا شائع فى العرف كما يقول بعض النادمين قد صرفت لهذا كذا وكذا مالا وقد آل عمره الى الهلاك متحسرا على المال المصروف { وهى } اى الجنة من الاعناب المحفوفة بنخل { خاوية } خالية ساقطة يقال خوت الدار خويا تهدمت وخلت من اهلها { على عروشها } دعائمها المصنوعة للكروم سقطت عروشها على الارض وسقط فوقها الكروم وتخصيص حالها بالذكر دون النخل والزرع لكونها العمدة قيل ارسل الله عليها نارا فارحتقها وغار ماؤها { ويقول } عطف على يقلب { يا ليتنى } [ كاشكى من ] { لم اشرك بربى احدا } كأنه تذكر موعظة اخيه وعلم انه انما اتى من جهة الشرك فتمنى انه كان موحدا غير مشرك حين لم ينفعه التمنى ولما كان رغبته فى الايمان لطلب الدنيا لم يكن قوله هذا توبة وتوحيدا لخلوه عن الاخلاص .
قال ابن الشيخ فى سورة الانعام الرغبة فى الايمان والطاعة لا تنفع الا اذا كانت تلك الرغبة رغبة لكونه ايمانا وطاعة اما الرغبة فيه لطلب الثواب وللخوف من العقاب فغير مفيدة انتهى : وفى المثنوى
آن ندامت از نتيجه رنج بود ... نى زعقل روشن جون كنج بود
جونكه شدرنج آن ندامت شد عدم ... مى نيرزد خاك آن توبه ندم
ميكند او تو به وبرخرد ... بانك لو ردوا لعادوا ميزند
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)
{ ولم تكن له فئة } جماعة { ينصرونه } يقدرون على نصره بدفع الهلاك او على رد الملهك والاتيان بمثله { من دون الله } فانه القادر وحده على نصره بذلك لا غير لكنه لا ينصره لاستحقاقه الخذلان بكفره معاصيه { وما كان منتصرا } ممتنعا بقوته عن انتقامه سبحانه . (7/369)
هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)
{ هنالك } اى فى ذلك المقام وتلك الحال [ دروقت زوال نعمت ] { الولاية لله الحق } اى النصرة له تعالى وحده لا يقدر عليها احد وهو تقرير لقوله تعالى { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } او ينصر فيها اولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم كما نصر بما فعل بالكافر اخاه المؤمن وحقق ظنه وترك عدوه مخذولا مقهورا ويؤيده قوله تعالى { هو } اى الله تعالى رخير ثوابا وخير عقبا } بمعنى العاقبة اى لاوليائه . (7/370)
قال سعدى المفتى وعقبى يشمل العاقبة الدنيوية ايضا كما لا يخفى .
قال فى الجلالين افضل ثوابا ممن يرجى ثوابه وعاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره .
واعلم ان هذه القصة مشتملة على فوائد كثيرة واعظمها ان التوحيد وترك الدنيا سبب للنجاة فى الدارين والشرك وحب الدنيا سبب للهلاك فيهما .
وعن وهب بن منبه انه قال جمع عالم من علماء بنى اسرائيل سبعين صندوقا من كتب العلم كل صندوق سبعون ذراعا فاوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان ان قل لهذا العالم لا تنفك هذه العلوم وان جمعت اضعافا مضاعفة ما دام معك ثلاث خصال حب الدنيا ومرافقة الشيطان وايذاء مسلم وذلك ان فعرون علم نبوة موسى عليه السلام ولكن منعه حب الدنيا والرياسة عن المتابعة فلم ينفعه علمه المجرد وكذا علم ابليس حال آدم عليه السلام واليهود حال نبينا صلى الله عليه وسلم وما سعدوا بمجرد علمهم وما وجدوا خير عاقبة ولو عملوا بما وعظوا لنجوا وفى المثنوى
كرجه ناصح را بود صد داعيه ... بند را اذ نى ببايد واعيه
تو بصد تلطيف بندش مى دهى ... او ز بندت ميكند بهلوا تهى
بك كس ن مستمع زاستيز ورد ... صد كس كوينده را عاجز كند
انبيا ن صح تروخوش لهجة تر كى بود كه رفت دمشان درحجر آنجنان دلها كه بدشان وما ومن ... نعتشان شد بل اشد قسوة
ألا يرى لم ينجع فيه وعظ اخيه المسلم لزيادة قسوة قلبه فآلت عاقبته الى الندامة .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)
{ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } اى اذكر لقوم وبين ما يشبهها فى زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يطمئنوا ولا يعكفوا عليها ولا يعرضوا عن الآخرة بالكلية كما استئناف لبيان المثل اى هى كماء { انزلناه من السماء } [ ازسحاب يازجانب سما ] ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء وحده بل بمجموع ما فى حيز الاداة { فاختلط به نبات الارض } التف وتكاثف بسببه حتى خالط بعضه بعضا : يعنى [ قوت كرفت ونشو نماى خود بكمال رسانيد وزمين بدو تازه وخرم شد ] { فاصبح } فصار ذلك النبات الملتف اثر بهجته { هشيما } مهشوما مكسورا ليبسه من الهشم وهو كسر الشئ الرخو { تذروه الرياح } تحمله وتفرقه يقال ذرت الريح الشئ واذرته وذرته اطارته واذهبته وذرا هو بنفسه والحمنطة نقاها فى الريح كما فى القاموس . (7/371)
وهذه الآية مختصرة من قوله { انما مثل الحياة الدنيا كماء } الآية .
قال الكاشفى [ همجنين آدمى بزندكى وتازكى كه دارد خوش برآيد همجنين كه نامه عمر ازعنفوان ببايان رسد مقتضى اجل درآمده نهال نهاداورا بصر صرفنا خشك سازد وخرمنهاى از وآرزورا بباد نيستى بردهد ]
بهار عمر بسى دلفريب ورنكينست ... ولى جه سود كه دارد خزان مرك از بى
{ وكان الله على كل شئ } من الانشاء والابقاء والافناء وغير ذلك { مقتدرا } قادرا على الكمال لا يعجزه شئ .
فعلى العاقل ان لا يغتر بالحاية الدنيا فانها فانية ولو طالت مدتها وزائلة ولو اعجبت زينتها : قال الشيخ سعدى قدس سره
جو شيبت درآمد روى شباب ... شبت روزشد ديده بركن زخواب
دريغاكه بكذشت عمر عزيز ... بخواهد كنشت اين دمى جند نيز
فرو رفت جم را يكى نازنين ... كفن كردجون كرمش ابريشمين
بدخنه درآمد بس از جند روز ... كه بروى بكريد بزارى وسوز جو بوشيده ديدش حرير كفن
بفكرت جنين كفت باخويشتن ... من از كرم بركنده بودم بزور
بكندند ازو باز كرمان كور ... در يغاكه بى ما بسى روز كار
برو يد كل وبشكفد نو بهار ... واعلم ان الذى ادركته العنايةالازلية بعد تعلق الروح بالجسد كتعلق الماء بالارض فيبعث الله اليه دهقانا من دهاقين الاولياء والانبياء ومعه بذر الايمان والتوحيد ليلقيه بيد الدعوة وتبليغ الرسالة فى ارض نفسه فيقع منها فى تربة طيبة وهى القلب كما ضرب الله تعالى مثلا { كلمة طيبة كشجرة طيبة } وكقوله { والبلد الطيبة يخرج نباته باذن ربه } فينبت عن بذر التوحيد وهى كلمة لا اله الا الله شجرة الايمان بماء الشريعة فيعلوا به الروح من اسفل سافلين الانسانية الى اعلى درجات الروحانية واقرب منازل قربات الربانية كقوله تعالى { اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } والله تعالى قادر على ان يخذله وينفيه فى اسفل سافلين الجسمانية الحيوانية ليصير الروح العلوى كالانعام بل هو اضل وعلى ان يجذبه بجذبات العنية على اعلى عليين مراتب القرب ليكون مسجودا للملائكة المقربين : قال المولى الجامى
سالكان بى كشش دوست بجايى ترسند ... سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند (7/372)
نسأل الله تعالى ان يجذبنا بسلاسل محبته ويجعلنا من اهل طاعته وقربته .
قال وهب رأيت فى بعض الكتب الدنيا غنيمة الاكياس وغفلة الجهال فالانبياء والاولياء صلوات الله عليهم كانوا فى الدنيا ولم يلتفتوا اليها ولم يرغبوا فيها قالوا ليس كل من دخل المحبس يكون محبوسا فيه بل ربما دخله لاخراج المحبوس واستنقاذ المأسور فالنفوس النبوية ومن يتبعها انما وردت على عالم الكون والفساد لاستنقاذ انفوس المحبوسة المأسورة فكما ان المحبوس اذا اتبع ذلك الداخل خرج ونجا فكلك من اتبع الانبياء فى سننهم ومناهجهم خرج ونجا .
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)
{ المال والبنون زينة الحياة الدنيا } الزينة مصدر فى الاصل اطلق على المفعول مبالغة كأنهما نفس الزينة والمعنى ان ما يفتخر به الناس لا سيما رؤساء العرب من الماء والبنين شئ يتزينون به فى الحياة الدنيا ويفنى عنهم عن قريب . وبالفارسية [ مال وبسران آرايش زندكانئ دنيا آمدندتوشه راه معاد جه باندك زمانى تلف وهدف زوال خواهد شد ] وفى المثنوى (7/373)
همجنين دنيا اكرجه خوش شكفت ... بانك هم زد بيوفايئ خويش كفت
كون مى كويد بيامن خوش بى ام ... وان فسادش كفت رو من لا شى ام
اى زخوبى بهاران لب كزان ... بنكر آن سردى وزردئ خزان
كودكى ازحسن شد مولاى خلق ... بعد فردا شد خرف رسواى خلق
{ والباقيات الصالحات } الباقيات اسم لاعمال الخير لا وصف ولذا لم يذكر الموصوف اى اعمال الخير التى تبقى ثمارتها ابدا لآباد من الصلاة والصوم واعمال الحج وسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ونحو ذلك من الكلم الطيب - روى - انه عليه السالم خرج على قومه فقال { خذوا جنتكم } قالوا يا رسول الله آمن عدو حضر قال « لا بل من النار » قالوا وما جنتنا من النار قال « سبحان الله » الى آخر الكلمات .
قال الكاشفى [ بعض علما برانندكه باقيات صالحات بنات است كه بحكم هن ستر من النار سبب خلاص والدين باشند ] وفى الحديث « من ابتلى » الابتلاء هو الامتحان لكن اكثر استعمال الابتلاء فى المحن والبنات مما تعد منها لان غالب هوى الخلق فى الذكور « من هذه البنات بشئ » من بيانية مع مجرورها حال من شئ « فاحسن اليهن » فسصر الشارح هنا لاحسان بالتزويج بالاكفاء لكن الاوجه ان يعمم الاحسان « كن له سترا من النار » لان احتياجهن اليه كان اكثر حال الصغر والكبر فمن يسترهن بالاحسان يجازى بالستر من النيران كما فى شرح المشارق لابن الملك { خير } من الفانيات الفاسدات من المال ولبنين { عند ربك } اى فى الآخرة { ثوابا } عائدة تعود الى صاحبها { وخير املا } رجاء حيث ينال بها صاحبها فى الآخرة كل ما كان يؤمله فى الدنيا واما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه امل يناله .
والآية تزهيد للمؤمنين فى زينة الحياة الدنيا الفانية وتوبيخ للمفتخرين بها .
قال بعضهم لا ينجو من زينة الحياة الدنيا الا من كان باطنه مزينا بانوا رالمعرفة وضياء المحبة ولمعان الشوق وظاهره مزينا بآداب الخدمة وشرف الهمة وعلو النفس وتغلب زينة باطنه زينة حب الدنيا شوقا منه الى ربه وتغلب زينة ظاهره زينة الدنيا لان زينتها ازين .
وعن الضحاك عن النبى عليه السلام انه قيل يا رسول الله من ازهد الناس قال « من لم ينس القبر والبلى وترك فضول زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد من ايامه غدا وعد نفسه من الموتى » وفى الحديث « قال الله تعالى يفرح عبدى المؤمن اذا بسطت له شيأ من الدنيا وذلك ابعد له منى ويحزن اذا قترت عليه الدنيا وذلك اقرب له منى » ثم تلا عليه السلام هذه الآية { يحسبون انما نمدهم به من مال وبنين لسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون } ان ذلك فتنة لهم : قال الشيخ سعدى (7/374)
كى بارسا سيرت وحق برست ... فتادش يكى خشت زرين بدست
همه شب در انديشه كين كنج ومال ... درو تازيم ره نيابد زوال
دكر قامت عجزم ازبهر خواست ... نيايد بركس دوتا كرد وراست سرابى كنم باى بستش رخام
درختان سقفش همه عود خام ... بكى حجره خاص ازبى دوستان
درحجره اندر سرا بوستان ... بفرسودم ازرقعه بررقعه دوخت
تف ديكران جشم ومغزم بسوخت ... ديكر زير دستان برندم خورش
براخت دهم روح را برورش ... بسختى بكشت اين نمد بسترم
روم زين سبس عبقرى كسترم ... خيالش حزف كرد وكاليوه رنك
بمغزش فرو برده خرجنك جنك ... فراغ مناجات وزارش نماند
خور وخواب وذكر ونمازش نماند ... بصحرا در آمد سراز عشوه مست
كه جايى نبودش قرار نشست ... بكى بر سر كور كل ميسرشت
كه حاصل كند زان كل كور خشت ... بانديشه لختى فرو رفت بير
كه اى نفس كوته نظر بندكير ... جه بندى درين خشت زرين دلت
كه يك روز خشتى كنند از كلت ... توغافل در انديشه سود ومال
كه سرمايه عمر شد بايمال ... بكن سرمه غفلت از جشم باك
كه فردا شوى سهامه در جشنم خاك ...
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)
{ ويوم نسير الجبال } اى اذكر حين نقلعها من اماكنها وتسير فى الجو على هيآتها او تسير اجزاؤها بعد ان نجعلها هباء منبثا والمراد بتذكيره تحذير المشركين مما فيه من الدواهى { وترى } يا محمد او يا كل من يصلح للرؤية { الارض } جميع جوانبها { بارزة } ظاهرة ليس عليها ما يسترها من بجل ولا شجر ولا نبات { وحشرناهم } جمعنا اهل الايمان والكفر الى الموقف من جانب { فلم نغادر } لم نترك { منهم احدا } تحت الارض يقال غادره واغدره اذا تركه ومنه الغدر الذى هو ترك الوفاء والغدير ما غاره السيل وتركه فى الارض الغائرة . (7/375)
وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)
{ وعرضوا } اى الخلائق يوم القيامة يعنى المحشورين { على ربك } على حكمه وحسابه { صفا } مفرد منزل منزلة الجمع كقوله تعالى { ثم يخرجكم طفلا } اى اطفالا والمعنى صفوفا يقف بعضهم وراء بعض غير متفريقين ولا مختلطين شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان ليحكم فيهم بما اراد لا ليعرفهم { لقد جئتمونا } اى فيقال لهم ثمة لقد جئتمونا كائنين { كما خلقناكم اول مرة } حفاة عراة لا شئ من المال والولد . (7/376)
وعن عائشة رضى الله عنها قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة قال « عراة حفاة » قلت والنساء قال « نعم » قلت يا رسول الله نستحيى قال « يا عائشة الامر اشد من ذلك لن يهمهم ان ينظر بعضهم الى بعض »
وفى التأويلات { وعرضوا على ربك صفا } اى صفا صفا من الانبياء والاولياء والمؤمنين والكافرين والمنافقين ويقال لهم { لقد جئتمونا كما خلقناكم اول مرة } فى خمسة صفوف صف من الانبياء وصف من الاولياء وصف من المؤمنين وصف من الكافرين وصف من المنافقين { بل زعمتم } ايها الكافرون المنكرون المنكرون للبعث والزعم الادعاء الكذب { ان } مخففة من الثقيلة { لن نجعل لكم موعدا } بل للخروج والانتقال من قصة الى اخرى كلاهما للتوبيخ والتقريع اى زعمتم فى الدنيا انه لن نجعل لكم ابدا وقتا ننجز فيه ما وعدناه على ألسنة الانبياء من البعث وما يتبعه .
والآية تشير الى عزته تعالى وعظمته واظهار شظية من صفة جلاله وقهره وآثار عد له لينتبه النائمون من نوم غفلتهم ويتأهب الغافلون باسباب النجاة لذلك اليوم ويصلحوا امر سريرتهم وعلانيتهم لخطاب الحق تعالى وجوابه اذ اليه المرجع والمآب والعرض على الله هو العرض الاكبر ليس كعرض على الملوك .
قال عتبة الخواص بات عندى عتبة الغلام فبكى حتى غشى عليه فقلت ما يبكيك دل ذكر العرض على الله قطع او صل المحبين - حكى - ان سليمان بن عبد الملك وهو سابع خلفاء المروانية قال لابى حازم ما لنا نكره الآخرة قال لانكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتكرهون الانتقال من العمران الى الخراب فقال صدقت يا ابا حازم فياليت شعرى مالنا عند الله تعالى غدا قال ان شئت تعلم ذلك ففى كتاب الله فقال اين اجده فقال فى قوله { ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم } قال فكيف يكون العرض على الله تعالى فقال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله مسرورا واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه محسورا فبكى سليمان بكاء شديدا : قال الشيخ سعدى قدس سره
تريزد خدا آب روى كسى ... كه ريزد كناه آب جشمش بسى
كر آيينه ازآه كردد سياه ... شود روشن آينيه دل زآه
بترس ازكناهان خويش اين نفس ... كه روز قيامت نترسى زكس
بليدى كند كربه در جاى باك ... جو زشتش نمايد بيوشد بخاك
تو آزادى ازنا بسنديدها ... نترسى كه بروى فتد ديدها
بر انديش ازبنده بر كناه ... كه ازخواجه غائب شود جندكاه
اكرباز كردد بصدق ونياز ... بزنجير وبندش نيار ندباز
- روى - عن الفضيل بن عياض رحمه الله انه قال انى لا اغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحاأليس هؤلا ء يعاينون القيامة واهوالها وانما اغبط من لم يخلق لانه لا يرى احوال القيامة وشدائدها وذلك لان من عاين الامر على ما هو عليه اشتد خوفه ولم ير لنفسه حالا ولا مقاما مع ان المرأ لا يخلو عن اسباب منجية ومهلكة فأى الرجال المهذب - روى - ان عمر رضى الله عنه رؤى بعد موته بثنتى عشرة سنة وهو يمسح جبينه ويقول كنت فى الحساب الى الآن وقد نوقشت فى حدى سقط من جسر مكسور فانكسرت رجله على انى لم اجرم له ولم اصلح الجسر حتى سقط . الجدى ولكن غفر الله لى وعفا عنى بسبب عصفور اشترتيه من صبى فارسله . (7/377)
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)
{ ووضع الكتاب } عطف على عرضوا داخل تحت الامور الهائلة التى اريد تذكيرها بتذكير وقتها وضع صحف الاعمال فى ايمان اصحابها وشمائلها او فى الميزان { فترى المجرمين } قاطبة { مشفقين } خائفين { مما فيه } من الذنوب ومن ظهورها لاهل الموقف (7/378)
شد سيه جون نامهاى تعزيه ... بر معاصى متن نامة حاشيه
جمله فسق ومعصيت يد يكسرى ... همجو دار الحرب بر از كافرى
آنجنان نامه بليد وبر وبال ... در يمين نايد در آمد در شمال
خود همينجا نامه خودرا ببين ... دست جب را شايد آن در يمين
جون نباشى راست مى دان كه جبى ... هست بيدا نعره شير وكى
كرجى باحضرت اوراست باش ... تا ببينى دست برد لطفها ش
{ ويقولوان } عند وقوفهم على تضاعفيه نقيرا وقطميرا تعجبا من شأنه { يا ويلتنا } منادين لهلكتهم التى هلكوا بها من بين الهلكات مستدعين لها ليهلكوا ولا يروا هول مالاقوه فان الويل والويلة الهلكة اى يا هلكتنا احضرى وتعالى فهذا اوانك { مال هذا الكتاب } .
قال البقاعى رسم لام الجر وحده اشارة الى انهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكلمة اى أيّ شئ له حال كونه { لا يغادر } لا يترك { صغيرة ولا كبيرة } من الزلل تصدر عن جانيها { الا احصيها } حواها وضبطها .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة .
وعن سعيد بن جبير الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا .
وفى التأويلات النجمية الصغيرة كل تصرف فى شئ بالشهوة النفسانية وان كان من المناجاة والكبيرة التصرف فى الدنيا على حبها وان كان من حالالها لان حب الدنيا رأس كل خطيئة انتهى .
وفى الحديث « اياكم ومحقرات الذنوب فان محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى طبخوا اخبزتهم » وفى الحديث « اياكم ومحقرات الذنوب فانها تجيئ يوم القيامة كامثال الجبال وكفارتها الصدقة » { ووجدوا ما عملوا } فى الدنيا من السيآت او جزاء ما عملوا { حاضرا } مثبتا فى كتابهم .
وفى التأويلات لانهم كتبوا صالح اعمالهم بقلم افعالهم فى صحائف قلوبهم وسوء اعلمالهم فى صحائف نفوسهم وقد يوجد عكس ما فى هذه الصحائف على صفحان الارواح نورانيا او ظلمانيا { ولا يظلم ربك احدا } فيكتب ما لم يعمل من السيآت او يزيد فى عقابه الملائك لعمله فيكون اظهارا لمعدلة القلم الازلى .
وفى التأويلات فان كان النور غالبا على صفحة روحه فهو من اهل الجنة وان كانت الظلمة غالبا عليها فهو هالك من لا يشوب نوره بالظلمة فهو من اهل الدرجات والقربات ومن ادركته الجذبات وبدلت سيآته بالحسنات واخرج الى النور الحقيقى من الظلمات فهو فى مقعد صدق عند مليك مقتدر انتهى .
فعليك بالحسنات والكف عن السيآت فان كل احد يجد ثمرة شجرة اعماله . (7/379)
عن عائشة رضى الله عنها انها كانت جالسة ذات يوم اذا جاءت امرأة قد سترت يدها فى كمها فقالت عائشة مالك لا تخرجين يدك من كمك قالت لا تسألينى يا ام المؤمنين انه كان لى ابوان وكان ابى يحب الصدقة واما امى فكانت تبغض الصدقة فلم ارها تصدقت بشئ الا قطعة شحم وثوبا خلقا فلما ماتا رأيت فى المنام قد قامت القيامة ورأيت امى قائمة بين الخلق واضعة الخلقان على عورتها ورأيت الشحم بيدها وهى تلحسه وتنادى واعطشاه ورأيت ابى على شفير الحوض وهو يسقى الماء ولم يكن عند ابى صدقة احب اليه من سقى الماء فأخذت قدحا من ماء فسقيت امى فنوديت من فوق ألا من سقاها شلت يده فاستيقظت وقد شلت يدى : قال الحافظ قدس سره
دهقان سال خورده جه خوش كفت بايسر ... اى نور جشم من بجز از كشته ندروى
قال الشيخ سعدى قدس سره
كمنون وقت تخمست اكر برورى ... كراميدوارى كه خرمن برى
بشهر قيامت مرو تنكدست ... كه وجهى ندارد بغفلت نشست
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)
{ واذ قلنا للملائكة } اى اذ كر وقت قولنا لهم { اسجدوا لآدم } سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وكان ذلك مشروعا فى الامم السالفة ثم نسخ بالسلام { فسجدوا } جميعا غير الارواح العالية امتثالا للامر وانما لم يسجد الملائكة العالون لأنهم لم يؤمروا بالسجود وقد سبق فى سورة الحجر { الا ابليس } فانه لم يسجد بل ابى واستكبر وكأنه قيل ما باله لم يسجد فقيل { كان من الجن } اى كان اصله جنيا خلق من نار السموم ولم يكن من الملائكة وانما صح الاستثناء المتصل لانه امر بالسجود معهم فغلبوا عليه فى قوله { فسجدوا } ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا كقولك خرجوا الا فلانة لا مرأة بين الرجال . (7/380)
قال فى كتاب التكملة قيل ان المراد بقوله { كان من الجن } اى كان اول الجن لان الجن منه كما ان آدم من الانس لانه اول الانس . وقيل انه كان بقايا قوم يقال لهم الجن كان الله تعالى قد خلقهم فى الارض قبل آدم فسفكوا الدماء وقاتلتهم الملائكة .
وقيل انه كان من قوم خلقهم الله وقال لهم اسجدوا لآدم فابوا فبعث الله عليهم نارا احرقتهم ثم خلق هؤلاء بعد ذلك فقال لهم اسجدوا لآدم ففعلوا وابى ابليس لانه كان من بقية اولئك الخلق .
قال البغوى كان اسمه عزازيل بالسريانية وابالعربية الحارث فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل ابليس لانه ابلس من الرحمة اى يئس والعياذ بالله تعالى { ففسق عن امر ربه } اى خرج عن طاعته فالامر على حقيقته جعل عدم امتثاله للامر خروجا عنه ويجوز ان يكون المراد المأمور به وهو السجود والفاء للسببية لا للعطف اى كونه من الجن سبب فسقه ولو كان ملكا لم يفسق عن امر ربه لان الملك معصوم دون الجن والانس .
قال فى التأويلات النجمية { ففسق عن امر ربه } وخلع قلادة التقليد عن عنقه ليعلم ان الاصيل لا يخطئ وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان كام ان البعرة تشابه المسك وتعارضه فى الصورة فلما امتحانا بالنار تبين المقبول من المردود والمبغوض من المودود : وقال الحافظ قدس سره
خوش بود اكرمحك تجر به آمد يميان ... تاسيه روى شود هركه دروغش باشد
{ أفتتخذونه } الهمزة للانكار والتعجب والفاء اى عقيب علمكم يا بنى آدم بصدور الفسق عن ابليس تتخذونه { وذريته } اى اولاده واتباعه جعلوا ذريته مجازا .
قال الكاشفى [ كويند بمعنى اتباع وتسميه ايشان بذريت ازقبيل مجاز بود واكثر برانتد كه او زذريت نيست ] قيل فى القاموس ذرأكم كجعل خلق ولاشئ كثره ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين انتهى وسيأتى الكلام على هذا { اولياء من دونى } فتستبدلونهم بى فتطيعونهم بدل طاعتى اى ذلك الاتخاذ منكر غاية الانكار حقيق بان يتعجب منه ومعنى الاستبدال منهم من قوله من دونه فان معناه مجاوزين عنى اليهم وهو عين الاستبدال { وهم } اى والحال ان ابليس وذريته { لكم عدو } اى اعداء حقهم ان تعادوهم لا ان توالوهم شبه بالمصادر للموازنة كالقبول { بئس للظالمين بدلا } من الله ابليس وذريته تمييز .
مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)
{ ما اشهدتم } اشارة الى غناه تعالى عن خلقه ونفى مشاركتهم فى الالوهية اى ما احضرت ابليس وذريته { خلق السموات والارض } لاعتضد بهم فى خلقهما واشاورهم فى تدبير امرهما حيث خلقتهما قبل خلقهم . (7/381)
وفيه رد لمن يدعى ان الجن يعلمون الغيب لانهم لم يحضروا خلق السموات والارض حتى يطلعوا على مغيباتهما { ولا خلق انفسهم ولا اشهدت بعضهم خلق بعضهم } كقوله تعالى { ولا تقتلوا انفسكم } { وما كنت متخذ المضلين } اى الشياطين الذين يضلون الناس عن الدين والاصل متخذهم فوضع المظهر موضع المضمر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالاضلال { عضدا } اعوانا فى شأن الخلق وفى شأن من شؤونى حتى يتوهم شركتهم فى التولى بناء على الشركة فى بعض احكام الربوبية .
قال فى القاموس العضد الناصر والمعين وهم عضدى واعضادى انتهى .
اعلم ان الله تعالى منفرد فى الالوهية والكل مخلوق له وقد خلق الملائكة والجن والانس فباين بينهم فى الصورة والاشكال والاحوال .
قال سعيد بن المسيب الملائكة ليسوا بذكور ولا اناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون والجن يتوالدون وفيهم ذكور واناث ويموتون والشياطين ذكور واناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون فى الدنيا كما خلد فيها ابليس وابليس هو ابو الجن وقيل انه يدخل ذنبه فى دبره فيبيض بيضة فتفلق البيضة عن جماعة من الشياطين قال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام سمى من ولد ابليس فى الحديث الاقبص دهامه بن الاقبص وسمى منهم بلزون وهو الموكل بالاسواق وامهم طرطية ويقال بل هى حاضنتهم ذكره النقاش باضت ثلاثين بيضة عشرا فى المشرق وعشرا فى المغرب وعشرا فى وسط الارض وانه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والقطاربة والجان واسماؤهم مختلفة وكلهم عدو لبنى آدم بنص هذه الآية الا من آمن منهم انتهى .
قال الكاشفى [ درتبيان آورده كه جون حق سبحانه وتعالى ابليس را برانداز بهلوى جب او زوجه اوراكه آودنم دارد بيافريد واورا بثمار ريكهاى ببايان فرزندانند وازولاد او بكى مرء است كنيث بدو يافته است وديكر لاقيس موسوس صلوات و « ولهان » بالترحيم الوضوء « وامام احمد غزالى رحمه الله دار اربعين آورده كه شيطان را جند فرزنداست وبانفاق زلنبور ازاولاد او صاحب اسواقست كه بدروغ وكم قروشى وخيانت وسوسه ميكند وابعوال صاحب ابواب زنانست يعنى » صاحب الزنى الذى يأمر به ويزينه « وثبر صاحب مصائب كه بثبور ونوحه وشق جيوب ولطم خدود ودعوى الجاهليةميفرمايد ومبسوط صاحب اراجيفست يعنى » صاحب الكذب الذى يسمع فيلقى الرجل فيخبر بالخبر فيذهب الرجل الى القوم فيقول لهم قد رأيت رجلا اعرف وجهه ما ادرى ما اسمه حدثنى بكذا وكذا « وداسم باخورنده طعام كه بسم الله نكفته باشد شركت ميكند ] .
وفى آكام المرجان داسم هو الذي يدخل مع الرجل واهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم [ ومدهيش موكل علما است كه ايشانرا براهواء مختلفه ميدارد ] . (7/382)
ثم فى الآيتين اشارات . منها ما يتعلق بالله تعالى اراد ان يظهر صفة لطفه وصفة قهره وكمال قدرته وحكمته فاظهر صفة لطفه بآدم اذ خلقه من صلصال من حمأ مسنون وامر ملائكته الذين خلقوا من النور بسجوده من كمال لطفه وجوده واظهر صفة قهره بابليس اذ امره بسجوده لآدم بعد ان كان رئيس الملائكة ومقدمهم ومعلمهم واشدهم اجتهادا فى العبادة حتى لم يبق فى سبع السموات ولا فى سبع الارضين موضع شبر الا وقد سجد ببه تعالى عليه سجدة حتى امتلأ من العجب بنفسه حتى لم يرا احدا فابى ان يسجد لآدم استكبارا وقال انا خير منه فلعنه الله وطرده اظهارا للقهر كمال قدرته وحكمته بان بلغ من غاية القدرة والحكمة من خلق من قبضة تراب ظلمانى كثيف سفلى الى مرتبة يسجد له جميع الملائكة المقربين الذين خلقوا من نور علوى لطيف روحانى .
ومنها ما يتعلق بآدم عليه السلام وهو انه تعالى لما اراد ان يجعله خليفة فى الارض اودع فى طينته عند تخميرها بيده اربعين صباحا سر الخلافة وهو استعداد قبول الفيض الالهى بلا واسطة وقد اختصه الله وذريته بهذه الكرامة بقوله { ولقد كرمنا بنى آدم } من بين سائر المخلوفات كما اخبر عليه السلام عن كشف قناع هذا السر بقوله { ان الله خلق آدم فتجلى فيه } ولهذه الكرامة صار مسجودا للملائكة المقربين :
قال الحافظ قدس سره
فرشته عشق نداندكه جيست قصه مخوان ... بخواه جام وكلابى بخاك آدم ريز
ومنها ما يتعلق بالملائكة وهو انهم لما خلقوا من النور الروحانى العلوى كان من طبعهم الانقياد لاوامر الله تعالى والطاعة والعبودية فلما امروا بسجود آدم وامتحنوا به وذلك غاية الامتحان لان السجود اعلى مراتب العبودية والتواضع لله فاذا امتحن احد ان يسجد لغير الله وذلك غاية الامتحان للامتثال فلم يتعلثموا فى ذلك وسجدوا لآدم بالطوع والرغبة من غير كره واباء امتثالا وانقيادا لاوامر الله كما قال { لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون } ومنها ما يتعلق بابليس وهو انه لما خلق للضلالة والغواية والاضلال والغواء خلق من النار وطبعها الاستعلاء والاستكبار وان نظمه الله فى سلك الملائكة منذ خلقه وكساه كسوة الملائكة وهو قد تشبه بافعالهم تقليد لا تحقيقا حتى عد من جملتهم وذكر فى زمرتهم بل زاد عليهم فى الاجتهاد والاعتياد بالاعتقاد فاتخذوه رئيسا ومعلما لما رأوا منه اشتداده فى الاجتهاد بالاراءة دون الارادة فلما امتحن بسجود آدم فى جملة الملائكة هبت نكباء النكبة وانخلع عنه كسوة اهل الرغبة والرهبة لتمييز الله الخبيث من الطيب فطاشت عنه تلك المخادعات وتلاشت منه تلك المبادرات وعاد الميشوم الى طبعه وقد تبين الرشد من غيه فسجد الملائكة وابى ابليس واستكبر من غيه وظهر انه كان من الجن وانه طبع كافرا : قال الحافظ قدس سره
زاهد ايمن مشو از بازئ غيرت زنهار ... كه ره ازصومه تادير مغان اين همه نيست (7/383)
ومنها ان فى اولاد آدم من هو فى صورة آدم لكنه فى صفة ابليس وانهم شياطين الانس واماراتهم انهم يتخذون ابليس وذريته اولياء من دون الله فيطيعون الشيطان ولا يطيعون الرحمن ويتبعون ذرية الشيطان ولا يتبعون ذرية آدم من الانبياء والاولياء ولا يفرقون بين الاولياء والاعداد فبجهلهم يظلمون على انفسهم ويبدلون الله وهو وليهم بالشياطين وهم لهم عدو واولياء الله تعالى هم الذين لا يبدلون الله تعالى بما سواه ويتخذون ما سواه عدوا كما قال ابراهيم خليل الله { فانهم عدو لى الا رب العالمين } لانه رأى صحة الخلة مع الله فى صحة العداوة مع ما سواه .
ومنها ان اخباره تعالى بانه ما اشهد الشياطين خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم دليل على انه يشهد بعض اوليائه على ما لم يشهد اعداءه فيبصر بنوره الازلى ابتداء تعلق قدرته ببعض الاشياء المعدومة وكيفية اخراجها من العدم الى الوجود واما قول اهل النظر لا يبحث عن كيفية وجود البارئ تعالى وكيفية تعلق القدرة بالمعدومات وكيفية العذاب بعد الموت ونحو ذلك فلا ينافيه اذا المستبعد عند العقل الجزئى مستقرب عند الكشف الكلى وكلامنا مع اهل الكشف لا مع غيره : قال الصائب
سخن عشق باخرد كفتن ... بررك مرده نيشتر زدنست
وفى المثنوى
اى كه برد عقلى هديه باله ... عقل اينجا كترست ازخاك راه
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52)
{ ويوم يقول } اى يوم يقول الله للكفار توبيخا وتعجيزا وهو يوم القيامة وقال بعضهم يقول على ألسنة الملائكة . يقول الفقير الاظهر هو الاول لانه قد ثبت ان الله تعالى يتجلى يوم القيامة للخلق مسلمهم وكافرهم بصور شتى حتى يرونه بحسب ما اعتقدوه فى هذه الدار فلا يبعد كلامه معهم ايضا لانه كلام بالعيب والتوبيخ لا بالرضى والتشريف كما كلم ابليس بعد اللعن والطرد على ما سبق فى سورة الحجر ونحوها { نادوا شركائى } اضافهم اليه على زعمهم تهكما بهم وتقريعا لهم { الذين زعمتم } ادعيتم انهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم والمراد بهم كل من عبد من دونه تعالى { فدعوهم } اى نادوهم للاعانة ذكر كيفية دعوتهم فى آية اخرى { قالوا انا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا } { فلم يسجيبوا لهم } فلم يغيثوهم اى لم يدفعوا عنهم ضرا ولا اوصلوا اليهم نفعا اذا لا امكان لذلك فهو لا ينافى اجابتهم صورة ولفظا كما قال حكاية عن الاصنام انها تقول { ما كانوا ابانا يعبدون } وفيه اشارة الى ان امتثال او امره ونواهيه ينفع العبد اذا كان فى الدنيا قبل موته وبثمره فى الآخرة فاما اذا كان فى الآخرة فلا ينفعه الايمان والاعمال فان قوله { نادروا شركائى } امر من الله تعالى وقد امتثلوا امره بقوله { فدعوهم } فلم ينفعهم الامتثال لان الشركاء { فلم يستجيبوا لهم } { وجعلنا بينهم } بين الداعين والمدعوين { موبقا } اسم مكان او مصدر من وبق وبوقا كوثب وثوبا او وبق وبقا كفرح فرحا اذا هلك مهلكا يشتركون فيه وهو النار او عداوة هى فى الشدة نفس الهلاك . (7/384)
وقال الفرآء { وجعلنا } تواصلكم فى الدنيا هلاكا فى الآخرة فالبين على هذا القول التواصل كقوله تعالى { لقد تقطع بينكم } على قراءة من قرأ بالرفع ومفعول اول لجعلنا وعلى الوجه الاول مفعول ثان .
قال فى القاموس الموبق كمجلس المهلك وواد فى جهنم وكل شئ حال بين الشيئين انتهى فالمعنى على الثانى بالفارسية [ وادى ازوادهاى دوزخ بيدا كنم ميان ايشان كه مهلكه عظيم باشد وهمه ايشانرا دران معذب سازيم ] .
يقول الفقير الظاهر ان المعنى على الثالث اى جعلنا بينهم برزخا يفصل احدهما عن الآخر فلا يشفع مثل الملائكة وعيسى وعزير وتبرأ غيرهم وهو لا ينفى الاجتماع والاشتراك فى النار بمن قضى له الدخول كما لا يخفى .
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53)
{ ورأى المجرمون النار } حين امروا بالسوق اليها . (7/385)
قال الكاشفى [ وبه بيند مشركان آتش دوزخ را ازجهل ساله را ] { فظنوا } فايقنوا { انهم مواقعوها } مخالطوها واقعون فيها فان المخالطة اذا قويت سميت مواقعة .
قال الامام والاقرب انهم يرون النار من بعيد فيظنون انهم مواقعوها مع الرؤية من غير مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها كقوله تعالى { واذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } والمكان البعيد مسير خمسمائة سنة { ولم يجدوا عنها مصرفا } انصرافا او مكانا ينصرفون اليه .
قال الكاشفى [ مصرفا مكانى باز كردند بدآن يا كريز كاهى ] لانها احاطت بهم من كل جانب .
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)
{ ولقد صرفنا } اى اقسم قسما لقد كررنا وادرنا على وجوه كثيرة من النظم { فى هذا القرآن للناس } لمصلحتهم ومنفعتهم { من كل مثل } كمثل الرجلين المذكورين ومثل الحياة الدنيا ليتذكروا ويتعظوا او من كل معنى داع الى الايمان هو كالمثل فى غرابته وحسنه . (7/386)
قال الكاشفى [ ازهر مثل بران محتاجند ازقصص كذشته كه سبب عبرت كردد ودلائل قدرت كامله كه موجب ازدياد بصيرت شود ]
حق تعالى بمحض فضل عميم دركتاب كريم وحكم قديم
آنجه مر جمله را بكار آيد ... كفته است آنجنانكه مى آيد
{ وكان الانسان } جنس الانسان بحسب جبلته { اكثر شئ جدلا } جدلا تزييز اى اكثر الاشياء التى يتأتى منها الجدل كالجن والملك اى جدله اكثر من جدل كل مجادل وهو ههنا شدة الخصومة بالباطل لاقتضاء خصوصية المقام والا فالجدل لا يلزم ان يكون بالباطل قال تعالى { وجادلهم بالتى هى احسن } وهو من الجدل الذى هو الفتل والمجادلة الملاواة لان كلا من المجادلين يلتوى على صاحبه وفى الحديث « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا اولوا الجدل » رواه ابو امامة كما فى تفسير ابى الليث .
قال فى التأويلات النجمية من طبيعة الانسان المجادلة والمخاصمة وبها يقطعون الطريق على انفسهم . فتارلة مع الانبياء يجادلون لا يقبلون بالنبوة والرسالة حتى قاتلونهم وتارة يجادلون فى الكتب المنزلة ويقولون ما انزل الله على بشر من شئ . وتارة يجادلون فى محاكماتها وتارة يجادلون فى متشابهاتها . وتارة يجادلون فى ناسخها ومنسوخها . وتارة يجادلون فى تفسيرها وتأويلها . وتارة يجادلون فى اسباب نزولها . وتارة يجادلون فى قراءتها . وتارة يجادلون فى قدمها وحدوثها على هذا حتى لم يفرغوا من المجادلة الى المجاهدة ومن المخاصمة الى المعاملة ومن المنازعة الى المطاوعة ومن المناظرة الى المواصلة فلهذا قال تعالى { وكان الانسان اكثر شئ جدلا } ومن هذا عالجهم يقول { قل الله ثم ذرهم } الآية ومن كلمات مولانا قدس سره
ما راجه ازين قصه كه كاو آمد وخر رفت ... اين وقت عزيزست ازين عربده بازآمى
فعلى العاقل ان يشتغل بنفسه وبترك المراء والجدل فان مرجعه هو النقيض والتمزيق للغير وهو من مقتضى السبعية وفى الحديث « لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يدع المراء وان كان محقا » فاذا لزم ترك الجدال وهو محق فكيف وهو مبطل اعاذنا الله تعالى واياكم منه بفضله وجعلنا من المتكلمين بالخير والمعرضين عن لغو الغير قال تعالى { واذا مروا باللغو مروا كراما } الآية وقال { واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . }
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55)
{ وما منع الناس } اى لم يمنع اهل مكة من { ان يؤمنوا } بالله تعالى ويترك الشرك الذى هم عليه { اذ جاءهم الهدى } وهو الرسول الكريم الداعى والقرآن العظيم الهادى { و } من ان { يستغفروا ربهم } من انواع الذنوب { الا } انتظار { ان يأتيهم سنة الاولين } اى سنة الله وعادته فى الامم الماضية وهو الاستئصال لما كان تعنتهم مفضيا اليه جعلوا كأنهم منتظرون له { او } انتظار ان { يأتيهم العذاب } عذاب الآخرة حال كونه { قبلا } انواعا جمع قبيل اوعيانا لهم اى معاينا . وبالفارسية [ روى باروى ] . (7/387)
قال فى الجلالين يعنى القتل يوم بدر .
وقال فى الاسئلة المقحمة كيف وعدهم فى هذه الآية باحدى العقوبتين ان لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بمن لم يؤمنوا منهم الجواب انما وعدهم بذلك ان تركوا الايمان كلهم فقد آمن اكثرهم يوم فتح مكة .
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)
{ وما نرسل المرسلين } الى الامم ملتبسين بحال من الاحوال { الا مبشرين } للمؤمنين والمطيعين بالثواب والدرجات { ومنذرين } للكافرين والعاصين بالعقاب والدركات فان طريق الوصول الى الاول والحذر عن الثانى مما لا يستقل به العقل فكان من لطف الله ورحمته ان ارسل الرسل لبيان ذلك . (7/388)
يقول الفقير اشارة الى ان العلماء الذين هم بمنزلة الانبياء بنى اسرائيل رحمة الله من الله تعالى ايضا اذ بيناهم يضحمل ظلم الشبه وينحل عقد الشكوك وبارشادهم يحصل كمال الاهتداء ويتم امر السلوك { ويجادل الذين كفروا } اى يجادلون الرسل المبشرين والمنذرين { بالباطل } [ به بيهوده ] حيث يقولون ما انتم الا بشر مثلنا ولو شاء الله لانزل ملائكة ويقترحون آيات بعد ظهور المعجزات تعنتا { ليدحضوا } ليزيلوا { به } بالجدال { الحق } الذى مع الرسل من مقره ومركزه ويبطلوه من ادحاض القدم وهو ازلاقها عن موطنها والدحض الزلق .
ومن بلاغات الزمخشرى حجج الموحدين لا تدحض بشبه المشبه كيف يضع ما رفع ابراهم ابرهه : وفى المثنوى
هركه برشمع خدا آرد بفو ... شمع كى ميرد بسوزد بوزاو
{ واتخذوا آياتى } الدالة على الوحدة والقدرة ونحوها { وما انذروا } خوفوا به من العذاب { هزوا } سخرية يعنى موضع استهزاء فيكون من باب الوصف بالمصدر مبالغة .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)
{ ومن اظلم } استفهام على سبيل التوبيخ اى من اشد ظلما { ممن ذكر بآيات ربه } اى وعظ بالقرآن الكريم { فاعرض عنها } لم يتدبرها ولم يتفكرها { ونسى ما قدمت يداه } ولما كان الانسان يباشر اكثر اعماله بيديه غلب الاعمال باليدين على الاعمال التى تباشر بغيرهما حتى قيل فى عمل القلب هو مما عملت يداك وحتى قيل لمن لا يدين له يداك . (7/389)
قال بعضهم احق الناس تسمية بالظلم من يرى الآيات فلا يعبر بها ويرى طريق الخير فيعرض عنها ويرى مواقع الشر فيتبعها ولا يجتنب عنها { انا جعلنا } اعمالهم كما فى تفسير الشيخ { على قلوبهم اكنة } اغطية جمع كنان وهو تعليل لاعراضهم ونسيانهم بانهم مطبوع على قلوبهم { ان يفقهوه } كراهة ان يقفوا على كنه الآيات وتوحيد الضمير باعتبار القرآن { و } جعلنا { فى آذانهم وقرا } ثقلا وصمما يمنعهم عن استماعه .
وفيه اشارة الى ان اهل اللغو والهذيان لا يصيخون الى القرآن : قال الكمال الخجندى قدس سره
دل ازشنيدن قرآن بكير درهمه وقت ... جوباطلان زكلام حقت ملولى جيست
{ وان تدعهم الى الهدى } اى الى طريق الفلاح وهو دين الاسلام { فلن يهتدوا اذا أبدا } اى فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف كلها لانه محال منهم .
قال الكاشفى [ مراد جمع اند از كفار مكة كه علم حق بعدم ايمان ايشان متعلق بود ] وان جواب عن سئوال النبى صلى الله عليه وسلم وجزاء للشرط اما كونه جوابا فلان قوله { انا جعلنا على قلوبهم اكنة } فى معنى لا تدعهم الى الهدى ثم نزل حرصه عليه السلام على اسلامهم منزلة قوله مالى لا ادعوهم فاجيب بقوله { وان تدعهم } الآية واما كونه جزاء فلانه على انتفاء الاهتداء لدعوة السول على معنى انهم جعلوا ما هو سبب لوجود الاهتدآء سببا لانتفائه بالاعراض عن دعوته .
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)
{ وربك } متبدأ خبره قوله { الغفور } البليغ فى المغفرة وهى صيانة العبد عما استحقه من العقاب للتجاوز عن ذنوبه من الغفر وهو الباس الشئ ما يصونه من الدنس { ذو الرحمة } الموصوف بالرحمة وهى الانعام على الخلق خبر بعد خبر وايراد المغفرة على صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب وان المغفرة ترك المضار وهو سبحانه قادر على ترك ما لا يتناهى من العذاب واما الرحمة فهى فعل وايجاد ولا يدخل تحت الوجود الا ما يتناهى وتقديم الوصف الاول لان التخلية قبل التحلية { لو يؤاخذهم } لو يريد مؤاخذتهم { بما كسبوا } من الذنوب { لعجل لهم العذاب } فى الدنيا من غير امهال لاستيجاب اعمالهم لذلك ولكنه لم يعجل ولم يؤاخذ بغتة { بل لهم موعد } بالفارسية [ زمان وعد ] فهو اسم زمان والمراد يوم بدر او يوم القيامة فيعذبون فيه و { لن يجدوا } البتة حين مجيئ الموعد رمن دونه } من غيره تعالى { موئلا } منجى وملجأ يقال وأل اى نجا ووأل اليه اى لجأ اليه وقيل من دون العذاب . (7/390)
قال سعدى المفتى هو اولى وفيه دلالة على ابلغ وجه على ان لا ملجأ لهم ولا منجى فان من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص والنجاة انتهى .
ويجوز ان يكون المعنى لن يجدوا عند حلول الموعد موئلا بالفارسية [ يناهى وكريز كاهى ] وهو اللائح والله اعلم .
وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)
{ وتلك القرى } اى قرى عاد وثمود واضرابهما وهى مبتدأ على تقدير المضاف اى واهل تلك القرى خبره قوله تعالى { اهلكناهم لما ظلموا } اى وقت ظلمهم مثل ظلم اهل مكة بالتكذيب والجدال وانواع المعاصى ولما اما حرف كما قال ابن عصفور واما ظرف اسعمل للتعليل وليس المراد به الوقت المعين الذى عملوا فيه الظلم بل زمان من ابتداء الظلم الى آخرء { وجعلنا لمهلكهم } اى عينا لهلاكهم لان المهلك بفتح اللام وكسرها الهلاك { موعدا } ممتدا لا يتأخرون عنه [ بس جرا قريش عبرت نكيرند وازشرك ونافر مانى دست باز نمى دارند ( السعيد من وعظ بغيره ) . (7/391)
نيكبخت آن كسى بودكه دلش ... آنجه نيكو تراست ببذيرد
ديكرانرا جوبنده داده شود ... او ازان بند بهره بر كيرد
وفى الآيات اشارات . منها ان اسباب الهداية وان اجتمعت بالكلية لا يهتدى بها الناس ولا يؤمنون الا بجذبات العناية كما قال عليه السلام « لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا » قال المولى الجامى
سالكان بى كشش دوست بجايى نرسند ... سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند
فالاهتداء بهداية الله تعالى وبالسيف كما قال عليه السلام « امر ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله » وكما قال « انا نبى السيف ونبى الملحمة »
ومنها ان اهل الباطل يرون الحق باطل والباطل حقا وذلك من عمى قلوبهم وسخافة عقولهم فيجادلون الانبياء والاولياء جهلا منهم وضلالة ويسعون فى ابطال الحق واما اهل الحق فينقادون للانبياء والاولياء ويستسلمون لهم من غير عناد وجدال وذلك لانهم ينظرون بنور الله فيرون الحق حقا ويتبعونه ويرون الباطل باطلا ويجتنبونه لا جرم انهم يتخذون آيات الله جدا لا هزؤا فيأتمرون بما امروا به وينتهون عما نهوا عنه .
ومنها ان رحمة الله تعالى ف الدنيا تعم المؤمن والكافر لانه لا يؤاخذم بما كسبوا فى الدنيا بقطع الرزق ونحوه وتخص يوم القيامة بالمؤمن والعذاب يخص الكافر فقوله تعالى { وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا } اى انما اهلكنا اهل تلك القرى بعد ان كان من سنتنا ان نعم رحمتنا المؤمن والكافر فى الدنيا لانهم ضموا مع كفرهم الظلم ومن سنتنا ان لا نمهل الظالم ولا نهمله كما قال عليه السلام « الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم » وقال تعالى { وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا } وذلك لان همم المظلومين المظطرين مؤثرة ودعاؤهم مستجاب قال عليه السلام « اتقوا دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب » ومن هذا المقام يعرف سر قوله عليه السلام « ولدت فى زمن الملك العادل » فان اطلاق العادل على انوشروان بالنسبة الى انتفاء الظلم الآفاقى عنه وقد كان فى نفسه مجوسيا والشرك ظلم عظيم : قال الشيخ سعدى
مهازورمندى مكن بركهان ... كه بريك نمط مى نماند جهان
بريشانئ خاطر داد خواه ... بر اندازد ازمملكت يادشاه
خنك روز محشرتن داد كر ... كه در سايه عرش دارد مقر
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)
{ واذ قال موسى } - روى - ان موسى عليه السلام لما ظهر على مصر مع بنى اسرائيل بعد هلاك القبط امره الله ان يذكر قومه انعام الله عليهم فخطب خطبة بليغة رقت بها القلوب وذرفت العيون فقال واحد من علماء بنى اسرائيل يا موسى من اعلم قال انا فعتب الله عليه اذ لم يرد العلم اليه تعالى فاوحى اليه بل اعلم منك عبد لى عند مجمع البحرين وهو الخضر وكان فى اليم افريدون الملك العادل العاقل قبل موسى وكان على مقدمة ذى القرنين الاكبر وبقى الى ايام موسى وهو قد بعث فى ايام كشتاسف بن لهراسب كما قاله ابن الاثير فى تاريخه فقال يا رب اين اطلبه وكيف يتيسر لى الظفر به والاجتماع معه قال اطلبه على ساحل البحر عند الصخرة وخذ حوتا مملوحا فى مكتل يكون زادا لك فحيث فقدته اى غاب عنك فهو هناك فاخذ حوتا فجعله فى مكتل فقال لفتاءه اذا فقدت الحوت فاخبرنى . (7/392)
والمعنى اذكر وقت قول موسى بن عمران لما فيه من العبرة وزعم اهل التوراة ان موسى هذا هو موسى بن ميشا بن يوسف النبى عليه السلام وانه كان نبيا قبل موسى بن عمران لاستبعادهم ان يكون كليم الله المختص بالمعجزات الباهرة مبعوثا للتعلم والاستفادة ممن هو دونه فلهذا لا يبعد عن العامل الكامل ان يجهل بعض الاشياء فالفاضل قد يكون مفضولا من وجه بل المراد منه صاحب التوراة واطلاق هذا الاسم يدل عليه لانه لو اراد غيره لقيده كما يقال قال ابو حنيفة الدينورى تمييزا عن ابى حنيفة الامام { لفتاه } وهو يوشف بن نون بن افراييم بن يوسف وهو ابن اخت موسى وكان من اكبر اصحابه ولم يزل معه الى ان مات وخلفه فى شريعته وكان من اعظم بنى اسرائيل بعد موسى سمى فتاه اذ كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه ويسمى الخادم والتلميذ فتى وان كان شيخا واليه يشير القول المشهور ( تعلم يا فتى فالجهل عار ) وهو عبد الحكمى كما قال شعبة من كتبت عنه اربعة احاديث فانا عبده الى ان اموت وقيل لعبده وانما قال لفتاه تعليما للادب قال عليه السلام « ليقل احدكم فتاى وفتاتى ولا يقل عبدى وامتى » قال ابو يوسف من قال انا فتى فلان كان تقرارا منه بالرق .
يقول الفقير المشهور وهو الوجه الاول وتأبى جلالة هذا السفر الا ان يكون الصاحب من اولى الخطر ونظيره ان نبينا صلى الله عليه وسلم لما اراد الهجرة لم يرض برفاقته فى سفره الا الصديق رضى الله عنه لكونه اعز اصحابه وخليفته بعده كما ان يوضع صار خليفة موسى بعده { لا ابرح } من برح الناقص كزال يزال اى لا ازال اسير فحذف الخبر اعمادا على قرينة الحال .
كان ذلك عند التوجه الى السفر ويدل عليه ايضا ذكر السفر فى قوله { لقد لقينا من سفرنا } فقول سعدى المفتى لا دلالة فى نظم القرآن على هذا ولعله علم من الاثر اومن اخبار المؤرخين ذهول عما بعد الآية { حتى ابلغ مجمع البحرين } هو ملتقى بحر فارس والروم مما يلى المشرق وهو المكان الذى وعد الله موسى بلقاء الخضر فيه . (7/393)
قال سعدى المفتى بحرا فارس والروم انما يلتقيان فى المحيط على ما سيجئ فى سورة الرحمن اعنى المحيط الغربى فان الالتقاء هناك كما لا يخفى على من يعرف وضع البحار فالمراد بملتقاهما هنا موضع يقرب التقاؤهما فيه مما يلى المشرق ويعطى لما يقرب من الشئ حكم ذلك الشئ ويعبر به عنه انتهى .
وفيه اشارة الى ان موسى والخضر عليهما السلام بحران لكثرة علمهما احدهما وهو موسى بحر الظاهر والباطن والغالب عليه الظاهر اى الشريعة والآخر وهو الخصر بحرهما والغالب عليه الباطن اى الحقيقة اذ تتفاوت الانبياء عليهم السلام بحسب غلبة الجمال والجلال على نشأتهم وسيأتى التحقيق ان شاء الله تعالى فملتقاهما اذا المكان الذى يتفق اجتماعهما فيه لا موضع معين { او امضى } من مضى فى الامر بمعنى نفذ وامضاه انفذه { حقبا } هو بضم القاف وسكونه ثمانون سنة . والمعنى اسير زمانا طويلا اتيقن معه فوات المطلب يعنى حتى يقع اما بلوغ المجمع او مضى الحقب .
وفى بعض التفاسير اسير دهرا طويلا حتى اجد هذا العالم .
قال الكاشفى [ موسى فرمود كه مدام ميروم تابرسم بمنزل او ياميروم زمان درازكه هشتاد سال باشد يعنى بهيج وجهى روى ازسفر نمى تابم تا اورا بيابم
دست از طلب ندارم تاكام من بر آيد ... وفى المثنوى
كر كران وكر شتابنده بود ... آنكه جو ينده است يا بنده بود
درطلب زن دائما توهردو دست ... كه طلب در راه نيكو رهبرست
قال الامام فى تفسيره هذا اخبار من موسى بانه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم فى السف لاجل طلب العلم وذلك تنبيه على ان المتعلم لو سار من المشرق الى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك انتهى .
قال فى روضة الخطيب رجل جاء من المدينة الى مصر لحديث واحد ولذا لم يعد احد كاملا الا بعد رحلته ولا وصل مقصده الا بعد هجرته .
وقالوا كل من لم يكن له استاذ يصله بسلسلة الاتباع ويكشف عن قلبه القناع فهو فى هذا الشأن لقيط لا اب له دعى لا نسب له انتهى .
ومن كلام ابى يزيد البسطامى قدس سره من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان : وفى المثنوى
بير را بكزين كه بى بير اين سفر ... هست بس بر آفت وخوف وخطر (7/394)
جون كرفتى ببرهين تسليم شو ... همجو موسى زير حكم خضر رو
قال فى التأويلات النجمية فى الآية اشارات .
منها ان شرط المسافر ان يطلب الرفيق ثم يأخذ الطريق . ومنها ان من شرط الرفيقين ان يكون احدهما اميرا والثانى مأمورا له ومتابعا . ومنها ان يعلم الرفيق عزيمته ومقصده ويخبر عن مدة مكثه فى سفره ليكون الرفيق واقفا على احواله فان كان موافقا له يرافقه فى ذلك . ومنها ان من شرط الطالب الصادق ان يكون نيته فى طلب شيخ يقتدى به ان لا يبرح حتى يبلغ مقصوده ويظفر به فان طلب الشيخ طلب الحق تعالى على الحقيقة انتهى كلامه قدس سره .
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61)
{ فلما بلغا } قال الكاشفى [ موسى عليه السلام فرمودكه اى يوشع توبامن موافقت نماى درطلب اين بنده صالح يوشع فرمود آرى من بتو موافقم ورفاقت تومغتنم مى شمارم (7/395)
خوشست آوراكى آنراكه همراهى جنين باشد ... بس يوشع عليه السلام تهى جندان وما هى برداشته باتفاق موسى روانه شد ] والفاء فصيحة اى فذهب موسى ويوشع يمشيان فلما بلغا { مجمع بينهما } بينهما ظرف اضيف له اتساعا فالمعنى مكانا يكاد يلتقى وسط ما امتد من البحرين طولا .
قال الكاشفى [ بمجمع كه ميان دو درياست آنجا بر صحره بركنار جشمه حيات بود نشستند موسى عليه السلام درخواب رفته بود ويوشع دران جشمه وضو ساخت وقطره برآن ماهى بريان جكيد فى الحال زنده شد روى بدريا نهاد ويوشع متحيرشد وموسى ازخواب در آمده تفقد حال يوشفع وما هى تنموده روى براه نهاد وازغايت تعجيل سفر ] { نسيا حوتهم } الذى جعل فقدانه امارة وجدان المطلوب اى نسى موسى تذكر الحوت لصاحبه وصاحبه نسى الاخبار بامره فلا يخالفه ما فى حديث الصحيحين من اسناد النسيان الى صاحبه وفى الاسئلة المقحمة كانا جميعا قد زوداه لسفرهما فجاز اضافة ذلك اليهما وان كان الناسى احدهما وهو يوشع يقال خرج القوم وحملوا معهم الزاد وانما جمله بعضهم { فاتخذ } الحوت .
ان قلت كيف اتى بالفاء وذهاب الحوت مقدم على النسيان .
قلت الفاء فصيحة ولا يلزم ان يكون المعطوف عليه الذى يفصح عنه الفاء معطوفا على نسيا بالفاء بل بالواو والتقدير وحيى الحوت فسقط فى البحر فاتخذ { سبيله } اى طريق الحوت { فى البحر سربا } مفعول ثان لاتخذ وفى البحر حال منه اى مسلكا كالسرب وهو بيت فى الارض وثقب تحتها وهو خلاف النفق لانه اذا لم يكن له منفذ يقال له سرب واذا كان له منفذ يقال له نفق وذلك ان الله تعالى امسك جرية الماء علىلحوت فصار كالطاق عليه وهو ما عقد من اعلى البناء وبقى ما تحته خاليا يعنى انه انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم تلتئم هكذا فسر النبى صلى الله عليه وسلم هذا المقام كما فى حديث الصحيحين . وبالفارسية [ سربا مثل سردابه كه درانتوان رفت هرجا كه ما هى بريان المفسرين كالقاضى ومن يتبعه سربا اى مسلكا يسلك فيه ويذهب من قوله { وسارب بالنهار } وهو الذاهب على وجهه فى الارض .
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)
{ فلما جاوزا } اى مجمع البحرين الذى جعل موعدا للملاقاة اى انطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى اذا كان الغد القى على موسى الجوع ليتذكر الحوت ويرجع الى مطلبه فعند ذلك { قال لفتاه آتنا غدائنا } ما نتغدى به وهو الحوت كما ينبئ عنه الجوا بوالغداء بالفتح هو ما يعد للاكل اول النهار والعشاء ما يعد له آخره { لقد لقينا من سفرنا هذا } اى بالله لقد لقينا من هذا السفر الذى سرناه بعد مجاوزة مجمع البحرين { نصبا } تعبا واعياء . (7/396)
قال النووى انما لحقه النصب والجوع ليطلب موسى الغداء فيتذكر به يوشع الحوت وفى الحديث « لم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذى امره به »
وفى الاسئلة المقحمة كيف جاع موسى ونصب فى سفرته هذه وحين خرج الى الميقات ثلاثين يوما لم يجع ولم ينصب قيل لان هذا السفر كان سفر تأديب وطلب علم واحتمال مشقة وذلك السفر كان الى الله تعالى انتهى والجملة فى محل التعليل للامر بايتاء الغداء اما باعتبار النصب انما يعترى بسبب الضعف الناشئ عن الجوع واما باعتبار ما فى الثناء التغدى من اتراحة ما كما قال الكاشفى [ بيار طعام جشت مارا تا بخوريم كه كرسنه شديم ودمى بر آساييم جون يوشفع سفره بيش آورد وقصه ما هى بيادش آمد ] .
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)
{ قال } فتاه { أرأيت } [ خبردارى ] قال ابن ملك هو يجيئ بمعنى اخبرنى وهنا بمعنى العجب ومفعوله محذوف وذلك المحذوف عامل فى قوله { اذ اوينا الى الصخرة } يعنى عجبت ما اصابنى حين وصلنا الى الصخرة ونزلنا عندها { فانى نسيت الحوت } ان اذكر لك امره وما شاهدت منه من الامور العجيبة ثم اعتذر بانساء الشيطان اياه لانه لو ذكر ذلك لموسى ما جاوز ذلك المكان وما ناله النصب فقال { وما انسانيه الا الشيطان } بوسوسته الشاغلة عن ذلك { ان اذكره } بدل اشتمال من الضمير اى وما انسانى ان اذكره لك { واتخذ سبيله فى البحر } سبيلا { عجبا } وهو كون مسلكه كالطاق والسرب فعجبا ثانى مفعولى اتخذ والظرف حال من اولهما او ثانيهما وهو بيان لطرف من امر الحوت منبئ عن طرف آخر وما بينهما اعتراض قدم عليه للاعتناء بالاعتذار كأنه قيل حيى واضطرب ووقع فى البحر واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا يعنى ان قوله وما انسانيه اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه سببه ما يجرى مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان . (7/397)
قال الامام فان قيل انقلاب السمكة المالحة حية حالة عجيبة جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلا على الوصول الى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان فى هذا المعنى اجاب العلماء عنه بان يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرة من موسى كثيرة فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم فجاز حصول النسيان وعندى فيه جواب آخر وهو ان موسى لم استعظم علم نفسه ازال الله تعالى عن قلب صاحبه هذا العلم الضرورى تنبيها لموسى على ان العلم لا يحصل الا بتعليم الله تعالى وحفظه على القلب الخاطر انتهى .
وقال بعضهم لعله نسى ذلك لاستغراقه فى الاستبصار وانجذاب شراشره الى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة وهى حياة السمكة المملوحة المأكول بعضها وقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها فى مثل السرب منه وانما نسبه الى الشيطان هضما لنفسه اى لمقتضى نفسه من الاغترار والافتخار بامثاله .
وفى الآيات اشرارات . منها ان الطالب الصادق اذا قصد خدمة شيخ كامل يسلكه طريق الحق يلزمه مرافقة رفيق التوفيق ومعه حوت قلبه الميت بالشهوات النفسانية المملح بملح حب الدنيا وزينتها ومجمع البحرين هو الولاية بين الطالب وبين الشيخ ولم يظفر المريد بصحبة لاشيخ ما لم يصل الى مجمع ولايته فانهم جدا وعند مجمع الولاية عين الحياة الحقيقية فباول قطرة من تلك العين تقع على حوت قلب المريد يجيى ويتخذ سبيله فى البحر عن الولاية سربا .
ومنها ان الله يحول بين المرء وقلبه فينسى المريد قلبه حين فقده وينسى القلب المريد اذا وجد الشيخ : وفى المثنوى
اى خنك آن مرده كزخودرسته شد ... دروجود زنده بيوشته شد (7/398)
واى آن زندهكه بامرده نشست ... مرده كشت وزنده كى ازوى برست
ومنها ان المريد لو تطرق اليه الملالة فى اثناء السلوك واصابت قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن خدمة الشيخ وترك صحبته حتى يظن ان لو سافر عن خدمته واشتغل بطاعة ربه وجاهد نفسه فى طلب الحق تعالى لعله يصل مقصده ويحصل مقصوده بلا واسطة الشيخ والاقتداء به هيهات فانه ظن فاسد ومتاع كاسد وانه يضيع عمره ويتعب نفس ويضل عن سبيل الرشاد ويبعد عن طريق السداد الا ان ادركته العناية الازلية التى هىلكفاية الابدية وردت اليه صدق الارادة : وفى المثنوى
آن رهى كه بارها تورفته ... بى فلاوز اندرآن آشفته
بس رهى راكه نرفتستى توهيج ... هين مروتنها زرهب سرميج
هين مبرالاكه بايرهاى شيخ ... تابينى عون ولشكرهاى شيخ
ومنها ان صحبة الشيخ المرشد غداء للمريد لاشتمالها على ما يجرى مجرى الغداء للروح من الاقوال الطيبة والافعال الحسنة ومتى جاوز صحبته اتعب نفسه بلا فائدة الوصول ونيل المقصود ولا يحمل على هذا الاشيطان الخذلان فيلزم الرجوع والعود الى ملازمة الخدمة فى مرافقة رفيق التوفيق كما رجع موسى ويوشع عليهما السلام قال الله تعالى { يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } اى فى صحبتهم ولا تكونوا مع الكاذبين : وفى المثنوى
هرطرف غولى همى خواند ترا ... كابى بردرراه خواهى هين بيا
رهنمايم هم رهت باشم رفيق ... من قولاوزم درين راه دقيق
نى قلاوزست ونى ره دانداو ... يوسفاكم روسوى آن كرك خو
نسال الله العصمة والتوفيق .
قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)
{ قال } موسى عليه السلام { ذلك } الذى ذكرت من امر الحوت { ما } اى الذى { كنا نبغ } اصله نبغى والضمير العائد الى الموصول محذوف اى نبغيه ونطلبه لكونه امارة للفوز بالمرام من لقاء الخضر عليه السلام { فارتدا } رجعا من ذلك الموضع وهو طرف نهر ينصب الى البحر { على آثارهما } طريقهما الذى جا آمنه والآثار الاعلام جمع اثر واثر وخرج فى اثره واثره اى بعده وعقبه . وبالفارسية [ برنشانهاى قدم خود ] { قصصا } مصدر فعل محذوف اى يقصان قصا اى يتبعان آثارهما اتباعها ويتفحصا تفحصا حتى اتيا الصخرة التى حيى الحوت عندها وسقط فى البحر واتخذ سبيله سربا { فوجدا عبدا } التنكير للتخفيم { من عبادنا } الاضافة للتشريف وكان مسجى بثوب فسلم عليه موسى وعرفه نفسه وافاد انه جاء لاجل التعلم والاستفادة . والجمهور على انه الخضر بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد وهو لقبه وسبب تلقيبه بذلك ما جاء فى الصحيح انه عليه السلام قال « انما سمى الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فاذا هى نهتز من خلفه خضراء » الفروة وجه الارض اليابسة وقيل النبات اليابس المجتمع والبيضاء الارض الفارغة لا غرس فيها لانها تكون بيضاء واهتزاز النبات تحركه وكنيته ابو العباس واسمه بلياء بباء موحدة مفتوحة ثم لام ساكنة ثم مثناة تحت ابن ملكان بفتح الميم واسكان اللام ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح . (7/399)
قال ابو الليث انه عليه السلام ذكر قصة الخضر فقال « كان ابن ملك من الملوك فاراد ابوه ان يستخلفه من بعده فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر فلم يقدر عليه » وتفصيله على ما فى كتاب التعريف والاعلام للامام السهيلى وهو ان اباه كان ملكا وان امه كانت بنت فارس واسمها الها وانها ولدته فى مغارة وانه ترك هنالك وشاة ترضعه فى كل يوم من غنم رجل من القرية فاخذه الرجل فرباه فلما شب وطلب الملك ابوه كاتبا وجمع اهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التى نزلت على ابراهيم وشيث كان فيمن قدم عليه من الكتاب ابنه الخضر وهو لا يعرفه فلما استحسن خطه ومعرفته ونجابته سأله عن جلية امره فعرف انه ابنه فضمه لنفسه وولاه امر الناس ثمان الخضر فر من الملك وزهد فى الدنيا وسار الى ان وجد عين الحياة فشرب منها .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما الخضر ابن آدم لصله ونسئ له فى اجله حتى يكذب الدجال وفيه اشارة الى ان لكل دجال فى كل عصر مكذبا ومبطلا لامره : قال الحافظ
كجاست صوفى دجال فعل ملحد شكل ... بكوبسوزكه مهدئ دين بناه رسيد
واخرج عن ابن عساكر ان آدم لما حضره الموت اوصى بنيه ان يكون جسده الشريف معهم فى غار فكان جسده فى المغارة معهم فلما بعث الله نوحا ضم ذلك الجسد فى السفينة بوصية آدم فلما خرج منها قال لبنيه ان آدم دعا بطول العمر لمن يدفنه من اولاده الى يوم القيامة فذهب اولاده الى الغار ليدفنوه وكان فيهم الخضر فكان هو الذى تولى دفن آدم فانجز الله ما وعده فهو يجيئ ما شاء الله له ان يحيى .
قال فى فتح القريب ومن اغرب ما قيل انه ابن آدم لصلبه وقيل انه من الملائكة وهذا باطل ومن اعجب ما قيل انه ابن فرعون صاحب موسى كما فى تواريخ مصر وقيل انه ابن خالة ذى القرنين كان فى سفره معه وشرب من ماء الحياة مد الله عمره الى الوقت المعلوم ولا بعد فانه كان من بنى آدم من يعيش ثلاثة آلاف سنة او اكثر وقيل انه ابن عاميل بن شمالخين بن ارما بن علقما بن عيصو بن اسحاق النبى وكان عاميل ملكا . (7/400)
والجمهور على انه نبى غير مرسل وعند الصوفية المحققين ولى غير نبى واختلفوا فى حياته والاكثر على انه موجود بين اظهرنا وهذا متفق عليه عند الصوفية لان حكاياتهم انهم رأوه فى المواضع الشريفة وكالموه اكثر من ان يحصى نقله الشيخ الاكبر فى الفتوحات الملكية وابو طالب المكى فى كتبه والحكيم الترمذى فى نوادره وغير ذلك من المحققين من سادات الامة الذين لا يتصور اجتماعهم على الكذب والافتراء بمجرد الاخبار النقلية حاشاهم عن ذلك وقد ثبت وجوده فلا يكون عدمه الا بدليل ولا دلي على موته ولا نص فيه من كتاب ولا سنة ولا اجماع ولا نقل انه مات بارض كذا فى وقت كذا فى زمن ملك من الملوك .
وفى تفسير البغوى اربعة من الانبياء احياء الى يوم ا لبعث اثنان من الارض وهما الخضر والياس اى والياس فى البر والخضر فى البحر يجتمعان كل ليلة على ردم ذى القرنين يحرسانه واكلهما الكرفس والكمأة واثنان فى السماء ادريس وعيسى عليهما السلام .
وفى كتاب التمهدي لابى عمر امام الحديث فى وقته ان رسول الله صلى الله علهي وسلم حين غسر وكفن سمعوا قائلا يقول السلام عليكم يا اهل البيت ان فى الله خلفا من كل هالك وعوضا من كل تالف وعزاء من كل مصيبته فعليكم بالصبر فاصبروا واحتسبوا ثم دعا لهم ولا يرون شخصه فكانوا اى الاصحاب واهل البيت يرونه انه الخضر .
وفى كتاب الهواتف ان على بن ابى طالب رضى الله عنه لقى الخضر وعلمه هذا الدعاء وذكر فيه ثوابا عظيما ومغفرة ورحمة لمن قاله فى اثر كل صلاة وهو « يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه السمائل ويا من لا يتبرم من الحاح الملحين اذ قنى برد عفوك وحلاوة مغفرتك » .
قال الهروى ان الحضر قد جاء النبى عليه السلام مرارا واما قوله عليه السلام « لوكان حيا لزارنى » فلا يمنع وقوع الزيارة بعده . (7/401)
قال فى فصل الخطاب ان الخضر قد صحب النبى عليه السلام وروى عن احاديث
وفى الخصائص الصغرى ان فى غزوة تبوك اجتمع عليه السلام بالياس فعن انس رضى الله عنه فغزونا مع النبى عليه السلام حتى اذا كنا بفج الناقة عند الحجر سمعنا صوتا يقول اللهم اجعلنى من امة محمد المرحومة المغفور لها المستجاب لها فقال عليه السلام « يا انس انظر ماهذا الصوت » فدخلت الجبل فاذا رجل عليه ثياب بياض ابيض الرأس واللحية طوله اكثر من ثلاثمائة ذراع فلما رآنى قال انت رسول النبى عليه السلام قلت نعم قال ارجع اليه واقرئه السلام وقل له هذا اخوك الياس يريد ان يلقاك فرجعت الى النبى عليه السلام فاخبرته فجاء عليه السلام يمشى وانا معه حتى اذا كنا قريبا منه تقدم النبى وتأخرت انا فتحدثا طويلا فنزل عليهما من السماء شئ يشبه السفرة ودعوانى فاكلت معهما قليلا فاذا فيها كمأة ورمان وحوت وتمر وكرفس فلما اكلت قمت فتنحيت ثم جاءت سحابة فاحتملته فانا انظر الى بياض ثيابه فيها تهوى به قبل الشام فقلت للنبى عليه السلام بابى انت وامى هذا الطعام الذى اكلنا من السماء نزل عليه قال عليه السلام « سألته عنه فقال يأتينى به جبرائيل فى كل اربعين يوما اكلة وفى كل حول شربة من ماء زمزم وربما رأيته على الجب يملأ بالدلو فيشرب وربما سقانى » والاكثر من المحدثين على وفاة الخضر سئل البخارى عن الخضر والياس هل هما فى الاحياء قال كيف يكون ذلك وقد قال رسول الله عليه السلام « لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على وجه الارض احد » وقد قال الله تعالى { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } والجواب ان هذا الحكم جار على الاكثر ولا حكم لتنادر الذى يعيش فوق المائة فقد عاش سلمان ومعدى كرب وابو طفيل فوق المائة وكانوا موجودين فى ذلك الزمان عند اخباره عليه السلام والمراد بالخلود هو التأبيد ولا شك ان حياة الخضرة وغيره منقطعة عند الصعقة قبل القيامة فيمتنع الخلود . واما من قال من العلماء لا يجوز ان يكون الخضر باقيا لانه لا نبى بعد نبينا فلا عبرة لكلامه لانه لم يتنبأ بعده بل قبله كعيسى ابقاه الله لمعنى وحكمة الى ان يرتفع القرآن من وجه الارض .
وذكر الشيخ الاكبر قدس سره فى بعض كتبه انه يظهر مع اصحاب الكهف فى آخر الزمان عند ظهور المهدى ويستشهد ويكون من افضل شهداء عساكر المهدى .
وفى آخر صحيح مسلم فى احاديث الدجال انه يقتل رجلا ثم يحيى قال ابراهيم بن سفيان صاحب مسلم يقال ان هذا الرجل هو الخضر وعن ابن عباس رضى الله عنهما يلتقى الخضر والياس فى كل عام فى الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان على هذه الكلمات « بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير الا الله ما شاء الله لا يصرف السوء الا الله حين يصبح ويمسى آمنه الله من الحرق والغرق والسرق ومن الشيطان والحية والعقرب . (7/402)
وزاد احمد فى الزهد انهما يصومان رمضان فى بيت المقدس .
وعن على رضى الله عنه مسكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة الى باب الاسباط .
قال الشاقانى الخضر كناية على البسط والياس عن القبض واما كون الخضر شخصا انسانا باقيا من زمان موسى الى هذا العهد او روحانيا يتمثل بصورته لمن يرشده فغير متحقق عندى بل قد يتمثل ويتخيل معناه له بالصفة الغالبة عليه ثم يضمحل وهو روح ذلك الشخص او روح القدس انتهى .
يقول الفقير تمثل الروح بالصفة الغالبة قد وقع لكثير من اهل السلوك ولكن ليس كل مرئى فى اليقظة تمثلا كما فى المنام فقد يظهر المثال وقد يظهر حقيقته ولله فى كل شئ حكمة بالغة { آتيناه رحمة من عندنا } هى الوحى والنبوة كما يشعر به تنكيرا الرحمة واختصاصه بجناب الكبرياء .
قال الامام مسلم ان النبوة رحمة كما قوله تعالى { أهم يقسمون رحمة ربك } ونحوه ولكن لا يلزم ان تكون الرحمة نبوة فالرحمة هنا هى طول العمر على قول من مذهب الى عدم نبوته { وعلمناه من لدنا علما } خاصا هو علم الغيوب والاخبار عنها باذنه تعالى على ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما اوعلم الباطل .
قال فى بحر العلوم انما قال من لدنا مع ان العلوم كلها من لدنه لان بعضها بواسطة تعليم الخلق فلا يسمى ذلك علما لدنيا بل العلم اللدنى هو الذى ينزله فى القلب من غير واسطة احد ولا سبب مألوف من خارج كما كان لعمر وعلى ولكثير من اولياء الله تعالى المرتاضين الذين فاقوا بالشوق والزهد على كل من سواهم كما قال سيد الاولين والآخرين عليه السلام » نفس من انفاس المشتاقين خير من عبادة الثقلين « وقال عليه السلام » ركعتان من رجل زاهد قلبه خير واحب الى الله من عبادة المتعبدين الى آخر الدهر « وقد صدق لكنه قليل كما قال { وقليل من عبادى الشكور } وقال { ولكن اكثر الناس لا يعلمون } ومن هنا يتبين لك معرفة رفعة الصحابة رضى الله عنهم وعظمهم رتبة ومكانا من الله فانهم ائمة المشتاقين والزاهدين الشاكرين ونجوم لهم يهتدون بهم انتهى .
وفى التأويلات النجمية { فوجدا عبدا من عبادنا } اى حرا من رق عبودية غيرنا من احرارانا اى ممن احررناهم من رق عبودية الاغيار واصطفيناهم من الاخيار { آتيناه رحمة من عندنا } يعنى جعلناه قابلا ليفيض نور من انوار صفاتنا بلا واسطة { وعلمناه من لدنا علما } وهو علم معرفة ذاته وصفاته الذى لا يعلمه احد الا بتعليمه اياه . (7/403)
واعلم ان كل علم يعلمه الله تعالى عباده ويمكن للعباد ان يتعلموا ذلك العلم من غير الله تعالى فانه ليس من جملة العلم اللدنى لانه يمكن ان يتعلم من لدن غيره يدل عليه قوله { وعلمناه صنعة لبوس لكم } فان علم صنعة اللبوس مما علمه الله داود عليه السلام فلا يقال انه العلم اللدنى لانه يحتمل ان يتعلم من غير الله تعالى فيكون من لدن ذلك الغير وايضا ان العلم اللدنى ما يتعلق بلدن الله تعالى وهو علم معرفة ذاته وصفاته تعالى انتهى .
قال الجنيد قدس سره العلم اللدنى ما كان تحكما على الاسرار بغير ظن فيه ولا خلاف لكنه مكاشفات الانوار عن مكنونات المغيبات وذلك يقع للعبد اذا زم جوارحه عن جميع المخلوقات وافنى حركاته عن كل الارادات وكان شبحا بين يدى الحق بلا تمن ولا مراد .
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الا طهر باب الملكوت والمعارف من المحال ان ينفتح وفى القلب شهوة هذا الملكوت واما باب العلم بالله تعالى من حيث المشاهدة فلا ينفتح فى القلب لمحة للعالم باسره الملك والملكوت [ درفتوحات ازسلطان العارفين قدسر سيره نقل ميكندكه باجمعى دانشمندان مى كفته ] اخذتم علمكم ميتا عن ميت واخذنا علمنا عن الحى الذى لا يموت
كلشنى كز نقل وريد يكدمست ... كلشنى كز عشق رويد خرمست
كلشنى كز كل دمد كردد تباه ... كلشنى كز دل دمد وافرحتاه
علم جون بر دل زند يارى شود ... علم جون بر كل زند بارى شود
واعلم ان الصوفية سموا العلوم الحاصلة بسبب المكاشفات العلوم اللدنية وتفصيل الكلام انا اذا ادركنا امرا من الامور وتصورنا حقيقة من الحقائق فاما ان نحكم عليه بحكم وهو التصديق اولا نحكم وهو التصور وكل واحد من هذين القسمين فاما ان يكون ضروريا حاصلا من غر كسب وطلب واما ان يكون كسبيا اما العلوم الضرورية فهى تحصل فى النفس والعقل من غير كسب وكلب مثل تصورنا الالم واللذة والوجود والعدم ومثل تصديقنا بان النفى والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وان الواحد نصف الاثنين واما العلوم الكسبية فهى التى لا تكون حاصلة فى جوهر النفس ابتداء بل لا بد من طريق يتوصل به الى الكتساب تلك التى لا تكون حاصلة فى جوهر النفس ابتداء بل لا بد من طريق يتوصل به الى اكتساب تلك العلوم فان كان التوصل الى استعلام المجهولات بتركيب العلوم البديهية فهو طريق النظر وان كان بتهيئة المحل وتصفيته عن الميل الى ما سوى الله تعالى فهو طريق الكشف والكشف انواع اعلاها اسرار ذاته تعالى وانوار صفاته وآثار افعاله وهو العلم الالهى الشرعى المسمى فى مشرب اهل الله علم الحقائق اى العلم بالحق سبحانه وتعالى من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية اذ منه ما ليس فى الطاقة البشرية وهو ما وقع فيه الكمل فى ورطة الحيرة واقروا بالعجز عن حق المعرفة وهذا العلم الجليل بالنسبة الى سائر العلوم كالشمس بالنسبة الى الذرات وكالبحر بالنسبة الى القطرات فعلوم اهل الله مبنية على الكشف والعيان وعلوم غيرهم من الخواطر الفكرية والاذهان وبداية طريقهم التقوى والعمل الصالح وبداية طريق غيرهم تحصيل الوظائف والمناصب وجمع الحطام الذى لا يدوم وقال المولى الجامى
جان زاهد ساحل وهم وخيال ... جان عارف غرقه بحر شهود (7/404)
قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه الطيب وقدس سره الزكى فى كتاب اللائكات البرقيات المراد بالرحمة علم العبادة والدراسة والظاهر والشريعة ولذلك عبر عنه بالرحمة بناء على عمومه مثلها حيث قال { وسعت رحمتى كل شئ } ولكون مقام هذا العلم الظاهرى مقام القرب الصفاتى عبر عن مقامه بما يعبر به عن مقام هذا القرب الصفاتى من قوله تعالى { من عندنا } اى من مقام واحدية صفاتنا ومرتبة قربها والمراد بالعلم علم الاشارة والواراثة والباطن والحقيقة ولذلك عبر عنه بلفظ العلم بناء على التعبير بالمطلق على الفرد الكامل اذ العلم الباطنى من العلم الظاهرى بمنزلة الروح واللب من الجسد والقشر وبمنزلة المعنى من الصورة فلا جرم ان العلم الباطنى بمنزلة الفرد الناقص من الفرد الكامل من الفرد الكامل والنقصان الموهوم المعتبر فى العلم الظاهرى بحسب الاضافة والنسبة الى العلم الباطنى باعتبار المقام الذى يوجب الامتياز بينهما من جهة الصورة لا يقدح فى كماله الذاتى الحقيقى فى عينه ونفسه كما ان الكمال المعتبر فى العلم جهة التعين لا يزيدفى كماله الذاتى الحقيقى فى نفسه وذاته بل كل منهما من حيث هو بالنظر الى ذاته مع قطع النظر الى الاضافة والنسبة المعتبرة بينهما بحسب المقامات والتعلقات وغير ذلك كمال محض لا يتصور فى واحد منهما نقصان اصلا فكما ان الجهل والغفلة فى انفسهما محض نقصان حقيقى فكذلك العلم والمعرفة فى انفسهما محض كمال حقيقى وانما الاعتبارات لئلا تبطل حقائق الاحكام ولذا قيل لولا الاعتبارات اى الاضافات والنسب المعتبرة بين الاشياء لبطلت الحقائق ولما كان مقام هذا الباطنى مقام القرب الذاتى عبر عن مقام ما يعبر به عن مقام القرب الذاتى من قوله { من لدنا } اى من مقام احدية ذاتنا ومرتبتها ولذا خص كبار الصوفية فى اصطلاحاتهم لفظ العلم اللدنى بهذا العلم الباطنى الحاصل بمحض تعليم الله تعالى من لدنه بغير واسطة عبارة ولذلك قال بعضهم
تعلمنا بلا حرف وصوت ... قرآناه بلا سهوت وفوت (7/405)
يعنى بطريق الفيض الالهى والالهام الربانى لا بطريق التعليم اللفظى والتدريس القولى ولكون مقام العلم الظاهرى من مقام العلم الباطنى بمنزلة الظاهر من الباطن حيث يتعلق العلم الظاهرى بظواهر الشريعة وصورها والعلم الباطنى بمنزلة الباب من البيت ومن اراد دخول البيت فليأت من باب وبيت العلم ومدينته هو النبى عليه السلام وباب هذا البيت والمدينة هو على رضى الله عنه كمال قال عليه السلام « انا مدينة العلم وعلىّ بابها »
كرتشنه فيض حق بصدقى حافظ ... سرجشمه آن زساقى كوثر برس
واعلم ان التحقيق الحقيق فى هذا العلم المأمور موسى عليه السلام بتعلمه من الخضر هو العلم الباطنى المتعلم بطريق الاشارة لا العلم الباطنى المتعلم بطريقة المكاشفة ولا العلم الظاهرى المتعلم بطريقة العبارة والدليل عليه ارسال الحق سبحانه موسى الى عبده الخضر وعدم تعليمه بواسطة امين الوحى جبرائيل وتعليم الخضر بطريق الاشارة بالامور الثلاثة لكن لما كان الظاهر بالنظر الى غلبة جانب علم الظاهر فى وجود موسى ان يطلب تعلمه بطريق العبارة لا بطريق الاشارة وطريقه طريق الاشارة لا طريق العبارة قال انك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا من طريق التعلم بالاشارة لا بالعبارة والغالب عليك انما هو طريق العبارة لا طريق الاشارة كما ان الغالب على طريق الاشارة لا طريق العبارة ولكل وجهة وهوموليها قل كل يعمل على شاكلته .
ثم ان الامام الاعظم من الحسن البصرى رحمهما الله تعالى بمنزلة موسى من الخضر علينما السلام كما ان العكس بالعكس من جهة ما هو الغالب فى نشأة كل منهما ولذلك افاد الامام الهمام العلم الظاهرى غالبا وتقيد بترتيب انوار الشريعة واحكامها عبارة وصراحة وافاد العلم الباطنى نادرا وتعرض لاسرار الحقيقة ودقائقها اشارة وكناية بخلاف الحسن البصرى فالامام شمسى المشرب والحسن قمرى المشرب ولذلك كان فلك الامام اعظم واوسع من فلك الحسن البصرى وكان الامام رحمة لاهل العموم عامة وكان الحسن البصرى رحمة لاهل الخصوص خاصة والامام مظهر اسم الرحمن والحسن مظهر اسم الرحيم ويدل على هذا كله انتشار مذهبه شرقا وغربا وهو من جميع المذاهب بمنزلة النبوة المحمدية والولاية العيسوية من جميع النبوات والولايات من جهة الخاتمية وحيث يختم به جميع المذاهب الحقة كما ختم بالنبوة المحمدية جميع النبوات ويختم بالولاية العيسوية جميع الولايات ولكون مشربه ومذهبه شمسيا سمى سراج الامة وكاشف الغمة ورافع الظلمة ودافع البدعة ومحيى الدين وحافظ الشريعة بالكتاب والسنة ولكون مشرب الحسن ومذهبه قمريا انار القلوب والنفوس والطبائع المظلمة بظلمة الغفلة والهوى بانوار المعرفة واسرار الحقيقة والهدى تبارك الذى جعل فى السماء بروحا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وفى تقديم السراح على القمر المنير اشارة الى تقديم رتبة الامام على رتبة الحسن اذ هو مظهرا اسم الاول والظاهر والحسن مظهر اسم الآخر والباطن والاولان مقدمان على الثانيين بتقديم الهى فى قوله تعالى
{ هو الاول والآخر والظاهر والباطن } وهذا التفاوت انما هو باعتبار ترتيب المراتب واما فى اصل الكمال وحقيقة الفضل فهم كالحلقة المفرغة لا يدرى اين طرفاها لسر يعرفه من يعرف ويغفل عنه من يغفل ورئيس اهل الذكر الصوفية الحنفية هو الامام الاعظم الا كمل ورئيس اهل الذكر الصوفية هو الامام الشافعى الافضل ورئيس اهل الذكرالصوفية وهؤلاء الائمة العظماء كالخلفاء الاربعة الفخام كالنجوم بل كالاقمار بل كالشموس بايهم اقتدى السالك اهتدى الحق المبين وهم لدين الحق كالاركان الاربعة للبيت وهم ايضا من سائر الاقطاب والاولياء كالعرش والشمس من الافلاك النجوم وليس لغيرهم ممن بعدهم الى يوم القيامة بدون الاقتداء بهم اهتداء الى طريق الجنة والرؤية ومن اقتدى بهم فى الشريعة والطريقة والحقيقة وعلم علومهم وعمل اعمالهم وتأدب بآدابهم على مذهب أيهم كان بحسب وسعة فلا شك انه اقتفى اثر رسول الله عليه السلام ومن لم يقتد بهم فى ذلك فلا شك انه ضل عن اثر الرسول وخرج عن دائرة القبول هذا كله كلام حضرة شيخى وسندى مع اختصار . (7/406)
واما ما يلوح من كلمات بعض المشايخ من الن المجتهدين لم ينالوا العشق فله محامل ذكرنا بعضا منها فى كتابنا الموسوم بتمام الفيض والذى يظهر انها كلمات صدرت حالة السكر والغلبات فلا اعتبار بها والادب التام ان يمسك عنهم الا بخير الكلام .
قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)
{ قال له موسى } استئناف مبنى على سؤال نشأ من السياق كأنه قيل فماذا جرى بينهما من الكلام فقيل قال له موسى اى للخضر عليهما السلام { هل اتبعك } اصحبك { على ان تعلمن } على شرط ان تعلمن وهو فى موضع الحال من الكاف وهو استئذان منه فى اتباعه له على وجه التعليم ويكفيك دليلا فى شرف الاتباع { مما علمت رشدا } اى علما ذا رشد ارشد به فى دينى والرشد اصابة الخير . (7/407)
قال الكاشفى [ علمى كه مبنى بررشد باشد ] يعنى اصابة خير ولقد راعى فى سوق الكلام غاية التواضع معه فينبغى للمرء ان يتواضع لمن هو اعلم منه .
قال الامام والآية تدل على ان موسى راعى انواع الادب جعل نفسه تبعا له فقال { هل اتبعك } واستأذن فى اثبات هذه التبعية واقر على نفسه باجهل وعلى استاذه باعلم فى قوله { على ان تعلمن } من فى قوله { مما علمت } للتبعيض اى لا اطلب مساواتك فى العلوم وانما اريد بعضا من علومك كالفقير يطلب من الغنى جزأ من ماله وقوله { مما علمت } اعتراف بانه اخعذ من الله وقوله { رشدا } طلب للراشاد اى مالولاه لضل وهذا يدل على انه طلب ان يعامله بمثل ما عامله الله به اى ينعم بالتعليم كما انعم الله عليه فان البذل من لاشكر : قال الحافظ
اى صاحب كرامت شكرانه سلامت ... روزى تفقدى كن درويش بى نوارا
قال قتادة لو كان احد مكتفيا من العلم لا كتفى نجى الله موسى ولكنه قال { هل اتبعك } الآية
وقال الزجاج وفيما فعل موسى وهو من اجله الانبياء من طلب العلم والرحلة فى ذلك ما يدل على انه لا ينبغى لاحد ان يترك طلب العلم وان كان قد بلغ نهايته ولذا ورد ( اطلبوا العلم من المهد الى اللحد ) : وفى المثنوى
خام ملك سليمانست علم ... جمله عالم صورت وجانست علم
قال العلماء ولا ينافى نبوة موسى وكونه صاحب شريعة ان يتعلم من نبى آخر مالا يتعلق له باحكام شريعته من اسرار العلوم الخفية وقد امر الله باخذ العلم منه فلا دلالة له .
قال شيخى وسندى روح الله روحه تعليم موسى وتربيته بالخضر انما هو من قبيل تعليم الا كمل وتربيته بالكامل لانه تعالى قد يطلع الكامل على اسرار يخفيها عن الاكمل واذا اراد ان يطلع الا كمل عليه ايضا فقد يطلعه بالذات وقد يطلعه بواسطة الكامل ولا يلزم من توسط الكامل ان يكون اكمل من الا كمل او مثله والكامل كامل مطلقا والا كمل اكمل مطلقا والرجحان للاكمل جدا ولا تسمع الى غير ذلك مما يقول الضالون وقول الخضر لموسى عليه السلام يا موسى انت على علم علمك الله وانا على علم علمنى الله انما هو بناه على الامتياز المعتبر بينهما بحسب الغالب فى نشأة كل منهما والا فالعلم الظاهر والباطن حاصلان فى نشأة كل منهما انتهى وفهم منه جواب ما سبق من قوله ان لى عبدا بمجمع البحرين هو اعلم منك فان المراد اثبات اعلميته فى علم من العلوم الخاصة دون سائرها وقد انعقد الاجماع على ان نبينا عليه السلام اعلم الخلق وافضلهم على الاطلاق وقد قال
« انتم اعلم بامور دنياكم » (7/408)
وفى قصص الانبياء بينما هما على ساحل البحر اذا قبل طائر وغمس منقاره فى البحر ثم اخرجه ومسحه على جناحه ثم طار نحو المشرق ثم اطار نحو المغرب ثم رجع وصاح فقال الخضر يا موسى أتروى ما قال هذا الطائر قال لا قال انه يقول ما اوتى بنوا آدم من العلم الا بمقدار ما اخذت من هذا البحر بمنقارى
ازعلم توتنكته ايست عالم ... زان دائره نقطه ايست آدم
وفى التأويلات النجمية من آداب المريد الصادق بعد طلب الشيخ ووجدانه ان يستجيز منه فى اتباعه وملازمة صحبته تواضعا لنفسه وتعظيما لشيخه بعد مفارقة اهاليه واوطانه وترك مناصبه واتباعه واخوانه واخذدانه كما كان حال موسى اذ قال للخضر { هل اتبعك على ان تعلمن مما علمن رشدا } بارشاد الله لك اى تعلمنى طريق الاسترشاد من الله بلا واسطة جبريل والكتاب المنزل ومكالمة الحق تعالى فان جميع ذلك كان حاصلا له .
فان قيل فهل مرتبة فوق هذه المراتب وانزال الكتاب يدل على البعد والمكالمة تنبئ عن الاثنينية والرشد الحقيقى من الله للعبد هو ان يجعله قابلا لفيض نور الله بلا وساطة وذلك بتجلى جماله وجلاله الذى كان مطلوب موسى بقوله { ارنى انظر اليك } فان فيه رفع الاثنينية واثبات الوحدة التى لا يسع العبد فيها ملك مقرب ولا نبى مرسل .
ومنها ان اريد اذا استسعد بخدمة شيخ واصل ينبغى ان يخرج عما معه من الحسب والنسب والجاه والمنصب والفضائل والعلوم ويرى نفسه كأنه اعجمى لا يعرف الهر من البر اى ما يهره ما يبره او القط من الفار او العقوق من اللطف او الكراهية من الاكرام كما فى القاموس : قال الحافظ
خاطرت كى رقم فيض بذيرد هيهات ... مكر از نقش براكنده ورق ساده كنى
وينقاد لاوامره ونواهيه كما كان فان كليم الله لم يمنعه النبوة والرسالة ومجيئ جبريل والنزال التوراة ومكالمة الله واقتداء بنى اسرائيل به ان يتبع الخضر ويتواضع له وترك اهاليه واتباعه واشياعه وكل ما كان له من المناصب والمناقب وتمسك بذيل ارادته مقاد لاوامره ونواهيه .
قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)
{ قال } الخضر { انك لن تستطيع معى صبرا } نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد كأنه مما لا يصح ولا يستقيم والمراد نفى الصبر على ما يدل عليه قوله وكيف تصبر ويلزم من نفيها نفيه . (7/409)
وفيه دليل على ان الاستطاعة مع الفعل [ موسى كفت جرا صبر نتوانم كرد كفت بجهت آنكة تو بيغمبرى وحكم تو برظاهر است شايدكه ازمن عملى صادر شود درظاهر آن منكر وناشايسته نمايد وجه حكمت آنراندانى وبرآن صبركردن نتوانى ]
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)
{ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } تمييز من خبر يخبر كنصر وعلم بمعنى عرف اى لم يحط به خبرك اى علمك وهو ايذان بانه يتولى امورا خفية منكرة الظواهر والرجل الصالح لا سيما صاحب الشريعة لا يصبر اذا رأى ذلك ويأخذ فى الانكار . (7/410)
قال الامام المتعلم قسمان منه من مارس العلوم ومنه من لم يمارسها والاول اذا وصل الى من هوا كمل منه عسر عليه التعلم جدا لانه اذا رأى شيأ او سمع كلاما فربما انكره وكان صوابا فهو لا لفته بالقيل والقال يغتر بظاهره ولا يقف على سره وحقيقته فيقدم على النزاع ويثقل ذلك على الاستاذ واذا تكرر منه الجدل حصلت النفرة واليه اشار الخضر بقوله { انك لن تستطيع معى صبرا } لانك الفت الكلام والاثبات والابطال والاعتراض والاستدلال { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } اى لست تعلم حقائق الاشياء كما هى .
قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه فى كتاب اللائحات البرقيات كل واحد من العلمين اى الظاهر والباطن موجود فى وجود كل من موسى والخضر { هل اتبعك على ان تعلمن مماعلمت رشدا } لان المتعلم من المخلوق انما هو العلم الظاهرى المتعلم بالحرف والصوت لا العلم الباطنى المتعلم من الله بلا حرف وصوت بل بدوق وكشف الهى والقاء والهام سبحانى لان جميع علوم الباطن انما تحصل بالذوق والوجدان والشهود والعيان لا بالدليل والبرهان وهى ذوقيات لا نظريات فانها ليست بطريق التأمل السابق ولا بسبيل التعمل اللاحق بترتيب المبادى والمقدمات وعلى اعتبار حصولها بطريق الانتقال بالواسطة لا بطريق الذوق بغير الواسطة ولغالب فى نشأة الخضر هو العلم الباطنى كما يدل عليه ولايته ولو قيل بنبوته وقوله لموسى عليه السلام { انك لن تستطيع معى صبرى وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } يعنى بحسب غلبة جانب علم الظاهر وعلم الرسالة على جانب علم الباطن وعلم الولاية اذا لحكم للاغلب القاهر انتهى . وفى التأويلات النجمية ومن الآداب ان يكون المريد ثابتا فى الارادة بحيث لو يرده الشيخ كرات بعد مرات ولا يقبله امتحانا له فى صدق الارادة يلازم عتبة بابه ويكون اقل من ذباب فانه كلما ذب آب كما كان حال كليم الله فانه كان الخضر يرده ويقول له { انك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } اى كيف تصبر على فعل يخالف مذهبك ظاهرا ولم يطلعك الله على الحكمة فى اتيانه باطنا ومذهبك انك تحكم بالظاهر على ما انزل الله عليك من علم الكتاب ومذهبى ان احكم بالباطن على ما امرنى الله من العلم اللدنى وقد كوشفت بحقائق الاشياء ودقائق الامور فى حكمة اجرائها وذلك انه تعالى افنانى عنى بهويته وابقانى به بالوهيته فبه ابصر وبه اسمع وبه انطق وبه آخذ وبه اعطى وبه افعل وبه اعلم فانى لا اعلم ما لم ليعلم وانه يقول ستجدنى الآية .
{ قال } موسى عليه السلام { ستجدنى } [ زود باشدكه يابى مرا ] { ان شاء الله صابرا } معك غير معترض عليك والصبر الحبس يقال صبرت نفسى على كذا اى حبستها وتعليق الوعد بالمشيئة اما كلبا لتوفيقه فى الصبر ومعونته واو تيمنا به او علما منه بشدة الامر وصعوبته فان الصبر من مثله عند مشاهدة الفساد شديد جدا لا يكون الا بتأييد الله تعالى . (7/411)
وقيل انما استثنى لانه لم يكن على ثقة فيما التزم من الصبر وهذه عادة الصالحين .
ويقال ان امزجة جميع الانبياء البلغم الا موسى فان مزاجه كان المرة . فان قلت ما معنى قول موسى للخضر { ستجدنى } الآية ولم يصبر وقول اسماعيل عليه السلام { ستجدنى ان شاء الله من الصابرين } فصبر .
قال بعض العلماء لان موسى جاء صحبة الخضر بصورة التعلم والمتعلم لا يصر اذا رأى شيأ حتى يفهمه بل يعرتض على استاذه كما هو دأب المتعلمين واسماعيل لم يكن كذلك بل كان فى معرض التسليم والتفويض الى الله تعالى وكلاهما فى مقامهما واقفان .
وقيل كان فى مقام الغيرة والحدة والذبييح فى مقام الحكم والصبر .
قال بعض العارفين قال الذبيح من الصابرين ادخل نفسه فى عداد الصابرين فدخل وموسى عليه السلام تفرد بنفسه وقال صابرا فخرج والتفويض من التفرد اسلم واوفق لتحصيل المقام ووصول المرام { ولا اعصى لك امرا } عطف على صابرا اى ستجدنى صابرا وغير عاص اى لا اخالفك فى شئ ولا اترك امرك فيما امرتنى به وفى عدم هذا الوجدان من المبالغة ما ليس فى الوعد بنفس الصبر وترك العصيان .
وفى التأويلات النجمية معتقدا له فى جميع حالاته وان شاهد منه معاملة غير مرضية بنظر عقله وشرعه فلا ينكره بها ولا يسيئ الظن فيه بل يحسن فيه الظن ويعتقد انه مصيب فى معاملاته مجتهد فى آرائه وانما الخطأ من قصور نظرى وسخافة عقلى وقلة علمى .
قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)
{ قال فان اتبعتنى } صحبتنى لاخذ العلم وهو اذن له فى الاتباع بعد اللتيا والتى والفاء لتفريع الشرطية على ما مر من التزامه للصبر والطاعة { فلا تسألنى عن شئ } تشاهده من افعالى وتنكره منى فى نفسك اى لا تفاتحنى بالسؤال عن حكمته فضلا عن المناقشة والاعتراض { حتى احدث لك منه ذكرا } حتى ابتدئ ببيانه . (7/412)
وفي ايذان بان كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة التبة وهذا من آداب المتعلم مع الالم والتابع مع المتبوع .
قال فى التاويلات النجمية ومن الآداب ان يسد على نفسه باب السؤال فلا يسأل الشيخ عن شئ حتى يحدث له منه ذكرا اما بالقال واما بالحال انتهى - روى - ان لقمان دخل على داود عليه السلام وهو يسرد دروعا ولم يكن رآها قل ذلك فتعجب منه فاراد ان يسأله ذلك فمنعته الحكمة فامسك نفسه ولم يسأله فلما فرغ قام داود ولبسها ثم قال نعم الدرع للحرب . وقيل كان يتردد اليه سنة وهو يريد ان يسأل ذلك فلم يسأل .
قالت الحكماء ان كان الكلام من فضة فالصمت من هذب . وعن بعض الكبار الصمت على قسمين صمت باللسان عن الحديث بغير الله مع غير الله جملة وصمت بالقلب عن خاطر كونى البتة فمن صمت لسانه ولم يصمت قلبه خف وزره ومن صمت قلبه ولم يصمت لسانه فهو ناطق بلسان الحكمة ومن صمت لسانه قلبه ظهر له سره وتجلى له ربه ومن لم يصمت لسانه وقلبه كان مسخرة للشيطان .
فعلى العاقل ان يجتهد حتى يسلم قلبه من الانقباض ولسانه من الاعتراض وينسى ما سوى الله تعالى ولا تلعب به الافكار ويصبر عن مظان الصبر ويستسلم لامر الله الملك الغفار فان الله تعالى فى كل شئ حكمة وفى كل تلف عوضا : وفى المثوى
لا نسلم واعتراض ازما برفت ... جون عوض مى آيداز مفقودزفت
جونكه بى آتش مر اكرمى رسد ... راضيم كر آتش مارا كشد
بى جراغى جون دهد اوروشنى ... كر جراغت شدجه افغان ميكنى
دانه بر مغز باخاك دزم ... خلوتى وصحبتى كرد ازكرم
خويشتن درخاك كلى محو كرد ... تانماندش رنك وبوى سرخ وزرد
از بس آن محو قبض اونماند ... بركشاد وبست شدمركرب براند
نسأل الله تعالى ان يجعلنا من اهل الخلوة به والصحبة بالاهل والتسلم للامر .
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)
{ فانطلقا } اى ذهب موسى والخضر عليهما السلام على الساحل يطلبان السفينة واما يوشع فقد صرفه موسى الى بنى اسرائيل . (7/413)
وقال الكاشفى [ ويوشع برعقب ايشان ميرفت ] .
يقول الفقير وهو الظاهر فان تثنية الفعل انما هى لاجل الانتقال من قصة موسى مع يوشع الى قصته مع الخضر فكان يوشع تبعا لهما فلم يذكر ويدل على هذا قوله عليه السلام « مررت بهم سفينة فكلموهم ان يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوا بغير نول » على ما فى المشارق ولا مقتضى لرده الى بنى اسرائيل فان هارون عليه السلام كان معهم والله اعلم { حتى اذا ركبا } دخلا { فى السفينة } .
وقال فى الارشاد فى سورة هود معنى الركوب العلو على شئ له حركة اما ارادية كالحيوان او قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فاذا استعمل فى الاول يوفر له حظ الاصل فيقال ركبت الفرس وان استعمل فى الثانى يلوح بمحلية المفعول بكلمة فى فيقال ركبت فى السفينة . وفى الجلالين { حتى اذا ركبا } البحر { فى السفينة } - روى- انهما مرا بالسفينة فاستحملا ملاحيها فعرفوا الخضر فحملوها بغير نول بفتح النون اى بغير اجرة { خرقها } ثقبها الخضر وشقها لما بلغوا اللج اى معظم الماء حيث اخذ فاسا فقلع بغتة اى على غفلة من القوم من الواحها لوحين مما يلى الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه واخذ الخضر قدحا من زجاج ورقع به خرق السفينة اوسده بخرقة - روى - انه لما خرق السفينة لم يدخلها الماء .
وقال الامام فى تفسيره والظاهر انه خرق جدارها لتكون ظاهرة العيب ولا يتسارع الى اهلها الغرق فعند ذلك { قال } موسى منكرا عليه { أخرقتها } يا خضر { لتغرق اهلها } فان خرقها سبب لدخول الماء فيها المضى الى غرق اهلها وهم قد احسنوا بنا حيث حملونا بغير اجرة وليس هذا جزاءهم فاللام للعاقبة .
وقال سعدى المفتى ويجوز ان يحمل على التعليل بل هو الانسب لمقام الانكار { لقد جئت } اى اتيت وفعلت { شيأ امرا } [ جيزى شكفت وشنيع وبر دل كران ] .
قال فى القاموس امرا امر منكر عجب .
ومن بلاغات الزمخشرى كم احدث بك الزمان امرا امرا كما لم يزل يضرب زيد عمرا اى كما ثبت دوام هذه القصة .
قال فى الاسئلة المقحمة كان من حق العلم الواجب عليه الانكار بحكم الظاهر الا انه كان يلزم مع ذلك التوقف وقت قلب العادة : قال الحافظ
مزن زجون جرادم كه بنده مقبل ... قبول كردبجان هرسخن كه جانان كفت
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)
{ قال } الخضر لموسى { ألم أقل } اى قد قلت { انك لن تستطيع معى صبرا } ام تقدر ان تصبر معى البتة وهو تذكير لما قاله من قبل متضمن للانكار على عدم الوفاء بوعد . (7/414)
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)
{ قال } [ كفت موسى كه آن سخن ازخاطرم رفته بود ] { لا تؤاخذنى بما نسيت } بنسيانى وصيتك بعدم السؤال عن حكمة الافعال قبل البيان فانه لا مؤاخذة على الناس كما ورد فى صحيح البخارى « من ان الاول كان من موسى نسيانا والثانى فرطا والثالث عمدا » { ولا ترهقنى } يقال رهقه كفرح غشيه وارهقه اياه والارهاق ان يحمل الانسان على ما لا يطيقه وارهقه عشرا كلفه كلفه اياه فى القاموس اى ولا تغشنى ولا تكلفنى ولا تحملنى . (7/415)
قال الكاشفى [ ودر مرسان مرا ] { من امرى } وهو اتباع اياه { عسرا } [ دشوارى } مفعول ثانى للارهاق اى لا تعسر على متابعتك ويسرها علىّ فانى اريد صحبتك ولا سبيل لى اليها الا بالاغضاء والعفو وترك المناقشة
بيوش دامن عفوى بروى جرم مرا ... مريزآب رخ بنده بدين جون وجرا
وفى التأويلات النجمية وفى آدب الشيخ وشرائطه فى الشيخوخة ان لا يحرص على قبول المريد بل يمتحنه بان يخبره عن دقة صراط الطلب وعزة المطلوب وعسرته وفى ذلك يكون له مبشرا ولا يكون منفرا فان وجده صادقا فى دعواه وراغبا فيما يهواه معرضا عما سواء يتقلبه بقبول حسن ويكرم مثواه ويقبل عليه اقبال مولاه ويربيه تربية الاولاد ويؤدبه بآداب العباد .
ومنها ان تيغافل عن كثير من الزلات المريد رحمة عليه ولا يؤاخذه بكل سهو او خطأ او نسيان عهد لضعف حاله الا بما يؤدى الى مخالفة امر من اوامره او مواولة نهى من نواهيه او يؤدى الى انكار واعتراض على بعض افعاله واقواله فانه يؤاخذه به وينبهه عن ذلك فان رجع عن ذلك واستغفر منه واعترف بذنبه وندم شرط معه ان لا يعود الى امثاله ويعتذر عما جرى عليه كما كان حال الكليم حيث قال { لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من امرى عسرا } اى لا تضيق على امرى فانى لا اطيق ذلك انتهى .
وفى الآية تصريح بان النسيان يعترى الانبياء عليهم السلام للاشعار بان غيره تعالى معيوب غير معصوم ولكن العصيان يعفى غالبا فكيف بنسيان قارنه الاعتذار وقد قيل
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... ان برّ عندك فيما قال او فجرا
ثم ان امتحان الله وامتحان اوليائه شديد فلا بد من الصبر والتسليم والرضى
قف زفتست وكشاينده خدا ... دست در تسليم زن اندر رضا
قال الخجندى
بجفا دوشدن ازتو نباشد محمود ... هركجا باى ايازست سر محمود دست
وعن الشيخ ابى عبد الله بن خفيف قدس سره قال دخلت بغداد قاصدا الحج وفى رأسى نخوة الصوفية يعنى حدة الارادة وشدة المجاهدة واطراح ما سوى الله قال ولم آكل اربعين يوما ولم ادخل على الجنيد وخرجت ولم اشرب وكنت على طهارتى فرأيت ظبيا فى البرية على رأس بئر وهو يشرب وكنت عطشانا فلما دنوت من البئر ولى الظبى واذ الماء فى اسفل البئر فمشيت وقلت يا سديى امالى عندك محل هذا الظبى فسمعت من خلفى يقال جربناك فلم تصبر ارجع فخذ الماء ان الظبى جاء بلا ركوة ولا حبل وانت جئت ومعك الركوة والحبل فرجعت فاذا البئر ملآن فملأت ركوتى وكنت اشرب منها واتطهر الى المدينة ولم ينفذ الماء فملا رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد قدس سره علىّ لو صبرت لنبع الماء من تحت قدمك لو صبرت صبر ساعة اللهم اجعلنا من اهل العناية .
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)
{ فانطلقا } الفاء فصيحة والانطلاق الذهاب اى فقبل الخضر عذر موسى عليه السلام فخرجا من السفينة فانطلقا { حتى اذا } [ تاجون ] { لقيا } فى خارج قرية مرا بها { غلاما } [ بسرى را زيباروى وبلند قامت خضرا اورا دربس ديوارى ببرد ] { فقتله } عطف على الشرط بالفاء اى فقتله عقيب القاء واسمه جيسور بالجيم او حيسور بالحاء او حينون قاله السهيلى ومعنى قتله اشار باصابعه الثاث الابهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ثم خرجا من الفسينة فبينما هما يمشيان على الساحل اذا ابصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فاخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله » كذا فى الصحيحين برواية ابى بن كعب رضى الله عنه { قال } موسى والجملة جزآء الشرط { أقتلت نفسا زكية } طاهرة من الذنوب لانها صغيرة لم تبلغ الحنث اى الاثم والذنب وهو قول الاكثرين . قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو زاكية والباقون زكية فعيلة للمبالغة فى زكاتها وطهارتها وفرق بينهما ابو عمرو بان الزاكية هى التى لم تذنب قط والزكية التى اذنبت ثم تابت { بغير نفس } بغير قتل نفس محرمة يعنى لم تقتل نفسا فيقتص منها . (7/416)
قيل الصغير لا يقاد فالظاهر من الآية كبر الغلام وفيه ان الشرائع مختلفة فلعل الصغير يقاد فى شريعته ويؤيد هذا الكلام ما نقل البيهقى فى كتاب المعرفة ان الاحكام انما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة .
قوال الشيخ تقى الدين السبكى اننها انما صارت متعلقة بالبلوغ بعد احد .
وقال فى انسان العيون انما صح اسلام على رضى الله عنه مع انهم اجمعوا على انه لم يكن بلغ الحلم ومن ثم نقل عنه رضى الله عنه انه قال
سبقتكموا الى الاسلام طرا ... صغيرا ما بلغت اوان حلمى
اى كان عمره ثمانى سنين لان الصبيان كانوا اذ ذاك مكلفين لان القلم انما رفع عن الصبى عام خيبر .
قال فى الارشاد وتخصيص نفى هذا المبيح بالذكر من بين سائر المبيحات من الكفر بعد الايمان والزنى بعد الاحصان لانه اقرب الى الوقوع نظرا الى حال الغلام وفى الحديث « ان الغلام الذى قتله الخضر طبع كافرا » .
فان قلت ما معنى هذا وقد قال عليه السلام « كل مولود يولد على الفطرة »
قلت المراد بالفطرة استعداده لقبول الاسلام وذلك لا ينافى كونه شقيا فى جبليته او يراد بالفطرة قولهم بلى حين قال الله { ألست بربكم } قال النووى لما كان ابواه مؤمنين كان هو مؤمنا ايضا فيجب تأويله بان معناه والله اعلم ان ذلك الغلام لوبلغ لكان كافرا { لقد جئت } فعلت { شيأ نكرا } منكرا انكر من الاول لان ذلك كان خرقا يمكن تداركه بالسدو هذا لا سبيل الى تداركه . وقيل الامر اعظم من النكر لان قتل نفس واحدة اهون من اغراق اهل السفينة .
قال جماعة من القراء نصف القرآن عند قوله تعالى { لقد جئت شيأ نكرا } .
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)
{ قال } الخضر { ألم اقل لك انك لن تستطيع معى صبرا } توبيخ لموسى على ترك الوصية وزيادة لك هنا لزيادة العتاب على تركها لانه قد نقض العهد مرتين . (7/417)
قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)
{ قال } موسى { ان سألتك عن شئ } [ اى جيزى كه صادر شود مثل ابن افعال منكره ] { بعدها } اى بعد هذه المرة { فلا تصاحبنى } اى لا تكن صاحبى ومقارنى بل ابعدنى عنك وان سألت صحبتك { قد بلغت من لدنى } [ بدرستى كه رسيدى ازنزديك من ] { عذرا } اى قد وجدت عذرا من قبلى لما خالفتك ثلاث مرات . وبالفارسية [ جون سه بار مخالفت كنم هرآينه درترك صحبت من معذور باشى ] العذر بضمتين والسكون فى الاصل تحرى الانسان ما يمحو به ذنوبه بان يقول لم افعل او فعلت لاجل كذا او فعلت فلا اعود وهذا الثالث التوبة فكل توبة عذر بلا عكس . والاعتذار عبارة عن محو اثر الذنب واصله القطع يقال اعتذرت اليه اى قطعت ما فى قلبه من الموجدة وفى الحديث « رحم الله اخى موسى استحى فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لابصر اعجب الاعاجيب » (7/418)
وفى الخصائص الصغرى ومن خصائص صلى الله عليه وسلم انه جمعت له الشريعة والحقيقة ولم يكن للانبياء الا احدهما بدليل قصة موسى مع الخضر عليهما السلام والمراد بالريعة الحكم بالظاهر وبالحقيقة الحكم بالباطن وقد نص العلماء على ان غالب الانبياء انما بعثوا ليحكموا بالظاهر دون ما اطلعوا عيله من بواطن الامور وحقائقها وبعث الخضر ليحكم عليه من بواطن الامور وحقائقها ومن ثمة انكر موسىعلى الخضر فى قتله للغلام بقوله { لقد جئت شيأ نكرا } فقال له الخضر وما فعلته عن امرى ومن ثمة قال الخضر لموسى انى على علم من عند الله لا ينبغى لك ان تعمل به لانك لست مأمورا بالعمل به وانت على علم من عند الله لا ينبغى لى ان اعمل به لانى لست مأمورا بالعمل به .
وفى تفسير ابن حبان والجمهور على ان الخضر نبى وكان علمه معرفة بواطن امور اوحيت اليه اى ليعمل بها وعلم موسى الحكم بالظاهر اى دون الحكم بالباطن ونبينا صلى الله عليه وسلم وللمصلى لما اطلع على باطن امرهما وعلم منهما ما يوجب القتل .
وقد ذكر بعض السلف ان الخضر الى الآن ينفذ الحكم بالحقيقة وان الذين يموتون فجأة هو الذين يقتلهم فان صح ذلك فهو فى هذه الامة بطريقة النيابة عن النبى صلى الله عليه وسلم فانه صار من اتباعه . وفيه ان عيسى اجتمع به صلى الله عليه وسلم اجتماعا متعارفا بيت المقدس فهو صحابى كذا فى انسان العيون .
يقول الفقير لا وجه لتخصيص عيسى فانه عليه السلام كما اجتمع متعارفا كما سبق فهما صاحبيان ايضا . وفيه بيان شرف نبينا صلى الله عليه وسلم حيث ان هؤلاء الانبياء الكرام استمهلوا من الله تعالى ليكونوا من امته
سر خيل انبيا وسهدار اتقيا ... سلطان باركاه دنى قائد امم
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
{ فانطلقا } اى ذهبا بعد ما شرطا ذلك { حتى اذا اتيا اهل قرية } هى انطاكية بالفتح والكسر وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة قاعدة العواصم وهى ذات اعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة اجبل دورها اثنا عشر ميلا كما فى القاموس . (7/419)
قال الكاشفى [ واهل ديه جون شب شدى دروازه دربستندى وبراى هيجكس نكتسادندى نماز شام موسى وخضر بدان ديه رسيدند وخواستندكه بديه در آيند كسى دروازه نكشود واهل ديه را كفتند اينجا غريب رسيده ايم كرسنه نيز هستيم جون مارا درديه جاى نداديد بارى طعام جهت ما بفرستيد ] وذلك قوله تعالى { استطعما اهلها } اى طلبا منهم الطعام ضيافة .
قيل لم يسألاهم ولكن نزولهما عندهم كالسؤال منهم .
قال فى الاسئلة المقحمة استطعم موسى ههنا فلم يطعم وحين سقى لبنات شعيب ما استطعتم وقد اطعم حيث قال { ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا } والجواب ههنا ان الحرمان كان بسبب المعارضة بحيث لم يكتنف بعلم الله بحاله بل جنح الى الاعتماد على مخلوق فاراد السكون بحادث مسبوق وهناك جرى على توكله ولم يدخل وساطه بين المخلوقين وبين ربه بل حط الرحل ببابه فقال { رب انى لما انزلت الى من خير فقير } قال الحافظ
فقير وخسته بدركاهت آمدم رحمى ... كه جزدعاى نوام نيست هيج دست آويز
وقال
ما آبروى فقر وقناعت نمى بريم ... با بادشه بكوى كه وزى مقدرست
قوله { استطعما اهلها } فى محل الجر على انه صفة لقرية وجه العدول عن استطعماهم على ان يكون صفة للاهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم فان الاباء من الضيافة وهم اهلها قاطنون بها اقبح واشنع { فابوا } امتنعوا { ان يضيفوهما } اى من تضييفهما وهو بالفارسية [ مهمان كردن ] يقال ضافه اذا نزل به ضيفا واضافه وضيفه انزله وجعله ضيفا له هذا حقيقة الكلام ثم شاع كناية عن الاطعام وحقيقة ضاف مال اليه من ضاف السهم عن الغرض اذا مال وعن النبى عليه السلام « كانوا اهل قرية لئاما » قال الشيخ سعدى قدس سره
بزر كان ماسفر بجان برورند ... كه نام نكويى بعالم برند
غريب آشناباش وسياح دوست ... كه سياح جلاب نام نكوست
تبه كرددان مملكت عن قريب ... كزوخاطر آزرده كردد غريب
نكودار ضيف ومسافر عزيز ... وز آسيب شان برحذرباش نيز
وفى الحكاية ان اهلها لما سمعوا الآية جاؤوا الى النبى عليه السلام يحمل من الذهب وقالوا انشترى بهذا ان تجعل الباء تاي عينى فأتوا ان يضيفوهما اى لان يضيفوهما وقالوا غرضنا دفع اللؤم فيمتنع وقال تغييرها يوجب دخول الكذب فى كلام الله والقدح فى الالهة كذا فى التفسير الكبير { فوجدا فيها } قال الكاشفى [ ايشان كرسنه بيرون ديه بودند بامداد روى براه نهادند بس يافتند در نواحى ديه ] { جدارا } [ ديوارى مائل شده بيك طرف ] { يريد ان ينقض } الارادة نزوع النفس الى شئ من حكمه فيه بالفعل او عدمه والارادة من الله هى الحكم وهذا من مجاز كلام العرب لان الجدار لا ارادة له وانما معناه قرب ودنا من السقوط كما يقول العرب دارى تنظر الى دار فلان اذا كانت تقابلها .
قال فى الارشاد اى يدانى ان يسقط فاستعيرت الارادة للمشاركة للدلالة على المبالغة فى ذلك . والانقضاض الاسراع فى السقوط وهو انفعال من القض يقال قضضته فانقض ومنه انقضاض الطير والكواكب لسقوطها بسرعة . (7/420)
وقيل هو افعلال من النقض كاحمر من الحمرة { فاقامه } فسواه الخضر بالاشارة بيده كما هو المروى عن النبى عليه السلام وكان طول الجدار فى السماء مائة ذراع { قال } له موسى لضرورة الحاجاة الى الطعام .
قال الكاشفى [ كفت موسى اين اهل ديه مارا جاى ندادند وطعام نيز نفر ستادند بس جرا ديوار ابشانرا عمارت كردى ] والجملة جزاء الشرط { لو شئت لاتخذت } افتعل من اتخذ بمعنى اخذ كاتبع وليس من الاخذ عند البصريين { عليه } على عملك { اجرا } اجرة حتى نشترى بها طعاما .
قال بعضهم لما قال له { لتغرق اهلها } قال الخضر أليس كنت فى البحر ولم تغرق من غير سفينة ولما قال { أقتلت نفسا زكية بغير نفس } قال أليس قتلت القبطى بغير ذنب ولما قال { لو شئت لاتخذت عليه اجرا } قال أنسيت سقياك لبنات تعيب من غير اجرة وهذا من باب لطائف المحاورات .
قال القاسم لما قال موسى هذا القول وقف ظبى بينهما وهما جائعان من جانب موسى غير مشوى من جانب الخضر مشوى لان الخضر اقام الجدار بغير طمع وموسى رده الى الطمع .
قال ابن عباس رضى الله عنهما رؤية العمل وطلب الثواب به يبطل العمل ألا ترى الكليم لما قال للخضر { لو شئت } الآية كيف فارقه .
وقال الجنيد قدس سره اذا وردت ظلمة الاطماع على القلوب حجبت النفوس عن نظرها فى بواطن الحكم .
يقول الفقير ان قلت كيف جوز موسى طلب الاجرة بمقالة العمل الذى حصل بمجرد الاشارة وهو من طريق خرق العادة الى لا مؤونة فيه .
قلت لم ينظر الى جانب الاسباب وانما نظر الى النفع العائدة الى جانب اصحاب الجدار ألا ترى انه جور اخذ الاجر بمقالة الرقية بسورة الفاتحة ونحوها وهو ليس من قبيل طلب الاجرة على الدعوة فانه لا يجوز للنبى ان يطلب اجرا من قومه على عوته وارشاده كما اشير اليه فى مواضع كثيرة من القرآن .
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)
{ قال } الخضر { هذا فراق بينى وبينك } اى هذا الوقت وقت الفراق بيننا وهذا الاعتراض الثالث سبب الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبنى واضافة الفراق الى البين اضافة المصدر الى لاظرف اتساعا { سانبئك } ساخبرك السين للتأكيد لعدم تراخى التنبئة { بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } التأويل رجع الشئ الى مآله والمراد به ههنا الملآل والعاقبة اذ هو المنبأ به دون التأويل وهو خلاص السفينة من اليد العادية وخلاص ابوى الغلام من شره مع الفوز بالبدل الاحسن واستخراج اليتيمين للكنز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « وددنا ان موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما » اى يبين الله لنا بالوحى . (7/421)
وفى التأويلات النجمية ومن آداب الشيخ انه لو ابتلى المريد بنوع من الاعتراض او ما يوجب الفرقة يعفو عنه مرة او مرتين ويصفح ولا يفارقه فان عاد الى الثالثة فلا يصاحبه لانه قد بلغ من لدنه عذرا ويقول كما قال الخضر هذا فراق بينى وبينك . ومنها انه لو آل امر الصحبة الى المفارقة بالاختيار او بالاضطرار فلا يفارقه الا على النصحية فينبئه عن سر ما كان عليه الاعتراض ويخبره عن حكمته التى لم يحط بها خبرا ويبين له تأويل ما لم يستطع عليه صبرا لئلا يبقى معه انكار فلا يفلح اذا ابدا انتهى .
يقول الفقير وهو المراد بقول بعض الكبار من قال لاستاذه لم لم يفلح .
قال ابو يزيد البسطامى قدس سره فى حق تلميذه لما خالفه دعوا من سقط من عين الله فرؤى بعد ذلك من المحنثين وسرق فقطعت يده هذا لما نكث العهد فاين هو ممن وفى بيعته مثل تلميذ ابى سليمان الدارانى قدس سره قيل له الق نفسك فى التنور فالقى نفسه فيه فعاد عليه بردا وسلاما وهذه نتيجة الوفاء : وفى المثنوى
جرعه بر خاك وفا آنكس كه ريخنت ... كى تواند صيد دولت زو كربخت
جعلنا الله واياكم من المتحققين بحاقئق المواثيق والعهود .
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)
{ اما السفينة } التى خرقتها { فكانت لمساكين } لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة وكانوا عشرة اخوة خمسة منهم زمنى { يعملون فى البحر } بها مؤاجرة طلبا للكسب فاسناد العلم الى الكل بطريق التغليب او لان عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين . (7/422)
اعلم ان الفقير فى الشرية من له مال لا يبلغ نصابا قدر مائتى درهم او قيمتها فاضلا عن حاجته الاصلية سواء كان ناميا او لا والمسكين من لا شئ له من المال هذا هو الصحيح عند الحنفية والشافعية يعكسون .
قال القاضى فى الآية دليل ان المسكين يطلق على من يملك شيأ لم يكفه وحمل اللام على التمليك .
وقال مولانا سعدى انما يكون دليلا اذا ثبت ان السفينة كانت ملكا لهم لكن للخصم ان يقول اللام للدلالة على اختصاصهم بهم لكونها فى يدهم عارية او كونهم اجراء كما ورد فى الاثر انتهى .
وقد نص على هذين الوجهين صاحب الكفاية فى شرح الهداية وسلمنا ان السفينةكانت ملكا لهم فانما سماهم الله مساكين دون فقراء لعجزهم عن دفع الملك الظالم ولزمانتهم والمسكين يقع على من اذله شئ وهو غير المسكين المشهور فى مصرف الصدقة هذا هو تحقيق المقام { فاردت } بحكم الله وارادته { ان اعيبها } اى اجعلها ذات عيب { وكان } [ وحال آنكه هست ] { وراءهم } امامهم كقوله ومن ورائهم برزخ هوراء من الاضداد مثل قوله فما فوقها اى دونها اريد به ههنا الامام دون الخلق على ما يأتى من القصص { ملك } كافر اسمه جلندى بن كركرد كان بجزيرة الاندلس ببلدة قرطبة واول فساد ظهر فى البحر كان ظلمة على ما ذكره ابو الليث واول فساد ظهر فى البر قتل قابيل هابيل على ما ذكره ايضا عند تفسير قوله تعالى { ظهر الفساد } الآية { يأخذ كل سفينة } صحيحة جيدة وهو من قبيل ايجاز الحذف { غصبا } من اصحابها وانتصابه على انه مصدر مبين لنوع الاخذ او على الحالية بمعنى غاصبا والغصب اخذ الشئ ظلما وقهرا ويسمى المغصوب غصبا وخوف الغصب سبب لارادته عيبها لكنه اخر عنها لقصد العناية بذكرها مقدما وجه العناية ان موسى لما انكر خرقها وقال اخرقتها لتغرق اهلها اقتضى المقام الاهتمام لدفع مبنى انكاره بان الخرق لقصد التعييب لا لقصد الاغراق - روى - ان الخضر اعتذر الى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره .
وفى قصص الانبياء فبينما هم كذلك استقلتهم سفينة فيها جنود الملك وقالوا ان الملك يريد ان يأخذ سفينتكم ان لم يكن فيها عيب ثم صعدوا اليها وكشفوها فوجدوا موضع اللوح مفتوحا فانصرفوا فلما بعدوا عنهم اخذ الخضر ذلك اللوح ورده الى مكانه : وفى المثنوى
كر خضر در بحر كشتى را شكست ... صد درشتى درشكست خضر هست (7/423)
فظاهر فعله تخريب وباطنه تعمير : وفى المثنوى
آن يكى آمد زمين را مى شكافت ... ابلهى فرياد كرد وبرنتافت
كين زمين را ازجه ويران ميكنى ... مى شكافىّ وبريشان ميكنى
كى شود كلزار وكندم زار اين ... تانكردد زشت وويران اين زمين
كى شود بستان وكشت وبرك بر ... تار نكردد نظم او زير وزبر
تا نشكافى بنشتر ريش جغز ... كى شود نيكو وكى كرديد نغز
تا نشوزد خلطهايت از دوا ... كى رود شورش كجا آيد شفا
باره باره كرد درزى جامه را ... كس زند آن درزى علامه را
كه جرا اين اطلس بكزيده را ... بر دريدى جه كنم بدر يده را
هر بناى كهنه كآبادان كنند ... نى كه اول كهنه را ويران كنند
همجنين نجار وحداد وقصاب ... هستشان بيش از عمارتها خراب
آن هليله وان بليله كوفتن ... زان تلف كردند معمورئ تن
تا نكوبى كندم اندر آسيا ... كى شود آراسته زان خوان ما
وفى افناء الوود المجازى تحصيل للوجود الحقيقى فما دامت البشرية واوصافها باقية على حالها لا يظهر آثار الاخلاق الالهية البتة .
وفى التأويلات النجمية فى الآية اشاراتن . منها ان خرق السفينة واعابتها لئلا تؤخذغصبا ليس من احكام الشرع ظاهرا ولكنه لما كان فيه مصلحة لصاحبها فى باطن الشرع جوز ذلك ليعلم انه يجوز للمجتهد ان يحكم فيما يرى ان صلاحه اكثر من فساده فى بطان الشرع بما لا يجوز فى ظاهر الشرع اذا كان موافقا للحقيقة كمل قال { وكان وراءهم } الآية .
ومنها ان يعلم عناية الله فى حق عباده المساكين الذين يعلمون فى البحر غافلين عما رواءهم من الآفات كيف ادركتهم العناية بنبى من انبيائه ويكف دفع عنه البلاء ودرأ عنهم الآفة .
ومنها ان يعلم ان الله تعالى فى بعض الاوقات يرجح مصلحة بعض السالكين على مصلحة نبى من انبيائه فى الظاهر وان كان لا يخلو فى باطن الامر من مصلحة النبى فى اهمال جانبه فى الظاهر كما ان الله تعالى رجح رعاية مصلحة المساكين فى خرق السفينة على رعاية مصلحة موسى لانه كان من اسباب مفارقته عن صحبة الخضر ومصلحته ظاهر كانت فى ملازمة صحبة الخضر وقد كان فراقه عن صحبته متضمنا لمصالح النبوة والرسالة ودعوة بنى اسرائيل وتربيتهم فى حق موسى باطنا انتهى .
يقول الفقير ومنها ان اهل السفينة لما لم يأخذوا النول من موسى والخضر عوضهم الله تعالى خيرا من ذلك حيث نجى سفينتهم من اليد العادية وفيه فضيلة الفضل .
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)
{ واما الغلام } الذى قتلته وهو جيسور { فكان ابواه } اسم ابيه كازبرا واسم امه سهوى كما فى التعريف { مؤمنين } مقرين بتوحيد الله تعالى { فخشينا } خفنا من { أن يرهقهما } رهقه غشيه ولحقه وارهقه طغيانا اغشاه اياه وألحق ذلك به كما فى القاموس . (7/424)
قال الشيخ ان يكلفهما { طغيانا } ضلالة { وكفرا } وتبعهان له لمحبتهما اياه فيكفران بعد الايمان ويضلان بعد الهداية وانما خشى الخضر من ذلك لان الله اعلمه بحال الولد انه طبع اى خلق كافرا .
فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)
{ فاردنا } [ بس خواستيم ما ] { ان يبدلهما ربهما } يعوضهما ويرزقهما ولدا { خيرا منه زكاة } طهارة من الذنوب والاخلاق الرديئة { واقرب } منه { رحما } رحمة وبرا بوالديه . (7/425)
قال ابن عباس رضى الله عنهما ابدلهما الله جارية تزوجها نبى من الانبياء فولدت سبعين نبيا .
قال مطرف فرح به ابواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقى لكان فيه هلاكهما فليرض المرء بقضاء الله فان قضاء الله للمؤمن خير له من قضائه فيما يحب
آن بسررا كش خضر ببريد حلق ... سر آنرا در نيابد عام خلق
آنكه جان بخشد اكربكشدرواست ... نائب است ودست او دست خداست
بس عداوتها كه آن يارى بود ... بس خرابيها كه معمارى بود
فرب عداوة هى فى الحقيقة محبة ورب عدو هو فى الباطن محب وكذا عكسه وانتفاع الانسان بعد ومشاجر يذكر عيوبة اكثر من انتفاعه بصديق مداهن يخفى عليه عيوبة : وفى المثنوى
در حقيقت دوستانت دشمنند ... كه زحضرت دور ومشغولت كنند
در حقيقت هر عدو داروى تست ... كيميا ونافع ودلجوى تست
كه ازو لدر كر يزى در خلا ... استعانت جو يى از لطف خدا
- وكان - واعظ كلما وعظ ودعا اشرك فى دعائه قطاع الطريق ودعا لهم فسئل عن ذلك فقال انهم كانوا سببا لسلوكى هذا الطريق اى طريق الفقراء واختيارى الفقر على الغنى فانى كنت تاجرا فاخذونى وآذونى وكلما خطر ببالى امر التجارة ذكرت اذا هم وجفاهم فتركت التجارة واقلبت على العبادة .
وفى الآية اشارة . منها ان قتل النفس الزكية بلا جرم منها محظور فى ظاهر الشرع وان ان فيه مصلحة لغيره ولكنه فى باطن الشرع جائز عند من يكاشف بخواتيم الامور ويتحقق له ان حياته سبب فساد دين غيره وسبب كمال شقاوة نفسه كما كان حال الخضر مع قتل الغلام لقوله تعالى { واما الغلام } الآية فلو عاش الغلام لكان حياته سبب فساد دين ابويه وسبب كمال شقاوته فانه وان طبع كافرا شقيا لم يكن يبلغ كمال شقاوته الا بطول الحياة ومباشرة اعمال الكفر .
ومنها تحقيق قوله تعالى { عسى ان تكرهوا شيأ وهو خير لكم } الآية فان ابوى الغلام كانا يكرهان قتل ابنهما بغير قتل نفس ولا جرم وكان قتله خيرا لهما وكانا يحبان حياة ابنهما وهو اجمل الناس وكان حياته شرا لهما وكان الغلام ايضا يكره قتل نفسه وهو خير له ويحب حياة نفسه وهو شر له لانه بطول حياته يبلغ الى كمال شقاوته .
ومنها ان من عواطف احسان الله تعالى انه اذا اخذ من العبد المؤمن شيأ من محبوباته وهو مضر له والعبد غافل عن مضرته فان صبر وشكر الله تعالى يبد له خيرا منه مما ينفعه ولا يضره كما قال تعالى { فاردنا ان يبدلهما ربهما } الآية كما فى التأويلات النجمية نسأل الله تعالى ان يجعلنا من الصابرين الشاكرين فى الشريعة والطريقة ويوصلنا الى ما هو خير وكمال فى الحقيقة .
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)
{ واما الجدار } المعهود { فكان لغلامين يتيمين } اسمهما اصرم وصريم ابنا كاشح وكان سياحا تقيا واسم امهما دنيا فيما ذكره النقاش { فى المدينة } فى القرية المذكورة فيما سبق وهى انطاكية { وكان تحته } اى تحت الجدار { كنز لهما } [ كنجى براى ايشان ] هو فى الاصل مال دفنه انسان فى ارض وكنزه يكنزه اى دفنه اى مال مدفون لهما من ذهب وفضة روى ذلك مرفوعا وهو الظاهر لاطلاق الذم على كنزهما فى قوله تعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة } لا يؤدى زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق . (7/426)
وقيل كان لوحا من ذهب او من رخام مكتوب فيه « بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر » اى ان الامور كائنة بقضاء الله تعالى وتقديره « كيف يحزن » اى على فوات نعمة واتيان شدة « وعجبت لمن يؤمن بالرزق » اى ان الرزق مقسوم والله تعالى رازق كل احد « كيف ينصب » اى يتعب فى تحصيله « وعجبت لمن يؤمن بالموت » اى انه سيموت وهو حق « كيف يفرح » اى بحياته القليلة القصيرة « وعجبت لمن يؤمن بالحساب » اى ان الله تعالى يحاسب على كل قليل وكثير « كيف يغفل » اى عن ذلك ويشغل بتكثير متاع الدنيا « وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقبلها باهلها كيف يطمئن اليها لا اله الا الله محمد رسول الله وعجبت لمن يؤمن بالنار كيف يضحك » وفىلجانب الآخر مكتوب « انا الله لا اله الا انا وحدى لا شريك لى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير واجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر واجريته على يديه » وهو قول الجمهور كما فى بحر العلوم { وكان ابوهما صالحا } كان الناس يضعون الودائع عند ذلك الصالح فيردها اليهم سالمة فحفظنا بصلاح ابيهما فى مالهما وانفسهما .
قال جعفر بن محمد كان بينهما وبين الاب الصالح سبعة آباء فيكون الذى دفن ذلك الكنز جدهما السابع { فاراد ربك } بالامر بتسوية الجدار { ان يبلغا اشدهما } اى حلمهما وكمال رأيهما .
قال فى بحر العلوم الاشد فى معنى القوة جمع شدة كانعم فى نعمة على تقدير حذف الهاء وقيل لا واحد له وبلوغ الاشد بالادراك وقيل ان يونس منه الرشد مع ان يكون بالغاء وىخره ثلاث وثلاثون سنة او ثمانى عشرة وانما قال الخضر فى تأويل خرق السفينة { فاردت ان اعيبها } بالاسناد الى نفسه لظاهر القبح وفى تأويل قتل الغلام { خشينا } بلفظ الخشية والاسناد الى ن لان الكفر مما يجب ان يخشاه كل احد وقال فى تأويل الجدار { فاراد ربك ان يبلغا اشدهما } بالاسناد الى الله تعالى وحده لان بلوغ الاشد وتكامل السن ليس الا بمحض ارادة الله تعالى من غير مدخل واثر لارادة العبد فالاول فى نفسه شر قبيح والثالث خير محض والثانى ممتزج .
وقال بعضهم لما قال الخضر { فاردت } اللهم من انت حتى يكون لك ارادة فجمع فى الثانية حيث قال { فاردنا } فالهم من انت وموسى حتى يكون لكما اراد فخض فى الثالثة الارادة بالله اى دون اضافة الارادة الى نفسه وادعاء الشركة فيهما ايضا { ويستخرجا كنزهما } من تحت الجدار ولوا انى اقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته وضاع بالكلية . فان قيل انعرف واحد من اليتيمين والقيم عليهما الكنز امتنع ان يترك سقوط الجدار وان لم عرفوا فكيف يسهل عليهم استخراجه . (7/427)
قلنا لعلهما لم يعلماه وعلم القيم الا انه كان غائبا كذا فى تفسر الامام .
يقول الفقير قوله وان لم يعرفوا الخ غير مسلم لان الله تعالى قادر على ان يعلقهما مكان ذلك الكنز بطريق من الطرق ويسهل عليهما استخراجه على ان واجد الكنز فى كل زمان من غير سبق معرفة بالمكان ليس بنادر واللام فى كنز لهما لاختصاص الوجدان بهما ومن البعيد ان يعيش الجد السابع الى ان يولد للبطن السادس من اولاده ويدفن له مالا او يعين له { رحمة من ربك } لهما مصدر فى موقع الحال اى مرحومين من قبله تعالى او علة لاراد فان ارادة الخير رحمة او مصر لمحذوف اى رحمهما الله بذلك رحمة { وما فعلته } اى ما فعلت ما رأيته يا موسى من خرق السفينة وقتل الغلام واقامة الجدار { عن امرى } عن رأيى واجتهادى وانما فعلته بامر الله ووحيه وهذا ايضاح لما اشكل على موسى وتمهيد عنه شفقة له { ذلك } المذكور منا لعواقب { تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } اى لم تستطع فحذف التاء للتخفيف وهو انجاز للتنبئة الموعودة - روى - ان موسى لما اراد ان يفارقه قال ان الخضر لوصبرت لاتيت على الف عجب كل عجب اعجب مما رأيت فبكى موسى على فراقه وقال له اوصنى يا نبى الله . قال لا تطلب العلم لتحدث به الناس واطلبه لتعمل به وذلك لان من لم يعمل بعلمه فلا فائدة فى تحديثه بل نفعه يعود الى غيره : وفى المثنوى
@_جوع يوسف بود آن يعقوب را ... بوى نانش مى رسيد ازدورجا
آنكه بستد بيرهن رامى شتافت ... بوى بيراهان يوسف مى نيافت
وانكه صدفر سنك زآن سوبوى او ... جونكه بد يعقوب مى بوييد بو
اى بسا عالم زدانش بى نصيب ... حافظ علمست آنكست نى حبيب
زانكه ببراهان بدستش عاريه است ... جون بدست آر نخاسى جاريه است
جاريه بيش نخاسى سرسريست ... در كف او از براى مشتريست
ومن وصايا الخضر . (7/428)
كن نفاعا ولا تكن ضرارا . وكن بشاشا ولا تكن عبوسا غضابا . واياك واللجاجة . ولا تمش فى غير حاجة . ولا تضحك من غير عجب . ولا تعير المذنبين خطاياهم بعد الندم . وابك على خطيئتك ما دمت حيا . ولا تؤخر عمل اليوم الى الغد . واجعل همك فى معادك ولا تخض فيما لا يعنيك . ولا تأمن لخوف من امنك . ولا تيأس من الا من من خوفك . وتدبر الامور فى علانيتك . ولا تذر الاحسان فى قدرتك فقال له موسى قد ابلغت الوصية فاتم الله عليك نعمته وغمرك فى رحمته وكلأك من عدوه .
فقال له الخضر اوصنى انت يا موسى فقال له موسى اياك والغضب الا فى الله . ولا تحب الدنيا فانها تخرجك من الايمان وتدخلك فى الكفر فقال له الخضر قد ابلغت فى الوصية فاعانك الله على طاعته واراك السرور فى امرك وحببك الى خلقه واوسع عليك من فضله قال له آمين كما فى التعريف والاعلام للامام السهيلى رحمه الله .
وفى بعث موسى الى الخضر اشارة الى ان الكمال فى الانتقال من علوم الشريعة المبنية على الظواهر الى علوم الباطن المبنية على التطلع الى حقائق الامور كا فى تفسير الامام .
قال بعض العارفين من لم يكن له نصيب من هذا العلم اى العلم الوهبى الكشفى اخاف عليه سوء الخاتمة وادنى النصيب التصديق به وتسليمه لاهله واقل عقوبة من ينكره ان لا يرزق منه شيأ وهو علم الصديقين والمقربين كذا فى احياء العلوم .
وفى الآية اشارات منها انه تعالى من كمال حكمته وغاية رأفته ورحمته فى حق عباده يستعمل نبين مثل موسى والخضر عليهما السلام فى مصلحة الطفلين .
ومنها ان مثل الانبياء يجوز ان يسعى فى امر دنيوى اذا كان فيه صلاح امر اخروى لا سيما فائدة راجعة الى غيره فى الله . ومنها ان يعلم ان الله تعالى يحفظ بصالح قوما وقبيلة ويوصل بركاته الى البطن السابع منه كما قال { وكان ابوهما صالحا } .
قال محمد بن المنكدر ان الله يحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وعشيرته والدويرات اى اهلها حوله فلا يزالون فى حفظ الله وستره .
قال سعيد بن المسيب انى اصلى واذكر ولدى فازيد فى صلاتى . وصح عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى { وكان ابوهما صالحا } انه قال حفظا بصلاح ابيهما وما ذكر منهما صلاحا فاذا ارتفع الطاهرة الطيبة المطهرة .
قود قيل ان حمام الحرم انما اكرم لانه من ذرية حمامتين عششت على غار ثور الذى اختفى فيه النبى عليه السلام عند خروجه من مكة للهجرة كما فى الصواعق لابن حجر . وذكر ان بعض العلوية هم هارون الرشيد بقتله فلما دخل عليه اكرمه وخلى سبيله فقيل بم دعوت حتى انجاك الله منه فقال قلت يا من حفظ الكنز على الصبيين لصلاح ابيهما احفظنى لصلاح آبائى كما فى العرائس .
ومنها ليتأدب المريد فيما استعمله الشيخ وينقاد له ولا يعمل الا لوجه الله ولا يشوب عمله بطمع دنيوى وغرض نفسانى ليحبط عمله ويقطع حبل الصحبة ويوجب الفرقة . (7/429)
ومنها ان الله تعالى يحفظ المال الصالح للعبد الصالح اذا الصالح اذا كان فيه صلاح . ومنها ليتحقق ان كل ما يجرى على ارباب النبوة واصحاب الولاية انما يكون بامر من اوامر الله ظاهرا وباطنا . اما الظاهر فكحلال الخضر كما قال { وما فعلته عن امرى } اى فعلته بامر ربى . واما الباطن فحكال موسى واعتراضه على وفق شريعته .
ومنها ان الصبر على افاعيل المشايخ امر شديد فان زل قدم مريد صادق فى امر من اوامر الشيخ او تطرق اليه انكار على بعض افعال المشايخ او اعتراه اعتراض على بعض معاملاته او اعوزه الصبر على ذلك فليعذره ويعف عنه ويتجاوز الى ثلاث مرات فان قال بعد الثالثة هذا فراق بينى وبينك يكون معذورا ومشكورا ثم ينبئه عن افاعيله ويقول ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا . قال فى العوارف ويحذر المريد الاعتراض على الشيخ ويزيل اتهام الشيخ عن باطنه فى جميع تصاريفه فانه السم القاتل للمريدين وقل ان يكو مريد يعترض على الشيخ بباطنه فيفلح ويذكر المريد فى كل ما اشكل عليه من كل تصرف اشكل عليه صحته من الشيخ عند الشيه فيه بيان وبرهان للصحة انتهى : قال الحافظ
نصيحتى كنمت بشنو وبهانه مكير ... هر آنكه ناصح مشفق بكويدت ببذير
وينبغى ان يكون المرشد محققا ومشفقا لا مقلدا غير مشفق كيلا يضيع سعى من اقتدى به فانه قيل
اذا كان الغراب دليل قوم ... سيهديهم الى ارض الجياف
قال الحافظ
دردم نهفته به زطبيبان مدعى ... باشدكه ازخزانه غيبش دواكنند
قال الصائب
ربى درد ان علاج دردخود جستن بآن ماند ... كه خاراز بابرون آرد كسى بانيش عقربها
ومنها انه اذا تعارض ضرر ان يجب تحمل اهونهما لدفع اعظمهما وهو اصل ممهد غير ان الشرائع فى تفاصيله مختلفة مثاله . رجل عليه جرح لو سجد له سال جرحه وان لم يسجد لم سل فانه يصلى قاعدا يومى بالركوع والسجود لان ترك الركوع والسجود اهون من الصلاة مع الحدث . وشيخ لا يقدر على القراءة ان صلى قائما ويقدر عليها ان صلى قاعهدا يصلى قاعدا مع القراءة ولو صلى فى الفصلين قائما مع الحدث وترك القراءة لم يجز . ورجل لو خرج الى الجماعة لا يقدر على القيام ولو صلى فى بيته صلى قاعدا صححه فى الخلاصة وفى شرح المنية يصلى فى بيته قائما قال ابن نجيم وهو الاظهر ومن اضطر . وعنده ميتة ومال الغير اكلها دونه . ورجل قيل له لتلقين نفسك فى النار او من البجل او لاقتلنك وكان الالقاء بحيث لا ينجو يختار ما هو الاهون فى زعمه عند الامام يصبر حتى يقتل كذا فى الاشباه .
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83)
{ ويسألونك عن ذى القرنين } هم اليهود سألوه على وجه الامتحان عن رجل طواف بلغ شرق الارض وغربها او سأل قريش بتلقينهم وصيغة الاستقبال للدلالة على استمرارهم على ذلك الى ورود الجواب وهو ذو القرنين الاكبر واسمه اسكندر بن فيلقوس اليونانى ملك الدنيا باسرها كما قال مجاهد ملك الارض اربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان وذو القرنين والكافران نمرود وبخت نصر وفى مشكاة الانوار شداد بن عاد بدل بخت نصر وكان ذو القرنين بعد نمرود فى عهد ابراهيم عليه السلام على ما يأتى ولكنه عاش طويلا الفا وستمائة سنة على ما قالوا . (7/430)
وفى تفسير الشيخ وكان بعد ثمود وكان الخضر على مقدمة جيشه بمنزلة المستشار الذى هو من الملك بمنزلة الوزير .
قال ابن كثير والصحيح انه ما كان نبيا ولا ملكا وانما كان ملكا صالحا عادلا ملك الاقاليم وقهر اهلها من الملوك وغيرهم وانقادت له البلاد مات بمدينة شهر زور بعدما خرج من الظلمة ودفن فيها وفى التبيان مدة دوران ذى القرنين فى الدنيا خمسمائة ولما فرغ من بناء السد رجع الى بيت المقدس ومات به وانما سمى بذى القرنين لانه بلغ قرنى الشمس اى دانبيها مشرقها ومغربها كما لقب اردشير واضع النرد بطويل اليدين لنفوذ امره حيث اراد .
وفى القاموس لما دعاهم الى الله ضربوه على قرنه الايمن فمات فاحياه الله ثم دعاهم فضربوه على قرنه الايسر فمات ثم احياه الله كما سمى على بن ابى طالب رضى الله عنه بذى القرنين لما كان شجتان فى قرنى رأسه احداهما من عمرو بن ود والثانية من ابن ملجم لعنه الله . وفى قصص الانبياء وكان قد رأى فى منامه انه دنا من الشمس حتى اخذ بقرنيها فى شرقها وغربها فلما قص رؤياه على قومه سموه به .
وقال السيوطى رحمه الله فى الاوائل اول من لبس العمامة ذو القرنين وذلك انه طلع له فى رأسه قرنان كالظلفين يتحركان فلبسهما من اجل ذلك ثم انه دخل الحمام ومعه كاتبه فوضع العمامة وقال لكاتبه هذا امر لم يطلع عليه غيرك فان سمعت به من احد قتلتك فخرج الكاتب من الحمام فاخذه كهيئة الموت فاتى الصحراء فوضع فمه بالارض ثم نادى ألا ان للملك قرنين فانبت الله من كلمته قصبتين فمر بهما راع فقطعهما واتخذهما مزمارا فكان اذا زمر خرج من القصبتين ألا ان للملك قرنين فانتشر ذلك فى المدنية فقال ذو القر نين هذا امرا اراد الله ان يبديه .
واما ذو القرنين الثانى وهو اسكندر الرومى الذى يؤرخ بايامه الروم فكان متأخرا عن الاول بدهر طويل اكثر من الفى سنة كان هذا قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلاثمائة سنة وكان وزيره ارسطاطا ليس الفيلسوف وهو الذى حارب دارا واذل الفرس ووطئ ارضهم وكان كافرا عاش ستا وثلاثين سنة فالمراد بذى القرنين فى القرآن هو الاول دون الثانى وقد غلط كثير من العلماء ف الفرق بينهما فظنوا ان المذكور فى الآية هو الرومى سامحهم الله تعالى { قل } لهم فى الجواب { ساتلو عليكم } ساذكر لكم ايها السائلون { منه } اى من خبر ذو القرنين وحاله فحذف المضاف { ذكرا } نبأ مذكورا وبيانا او ساتلوا فى شأنه من جهته تعالى ذكر اى قرآنا والسين للتأكيد والدلالة على التحقق اى لا اترك التلاوة البتة .
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)
{ انا مكنا له فى الارض } شروع فى تلاوة الذكر المعهود حسبما هو الموعود والتمكين ههنا الاقدار وتمهيد الاسباب فلا يحتاج الى المفعول يقال مكنه ومكن له ومعنى الاول جعله قادرا قويا ومعنى الثانى جعل له قدرة وقوة ولتلازمهما فى الوجود وتقاربهما فى المعنى يستعمل كل منهما فى محل الآخر كما فى قوله { مكناهم فى الارض ما لم نمكن لكم } اى جعلناهم قادرين من حيث القوى والاسباب والآلات على انواع التصرفات فيها ما لم نجعله لكم من القوة والسعة فى المال والاستظهار بالعدد والاسباب فكأنه قيل ما لم نمكن لكم فيها اى ما لم نجعلكم قادرين على ذلك فيها او مكنا لهم فى الارض ما لم نمكن لكم وهذا اذا كان التمكين مأخوذا من المكان بناء على توهم ان ميمه اصلية او المعنى انا جعلنا له مكنة وقدرة على التصرف من حيث التدبير والرأى والسباب حيث سخر له السحاب ومد له فى الاسباب وبسط له النور وكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير فى الارض وذللت له طرقها . (7/431)
وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان ابراهيم عليه السلام بمكة فاقبل عليها ذو القرنين فلما كان بالابطح قيل له فى هذه البلدة ابراهيم خليل الرحمن فقال ذو القرنين ما ينبغى لى ان اركب فى بلدة فيها ابراهيم خليل الرحمن فنزل ذو القرنين ومشى الى ابراهيم فسلم عليه ابراهيم واعتنقه فكان هو اول من عانق عند السلام كما فى انسان العيون ودرر الغرر فعند ذلك سخر له السحاب لان من تواضع رفعه الله فكانت السحاب تحمله وعساكره وجميع آلاتهم اذا ارادوا غزوة قوم وسخر له النور والظلمة فاذا سرى يهديه النور من امامه وتحوطه الظلمة من ورائه
جون نهد در تو صفات جبرئيل ... همجو فرخى برهوا جويى سبيل
جون نهند در تو صفتهاى خرى ... صد برت كر مست در آخور برى
جونكه جشم دل شده محرم بنور ... ظلمت كون ومكان شد ازتو دور
هركه ن بينا شود اندر جهان ... روز او باشب برابر بى كمان
{ وآتيناه من كل شئ } اراد من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه { سببا } اى طريقا يوصل اليه وهو كل ما يتوصل به الى المقصود من علم او قدرة او آلة . وبالفارسية [ دست آويزى كه بدان سبب اوران آن جيز ميسر ميشد ] .
فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)
{ فاتبع } بالقطع اى فاراد بلوغ المغرب فاتبع { سببا } يوصله اليه اى لحقه وتبعه وسلكه وسار . (7/432)
قال فى القاموس واتبعتهم تبعتهم وذلك اذا كانوا سبقوك فلحقتهم واتبعتهم ايضا غيرى وقوله تعالى { فأتبعهم فرعون } اى لحقهم ففى الاتباع معنى الادراك والاسراع . قال ابن الكمال يقال تبعه اتباعا اذا طلب الثانى اللحوق بالاول وتبعه تبعا اذا مر به ومضى معه . قال فى الارشاد ولعل قصد بلوغ المغرب ابتداء لمراعاة الحركة الشمسية انتهى .
وقال فى التبيان قصد الى ناحية المغرب يطلب عين الحياة عند بحر الظلمات لانه قيل له ثمة عين الحياة من شرب منها لم يمت ابدا الى يوم القيامة فمشى نحو الظلمات لعله يقع بالعين .
وفى التأويلات النجمية يشير بقوله { ويسألونك } الآية الى ان السائل لا يرد وان فى القصص للقلوب عبرة وتقوية وتثبتا وبقوله { انا مكنا له فى الارض } يشير الى تمكن الخلافة اى مكناه بخلافتنا فى الارض وآتيناه بالخلافة ما كان سبب وجود كل مقدور من مقدوراتنا بالاصالة حتى صار قادر على صار قادرا على قلب الاعيان وكانت الدنيا مسخرة له فلو اراد طويت له الارض واذا شاء مشى على الماء واذا احب طار فى الهواء ويدخل النار فاتبع سببا كل مقدور فصار مقدورا له بالخلافة فى الارض ما كان مقدور لنا بالاصالة فى السماء والارض انتهى .
يقول الفقير انما بدأ بالسير ال المغرب اشارة الى كون ترتيب السلوك عروجا فان المغرب اشارة الى الاجسام والمشرق الى الارواح فما دام لم يتم سير الاجسام من الاكوان لا يحصل الترقى الى عالم الارواح ثم الى عالم الحقيقة .
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)
{ حتى اذا بلغ } [ تاجون رسيد ] { مغرب الشمس } اى منتهى الارض من جهة المغرب بحيث لا يتمكن احد من مجاوزته ووقف على حافة البحر المحيط . (7/433)
قال الشيخ اى بلغ قوما فى جهة ليس وراءهم احد لانه لا يمكنه ان يبلغ موضع غروب الشمس . قال فى التبيان ولما وصل ذو القرنين الى مغرب الشمس يطلب عين الحياة قال له شيخ هى خلف ارض الظلمة ولما اراد ان يسلك فى الظلمة سأل أى الدواب فى الليل ابصر قالوا الخيل فقال أى الخيل ابصر قالوا الاناث فقال أيى الاناث ابصر قالوا البكارة فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك فركبوا الرماك وترك بقية عسكره فدخلوا الظلمات فساروا يوما وليلة فاصاب الخضر العين لانه كان على مقدمة جيشه صاحب لوائه الاكبر فشرب منها واغتسل واخطأ ذو القرنين : قال الحافظ
فيض ازل بزور زر ار آمدى بدست ... آب خضر نصيبه اسكندر آمدى
فساروا على حصحاص من حجارة لا يدرون ما هى فسألوه عنها فقال الاسكندر خذوا من هذه الحجار ما استطعتم فانه من اقل منها ندم ومن اكثر منها ندم فاخذوا وملأ وامخالى دوابهم من تلك الحجارة فلما خرجوا نظروا الى ما فى مخاليهم فوجدوه زمردا اخضر فندموا كلهم لكونهم لم يكثروا من ذلك { وجدها } اى رأى الشمس { تغرب فى عين حمئة } اى ذات حمأة وهى الطين الاسود . بالفارسية [ آب مكدر لاى آميز ] من حمئت البئر اذا كثرت حمأتها ولعله لما بلغ ساحل البحر رآها كذلك اذ ليس فى مطمح نظره غير الماء كراكب البحر ولذلك قال { وجدها تغرب } ولم يقل كانت تغرب .
وقال بعض لما بلغ موضعا لم يبق عبده عمارة فى جانب المغرب وجد الشمس كأنها تغرب فى وهذه مظلمة كما ان راكب البحر يراها كأنها تغرب فى البحر اذا لم ير الشط وهى فى الحقيقة تغيب وراء البحر والا فقد علم ان الارض كرة والسماء محيطة به والشمس فى الفلك وجلوس قوم فى قرب الشمس غير موجود والشمس اكثر من الارض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها فى عين من عيون الارض .
قال السمرقندى رحمه الله فى بحر العلوم فان قيل قد ورد فى الحديث ان الشمس تشرق من السماء الرابعة ظهرها الى الدنيا ووجهها يشرق لاهل السموات وعظمها مثل الدنيا ثلاثمائة مرة او ما شاء الله فكيف يمكن دخولها فى عين من عيون الارض قلنا ان قدرة الله تعالى باهرة وحكمته بالغة فالله تعالى قادران يدخل السموات السبع والارضين السبع فى اصغر شئ واحقر فما ظنك بما فيها من الشمس وغيرها انتهى .
وفى التأويلات فان قال قائل انا قد علمنا ان الشمس فى السماء الرابعة ولها فلك خاص يدور بها فى السماء فكيف يكون غروبها فى عين حمئة قلنا ان الله تعالى لم يخبر عن حقيقة غروبها فى عين حمئة وانماخبر عن وجدان ذى القرنين غروبها فيها فقال { وجدها تغرب فى عين حمئة } وذلك ان ذا القرنين ركب بحر الغرب واجرى مركب الى ان بلغ فى البحر موضعا لم يتمكن جريان المراكب فيه فنظر الى الشمس عند غروبها وجدها تغرب بنظره فى عين حمئة انتهى .
قال بعضهم اذا كان ذو القرنين نبيا فنظر النبى ثاقب يرى الاشياء على ما هى عليها كما رأى النبى عليه السلام النجاشى من المدينة وصلى عليه وان لم يكن نبيا فذلك الوجدان بحسب حسبانه { ووجد عنها } عند تلك العين يعنى عند نهاية العمارة . وبالفارسية { يافت نزديك آن جشمه برساحل درياى محيط غربى ] { قوما } [ كروهى را در ناسك مذكوراست كه ايشان قومى بودند بت برست سبز جشم سرخ موى لباس ايشان بوست حيوانات وطعام ايشان كوشت حيوان آبى ] قال بعضهم قوما فى مدينة لها اثنا عشر الف باب لولا اصوات اهلها لسمع الناس وجوب الشمس حين تجب (7/434)
وقال الامام السهيلى هم اهل جابلص بالفتح وهى مدينة يقال لها بالسريانية جرجيسا لها عشرة آلاف باب بين كل بابين فرسخ يسكنها قوم من نسل ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح عليه السلام واهل جابلس آمنوا بالنبى عليه السلام لما مر بهم ليلة الاسراء .
وقال فى الاسئلة الحكم اما حديث جابلصا وجابلقا وايمان اهاليهما ليلة المعراج وانهما من الانسان الاول فمشهور { قلنا } بطريق الالهام ويدل على نبوته كونه مأمور بالقتال معهم كما قال عليه السلام « مرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله » كما فى التأويلات .
قال الحدادى لا يمكن اثبات نبوة الا بدليل قطعى { يا ذا القرنين اما ان تعذب واما ان تتخذ فيه حسنا } امرا ذاحسن فحذف المضاف اى انت مخير فى امرهم بعد الدعوة الى الاسلام اما تعذيبك بالقتل او ابوا واما احسانك بالعفو والاسر وسماهما احسانا فى مقابلة القتل ويجوز ان يكون اما وا ما للتوزيع والتقسيم دون التخيير اى ليكن شأنك معهم اما التعذيب واما الاحسان فالاول لمن بقى على حاله والثانى لمن تاب .
قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)
{ قال } ذو القرنين { اما من } [ اما كسى كه ] { ظلم } نفسه بالاصرار على الكفر ولم يقبل الايمان منى { فسوف نعذبه } انا ومن معى فى الدنيا بالقتل . (7/435)
وعن قتادة كان يطبخ من كف فى القدور ومن آمن اعطاه وكساه { ثم يرد الى ربه } فى الآخرة { فيعذبه } فيها { عذابا نكرا } منكرا لم يعهد مثله وهو عذاب النار .
وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)
{ واما من آمن } بموجب دعوتى { وعمل } عملا { صالحا } حسبما يقتضيه الايما { فله } فى الدارين { جزاء الحسنى } اى فله المثوبة الحسنى حال كونه مجزيا بها فجزاء حال او فله فى الدار الآخرة الجنة { وسنقول له من امرنا } اى مما نأمر به { يسرا } اى سهلا متيسرا غير شاق . وبالفارسية [ كارى آسان فراخورطاقت او ] وتقديره ذا يسر واطلق عليه المصدر مبالغة يعنى لا نأمره بما يصعب عليه بل يما يسهل . (7/436)
قال الكاشفى [ آورده اندكه لشكر ظلمت مرا برقوم ناسك كاشت تابكوش ودهن درآمد وزنها خواستند وبوى ايمان آوردند ] .
قال فى قصص الانبياء سار ذو القرنين نحو المغرب فلا يمر بأمة الا دعاها الى الله تعالى فان اجابوه قبل منهم وان لم يجيبوه غشيتهم الظلمة فالبست مدينتهم وقراهم وحصونهم وبيوتهم وابصارهم ودخلت افواههم وانوفهم وآذانهم واجوافهم فلا يزالون منها متحيرين حتى يستجيبوا له حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجد عندها القوم الذين ذكرهم الله فى كتابه ففعل بهم كما فعل بغيرهم ثم مشى على ما فى الظلمة ثمانية ايام كملا وثمانى ليال واصحابه ينتظرون حتى انتهى الى الجبل الذى هو محيط بالارض كلها واذا يملك قابض على الجبل وهو يقول سبحانه ربى من الازل الى منتهى الدهر وسبحان ربى من اول الدنيا الى آخرها وسبحان ربى من موضع كفى الى عرش ربى وسبحان ربى من منتهى الظلمة الى النور بصوت رفيع شديد لا يفتر فلما رأى ذلك ذو القرنين خر ساجدا لله فلم يرفع رأسه حتى قواه الله واعانه على النظر الى ذلك الجبل والملك القابض عليه فقال له الملك كيف قويت على ان تبلغ هذا الموضع ولم يبلغه احد من ولد آدم قبلك قال قوانى الله الذى قواك على قبض هذا الجبل فاخبرنى عن قبضك على هذا الجبل فقال انى موكل به وهو جبل قاف المحيط بالارض ولولا هذا الجبل انكفأت الارض باهلها قال الملك يا ذا القرنين لا يهمنك رزق غدا ولا تؤخر عمل اليوم لغد ولا تحزن على ما فاتك وعليك بالرفق ولا تكن جبارا متكبرا
تكبر كند مرد حشمت برست ... نداندكه حشمت بحلم اندرست
وجود تو شهريست برنيك وبد ... تو سلطان ودستور دانا خرد
همانا كه دونان كردن فراز ... درين شهر كبرست وسود او آز
جو سلطان عنايت كند بابدان ... كجا ماند آسايش بخردان
تو خودراجو كودك ادب كن بجوب بكرز كران مغز مردم مكوب ...
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89)
{ ثم اتبع سببا } اى تبع وسلك طريقا راجعا من مغرب الشمس موصلا الى مشرقها . (7/437)
قال الكاشفى [ قوم تماسك را باخودبرده لشكر نوررا زبيش روان كرد وعسكر ظلمت را ازبس بداشت وبجانب جنوب متوجه شده قوم هاويل را كه قطر ايمن بود مسخر كرد بهمان طريق كه درناسك مذكور شد بس روى بمشرق نهاد ] .
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90)
{ حتى اذا بلغ } [ تاجون رسيد ] { مطلع الشمس } يعنى الموضع الذى تطلع عليه الشمس اولا من معمورة الارض . وبالفارسية [ موضعى كه مبدأ عماراتست ازجانب شرق ] اذ لا يمكنه ان يبلغ موضع طلوع الشمس قيل بلغه فى اثنتى عشرة سنة وقيل فى اقل من ذلك بناء على ما ذكر من انه سخر له السحاب وطولى له الاسباب { وجدها تطلع على قوم } عراة { لم تجعل لهم من دونها } من امام الشمس { سترا } من اللباس والبناء يعنى ليس لهم لباس يتسترون به من حر الشمس ولا بناء يستظلون فيه لان ارضهم لا تمسك الابنية لغاية رخاوتها وبها اسراب فاذا طلعت الشمس دخلوا الاسراب او البحر من شدة الحر واذا ارتفعت عنهم خرجوا يعنى [ وقتى كه آفتاب ارتفاع بذيرفتى وازسمت رأس ايشان دوركشتى اززير زمين بيرون آمده ما هى كرفتندى وبا آفتاب بريان كرده خورددى ] . (7/438)
قال الحدادى ليس فى رؤسهم ولا على اجسادهم شعر وليس لهم حواجب وكأنما سلخت وجوهم وذلك من شدة حر بلادهم - وحكى - عن بعضهم خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقالوا بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم فاذا احدهم يفرش اذنه ويلتحف بالاخرى ومعنى صاحب يعرف لسانهم فقالوا له جئنا ننظر كيف تطلع الشمس قال فبينما نحن كذلك اذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشى علىّ ثم افقت وهم يمسحوننى بالدهن فلما طلعت الشمس على الماء اذ هو فوق الماء كهيئة الزيت فادخلونا سربا لهم فلما ارتفع النهار خرجوا الى ا لبحر يصطادون السمك ويطرحونه فى الشمس فينضج لهم .
عن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس اكثر من جميع اهل الارض وهم الزنج .
وقال الكاشفى [ ايشان قوم منسل بودند ] .
قال السهيلى رحمه الله هم اهل جابلق بالفتح وهى مدينة لها عشرة آلاف باب بين كل بابين فرسخ يقال له بالسريانية مرقيشا وهم نسل مؤمنى قوم عاد الذين آمنوا بهود ليه السلام واهل جابلق آمنوا بالنبى عليه السلام ليلة اسرى به ووراء جابلق امم وهم من نسل وثاقيل وفارس وهم لم يؤمنوا بالنبى عليه السلام .
قال فى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى ان هذا العالم عالم الاسباب لم يبلغ احد الى شئ من الاشياء ولا الى مقصد من المقاصد الا ان مكنه الله تعالى وآتاه سبب بلاغ ذلك الشئ والمقصد ووفقه لاتباع ذلك السبب فباتباع السبب بلغ ذو القرنين مغرب الشمس ومطلعها .
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)
{ كذلك } اى امر ذى القرنين كما وصفناه لك فى رفعة المحل وبسطة الملك اوامره فيهم كامره فى اهل الغرب من التخيير والاختيار . قال الكاشفى [ همجنان كرد اسكندر با ايشان كه با اهل مغرب كرد وبجانب قطر ايسر روان قد وبقومى رسيدكه ايشان راتأويل خوانند وبايشان همان سلوك نمود ] { وقد احطنا بما لديه } من الاسباب والعدد . وبالفارسية [ وبدرستى كه ما احاطه داشتيم بآنجه نزديك اوبود ] { خبرا } تمييز اى علما تعلق بظواهره وخفاياه . وبالفارسية [ ازروى آكاهى ] يعنى ان ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به الا علم اللطيف الخبير فانظر الى سعة لطف الله تعالى وامداده بمن شاء من عباده فانه ذكر وهب بن منبه ان ذالقرنين كان رجلا من الاسكندرية ابن امرأة عجوز ن عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان خارجا عن قومه ولم يكن بافضلهم حسبا ولا نسبا ولكنه نشأ فى ذات حسن وجمال وحلم ومروءة وعفة من لدن كان غلاما الى ان بلع رجلا ولم يزل منذ نشأ يتخلق بمكارم الاخلاق ويسمو الى معالى الامور الى ان علا صيته وعز فى قومه والقى الله تعالى عليه الهيبة ثم انه زاد به الامر الى ان حدث نفسه بالاشياء فكان اول ما اجمع عليه رأيه الاسلام فاسلم ثم دعا قومه الى الاسلام فاسلموا عنوة منه عن آخرهم ثم كان من امره ما كان [ اسكندررا برسيدند مشرق ومغرب بجه كرفتى كه ملوك بيشين را خزائن ولشكر بيش ازتو بود جنين فتح ميسر نشد كفت بعون خدى عز وجل كه هر مملكت راكه كرفتم رعيتش را نيازردم ونام بادشاهانرا جزبنيكويى نبردم (7/439)
بزركش نحوانند اهل خرد ... كه نام بزر كان بزشتى برد
وقال بعضهم
فلم ار مثل العدل للمرء رافعا ... ولم ار مثل الجور للمرء واضعا
كنت الصحيح وكنامنك فى سقم ... فان سقمت فانا السالمون غدا
دعت عليك اكفت طالما ظلمت ... ولن ترّد يد مظلومة أبدا
وفى تفسير التبيان كان اى ذو القرنين ملكا جبارا فلما هلك ابوه ولى مكانه فعظم تجبره وتكبره فقيض الله له قرينا صالحا فقال له ايها الملك دع عنك التجبر وتب الى الله تعالى قبل ان تموت فغضب عليه الاسكندر وحبسه فمكث فى المحبس ثلاثة ايام فبعث الله اليه ملكا كشف سقف المجبس واخرجه منه واتى به منزله فلما اصبح اخبر لاسكندر بذلك فجاء الى لاسجن فرأى سقف السجن قد ذهب فاقشعر جلد الاسكندر وعلم ان ملكه ضعيف عند قدرة الله تعالى فانصرف متعجبا وطلب الرجل المحبوس فوجده قائما يصلى على جبل طالس فاقل الرجل لذى القرنين تب الى الله فهمّ بأخذه وامر جنوده به فارسل الله عليهم نارا فاحرقتهم وخر الاسكندر مغشيا عليه فلما افاق تاب الى الله تعالى وتضرع الى الرجل الصالصح واطاع الله واصلح سيرته وقصد الملوك الجبابرة وقهرهم ودعا الناس الى طاعة الله وتوحيده وكان من اول امر ان بنى مسجدا واسعا طوله اربعمائة ذراع وعرض الحائط اثنان وعشرون ذراعا وارتفاعه فى الهواء مائة ذراع .
وفيه اشارة الى انه ينبغى للغنى عند اول امره انيصرف شطرا من ماله الى وجه من وجوه الخير لا الى ما يشتهيه طبعه ويميل اليه نفسه كما ان المفتى اذا تصدر يبدأ فى فتواه بما يتعلق بالتوحيد ونحوه وكذا لابس جديد او مغسول يبأ بالمسجد والصلاة والذكر ونحوها لا بالخروج الى السوق وبيت الخلا ونحوهما . ثم ان الفتح الصورى انما يبتنى على الاسباب الصورية اذ لا يحصل التسخير غالبا الا بكثرة العدد والعدد واما الفتح المعنى فحصوله مبنى على النفاء وترك الاسباب والتوجه الى مسبب الاسباب كما قال الصائب (7/440)
هركس كشيد سربكريبان نيستى ... تسخير كرد مملكت بى زوال را
فالاسكندر الحقيقى الذى لا يزول ملكه ولا يحيط بما لديه الا الله تعالى هو من ايد ظاهره باحكام الطاعات ومعاملات العبودية وباطنه بانوار المشاهدات وتجليات الربوبية فانه حينئذ تموت النفس الامارة وتزول يدها العادية القاهرة عن قلعة القلب ويظهر جنود الله التى لا يعلمها الا هو لكثرتها اللهم اجعلنا المؤيدين بالانوار الملكوتية والامداد اللاهوتية انك على ما تشاء قدير .
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92)
{ ثم اتبع سببا } اى اخذ طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب آخذ من الجنوب الى الشمال . (7/441)
حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)
{ حتى اذا بلغ } [ تاجون رسيد ] { بين السدين } بين الجبلين اللذين سد ما بينهما وهما جبلان عاليان فى منقطع ارض الترك مما يلى المشرق من ورائهما يأجوج ومأجوج والسد بالفتح والضم واحد بمعنى الجبل والحاجز او بالفتح ما كان من عمل الخلق وبالضم ما كان من خلق الله لان فعل بمعنى مفعول اى هو مما فعله الله وخلقه وانتصاب بين على المفعولية لانه مبلوغ وهو من الظروف التى تستعمل اسماء وظروفا كما ارتفع فى قوله تعالى { لقد تقطع بينكم } ونجرّ فى قوله { هذا فراق بينى وبينك } { وجد من دونهما } اما مالسدين ومن ورائهما مجاوزا عنهما . (7/442)
وقال الكاشفى [ يافت دربيش آن دوكوه ] وفسره فى تفسير الجلالين ايضا بقوله عندهما { قوما } امة من الناس { لا يكادون يفقهون قولا } اى لا يفهمون كلام احد ولا يفهم الناس كلامهم لغرابة لغتهم .
وقال الزمخشرى { لا يكادون يفقهون } الا بجهد ومشقة من اشارة ونحوه كما يفهم البكم وهو الترك . التاريخ اولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام او بالعرب والعجم والرم وحام ابو الحبش والزنج والنوبة ويافث ابو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج .
وقال فى انوار المشارق اصل الترك بنوا قنطورا وقنطورا امة كانت لابراهيم عليه السلام فولدت له اولادا فانتشر منهم الترك .
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94)
{ قالوا } على لسان ترجمانهم بطريق الشكاية والظاهر ان ذى القرنين كان قد اوتى اللغات ففهم كلامهم . (7/443)
وفى التأويلات النجمية كيف اخبر عنهم انهم { لا يكادون يفقهون قولا } ثم قال { قالوا } الآية قلنا كلمة كاد ليست لوقوع الفعل كقوله تعالى رتكاد السموات يتفطرن } اى قاربت الانفطار فلن تنفطر واذا دخل فيها لا الجحود دوما النفى تكون لوقوع الفعل كقوله تعالى { فذبحوها وما كادوا يفعلون } اى قرب ان لا يذبحوها فذبحوها وكذلك قوله { لا يكادون يفقهون قولا } اى لا يفقهون قولا يلين به قلب ذى القرنين ليجعل لهم السد ففقهوا بالهام الحق تعالى حتى قالوا { يا ذا القرنين ان يأجوج ومأجوج } اسمان اعجميان بدليل منع الصرف او عربيان ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث لانهما علمان لقلبيلتين من اولاد يافث بن نوح كما سبق او من احتلام آدم عليه السلام كما ذكر فى عين المعانى وغيره ان آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فهم منها يتصلون بنا من جهة الاب دون الام .
وقال فى انوار المشارق هذا منكر جدا لا اصل له وكذا قال فى بحر العلوم واعلم ان هذا مخالفة لقوله عليه السلام « ما احتلم نبى قط » انتهى .
يقول الفقير سمعت من فم حضرة شيخى وسندى روح الله روحه انه قال ان اول من ابتلى بالاحتلام ابونا آدم عليه السلام لحكمة خفية كما ابتلى نبينا عليه السلام ببعض السهو لحكمة عليه والحديث المذكور مخصوص بمن عداه والمنع عن الكلام فيه انما هو لرعاية الادب فافهم جدا { مفسدون فى الارض } اى فى ارضنا بالقتل والتخريب واتلاف الزروع وكانوا يخرجون ايام الربيع فلا يتركون اخضر الا اكلوه ولا يابسا الا احتملوه وربما اكلوا الناس اذا لم يجدوا شيأ من الانعام ونحوها وكان لا يموت احد منهم حتى ينظر الف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلام ولذا قال ابن عباس رضى الله عنهما بنوا آدم عشرهم
جو بوزينكان آمده در وجود ... مزه زرد ورخ سرخ وديده كبود
ندارند جزخواب وخور هيج كار ... نميرد يكى تا نزايد هزار
وهم اصناف صنف منهم طول الرجل منهم مائة وعشرون ذراعا وصنف منهم قد هم على شبر واحد طولهم وعرضهم سواء وصنف منهم كبار الآذان يفترش احدهم احد اذنيه ويلتحف بالاخرى ولهم من الشعر فى اجسادهم ما يواريهم وما يقيهم من الحر والبرد فلا يغزلون ولا ينسجون يعوون عوى الذئاب ويتسافدون كتسافد البهائم يقال سفد الذكر على انثى نزالهم مخالب فى ايديهم واضراس كاضراس السباع وانياب يسمع لها حركة كحركة الجرس فى حلوق الابل لا يمرون بفيل ولا جمل ولا وحش ولا خنزير الا اكلوه ومن مات منهم اكله ويأكلون الحشرات والحيات والعقارب .
قال فى حياة الحيوان التنين ضرب من الحيات كما كبر ما يكون فيها وفى فمه انياب مثل اسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق احمر العينين مثل الدم واسع الفم والجوف براق العينين يبتلع كثيرا من الحيوان يخافه حيوان البر والبحر اذا تحرك يموج البحر لشدة قوته واول امره يكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى فاذا كثر فسادها احتملها ملك والقاها فى البحر فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعل بدواب البر فيعظم بدنها حتى يكون رأسها كالتل العظيم فيبعث الله تعالى ملكا يحملها ويلقيها الى يأجوج ومأجوج . (7/444)
قال فى قصص الانبياء اذا قذفوا بها خصبوا والا قحطوا { فهل } [ بس آيا ] { نجعل لك خرجا } جعلا من اموالنا اى اجرا نخرجه لك والخرج والخراج واحد كالنول والنوال او الخراج ما على الاراض والزمة والخرج المصدر او الخرج ما كان على كل رأس والخراج ما كان على البلد او الخراج ما تبرعت به والخراج ما لزمك اداؤه { على ان تجعل } [ بشرط آنكه بكنى ] { بيننا وبينهم سدا ] حاجزا يمنعهم من الخروج والوصول الينا .
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)
{ قال } ذو القرنين { ما مكنى } بالادغام وقرئ بالفك اى الذى مكننى وبالفارسية [ آنجه دست رس داده مرات ] { فيه ربى } وجعلنى فيه مكينا قادرا من الملك والمال وسائر الاسباب { خير } مما تريدون ان تبذلوه الىّ من الخراج فلا حاجة لى الي ونحوه قول سليمان عليه السلام { فما آتانى الله خير مما آتاكم } { فاعينونى بقوة } بفعله وصناع يحسنون بالبناء والعمل وبآلات لا بد منها فى البناء { اجعل } جواب الامر { بينكم وبينهم ردما } حاجزا حصينا وحجابا عظيما . وبالفارسية [ حجابى سخت كه بعضى ازان بربعضى مركب باشد ] وهو اكبر من السد واوثق يقال ثوب مردم اى فيه رقاع فوق رقاع وهذا اسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه . (7/445)
وفى التأويلات النجمية قوله تعالى { آتونى زبر الحديد } تفسير للقوة فيكون المراد بها ترتيب الآلات . وزبر جمع زبرة كغرف جمع غرفة وهى القطعة الكبيرة وهذا لا ينافى رد خراجهم لان المأمور به الايتاء بالثمن والمناولة ولان ايتاء الآلة من قبيل الاعانة بالقوة دون الخراج على العمل .
قال فى القصص قالوا من اين لنا من الحديد ما يسع هذا العمل فدلهم على معدن الحديد والنحاس ولعل تخصيص الامر بالايتاء دون سائر الآلات من الصخور ونحوها لما ان الحاجة اليها امس اذ هى الركن فى السد . قال الكاشفى [ منقولست كه فرمود تاخشتها ازآهن بساختند بفارغ دلى جابجا تن زدند همه روزشب خشت آهن زدند وحكم كرد تاميان آن كوه را جهار هزار قدم بود درشصت وبنج كز عرض بكنند تا بآب رسيد ] .
وفى القصص قاس ما بين الصدفين فوجده ثلاثة اميال .
وقال بعضهم حفر ما بين السدين وهو مائة فرسخ حتى بلغ الماء وجعل الاساس من الصخر والنحاس المذاب بدل الطين لها والبنيان من زبر الحديد بين كل زبرتين الحطب والفحم { حتى اذا } [ تاجون ] { ساوى بين الصدفين } الصدف منقطع الجبل او ناحيته وبين مفعول كبين السدين اى آتوه اياها فجعل يبنى شيأ فشيأ حتى اذا جعل ما بين ناحيتى الجبلين مساويا لهما فى السمك يعنى ملأ ما بينهما الى اعلاهما وكان ارتفاعه مائتى ذراع وعرضه خمسين ذراعا ثم وضع المنافخ حوله { قال } للعملة { انفخوا } على زبر الحديد بالكير والنار { حتى اذا جعله } اى المنفوخ فيه وهو زبر الحديد { نارا } كالنار فى الحرارة والهيئة واسناد الجعل المذكور الى ذى القرنين مع انه فعل الفعلة للتنبيه على انه العمدة فى ذلك وهم بمنزلة الآلة { قال } للذين يتولون امر النحاس من الاذابة ونحوها { آتونى } قطرا اى نحاسا مذابا { افرغ عليه قطرا } الافراغ الصب اى اصبب على الحديد المحسن قطر افحذف الاول لدلالة الثانى عليه واسناد الافراغ الى نفسه للسر الذى وقفت عليه آنفا
بهر روى فرشى برانكيختند ... برو روى حل كرده مى ريختند
فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)
{ فما اسطاعوا } بحذف تاء الافتعال تخفيفا وحذرا من تلاقى المتقاربين . (7/446)
وقال فى برهان القرآن اختار التخفيف فى الاول لان مفعوله حرف وفعل وفاعل ومفعول فاختير فيه الحذف والثانى مفعوله اسم واحد وهو قوله نقبا انتهى . والفاء فصيحة اى فعلوا ما امروا به من ايتاء القطر فافرغ عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض فصار جبلا صلدا اى صلبا املس فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا ان يعلوه وينقبوه فما قدروا { ان يظهروه } ان علوه بالصعود لرتفاعه وملاسته { وما استطاعوا له نقبا } اى وما قدروا ان ينقبوه ويخرقوه من اسفله لصلابته وثخانته وهذه معجزة عظيمة لان تلك الزبر الكثيرة اذا اثرت فيها حرارة النار لا يقدر الحيوان على ان يحوم حولها فضلا عن النفخ فيها الى ان تكون كالنار او عن افراغ القطر عليها فكأنه سبحانه صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن ابدان اولئك المباشرين للاعمال فكان ما كان والله على كل شيء قدير كذا فى الارشاد اخذا عن تفسير الامام .
يقول الفقير ليس ببعيد ان يكون المباشر بالنفخ والصب من بعيد بطريق من طرق الحيل ألا ترى ان نار نمرود لما كانت بحيث لا يقرب منها احد عملوا المنجنيق فالقوا به ابراهيم عليه السلام فيها وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان رجلا اخبره به اى بالسد فقال « كيف رأيته » قال « قد رأيته » وذلك لان الطريقة الحمراء من النحاس والسوداء من الحديد .
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)
{ قال } ذو القرنين { هذا } السد { رحمة } عظيمة ونعمة جسيمة { من ربى } على كافةالعباد لا سيما على مجاهديه . (7/447)
وفيه ايذان بانه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل هو احسان الهى محض وان ظهر بمباشرتى { فاذا جاء } [ بس جون بيايد ] { وعد ربى } مصدر بمعنى المفعول وهو يوم القيامة والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئه ومجيئ مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول عيسى ونحو ذلك { جعله } اى السد الشار اليه مع متانته { دكاء } ارضا مستوية وقرئ دكا اى مدكوكا مستويا بالارض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك وفيه بيان لعظم قدرته تعالى بعد بيان سعة رحمته { وكان وعد ربى } اى وعده العهود وكل ما وعد به { حقا } ثابتا لا محالة واقعا البتة .
وفى التأويلات المجمية وفى قوله { هذا } الى آخر الآية دلالة على نبوته فانه اخبر عن وعد الحق وتحقيق وعده وهذا من شان الانبياء واعجازهم انتهى .
وهذا آخر حكاية ذى القرنين . قيل ان يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى اذا كادوا يرون الشعاع قال الذى عليهم ارجعوا فستحفرون غدا ولم يستثن فيعيده الله كما كان فيأتون غدا فيجدونه كالاول فاذا اراد الله خروجه خلق فيهم رجلا مؤمنا فيحفرون السد حتى يبقى منه اليسير فقول لهم ارجعوا فستحفرون غدا ان شاء الله تعالى فاذا عاداو من الغد الى الحفر قال لهم قولوا بسم الله فيحفرونه ويخرجون على الناس فكل من لحقوه قتلوه واكلوه ولا يمرون على شئ الا اكلوه ولا بماء الا شربوه فيشربون ماء دجلة والفرات ويأكلون ما فيه من السمك والسرطان والسلحفاة وسائر الدواب حتى يأتوا بحيرة طبرية بالشام وهى مملوءة ماء فيشربون فيأتى آخرهم فلا يجدون فيها قطرة ماء فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء وطافوا الارض الا انهم لا يستطيعون أن يأتوا المساجد الاربعة مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد طور سينا ثم يسيرون حتى ينتهوا الى جبل الخمر وهو بجل بيت المقدس وهو جبل بيت المقدس فيقولون لقد قلتنا من فى الارض هلم فنقتل من فى السماء فيرمون بنشابهم الى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما ويحصر نبى الله عيسى واصحابه فى جبل الطور حتى يكون رأس الثور لاحدهم خيرا من مائة دينار لاحدكم اليوم فيدعو عليهم عيسى عليه السلام فيرسل الله عليهم دودا تسمى النغف فتأخذهم فى رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط عيسى واصحابه من الطور فلا يجدون فى الارض موضع شبر الا ملأه زهمهم ونتنهم فيدعو الله فيرسل الله طيرا كاعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين منتخب من المصابيح وتفسير التبيان وغيرها .
وعن زينت ام المؤمنين رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول « لا اله الا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق باصبعيه الابهام والتى تليها » قالت زينت فقلت يا رسول الله فأنهلك وفينا الصالحون قال « عم اذا كثر الخبث » اى الزنى والمراد بهذا الحديث انه لم يكن فى ذلك الردم ثقية الى هذا اليوم وقد انفتحت فيه ثقبة وانفتاح الثقبة فيه من علامات قرب القيامة واذا توسعت خرجوا منها وخروجهم بعد خروج الدجال . قال فى فتح القريب المراد بالويل الحزن وقد وقع ما اخبر به عليه السلام بما استأثر به عليهم من الملك والدولة والاموال والامارة وصار ذلك فى غيرهم نم الترك والعجم وتشتتوا فى البوادى بعد ان كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه السلام وما جاء من الاسلام والدين فلما لم يشكروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا وسلب بعضهم اموال بعض سلبها الله منهم ونقلها الى غيرهم كما قال تعالى { وان تتولوا يستبدل قوما غيركم } فعلى العقال ان يحترز من فتنة يأجوج النفس والطبيعة والشيطان ويبنى عليها سد الشريعة الحصينة والطريقة المتينة ويكون اسكندر اقليم الباطن والملكوت واللاهوت . (7/448)
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)
{ وتركنا } فى القاموس الترك الجعل كأنه ضد اى وجعلنا { بعضهم } بعض الخلائق { يومئذ } يوم اذ جاء الوعد بمجيئ بعض مباديه { يموج فى بعض } آخر والموج الاضطراب اى يضطربون اضطراب امواج البحر ويختلط انسهم ونهم حيارى من شدة الهول . وبالفارسية [ روز قيامت انس وجن ازروى تحير واضطراب درهم آميزند ] . (7/449)
قال فى الارشاد لعل ذلك قبل انفخة الاولى { ونفخ فى الصور } هى النفخة الثانية التى عندها يكون الحشر بمقتضى الفاء التى بعدها ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الاولى لئلا يقع الفصل بين ما يقع فى النشأة الاولى من الاحوال والاهوال وبين ما يقع منها فى النشأة الآخرة .
والمعنى نفخ اسرافيل فى الصور ارواح الخلائق عند استعداد صور الاجساد لقبول الارواح كاستعداد الحشيش لقبول الاشتعال بارواحها فاذا هم قيام ينظرون وكل يتخيل ان ذلك الذى كان فيه منام كما يتخيله المستيقظ وقد كان حين مات وانتقل الى البرزخ كالمستيقظ هناك وان الحياة الدنيا كانت له كالمنام وفى الآخر يعتقد فى امر الدنيا والبرزخ انه منام فى منام وان اليقظة الصحيحة هى التى هو عليها فى الدار الآخرة حيث لا نوم فيها . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال « هو قرن من نور القمه اسرافيل »
واعلم ان لا شئ من الاكوان اوسع منه واذا قبض الله الارواح من هذه الاجساد الطبيعية حيث كانت اودعها صورا جسدية فى مجموع هذا القرن النور فجمع ما يدركه الانسان بعد الموت فى البرزخ من الامور انما يدركه بعين الصورة التى هو فيها فى القرن وبنورها وهو ادراك حقيقى فمن الصور ما هى مقيدة عن التصرف . ومنها مطلقة كارواح الانبياء كلهم وارواح الشهداء . ومنها ما يكون لها مقيدة عن التصرف . ومنها مطلقة كارواح الانبياء كلهم وارواح الشهداء . ومنها ما يكون لها نظر الى عالم الدنيا فى هذه الدار . ومنها ما يتجلى للنائم فى حضرة الخيال التى هى فيه وهو الذى يصدق رؤياه ابدا وكل رؤيا صادقة ولا تخطى ولكن العابر الذى يعبرها هو المخطى حيث لم يعرف ما المراد بها وكذلك قوم فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا فى تلك الصور ولا يدخلونها فانهم محبوسون فى ذلك القرن ويوم القيامة يدخلون اشد العذاب وهو العذاب المحسوس لا المنخيل كما فى تفسير الفاتحة للفنارى { فجمعناهم } اى جمعنا الخلائق بعدما تمزقت اجسادهم فى صعيد واحد للحساب والجزاء { جمعا } عجيب لم نترك من الملك والانس والجن والحيوانات احدا وفى الحديث « السعيد فى ذلك اليوم فى ذلك الجمع من يجد مكان مكانا يضع عليه اصابع رجليه » كما فى ربيع الابرار .
وقال فى التأويلات النجمية يشير الى ان الله تعالى من كمال قدرته يحيى الخلق بسبب يميتيهم به وهو النفخة وبالنفخة الاولى كما اماتهم كقوله تعالى { ونفخ فى الصور فصعف من فى السموات ومن فى الارض } كذلك بالنخفة الاخيرة احياهم كقوله { نفخ فى الصور فجمعناهم جمعا } وفيه اشارة الى ان الخلق محتاجون الى اتباع سبب كل شئ ليبلغوا اليه وهم لا يقدرون على ان يجعلوا سببا لشئ آخر على ضده والخالق سبحانه هو المسبب فهو قادر على ان يجعل الشئ الواحد سببا لوجود الشيئين المتضادين كما جعل النفخة فى الصور سببا للممات والحياة : وفى المثنوى (7/450)
سازد اسرافيل روزى ناله را ... جان دهد بوسيده صد ساله را
انبيارا در درون هم نغمهاست ... طابلبانرا زان حيات بى بهاست
نشنود آن نغمهارا كوش حس ... كز ستمها كوش حس باشد نجس
نشنود نغمه برى را آدمى ... كوبرود زاسرار بريان اعجمى
كرجه هم نغمه برى زين ... عالمست نغمه دل بر تر از هر دودمست
كر برى وآدمى زندانيند ... هر دو در زندان اين نادانيند
نغمهاى اندرون او ليا ... اولا كويدكه اى اجزاى لا
هين زلاى نفى سرها بر زنميد ... اين خيال و وهم يكسو افكنيد
اى همه بوشيده دركون وفساد ... جان باقيتان نروييد ونزاد
هين كه اسرافيل وقتند اولياء ... مرده را زيشان حياتست ونما
جان هريك مرده ازكورتن ... بر جهد ز آواز شان اندر كفن
كويد اين آوازها جداست ... زنده كردن كار آواز خداست
ما بمرديم وبكلى كاستيم ... بانك حق آمد همه بر خاستيم
مطلق آن آواز خود ازشه بود ... كرجه از حلقوم عبدالله بود
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)
{ وعرضا } يقال عرض الشئ له اظهره اى اظهرنا { جهنم } معرب والاصل [ جه نم ] كذا قال البعض { يومئذ } يوم اذ جمعنا الخلائق كافة { للكافرين } منهم حيث جعلناها بحيث يورنها ويسمعون لها تغيظا زفيرا { عرضا } هائلا لا يعرف كنهه وفى الحديث « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون الف زمام مع كل زمام سبعون الف ملك يجرونها » اى يؤتى بها « يوم القيامة من المكان الذى خلقها الله فيه فتوضع بارض حتى لا يبقى طريق للجنة الا الصراط » وهذه الازّمة تمنعها عن الخروج على اهل المحشر الا من شاء الله كذا فى شرح المشارق لابن ملك وتخصيص العرض بالكافرين مع انها بمرأى من اهل الجمع قاطبة لان ذلك لاجلهم خاصة وهذا العرض يجرى مجرى العقاب لهم من اول الامر لما يتداخلهم من الغم العظيم . (7/451)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان جهنم لو كانت معروضة على ارواح الكافرين قبل يوم القيامة كما كانت معروضة على ارواح المؤمنين لآمنوا بها كما آمن المؤمنون بها اذ لم تكن اعينهم فى غطاء عن ذكر الله وكانوا يستطيعون سمعا لكلام الله تعالى لان آذان قلوبهم مفتوحة .
الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)
{ الذين } الموصول مع صلته نعت للكافرين او بدل ولذا لا وقف على عرضا كما فى الكواشى { كانت اعينهم } وهم فى الدنيا { فى غطاء } غلاف غليظ محاطة بلك من جميع الجوانب . والغطاء ما يغطى الشئ ويستره . بالفارسية [ برده وبوششي ] { عن ذكرى } عن ذكرى عن الآيات المؤدية لاولى الابصار المتدبرين فيها الى ذكرى بالتوحيد والتمجيد كما قيل (7/452)
ففى كل شئ له آية ... تدل على انه واحد
برك درختان سبز درنظر هوشيار ... هرورقى دفتريست معرفت كرد كار
{ وكانوا } مع ذلك { لا يستطيعون } لفرط تصاممهم عن الحق وكمال عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم { سمعا } استماعا لذكرى وكلامى يعنى ان حالهم اعظم من الصمم فان الاصم قد يستطيع السمع اذا صيح به وهؤلاء زالت عنهم تلك ا لاستطاعة
جون توقرآن خوانى اى صدر امم ... كوش شانرا برده سازم ازصمم
جشماشنرا نيز سازم جشم بند ... تابينند وكلامت نشنوند
قال فى الارشاد وهذا تمثيل لاعراضهم عن الادلة السمعية كما ان الاول تصوير لتعاميهم عن الآيت المشاهدة بالابصار .
قال بعض الكابر كانت اعين نفوسهم فى غطاء الغفلة عن نظر العبرة واعين قلوبهم فى غطاء حب الدنيا وشهواتها عن رؤية درجات الآخرة ودركاتها واعين اسرارهم فى غطاء الالتفات الى التكونين عن شواهد المكون واعين ارواحهم فى غطاء تذكار ما سوى الله تعالى عن ذكر الله تعالى فاذا فتحت العين الباطنة بالمشاهدة فتحت العين الظاهرة بنظر الاعتبار وكذا السمع بظاهر السمع تابع لسمع الباطن ويدخل فى سماع كلام الحق سماع سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير الصالحين .
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)
{ أفحسب الذين كفروا } الهمزة للانكار والتوبيخ على معنى انكار الواقع واستقباحه كما فى قولك أضربت اباك لانكار الوقوع كما فى أتضرب اباك والفاء للعطف على مقدر تفصح عنه الصلة على توجيه الانكار والتوبيخ الى المعطوفين جميعا اى أكفروا بى مع جلالة شأنى فحسبوا وظنوا { ان يتخذوا عبادى } من الملائكة وعيسى وعزير وهم تحت سلطانى وملكوتى { من دونى } مجاوزين اياى اى تاركين عبادتى { اولياء } معبودين ينصرونهم من بأسى على معنى ان ذلك ليس من الاتخاذ فى شئ لما انه انما يكون من الجانبين وهم عليهم السلام منزهون عن ولايتهم بالمرة لقولهم سبحانك أنت ولينا من دونهم وقيل مفعول له الثانى محذوف اى أفحسبوا اتخاذهم نافعا لهم والوجه هو الاول لان فى هذا تسليما لنفس الاتخاذ واعتدادا به فى الجملة كذا فى الارشاد { انا اعتدنا جهنم } هيأناها { للكافرين } المعهودين { نزلا } وهو ما يدل للنزيل والضيف اى احضرنا جهنم للكافرين كالنزل المعد للضيف وفيه تهكم بهم كقوله { فبشرهم بعذاب اليم } وايماء الى ان لهم وراء جهنم من العذاب ما هى انموذج له وهو كونهم محجوبين عن رؤية الله تعالى كما قال تعالى { كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم انهم لصالوا الجحيم } جعل الصلىّ اى الدخول تاليا فى المرتبة للمحجوبية فهو دونها فى الرتبة وفسره ابن عباس رضى الله عنهما بموضع النزول والمثوى . فالمعنى بالفارسية [ منزل ومأوايى كه براى مهمان آرند ودرين معنى تهكم است برآنكه ايشانرا عذابها خواهد بود كه دوزخ دربيش آن جيزى محقر باشد ] . (7/453)
وفى الآية اشارة الى ان من ادعى محبة الله وولاءه لا يتخذ من دون الله اولياء اذ لا يجتمع ولاية الحق وولاية الخلق ومن كفر بنعمة الولاء واتخذ من دون الله اولياء فله جهنم البعد والقطيعة ابدا .
وقد قال بعض المحققين ابت المحبة تستعمل محبا لغير محبوبه وحب الله تعالى قطب تدور عليه الخيرات واصل جامع لانواع الكرامات وعلامته الجريان على موجب الامر والنهى كما قال بعضهم نزه ربك وعظمه من ان يراك حيث نهاك او فقدك حيث امرك فالذين كفروا اضاعوا ايامهم بالكفر والآثام وعبدوا المعدوم وهو ما سوى الله الملك العلام واكلوا وشربوا فى الدنيا كالانعام فلا جرم جعل الله لهم جهنم نزلا وشر مقام واما المؤمنين فقد جاهدوا فى الله بالطاعات واشتغلوا بالرياضيات والمجاهدات وما عبدوا غير الموجود الحقيقى فى وقت من الاوقات فلا جرم الحسن الله اليهم بالدرجات العاليات فالخلاص والنجاة فى التوجه الى الله رفيع الدرجات - حكى - انه كان ملك مشرك جبار فأخذه المسلمون فجعلوه فى قمقمة ووضعوها فى نار شديدة فاسلم وتضرع الى الله تعالى فامطرت السماء فخرجت ريح شديدة والقتها فى مملكة فرآها اهل تلك المملكة وسألوه فقال انا الملك الفلانى فلما اسلمت وتضرعت الى الله خلصنى من الشدة فاسلم اهل تلك المملكة لما رأوا عظم قدرة الله تعالى وشاهدوا شواهد توحيده والحمد لله تعالى .
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)
{ قل هل ننبئكم } نخبركم انا ومن تبعنى من المؤمنين ايها الكفرة { بالاخسرين اعمالا } نصب على التمييز والجمع للايذان بتنوعها اى بالقوم الذين هم اشد الخلق واعظمهم خسرانا فيما علموا . وبالفارسية [ برزيانكار ترين مردمان ازروى كردارها ] . (7/454)
قال فى الارشاد هذا بيان حال الكفرة باعتبار ما صدر عنهم من الاعمال الحسنة فى انفسها من صلة الرحم واطعام الفقراء وعتق الرقاب ونحوها وفى حسبانهم ايضا حيث كانوا معجبين بها واثقين بنيل ثوابها ومشاهدة آثارها غب بيان حاله باعتبار اعمالهم السيئة فى انفسها مع كونها حسنة فى حسبانهم .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)
{ الذين } كأنه قيل منهم فقيل هم الذين { ضل سعيهم } فى اقامة الاعمال الحسنة فى انفسها اى ضاع وبطل بالكلية . وبالفارسية [ كم شد وضائع كشت شتافتن ايشان بعملهاى نيكونماى ] { فى الحياة الدنيا } متعلق بالسعى لا بالضلال لان بطلان سعيهم غير مختص بالدنيا { وهم } اى ضل والحال انهم { حسبون } يظنون { انهم يحسنون صنعا } يعنى علمون عملا ينفعهم فى الآخرة . وبالفارسية [ وايشان مى بندارند آنكه ايشان نيكويى ميكنند كاررا ] والاحسان الاتيان بالاعمال على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفى المستلزم لحسنها لاذاتى اى يحسبون انهم يعملون ذلك على الوجه اللائق وذلك لا عجابهم باعمالهم التى سعوا فى اقامتها وكايدوا فى تحصيلها . (7/455)
وفى الآية اشارة الى اهل الاهواء والبدع واهل الرياء والسمعة فان اليسير من الرياء شرك وان الشرك محبط الاعمال كقوله تعالى { لئن اشركت ليحبطن عملك } وان هؤلاء القوم يبتدعون فى العقائد ويراؤون بالاعمال فلا يعود وبال البدعة والرياء الا اليهم والحاصلة ان العمل المقارن بالكفر باطل وان كان طاعة وكذا العمل المقارن بالشرك الخفى واذا كان ما هو طاعة مردود لمجاورته المنافى فما ظنك بما هو معصية فى نفسه وهو يظنه طاعة فيأتى به فمثل اهل الرياء والسمعة والبدعة وطالب المنة والشكر من الخلق على معرفة وكذا الرهبان الذين حبسوا انفسهم فى الصوامع وحملوها على الرياضيات الشاقة ليسوا على شئ
كرت بيخ اخلاص در بوم نيست ... ازين دركسى جون تومحروم نيست
كرا جامه يا كست وسيرت بليد ... در دوخش را بنايد كليد
وعن على رضى الله عنه هم اهل حروراء قرية بالكوفة وهم الخوارج الذين قاتلهم على ابن ابى طالب رضى الله عنه كما فى التكملة . والخوارج قوم من زهاد الكوفة خرجوا عن طاقة على رضى الله عنه عند رضاه بالتحكيم بينه وبين معاوية قالوا كفر بالتحكيم ان الحكم الا لله وكانوا اثنى عشر الف رجل اجتمعوا نصبوا راية الخلافة وسفكوا الدماء وقطعوا السبيل فخرج اليهم على رضى الله عنه ورام رجوعهم فابوا الا القتال فقاتلهم بالنهر وان فقتلهم واستأصلهم ولم ينج منهم الا القليل وهم الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم « يخرج قوم فى امتى يحقر احدكم صلاته فى جنب صلاتهم وصومه فى جنب صومهم ولكن لا يجاوز ايمانهم تراقيهم » وقال عليه السلام « الخوارج كلاب النار » كذا فى ضرح الطريق .
أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)
{ اولئك } المنعوتون بما ذكر من ضلال السعى مع الحسبان المزبور { الذين كفروا بآيات ربهم } بدلائله الداعية الى التوحيد عقلا ونقلا { ولقائه } بالبعث وما يتبعه من امور الآخرة على ما هى عليه { فحبطت } بطلت بذلك { اعمالهم } المعهودة حبوطا كليا فلا يثابون عليها { فلا نقيم لهم يوم القيامة } اى لاولئك الموصوفين بما مر من حبوط الاعمال { وزنا } اى فنزدرى بهم ولا نجعل لهم مقدارا واعتبارا [ بلكه خوار ومبتذل خواهند بود ] لان مداره الاعمال الصالحة وقد حبطت بالمرة وحيث كان هذا الازدراء من عواقب حبوط الاعمال عطف عليه بطريق التفريع واما ما هو من اجزية الكفر فسيجيئ بعد ذلك وفى الحديث « يؤتى بالرجل الطويل الاكول الشروب فلا يزن جناحه بعوضة » اى يوضع له قدر لخساسته وكفره وعجبه ( اقرأوا ان شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) اى لا نضع اجل الطاعات والمعاصى ليترتب عليه التفكير او عدمه لان ذلك فى الموحدين بطريق الكمية واما الكفر فاحباط للحسنات بحسب الكيفية دون الكمية فلا يوضع لهم الميزان قطعا . (7/456)
وفى التأويلات النجمية لان وزن الاشخاص والاعمال فى ميزان القيامة انما يكون بحسب الصدق والاخلاص فمن زاد اخلاصه زاد ثقل وزنه ومن لم يكن فيه وفى اعماله اخلاص لم يكن له ولا لعمله وزن ومقدار كما قال تعالى { وقدمنا الى ما عملوا من عمل } اى بلا اخلاص { فجعلناه هباء منثورا } فلا يكون للهباء المنثور وزن ولا قيمة .
ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)
{ ذلك } اى الامر ذلك وقوله تعالى { جزاؤهم جهنم } جملة مبينة له { بما كفرا واتخذوا آياتى ورسلى هزوا } يعنى بسبب كفرهم وانكاهم لما يجب ايمانهم واقرارهم به واتخاذهم القرآن وغير من الكتب الالهية ورسل الله وانبياءه سخرية واستهزاء من قبيل الوصف بالمصدر للمبالغة يعنى انهم بالغوا فى الاستهزاء بآيات الله ورسوله فكأنهم جعلوها واياهم عين الاستهزاء او المعنى مهزوا بهما او مكان هزء . (7/457)
واعلم ان العلماء ورثة الانبياء وعلومهم مستنبطة من علومهم فكما ان العلماء العاملين ورثة الانبياء والمرسلين فى علومهم واعمالهم كذلك المستهزؤون بهم ورثة ابى جهل وعقبة ونحوهما فى استهزاؤهم وضلالهم . ومن استهزاء ابى جهل بالنبى صلى الله عليه وسلم انه كان يخلج بانفه وفمه خلف رسول الله يسخر به فاطلع عليه عليه السلام يوما فقال « كن كذلك » فكان كذلك الى ان مات . ومن استهزاء عقبة به عليه السلام انه بصق يوما فى وجه النبى صلى الله عليه وسلم فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا وفى حقه نزل { ويوم يعض الظالم على يديه } اى فى النار يأكل احدى يديه الى المرفق ثم يأكل الاخرى فتنبت الاولى فيأكلها وهكذا كذا فى انسان العيون وفى الحديث « ان المستهزئين بالناس يفتح لاحدهم باب من الجنة فيقال هلم هلم فيجيئ بكر به وغمه فاذا جاء اغلق دونه فما يزال كذلك حتى ان الرجل ليفتح له الباب فيقال هلم هلم فما يأتي » كما فى الطريقة اللهم اجعلنا من اهل الجد لا من اهل الهزل ووفقنا للعمل بما فى القرآن الجزل .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)
{ ان الذين آمنوا } فى الدنيا { وعملوا الصالحات } من الاعمال وهى ما كانت خالصة لوجه الله تعالى { كانت لهم } فى علم الله تعالى { جنات الفردوس } [ بهشتهاى فردوس يعنى بوستانهاى مشتمل براشجاركه اكثر آن تاك بود ] . (7/458)
قال فى القاموس الفردوس البستان يجمع كل ما يكون فى البساتين يكون فيه الكروم وقد يؤنث عربية او رومية نقلت او سريانية انتهى { نزلا } خبر كانت والجار والمجرور متعلق بمحذوف على انه حال من نزلا والنزل المنزل وما هيئ للضيف النازل اى كانت جنات الفردوس منازل مهيأة لهم او ثمار جنات الفردوس نزلا او جعلت نفس الجنات نزلا مبالغة فى اكرام .
وفيه ايذان بانها عند ما اعدها الله لهم على ما جرى على السان النبوة من قوله « اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » بمنزلة النزل بالنسبة الى الضيافة .
قال الكاشفى هى دولة اللقاء : قال الحافظ
نعت فردوس زاهد روماراروى دوست ... قيمت هركس بقدر همت والاى اوست
وفى المثنوى
هشت جنت فت دوزخ بيش من ... هست بيدا همجوبت بيش شمن
ومن هنا قال ابو يزيد البشطامى قدس سره لو عذبنى الله يوم القيامة لشغلنى بالجنة ونعيمها فلا جنة اعلى من جنة اللقاء والوصال ولا نار اشد من نار الهجران والفراق
روزشب غصه وخون ميخورم وجون نخورم ... جون زديدار تو دورم بجه باشم دلشاد
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)
{ خالدين فيها } حال مقدرة اى مقدرين الخلود فى تلك الجنات { لا يبغون عنها حولا } مصدر كالصغر والجملة حال من صاحب خالدين اى لا يطلبون تحولا وانتقالا عنها الى غيرها كما ينتقل الرجل من دار اذا لم توافقه الى دار اذ لا مزيد عليها وفيها كل المطالب . (7/459)
قال الامام وهذا الوصف يدل على غايه الكمال لان الانسان فى الدنيا اذا وصل الى أى درجة كانت فى السعادة فهو طامح الطرف الى ما هو اعلى منها ويجوز ان يراد نفى التحول وتأكيد الخلود كما فى تفسير الشيخ وهذا كناية عن التخليد وقال المراد بالفردوس ربوه خضراء فى الجنة اعلاها واحسنها يقال لها سرة الجنة وفى الحديث « الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض الفردوس اعلاها فيها تتفجر الانهار الاربعة وفوقها عرش الرحمن فاذا سألتم الله فاسألوا الفردوس » وفى الحديث « جنات الفردوس اربع جنات من فضة آنيتهما وما فيهما فضة وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ذهب » [ ودرتبيان آورده كه خدى تعالى فردوس را بيدقدرت خود آفريده وبمقدار هر روز از روزهاى دنيا بنجاه كرت بدو نظر كرده وميفر ما يدكه « ازدادى طيبا وحسنالاوليائى » فزون ساز حسن جمال وتازه كى وباكى خودرا براى دوستان من ] وفى بعض الروايات « يفتحها كل يوم خمس مرات »
يقول الفقير التوفيق بين الروايتين ان الاولى من مقام التفصيل والثانية من مقام الاجمال اذا المقصود ازدياد حسنها وطيبها كلما ادى الصلوات الخمس وهى فى الاصل خمسون صلاة كما سبق فى بحث المعراج وفى الحديث « ان الله غرس الفردوس بيده ثم قال وعزتى وجلالى لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث » قيل ما الديوث يا رسول الله قال « الذى يرضى الفواحش لاهله » كما فى تفسير الحدادى .
وقال فى بحر العلوم قال عليه السلام « ان الله كبس عرصة جنة الفردوس بيده ثم بناها لبنة من ذهب مصفى ولبنة من مسك مذرى وغرس فيها من طيب الفاكهة وطيب الريحان وفجر فيها انهارها ثم اوفى ربنا على العرش فنظر اليها فقال وعزتى لا يدخلك مدمن خمر ولا مصر على زنى »
يقول الفقير . ان قلت فعلى ما ذكر من اوصاف الفردوس يكون مقام المقربين فكيف يترتب جزاء الخاصة على العامة .
قلت يؤول العنوان بمن جمع بين الايمان والعمل على وجه لكمال وهو بان آمن ايمانا عيانيا بعدما آمن برهانيا وعمل باخلاص الباطن وشرائط الظاهر على وفق الشريعة وقانون الطريقة فيدخل فيه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر على ما فسر كعب فان الدلالة على الخير والمنع من الشر من فواضل الاعمال وخواص الرجال .
ويدل على ما ذكرنا ما قبل الآية من قوله تعالى فى حق الكفار { اولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه } فان المراد بيان المؤمنين المتصفين باضداد ما اتصفوا به والايمان باللقاء اى الرؤية والمشهود بعد الايمان بالآيات والشاهد وهو بالترقى من العلم والغيب والآثار الى العين والشهادة والانواع ويدل عليه ما بعد الآية ايضا من قوله تعالى { فمن كان يرجو } الى آخره فافهم وهكذا لاح بالبال والله بحقيقة الحال نسأل الله الفردوس بل وتجلى جماله والاحتظاظ بكاسات وصاله : قال الحافظ (7/460)
كداى كوى تو ازهشت خلد مستغنيست ... اسير عشق تو ازهردو كون آزادست
قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)
{ قل لوكان البحر } [ بكوا كرباشد درياى محيط كه شامل ارضست ] كذا فى تفسير الكاشفى . وقال غيره يريد الجنس يعنى لو كان ماء جنس البحر { مدادا } نقسا وحبرا والثلاثة بمعنى ما يكتب به نزلت حين قال حييى بن اخطب فى كتابكم { ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا } ثم تقرأون { وما اوتيتم من العلم الا قليلا } كأنه يشير الى ان التوراة خير كثير فكيف يخاطب اهلها بهذا الخطاب يعنى ان ذلك خير كثير بالنسبة الينا ولكنه قطرة من بحر كلمات الله (7/461)
علمها از بحر علمش قطره ... اين جوخورشيدست وآنها ذره
كر كسى درعلم صد لقمان بود ... بيش علم كاملش نادان بود
لانه لو كان ماء البحر مدادا { لكلمات ربى } لكلمات علمه وحكمته يعنى لمعلوماته وحكمه فتكتب من ماء البحر كما تكتب من المداد والحبر .
قال فى تفسير الجلالين { لكلمات ربى } اى لكتابتها وهى حكمه وعجائبه والكلمات هى العبارات عنها انتهى { لنفذ البحر } يعنى ماء جنس البحر باسره مع كثرته ولم يبق فيه شئ لان كل جسم متناه { قبل ان تنفد كلمات ربى } اى من غير ان تفنى معلوماته وحكمه فانها غير متناهية لا تنفد كعلمه فلا دلالة للكلام على نفادها بعد نفاد البحر وانما اختار جمع القلة على الكنزة وهى الكلم تنبيها على ان ذلك لا يقابل بالقليل فكيف بالكثر كما فى بحر العلوم .
وقال ابو القاسم الفزارى فى الاسئلة المقحمة ما معنى قوله كلمات ربى فذكر بلفظ الجمع وكلمته واحدة صفة له واجواب قيل معانى كلمات ربى فلا نهاية لها لان متعلقات الصفات القديمة غير متناهية والفلاسفة يحملون كل كلمة جاءت فى القرآن على الروح ويقولون بان الروح الانسانية قديمة منه بدت واليه تعود . ورأيت فى كلمات بعض المعاصرين الذين يدعون التحقيق فى الكلام ويحومون حول هذا الحمى اظهارا من نفوسهم التفطن فى الشطح ولكن تارة يعرض بها وتارة بصرح بذلك واياكم ثم اياكم والاغترار بها فانها من اوائل حكم الفلسفة واوائل . العلوم مسوقة ولكنها عند البحث فلما تعود بطائل يتروج وهو مطرى ويهجر وهو منشور انتهى { ولو جئنا بمثله } بمثل البحرالموجود يعنى بمائة . وقال الكاشفى [ واكرنيز بياريم مثل درياى محيط ] { مدادا } تمييزا اى زيادة ومعونة اى لنفد ايضا والكلمات غير نافدة لعدم تناهيها فحذف جزاء الثانى لدلالة الاول عليه ويجوز ان يكون التقدير ولو جئنا بمثله مددا والبحر يمده من بعده سبعة ابحر { ما نفدت كلمات الله } ولانه يدل به على تحقق نفاد البحر وعدم تحقق نفاد الكلمات صريحا فيكفى مؤنة كثيرة من الكلام كما فى بحر العلوم .
قال فى الارشاد قوله { ولو جئنا } كلام من جهته تعالى غير داخل فى الكلام الملقن يجئ به لتحقيق مضمونه وتصديق مدلوله والواو لعطف الجملة على نظيرتها اى لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى لو لم يجئ بمثله مددا ولو جئنا بقدرتنا القاهرة بمثله عونا وزيادة لان مجموع المتناهين متناه بل مجموع ما يدخل تحت الوجود من الاجسام لا يكون الا متناهيا لقيام الادلة القاطعة على تناهى الابعاد .
قال الامام قولنا الله تعالى قادرا على مقدورات غير متناهية مع قولنا ان حدوث ما لا نهاية له محال معناه ان قادرية الله تعالى لا تنتهى الى حد الا ويصح منه الايجاد بعد ذلك انتهى اى فلا يلزم منه عدم تناهى الممكنات . (7/462)
قال شيخى وسندى قدس الله سره فى بعض تحريراته قوله كلما علمه وحكمته الظاهر ان المراد الكلمات التى يعبر بها عن معلومات الله تعالى وما يتعلق به حكمته فكلمة قبل على المجاز عن نفاد البحر دون ان يكون لها تحقق النفاد اى ينفد البحر ولا يتحقق لكلمات الرب نفاد . فان قلت انما يتم ما ذكرتم اذا كانت الكلمات هى المعلومات المحكومة والمقدورة كالممكنات والممتنعات فكيف يتم ما ذكرتم اذ كل منهما مما ينفد ويتناهى فههنا اشكال لانه ان قيل انهما ليسا من المعلومات فيلزم انهما من غير المعلومات فيلزم على البارى تعالى ما هو المحال والمفقود فى حقه الاعلى من الجهل والغفلة فهو غير متصور فى شأنه العلى .
قلنا ان البحر اذا كان مدادا وكانت كل قطرة منه قد عينت لان يكتب بها نفسها باعتبار كونها من الكلمات والملعومات ينفد بكتابة نفسه وقطراته ولا يبقى منه شئ يكتب به ما عداه من الكلمات ولو جيئ بمثله مددا لان جميع المتناهى مثناه فضلا عن نفاد الكلمات وتناهى المعلومات فانها غير متناهية لا تنفد او قلنا او المراد مطلق الملعومات العام الشامل لكل ما يتعلق به علمه سواء كان ذات البارى تعالى وصفاته العليا واسماءه الحسنى او غيره من الموجودات الممكنة والمعدومات الممتنعة فحينئذ يتم ما ذكرنا وان كان يرى فى صورة ما لا يتم ولا يصح باعتبار ان يكون من المعلومات ماله تناه ونفاد من الممكنات والممتنعات ثم ان فى اطلاق الكلمات على بعض ما يتعلق به علمه تعالى ما ليس فى اطلاق المعلومات عليه من الاشكال والخفاء كذات البارى تعالى وصفاته مع انهما من المعلومات المعبر عنها بالكلمات بالمحكومات او بالمقدورات اولى منه بالمعلومات اذ فى اضافة الكلمات الى الرب اشعار به واشارة اليه وتسمية الممكنات بالكلمات من تسمية المسبب باسم السبب لانها انما تكونت بكلمة كن كما قال تعالى { انما امره اذا اراد } الآية ومحصل الكلام ان نفاد البحر وقوعا او فرضا امر ذاتى غير معلل مطلقا كان مدادا ام لا فان كل جسم متناه ونافد قطعا وعدم نفاد كلمات الرب لا وقوعا ولا فرضا امر ذاتى غير معلل مطلقا كان مدادا ام لا فان كل جسم متناه ونافذد قطعا وعدم نفاد كلمات الرب لا وقوعا ولا فرضا امرا صلى غير معلل ازلا فانها غير متناهية ابدا ولا نافذة سرمدا انتهى كلام حضرة الشيخ روح الله روحه .
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)
{ قل ن بشر مثلكم } قل يا محمد ما انا الا آدمى مثلكم فى الصورة ومساويكم فى بعض الصفات البشرية { يوحى الى } من ربى { انما الهكم اله واحد } ما هو الا متفرد فى الالوهية لا نظير له فى ذاته ولا شريك له فى صفاته يعنى انا معترف ببشرينى ولكن الله منّ علىّ من بينكم بالنبوة والرصالة . (7/463)
وفى التأويلات النجمية يثير الى ان بنى آدم فى البشرية واستعداد الانسانية سواء النبى والولى والمؤمن والكافر والفرق بينهم بفضيلة الايمان والولاية والنبوة والوحى والمعرفة بان اله العالمين اله واحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد انتهى كما قال الشيخ سعدى
ره راست بايد نه بالاى راست ... كه كافرهم ازروى صورت جوماست
{ فمن كان يرجو } شرط جزاؤه فليعمل . والمعنى بالفارسية [ بس هركه اميد ميدارد ] { لقاء ربه } .
قال فى الارشاد كان للاستمرار ولرجاء توقع وصول الخبر فى المستقبل والمرد بلقائه كرامته اى فمن استمره على رجاء كرامته تعالى .
وقال المام اصحابنا حملوا لقاء الرب على رؤيته والمعتزلة على لقاء ثوابه يقال لقيه كرضيه رآء كما فى القاموس { فليعمل } لتحصل ذلك المطلوب العزيز { عملا صالحا } [ كارى شايسته يعنى بسنديده خدى ] .
قال الانطاكى من خلف المقام بين ايديى الله فليعمل عمل يصلح للعرض عليه والرجاء يكون بمعنى الخوف والامل كما فى البغوى .
وقال ذو النون العمل الصالح هو الخالص من الرياء . وقال ابو عبد الله القرشى العمل الصالح الذى ليس للنفس اليه التفات ولا به طلب ثواب وجزاء .
وقال فى التأويلات النجمية العمل الصالح متابعة النبى عليه السلام وانتأسى بسنته ظاهرا وباطنه فاما سنة باطنه فالتبتل الى الله وقطع النظر عما سواه [ يعنى ديده همت ازماسوى بربستن وجز بشهود حضرت مولى ناكشودن ] كما قال الله تعالى { ما زاع البصر وما طغى } روى ازهمه برتافتم وسوى توكردم جشم ازهمه بربستم وديدار توديدم
{ ولا يشرك بعبادة ربه احدا } [ شريط نيارد وانباز نسازد بيستش بروردكار خود يكى را ] .
قال ابو البقاء اى فى عباده ربه ويجوز ان يكون على بابه اى بسبب عبادة ربه انتهى .
وفى الارشاد اشراكا جليا كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ولا اشراكا خفيا كما يفعله اهل الرياء ومن يطلب به اجرا انتهى .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم يقل ولا شرك به لانه اراد العمل الذى يعمله ويحب ان يحمد عليه .
وعن الحسن هذا فيمن اشرك بعمل ييد الله به والناس على ما روى ان جندب بن زهير رضى الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم انى لاعمل العمل لله فاذا اطلع عليه احد سترنى فقال « ان الله لا يقبل ما شورك فيه »
فنزلت تصديقا له عليه السلام وروى انه قال له « لك اجرانه اجرا السر واجر العلانية » وهذا على حسب النية فاذا سره ظهوره ليقتدى به كما هو شأن الكاملين المخلصين المعرضين عما سوى الله او تنتفى عنه التهمة اذ كان ذلك من الواجبات فله اجران فاما اذا اراد به مجرد مدح الناس وانتشار الصيت ولاذكر فهو محض الرياء والشرك فيخفى المقتدى احترازا عن افساد العمل . (7/464)
وعن عبد الله بن غالب انه كان اذا اصبح يقول رزقنى الله البارحة خيرا قرأت كذا وصليت كذا فاذا قيل له يا ابا فراس أمثلك يقول مثل هذا يقول قال الله تعالى { واما بنعمة ربك فحده } وانتم تقولون لا تحدث بنعمة الله وانما يجوز مثله اذا قصد به اللطف وان يقتدى به غيره وامن على نفسه الفتنة والستر اولى ولو لم يكن فيه الا التشبه باهل الرياء والسمعة لكفى كذا فى الكشاف فى سورة الضحى . والآية جامعة لخلاصتى العلم والعمل وهما لتوحيد والاخلاص فى العمل : قال الشيخ سعدى قدس سره
عبادت باخلاص نيت نكوست ... وكرنه جه آيد زبى مغز بوست
جه زنار مع درميانت جه دلق ... كه دربوشى ازبهر بندار خلق
بروى ريا خرقه سهلست دوخت ... كرش باخدا درتوانى فروخت
قال فى بحر العلوم ان قلت ما معنى الرياء قلت العمل لغير الله بدليل قوله عليه السلام « ان اخوف ما اخاف على امتى الاشراك بالله اما انى لا اقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا شجرا ولا وثنا ولكن اعمالا لغير الله تعالى »
قال فى الاشباه ولا يدخل الرياء فى الصوم انتهى هذا اذا لم يجوّع نفسه اظهارا لاثره فى وجه او لم يقل ولم يعرض به كما لا يخفى على ما روى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من صلى صلاة يرائى بها فقد اشرك ومن صام صوما يرائى به فقد اشرك » وقرأ { فمن كان يرجو لقاء ربه } الآية كما فى الحدادى وقس عليه التصدق والحج وسائر وجوه البر
مرايى هركس معبود سازد ... مرايى را ازان كفتند مشرك
وفى الحديث « انما حرم الله الجنة لى كل مرائى » ليس البر فى حسن اللباس والزى ولكن البر المسكنة والوقار
كراجامه باكست وسيرت بليد ... در دوزخش را نبايد كليد
بنزديك من شب رو راهزن ... به ازفاسق بارسا بيرهن
وفى الحديث « اذا جمع الله الاولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان اشرك فى عمل عمله الله احدا فليطلب ثواب عمله من عند غير الله فان الله اغنى الشركاء عن الشرك »
زعمرو اى بسرجشم اجرت مدار ... جو درخانه زيد باشى بكار
وفى الحديث « ان فى جهنم واديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادى فى كل يوم مائة مرة اعد ذلك للمرائين » وفى الحديث « اتقوا الشرك الاصغر » قيل وما الشرك الاصغر قال « الريا » وفى الحديث « ان اخوف ما اخاف على امتى الشرك الخفى فاياكم وشرك السرائر فان الشرك اخفى من دبيب النمل على الصفا فى الليلة الظلماء » فشق على الناس فقال عليه السلام « أفلا ادلكم على ما يذهب صغير الشرك وكبير قولوا اللهم انى اعوذ بك من ان اشرك بك شيأ وانا اعلم واستغفرك لما لا اعلم » كذا فى عين المعنى - حكى - ان بعض الخلفاء اراد ان يتطهر فعدا غلمانه ليصبوا عليه الماء فصدهم عن ذلك وتلا هذه الآية واظنه المرتضى على ابن ابى طالب رضى الله عنه كذا فى الاسئلة المقحمة لابى القاسم الفزارى . (7/465)
يقول الفقير كان المرتضى رضى الله عنه عمم الاشراك الى الرياء والاستعانة فى الوضوء ونحه نظرا الى ظاهر النظم وذلك زيادة فى التقوى ونظيره ان الشاعى اوجب الوضوء من لمس المرأة باليد ونحوها نظرا الى اطلاق قوله تعالى { او لامستم النساء } وهو عمل بالعزيمة كما لا يخفى .
وعن ابى الدرداء رضى الله عنه قال قال عليه السلام « من حفظ عشرا آيات من اول سورة الكهف عصم من الدجال » رواه مسلم قال ابن ملك اللام فيه للعهد ويجوز ان تكون للجنس لان الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس وقد جاء فى الحديث « يكون فى آخر الزمان دجالون » فاهل الاهواء والبدع دجاجلة زمانهم والسر فى العصمة منه ان هذه الآيات الشعر مشتملة على قصة اصحاب الكهف وهم لما التجأوا الى الله تعالى من شر دقيانوس الكافر انجاهم الله منه فالمرجو منه تعالى ان يحفظ قارئها من الدجال وثبته على الدين القويم . وفى رواية للنسائى « من قرأ العشر الاواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال »
وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال عليه السلام « من قرأ الكهف كما انزلت كانت له نورا يوم القيامة من مقامه الى مكة ومن قرأ عش آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه » رواه الحاكم .
وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال عليه السلام « من قرأ سورة الكهف فى يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدميه الى عنان السماء يضيئ له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين »
وعن ابى سعيد « قال من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة اضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق » رواه الدارمى فى مسند موقوفا على ابى سعيد كذا فى الترغيب والترهيب للامام المنذرى .
وفى تفسير التبيان روى عبد الله بن فردة رضى الله عنه قال قال عليه السلام « ألا ادلكم على سورة شيعها سبعون الف ملك حين نزلت ملأ عظمها ما بين السماء والارض لتاليها مثل ذلك » قالوا بلى يا رسول الله قال « سورة الكهف من قرأها يوم الجمعة غفر له الى يوم الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة ايام واعطى نورا يبلغ السماء وفى فتنة الدجال » (7/466)
وفى تفسير الحدادى عن ابى بن كعب رضى الله عنه قال قال عليه السلام « من قرأ سورة الكهف فهو معصوم على ثمانية ايام من كل فتنة تكون فيها من قرأ الآية التى فى آخرها حين يأخذ مضجعه كان له نورا يتلألأ الى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه وان كان مضجعه بمكة » فتلاها كان له نورا يتلألأ من مضجعه الى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه ويستغفرون له حتى يستيقظ .
وفى تفسير البيضاوى عن النبى عليه السلام « من قرأ عند مضجعه قل انما انا بشر مثلكم كان له نور فى مضجعه يتلألأ الى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستقيط » .
وفى فتح القريب من قرأ عند اراد النوم { ان الذين آمنوا وعلموا الصالحات } الخ ثم قال اللهم ايقظنى فى احب الاوقات اليك واستعملنى باحب الاعمال اليك فانه سبحانه يوقظه ويكتبه من قوام الليل .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما اذا اردت ان تقوم ايه ساعة شئت من الليل فاقرأ اذا اخذت مضجعك { قل لو كان البحر مدادا } الآية فان الله يوقظك متى شئت من الليل . وتكلموا فى القراءة فى الفراش مضطجعا .
قال فى الفتاوى الحمدية لا بأس للمضطجع بقراءة القرآن انتهى . والاولى ان لا يقرأ وهو اقرب الى التعظيم كما فى شرح الشرعة ليحيى الفقيه .
وعن ظهير الدين المرغنانى لا بأس للمضطجع بالقراءة مضطجعا اذا اخرج رأسه من اللحاف لانه يكون كاللبس والا فلا نقله قاضى خان .
وفى المحيط لا بأس بالقراءة اذا وضع جنبيه على الارض لكن يضم رجليه الى نفسه انتهى .
نسأل الله تعالى ان يوقظنا من الغفلة قبل انقضاء الاعمار ويؤنسنا بالقرآن آناء الليل واطراف النهار تمت سورة الكهف والحمد لله تعالى يوم الاثنين الثالث والشعرين .
من شهر رمضان من نسة خمس ومائة والف .
كهيعص (1)
{ كهيعص } اسم للسورة ومحله ارفع على انه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هذا كهيعص الى مسمى به وانما صحت الاشارة اليه مع عدم جريان ذكره لانه باعتبار كونه على جناح الذكر صار فى حكم الحاضر المشاهد كما يقال هذا ما اشترى فلان كما فى الارشاد . (7/467)
وقال فى تفسر الشيخ قسم اقسم بالله تعالى او هى اسم من اسمائه الحسنى ويدل عليه ما قرأوا فى بعض الادعية من قولهم يا كهيعص يا حمعق اوانه مركب من حروف يشير كل منها الى صفة من صفاته العظمى . فالكاف من كريم وكبير . والهاء من هاد . والياء من رحيم . والعين من عليم وعظيم . والصاد من الصادق او معناه هو تعالى كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق ايديهم عالم ببريته صادق فى وعده .
قال الكاشفى [ درمواهب صوفيان از مواهب الهى كه برحضرت شيخ ركن الدين علاء الدوله سمنانى قدس سره فرود آمده مذكوراست كه حضرت رسالت را صلى الله عليه وسلم سه صورتست يكى بشرى كقوله تعالى { انما انا بشر مثلكم } دوم ملكى نانكه فرموده است ( لست كاحد ابيت عند ربى ) سيوم حقى كما قال ( لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل ) وازين روشنتر ( من رآنى فقد رأى الحق ) وحق سبحانه را يا او درهر صورتى سخن بعبارتى ديكر واقع شده است درصورت بشرى كلمات مركبه جون { قل هو الله احد } ودرصورت ملكى حروف مفرده مانند { كهيعص } واخواته ودرصورت حقى كلامى مبهم كه { فاوحى الى عبده ما اوحى } درتنكناى حرف نكنجد بيان ذوق زان سوى حرف ونقطعه حكايات ديكرست
وفى التأويلات النجمية فى سورة البقرة يحتمل ان يكون { الم } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات والمعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم وقد واضعها الله تعالى مع نبيه عليه السلام فى وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل باسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل ولا غيره . يدل على هذا ما روى فى الاخبار ان جبريل عليه السلام نزل بقوله تعالى { كهيعص } فلما قال كاف قال النبى عليه السلام « علمت » فقال ها فقال « علمت » فقال يا فقال « علمت فقال عين فقال » علمت « فقال صاد فقال » علمت « فقال جبريل كيف علمت ما لم اعلم .
وفى اسئلة الحكم علوم القرآن ثلاثة علم لم يطلع الله عله احدا من خلقه وهو ما استتأثر به من علوم اسرار كتابه من معرفة كنه ذاته ومعرفة حقائق اسمائه وصفاته وتفصاسيل علوم غيوبه التى لا يعلمها الا هو وهذا لا يجوز لاحد الكلام فيه بوجه من الوجوه اجماعا . العلم الثانى ما اطلع عليه نبيه من اسرار الكتاب واختصه به وهذا لا يجوز الكلام فيه الاله عليه السلام او لمن اذن له واوآئل السور من هذا القسم وقيل من القسم الاول . العلم الثالث علوم علمها الله نبيه مم اودع كتابه من المعانى الجليلة والخفية وامره بتعليمها .
ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)
{ ذكر } اى هذا المتلو ذكر { رحمة ربك } ذكر مضاف الى مفعوله { عبده } مفعول رحمة { زكريا } بدل منه وهو زكريا يمد ويقصر ابن آزر . (7/468)
قال الكاشفى [ واو ازاولاد رجعيم بن سليمان بن داود عليهم السلام بوده بيغمبر عاليشان ومهتر احبار بيت المقدس وصاحب قربان ] .
قال الامام زكريا من ولد هارون اخى موسى وهما من ولد لاوى بن يعقوب بن اسحاق .
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)
{ اذ نادى ربه نداء خفيا } ظرف لرحمة ربك . والمعنى بالفارسية [ جون ندا كرد وبخواند بروردكار خودرا درمحراب بيت المقدس بعد ازتقريب قربان وخواندن بنهان ] ولقد راعى عليه السلام حسن الادب فى دعائه فانه مع كونه بالنسبة اليه تعالى كالجهر ادخل فى الاخلاص وابعد من الرياء واقرب الى الخلاص من غائلة مواليه الذين كان يخافهم فانه اذا اخفى لم يطلعوا عليه ومن لوم الناس على طلب الولد لتوقفه على مبادى لا يليق به تعاطيها وقت الكبر والشيخوخة وكان سنه وقتئذ تسعا وتسعين على ما اختاره الكاشفى . (7/469)
فان قلت شرط النداء الجهر فيكف يكون خفيا . قلت دعا فى الصلاة فاخفاه .
يقول الفقير النداء وان كان بمعنى الصوت لكن الصوت قد يتصف بالضعف ويقال صوت خفى وهو الهمس فكذا النداء وقد صح عن الفقهاء ان بعض المخافتة يعد من ادنى مراتب الجهر وتفصيله فى تفسير الفاتحة للفنارى .
ولى فيه وجه خفى لاح عند المطالعة وهو ان النداء الخفى عند الخواص كالذكر الخفى هو ما خفى عن الحفظة فضلا عن الناس لا يخفض به الصوت الانبياء ومن له بهم اسوة حسنة من كمل الاولياء .
قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
{ قال } استئناف وقع بيانا للنداء { رب } [ اى بروردكار من ] { انى وهن العظم منى } الوهن الضعف وانما اسنده الى العظم وهو بالفارسية [ استخوان ] لانه عماد بيت البدن فاذا اصابه الضعف مع صلابته وقلة تأثره من العلل اصاب سائر الاجزاء . (7/470)
قال قتادة اشتكى سقوط الاضراس كما فى البغوى وافراده للقصد الى جنس المنبئ عن شمول الوهن لكل فرد من افراده ولو جمع لخرج بعض العظام عن الوهن . و منى متعلق بمحذوف وهو حال من العظم وهو تفصيل بعد الاجمال لزيادة التقرير لان العظم من حيث انه يصدق على عظمه يفيد نسبته اليه اجمالا .
واشتغل الرأس } منى حذف اكتفاه بما سبق { شيبا } شبه الشيب فى بياضه وانارته بشواظ النار وانتشاره فى الشعر ومنبته مبالغة واشعارا لشمول الشيب جملة الرأس حتى لم يبق من السواد شئ وجعل الشيب تمييز ايضاحا للمقصود والاصل اشتعل شيب رأسى فوزانه بالنسبة الى الاصل وزان اشتعل بيته نارا بالنسبة الى اشتعل النار فى بيته : قال الشيخ سعدى
جوشيبت درآمد بروى شباب ... شبت روزشد ديده بركن زخواب
من آن روز ازخود بربدم اميد ... كه افتادم اندر سياهى سفيد
جودوران عمر از جهل دركذشت ... مزن دست وباكآب ازسر كذشت
دريغاكه بكذشت عمر عزيز ... بخواهد كذشت اين دمى جندنيز
{ ولم اكن بدعائك رب شقيا } ولم اكن بدعائى اياك خائبا فى وقت من اوقات هذا العمر الطويل بل كما دعوتك استجبت لى وهذا توسل منه بما سلف من الاستجابة عند كل دعوة انر تمهيد ما يستدعى الرحمة ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال فانه تعالى بعدما عوّد عبده بالاجابة دهرا طويلا لا يخيبه ابدا لا سيما عند اضطرار وشدة افتقار - روى - ان محتاجا قال لبعضهم انا الذى احسنت الى وقت كذا قال مرحبا بمن توسل بنا الينا وقضى حاجته ووجهه ان الرد بعد القبول يحبط الانعام الاول والمنعم لا يسعى فيه وكأنه يقول مارددتنى حين ما كنت قوى القلب والبدن غير متعود بلطفك فلو رددتنى الآن بعدما عوتنى القبول مع نهاية ضعفى لتضاعف الم قلبى وهلكته يقال سعد يحاجته اذا ظفر بها وشقى بها اذا خاب كذا فى تفسير الامام ثم بين ان ما يريده منتفع به فى الدين فقال { وانى خفت الموالى من ورائى } اى بعد موتى فلا بدلى من الخلف وهو متعلق بمحذوف ينساق اليه الذهن اى جور الموالى لا بخفت لفساد المعنى والجملة عطف على قوله انى وهن مترتب مضمونه على مضمونها فان ضعف القوى وكبر السن من مبادى خوفه من يلى امره بعد موته ومواليه بنوا عمه وكانوا شرار بنى اسرائيل فحاف ان لا يحسنوا خلافته فى امته ويبدلوا عليهم دينهم .
قال فى القاموس المولى المالك والعبد والمعتق والمعتق والصاحب والقريب كابن العم ونحوه والجار والحليف والابن والعم والنزيل والشريك وابن الاخت والولى والرب والناصر والمنعم والمنعم عليه والمحب والتابع والصهر انتهى { وكانت امرأتى } هى ايشاع بنت فاقوذ بن فيل وهى اخت حنة بنت فاقوذ . (7/471)
قال الطبرى وحنة هى ام مريم . وقال القتيبى امرأة زكريا هى ايشاع بنت عمران فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى على الحقيقة وعلى لاقول الآخر يكون ابن خالة امه وفى حديث الاسراء « فلقيت ابنى الخالة يحيى وعيسى » وهذا شاهد للقول الاول قاله المام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام { عاقرا } اى لا تلد من حين شبابها فان الاقر من الرجال والنساء من لا يولد له ولد وكان سنها حينئذ ثمانى وتسعين على ما اختاره الكاشفى { فهب } [ بس بيخش ] { لى من لدنك } كلا الجارين متعلق بهب لاختلاف معنييهما فاللام صلة له ومن لابتداء الغاية مجاز ولدن فى الاصل ظرف بمعنى اول غاية زمان او مكان او غيرهما من الذوات اى اعطنى من محض فضلك الواسع وقدرتك بطريق الاختراع لا بواسطة الاسباب العادية فانى وامرآتى لا نصلح للولادة { وليا } ولدا من صلبى يلى امر الدين بعدى كما قال { يرثنى } صفة لوليا اى يرثنى من حيث العلم والدين والنبوة فان الانبياء لا يورثون المال كما قال عليه السلام « نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة »
فان قلت وقد وصف اولى بالوراثة ولم يستجب له فى ذلك فان يحيى خرج من الدنيا قبل زكريا على ما هوالمشهور . قلت الانبياء وان كانوا مستجابى الدعوة لكنهم ليسوا كذلك فى جميع الدعوات حسبما تقتضيه المشيئة الالهية المبنية على الحكم البالغة ألا يرى الى دعوة ابراهيم عليه السلام فى حق ابيه والى دعوة النبى عليه السلام حيث قال « وسألته ان لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعتها » وقد كان من قضائه تعالى ان يهبه يحيى نبيا مرضا ولا يرثه فاستجيب دعاؤه فى الاول دون الثانى { ويرث من آل يعقوب } ابن اسحاق ابن ابراهيم الملك يقال ورثه وورث منه لغتان . وآل الرجل خاصة الذين يؤول اليه امرهم للقرابة او الصحبة او الموافقة فى الدين .
وقال الكلبى ومقاتل هو يعقوب بن ماثان اخو عمرن ابن ماثان من نسل سليمان عليه السلام ابو مريم وكان آل يعقوب اخوال يحيى بن زكريا .
قال الكلبى كان بوا ماثان رؤس بنى اسرائيل وملوكهم وكان زكريا رئيس الاحبار يومئذ فاراد ان يرث ولده حبورته ويرث من بنى ماثان ملكهم { وجعله } اى الولد الموهوب { رب رضيا } مرضيا عندك قولا وفعلا وتوسيط رب بين مفعولى الجعل كتوسيطه بين كان وخبرها فيما سبق لتحريك سلسلة الاجابة بالمبالغة فى التضرع ولذلك قيل اذا اراد العبد ان يستجاب له دعاؤه فليدع الله بما يناسبه من اسمائه وصفاته .
واعلم ان الله تعالى لا يمكن العبد من الدعاء الا لاجابته كلا او بعضا كما وقع لزكريا . (7/472)
هم زاول تو دهى ميل دعا ... تو دهى آخر دعاهارا جزا
ترس وعشق توكمند لطف ماست ... زير هر يا رب تو لبيكهاست
وفى الحديث « من فتح له باب الدعاء فتحت له ابواب الرحمة » وذلك لان فى الدعاء اظهار الذلة والافتقار وليس شئ احب الى الله من هذا الاظهار ولذا قال ابو يزيد البسطامى قدس سره كابدت العبادة ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول لى يا ابا يزيد خزائنه مملوءة من العبادات ان اردت الوصول اليه فعليك بالذلة والافتقار ولذا قال عند دخوله عالم الحقيقة
جارجيز آورده ام شاها كه در كنج تونيسث ... نيستى واجت وعجز ونياز آورده ام
وعن بعض اهل المعرفة نعم السلاح الدعاء ونعم المطية الوفاء ونعم الشفيع البكاء كما فى خالصة الحقائق .
ثم ان الدعاء اما للدين او للدنيا والاول مطمح نظر الكمل ألا ترى ان زكريا طلب من الله ان يكون من ذريته من يرث العلم الذى هو خير من ميراث المال لان نظام العالم فى العلم والعمل والصلاح والتقوى والعدل والانصاف وفيه اشارة الى انه لا بد للكامل من مرآة يظهر فيها كمالاته ألا ترى ان لله تعالى خلق اعوالم وبث فيها اسماء الحسنى وجعل الانسان الكامل فى كل عصر مجلى انواره ومظهر اسراره فمن اراد الوصول الى الله تعالى فليصل الى الانسان الكامل فعليك بطلب خير الاول ليحيى به ذكرك الى يوم التناد ومن الله رب العابد الفيض والامداد والتوفيق لا سباب الوصول الى المراد .
يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)
{ يا زكريا } على ارادة القول اى قال تعالى على لسان الملك يا زكريا كما قال فى سورة آل عمران { فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب ان الله بسرك بيحيى } { انا نبشرك } [ ما بشارت ميدهيم ترا ] والبشارة بكسر الباء الاخبار بما يظهر سرورا فى المخبر { بلغم اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } [ همنام ] اى شريكا له فى الاسم حيث لم يسم احد قبله بيحيى وهو شاهد بانالتسمية بالاسامى الغريبة تنويه للمسمى واياها كانت العرب تعنى لكونها انبه وانوه وانزه عن النبز [ در زاد المسير فرموده كه وجه فضيلت نه ازان رويست كه بيش ازو كسى مسمى بدين اسم نبوده جه بسيار آدمى بدين وجه يافت شودكه بيش ازو مسمىنبوده باشد بس فضيلت آنستكه حق سبحانه وتعالى بخود تولى تسميه او نموده به يدر ومادر حواله نكرد ] كما ان زينت ام المؤمنين رضى الله عنهما زوجها الله بالذات حبيبه عليه السلام حيث قال { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } ولذا كانت تفتخر بهذا على سائر الازواج المطهر [ وامام ثعلبى آورده كه ذكر قبل ازان فرمودكه بعد ازوا كسى ظهور خواهد كردكه اورا بجندبن اسم خاص اختصاص دهد واسم سامئ اورا ازنام همايون فرجام خود مشتق سازد ] كما قال حسان رضى الله عنه (7/473)
وشق له مناسمه ليجله ... فذو الغرش محمود وهذا محمد
اى خواجه كه اقبت كارامتست ... محمود ازان شدست كه نامت محداست
والاظهر ان يحيى اسم اعجمى وان كان عربيا فهو منقول عن الفعل كيعمر ويعيش .
قيل سمى به لانه حييى به رحم امه اوحى دين الله بدعوته اوي بالعلم والحكمة التى اوتيها . وفيه اشارة الى ان من لم يحيه الله بنوره وعلمه فهو ميت اوحى به ذكر زكرياكما ان آدم حيى ذكره بشيث ونوحا حيى ذكره بسام وكذا الانبياء الباقون ولكن ما جمع الله لاحد من الانبياء فى ولده قبل ولادة يحيى بين الاسم العلم الواقع منه تعالى وبين الصفة الحاصلة فى ذلك النبى الا لزكريا عناية منه اليه وهذه العناية انما تعلقت به اذ قال { فهب لى من لدنك وليا } فقدم الحق تعالى حيث كنى عنه فكاف الخطاب على ذكر ولده حين عبر عنه بالولى فاكرمه الله بان وهبه ولياطلبه وسماه بما يدل على صفة زكريا وهو حياة ذكره كذا قال الشيخ الاكبر قدس سره .
قال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام كان اسمه فى الكتاب الاول حيا وكان اسم سارة زوجة ابراهيم يسارة وتفسيرها بالعربية لا تلد فلما بشرت باسحاق قيل لها سارة سماها بذلك جبريل فقال يا ابراهيم لم نقص من اسمى حرف فقال ذلك ابراهيم لجبرائيل عليه السلام فقال ان ذلك الحرف قد زيد فى اسم ابن لها من الفضل الانبياء واسمه حيا وسمى يحيى ذكر النقش .
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)
{ قال } استئناف مبنى على السؤال كأنه فماذا قال زكريا حينئذ فقيل قال { رب } ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى اليه بتوسط الملك للمبالغة فى لاتضرع والمناجاة والجد فى التبتل اليه تعالى والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم ان علمه بما صدر عنه متوقف على توسطه كما ان علم البشر بما يصدر عنه سبحانه متوقف على ذلك فى عامة الاوقات { انى } [ جكونه ] { يكون لى غلام } اى كيف او من اين يحدث لى غلام { و } الحال انه قد { كانت امرأتى عاقرا } لم تلد فى شبابها وشبابى فكيف وهى عجوز الآن { وقد بلغت } انا { من الكبر } من اجل كبر السن { عتيا } يبوسة وجفافا كالعود اليابس من قولهم عتا العود اذا يبس وعتا الشيخ اذا كبر وهرم وولى ويقال لكل شئ انتهى قد عتا وانما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافا بان المؤثر فيه كمال قدرته وان الوسائط عند التحقيق ملغاة فانى استعجاب واستبعاد من حيث العبادة لا من حيث القدره . (7/474)
قال الامام فان قيل لم تعجب زكريا بقوله { انى يكون لى غلام } مع انه طلبه قلنا تعجب من ان يجعلهما شابين ثم يرزقها الولد او يتركهما شيخين ويلدان مع الشيخوخة يدل عليه قوله تعالى { رب لا تذرنى فردا وانت خيرا الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى واصلحنا له زوجه } اى اعدنا له قوة الولادة انتهى .
وفى الاسئلة المقحمة اراد من التى يكون منه هذا الولد أمن هذه المرة وهى عاقر ام من امرأة اخرى اتزوج بها او مملوكة .
قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)
{ قال } الملك المبلغ للبشارة { كذلك } اى الامر كما قلت . وبالفارسية [ همجنين است كه تو كفتى ازبيرى وضعف اما ] { ال ربك هو } [ اين كاركه آفريدن فرزنداست درين سن ازين دو شخص ] مع بعده فى نفسه { علىّ } [ برقدت من خاصة ] { هين } { [ آسانست ] ارد عليك قوتك حتى تقوى على الجماع وافتق رحم امرأتك بالولد كما فى تفسير الجلالين الكاشفى . (7/475)
وقال فى الارشاد الكاف فى كذلك مقحمة كما فى مثلك لا يبخل فمحلها النصب على انه مصدر تشبيهى لقال الثانى وذلك اشارة الى مصدره الذى هو عبارة عن الوعد السابق لا الى قول آخر شبه هذا به وقوله { هو عليّ هين } جملة مقررة للوعد المذكور دالة على انجازه داخلة فى حيز قال الاول كأنه قيل قال الله مثل ذلك القول البديع قلت اى مثل ذلك الوعد الخارق للعادة وعدت هو علىّ خاصة هين وان كان فى العادة مستحيلا ويجوز ان يكون محل الكاف فى كذلك الفعل على انه خبر مبتدأ محذوف وذلك اشارة الى ما تقدم من وعده تعالى اى قال عز وعلا امركما وعدت وهو واقع لا محالة وقوله { قال ربك } استئناف مقرر لمضمونه { وقد خلقتك من قبل } من قبل يحيى فى تضاعيف خلق آدم { ولم تك } اذ ذاك { شيأ } اصلا بل عدما صرفا فخلق يحيى من البشرين اهون من خلقك مفردا والمراد خلق آدم لانه نموذج مشتمل على جميع الذرية .
قال الامام وجه الاستدلال بقوله تعالى { وقد خلقتك } الخ ان خلقه من العدم الصرف خلق للذات والصفات وخلق الولد من شيخين لا يحتاج الا الى تبديل الصفات والقادر على خلق الذات والصفات اولى ان يقدر على تبديل الصفقات انتهى .
قال فى بحر العلوم ولفظ الشئ عندنا يختص بالموجود وبالعكس ونفى كون الشئ تقرير لعدمه فالآية دليل على ان المعدوم ليس بشئ .
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)
{ قال رب اجعل لى آية } الجعل ابداعى وقيل بمعنى التصيير اى علامة على وقوع الحبل لا تلقى تلك النعمة الجليلة بالشكر من حين حدوثها وهذا السؤال ينبغى ان يكون بعدما مضى بعد البشارة برهة من الزمان لما روى ان يحيى كان اكبر من عيسى بستة اشهر او بثلاث سنين ولا ريب فى ان دعا زكرياء كان فى صغر مريم لقوله تعالى { هنالك دعا زكريا ربه } وهى انما ولدت عيسى وهى بنت عشر سنين او ثلاث عشرة سنة كذا فى الارشاد والاسئلة المقحمة { قال } الله تعالى { آيتك ان لا تكلم الناس } اى ان لا تقدر على ان تكلمهم بكلام الناس مع القدرة على الذكر والتسبيح كما هو المفهوم من تخصيص الناس { ثلاث ليال } مع ايامهم للتصريح بها فى سورة آل عمران { سويا } حال من فاعل تكلم مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الاضطرار دون الاختيار اى تمنع الكلام فلا تطيع به حال كونك سوى الخلق سليم الجوارح ما بك شائبة بكم ولا خرس قالوا رجع تلك الليلة الى امرأته فقربها ووقع الولد فى رحمها فلما اصبح امتنع عليه الكلام الناس . (7/476)
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)
{ فخرج } صبيحة حمل امرأته { على قوم من المحراب } من المصلى او من الغرفة وكانوا من وراء المحراب ينتظرون ان يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا اذ خرج عليهم متغيرا لونه فانكروه صامتا وقالوا مالك يا زكريا { فاوحى اليهم } اى اومأ اليهم لقوله تعالى { الا رمزا } { ان سبحوا } ان اما مفسرة الوحى او مصدرية والمعنى اى صلوا او بان صلوا { بكرة } هى من طلوع الفجر الى وقت الضحى { وعشيا } هو من وقت زوال الشمس الى ان تغرب وهما ظرفا زمان للتسبيح . (7/477)
عن ابى العالية ان المراد بهما صلاة الفجر وصلاة العجر او نزهوا ربكم طرفى النهار وقولوا سبحان الله ولعله كان مأمورا بان يسبح شكرا ويأمر قومه بذلك كما فى الارشاد .
يقول الفقير هو الظاهر لان معنى التسبيح فى هذه الموضع تنزيه الله تعالى عن العجز عن خلق ولد يستبعد وقوعه من الشيخين لان الله على كل شئ قدير وقد ورد فى الاذكار ( لكل اعجوبة سبحان الله ) .
وفى التأويلات النجمية فى قوله { يا زكريا } الى { بكرة وعشيا } اشارة الى بشارات .
منها انه تعالى ناداه باسمه زكريا وهذه كرامة منه . ومنها انه سماه يحيى ولم يعل له من قبل سميا بالصورة والمعنى اما بالصورة فظاهر واما بالمعنى فانه ما كان محتاج الى شهوة من غير علة ولم يهمّ الى معصية قط وما خطر بباله همهما كما اخبر عن حاله النبى عليه السلام وفى قوله { لم نجعل له من قبل سميا } اشارة الى انه تعالى يتولى تسمية كل انسان قبل خلقه وما سمى احد الا بالهام الله كما ان الله تعالى الهم عيسى عليه السلام حين قال { ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه احمد } وفى قوله { قال رب أنى يكون لى غلام } الآية اشارة الى ان اساب حصول الولد منفية من الوالدين بالعقر والكبر وهى من السنة الالهية فان من السنة ان يخلق الله الشئ من الشئ كقوله { وما خلق الله من شئ } ومن القدرة انه تعالى يخلق الشئ من لا شئ فقال { أنى يكون لى غلاما } اى أمن السنة ام من القدرة فاجابه الله تعالى بقوله { قال كذلك } اى الامر لا يخلو من السنة او القدرة وفى قوله { قال ربك هو على هين } اشارة الى ان كلا الامرين على هين ان شئت ارد عليكما اسباب حصول الولد من القوة على الجماع وفتق الرحم بالولد كما جرت به السنة وان شئت اخلق لك ولدا من لا شئ بالقدرة كما خلقتك من قبل ولم تك شيأ اى خلقت روحك من قبل جسدك من لا شئ بامركن ولهذا قال تعالى { قل الروح من امر ربى } وهو اول مقدور تعلقت القدرة به : وفى المثنوى
آب از جوشش همى كردد هوا ... وان هوا كردد ز سردى آبها (7/478)
بلكه بى اسباب بيرون زين حكم ... آب رويانيد تكوين از عدم
تو زطفلى جون سببها ديده ... در سبب از جهل بر جفسيده
{ يا يحيى } على ارادة القول اى ووهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى .
قال الكاشفى [ القصة سه روز بدين منوال كذشت بس بحال خود آمد ويحيى عليه السلام بعد از مضى مدت حمل متولد شد ودر كودكى بلاس يوشيده باحبار در عبادت بطريق رياضت موافقت مى نمود تا وقتى كه وحى بدو فرود آمد وازحق سبحانه وتعالى خطاب رسيد كه يا يحيى ]
{ خذ الكتاب } اى التوراة { بقوة } بجد واستظهار التوفيق والتأييد .
قال فى الجلالين اى اعطيتكها وقويتك على حفظها والعمل بما فيها . قال المولى الجامى فى شرح الفصول لولا امداد الحق زكريا وزجته بقوة غيبية ربانية خارجة عن الاسباب المعتادة ما صلحت زوجته ولا تيسر لها الحمل ثم انه كما سرت تلك القوة من الحق فى زكريا وزوجته تعدت منهما الى يحيى ولذلك قال له الحق { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } .
قال فى الاسئلة المقحمة أى دليل فيها على المعتزلة الجواب انه دليل على ان الاسم والمسمى واد لانه تعالى قال { اسمه يحيى } ثم نادى الشخص فقال { يا يحى } { وآتيناه الحكم } حال كونه { صبيا } . قال ابن عباس الحكم النبوة استنبأه الله تعالى وهو ابن ثلاث سنين او سبع وانما سميت النبوة حكما لان الله تعالى احكم عقله فى صباه واوحى اليه .
وقيل الحكم الحكمة وفهم التوراة والفقه فى الدين فهو بمعنى المنع ومنه الحاكم لانه يمنع الظالم من الظلم والحكمة ما يمنع الشخص من السفه - روى - انه دعاه الصبيان الى اللعب فقال ما للعب خلقنا .
قال الكاشفى { درين سخن بندى عظيم است بيخبران بازيجه كاه غفلت را كه عمر عزيز ببازى ميكندرانند وبدام فريب { انما الحياة الدنيا لعب ولهو } مقيد شد اند ]
عمر ببازيجه بسر ميبرى ... بابى باندازه بدر ميبرى
به كه زبازئ جهان باكشنى ... طفل نه جند ببازى خوشى
يقول الفقير مثل يحيى عليه السلام فى هذه الامة المرحومة الشيخ العارف المحقق سهل بن عبد الله التسترى قدس سره فانه تم له امر السلوك من ثلاث سنين الى سبع سنين كما سمعت من شيخى وسندى روح الله روحه يعنى وقع له الانكشاف والالهام وظهر له الحال التام وهو ابن ثلاث سنين فكان ما كان الى سبعة فسبحان اقادر وهذا من لطافة الحجاب واما من كان كشيف الحجاب فيحتاج فى ازالته الى مجاهدات شاقة فى مدة طويلة .
واعلم ان روح الكامل سريع التعلق ببدنه يعنى ان مادة النطفة تصل سريعا الى الابوين فيحصل العلوق والولادة على احسن وصف وفى اعدل زمان فيجيئ الولد غالبا عليه احكام الوجوب اللهم اعنا على ازالة الحجب الظلمانية والنورانية واجعلنا مكاشفين للانوار الربانية .
وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)
{ وحنانا من لدنا } عطف على الحكم وتنوينه للتفخيم وهو التحنن والاشتياق يقال حنّ اى ارتاح اواشتاق ثم استعمل فى العطف والرأفة اى وآتيناه رحمه عظيمة عليه كائنة من جنابنا او رحمة فى قلبه وشفقة على ابويه وغيرهما { وزكاة } اى طهار من الذنوب . (7/479)
قال الامام لم تدعه شفقته الى الاخلال بواجب لان الرأفة بما اورثت ترك الواجب ألا ترى الى قوله تعالى { ولا تأخذكم بها رأفة فى دين الله } فالمعنى جمعنا له التعطف عليهم مع الطهار عن الاخلال بالواجبات انتهى . او صدقة اى تصدق الله به على ابويه او وفقناه للتصدق على الناس { وكان تقيا } مطيعا متجنبا عن المعاصى لم يعمل خطبته ولم يهم بها قط .
وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14)
{ وبرّا بوالديه } عطف على تقيا اى بارّا بهما لطيفا بهما محسنا اليهما { ولم يكن جبارا عصيا } متكبرا عاقلهما او عاصيا لربه . (7/480)
قال فى بحر العلوم الجبار المتكبر وقيل هو الذى يضرب ويقتل على الغضب لا ينظر فى العواقب وقيل هو المتعظم الذى لا يتواضع لامر الله .
وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)
{ وسلام } سلامة من الله تعالى وامان { عليه } على يحيى اصله وسلمنا عليه فى هذه الاحوال وهى اوحش المواطن لكن نقل الى الجملة الاسمية للدلالة على ثبات السلام واستقراره فان وحشتها لا تكاد تزول الا بثبات الاسلام فيها ودوامه { يوم ولد } من رحم امه من طعن الشيطان كما يطعن سائر بنى آدم { ويوم يموت } بالموت الطبيعى من هو الموت وما بعده من عذاب القبر { ويوم يبعث } حال كونه { حيا } من هول القيامة وعذاب النار . (7/481)
وفيه اشارة الى الولادة من ام الطبيعة والموت بالفناء عن مقتضيات الطبيعة فى الله والبعث بالبقاء بعد الفناء .
وقال ابن ابى عيينة اوحش ما يكون الانسان فى هذه الاحوال يوم ولد فيخرج مما كان ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه فى محشر لم ير مثله فخص يحيى بالسلام فى هذه المواطن .
واعلم ان زكريا اشارة الى الروح الانسانى وامرأته الى الجثة الجسدانية التى هى زوج الروح ويحيى الى القلب وقد استبعد الروح بسب طول زمان التعلق بالقالب ان يتولد له قلب قابل لفيض الالوهية بلا واسطة كما قال ( لا يسعنى ارضى ولا سمائى ولكن يسعنى قلب عبدى المؤمن ) وهو الفيض الازلى لم يؤت لواحد من الحيوانات والملائكة كام قال المولى الجامى
ملائكة را جه سود از حسن طاعت ... جو فيض عشق بر آدم فرو ريخت
ما بشر بولادة القلب المصوف بما ذكر طلب آية يهتدى بها الى كيفية حمل القالب العاقر بالقلب الحيى الذى حيى بنور الله تعالى قال { آيتك ان لا تكلم الناس } اى لا تخاطب غير الله ولا تلتفت الى ما سوى الله ثلث ليال وبها يشير الى مراتب ما سوى الله وهى ثلاث الجمادات والحيوانات والروحانيات فاذا تقرب الى الله تعالى بعدم الالتفات الى ما سواه يتقرب اليه بموهبة الغلام الذى هو القلب الحى بنوره فخرج زكريا الروح من محراب هواه وتبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وانانيته فقال كونوا متوجهين الى الله معرضين عما سواه آناء الليل واطراف النهار بل بكرة الازل وعشىّ الابد فلام ولد له يحيى القلب قيل له يا يحيى خذ كتاب الفيض الالهى بقوّة ربانية لا بقوّة انسانية لانه خلق الانسان ضعيفا وهو عن القوة بمعزل وان الله هو الرزاق ذو القوّة المتين فجاء صاحب علم وحكمة ورحمة وطهاره من الميل الى ما سوى الله واتقاء { وبرّا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا } كالنفس الامارة بالسوء اما بره بوالد الورح فتنويره بنور الفيض الالهى اذ هو محل قبول الفيض لان الفيض الالهى وان كان نصيب الروح اولا ولكن لا يمسكه للطافة الروح بل يعبر عنه الفيض وقبله القلب وسكه لان فيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض فتقبل فيضها بصفائها وتمسكه لكثافتها وهذا أحد اسرار حمل الامانة التى حملها الانسان ولم تحملها الملائكة واما برّه بوالدة القالب فباستعمالها على وفق اوامر الشرع ونواهيه لنجبيها من عذاب القبر ويدخلها الجنة كذا فى التأويلات النجمية باختصار .
قال بعض الاولياء كنت فى تيه بنى اسرائيل فاذا رجل بماشينى فتعجبت منه والهمت انه الخضر فقلت له بحق الحق من انت قال انا اخوك الخضر فقلت له اريد ان اسألك قال سل قلت بأى وسيله رأيتك قال ببرك امك كما فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى . (7/482)
فعلى العاقل ان يكون بارا بوالديه مطلقا انفسيين او افاقيين فان البر يهدى الى الجنة ودار الكرامه ويبشر فى شدائد الاحوال بالامن والامان وانواع السلامة .
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)
{ واذكر } يا محمد للناس { فى الكتاب } اى القرآن او السورة الكريمة فالها بعض من الكتاب فصح اطلاقه عليها { مريم } على حذف المضاف اى خبر بنت عمران وقصتها فان الذكر لا يتعلق بالاعيان ومريم بمعنى العابدة قال بعض العلماء فى حكمة ذكر مريم باسمها دون غيرها من النساء ان الملوك والاشراف لا يذكرون حرارهم فى ملأ ولا يبتذلون اسماءهن بل يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والاهل ونحو ذلك فاذا ذكروا الاماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا اسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى فى حق مريم ما قالت وفى انبها صرح الله تعالى باسمها ولم يكنّ عنها تأكيد للاموّة والعبودية التى هى صفة لها واجراء للكلام على عادة العرب فى ذكر امائها ومع هذا فان عيسى عليه السلام لا اب له واعتقاد هذا واجب فاذا تكرر ذكره منسوبا الى الام استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفى الاب عنه وتنزيه الام الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله تعالى كذا فى التعريف والاعلام للامام السهيلى . (7/483)
وقال فى اسئلة الحكم سميت مريم فى القرآن باسمها لانها اقامت نفسها فى الطاعة كالرجل الكامل فذكرت باسمها كما يذكر الرجال من موسى وعيسى ونحوهما عليهم السلام وخوطبت كما خوطبا الانبياء كما قال تعالى { يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين } ولذا قيل بنبوتها { اذا انتبذت } ظرف لذلك المضاف من النبذ وهو الطرح والانتباذ افتعال منه { من اهلها } من قومها متعلق بانتبذت { مكانا شرقيا } مفعول له باعتبار ما فى ضمنه من معنى الاتيان .
قال الحسن ومن ثمة اتخذ النصارى المشرق قبلة كما اتخذ اليهود المغرب قبلة لان الميقات وايتاء التوراة واقعا فى جانب الجبل الغربى كما قال تعالى { وما كنت بجانب الغربى اذ قضينا الى موسى الامر } والمعنى حين اعتزلت وانفردت وتبادعت من قومها وأتت مكانا شرقيا من دار خالتها ايشاع زوجة زكريا فان موشعها كان المسجد فاذا حاضت تحولت الى بيت خالتها واذا طهرت عادت الى المسجد فاحتاجت يوما الى الاغتسال وكان الوقت وقت الشتاء فجاءت الى ناحية شرقية من الدار وموضع مقابل للشمس .
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)
{ فاتخذ من دونهم } اى ارخت من ادنى مكان اهلها . (7/484)
قال الكاشفى [ از بيش ايشان يعنى ازسوى ايشان ] { حجابا } سترا تتستر به . قال الكاشفى [ برده كه مانع باشد ازديدن ] فبينما هى فى مغتسلها وقد تطهرت ولبست ثوبها اناها الملك فى صورة آدمى شاب امرد وضيئ الوجه جعد الشعر وذلك قوله تعالى { فارسلنا اليها روحنا } اى جبريل فانه كان روحانيا فاطلق عليه الروح للطافته مثله ولان الدين يحيى به .
وقال بعض الكبار جبرائيل هو الروح حقيقة باعتبار حقيقته المجردة مجازا باعتبار صورته المثالية من خصائص الارواح المجردة التى من صفاتها الذاتية الحياة ومن شأنها التمثل بالصور المثالية لانها لا تمس شيأ فى حال تمثلها الا حى ذلك الشئ وسرت منه الحياة فيه ولذا قبض السامرى قبضة تراب من اثر براق جبرائيل فنبذها فى صورة العجل المتخذة من حلى القوم فخار العجل بسراية الحياة فيه وقيل سماه روحا مجازا محبة له وتقريبا كقولك انت روحى لمن تحب { فتمثل لها } [ بس متمثل شد جبريل براى مريم ] يعنى فتشبه لاجلها فانتصاب قوله { بشرا } على انه مفعول به { سويا } تام الخلق كامل البينة لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيأ وذلك لتستأنس بكلامه وتتلقى اليها من كلماته تعالى اذ لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه ولم تستطع استماع كلامه ولانه جاء للنفخ المنتج للبشر فتمثل بشرا ولو جاء على صورة الملك لجاء عيسى على صورة الروحانيين كما لا يخفى .
وفيه اشارة الى ان القربان بعد الطهر التام اطهر والولد اذن انجب فافهم .
وفى التأويلات الروح هو نور كلمة الله التى يعبر عنها بقوله كن وانم سمى نور كلمته روحا لانه به يحيى القلوب الميتة كما قال { أومن كان ميتا فاحييناه } الآية فتارة يعبر عن الروح بالنور وتارة يعبر عن النور بالروح كقوله { وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا } الآية فارسل الله الى مريم نور كلمة كن فتمثل لها بشرا سويا كما تمثل نور التوحيد بحروف لا اله الا الله والذى يدل على ان عيسى من نور الكلمة قوله تعالى { وكلمته القاها الى مريم وروح منه } اى نور من لقائه فلما تمثلت الكلمة بالبشر انكرتها مريم ولم تعرفها فاستعاذت بالله منه .
قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
{ قالت انى اعوذ بالرحمن منك } يا شاب ذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة فى العياذ به تعالى واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التى هى العصمة مما دهمها . (7/485)
قال فى الكشاف دل على عفافها وورعها انها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة { ان كنت تقيا } تتقى الله وبتالى بالاستعاذة به وجواب الشرك محذوف ثقة بدلالة السياق عليه اى فانى عائدة به .
وقال الكاشفى [ يعنى تومتقى ومتورعى من ازتوبرهيز ميكنم وبناه بحق ميبرم فكيف كه جنين نباشى ] .
قال الشيخ قى تفسيره وانما قالت ذلك لان التقى يتعظ بالله ويخاف والفاسق يخوف بالسلطان والمنافق يخوف بالناس كما قال فى التأويلات النجمية يعنى انك ان كنت تقيا من اهل الدين تعرف الحرمن فلا تقربنى بعوذى به وان كنت شقيا لا تعرف الرحمن فاتعوذ منك بالخلق فاجابها { قال انما انا رسول ربك } يريد انى لست ممن يتوقع منه ما توهمت من الشر وانما انا رسول ربك الذى استعذت به { لاهب لك غلاما } اى لا كون سببا فى هبته بالنفخ فى الدرع { زكيا } طاهرا من الذنوب ولوث الظلمة النفسانية الانسانية .
قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)
{ قالت } استبعادا ظاهرا اى متعجبة من حيث العادة لا مستبعدة من حيث القدرة { أنى يكون لى } [ جكونه بودمرا ] { غلام } كما وصف { ولم يمسسنى بشر } اى والحال انه لم يباشرنى بالنكاح رجل فان المس كناية عن الوطئ الحلال اما الزنى فانما يقال خبث بها او فجر او زنى وانما قيل بشر مبالغة فى بيان تنزهها عن مبادى الولادة { و } الحال انه { لم أك بغيا } فعول بمعنى الفاعل اصله بغويا . (7/486)
قال الشيخ فى تفسيره ولم يقل بغية لانه وصف غالب على المؤنث كحائض اى فاجرة تبغى الرجال . وبالفارسية [ زنا كار وجوينده فجور ] يريد نفى الوطئ مطلقا وان الولد اما من النكاح الحلال او الحرام اما الحلال فلانها لم يمسها بشر واما الحرام فلانها لم تك بغيا فاذا انتفى السببان جميعا انتفى الولد .
وفى التأويلات النجمية { ولم يمسسنى بشر } قبل هذا { ولم اك بغيا } ليمسسنى بشر بعد هذا بالزنى او بانكاح لانى محررة محرم على الزوج { قال كذلك } اى الامر كما قلت . وبالفارسية [ يعنى جين است كه توميكوبى هيج كس بنكاح وسفاح ترامس نكرده است ] فاما { قال ربك } الى ارسلنى اليك { هو } اى ما ذكرت من هبة الغلام من غير ان يمسك بشر اصلا { على } خاصة { هين } يسير وان كان مستحيلا عادة لما انى لا احتاج الى الاسباب والوسائط .
وفى التأويلات النجمية { قال كذلك } الذى تقولين ولكن { قال ربك هو على هين } ان اخلق ولدا من غير ماء منىّ والد فانى اخلقه من نور كلمة كن كما قال تعالى { ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } { ولنجعله } اى ونفعل ذلك لنجعل وهب الغلام { آية للناس } وبرهانا يستدلون بها على كمال قدرتنا قالوا واعتراضية او لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله الخ .
وفى التأويلات النجمية { آية } اى دلالة على قدرتى بانى قادر على ان اخلق ولدا من غير اب كما انى خلقت آدم من غير اب وام وخلقت حواء من غير ام { ورحمة } عظيمة كائنة { منا } عليهم يهتدون بهدايته ويسترشدون بارشاده وبين قوله { ورحمة منا } وقوله { يدخل من يشاء فى رحمته } فرق عظيم وهو انه تعالى اذا ادخل عبدا فى رحمته يرحمه ويدخله عليه السلام { وما ارسلناك الا رحمة للعالمين } ابدا اما فى الدنيا فبان لا ينسهخ دينه واما فى الآخرة فإن يكون الخلق محتاجين الى شفاعته حتى ابراهيم عليه السلام فافهم جدا كذا فى التأويلات النجمية { وكان } خلقه بلا فحل { امر مقضيا } قضيت به فى سابق علمى وحكمت بوقوعه لا محالة فيمتنع خلافه فلا فائدة فى الحزن وهو معنى قوله « من عرف سر الله فى القدر هانت عليه المصائب » يقول الفقير وذلك ان العلم تابع للمعلوم فكل ما يقتضيه من الاحوال فالله تعالى يظهره بحكمته وخلق عيسى عليه السلم على الصفة المذكورة كان فى الازل بمقضتى الحكمة القديمة مقدرا فجميع الاعيان وما يتبعها من الاحوال المختلقة داخلة تحت الحكمة فمن كوشف عن سر هذا المقام هانت عيله المصائب والآلام اذ كل ما نبت فى مزرعة الوجود الخارجى فهو من بذر الحكم الازلى على حسب تفاوت الاستعدادات كتفاوت المزارع فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه : قال الحافظ
نمى كنم كله ليكن ابر رحمت دوست ... بكشت زار جكر تشنكان ندادنمى (7/487)
اى لا اشتكتى من هذا المعنى فانه من مقتضى ذاتى : وقال
درين جمين مكنم سرزنش بخود رويى ... جنانكه برورشم ميدهند وميرويم
اى لا تثريب علىّ فى هذا المعنى فانه من قضاء الله تعالى .
قال الامام الو القاسم القشيرى قدس سره سمعت استاذ ابا على الدقاق يقول فى آخر عمره وقد اشتدت به العلة من امارات التأبيد حفظ التوحيد فى اوقات الحكم ثم قال كالمفسر لفعله مفسرا لما كان فيه من حاله هو ان يقرضك بمقاريض القدرة فى امضاء الاحكام قطعة قطعة وانت شاكر حامد انتهى .
فقصة مريم من جملة احكام الله تعالى ولذا عرفت الحال لانها كانت صديقة وصبرت على اذى القوم وشماتتهم وفى الحديث « اذا احب الله عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه » فالواجب على العبد الحمد على البلية لما تضمنته من النعمة فان فقد فالصبر وكلاهما من طريق العبودية واذا وقف مع الجزعة المستفادة من وجود الشفقة على نفسه فهو من غلبة الهوى .
قال احمد بن حضرويه قدس سره الطريق واضح والدليل لائح والداعى قد اسمع فما التحير بعد هذا الام من العمى وفى الحديث خطابا لابن عباس رضى الله عنهما ( ان استطعت ان تعمل لله بالرضى فى اليقين فافعل والا ففى الصبر على ما تكره خير كثير ) .
قال فى شرح الحكم العطائية ثم اذا تأملت ظهر لك ان التحقق بالمعرفة منطو فى وجود البلايا اذ ليست المعرفة الا بتحقيق اوصافه تعالى حتى يفنى فى اوصافه كل شئ من وجودك فلا يبقى لك عز زع عزه ولا غنى مع غناه ولا قدرة مع قدرته ولا قوة مع قوته وهذا يتحقق لك بوجود البلية اذ هى مشعرة بقهر الربوبية فافهم هذا وفقنا الله واياكم للتحقق بحقيقة الحال والتمكن فى مقام الصبر والحمد على جميع الاحوال : وفى المثنوى
صدهزاران كيما حق آفريد ... كميايى همجو صبر آدم نديد
وذلك لان بالبلاء تحترق الاوصاف الرديئة الخلقية وبالصبر يحصل الاخلاق الالهية والصفات الحقية .
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)
{ فحملته } قال ابن عباس رضى الله عنهما فاطمأنت مريم الى قول جبريل فدنا منها فنفخ فى جيب درعها فوصلت النفخة الى بطنها فحملت عيسى عقيب النفخ . (7/488)
يقول الفقير وصول النفخ الى الجوف لا يحتاج الى منفذ من المنافد كالفهم ونحوه ألا ترى ان الروح حين دخل جسد آدم دخل من اليافوخ وهو سط الرأس اذا اشتد وقبل اشتداده كما فى رأس الطفل يقال له الفادية بالفاء ثم نزل الى العينين ثم الى الفم ثم الى سائر الاعضاء .
واعلم ان لعيسى عليه السلام جهة جسمانية وجهة روحانية واحدية جمع للجهتين فاذا نظر الى جهة الجسمانية يظن انه تكون من ماء مريم واذا نظر الى جهة الروحانةية وآثرها من احيا ءالموتى وخلق الطير من الطين يحكم انه من نفخ جبريل واذا نظر الى احدية جمعها يقال انه تكون منها فالتحقيق ان الملك لما تمثل لها بشرا سيوا نزل الماء منها الى الرحم لشدة اللذة بالنظر اليه فتكون عيسى من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة منها فهو من ماء امه فقط خلافا للطبيعيين فانهم ينكرون وجود الولد من ماء احد الزوجين دون الآخر .
فان قلت قد ثبت ان ماء الرجل يكون من العظم والعصب وماء المرأة يكون من اللحم والدم فكيف جاء عيسى مركبا من هذه الاجزاء .
قلت خروجه على الصورة البشرية كامل الاجزاء انما هو من اجل امه لان ماءها محقق ومن اجل تمثل جبريل فى صورة البشر فانه انما مثل فى صورة البشر حتى لا يقع التكوين فى هذا النوع الانسانى الا على الحكم المعتاد الذى جرت به العادة غالبا وهو تولده من شخصين انسانين وقد توهمت فى النفخ الماء فحصل الماء الموهم ايضا وجود بعض الاشياء قد يترتب على توهمه كترتب السقوط عن الجذ على توهمه ولاجل تكونه من نفخ جبريل طالبت اقامته فى صورة البشر لان للارواح صفة البقاء - روى - ان مولد عيسى عليه السلام كان قبل مولد نبينا عليه السلام بخمسمائة وخمس وخمسين سنة وقد بقى بعد وسينزل ويدعو الناس الى دين نبينا عليه السلام .
قال بعض الكبال لو لم يتمثل جبريل عند النفخ بالصورة البشرية لظهر عيسى على صورة الروحانيين ولو نفخ فيها وقت الاستعاذة على الحالة التى كانت عليها من تحرجّ صدرها وضجرها لتخيلها انه بشر يريد مواقعتها على وجه لا يجوز فى الشرائع لخرج عيسى بحيث لا يطيقه احد لشكاسة خلقه اى رداءه لسراية حال امه فيه لان الولد انما يتكوّن بحسب ما غلب على الوالدين من المعانى النفسانية والصورة الجسمانية .
نقل فى الاخبار ان امرأة ولدت ولدا صورته صورة البشر وجسمه جسم الحية فلما سئلت عنها اخبرت انها رأت حية عند المواقعة .
وان امرأة ولدت ولدا له اعين اربع ورجلاء كرجل الدب وكانت قبطية جامعها زوجها وهى ناظرة الى دبين كانا عند زوجها فلما قال لها جبريل { انما انا رسول ربك } جئت من عنده { لاهب لك غلاما زكيا } ابنسطت عن ذلك القبض لما عرفت انه مرسل اليها من عند ربها وانشرح صدرها لما تذكرت بشارة ربها اياها بعيسى { اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين } فنفخ فيها فى حين الانبساط والانشراح فخرج عيسى منبسطا منشرح الصدر لسراية حال امه فيه . ولذا قالوا يتفكر عند الجماع الاقوياء ويمثل بين عينيه صورة رجل على احسن خلقة واقوم جثة وافضل خلق واكمل حال قالوا حملته وسنها وقتئذ ثلاث عشرة سنة وقد حاضت حيضتين قبل ان تحمل . واختلف فى مدة حملها كما اختلف فى مدة حمل آمنة والدة النبى عليه السلام . ففى رواية عن ابن عباس كانت مدة الحمل والولادة ساعة واحدة وجعله بعضهم اصلح لان عيسى كان مبدعا ولم يكن من نطفة يدور فى ادوار الخلقة ويؤيده عطف قوله { فانتبذت به } بالفاء التعقيبية . (7/489)
يقول الفقير القول بان مثل هذه الفاء قد يدل على ترتيب الحكم وعدم تكونه من نطفة ظاهر الطبلان لانه من ماء محقق وماء متوهم كما سبق وكونه من المبدعات بلا سبب ظاهر لا يستلزم ان يكون جميع احواله بطريق خرق العادة .
وفى رواية اخرى عنه كانت تسعة اشهر كحمل اكثر النساء اذ لو كان اقل لذكرههنا فى جملة مدائحا وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية الا عيسى وكان ذلك آية اخرى .
قال الحكماء فى بيان سبب ذلك ان الولد عند استكماله سبعة اشهر يتحرك للخروج حركة عنيفة اقوى من حركته فى الشهر السادس فان خرج عاش وان لم يخرج استراح فى البطن عقيب تلك الحركة المضعفة فلا يتحرك فى الشهر الثامن ولذلك تقل حركته فى البطن فى ذلك الشهر فاذا تحرك للخروج وخرج فقد ضعف غاية الضعف فلا يعيش لاستيلاء حركتين مضعفتين له مع ضعفه .
وفى كلام الشيخ محيى الدين بن العربى قدس سره لم ار للثمانية صورة فى نجوم المنازل ولهذا كان المولود اذا ولد فى الشهر الثامن يموت ولا يعيش وعلى فرض ان يعيش يكون معلولا لا ينتفع بنفسه وذلك لان الشهر الثامن يغلب فيه على الجنين البرد واليبس وهو طبع الموت { فانتبذت به } الباء للملابسة والجار والمجرور فى حيز النصل على الحالية اى فاعتزلت ملتبسة به اى وهو فى بطنها كقوله تنبت بالدهن اى تنبت ودهنها فيها { مكان قصيا } مفعول انتبذت على تضمين معنى الاتيان كما سبق اى اتت مكانا بعيدا من اهلها .
قال الكاشفى { مكانى دورزشهرايليا كويند بكوهى رفت درجانب شرقى ازشهر يابوادى بيت لحم كه شش ميل دور بود از ايليا ] وعن انس رضى الله عنه انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث الاسراء « فقال لى جبريل انزل فصلى فصليت فقال أتدرى اين صليت صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم » وهو حديث صحيح او حسن رواه النسأى والبيهقى فى دلائل النبوة او اقصى الدار وهو الانسب لقصر مدة الحمل كما فى الارشاد . (7/490)
وقال فى قصص الانبياء لما دنت ولادة مريم خرجت فى جوف الليل من منزل زكريا الى خارج بيت المقدس واحبت ان لا يعلم بها زكريا ولا غيره .
فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)
{ فاجاءها } تعدية جاء بالهمزة اى جاء بها واضطرها { المخاض } وجع الولادة . وبالفارسية [ درد زادن ] يقال مخضت المرأة اذا تحرك الود فى بطنها للخروج { الى جذع النخلة } لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة اذ لم يتكن لها قابلة تعينها . (7/491)
وقال فى القصص رأت نخلة يابسة فى جوف الليل فجلست عند اصلها .
وفى التأويلات النجمية { فاجاءها المخاض الى جذع النخلة } لاظهار المعجزة فى الجذع النتهى .
والجذع ما بين العرق والغصن اى اسفلها ما دون الرأس الذى عليه الثمر وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة وكان الوقت شتاء ولعله تعالى الهمها ذلك ليريها من آياته ما يسكن روعتها فان النخلة باليابسة التى لا رأس لانه قد اثمرت فى الشتاء وهى اقل شئ صبرا على البرد وثمرها انما هو من جمارها بعد اللقاح والجمار رأس النخلة وهو شئ ابيض لين وليطعمها الرطب الذى هو خرست النفساء الموافقة لها والخرسة بالتاء طعام النفساء وبدونها طعام الولادة { قالت يا ليتنى مت } [ كفت كاشكى من مردمى ] وهو بكسر الميم من مات يمات كخفت وقرئ بصمها من مات يموت { قبل هذا } اليوم او هذا الامر كما فى الجلالين وانما قالته مع انها كانت تعلم ما جرى بينهما وبين جبريل من الوعد الكريم استحياء من الناس على حكم العادة البشرية لا كراهة لحكم الله وخوفا من ملامتهم وحذرا من وقوع الناس فى المعصية بما تكلموا فيها او جريا على سنن الصالحين عند اشتداد الامر عليهم كما روى عن عمر رضى الله عنه انه اخذ نبتة من الارض فقال يا ليتنى هذه النبتة ولم اكن شيأ وعن بلال انه قال ليست بلالا لم تلده امه
فقولى تارة يا رب زدنى ... واخرى ليت امى لم تلدنى
وفى التأويلات النجمية { قبل هذا } اى قبل هذا الحمل فانه بسبب حملى وولدى يدخل الله النار خلقا عظيما لان بعضهم يتهمنى بالزنى وبضعهم يتهم ولدى بابن الله { وكنت } [ وبودمى ] { نسيا } شيأ حقيرا شانه ان ينسى ولا يغتد به اصلا { منسيا } لا يخطر ببال احد من الناس وهو نعت للمبالغة .
وفى التأويلات { نسيا منسيا } فى العدم لا يذكرنى الله بالايجاد .
وقال الكاشفى [ يعنى هيجكس مراند انستى وازن حساب نداشتى وجال آنكه همه اخبار بيت المقدس مرا مى شناسندكه دختر امام ايشانم در كفالت زكريا بوده ام وهنوز بكارت من زائل نشده وشوهرى نكرده ام واكنون فرزند مى زايم وازخجالت آن حال نمى دانم جه كنم ]
هرجند بروى كار درمبتكرم ... محنت زده جوخود نمى بينم من
فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)
{ فناداها } اى جبرائيل حين مسع جزعها لان عيسى لم يتكلم حتى اتت به قومها { من تحتها } من مكان اسفل منها تحت الا كمة . (7/492)
وقال فى القصص من تحت النخلة . وفى الاسئلة المقحمة قرئ بفتح الميم يعنى به عيسى لما خرج من البطن نادها { ان لا تحزنى } ان مفسرة بمعنى اى لا تحزنى بولادة عيسى وبمكان القحط [ وتمناى مرك مكن ] او مصدرية على حذف الباء تقديره بان لا تحزنى . والحزن غم يلحق لوقوعه من فوات نافع او حصول ضار { قد جعل ربك تحتك } اى فى مكان اسفل منك { سريا } نهرا صغيرا على ما فسره النبى عليه السلام .
قال ابن عباس رضى الله عنهما ان جبريل ضرب برجله الارض فظهرت عين ماء عذب فجرى جدولا .
وقال بعض ارباب الحقيقة انبأ عيسى عن نبوته فى المهد بقوله { آتانى الكتاب وجعلنى نبيا } وفى بطن امه بقوله { لا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا } اى سيدا على القوم بالنبوة انتهى .
فيكون من السرو وهو السؤدد .
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)
{ وهزى } هز الشئ تحريكه الى الجهات المتقابلة تحريكا عنيفا متداركا والمراد ههنا ما كان منه بطريق الجذب والدفع لقوله { اليك } اى الى جهتك { بجذع النخلة } الباء صلة للتأكيد كما فى قوله تعالى { ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة } قال الفراء قتول العرب هزه وهز به { تساقط } اى تسقط النخلة { عليك } اسقاطا متواترا حسب تواتر الهز { رطبا } [ خرماى تازه ] { جنيا } وهو ما قطع قبل يبسه فعيل بمعنى مفعول اى رطبا مجنيا اى صالحا للاجتناء قد بلغ الغاية . (7/493)
قال فى الاسئلة المقحمة كيف امرها بهز النخلة ههنا وقبل ذلك كان زكريا يجد رزقها فى المحراب فالجواب انها فى حالة الطفولية كانت بلا علاقة اوجبت العناء والمشقة .
وقال فى اسئلة الحكم ما الحكمة فى امرها بالهز قيل لانها تعجبت من ولد بغير اب فاراها الرطب من نخل يا بس آية منه تعالى كيلا تتعجب منه . واما سر كون الآية فى النخلة فلانها خلقت من طينة آدم وفيها نسبة معنوية لحقيقة الانسانية دجون غيرها لعدم حصولها بغير زوج ذكر يسمى بالتأبير وقال لم اجرى الله النهر بغير سعى مريم ولم يعطها الطرب الا بسعيها قيل لان الرطب غذاء وشهوة ولماء سبب للطهارة والهدمة وقيل ثمرة الرطب صورة العمل الكسبى والماء صورة سر الفيض الالهى فاجرى كل شئ فى منزله ومقامه لان كل كرامة صورة عمل السالك اذا تحقق وتخلق به وقيل جرت عادة الله تعالى فى الطرب باسباب التعمل كالغرس والسقى والتأبير والماء ليس له سبب ارضى بل هو وهبى سماوى ولذا اجرى النهر لمريم بغير سببز
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)
{ فكلى } من ذلك الرطب { واشربى } من ماء السرى وكان ذلك ارهاصا لعيسى او كرامة لامه وليس بمعجزة لفقد شرطها وهو التحدى كما فى بحر العلوم . (7/494)
قال الامام فى تفسيره قدم الاكل لان حاجتها اليه اشد من حاجتها الى الماء لكثرة ما سال منها من الدماء . فان قيل مضرة الخوف اشد لانه الم الروح والجوع والعطش الم البدن ونقل انه اجيع شاة ثم قدم اليها العلف وربط عندها ذئب فلم تأكل ثم ابعد الذئب وكسر رجلها فتناولت فدل على ان الم الخوف اشد فلم اخر الله سبحانه دفع ضرره . قلنا كان الخوف قليلا لبشارة جبريل فلم يحتج الى التكذير مرة اخرى انتهى .
قالوا التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذلك التحنيك وهو بالفارسية [ كام كودك بماليدن ] يقال حنك الصبى مضغ تمرا او غيره فدلكه بحنكه وقالوا كان من العجوة وهى بالحجاز ام التمر كما فى القاموس وفى الحديث « اذا ولدت امرأة فليكن اول ما تأكل الرطب فان لم يكن رطب فتمر فانه لو كان شئ افضل منه لاطعمه الله تعالى مريم بنت عمران حين ولدت عيسى »
قال الربيع بن خيثم ما للنفساء عندى خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل { وقرى عينا } وطيبى نفسا وارفضى عنها ما احزنك واهمك فان لله تعالى قد نزه ساحتك بالخوارق من جرى النهر واخضرار النخلة اليابسة واثمارها قبل وقتها لانهم اذا رأوا ذلك لم يستبعدوا ولادة ولد بلا فحل واشتقاقه من القرار فان العين اذا رأت ما يسر النفس سكنت اليه من النظر الى غيره يقال اقر الله عينيك اى صادف فؤادك ما يرضيك فيقر عينك من النظر الى غيره .
قال فى القاموس قرت عينه تقر بالكسر والفتح قرة ويضم وقرورا بردت وانقطع بكاؤها اورأت ما كانت متشوفة اليه انتهى .
او من القر بالضم وهو البرد فان دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين وسخنة العين للمحبوب والمكروه .
وقال الكاشفى [ وقرى عينا وروشن ساز جشم را بفرزندياخود بسبز شدن درخت وبر دادن او كه مناسبت باحال تو دارد جه آنكه قادراست براظهار خرما از درخت يابس قدرت دارد برايجاد ولد ازمادر بى بدر وحق سبحانه ملائكة فرستاد تابكرد مريم در آمدند وجون عيسى عليه السلام متولد شد اورا فرا كرفته بشستند ودرحرير بهشت بيجيده دركنار مريم نهادند ] قالوا ما من مولود يستهل غيره [ وندا رسيدا ] { فاما ترين من البشر احدا } اى فان ترى آدميا كائنا من كان وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط وهى بمنزلة لام القسم فى انها اذا دخلت على الفعل دخلت معها النون المؤكدة { فقولى } له ان استنطقك اى سألك على ولدك [ يعنى برسند اين فرزند از كجاست ] ولامك عليه { انى نذرت } اوجبت على نفسى { للرحمن صوما } اى صمتا او صياما وكان صيام المجتهدين من بنى اسرائيل بالامساك عن الطعام والكلام حتى يمسى وقد نسخ فى هذه الامة لانه عليه السلام نهى عن صوم الصمت .
قال فى ابكار الاذكار السكوت فى وقته صفة الرجال كما ان النطق فى موضعه شرف الخصال (7/495)
اكرجه بيش خرمند خامشى ادبست ... بوقت مصلحت آن به كه درسخن كوشى
دوجيز طيره عقلست دم فرو بستن ... بوقت كفتن وكفتن بوقت خاموشى
واما ايثار اصحاب المجاهدة السكوت فلعلمهم بما فى الكلام من حظ النفس واظهار صافت المدح والميل الى حسن النطق .
فاما صمت الجاهلية فمنهى عنه كما ورد لا يتم بعد الاحتلام ولا صمات يوم الى الليل فكان اهل الجاهلية من نسكهم اعتكاف يوم وليلة بالصمات فنهوا فى الاسلام عن ذلك وامروا بالحديث بالخير والذكر .
يقول الفقيران المنهى عنه هو السكوت مطلقا . واما السكوت عن كلام الناس مع ملازمة الذكر فمقبول بل مأمور به ولذا جعل دوام السكوت احد الشرائط الثمان فصحة الانقطاع وفائدة السلوك انما تحصل به وباخواته { فلن اكلم اليوم انسيا } [ بس سخن نخواهم كفت امروز باهيج آدمى بلكه باملائكه وباحق سخن يكويم ومناجات ميكنم ] امرت بان تخبر بنذرها بالاشارة فالمعنى قولى ذلك بالاشارة لا باللفظ .
قال الفراء العرب تسمى كل وصل الى الانسان كلاما بأى طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فاذا اكد لم يكن الا حقيقة الكلام وانما امرت بذلك لكراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم والاكتفاء بكلام عيسى انه قاطع لطعن الطاعن والرائب فى براءة ساحتها وذلك ان الله تعالى اراد ان يظهر براءتها من جهة عيسى فتكلم ببراءة امه وهو فى المهد وفيه ان السكون عن السفيه واجب ومن اذل الناس سفيه لم يجد مسافها : قال الصائب
درجنك ميكند لب خاموش كار تيغ ... داد جواب مردم نادان جه لازمست
وقال باكران جانان مكوحرف كران تانشنوى ... كوه در رد صدا بى اختيار افتاده است
ومن بلاغات الزمخشرى ما قدع السفيه بمثل الاعراض وما اطلق عنانه بمثل العراض سورة السفيه تكسرها الحلماء والنار المضطرمة يطفئها الماء يعنى ان سورة السفيه كالنار المضطرمة ولا يطفأها الا الحلم كما لا يطفئ النار الا الماء والنار تأكل نفسها ان لم تجد ما تأكله .
وفى الآية اشارة الى الصوم عن الالتفات لغير الله تعالى كما قال بعض الكبار الدنيا يوم ولنا فيه صوم ولا يكون افطاره الا على مشاهدة الجمال .
فعلى السالك ان ينقطع عن عالم الناسوت ويقطع لسانه عن غير ذكر اللاهوت حتى يحصل قطع الطريق والوصول الى منزلة التحقيق وكما ان مريم هزت النخلة فاسقطت عليها رطبا جنيا فكذا مريم القلب اذا هزت بنخلة الذكر وهى كلمة « لا اله الا الله » تسقط عليها من المشاهدات الربانية والمكاشفات الآلهية ما به يحصل التمتعات التى هى مشارب الرجال البالغين كما كان حال النبى صلى الله عليه وسلم يقول { ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى } اللهم اجعلنا من الذين كوشفوا عن وجه حقيقة الحال ووصلوا الى تجليات الجمال والجلال .
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)
{ فأتت به قومها } والباء بمعنى مع اى جاءتهم مع ولدها راجعة اليهم عند ما طهرت من نفساها وجعلها الكاشفى للتعدية حيث قال [ بس أورد مريم عيسى را } (7/496)
وعن ابن عباس رضى الله عنهما انها خرجت من عدهم حين شرقت الشمس وجاءتهم عند الظهر ومعها سبى { تحمله } فى موقع الحال اى حاملة له - روى - ان زكريا افتقد مريم فلم يجدها فى محرابها فاغتم غما شديدا وقال لابن خالها يوسف اخرج فى طلبها فخرج يقص اثرها حتى لقيها تحت النخلة فلما رجعت الى قومها وهم اهل بيت صالحون وزكريا جالس معهم بكوا وحزنوا ثم { قالوا } موبخين لها { يا مريم قد جئت شيأ } على ذحف الباء من شيأ ومآله فعلت شيأ { فريا } اى عظيما بديعا منكرا مقطوعا بكذبه من فرى الجلد اذا قطعه والفرية بالكسر الكذب والفرى الامر المختلق المصنوع او العظيم وهو يفرى القرى يأتى بالعجب فى عمله وفى الاخترى انه من الاضداد يجئ بمعنى الامر الصالح والسيئ .
قال الكاشفى [ جيزى شكفت يا زشت كه در ميان اهل بيت مثل اين واقع نبوده ] .
يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)
{ يا اخت هارون } روى عن النبى عليه السلام انهم انما عنوا به هارون النبى السلام وكانت من اعقاب من كان معه فى مرتبة الاخوة وذلك بان تكون من اخت هارون او اخيه وكان بينها وبينه الف وثمانمائة سنة وقيل كان هارون اخاها من ابيها وكان رجلا صالحا وقبل هو اخو موسى نسبت اليه بالاخوة لانها من ولده كما يقال يا اخا العرب اى يا واحدا منهم { ما كان ابوك } عمران { امرأ سوء } المرء مع الف الوصل الانسان او الرجل ولا يجمع من لفظه كما فى القاموس . وسوء يفتح السين وباضافة امرأ اليه وهى اكثر اسعمالا من الصفة والمعنى ما كان عمران زانيا قاله ابن عباس رضى الله عنهما . (7/497)
قال الكاشفى [ نبوديدتو عمران مردى بد بلكه مردى كه مسجد اقصارا اشرف احبار بود ] { وما كانت امك } حنة بنت فاقوذ { بغيا } زانية فمن اين لك هذا الولد من غير زوج وهو تقرير لكون ما جاءت به فريا منكرا وتنبيه على ان ارتكاب الفواحش من اولاد الصالحين افحش .
واعلم ان المعتاد من اهل الزمان اذا اظهر الله فى كل زمان نبيا او وليا يخصه بمعجزة او كرامة ان ينكر عليه اكثرهم وينسبوه الى الجنون والضلالة والافتراء اولكذب والسحر وامثالها واما الاقلون فيعرفون ان من سافر عن منزل الجمهور فانه يرجع عن سفره ومعه من العلوم الغريبة والاحوال العجيبة ما لم يألف بها العقول ولم يشاهدها الانظار فلا يرجعون بالرد عيله بل بالاعتقاد . وفى المثنوى
مغزرا خالى كن از انكار يار ... تاكه ريحان يابد ازكلزار يار
تابيابى بوى خلد ازيار من ... جون محمد بوى رحمان ازيمن
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
{ فاشارت اليه } ابى الى عيسى ان كلموه ليجيبكم ويكون كلامه حجة لى والظاهر انها حينئذ بينت نذرها وانها بمعزل عن محاورة الانس { قالوا } منكرين لجوابها { كيف نكلم } نحدث { من كان فى المهد } [ در كهواره يعنى درخور كهواره ] { صبيا } ولم نعهد فيما سلف صبيا رضيعا فى الحجر يكلمه عاقل لانه لا قدرة له على فهم الخطاب ورد الجواب وكان لا يقاع مضمون الجملة فى زمان ماض مبهم صالح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبة خاصة بدليل انه مسوق للتعجب او زائدة والظرف صلة من وصبيا حال من المستكن فيه او تامة او دائمة كما فى قوله تعالى { كان الله عليما حكيما } يقول الفقير الظاهران كان لتحقيق صباوته فان الماضى دال على التحقيق . (7/498)
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)
{ قال } استئناف بيانى كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك فقيل قال عيسى بلسان فصيح { أنى عبد الله } اقر على نفسه بالعبودية اول ما تكلم ردا على من يزعم ربوبيته من النصارى وازالة للتهمهة عن الله مع افادة ازالة تهمة الزنى عن امه لانه تعالى لا يخص الفاجر بولد مثله . (7/499)
قال الجنيد ليست بعبد سوء ولا عبد طمع ولا عبد شهوة وفيه اشارة الى ان افضل اسماء البشرية العبودية .
يقول الفقير سمعت من فم حضرة شيخى وسندى روح الله روحه انه قال عبد الله فوق عبد الرحمن وهو فوق عبد الرحيم وهو فوق عبد الكريم ولذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وكذا عبد الحى وعبد الحق اعلى الاسماء وامثلها لان بعض الاسماء الالهية يدل على الذات وبعضها على الصفات وبعضها على الافعال والاولى ارفع من الثانية وهى من الثالثة . قيل كان المستنطق لعيسى زكريا وقد اكرم الله تعالى اربعة من الصبيان باربعة اشياء يوسف بالوحى فى الجب وعيسى بالنطق فى المهد وسليمان بالفهم ويحيى بالحكمة فى الصباوة .
واما الفضيلة العظمى والآية الكبرى ان الله تعالى اكرم سيد المرسلين عليه وعليهم السلام فى الصباوة بالسجدة عند الولادة بانه رسول الله وشرح الصدر وختم النبوة وخدمة الملائكة والحور عند ولادته واكرم بالنبوة فى عالم الارواح قبل الولادة والباوة وكفى بذلك اختصاصا وتفضيلا
شمسه نه مسند وهفت اختران ختم رسل خواجه بيغمبران
{ آتانى الكتاب } الانجيل { وجعلنى نبيا وجعلنى } مع ذلك { مباركا } نفاعا معلما للخير اخبر عما يكون لا محالة بصيغة الماضى والجمهور على ان عيسى آتاه الله الانجيل والنبوة فى الطفولية وكان يعقل عقل الرجال كما فى بحر العلوم .
يقول الفقير المشهور انه اوحى الله اليه بعد الثلاثين فتكون رسالته متأخرة عن نبوته { اينما كنت } حيثما كنت فانه لا يتقيد باين دون اين { واوصانى بالصلاة } اى امرنى بها امرا مؤكدا { والزكاة } اى زكاة المال ملكية .
يقول الفقير الظاهر ان يصاءه بها لا يستلزم غناه بل هى بالنسبة الى اغنياء امته وعموم الخطابات الالهية منسوب الى الانبياء تهييجا للامة على الائتمار والانتهاء { ما دمت حيا } فى الدنيا .
قال فى بحر العلوم فيه دلالة بينة على ان العبد ما دام حيا لا يسقط عنه التكاليف والعبادات الظاهرة فالقول بسقوطها كما نقل عن بعض الاباحيين كفر وضلال .
وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى انه ما دام العبد حيا لا بد من مراقبة السر واقامة العبودية وتزكية النفس .
يقول الفقير اقامة التكاليف عبودية وهى اما للتزكية كالمبتدئين واما للشكر كالمنتهين وكلا الامرين لا يسقط ما دام العبد حيا بالغا فاذا تغير حاله بالجنون ونحوه فقد عذر .
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)
{ وبرا } [ مهربان ] { بوالدتى } عطف على مباركا اى جعلنى بارا بها محسنا لطيفا وهو اشارة الى انه بلا فحل { ولم يجعلنى جبارا } متكبرا . وبالفارسية [ كردنكشى متعظم كه خلق راتكبر كنم وانسانرا برنجانم ] { شقيا } عاصيا لربه . (7/500)
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
{ والسلام علىّ } [ سلام خداى برمنست } { يوم ولدت } بلا والد طبيعى اى من طعن الشيطان { ويوم اموت } من شدائد الموت وما بعده { ويوم ابعث حيا } حال اى من هول القيامة وعذاب النار . كماهو على يحيى يعنى السلامة من الله وجهت الىّ كما وجهت الى يحيى فى هذه الاحوال الثلاثة العظام على ان التعريف للعهد والاظهر على انه للجنس والتعريض باللعن على اعدائه فان اثبات جنس السلام لنفسه تعريض لاثبات ضده لاضداده كما فى قوله تعالى { والسلام على من اتبع الهدى } فانه تعريض بان العذاب على من كذب وتولى فلما كلمهم عيسى بهذا الكلام ايقنوا ببراءة امه وانها من اهل العصمة والبعد من اللاريبة ولم يتكلم بعد حتى بلغ سن الكلام . (8/1)
قال فى الاسئلة المقحمة قوله { يوم ابعث حيا } يدل على ان لا حياة فى القبر لانه ذكر حياة واحدة والجواب انه اراد بها الدائمة الباقية بخلاف حياة القبر انتهى .
يقول الفقير لا شك ان حياة البرزخ على النصف من حياة يوم البعث فان الاولى حياة الروح فقط والثانية حياة الروح والجسد معا وهى المراد ههنا ولا انقطاع لحياة الارواح مذ خلقت من الابديات فافهم .
ثم انه نكر فى سلام يحيى وعرف فى سلام عيسى لان الاول من الله والقليل منه كثير قال بعضهم قليلك لا يقال له قليل ولهذا قرأ الحسن اهدنا صراط مستقيما اى نحن راضون بالقيل كذا فى برهان القرآن .
قال شيخى وسندى فى كتاب البرقيات له قدس سره انما اتى بطريق الغيبة فى حق يحيى عليه السلام وطريق الحكاية فى حق عيسى عليه السلام لان كلام منهما اهل الحقيقة والفناء والكمال الجامع بين الجلال والجمال واهل الشريعة والبقاء والجلال والجمال مندرجون تحت حيطة الكمال الا ان الميل الاستعدادى الازلى الى جانب الحقيقة والفناء وكمال الجلال غالب فى جمعية يحيى عليه السلام بحسب الفطرة الالهية الازلية وهذه الغلبة ليست اختيارية بل اضطرارية ازلية حاصلة باستيلاء سلطنة الحقيقة والفناء وكمال الحلال على قلبه وهذا الميل الى جانب الشريعة والبقاء جمال غالب فى جمعية عيسى عليه السلام بحسب الفطرة الالهية الازلية وهذه الغلبة ايضا ليست اختيارية بل اضطرارية حاصلة باستيلاء جولة الشريعة والبقاء وجمال الكمال على قلبه ومقتضى الغلبة اليحياوية السكوت وترك النطق ولذا كان المتكلم فى بيان احواله هو الله تعالى واتى بطريق الغيبة لنفسه وهو من قبيل من عرف كل لسانه لغبة الفناء على البقاء وكل من كل لسانه فى معرفة الله فهو على مشرب يحيى ومقتضى الغلبة العيسوية النطق وترك السكوت ولذا كان المتكلم فى بيان احاول نفسه واتى بطريق الحكاية دون الله تعالى وهو من قبيل من عرف الله طال لسانه لغلبة البقاء على الفناء وكل من طال لسانه فى معرفة الله فهو على مشرب عيسى عليه السلام وحال كل منهما بقضاء الله ورضاه وهما مشتركان فى الجمعية الكبرى مجتمعان فى ميل الاهلية العظمى ومنفردان فى غلبة العليا بان تكون غلبة ميل يحيى عليه السلام الى الفناء وغلبة ميل عيسى عليه السلام الى البقاء ولو اجتمعا فى تلك الغلبة ايضا لما امتاز حال احدهما عن الآخرة بل يكون عبثا نوعا تعالى الله عن العبث ولذا لم يتجل لاحد بعين ما يتجلى به لغيره بل انما يتجلى لكل متجل له بوجه آخر ولهذه الحكمة كان الجلال غلابا فى قلب يحيى والجمال غالبا فى قلب عيسى عليه السلام حتى يكون التجلى لكلم منهما بوجه آخر من احدية اصله ويوجد بينهما فرق بعد الجمع وكل من ورث هذا المقام بعدهما الى يوم القيامة من اولياء الله الكرام يقول الله له لطريق الفيض والالهام السلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهو من قبيل مبشراتهم الدنيوية التى اشير اليها بقوله تعالى
{ لهم البشرى فى الحياة الدنيا } الا انهم يكتمون امثاله لكونهم مأمورين بالكتمان وعلمهم بسلامتهم يكفى لهم ولا حاجة لهم بعلم غيرهم واما الانبياء عليهم السلام حتى يؤمن ويقبل دعوتهم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل انتهى . (8/2)
قال فى اسئلة الحكم اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقامها حيث قال « ان عيسى ويحيى القتاي فقال يحيى لعيسى كأنك قد امنت مكرالله وقال عيسى ليحيى كأنك قد ايست من فضل الله ورحمته فاوحى الله تعالى اليهما ان احبكما الىّ احسنكما ظنا بى » وكان عاقبة امره فى مقام الجلال ان قتل فلم يزل فائرا دمه حتى قتل من اجله سبعون الفا قصاصا منه فسكن فورانه وكان عاقبة امر عيسى فى مقام البسط والجمال ان رفع الى السماء اى الى الملأ الاعلى من مظاهر الجمال فكلاهما فى مقامهما فائزان كاملان انتهى
وفى التأويلات النجمية قوله { ويوم اموت } فيه اشارة الى ان عيسى المعنى المتولد من نفخ الحق فى القلب قابل الموت بسم غلبات صفات النفس والمعاملات المنتجة منها لئلا يغتر الواصل بانه اذا حى بحياة لا يموت المعنى الذى فى قلبه .
يقول الفقير
اى بسازنده بمرده مغرور ... شده از دائره زندكى دور
كشت بروى متغير حالش ... زهر شد جمله فيض بالش
ماند دوعين قفا صورت او ... كرجه درصورت ظاهر شده رو
دربى نفس بدش هركه دويد ... تانبنداركه سر منزل ديد
قال فى التكملة ولد عيسى عليه السلام فى ايام ملوك الطوائف لمضى خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على ارض بابل وقيل لاكثر من ذلك وكان حمل مريم به وهى ابنة ثلاث عشرة سنة ونبئ عيسى وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وعاشت مريم بعده ست سنين وخرجت به امه من الشام الى مصر وهو صغير خوفا عليه من هيردوس الملك وذلك ان ملك فارس علم بمولده لطلوع نجمه فوجه له هدايا من الذهب والمر واللبان فاتت رسله بالهدايا حتى دخلت على هيردوس فسألوه عنه فلم يعلم به فاخبروه بخبره وبانه يكون نبيا واخبروه بالهدايا فقال لهلم لم اهديتم الذهب قالوا لانه سيد المتاع وهو سيد اهل زمانه قال لهم ولم اهديتم المر قالوا لانه يجبر الجرح والكسر وهو يشفى السقام والعلل قال ولم اهديتم لهم اذا عرفتم مكانه فعرفونى به فانى راغب فيما رغبتم فيه فلما وجدوه دفعوا الهدايا لمريم وارادوا الرجوع الى هيردوس فبعث الله لهم ملكا وقال لهم انه يريد قتله فرجعوا ولم يلقوا هيردوس وامر الله مريم ان ينتقل به الى مصر ومعها يوسف بن يعقوب النجار فسكنت به فى مصر حتى كان ابن اثنتى عشرة سنة ومات هيردوس فرجعت الى الشام انتهى - روى - ان مريم سلمت عيسى الى معلمه فعلمه ابجد فقال عيسى أتدرى ما « ابجد » قال لا فقال اما الالف فآلاء الله والباء بهاء الله والجيم جلال الله والدال دلين الله فقال الملعلم احسنت فما « هوز » فقال الهاء هو الله الذى لا اله الا هو والواو ويل للمكذبين والزاي زبانية جهنم اعدت للكافرين فقال الملعم احسنت فما « حطى » قال الحاء حطة الخطايا عن المذنبين والطاء شجرة طوبى والياء يد الله على خلقه فقا لاحسنت فما « كلمن » قال الكاف كلام الله واللم لقاء اهل الجنة بعضهم بعضا والميم ملك الله والنون نور الله فقال احسنت فما « سعفص » قال السين سناء الله والعين علم الله والفاء فعله فى خلقه والصاد صدقه فى اقواله فقال احسنت فما « قرشت » قال القاف قدرة الله والراء ربوبيته والشين مشيئته والتاء تعالى الله عما يشركون فقال له المعلم احسنت ثم قال لمريم خذى ولدك وانصرفى فانه علمنى ما لم اكن اعرفه كذا فى قصص الانبياء قيل هذه الكلمات وهى ابجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت وثتخذ وضظغ اسماء ثمانية ملوك فيما تقدم .
وقيل هى اسماء ثمانية من الفلاسفة . وقيل هذه الكلمات وضعها اليونانيون لضبظ الاعداد وتمييز مراتبها كذا فى شرح التقويم . (8/3)
وقال محمد بن طلحة فى العقد الفريد اول من وضع الخط العربى واقامه وضنع حرفه واقسامه ستة اشخاص من طسم كانوا نزولا عند عدنان بن داود وكانت اسماؤهم ابجد وهز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت ووضعوا الكتابة والخط على اسمائهم فلما وجدوا فى الالفاظ حروفا ليست فى اسمائهم الحقوها بها وسموها الورادف وهى الثاء والخاء والذال والضاد والظاء ولغين على حسب ما يلحق حروف الجمل هذا تلخيص ما قيل فى ذلك وقيل غيره انتهى .
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)
{ ذلك } الذى فصلت نعوته الجليلة { عيسى ابن مريم } لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم فيما يصفونه علىلوجه الا بلغ والطريق البرهانى حيث جعله موصوفا باضداد ما يصفونه ثم عكس على الحكم { قول الحق } قول الثابت والصدق وهو بالنصب على انه مصدر مؤكد لقال انى عبد الله الخ وقوله ذلك عيسى ابن مريم اعتراض { الذى فيه يمترون } اى يشكون فان المرية الشك فيقولون هو ابن الله . (8/4)
مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35)
{ ما كان لله } ما صح وما استقام له تعالى { ان يتخذ من ولد } اى ولدا وجاء بمن لتأكيد النفى العام . (8/5)
وفى التاويلات النجمية اى جزأ فان الولد جزؤ الوالد كما قال عليه السلام « فاطمة بضعة منى » { سبحانه } اى تنزه وتعالى تنزيها عن بهتان النصارى لانه ليس للقديم جنس اذ لا جنس له ولذلك قالوا لا فضل له { اذا قضى امرا } اى اراد كونه { فانما يقول له كن فيكون } قال لعيسى كن فكان من غير اب والقول ههنا مجاز عن سرعة الايجاد . والمعنى انه تعالى اذا اراد تكوين الاشياء لم تمتنع عليه ووجدت كما ارادها على الفور من غير تأخير فى ذلك كالمأمور المطيع الذى اذا ورد عله امر الآمر المطاع كان المأمور به مفعولا لاحبس ولا ابطاء وهو المجاز الذى يسمى التمثيل .
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)
{ وان الله ربى وربكم فاعبدوه } من تمام كلام عيسى عطف على قوله { انى عبد الله } داخل تحت القول { هذا } الذى ذكرته من التوحيد { صراط مستقيم } لا يضل سالكه . (8/6)
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)
{ فاختلف الاحزاب } جمع حزب بمعنى الجماعة { من بينهم } اى من بين الناس لمخاطبين بقوله { ربكم فاعبدوه } وهم القوت المبعوث اليهم فقالت النسطورية هو ابن الله واليعقوبية هو الله هبط الى الارض ثم صعد الى السماء وقالت الملكانية هو عبد الله وبنيه . (8/7)
وفى التأويلات النجمية اى تحزبا ثلاث فرق فرقة يعبدون الله بالسير على قدمى الشريعة والطريقة بالعبور على المقامات والوصولو الى القربات وهم الاولياء والصديقون وهم اهل الله خاصة وفرقة يعبدون الله على صورة الشريعة واعمالها وهم المؤمنون المسلمون وهم اهل الجنة وفرقة يعبدون الهوى على وفق الطبيعة ويزعمون انهم يعبدون الله كما ان الكفار يعبدون الاصنام ويقولون ما نعبدهم الا ليقربوننا الى الله زلفى فهؤلاء ينكرون على اهل الحق وهم اهل البدع والاهواء والسمعة والنفاق وهم اهل النار { فويل للذين كفروا } وهم المختلفون . والويل الهلاك وهو نكرة وقعت مبتدأ وخبره ما بعده ونظيره سلام عليك فان اصله منصوب نائب مناب فعله لكنه عدل به الى الرفع على الابتداء للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه { من مشهد يوم عظيم } اى من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء وهو يوم القيامة .
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)
{ اسمع بهم وابصر } [ جه شنو باشد كافران وجه بينا ] وهو تعجب من حدة سمعهم وابصارهم يومئذ ومعناه ان استماعهم وابصارهم للهدى { يوم يأتوننا } للحساب والجزاء يوم القيامة جدير بان يتعجب منه بعد ان كانوا فى الدنيا صما وعميا والتعجب استعظام الشئ مع الجهل بسببه ثم استعمل لمجرد الاستعظام { لكن الظالمون اليوم } اى فى الدنيا { فى ضلال مبين } فى خطأ ظاهر لا يدرك غايته اغفلوا الاستماع والنظر بالكلية حين ينفهم (8/8)
عمر مكن ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
كه فردابشيمان برآرى خروش ... كه آوخ جرا حق نكردم بكوش
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)
{ وانذرهم } خوفهم يا محمد يعنى الظالمين { يوم الحسرة } اى من يوم يتحسر فيه ويتحزن الناس ويندمون قاطبة اما المسيئ فعلى اساءته واما المحسن فعلى قلة احسانه { اذ قضى الامر } بدل من يوم الحسرة اى فرغ من الحساب وتصادر الفريقان على الجنة والنار - روى - ان النبى عليه السلام سئل عن ذلك فقال « حين يجاء بالموت على الصورة الكبش الاملح فيذبح والفريقان ينظرون فينادى المنادى يا اهل الجنة خلود بلا موت ويا اهل النار خلود بلا موت فيزداد اهل الجنة فرحا الى فرح واهل النار غما الى غم » { وهم فى غفلة } اى عما يفعل بهم فى الآخرة { وهم لا يؤمنون } وهما جملتان حاليتان من الضمير المستتر فى قوله تعالى { فى ضلال مبين اى مستقرون فى ذلك وهم فى تينك الحالتين وما بينهما اعتراض . (8/9)
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)
{ انا نحن } تأكيد لانا { نرث } نملك { الارض ومن عليها } ذكر من تغليبا للعقلاء اى لا يبقى لاحد غيرنا عليهم ملك ولا ملك وقد سبق فى سورة الحجر ما يتعلق بهذه الآية { والينا يرجعون } اى يردون للجزاء الا الى غيرنا استقلالا او اشتراكا . (8/10)
اعلم ان الرجوع على نوعين رجوع بالقهر وهو رجوع العوام لان نفوسهم باقية مطمئنة بالدنيا فلا يخرجون مما هم عليه بالا بالكراهة ورجوع باللطف وهو رجوع الخواص لان نفوسهم فانية غير مطمئنة بالدنيا والعقبى بل بالمولى الاعلى فيخرجون من الدنيا والموت ولقاء الله تعالى احب اليهم من كل شئ . فعلى السالك ان يجتهد فى تحصيل الفناء والبقاء وتكميل الشوق الى اللقاء ويرجع الى الله تعالى قبل ان يرجع فان سرذ لمن الملك اليوم دائر على هذا
صرصر فهروى از ممكن وحدت بوزيد ... حس وخاشاك تعين همهبرباد ببرد
هرجه در عرصه امكان بوجود آمده بود ... سيل عزت همه را تا عدم آباد ببرد
ولله عباد خوطبوا فصار كلهم اذنا وشهدوا فضار كلهم عينا وجدوا فى الرحيل حتى حكوا الرحل عند الملك الجليل
نظرت فى الراحة الكبرى فلم ارها ... تنال الاعلى جنس من التعب
والجد منها بعيد فى تطلبها ... فكيف تدرك بالتقصير واللعب
قال الشيخ ابو الحسن المزين رحمه الله دخلت البادية على اتلجريد حافيا حاسرا فخطر ببلالى انه ما دخل بهذه البادية فى هذه السنة احد اشد تجريدا منى فجذبنى انسان من ورائى وقال يا حجا كم تحدث نفسك بالاباطيل فظهر ان الترك والتجرد والرجوع فى الحق على مراتب ولكل سالك خطوة فلا يغتر احد بحاله ولا يخطر العجب بباله .
وعن ابراهيم الخواص قدس سره قال دخلت البادية فاصابتنى شدة فكابدتها وصابرتها فلما دخلت مكة داخلنى شئ من الاعجاب فنادتنى عجوز من الطواف يا ابراهيم كنت معك فى البادية فلم اكلمك لانى لم ارد ان اشتغل سرك عنه اخرج هذا الوسواس عنك فظهر انالتوفيق للرجوع الى الله انما هو من الله وكل كمال فبحوله وقوته ونصرته ومعونته
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41)
{ واذكر فى الكتاب ابراهيم } اى اتل يا محمد على قومك فى السورة او القرآن قصة ابراهيم وبلغها اياهم كقوله تعالى { واتل عليهم نبأ ابراهيم } وذلك ان اهل الملل كانوا يعترفون بفضله ومشركوا العرب يفتخرون بكونهم من ابنائه فامر الله تعالى حبيبه عليه السلام ان يخبرهم بتوحيده ليقلعوا عن الشرك { انه كان صديقا } ملازما للصدق فى كل ما يأتى وما يذر مبالغا فيه قائما فى جميع الاوقات { نبيا } خبر آخر لكان مقيد للاول مخصص له اى كان جامعا بيه الصديقية والنبوة وذلك الن الصديقية تلو النبوة ومن شرطها ان لا يكون نبيا الا وهو صديق وليس من شرط الصديق ان يكون نبيا . ولا رباب الصدق مراتب صادق وصدوق وصديق فالصادق من صدق فى قيامه مع الله بالله وفى الله وهو الفانى عن نفسه والباقى بربه . والفرق بين الرسول والنبى ان الرسول من بعث لتبليغ الاحكام ملكا كان او انسانا بخلاف النبى فانه مختص بالانسان . (8/11)
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)
{ اذ قال } بدل من باراهيم بدل الاشتمال لان الاحيان مشتملة على ما فيها اى اذكر وقت قوله { لابيه } آزر متطلفا فى الدعوة مسهلاله { يا ابت } اى يا ابى فان التاء عوض عن ياء الاضفة ولذلك لا يجتمعان اى لا يقال يا ابتى ولا يقال يا باتا لكون الالف بدلا م الياء { لم تعبد ما لا يسمع } ثناءك وتضرعك له به عند عبادتك له وما عبارة عن الصورة والتماثيل ولام الاضافة التى جخلت على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر فى قولك بم وعلام وفيم والام ومم وعم حذفت الالف لان ما والحرف كشئ واحد وقل استعمال الاصل { ولا يبصر } خضوعك وخشوعك بين يديه { ولا يغنى عنك } اى لا يقدر على ان ينفعك { شيأ } لا فى الدنيا ولا فى الآخرة وهو مصدر اى شيأ من الاغناء وهو القليل منه او مفعول به اى ولا يدفع عنك شيأ من عذاب الله تعالى . (8/12)
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)
{ يا ابت انى قد جاءنى } بطريق الوحى { من العلم ما لم يأتك فاتبعنى } ولا تستنكف عن التعلم منى { اهدك } [ ما بنماييم ترا ] { صراطا سويا } اى مستقيما موصلا الى اعلى المراتب منجيا من الضلال لم يشافهه بالجهل المفرط وان كان فى اقصاه ولميصف نفسه بالعلم الفائق وان كان كذلك بل جعل نفسه فى صورة رفيق له فى مسير يكون اعرف وذلك من باب الرفق واللطف . (8/13)
يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)
{ يا ابت لا تعبد الشيطان } فان عبادتك للاصنام عبادة له اذ هو الذى يزينها لك ويغريك عليها { ان الشيطان كان للرحمن عصيا } ومن جملة عصيانه اباؤه عن السجدة ومعلوم ان طاعة العاصى تورث النقم وزال النعم والتعرض لعنوان الرحمانية لاظهار كمال شناعة عصيانه . (8/14)
يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)
{ يا ابت انى اخاف } ان مت على ما انت عليه من متابعة الشطيان وعصيان الرحمن { ان } اى من ان { يمسك } يصيبك . وبالفارسية [ برسيدبتو ] { عذاب } كائن { من الرحمن } وذلك الخوف للمجاملة { فتكون } [ بس باشى ] { للشيطان وليا } اى قرينا له فى اللعن المخلد او قريبا تليه ويليك من الولى وهو القرب . (8/15)
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
{ قال } استنائف بيانى كأنه قيل فماذا قال ابوه عند ما سمع منه هذه النصائح الواجبة القبول فقيل قال مصرا على غاده { أراغب انت عن آلهتى يا ابرهيم } اى أمعرض ومنصرف انت عنها بتوجيه الانكار الى نفس الرغبة مع ضرب من التعجب كأنه الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل فضلا عن ترغيب الغير عنها قدم الخبر على المبتدأ للاهتمام والاولى كونه مبتدأ وانت فاعله سد مسد الخبر لئلا يلزم الفصل بين الصفة وما يتلعق بها وهو عن كذا فى تفسر الشيخ { لئن لم تنته } والله لئن لم ترجع عما كنت عليه من النهى عن عبادتها { لارجمنك } بالحجارة حتى تموت او تبعد عنى وقيل باللسان يعنى اشتم والذم ومنه الرجيم المرمى باللعن واصل الرجم الرمى بالرجام بالكسر وهى الحجارة { واهجرنى } عطف على ما دل عليه لارجمنك اى فاحذرنى واتركنى { مليا } اى زمانا طويلا سالما منى ولا تكلمنى من الملاوة وهو الدهر . (8/16)
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)
{ قال } ابراهيم وهواسئناف بيانى { سلام عليك } [ سلام برتو يعنى ميروم ووداع ميكنم ] فهو سلام مفارقة لاسلام لطف واحسان لانه ليس بدعاء له كقوله { سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين } على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة ودل على جواز متاركة المنصوح اذا اظهر اللجاج . والمعنى سلمت منى لا اصيبك بمكروه بعد ولا اشافهك بما يؤذيك ولكن { سأستغفر لك ربى } السين للاستقبال او لمجرد التأكيد اى استدعيه ان يغفر لك بان يوفقك والاستغفار بهذا المعنى للكافر قل تبيين انه يموتعلى الكفر مما لا ريب فى جوازه وانما المحظور استدعاؤه له مع بقائه على الكفر فانه مما لا مساغ له عقلا ولا نقلا واما الاستغفار له بعد موته على الكفر فلا يأباه قضية العقل وانما الذى يمنعه السمع ألا يرى الى انه عليه السلام قال لعمه ابى طالب « لا ازال استغفر لك ما لم أنه عنه » فنزل قوله تعالى { ما كان للنبى والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين } الآية ولا اشتباه فى ان هذا الوعد من ابراهيم وكذا قوله { لاستغفرن لك } وما ترتب عليهما من قوله { واغفر لابى } انما كان قبل انقطاع رجائه عن ايمانه لعدم تبين امره { فلما تبين انه عدو لله تبرأ منه } { انه كان بى حفيا } اى بليغا فى البر والالطاف يقال حفيت به بالغت وتحفيت فى اكرامه بالغت . (8/17)
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)
{ واعتزلكم } اى اتباعد عنك وعن قومك بالمهاجرة بدينى حيث لم يؤثر فيكم نصائحى { وما تدعون من دون الله } اى تعبدون { وادعو ربى } اى اعبده وحده { عسى أن لا اكون بدعاء ربى شقيا } اى بدعائى اياه خائبا ضائع السعى وفيه تعريض لشقائهم فى عبادتهم آلهتهم (8/18)
حاجت زكى خواه كه محتاجانرا ... بى بهره نكرداند از انعام عميم
وفى تصدير الكلام بعسى اظهار التواضع ومراعاة حسن الادب .
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)
{ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } بالمهاجرة الى الشام . (8/19)
قال فى تفسير الشيخ فارتحل من كونى الى الارض المقدس { ووهبنا له اسحاق ويعقوب } ابن اسحاق بدل من فارقه من اقربائه الكفرة لا عقيب المجاوزة والمهاجرة فان المشهور ان الموهوب حينئذ اسماعيل لقوله { فبشرناه بغلام عليم } اثر دعائه بقوله { رب هب لى من الصالحين } ولعل تخصيصها بالذكر لانهما شجرة الانبياء او لانه اراد ان يذكر اسماعيل بفضل على انفراد { كلا جعلنا نبيا } اى كل واحد منهم جعلناه نبيا لا بعضهم دون بعض فكلا مفعول اول لجعلنا قدم عليه للتخصيص لكن لا بالنسة الى من عداهم بل بالنسبة الى بعضهم .
وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)
{ ووهبنا لهم من رحمتنا } كل خير دينى ودنيوى مما لا يوهب من العالمين { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } ثناء حسنا رفيعا فان لسان لاصدق هو الثناء الحسن على ان يكون المراد باللسان ما يوجد به من الكلام ولسان العرب واضافته من اضافة الموصوف الى الصفة اى يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم استجابة لدعوته بقوله { واجعل لى لسان صدق فى الآخرين } اعلم ان فى الآيات اشارات . منها الرفق وحسن الخلق فان الهادى الى الحق يجب ان يكون رفيقا فان العنف يوجب اعراض المستمع وفى الحديث « اوحى الله الى ابراهيم ان خليل حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الابرار فان كلمتى سبقت لمن حسن خلقه بان اظله تحت عرشى واسكنه حظيرة القدس وادينه من جوارى » قال الصائب (8/20)
كذشت عمر ونكردى كلام خودرا نرم ... ترا جه حاصل ازين آسياى دندانس
ومنها المتابعة قال ابو القاسم الطريق الى الحق المتابعة من علت مرتبته ابتع الكتاب ومن نزل عنهم اتبع الرسول عليه السلام ومن نزل عنهم اتبع الصحابة رضى الله عنهم ومن نزل قال اشد ما على النفس الاقتداء فانه ليس للنفس فيه نفس ولا راحة .
ومنها العزلة قال ابو القاسم من اراد السلامة فى الدنيا والآخرة ظاهرا وباطنا فليعتزل قرناء السوء واخدان السوء ولا يمكنه ذلك الا بالالتجاء والتضرع الى ربه فى ذلك ليوفقه لمفارقتهم فان المرأ مع من احب .
قال بعض الكبار العزلة سبب لصمت اللسان فمن اعتزل عن الناس لم يجد من يحادثه فاداه ذلك الى صمت اللسان وهى على قسمين عزلة المريدين بالاجسام عن الاغيار وعزلة المحققين بالقلوب عن الاكوان فليست قلوبهم محالا لغير علم الله اذى هو شاهده الحصال فيها من المشاهدة ونية اهل العزلة اما اتقاء شر الناس واما اتقاء شره المتعدى اليهم وهو ارفع من الاول اذ سوء الظن بالنفس اولى من سوء الظن بالغير واما ايثار صحبة المولى على صحبة السوى فاعلى المعتزلين من اعتزل عن نفسه ايثار الصحبة ربه فمن آثر العزلة على المخالطة فقد آثر ربه على غيره ولم يعرف احد ما يعطيه الله من المواهب والاسرار والعزلة تعطى صمت اللسان لا صمت القلب اذ قد يتحدث المرؤ فى نفسه بغير الله ومع غير الله فلهذا جعل الصمت ركنا برأسه من اركان الطريق وحال اعزلة التنزيه عن الاوصاف سالكا كاد المعتزل يكون صاحب يقين مع الله تعالى حتى لا يكون له خاطر متعلق بخارج بيت عزلته والهجرة سبب للعزلة عن الاشرار من هاجر فى طلب رضى الله اكرمه الله فىلدنيا والآخرة . فعلى العاقل ان يجتهد فى تحصيل الرضى بالهجرة والخلوة والعزلة ونحوها : قال الصائب
درمشرب من خلوت اكر خلوت كوراست ... بسيار به از صحبت ابناى زمانست
ومنها ان من فارق محبوبه ابتغاء لمرضاة الله تعالى فان الله تعالى يجعل له بدلا خيرا من ذلك واحب فيأنس به ويتوحش عما الف به فيما مضى فيحصل الحل والعقد على مراد الله اللهم اجعلنا من المنقطعين اليك والمستوحشين عما سواك والسالكين الى سبيل الفناء والطالبين لرضاك .
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51)
{ واذكر فى الكتاب موسى } قدم ذكره على اسماعيل لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب { انه كان مخلصا } اخلصه الله من الادناس والنقائص ومما سواه وهو معنى الفتح الموافق للصديق فان اهل الاشارة قالوا ان الصادق والمخلص بالكسر من باب واحد وهو التخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقا والصديق والمخلص بالفتح من باب واحد وهو التخلص ايضا من شوائب الغيرية . (8/21)
قال فى التأويلات النجمية اعلم ان الاخلاص فى العبودية مقام الاولياء فلا يكون ولى الا وهو مخلص ولا يكون كل مخلص نبيا ولا يكون رسولا الا وهو نبى ولا يكون كل نبى رسولا والمخلص بكسر اللام من اخلص نفسه فى العبودية بالتزكية عن الاوصاف النفسانية الحيوانية والمخلص بكسر الام من اخلصه الله بعد التزكية بالتحلية بالصفات الروحانية الربانية كما قال النبى عليه السلام « من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » وقال تعالى « الاخلاص سرّ بينى وبين عبدى لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل انا الذى اتولى تحلية قلوب المخلصين بتجلى صفات جمالى وجلالى لهم » وفى الحقيقة لا تكون العبودية مقبولة الامن المخلصين لقوله تعالى { وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ولا خلاص المخلصين مراتب ادناها ان تكون العبودية لله خالصة لا يكون لغير الله فيها شركة واوسطها ان يكون العبد مخلصا فى بذل الوجود لله الى الله واعلى درجة المخلصين ان يخلصهم من حبس وجودهم بان يفنيهم عنهم ويبقيهم بوجود { وكان رسولا نبيا } ارسله الله الى الخلق فانبأهم عنه ولذلك قدم رسولا مع كونه اخص واعلى .
يقول الفقير تأخير نبيا لاجل الفواصل .
وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)
{ وناديناه من جانب الطور الايمن } الطور جبل بين مصر ومدين والايمن فىلاصل خلاف الايسر اى جانب اليمن وهو صفة للجانب اى ناديناه من ناحيته اليمنى وهى التى تلى يمين موسى ازلا يمين للجبل ولا شمال او من جانبه الميمون من اليمن ومعنى ندائه منه انه تمثل له الكلام من تلك الجهة . (8/22)
وقال فى الجلالين اقبل من مدين يريد مصر فنودى من الشجرة وكانت فى جانب الجبل على يمين موسى { وقريناه نجيا } تقريب تشريف مثل حاله بحال من قربه الملك لمناجاته وصطفاه لمصابته حيث كلمة بغير واسطة ملك ونجيا اى مناجيا حال من احد الضميرين فى ناديناه والمناجاة [ راز كفتن ] كما فى التهذيب يقال ناجاه مناجاة ساره كما فى القاموس .
وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)
{ ووهبنا له من رحمتنا } اى من اجل رحمتنا ورأفتنا به { اخاه هارون } اخاه مفعول وهنا وهارون عطف بيان لاخاه { نبيا } حال منه ليكون معه وزيرا معينا كما سأل ذلك ربه فقال { واجعل لى وزيرا من اهلى } فالهبة على ظاهرها كما فى قوله { ووهبنا له اسحق ويعقوب } فان هارون كان اسن من موسى فوجب الحمل على المعاضدة والموازرة [ صاحب كشف الاسرار كويد حضرت موسى عليه السلام را هم روش بود وهم كشش اشارت بروش او { ولما جاء موسى } عبارة از كشش او { وقر بناه نجا } سالك تار در روش است خطب دارد وجون كشش در رسد خطر را باوكار نيست يعنى درسلوك شوب تفرقه هست وجذبه محض جمعيت است (8/23)
با خود روى بيحاصلى جون او كشيدت واصلى ... رفتن كجا بردن كجا اين سر ربانيست اين ... قال المولى الجامى
سالكان بى كشش دوست بجايى نرسند ... سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند
وفى التأويلات النجمية قوله { ووهبنا له من حرمتنا اخاه هارون نبيا } يشير الى ان النبوة ليست بكسبية بل هى من مواهب الحق تعالى يهب لمن يشاء النبوة ويهب لمن يشاء الرسالة من رحمته وفضله لا من كسبهم وجتهادهم على ان توفيق الكسب والاجتهاد ايضا من مواهب الحق تعالى وفيه اشارة الى ان موسى عليه السلام اشد اختصاصا بالقربة والقبول عند الله تعالى حتى يهب اخاه هرون النبوة والرسالة بشفاعته والعجب ان الله تعالى يهب النبوة والرسالة بشفاعته موسى عليه السلام وانه يهب الانبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم لقوله « الناس يحتاجون الى شفاعتى حتى ابراهيم عليه السلام » اللهم اجعلنا من المستسعدين بشفاعته واحشرنا تحت لوائه ورايته .
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54)
{ واذكر فى الكتاب اسماعيل } فصل ذكره عن ذكر ابيه واخيه لابراز كمال الاعتناء بامره بايراده مستقلا اى واتل على قومك يا محمد فى القرآن قصة جدك اسماعيل وبلغها اليهم { انه كان صادقا الوعد } فيما بينه وبين الله وكذا بين الناس . قال فى التأويلات النجمية فما وعد الله باداء العبودية انتهى . (8/24)
والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها وايراده بهذا الوصف لكمال شهرته به واتصاله باشياء فى هذا الباب لم تعهد من غيره .
عن ابن عباس رضى الله عنهما ان اسماعيل عليه السلام وعد صاحبا له ان ينتظره فى مكان فانتظره سنة
نيست بر مردم صاحب نظر ... صورتى از صدق ووفا خوبتر
وناهيك انه وعد الصبر على الذبح فوفى حيث قال { ستجدنى ان شاء الله من الصابرين } وفيه حيث على صدق الوعد والوفاء به والاصل فيه نيته لقوله عليه السلام « اذا وعد الرجل اخاه ومن نيته ان يفى لم يفى ولم يجيئ للميعاد فلا اثم عليه »
واعلم ان الله تعالى اثنى على اسماعيل بكونه صادق الوعد اشارة الى ان الثناء انما يتحقق بصدق الوعد واتيان الوعد بالموعود لا بصدق الوعيد واتيان المتوعد بما توعد به اذ لا يثنى عقلا وعرا على من يصدر منه الآفات والضمرات بل على من يصدر منه الخيرات والمبرات ومن هذا ذهب بعض العلماء الى ان الخلف فى الوعيد جائز على الله تعالى دون الوعد صرحه الامام الواحدى فى الوسيط فى قوله تعالى فى سورة النساء « ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم » الآية وفى الحديث « من وعد لاحد على عمله ثوابا فهو منجز له ومن اوعده على عمله عقابا فهو بالخيار » والعرب لا تعد عيبا ولا خلفا ان يعد احد شرائم لا يفعله بل ترى ذلك كرما وفضلا كما قيل
وانى اذا اوعدته او وعدته ... لمخلف ايعادى ومنجز موعدى
وقيل
اذا عد السرّاء نجر وعده ... وان اوعد الضرّاء فالعقل مانعه
واحسن يحيى بن معاذ فى هذا المعنى حيث قال لالوعد والوعيد حق فالوعد حق العاد على ما ضمن لهم اذا فعلوا ذلك ان يعطيهم كذا ومن اولى بالوفاء من الله والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فاعذبكم ففعلوا فان شاء عفا وان شاء ىخل لانه حقه واولاهما العفو الكرم لانه غفور رحيم كذا فى شرح العضد للجلال الدوانى { وكان رسولا } ارسله الله تعالى الى جزهم والى العماليق والى قبائل اليمن فى زمن ابيه ابراهيم عليهما السلام .
قال فى القاموس جرهم كقنفذ حى من اليمن تزوج فيهم اسماعيل { نبيا } يخبر عن الله وكان على سريعة ابيه ابراهيم ولم يكن له كتاب انلز اليه باجماع العلماء وكذا لوط واسحاق ويعقوب .
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)
{ وكان يأمر اهله } الخاص وهو من اتصل به بجهة الزوجية والولاد والعام وهو من اتصل به بجهة الدعوة وهم قومه ويجوز ان يرجح الاول لان الاهم ان يقبل الرجل بالتكميل على نفسه ومن هو اقرب الناس اليه قال تعالى { وانذر عشيرتك الاقربين } { وأمر اهلك بالصلاة } { قو انفسكم واهليكم نارا } فانهم اذا صلحوا صلح الكل وتزيى بزيهم فى الخير والصلاة { بالصلاة } التى هى اشرف العبادات البدنية { والزكاة } التى هى افضل العبادات المالية . (8/25)
وفيه اشارة الى ان من حق الصالح ان يصح للاقارب والاجانب ويحظيهم بالفوائد الدينية
اى صاحب كرامت شكرانه سلامت ... روزى تفقدى كن درويش بى نوارا
{ وكان عند ربه مرضيا } فى الاقوال والافعال والاحوال . وفى الجلالين مرضيا لانه قد قام بطاعته انتهى
اى مرد اكرت رضاء دلبر بايد ... آن بايد كرد هرجه اوفرمايد
كركويد خون كرى مكو ازجه سبب ... وركويد جان بده مكوكه نايد
وعن بعض الصالحين انه قال نزل عندى اضياف وعلمت انهم من ابدال فقلت لهم اوصونى بوصية بالغة حتى اخاف الله قالوا نوصيك بستة اشياء . اولها من كثر نومه فلا يطمع فى ورقة قلبه . ومن كثرا كله فلا يطمع فى قيام الليل . ومن اختار صحبة ظالم فلا يطمع فى استقامة دينه ومن كان الكذب والغيبة عادته فلا يطمع فى ان يخرج من الدنيا مع الايمان . ومن كنز اختلاطه بالناس فلا يطمع فى حلاوة العبادة . ومن طلب رضى الناس فلا طمع فى رضى الله تعالى .
واعلم ان المرضى المطلق هو الانسان الكامل الجامع لجميع الكمالات المحيط بحقائق جميع الاشياء والصفات واما من دونه فمرضى بوجه دون وجه وعلى خال دون حال نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من اهل الرضى واليقين والسكون والتمكين آمين .
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56)
{ واذكر فى الكتاب ادريس } هو جد ابى نوح فان نوحا بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ وهو ادريس النبى عليه السلام ابن يرد بن مهلاييل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم ولد وآدم حى قبل ان يموت مبائة سنة كذا فى روضة الخطيب . (8/26)
وقال الكاشفى [ درجامع الاصول آورده كه ادريس بصد سال بعد ازوفات آدم متولد شده ] هو اول من وضع الميزان والمكيال واول من اتخذ السلاح وجاهد فى سبيل الله وسى واسترق بنى قابيل واول من خط بالقلم ونظر فى علم الحساب والنجوم واول منى خاط الثياب وكانوا يلبسون الجلود واول من لبس ثوب القطن واشقاقه من الدرس يمنه صرفه نعم لا يبعهد ان يكون فى تلك اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة دراسته اذ روى انه تعالى انزل عليه ثلاثين صحيفة { انه كان صديقا } ملازما للصدق فى جميع احواله { نبيا } خبر آخر لكان مخصص للاول اذ ليس كل صديق نبيا .
قال عباس ان عطاء ادنى منازل المرسلين اعلى مراتب النبيين وادنى مراتب النبيين اعلى مرتب الصديقين وأدنى مراتب الصديقين اعلى مراتب المؤمنين .
وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)
{ ورفعناه مكانا عليا } وهو السماء الرابعة فان النبى عليه السلام رأى آدم ليلة المعراج فى السماء الدنيا ويحيى وعيسى فى الثانية ويوسف فى الثالثة وادريس فى الرابعة وهارون فى الخامسة وموسى فى السادسة وابراهيم فى السابعة . (8/27)
واختلف القائلون بانه فى السماء أهو حى فيها ام ميت فالجمهور على انه حى وهو الصحيح وقالوا اربعة من الانبياء فى الاحياء اثنان فى الارض وهم الخضر والياس واثنان فى السماء ادريس وعيسى كما فى بحر العلوم .
قال الكاشفى [ در رفع ادريس اخبار متنوعه هست ابن عباس فرمودكه روزى ادريس را حرارت آفتاب غلبه كرد مناجات كردكه آلهى باوجود اين مقدار بعد كه ميان من وآفتاب هست ازحرارت او باحتراق نزديك شدم آيا آن فرشته كه حامل اوست جه حال داشتنه باشد خدايا بار آفتاب وشدت بروسبك كردان واورا ازتاب حرارت آفتاب درسايه عنايت خود محفوظ دار
ازتاب آفتاب حوادث جه غم خورد ... آنراكه سائبان عنايت بناه اوست
حق سبحانه وتعالى دعاى او متسحاب فرمود روزديكر آن فرشته كه حامل آفتابست خودرا سبكبار يافت وتأثيرى ازحرارت او فهم نكرد سبب آنرا از حضرت عزت استعانمود خطاب رسيدكه بنده من ادريس درحق تو دعا كرده ومن اجابت كردم آن فرشته اجازت خواست كه بزيارت ادريس آيداجازت يافت وبرزمين آمد وبالتماس ادريس اورا به بر بافر خود نشانيده بآسمان برد ونزديك مطلع آفتاب رسانيده وباستعدعاى ادريس كميت عمر وكيفيت اجل وى ازملك الموت برسيد وعزرائيل درديوان اعمار نكاه كرده فرمود كه حكم آ لهى درباره اين كس كه توميكويى آنست كه حالى نزديك مطلع آفتاب متوفى شود وجود آن فرشته بازآمد ادريس را يافت نقدجان بخازن اجل سبرده طوطى روحش بشكرستان قدس برواز كرده . وروايتى ديكر آنست كه ملك الموت ازكثرت طاعت ادريس مشتاق ديدارش شد وباذن حق تعالى برزمين آمده ويرادريافت وبامر آلهى وبالتماس ادريس جانش برداشت وباز حق سبحانه جانش داد وعزرائيل اورا بآسمان برد ودوزخ بدو نمود واز آنجا ببهشت رفت وديكر بيرون نيامد ] فالآية دلت على رفعته وعلى علومكانه وهو ذلك الشمس اما رفعته فبتبعية مكانه واما علو مكانه فبوجهين احدهما باعتبار ما تحته من الكرات الفلكية والعنصرية وثانيهما باعتبار المرتبة بالنسبة الى جميع الافلاك وذلك ان فلك الشمس تحته سبعة افلاك فلك الزهرة وفلك عطارد وفلك القمر وكرة الاثير اى النار وكرة الهواء وكرة الماء وكرة التراب وفوقه سبعة افلاك ايضا فلك المريخ وفلك المشترى وفلك زحل وفلك الثوابت والفلك الاطلس وفلك الكرسى وفلك العرش فاعلى الامكنة بالمكانة والمرتبة فلك الشمس الى هو قطب الافلاك اذ الفيض انما يصل من روحانيته الى سائر الافلاك كما ان من كوكبه يتنور الافلاك جميعا وذلك كما يقال على القلب يدور البدن اى منه يصل الفيض الى سائر البدن وفى فلك الشمس مقام روحانية ادريس كما يشعر به حديث المعراج .
وفى التأويلات النجمية المكان العلى فوق المكونات عند المكون فى مقعد صدق عند مليك مقتدر انتهى . (8/28)
وقد اعطى الله تعالى للمحمديين علو المكانة لكن العبد لا يتصور ان يكون عليا مطلقا اذ لا ينال درجة الا ويكون فى الوجود ما هو فوقها وهى درجات الانبياء والملائكة نعم تتصور انينال درجة لا يكون فى جنس الانس من يفوقه وهى درجة نبينا عليه السلام ولكنه قاصر بالاضافة الى العلو المطلق لانه علو بالاضافة الى بعض الموجودات والآخر علو بالاضافة الى الوجود لا بطريق الوجوب بل يقارنه امكان وجود انسان فوقه فالعلى المطلق هو الذى له الفوقية لا بالاضافة وبحسب الوجوب لا بحسب الوجود الذى يقارنه امكان نقيضه : وفى المثنوى
دست بربالاى دست اين تاكجا ... تا بيزدان كه اليه المنتهى
كان يكى درياسات بى غور وكران ... جمله درياها جوسيلى بيش آن
حيلها وجارها كر ازدهاست ... بيش الا الله انها جمله لاست
فعلى العامة ان لا يلتفتوا الى العلو الاضافى الحاصل من بعض الرياسات كالقضاء والتدريس والامامة والامارة ونحوها وعلى الخاصة ان لا ينظروا الى العلو الاعتبارى الحاصل من بعض المقامات كالافعال والصفات فان الكمال الحقيقى هو الترقى من كل اضافة فانية وعلاقة زائلة والتجرد من ملابس كل كون حادث صورة ومعنى ألا ترى الى حال اصحاب الصفة رضى الله عنهم نسأل الله تعالى ان لا يجعلنا من المفتخرين بغيره .
أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)
{ اولئك } اشارة الى المذكورين فى هذه السورة من زكريا الى ادريس وهو مبتدأ خبره قوله { الذين انعم الله عليهم } بانواع النعم الدينية والدنيوية واصناف المواهب الصورية والمعنوية وقد اشير الى بعض ما يخص كلا منهم { من النبيين } بيان للموصول ونظيره فى سورة الفتح { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة } { من ذرية آدم } بدل منه باعادة الجار يقال ذرأ الشئ كثر ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين كما فى القاموس { وممن حملنا مع نوح } اى ومن ذرية من حملنا معه فى سفينته خصوصا وهم من عدا ادريس فان ابراهيم كان من ذرية سام بن نوح { ومن ذرية ابراهيم } وهم الباقون { واسرائيل } عطف على ابراهيم اى ومن ذرية اسرائيل اى يعقوب وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى . (8/29)
وفيه دليل عى ان اولاد البنات من الذرية لان عيسى من مريم وهى من نسل يعقوب { وممن هدينا واجتبينا } اى ومن جملة من هديناهم الى الحق واصطفيناهم للنبوة والكرامة قالوا من فيه للتبيين ان عطف على من النبيين وللتبعيض ان عطف على ومن ذرية آدم { اذا تتلى } تقرأ { عليهم } على هؤلاء الانبياء { آيات الرحمن } اى آيات الترغيب والترهيب فى كتبهم المنزلة { خروا } سقطوا على الارض حال كونهم { سجدا } ساجدين جمع ساجد { وبكيا } باكين جمع باك واصله بكويا والمعنى ان الانبياء قبلكم مع مالهم من علو الرتبة فى شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله تعالى كانوا يسجدون ويبكون لسماع آيات الله فكونوا مثلهم وفى الحديث « اتلوا القرآن وابكوا فان لم تبكوا فتباكوا » يقالوا تباكى فلان اذا تكلف البكاء اى ان لم تبك اعينكم فلتبك قلوبكم يعنى تحزنوا عند سما القرآن فان القرآن نزل بحزن على المحزونين .
قال الكاشفى [ كلام دوست مهيج شوقست جون آتش شوق بركانون دل بر افزوخته كردد ازديده خون ريختن كيرد
اى دريغا اشك من دريايدى ... تانثار دلبر زيبا بدى
اشك كان ازبهر آن بارند خلق ... كوهرست واشك بندارندخلق
قال فى التأويلات النجمية { خروا } بقلوبهم على عتبة العبودية { سجدا } بالتسليم للاحكام الازلية { وبكيا } بكاء السمع بذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة انتهى .
قالوا ينبغى ان يدعو الساجد فى سجدته بما يليق بآياتها فههنا يقول ( اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك ) وفى آية الاسراء ( اللهم اجعلنى من الباكين اليك الخاشعين لك ) وفى آية تنزيل السجدة يقول ( اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك واعوذ بك ان اكون من المستكبرين عن امرك ) .
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)
{ فَخَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ } يقال لعقب الخير خلق بفتح اللام ولعقب الشر خلق بالسكون اى فعقب الانبياء المذكورين وجاء بعدهم عقب سوء من اولادهم . (8/30)
وفى الجلالين بقى من بعد هؤلاء قوم سوء يعنىليهود والنصارى والمجوس انتهى .
وفى الحديث « ما من نبى بعثه الله فى امه الا كان له من امته حواريون واصحابه يأخذون بسنته ويعتقدون بامره ثم انها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفلعون يوفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسنة فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليست وراء ذلك من الايمان حبة خردل » ذكره مسلم { اضاعوا الصلاة } تركوها او اخروها عن وقتها او ضيعوا ثوابها بعد الاداء بالنميمة والغيبة والكذب والنحوها او شرعوا فيها بلا نية وقاموا لها بلا خضوع وخشوع { واتبعوا الشهوات } من شرب الخمر واستحلال نكاح الاخت من الاب والانهماك فى فنون المعاصى .
وعن على رضى الله عنهم هم من بنى المشيد وركب المنظور ولبس الشمهور وفى الحديث « اوحى الله الى داود مثل الدنيا كمثل جيفة اجتمعت عليها الكلاب يجرونها أفتحب ان تكون كلبا مثلهم فتجر معهم يا داود طيب الطعام ولين اللباس والصبت فى الناس والجنة فى الآخرة لا يجتمعان ابدا »
واعلم ان تيسير اسباب الشهوات ليس من امارة الخير وعلامة النجاة فى الآخرة ومن ثمة امتنع عمر رضى الله عنه من شرب ماء بارد بعسل وقال اعزلوا عنى حسابها .
وقال وهب بن منبه التقى ملكان فى السماء الرابعة فقال احدهما للآخر من اين فقال امرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودى وقال الآخر امرت باهراق زيت اشتهاه فلان العابد والشهوة فى الاصل التتمنى ومعناها بالفارسية [ آرزو خواستن ] والمراد بها فى الآية المشتهيات المذمومة . والفرق بين الهوى والشهوة ان الهوى هو المذموم من جملة الشهوات والشهوة قد تكون محمودة وهى من فعل الله تعالى وهو ما يدعو الانسان الى الصلاح وقد تكون مذمومة وهى من فعل النفس الامارة بالسوء وهى استجابتها لما فيه لذاتها البدنية ولا عبادة لله اعظم واشرف من مخالفة الهوى والشهوات وترك اللذات : قال الشيخ سعدى
مبر طاعت نفس شهوت يرست ... كه هر ساعتش قبله ديكرست
مر دترى هرجه دل خواهدت ... كه تمكين تن نورجان كاهدت
كند مردزا نفس اماره خوار ... اكر هو شمندى عزيزرش مدار
{ فسوف يلقون غيا } اى شرا فان كل شر عند العرب غى فكل خير رشاد .
وعن الضحاك جزاء غى كقوله تعالى { يلق اثاما } اى جزاء اثام .
وقيل غى واد من جهنم يستعيذ من حره اوديتها اعد للزانى وشارب الخمر وآكل الربا وشاهد الزور ولاهل العقوق وتارك الصلاة .
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60)
{ الا من تاب } رجع من الشرك والمعاصى { وآمن } اختيار الايمان مكان الكفر { وعمل صالحا } بعد التوبة والندم { فاولئك } المنعوتين بالتوبة والايمان والعمل الصالح { يدخلون الجنة } بموجب الوعد المحتوم { ولا يظلمون } لا ينقصون من جزاء اعمالهم { شيأ } ولا يمنعونه فالظلم بمعنى النقص والمنع وشيأ مفعوله ويجوز ان يكون شيأ فى موضع المصدر اى ولا يظلمون البتة شيأ من الظلم . (8/31)
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)
{ جنات عدن } بدل من الجنة بدل البعض لان الجنة تشتمل على جنات عدن وما بينهما اعتراض وجنات عدن علم الجنة مخصوصة كشهر رمضان وقد يحذف المضاف حيث يقال جاء رمضان وقيل جنات عدن علم لدار الثواب جميعها والعدن الاقامة وهو الانسب بمثل هذا المقام فان جنة عدن المخصوصة وجنة الفردوس لا يدخلهما العوام بالاصالة لانهما مقام المقربين { التى وعد الرحمن عباده } اى وعدها اياهم ملتبسة { بالغيب } اى وهى غائبة عنهم غير حاضرة او غائبين عنها لا يرونها وانما آمنوا بها بمجرد الاخبار والتعرض لعنوان الرحمة للايذان بان وعدها وانجازه لكمال سعة رحمة تعالى . (8/32)
وفى الاضافة اشارة الى ان المراد من يعبده مخلصا له فى العبودية لا يعبد الدنيا والنفس والهوى اذ كمال التشريف بالاضافة انما يحصل بهذا المعنى فله جنة عدن المخصوصة { انه } اى الله تعالى { كان وعده } اى موعوده الذى هو الجنة { مأتيا } اى يأتيه من وعد له لا محالة بغير خلف فالمأتى بمعنى المفعول من الاتيان او بمعنى الفاعل اى جائيا البتة .
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62)
{ لا يسمعون فيها } فى تلك الجنات { لغوا } اى فضول كلام لا طائل تحته وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن اهلها . (8/33)
وفيه تنبيه على ان اللغو مما ينبغى ان يجتنب عنه فى هذه الدار ما امكن { الا سلاما } استثناء منقطع اى لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم او تسليم بعضهم على بعض { ولهم رزقهم فيها بكرة } [ امداد ] { وعشيا } [ شبانكاه ] والمراد دوام الرزق كما يقال انا عند فلان صباحا ومساء يراد الدوام منه وقيل يؤتى طعامهم على مقدار البكرة والعشى اذ لا نهار ثمة ولا ليل بل هم فى نور ابدا وانما وصف الله الجنة بذلك لان العرب لا تعرف من العيش افضل من الرزق بالبكرة والعشى .
قال الامام فى تفسيره فان قيل المقصود من الآيات وصف الجنة بأمور مستعظمة وليس وصول الرزق بكرة وعشيا منها قلنا قال الحسن اراد ان يرغب كل قوت بما احبوه فى الدنيا فلذلك ذكر اساور الذهب والفضة ولبس الحرير الذى كان عادة العجم والارائك التى كانت عادة اشراف اليمن ولا شئ احب الى العرب من الغداء والعشاء .
قال فى التأويلات النجمية { ولهم رزقهم فيها } من رؤية الله تعالى { بكرة وعشيا } كما جاء فى الخبر « واكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غداة وعشيا » انتهى .
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)
{ تلك } اشارة الى الجنة المذكورة المتقدمة يريد تلك التى بلغك وصفها وسمعت بذكرها { الجنة } قال فى الارشاد مبتدأ وخبر جيى به لتعظيم شأن الجنة وتعيين اهلها ويجوز ان يكون الجنة صفة للمبتدأ الذى هو اسم الاشارة وخبره قوله { التى نورث } اى نورثها ونعطيها بغير اختيار الوارث { من عبادنا من كان تقيا } مجتنبا عن الشرك والمعاصى مطيعا لله اى نبقيها عليهم بتقواهم ونمتعهم بها كما نبقى على الوارث مال مورثه ونمتعه به . (8/34)
قال فى الاسئلة المقحمة كيف قال نورث والميراث ما انتقل من شخص الى شخص والجواب ان هذا على وجه التشبيه اراد ان الاعمال سبب لها كالنسب ملك بلا كسب ولا تكلف وكذا الجنة عطاء من الله ورحمة منه خلافا للقدرية انتهى .
والوراثة اقوى ما يستعمل فى التملك والاستحقاق من حيث انها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا ابطال والا اسقاط . قال فى الاشباه لو قال الوارث تركت حقى بطل حقه انتهى .
وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التى كانت لاهل النار لو آمنوا واطاعوا زيادة فى كرامتهم .
قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة اعلم ان الجنات ثلاث .
الاولى جنة اختصاص الهى وهى أتلى يدخلها الاطفال الذين لم يبلغوا حد العمل وحدهم من اول ما يولد الى ان يستهل صارخا الى انقضاء ستة اعوام ويعطى الله من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء ومن اهلها المجانين الذين ما عقلوا ومن اهلها اهل التوحيد العلمى من اهلها اهل الفترات ومن لم تصل اليهم دعوة رسول .
والجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا من المؤمنين وهى الاماكن التى كان معينة لاهل النار لو دخلوها . والجنة الثالثة جنة الاعمال وهى التى ينزل الناس فيها باعمالهم فمن كان افضل من غيره فى وجوه التفاضل كان له من الجنة اكثر سواء كان الفاضل بهذه الحال دون المفضول او لم يكن فما من عمل الا وله جنة يقع التفاضل فيها بين اصحابها ورد فى الحديث الصحيح عن النبى عليه السلام انه قال لبلال « يا بلال بما سبقتنى الى الجنة فما وطئت منها موضعا الا سمعت خشخشتك امامى » فقال يا رسول الله ما احدثت قط الا توضأت وما توضأت الا صليت ركعتين فقال رسول الله عليه السلام « بهما » فعلمنا انها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم ومكروه الا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص يناله من دخلها ومن الناس من يجمع فى الزمن الواحد اعمالا كثيرة فيصرف سمعه وبصره ويده فيما ينبغى فى زمان صومه وصدقته بل فى زمان صلاته فى زمان ذكره فى زمان نيته من فضل وترك فيؤجر فى الزمن الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممن ليس له ذلك نسأل الله تعالى ان يجعلنا من اهل الطاعة .
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)
{ وما نتنزل الا بامر ربك } قال مجاهد ابطأ الملك على رسول الله عليه السلام ثم اتاه فقال له عليه السلام « ما حبسك يا حبرائيل » قال وكيف آتيكم وانتم لا تقصون اظفاركم ولا تأخذون شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ { وما نتنزل الا بامر ربك } كما فى اسباب النزول وسفية الابرار وفى الحديث « نقوا براجمكم » وهى مفاصل الاصابع والعقد التى على ظهرها يجتمع فيهالوسخ واحدها برجمة وما بين العقدتين يسمى راجبة والجمع رواجب وذلك مما يلى ظهرها وهو قصبة الاصبح فلكل اصبع برجمتاه وثلاث رواجب الا الابهام فان له برجمة وراجبتين فامر بتنقيته لئلا يدرن فيبقى فيه الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة ذكره القرطبى . (8/35)
وقال بعض المفسرين وهو حكاية لقول جبريل حين استبطأه رسول الله لما سئل عن اصحاب الكهف وذى القرنين والروح فلم يدر كيف يجيب ورجا ان يوحىليه فى فابطأ عليه اربعين يوما او خمسة عشر فشق عليه ذلك مشقة شديدة وقال المشركون ودعه ربه وقلاه فلما نزل بيان ذلك قال له « بطأت علىّ حتى ساء ظنى واشتقت اليك » قال جبريل انى كنت اشوق ولكنى عبد مأمور اذا بعثت نزلت واذا حبست احتبست فانزل الله هذه الآية وسورة والضحى . والتنزل النزول على مهل لانه مطاوع للتنزيل والمعنى قال الله لجبريل قل لمحمد وما نتنزل وقتا غب وقت الا بامر الله على ما تقتضيه حكمته { له } اى لله بالاختصاص { ما بين ايدينا } من الامور الاخروية الآتية { وما خلفنا } من الامور الدنيوية الماضية { وما بين ذلك } ما بين ما كان وما سيكون اى من هذا الوقت الى قيام الساعة .
وفى التأويلات النجمية { له ما بين ايدينا } من التقدير الازلى { وما خلقنا } من التدبير الابدى { وما بين ذلك } من ازل الى الابد انتهى .
ونظيره قوله تعالى { يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم } { وما كان ربك نسيا } [ فراموشكار يعنى ازحال توآكاهست نهركاه كه خواهد مارا بتوفرستد ] .
قال اهل التفسير فعيل بمعنى فاعل من النسيان بمعنى الترك اى تاركا لك كما زعمت الكفرة وان تأخر عنك الوحى لمصلحة او بمعنى نقيض الذكر الذى هو الغفلة اى غافلا عنك .
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)
{ رب السموات والارض } خبر مبتدأ محذوف اى هو مالكهما { وما بينهما } من الخلق فكيف يجوز النسيان على الرب { فاعبده } اى اذا كان هو الرب فاثبت على عبادته يا محمد والعبادة قيام العبد بما تعبد به وتكلف من امتثال الاوامر والنواهى . (8/36)
وفى التأويلات النجمية { فاعبده } بجسدك ونفسك وقلبك وسرك وروحيك فعبادة جسدك اياه باركان الشريعة وهى الائتمار بما امرك الله به والانتهاء عما نهاك الله عنه وعبادة نفسك بآداب الطريقة وهى ترك موافقة هواها ولزوم مخالفة هواها وعبادة القلب الاعراض عن الدنيا وما فيها والاقبال على الآخرة ومكارمها وعبادة السر خلوه عن تعلقات الكونين اتصالا بالله تعالى ومحبة وعبادة الروح ببذل الوجود لنيل الشهود { واصطبر لعبادته } اى اصبر لمشاقها ولا تحزن بابطاء الوحى واستهزاء الكفرة وشماتتهم بك فانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك فى الدنيا والآخرة . وتعدية الاصطبار باللام لا بحرف الاستعلاء كما فى قوله { واصطبر عليها } لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمبارز اصطبر لقرنك اى اثبت له فيما يورد عليك من شدائده وحملاته { هل تعلم له سميا } السمى الشريك فى الاسم والثمل والشبيه اى مثلا ان يستحق ان يسمى الها وانما قيل للمثل سمى لان كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه والنظير وكل واحد منهما سمى لصاحبه او احدا يسمى الله غيره فان المشركين مع غلوهم فى المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة اصلا والمراد بانكار العلم ونفيه انكار المعلوم ونفيه اى لا يكون ولم يكن ذلك .
قال الكاشفى [ يكى از آثار سطوت آلهى آن بودكه هيج كس ازاهل شرك معبود خودرا الله نكفتنه اند عزت احديت وغيرت الوهيت اين اسم سامى را ازتصرف كفار وتسميه ايشان درحصن حصين امان محفوظ داشت وزبان اهل ايمانرا درنعمت ومحنت وسرا وضرا بتكرر آن نام نامى جارى ساخت ]
الله الله جه طرفه امست اين ... حرزدل وردجان تمامست اين
بس بود نزد صاحب معنى ... حسبى الله كواه اين دعوى
روى ان بعض الجبابرة سمى نفسه بلفظ الجلالة فصهر ما فى بطنه من دبره وهلك من ساعته وقال فرعون مصر للقبط انا ربكم الا على ولم يقدر ان يقول انا الله .
قال ابن عباس رضى الله عنهما لا يسمى احد الرحمن وغيره .
قال المولى الفنارى فى ترتيب اسماء البسملة ان لاسم الجلالة اختصاصا وضعيا واستعماليا وللرحمن اختصاصا استعماليا وقولهم رحمن اليمامة لمسيلمة نعنت فى كفرهم كما لو سموه الله مثلا ولا اختصاص للرحيم قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلغنا انك انما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن وانا والله لن نؤمن بالرحمن ابدا وقد عنوا بالرحمن مسيلمة الكذاب وقيل عنوا كاهنا كان لليهود باليمامة وقد رد الله عليهم بان الرحمن المعلم له هو الله تعالى بقوله
{ قل هو ربى لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب } اى توبتى ورجوعى كما فى انسان العيون وتكره التسمية بالاسماء التى لا تليق الا بالله كالرحمن والرحيم والاله والخالق والقدوس ونحوها قال الله تعالى { وجعلوا لله شركاء قل سموهم } قال بعض المفسرين قل سموهم باسمائى ثم انظروا هل تليق بهم الاى لا تليق بهم وغير رسول الله صلى الله عليه السلام اسم العزيز لان العزة لله وشعار العبد الذلة والاستكانة كما فى ابكار الافكار . (8/37)
وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)
{ ويقول الانسان } بطريق الانكار والاستبعاد للبعث وهو ابى بن خلف حين فت عظما بالياء فقال يزعم محمد انا نبعث بعد ما نموت ونصير الى هذه الحال { ائذا ما مت } وكنت رميما { لسوف اخرج } من القبر حال كونى { حيا } وبالفارسية [ آياجون بميرم من هرآينه زود بيرون شوم ازخاك زنده يعنى جكونه تواندبودكه مرده زنده شود وازخاك بيرون آيد ] تقديم الظرف وايلاؤه حرف الانكار لما ان المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة وانتصابه بفعل دل عليه اخرج وهو البعث لا به فان ما بعد اللام لا يعمل يما قبلها لصدارتها وهى فى الاصل للحال وههنا للتأكيد المجرد اى لتأكيد معنى همزة الانكار فى ائذا ولذا جاز اقترانها بسوف الذى هو حرف الاستقبال . (8/38)
وفى التكملة اللام فى قوله تعالى { لسوف } ليست للتأكيد فانه منكر فكيف يحقق ما ينكر وانما كلامه حكاية لكلام النبى عليه السلام كأنه صلى الله عليه وسلم قال ان الانسان اذا مات لسوف يخرج حيا فانكر الكافر ذلك وحكى قوله فنزلت الآية على ذلك حكاه الجرجانى فى كتاب نظم القرآن .
قال فى بحر العلوم لما كانت هذه اللام لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ولام الابتداء لا تدخل الا على الجملة من المبتدأ والخبر وجب تقدير مبتدأ وخبر وان يكون اصله لانا سوف اخرج حيا وما فى أئذا ما للتوكيد ايضا وتكرير التوكيد انكار على انكار .
أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)
{ أولا يذكر الانسان } الهمزة للانكار التوبيخى والواو لعطف الجملة المنفية على مقدر يدل عليه يقول . والذكر فى الاصل هو العلم بما قد علم من قبل ثم تخلله سهو وهم ما كانوا عالمين فالمراد به هنا التذكر والتفكر والمعنى أيقول ذلك ولا يتكفر { انا خلقناه من قبل } اى من قبل الحالة التى هو فيها وهى حالة بقائه { ولم يك } اصله لم يكن حذفت النون تخفيفا لكثرة الاستعمال او تشبيها بحروف العلة فى امتداد الصوت . (8/39)
وقال الرضى النون مشابه للواو فى الغنة { شيأ } بل كان عدما صرفا فيعلم ان من قدر على الابتداء من غير مادة قدر على الاعادة بجميع المواد بعد تفريقها وفى هذا دليل على صحة القياس حيث انكر عليه وجهلة فى ترك قياس النشأة الاخرى على الولى فيستدل به على البعث والاعادة قيل لو اجتمع الخلق على ايراد حجة فى البعث على هذا الاختصار ما قدروا .
فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)
{ فوربك } الواو للقسم . والمعنى بالفارسية [ بس بحق بروردكار توكه بوقت قيامت ] { لنحشرنهم } لنجمعن القائلين بالسوق الى المحشر بعد ما اخرجناهم من الارض احياء { والشياطين } معهم وهم الذين اغووهم اذ كل كافر سيحشر مع شيطانه فى سلسلة { ثم لنحضرنهم حول جهنم } حال كونهم { جثيا } جمع جاث من جثا يجثو ويجثى وجثيا فيهما جلس على ركبتيه كما فى القاموس اى جالسين على الركب لما يعرضهم من شدة الامر التى لا يطيقون معها القيام على ارجلهم . (8/40)
وعن ابن عباس رضى الله عنها جثيا جماعات جمع جثوة وهى الجماعة واختاره فى تفسير الجلالين .
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)
{ ثم لننزعن } لنخرجن قاله البغوى والنزع الجذب { من كل شيعة } امة وفرقة شاعت اى نبعث غاويا من الغواة { ايهم } موصول حذف صدر صلته منصوب بنزعن الذين هم او استفهام مبتدأ خبره اشد فرفعه على الحكاية اى لننزعن الذين يقال لهم ا يهم { اشد } [ سختتر وبسيارتر ] { على الرحمن } [ برخداى تعالى ] { عتيا } [ از جهت سركشى وجرأت يعنى اول ازهر امتى آنرا كه نافرمان تربوده جدا كنيم ] يقال عتا على فلان اذا تجاوز الحد فى الظلم والمقصود انه يميز من كل طائفة منهم الا عصى فالاعصى فاذا اجتمعوا يطرح فى النار على الترتيب . (8/41)
قال فى الكبير يحضرهم او لاثم يخص اشدهم تمردا بعذاب اعظم اذ عذاب الضال المضل يجب ن يكون فوق عذاب من يضل تبعا وليس عذاب من يورد الشبهة كعذاب من يقتدى به غافلا قال الله تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } انتهى .
يقول الفقير فى الآية تهديد عظيم لابى المذكور وانه اول منزوع من مشركى العرب لكونه اشد على الرحمن عتيا من جهة مقالته المذكورة .
واعلم ان اول الامر البعث ثم الحشر ثم الاحضار ثم النزع ثم الادخال فى النار وهو قوله تعالى { ثم لنحن اعلم بالذين هم اولى } [ سزاوار ترند ] { بها } [ بآتش دوزخ ] { صليا } دخولا يعنى [ ميدانيم كه كيست سزاى انكه اورا نخست در آتش افكنند ] وهم المنتزعون يقال صلى يصلى كلقى يلقى ومضى يمضى اذا دخل النار .
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)
{ وان منكم } اى وما منكم ايها لاناس { الا واردها } اى واصل جهنم وداخلها { كان } اى ورودهم اياها { على ربك حتما } مصدر حتم الامر اذا اوجبه فسمى به الموجب كقولهم خلق الله وضرب الامير اى امرا محتوما اوجبه الله على ذاته { مقضيا } حتى انه لا بد من وقوعه البتة . (8/42)
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)
{ ثم ننجى الذين اتقوا } [ بس نجات دهيم آنانرا كه برهيز كردند ازشرك يعنى بيرون آريم ازدوزخ ] احال الورود الى الوارد واحال النجاة الى نفسه تعالى . (8/43)
ففيه اشارة الى ان كل وارد يرد بقدم الطبيعة فى هاوية الهوى ان شاء وان ابى ولو خلى الى طبيعته لا ينجو منها ابدا ولكن ما نجا من نجا الا بانجاء الله تعالى اياه { ونذر } نترك { الظالمين } لانفسهم بالكفر والمعاصى { فيها } فى جهنم { جثيا } [ بزانو در آمد كان } وهو اشارة الى هوانهم وتقاعدهم عن الحركة الى الجنة مع الناجين .
وفى تفسير الجلالين جثيا اى جميعا انتهى .
اعلم ان الوعيدية وهم المعتزلة قالوا ان من دخلها لا يخرج منها وقالت المرجئة لا يدخلها مؤمن قط وقالوا ان الورود ههنا هو الحضور لا الدخول فاما اهل السنة فقالوا يجوز ان يعاقب الله العصاة من المؤمنين بالنار ثم يخرجهم منها .
وقالوا معنى الورود الدخول كقوله تعالى { فاوردهم النار } وقال تعالى { حصب جهنم انتم لهم واردون } وبدليل قوله تعالى { ثم ننجى الذين اتقوا } والنجاة انما تكون بعد الدخول فيها كقوله تعالى { فنجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين } فان قلت كيف يدخلونها والله تعالى يقول { اولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها } قلت المراد به الابعاد عن عذابها . قال فى الاسئلة المقحمة يجوز ان يدخلوها ولا يسمعوا حسيسها لان الله تعالى يجعلها عليهم بردا وسلاما كما جعلها على ابراهيم عليه السلام فالمؤمنون يمرون بجهنم وهى برد وسلام والكافرون وهى نار كما ان الكوز الواحد كان يشربه القبطى فيصير دما والاسرائيلى فيكون ماء عذبا
مؤمن فسون جه داند برآتشش بخواند ... سوزش درو نماند كردد جونور روشن
وفى الحديث « جز يا مؤمن فان نورك قد اطفأ لهبى » وفى المثنوى
كويدش بكذر سبك اى محتشم ... ورنه آتشهاى تومرد آتشم
فان قلت اذا لم يكن فى دخول المؤمنين عذاب فما الفائدة فيه . قلت وجوه . الاول ان يزيدهم سرور اذا علموا الخلاص منه . والثانى يزيد غم اهل النار لظهور فضيحتهم عند المؤمنين والاولياء الذين كانوا يخوفونهم بالنار .
والثالث يرون اعداءهم المؤمنين قد تخلصوا منها وهم يبقون فيها . والرابع ان المؤمنين اذا كانوا معهم فيها بكتوهم فيزداد غمهم . والخامس ان مشاهدة عذابهم توجب مزيد التذاذهم بنعيم الجنة . يقول الفقير لا شك عند اهل المعرفة ان جهنم صورة النفس الامارة ففى الدنيا يرد كل من الانبياء والاولياء والمؤمنين والكافرين هاوية الهوى بقدم الطبيعة لكن الانبياء لكون نفوسهم من المطمئنة يجدونها حامدة واما الاولياء فيردون عليها وهى ملتهبه ثم يجهدون الى ان يطفئوها بنور الهدى ويلتحق بهم بعض المؤمنين وهم المعفو عنهم ولا يمر هؤلاء الطوائف الجليلة بالنار فى الآخرة فلا يحترقون بها اصلا واما الكفار فلما كان كفرهم كبرت الهوى فى الدنيا فلا جرم يدخلون النار فى الآخرة وهى ملتهبة فيبقون هناك محترقين مخلدين ويلتحق بهم بعض العصاة وهم المعذبون لكنهم يخرجون منها بسبب نور تقواهم عن الشرك .
وقال ابن مسعود والحسن وقتادة ورودها الجواز على الصراط الممدود عليها وذلك لانه لا طريق الى الجنة سوى الصراط فالمرور فى حكم الورود وفى الحديث « لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار الا تحلة القسم » وهى قوله تعالى { وان منكم الا واردها } والنحلة مصدر حللت اليميين اى ابررتها ونحلة القسم ما يفعله الحالف مما اقسم عليه مقدار ما يكون بارا فى قسمه فهو مثل فى القليل المفرط القلة . وقال مجاهد ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده فى الدنيا لقوله عليه السلام « الحمى من فيح جهنم فابردوها » بالماء وفى الحديث « الحمى حظ كل مؤمن من النار » وقد جاء « ان حمى ليلة كفارة سنة ومن حم يوما كان له براءة من النار وخرج من ذنوبه كيوم ولدته امه » وعن جابر رضى الله عنه استأذنت الحمى على رسول الله عليه السلام فقال « من هذه » قالت ام ملدم فامر بها عليه السلام الى اهل قبا فلقوا منها ما لا يعلمه الا الله فشكوا اليه عليه السلام فقال « ان شئتم دعوت الله ليكشفها عنكم وان شئتم تكون لكم طهورا » قالوا أو يفعل ذلك قال « نعم » قالوا فدعها قالت عائشة رضى الله عنها قدمنا المدينة وهى اوبى ارض الله ولما حصلت لها الحمى قال لها عليه السلام « مالى اراك هكذا » قالت بابى انت وامى يا رسول الله هذه الحمى وسبتها فقال « لا تسبيها فانها مأمورة ولكن ان شئت علمتك كلمات اذا قلتهن اذهب الله عنك » قال فعلمنى قال « قولى اللهم ارحمن جلدى الرقيق وعظمى الدقيق من شدة الحريق يا ام ملدم ان كنت آمنت بالله العظيم فلا تصدعى الرأس ولا تنتنى الفم ولا تأكلى اللحم ولا تشربى الدم وتحولى عنى الى من اتخذ مع الله الها آخر » فقالت فذهبت عنها كذا فى انسان العيون . (8/44)
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)
{ واذا تتلى } [ وجون خوانده شود ] { عليهم } الى على المشركين { آياتنا } القرآنية { بينات } واضحات الاعجاز والمعانى وهى حال مؤكدة فان آيات الله لا ينفك عنها الوضوح { قال } [ كويند ] { الذين كفروا } كنضر بن الحارث واصحابه { للذين آمنوا } اى لفقراء المؤمنين واللام للتبليغ كما فى مثل قوله تعالى { وقال لهم نبيه } او لام الاجل اى لاجلهم فى حقهم { أيّ الفريقين } اى المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا اينا { خير } نحن او انتم { مقاما } مكانا ومسكنا يعنى [ مارا منازل نزه است وهمه اسباب معيشت ] { واحسن نديا } اى مجلسا ومجتمعا . (8/45)
قال بعض المفسرين الندى المجلس الجامع لوجوه قومهم واعوانهم وانصارهم يعنى [ در مجمع ما همه صناديد قريش واشراف عرب اند ودر مجلس او همه موالى وضعفا ] - روى - انهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة فاذا مسعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها قالوا مفتخرين بالحظوظ الدنيوية على فقراء المؤمنين لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم فى الدنيا احسن لان الحكيم لا يليق به ان يوقع اولياءه فى لاعذاب والذل واعداءه فى العز والراحة لكن الامر بالعكس وقصدهم بهذا الكلام صرفهم عن دينهم فرد الله عليهم بقوله { وكم اهلكنا قبلهم من قرن } كم مفعول اهلكنا ومن قرن بيان لابهامها واهل عصر قرن لمن بعدهم لانهم يتقدمونهم مأخوذ من قرن الدابة وهو مقدمها .
وقال الكاشفى [ من قرن : كروهى را مجتمع بودند در زمان واحد ] انتهى كأنه اخذه من الاقتران { هم احسن } فى محل النصب على انه صفة لكم { اثاثا } تمييز عن النسبة وهو متابع البيت يعنى [ نيكوتر ازجهت امتعه بيت كه آرايش منازل بدان باشد ] { ورئيا } هو المنظر والهيئة فعل من الرؤية لما يرى كالطحن لما يطحن والمعنى كثير من القرون التى كانوا افضل منهم فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية كعاد وثمود واضرابهم من الامم العاتية قبل هؤلاء اى كفار قريش اهلكناهم بفنون العذاب لو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا .
وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى كأنه قيل فلينظر هؤلاء ايضا مثل ذلك .
قال الكاشفى [ نه آن مال هلاك از ايشان دفع كرد ونه آن جمال عذاب از ايشان باز داشت ] .
برمال وجمال خوبشتن تكيه مكن ... كانرا بشى برند وآنرا بتبى
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اهل الانكار واهل العزة بالله { واذا تتلى عليهم آيتنا بينات } من الحقائق والاسرار { قال الذين كفروا } ستروا الحق بالانكرا والاستهزاء { للذين آمنوا } من اهل التحقيق اذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع انفسهم متحملين متواضعين متذللين متخاشعين وهم متنعمون متمولون متكبرون متبعوا شهوات انفسهم ضاحكون مستبشرون { أى الفريقين } منا ومنكم { خير مقاما } منزلة ومرتبة فى الدنيا ووجاهة عند الناس وتوسعا فى المعيشة { واحسن نديا } مجلسا ومنصبا وحكما فقال تعالى فى جوابهم { وكم اهلكنا قبلهم من قرن } اى اهلكناهم بحب الدنيا ونعيمها اذا غرقناهم فى بحر شهواتها واستيفاء لذاتها والتعزز بمناصبها { هم احسن اثاثا ورئيا } استعدادا واستحقاقا فى الكمالات الدينية منكم كما قال عليه السلام « خياركم فى الاسلام خياركم فى الجاهلية اذا فقهوا »
قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75)
{ قل } للمفتخرين بالمال والمنال { من } شطرية والمعنى بالفارسية [ هركه ] { كان } مستقرا { فى الضلالة } [ دركمر اهى ودر دورى ازراه حق ] مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الامور { فليمدد له الرحمن مدا } اى يمد له ويمهله بطول العمر واعطاه المال والتمكين من التصرفات واخراجه على صيغة الامر للايذان بان ذلك مما ينبغى ان يفعل بموجب الحكمة لقطع المعادير او للاستدراج واعتبار والاستقرار فى الضلالة لما ان المد لا يكون الا للمصرين عليها اذ رب ضال يهديه الله والتعرض لعنوان الرحمانية لما ان المد من احكام الرحمة الدنيوية . (8/46)
قال شيخى وسندى قدس سره فى بعض تحريراته { فليمدد له الرحمن مدا } اى فليستدرجه الرحمن استدراجا بمد عمره وتوسيع ماله وتكثير ولده او فليمهله الرحمن امهالا بمد راحته على الطغيان وايصال نعمته على وجه الاحسان حتى يقع فى العقاب والعذاب على سبيل التدريج لا التعجيل فيكون عقابه وعذابه اكمل واشمل اثرا والما لان الاخذ على طريق التدريج والنعمة اشد منه على طريق التعجيل والنقمة مع ان مبدأ المبأ المد مطلقا هو الرحمن دون القهار او لجبار لان كلا منهما مبدأ الشدة ولذلك عبر به لا بغيره هذا هو الخاطر ببالى فى وجه التعبير بالرحمن وان كانت اشدية عقاب الرحمن وجها لكن وجه اشدية عقابه ما ذكرنا لانه اذا اراد العقاب يأتى به على وجه الرحمة والنعمة فيكون كدرا بعد الصفا والمار بعد الراحة وشدة بعد الرخاء فهذا اقوى اثرا والحاصل لا يتصور وقوع المد المذكور الا من الرحمن لانه اصله ومنشأه انتهى كلامه روح الله روحه { حتى اذا رأوا ما يوعدون } [ تاوقتى كه ببينند آنجه بيم كرده شده اند بدان ] غاية للمد الممتد وجمع الضمير فى الفعلين باعتبار معنى من كما ان الافراد الضميرين الاولين باعتبار لفظها { اما العذاب واما الساعة } تفصيل للموعود على سبيل البدل فانه اما العذاب الدنيوى بغلبة المسلمين واستيلائهم لعيهم وتعذيبهم اياهم قتلا واسرا واما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الحزن والنكال على طريقة منع الخلو دون الجمع فان العذاب الاخروى لا ينفك عنهم بحال .
قال الامام اى لو فرض ان هذا الضال امتنعم قد مد له فى اجله أليس انه ينتهى الى عذاب فى الدنيا او فى الآخرة فسيعلم ان النعم لا تنفعه كما قال تعالى { فسيعلمون } جواب الشرط والجملة محكية بعد حتى فانها هى التى تحكى بعدها الجملة ولذا وقع بعد الجملة الشرطية اى حتى اذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوى او الاخروى فقط فسيعلمون حينئذ { من هو شر مكانا } من الفريقين بان يشاهدوا الامر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون انهم شر مكانا لا خير ماقما .
قال الكاشفى [ بس بدانند آنرا كه بدترست از هر دو كروه ازجهت مكان جه جاى مؤمنان درجات جنان باشد ومأوى اشان دركات نيران ] . (8/47)
افتخار از رنك وبو واز مكان ... هست شادى وفريب كودكان
قال فى بحر العلوم جعلت الشرارة للمكان ليفيد اثباتها لاهله لانه اذا ثبت الامر فى مكان الرجل فقد ثبت له كما فى قولهم المجد بين ثوبيه والكرامة بين برديه { واضعف جندا } اى فئة وانصارا لا احسن نديا كما كانوا يدعونه .
قال فى تفسير الجلالين وذلك انهم ان قتلوا ونصر المؤمنون عليهم علموا انهم اضعف جند ضعفاء كلا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا وانما ذكرا ذلك ردا لما كانوا يزعمون ان لهم اعوانا من الاعيان وانصارا من الاخيار ويفتخرون بذلك فى الاندية والمحافل .
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)
{ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } كلام مستانف سيق لبيان حال المهتدين اثر بيان حال الضالين اى ويزيد الله المؤمنين ايمانا وعملا ويقينا ورشدا كما زاد الضالين ضلالا ومدهم فى استدراجهم { والباقيات الصالحات خير } كلام مستأنف وارد من جهته تعالى لبيان فضل اعمال المهتدين غير داخل فى حيز الكلام الملقن لقوله تعالى { عند ربك ثوابا } هو الجزاء لانه نفع يعود الى المجزى وهو اسم من الاثابة او التثويب اى الاعمال التى تبقى عائدتها ابدا خير عند ربك من مفاخرات الكفار وحظوظهم العاجلة { وخير مردا } مرجعا وعاقبة لان مآلها رضوان الل والنعيم الدائم ومآل هذه السخط والعذاب المقيم . وقال الكاشفى يعنى [ اكر كافرا انرا دردنيا جاه ومال است ودر آخرت وبال ونكال خواهدشد اما مؤمن دردنيا هم هدايت دارندوهم حمايت ودر آخرت هم ثواب خواهند داشت وهم حسن المآب ] (8/48)
بدنيى سر فراز ونام دارند ... بعبى كامدار وكام كارند
ففى الآية اشارة الى ان الضرر القليل المتناهى الذى يعقبه نفع كثير غير مثناه كما هو حال المؤمنين خير من عكسه كما هو حال الكافرين فامهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله كما ان قصور حظ المؤمن منها ليس لنقصه بل لان الله تعالى اراد به ما هو خير له وعوضه منه .
واعلم ان الباقيات الصالحات هى اعمال الآخرة كلها ومنها الكلمات الطيبة . قال ابو الدرداء رضى الله عنه جلس رسول الله عليه السلام ذات يوم واخذ عودا يابسا وازال الورق عنه ثم قال « ان قول لا اله الله والله اكبر وسبحانه الله والحمد لله ليحط الخطايا كما يحط ورق هذه الشجرة الريح حذهن يا ابا الدرداء قبل ان يحال بينك ويبنهن فهن الباقيات الصالحات وهى من كنوز الجنة »
وفى التأويلات النجيمة الباقيات الصالحات هى الاعمال الصالحات التى هى من نتائج الواردات الالهية التى ترد من عند الله الى قلوب اهل الغيوب يعنى كل عمل يصدر عن من عند نفس العبد من نتائج طبعه وعقله لا يكون من الباقيات الصالحات يدل عليه قوله { ما عنكم ينفد وما عند الله باق } انتهى .
فعلى العاقل ان يجتهد فى صلاح النفس وتزكيتها ليتولد منها الاعمال الباقية والاحوال الفاضلة ويحل له نسل بلا عقم ونكاح منتج قوانا الله واياكم فى ذلك آمين .
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)
{ أفرأيت الذى كفر بآياتنا } نزلت فيمن سخر بالبعث وهو العاص بن وائل كان لخباب بن الارت عليه مال فتقاضاه فقال له لا حتى تكفر بمحمد فقال لا والله لا اكفر بمحمد حيا ولا ميتا ولا حين نبعث قال واذا بعثت جئتنى فيكون لى مال وولد فاعطيك والهمزة للتعجب من حاله والايذان بانها من الغرابة والشناعة بحيث يجب ان يرى ويقضى منها العجب والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أنظرت فرأيت الذى كفرا بآياتنا التى من جملتها آيات البعث { وقال } مستهزئا بها مصدرا كلامه باليميين الفاجر { لأوتين } فى الآخرة ان بعثت يعنى [ بمن دهند ] { مالا وولدا } اى انظر اليه يا محمد فتعجب من حالته البديعة وجراءته الشنيعة . (8/49)
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)
{ اطلع الغيب } همزته استفهام واصله أأطلع من قولهم اطلع الجبل اذا ارتقى الى علاه وطلع الثنية . والمعنى أقد بلغ من عظمة الشان الى ان ارتقى الى علم الغيب الذى توحد به العليم الخبير حتى ادعى ان يؤتى فى الآخرة مالا وولدا واقسم عليه { ام اتخذ عند الرحمن عهدا } او اتخذ من عالم الغيب عهدا بذلك فانه لا يتوصل الى العلم به الا باحد هذين الطريقين علم الغيب وعهد من عالمه وقيل العهد كلمة الشهادة والعمل الصالح فان وعد الله بالثواب عليهما كالعهد الموثق عليه . (8/50)
كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79)
{ كلا } ليس الامر على ما يقول { سنكتب ما يقول } سنحفظ عليه ما يقول من الذكب والكفر والاستهزاء فنجازيه به { ونمد له من العذاب مدا } مكان ما يدعيه لنفسه من الامداد بالمال والولد اى نطول له من العذاب ما يستحقه . (8/51)
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)
{ ونرثه } بموته { ما يقول } اى مسمى ما يقول ومصداقه وهو ما اوتيه فى الدنيا من المال والولد . (8/52)
وفيه ايذان بانه ليس لما يقوله مصداق موجود سوى ما ذكر اى ننزع ما آتيناه كما فى الارشاد .
وقال فى العيون ما بدل من هاء نرثه بدل اشتمال اى نهلكه ونورث ماله وولده غيره . وقال الكاشفى [ وميراث ميكيريم آنجه ميكويدكه فردا بمن خواهند داد يعنى مال وفرزند ] { ويأتينا } يوم القيامة { فردا } وحيدا خاليا لا يصحبه مال ولا ولد كان له فى الدنيا فضلا عن ان يؤتى ثمة زائدا .
وفى الآية اشارة الى ان اهل الغرور يدعون الاحراز للفضيلتين المال والولد فى الدنيا والنجاة والدرجات فى الآخرة وينكرون على اهل التجرد لى الاعراض عن الكسب واعتزال النساء والاولاد ولا يدرون انهم يقعون بذلك فى عذاب البعد اذلا سند لهم اصلا : ق الكمال الخجندى
بشكن بت غروركه دردين عشاقان ... يك بت كه بشكنند به ازصد عبادتست
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)
{ واتخذوا } اى مشركوا قريش { من دون الله آلهة } اى اتخذوا الاصنام آلهة متجاوزين الله تعالى { ليكونوا لهم عزا } اى ليتعززوا بهم بان يكونوا لهم وصلة اليه تعالى وشفعاء عنده وانصارا ينجون بهم من عذاب الله . (8/53)
قال بعضهم كيف تظفر بالعز وانت تطلبه فى محل الذل ومكانه اذا ذللت نفسك بسؤال الخلق ولو كنت موفقا لاعززت نفسك بسؤال الحق او بذكره او بالرضى لما يرده عليك منه فتكون عزيزا فى كل حال دنيا وآخرة .
كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)
{ كلا } ليس الامر على ما ظنوا { سيكفرون بعبادتهم } سينكر الكفرة حين شاهدا سوء عاقبة كفرهم عبادتهم لهم { ويكونون عليهم ضدا } اعداء للآلهة كافرين بها بعد ان كانوا يحبونها كحب الله ويعبدونها . (8/54)
قال فى تفسير الجلالين { سيكفرون بعبادتهم } اى يجحدونها لانهم كانوا جمادا لم يعرفوا انهم يعبدون ويكونون عليهم ضدا اى اعوانا وذلك ان الله تعالى يحشر آلهتهم فينطقهم ويركب فيهم العقول فتقول يا رب عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك انتهى فالضمير فى يكفرون ويكونون للآلهة .
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)
{ ألم تر انا ارسلنا الشياطين على الكفارين } اى سلطناهم عليهم بسبب سوء اختيارهم حال كون تلك الشياطين { تؤزهم ازا } اى تغربهم وتهيجهم على المعاصى تهييجا شديدا بانواع الوساوس والتسويلات فان الاز والهز والاستفزاز اخوات معناها شدة الازعاج . (8/55)
وفى العيون الاز فى الاصل هو الحركة مع صوت متصل من ازيز القدر اى غليانه والمراد تعجيب رسول الله عليه السلام من اقاويل الكفرة وتماديهم فى الغى والانهماك فى الضلال والافراط فى العناد والاجماع على موافقة الحق بعد اتضاحه وتنبيه على ان جميع ذلك منهم باضلال الشياطين واغوائهم لا لان له مسوغا فى الجملة .
فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)
{ فلا تعجل عليهم } اى بان يهلكوا حسبما تقضيه جناياتهم حتى تستريح انت والمؤمنون من شرورهم وتطهر الارض من فسادهم يقال عجلت عليه بكذا اذا استعجلته منه { انما نعد لهم } ايام آجالهم { عدا } اى لا تعجل بهلاكهم فانه لم يبق لهم الا ايام محصورة وانفاس معدودة فيجازيهم بها . (8/56)
وكان ابن عباس رضى الله عنهما اذا قرآها بكى وقال آخر العدد خروج نفسك آخر العدد فراق اهلك آخر العدد دخول قبرك .
وكان ابن السماك رحمه الله عند المأمون فقرأها فقا لاذا كانت الانفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما اسرع ما تنفذ قال اعرابى كيف نفرح بعمر تقطعه السات وسلامة بدن تعرض للآفات . قال العلامة الزمخشرى استغنم تنفس الاجل وامكان العمل واقطع ذكر المعاذير والعلل فانك فى اجل محدود وعمر ممدود .
قال المنصور لما حضرته الوفاة بعنا الآخرة بنومة قال . حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر من حافظ على الانفاس فالساعات فى حكمه الى ما فوق ذلك ومن كان وقته الساعات فاتته الانفاس ومن كان وقته الايام فاتته الساعات ومن كان وقته الجمة فاتته الايام ومن كان وقته الشهور فاتته الاسبابيع ومن كان وقته السنون فاتته الشهور ومن كان وقته العمر فاتته السنون ومن فاته عمره لم يكن له وقت ولم تعد همته بهمة
على نفسك فليبك من ضاع عمره ... ويطول الوقت ويقصر بحسب حضور صاحبه فمنهم من وقته ساعة ويوم وجمعة وشهر وسنة ومرة واحدة فى عمره ومن الناس من لا وقت له لغلبة بهيمته عليه واستغراقه فى لاشهوات : قال المولى الجامى
هردم ازعمر كرامى هست كنج بى بدل ... ميرود كنج جنين هر لحظه برباد آخ آخ
وقال
عمر توكنج وهرنفس ازوى يكى كهر ... كنجى جنين لطيف مكن رايكان تلف
وقال الحافظ .
كارى كشيم ورنه خجالت بر آورد ... روزيكه رخت جان بجهان دكر كشيم
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85)
{ يوم نحشر المتقين } اى اذكر يا محمد لقومك بطريق الترغيب والترهيب يوم نجمع اهل التقوى والطاعة { الى الرحمن } الى ربهم الذى يغمرهم برحمته الواسعة حال كونهم { وفدا } وافدين عليه كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وانعامهم والوفد من يأتى بالخير . (8/57)
وفى التهذيب الوفد والوفادة [ بنزديك امير شدن بحاجت ] وفى القاموس وفد اليه وعليه قدم ورد وهم وفود ووفد .
وفى التأويلات النجمية انما خص حشر وفد المتقين الى حضرة الرحمانية لانها من صفات اللطف ومن شأنها الجود والانعام والفضل والكرم والتقريب والمواهب انتهى .
والرحمة ان كانت من صفات الذات يراد بها اراد ايصال الخير ودفع الشر وان كان من صفات الفعل يراد بها ايصال الخير ودفع الشر كما فى بحر العلوم .
وعن على رضى الله عنه ما يحشرون والله على الرجلهم ولكن على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت وازمتها زبرجد ثم ينطق بهم حتى يقرعوا باب الجنة .
قال الكاشفى { وفدا } [ درحالتى كه سواران باشند بر ناقهاى بهشت يعنى ايشانرا سوار ببهشت برند جنانجه وافدانرا بدركاه ملوك ميبرند . امام قشيرى رحمة الله فرمودكه بعضى بر نجائب طاعات وعبادات باشند وقومى بر مراكب همم ونيات . آنانكه بر مرا كب طاعت باشند بهشت جويانند ايشانرا بروضه جنان برند . وآنانكه برنجائب همت باشند خدى طلبانند ايشانرا بقرب رحمت خوانند جنان جوى ديكرست ورحمان جوى ديكر . در كشف الاسرار آورده كه ممشاد دينورى رحمه الله درحال نزع بود درويشى بيش وى ايستاده ودعا مى كردكه خدايا برو رحمت كن وبهشت اورا كرامت كن ممشاد بانك بروزدكه اى غافل سى سالست كه بهشت را باشرف وعزت وحور وقصور برمن جلوه ميدهند ومن كوشه جشم هست برو نيفكنده ام اكنون بدركاه قرب ميروم زحمت خود آورده وبراى من بهشت ورحمت مى خواهى ] .
باغ فردوس از براى ديدنش بايد مرا ... بى جمالش روضه رضوان جه كرا يدمرا
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)
{ ونسوق المجرمين } العاصين كما تساق البهائم { الى جهنم وردا } مشاة عطاشا ان من يرد الماء لا يرده الا لعطش وحقيقة الورد المسير الى الماء . (8/58)
لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)
{ لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا } ان كانت الشفاعة مصدرا من المبنى للفاعل والعهد بمعنى الاذن لانه يقال عهد الامير الى فلان بكذا اذا امره به فالمعنى لا يملك احد من العباد ايا من كان ان يشفع للعصاة الا من اتخذ من الله اذنا فيها كقوله تعالى { من ذا الذى يشفع عنده الا باذن } وان كانت مصدرا من المبنى للمفعول والعهد عهد الايمان فالمعنى لا يملك المجرمون ان يشفع لهم الا من كان منهم مسلما . (8/59)
وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان النبى عليه السلام قال لاصحابه ذات يوم « أيعجز احدكم ان يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا » قالوا وكيف ذلك قال « يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة انى اعهد اليك فانى اشهد ان لا الله الا انت وحدك لا شريك لك وان محمد عبدك ورسولك وانك ان تكلنى الى نفسى تقر بنى من الشر وتباعدنى من الخير وانى لا اثب الا برحمتك فاجعل لى عهدا توفينيه يوم القيامة انك لا تخلف المعياد فاذا قال ذلك طبع عليه بطابع » اى ختم عليه بخاتم « ووضع تحت العرش فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذين لهم عند الرحمن عهدا فيدخلون الجنة كما فى بحر العلوم الكبير »
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)
{ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } اى قال اليهود والنصارى ومن يزعم من العرب ان الملائكة بنات الله فقال الله تعالى { لقد جئتم شيأ ادّا } الاد والادة بكسرهما العجب والامر الفظيع والداهية والمنكر كالاد بالفتح كما فى القاموس اى فعلتم امرا منكرا شديدا لا يقادر قدره فان جاء واتى يستعملان فى معنى فعل فيعديان تعديته . (8/60)
وقال الكاشفى [ بدرستى كه آوردى جيزى زشت يعنى ناخوش وبى ادبانه ] .
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)
{ تكاد السموات } صفة الاد اى تقرب من ان { يتفطرن منه } يتشققن مرة بعد اخرى من عظم ذلك الامر فان التفطر التشقق وهو بالفارسية [ شكافته شدن ] واصل التفعل التكلف { وتنشق الارض } وتكاد تنشق الارض وتنصدع اجزاؤها - روى - عن بعض الصحابة انه قال كان بنو آدم لا يأتون شجرة الا اصابوا منها منفعة حتى قالت فجرة بنى آدم اتخذ الرحمن ولدا فاقشعرت الارض وشاك الشجر { وتخر الجبال } اى تسقط وتتهدم { هدّا } مصدر مؤكد لمحذوف هو حال من الجبال اى تهد هدا اى تكسر كسرا يعنى [ باره باره كردد ] . (8/61)
قال فى القاموس الهد الهدم الشديد والكسر كالهدود . والمعنى ان هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها بحيث لو تصورت بصورة محسوسة لم تطق بها هاتيك الاجرام العظام وتفتتت من شدتها او ان فظاعتها فى استجلاب الغضب واستيجاب السخط بحيث لولا حلمه تعالى على اهل الارض وانه لا يعاجلهم بالعقاب لخرب العالم وبدد قوائمه غضبا على على من تفوه بها .
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
{ ان دعوا للرحمن ولدا } منصوب على حذف اللام المتعلقة بتكاد او مجرور باضمارها اى تكاد السموات تتفطرن والارض تنشق والجبال تخر لان دعوا له سبحانه ولدا ودعوا من دعا بمعنى سمى المتعدى الى المفعولين وقد اقتصر على ثانيهما ليتناول كل ما دع له من عيسى وعزير والملائكة ونحوهم اذ لو قيل دعوا عيسى ولدا لما علم الحكم على العموم او من دعا بمعنى نسب الذى مطاوعه ادعى الى فلان اى انتسب اليه . (8/62)
وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)
{ وما ينبغى للرحمن ان يتخذ ولدا } حال من فاعل قالوا وينبغى مطاوع بغى اذا طلب اى قالوه والحال انه ما يليق به تعالى اتخاذ الولد ولا يتطلب له لو طلب مثلا لاستحالته فى نفسه وذلك لان الولد بضعة من الوالد فهو مركب ولا بد للمركب من مؤلف فالمحتاج الى المؤلف لا يصلح ان يكون آلها . (8/63)
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
{ ان كل من فى السموات والارض } اى ما منهم احد من الملائكة والثقلين فان بمعنى النفى كما وكل مبتدأ خبره آتى ومن موصوفة لانها وقعت بعد كل نكرة { الا آتى الرحمن } حال كونه { عبدا } اى الا وهو مملوك يأوى اليه بالعبودية والانقياد . (8/64)
وفى العيون سيأتى جميع الخلائق يوم القيامة الى الرحمن خاضعا ذليلا مقرا بالعبودية كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم يعنى يلتجئون الى ربوبيته منقادين كما يفعل العبيد للملوك فلا يليق به اتخاذ الولد منهم انتهى .
قال ابو بكر الوراق رحمه الله ما تقرب احد الى ربه بشئ ازين عليه من ملازمة العبودية واظهار الافتقار لان ملازمة العبويدة تورث دوام الخدمة واظهار الافتقار اليه يورث جوام ا لالتجاء والتضرع : قال الحافظ
فقير وخسته بدركاهت آمدم رحمى ... كه جزدعاى توام نيست هيج دست آويز
لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)
{ لقد احصاهم } اى حصرهم واحاط بهم بحيث لا يكاد يخرج منهم احد من حيطة علمه وقبضة قدرته وملكوته مع افراط كثرتهم { وعدهم عدا } اى عد اشخاصهم وانفاسهم وآجالهم . (8/65)
وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)
{ وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } اى كل واحد منهم آت اياه تعالى منفردا من الاتباع والانصار فلا يجانسه شئ من ذلك ليتخذه ولدا ولا يناسبه ليشرك به وفى الحديث القدسى « كذبنى ابن آدم » اى نسبنى الى الكذب لائقا به بل كان خطا « وشتمنى » الشتم وصف الغير بما فيه نقص وازراء « ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه اياى فقوله لن يعيدنى كما بدأنى » يعنى لن يحيينى الله بعد موتى كما خلقنى وليس اول الخلق باهون علىّ اى باسهل والخلق بمعنى المخلوق من اعادته اى من اعادة المخلوق بل اعادته اسهل لوجود اصل البنية . (8/66)
اعلم ان هذا مذكور على طريق التمثيل لان الاعادة بالنسبة الى قوانا ايسر من الانسان واما بالنسبة الى قدرة الله تعالى فلا سهولة فى شئ ولا صعوبة « واما شتمه اياى فقوله اتخذ الله ولدا » وانما صار هذا شتما لان التولد هو انفصال الجزء عن الكل بحيث ينمو وهذا انما يكون فى المركب وكل مركب محتاج الى مؤلف او لان الحكمة فى التولد استحفاظ النوع عند فناء الآباء تعالى الله عما لا يليق .
فان قلت قوله « اتخذ الله » تكذيب ايضا لانه تعالى اخبر ان لا ولد له وقوله « لن يعيذنى » شتم ايضا لانه نسبة له الى العجز فلم خص احدهما بالشتم والآخر بالتكذيب .
قلت نفى الاعادة نفى صفة كمال واتخاذ الولد اثبات صفة نقصان له والشتم افحش من التكذيب ولذلك نفاه الله عنه بابلغ الوجوه فقال « وانا الاحد » اى المتفرد بصفات الكمال من البقاء والتنزه وغيرهما الواو فيه للحال « الصمد » بمعنى الصمود يعنى المقصود اليه فى كل الحوايج « الذى لم يلد » هذا نفى للتشبيه والمجانسة « ولم يولد » هذا وصف بالقدم والاولية « ولم يكن له كفوا أحد » هذا تقرير لما قبله .
فان قلت لا يلزم من نفى الكفو فى الماضى نفيه فى الحال والاستقبال . قلت يلزم لانه اذا لم يكن فى الماضى فوجد يكون حادثا والحادث لا يكون كفوا للقجيم كذا فى شرح المشارق لابن ملك فاذا ثبت ان الالوهية والربوبية لله تعالى وانه لا يجانسة ولا يشاركه شئ من الملخوقات ثبتت العبودية والمربوبية للعبد وان من شأنه ان لا يعبد شيأ من الاجسام والارواح ولا يتقيد بشئ من العلويات والسفليات بل يخص عبادته بالله تعالى ويجرد توحيده عن هواه .
قال على رضى الله عنه قيل للنبى عليه السلام هل عدت وثنا قط قال لا قيل هل شرب خمرا قط قال لا وما زلت اعرف ان الذى هم الكفار عليه كفر وما كنت ادرى ما الكتاب ولا الايمان فهذا من آثار حسن الاستعداد حيث استغنى عن البرهان بقاطع العقل فليتبع العاقل اثر متبوعه المصطفى عليه السلام وقد لاح المنار واستبان النور من النار فالنور هو التوحيد والاقرار والنار هو الشرك والانكار والتوحيد اذا تجلى بحقائقه ظهر التجريد وهو اذا حصل بمعانيه ثبت التفريد فالفردانية صفة السر الاعلى وهى حاصلة للعارفين فى هذه الدار ولغيرهم يوم القيامة وما فى هذه الدار اختيارى مقبول وما فى الآخرت اضطرارى مردود فيا اربابالشرك اين التوحيد ويا اهل التوحيد اين التجريد ويا اصحاب التجريد اين التفريد .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)
{ ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات } جمعوا بين عمل القلب وعمل الجوارح { سيجعل لهم الرحمن ودّا } اى سيحدث لهم فى القلوب مودة من غير تعرض منهم لاسبابها من قرابة او صداقة او اصطناع معروف او غير ذلك سوى مالهم من الايمان والعمل الصالح والسين اما لان السورة مكية وكان المؤمنين حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله ذلك اذا قوى الاسلام واما ان يكون ذلك يوم القيامة يجيبهم الله الى خلقه بما يظهر من حسناته . (8/67)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان بذر الايمان اذا وقع فى ارض القلب وتربى بماء الاعمال الصالحات ينمو ويتربى الى ان يثمر فتكون ثمرته محبة الله ومبحة الانبياء والملائكة والمؤمنين جميعا كما قال تعالى { تؤتى اكلها كل حين باذن ربها } انتهى .
واعلم ان المحبة الموافقة ثم الميل ثم الود ثم الهوى ثم الوله فالموافقة للطبع والميل للنفس والود للقلب والمحبة للفؤاد وهو باطن القلب والهوى غلبة المحبة والوله زيادة الهوى يقال نور المحبة ثم نار العشق ثم حرارة الشهوة ثم البخار اللطيف ثم النفس الرقيق ثم الهواء الدقيق .
قال رجل لعبد الله ابن جعفر ان فلان يقول انا احبك فيم اعلم صدقه فقال استخبر قلبك فان توده فانه يودك قيل
وعلى القلوب من القلوب دلائل ... بالود قبل تشاهد الاشباح
وفى الحديث « اكثروا من الاخوان فان ربكم حى كريم يستحيى ان يعذب عبده بين اخوانه يوم القيامة » وعنه عليه السلام « من نظر الى اخيه نظر مودة ولم يكن فى قلبه احنة لم يطرف حتى يغفر الله له ما تقدم من ذنبه » يقال طرف بصره اذا اطبق احد جفنيه على الآخرة .
قال عمر رضى الله عنه ثلاث يثبتن الود فى صدر الخيك ان تبدأه بالسلام وان توسع له فى المجلس وان تدعوه باحب اسمائه اليه .
وقال سقراط اثن على ذى المودة خيرا عند من لقيت فان رأس المودة حسن الثناء كما ان رأس العداوة وسوء الذكر
ومن بلاغات الزمخشرى محك المودة الآخاء حال الشدة دون حال الرخاء .
وقال ابو على الدقاق قدس سره لما سعى غلام الخليل بالصوفية واما الشحام والرقام والنورى وجماعة فقبض عليهم فبسط النطح لضرب اعناقهم فتقدم النورى فقال السياق تدرى لماذا تبادر فقال نعم فقال وما يعجلك فقال اوثر اصحابى بحياة ساعة فتحير السياف فانتهى الخبر الى الخليفة فردهم الى القاضى ليتعرف حالهم فالقى القاضى على ابن ابى الحسن النورى مسائل فقيهة فاجاب عن الكل ثم اخذ يقول وبعد فان لله عبدا اذا قاموا قاموا بالله واذا نطقوا نطقوا بالله وسرد الفاظا ابكى القاضى فارسل القاضى الى الخليفة وق لان كان هؤلا زنادقة فما على وجه الارض مسلم فانظر واعتبر من معاملة النورى مع اخوانه فانه آثرهم حال الشدة علىنفسه بخلوس جنانه
حديث عشق ازان يطال منيوش ... كه درسختى كند يارى فراموش
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)
{ فانما يسرناه } اى سهلنا القرآن . وبالفارسية [ بس جزاين نيست كه آسان كردانيده تمر آنرا ] { بلسانك } بان انزلناه على لغتك والباء بمعنى على والفاء لتعليل امر ينساق اليه النظم الكريم كأنه قيل بعد ايحاء السورة الكريمة بلغ هذا المنزل وبشر به وانذر فانما يسرناه بلسان العربى المبين { لتبشر به } [ تامزده دهى بدو ] { المتقين } اى الصائرين الى التقوى بامتثال ما فيه من الامر والنهى { وتنذر به } يقال انذره بالامر انذار اعلمه وحذره وخوفه فى ابلاغه كما فى القاموس { قوما لدّا } لا يمؤمنون به لحجاجا وعنادا . واللد جمع الالد وهو الشديد الخصومة اللجوج المعاند . (8/68)
قال فى القاموس الالد الخصيم الشحيح الذى لا يزيغ الى الحق وفى الحديث « ابغض الرجال الى الله الالد الخصم »
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان حقيقة القرآن التى هى صفة الله تعالى القديمة القائمة بذاته لا تسعها ظروف الحروف المحدثة المعدودة المتشابهة لانها قديمة غير معدودة ولا متناهية وانما يسر الله درايته يقلب النبى عليه السلام وقراءته باللسان العربى المبين ليبشر به المتقين لانهم اهل البشارة وهم اصناف ثلاثة فصنف منهم يتقون الشرك بالتوحيد وصنف يتقون المعاصى بالطاعة وصنف يتقون عما سوى الله تعالى بالله وينذر به قوما لدا شدادا فى الخصومة لانهم اهل الانذار وهم ثلاث فرق ففرقة منهم الكفار الذين يقاتلون على الباطل وفرقة منهم اهل الكتابالذين يخاصمون على اديانهم المنسوخة وفرقة منهم اهل الاهواء والبدع والفلاسفة الذين يجادلون اهل الحق بالباطل .
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
{ وكم اهلكنا قبلهم من قرن } سبق معنى القرن اى قرونا كثيرة اهلكنا قبل هؤلاء المعاندين بعد ان أنذرهم انبياؤهم بآيات الله وحذروهم عذابه وتدميره { هل تحس منهم من احد ] . (8/69)
قال فى تهذيب المصادر الاحساس [ دانستن وديدن ] قال الله تعالى { هل تحس منهم من احد } الخ اى هل تشعر باحد منهم وترى اى لا وبالفارسية [ هيج مى بايد ومى بينى ازان هلاك شد كان يكى را ] { او تسمع لهم } [ يا مى سنوى مرا ايشانرا ] { ركزا } اى صوتا خفيا واصل الركز هو الخفاء ومنه ركز الرمح اذا غيب طرفه فى الارض والركاز المال المدفوع المخفى والمعنى اهلكناهم بالكلية وأستأصلناهم بحيث لا يرى منهم احد ولا يسمع منهم صوت خفى . وبالفارسية يعنى [ جون عذاب ما بديشان فرود آمد مستأصل شدند نه از ايشان شخصى باقى ماندكه كسى بيند ونه آواز برجاى كه كسى بشنود بلكه مؤكل قهر الهى باهيكجس درناسخت وهمه را بدست فنا دردام خمول ونسيان انداخت ]
كان لم يخلقوا ولم يكونوا
كواثر از سروران تاج بخش ... كونشان از خسروان تاجدار
سوخت ديهيم شهان كامجوى ... خاك شد تحت ملوك مامكار
وفى الآية وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى ضمن وعيد الكفرة بالاهلاك وحث له على الانذار قال الشيخ سعدى قدس سره
بكوى آنجه دانى سخن سومند ... وكر هيجكس را نيايد بسند
كه فردا بشيمان برآرد خروش ... كه آوخ جرا حق نكردم بكوش
بكمراء كفتن نكو ميروى ... كناه بزركست وجور قوى
مكو شهد شيرين شكر فايقست ... كسى راكه سقمونيا لا يقست
جه خوش كفت يكروز دار وفروش ... شفا بايدت داروى تلخ نوش
وفى المثنوى
هركسى كو ازصف دين سر كشست ... ميرود سوى صفى كان وابست
تو زكفتار تعالى كم مكن ... كيميائى بس شكر فست اين سخن
كرمسى كردد زكتارت نفير كيميارا هيج ازوى وامكير اين زمان كريست نفس ساحرش ... كفت تو سودش كند دد آخرش
قل تعالى قل تعالوا اى غلام ... هين كه ان الله يدعو بالسلام
طه (1)
{ طه } اختلفوا فيه اكثر مما فى غيره من المقطعات . فقال بعضهم هواسم القرآن او اسم السورة او اسم الله او مفتاح الاسم الطاهروالهادى . (8/70)
وقال بعضهم هو اسم من اسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل احمد ويس وغير ذلك كما قال عليه السلام « انا محمد وانا احمد والفاتح القاسم الحاشر والعاقب والماحى وطه ويس » ويؤيده الخطاب فى عليك فيكون حرف النداء محذوف ياطه والطاء والهاء اشارة الى انه عليه السلام طالب الشفاعة للناس وهادى البشرى اوانه طاهر من الذنوب وهاد الى علام الغيوب .
قال الكاشفى [ يا طا طهارت دل اوست ازغير حق تعالى وهاهدايت او بقرب حق ] .
قال الامام جعفر الصادق رضى الله عنه طه قسم بطهارة اهل البيت وهدايتهم كما قال تعالى { ويطهركم تطهيرا } او بطوبى والهاوية اى الجنة والنار .
وفى زاد المسير الطاء طيبة والهاء مكة والله تعالى اقسم بهذين الحرمين او الطاء طلب الغزاة والهاء هرب هرب الكفار او طلب اهل الجنان وهو ان ارباب النيران .
وفى التأويلات النجمية يا من طوبى به بساط النبوة وايضا يا من طوى به المكونات الى هويتنا انتهى .
وقال بعضهم انه ليس من الحروف المقطعة بل هو موضع بازاء يا رجل بلغة عك او بلسان الحبشة او النبطية او السريانية والمرد به حضرة الرسالة [ ود بعضى تفاسير آمده كه طا بحساب جمل نه است وهابنجومجموع جهارده باشد وغالب آنست كه ماه رامرتبه بدريت دردجهاردهم حاصل شود بس درضمن اين خطاب مندرجست كه اى ماء شب جهارده ومنادى حضرت رسالتست وبدريت اشارة بكمال مرتبه جامعيت آن حضرت ] كما لا يخفى على العرفاء
ماه جون كامل شود انور بود ... وانكه او مرآت نور خور بود
كاه ماه بدرى وكه شاه بدر ... صدرتو مشروح وكارت شرح صدر
درشب تاريكى وكفر وضلال ... ازمهت روشن شود نور جلال
جوز الحسن طه بوزن هب على انه امر للرسول عليه السلام بان يطأ الارض بقدميه معا فانه لما نزل عليه الوحى اجتهد فى العبادة وكان يصلى الليل كله ويقوم على احدى رجليه تخفيفا على الاخرى لطول القيام ويتعب نفسه كل الاتعاب فيكون اصله طأ من وطئ يطأ قلبت همزته هاء .
وفى الحديث « ان الله تعالى قرأ طه ويس قبل ان يخلق آدم بالفى عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لاجواف تحمل هذا وطوبى لامة محمد ينزل هذا عليهم وطوبى لا لسن تتكلم بهذا » رواه الطبرانى وصاحب الفردوس . وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اعطيت السورة التى ذكرت فيها البقرة من الذكر الاول واعطيت طه وطواسين من الواح موسى واعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التى ذكرت فيها البقرة من تحت العرش واعطيت المفصل نافلة » كذا فى بحر العلوم .
مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)
{ ما انزلنا عليك القرآن لتشقى } الشقاء شائع بمعنى التعب ومن اشقى من رائض المهر اى اتعب ممن يجعل المهر وهو ولد الفرس صالحا للركوب بان تزول عنه الصعوبة وينقاد لصاحبه وفى ذلك العمل مشقة وتعب للرائض ولذلك يضرب به المثل والمعنى لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش اذ ما عليك الا البلاغ وقد فعلت فلا عليك ان يؤمنوا به بعد ذلك او بكثرة الرياضة وكثرة التهجي والقيام على ساق اذا ما بعثت الا بالحنفية السمحة . وبالفارسية [ نفر ستاديم ما بر توقر آنرا تادررنج افتى وشب خواب نكنى وبواسطه قيام درنماز الم ورم بباى مباركت رسد ] . (8/71)
وفى التأويلات النجمية { ما انزلنا عليك القرآن لتشقى } فى الدنيا او العقبى بل انزلناه على قلبك لتسعد بتخلقك بخلقه لتكون على خلق عظيم وليسعد بك اهل السموات واهل الارضين فتكون الشقاوة ضد السعادة ويجوز ان يكون ردا للمشركين وتكذيبا لهم فان ابا جهل والنضر بن الحارث قالا له انك شقى لانك تركت دين آبائك وان القرآن انزل عليك لتشقى به فاريد رد ذلك بان دين الاسلام وهذا القرآن هو السلم الى نيل كل فوز والسبب فى درك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها .
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)
{ الا تذكرة لمن يخشى } نصب على انه مفعول له لانزلنا معطوف على تشقى بحسب المعنى بعد نفيه بطريق الاستدراك المستفاد من الاستثناء المنقطع فان الفعل الواحد لا يتعدى الى علتين الامن حيث البدلية او العطف كأنه قيل ما انزلنا عليك القرآن للتعب فى تبليغه ولكن تذكيرا وموعظة ولمن يعلم الله منه ان يخشى بالتذكرة والتخويف وقد جرد التذكرة عن اللام لكونها فعلا لفاعل الفعل المعلل وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لقوله تعالى { ليكون للعالمين نذيرا } لانهم المنتفعون بها . (8/72)
قال فى الكبير ويدخل تحت قوله { لمن يخشى } الرسول لانه فى الخشية والتذكرة فوق الكل .
تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4)
{ تنزيلا } اى نزل القرآن تنزيلا { ممن } متعلقة بتنزيلا { خلق } اخرج من العدم الى الوجود { الارض والسموات العلى } تخصيص خلقهما لانهما قوام العالم واصوله وتقديم الارض لكونها اقرب الى الحس واظهر عنده من السموات ووصف السموات بالعلى وهوجمع العليا تأنيث الاعلى للدلالة على عظم قدرة خالقها بعلوها وعطف السموات على الارض من عطف الجنس على الجنس لان التعريف مصروف الى الجنس لا من عطف الجمع على المفرد حتى يلزم ترك الاولى من رعاية التطابق بين المعطوف والمعطوف عليه . (8/73)
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)
{ الرحمن } رفع على المدح اى هو الرحمن او مبتدأ واللام فيه للعهد مشارا به الى من خلق خبره ما بعده { على العرش } الذى يحمله الملائكة متعلقة بقوله { استوى } اعلم ان العرش سرير الملك والاستواء الاستقرار والمرد به ههنا الاستيلاء ومعنى الاستيلاء عليه كناية عن الملك لانه من توابع الملك فذكر اللازم واريد الملزوم يقال استوى فلان على سرير الملك على قصد الاخبار عنه بانه ملك وان لم يقعد على السرير المعهود اصلا فالمراد بيان تعلق ارادته الشريفة بايجاد الكائنات وتدبير امرها اذا البارى مقدس الانتقال والحلول وانما خلق العرش العظيم ليعلم المتعبدون الى اين يتوجهون بقلوبهم بالعبادة والدعاء فى السماء كما خلق الكعبة ليعلموا الى اين يتوجهون بابدانهم فى العبادة فى الارض [ وشيخ اكبر قدس سره در فتوحات فرموده كه استواء خداوند بر عرش در قرآنست ومراد بدين ايمانست تأويل نجوييم كه تأويل درين باب طغيانست بظاهر قبول كنيم وبباطن تسليم كه اين اعتقاد سفيانست اماميدانم كه نه محتاج مكانس ونه عرش برد دارنده اوست كه اوست بر دارنده مكان ونكه دارنده عرش ] (8/74)
نى مكان ره يافت سويش نه زمان ... نى بيان دارد خبرزو نه عيان
اين همه مخلوق حكم داورست ... خالق عالم زعالم بر ترست
قال بعضهم ليس على الكون من اثر ولا على الاثر من كون .
قال بعضهم انا نقطع بان الله منزه عن المكان والالزم قدم المكان وقد دل الدليل على ان لا قديم سوى الله تعالى وانه تعالى لم يرد من الاستواء الاستقرار والجلوس بل مراده به شئ آخر الا انا لا نشتغل بتعيين ذلك المراد خوفا من الخطأ ونفوض تأويل المتشابهات الى الله تعالى كما هو رأى من يقف على ( لا الله ) وعليه اكثر السلف كما روى عن مالك واحمد الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والبحث عنها بدعة وما كان مقصود الامامين الاجلين بذلك الا المنع من الجدال وقد احسنا حيث حسما بذلك باب الجدال وكذلك فعل الجمهور لان فى فتح الاب الجدال ضررا عظيما على اكثر عباد الله .
وقد روى ان رجلا سأل عمر رضى اللهعنه عن آيتين متشابهتين فعلاه بالدرة .
وقال بعض كبار المحققين من اهل الله تعالى المراد بهذا الاستواء استواؤه سبحانه لكن لا باعتبار الايجادى وتجليه الحسى الاحدى وانما كان العرش محل هذا الاستواء لان التجليات الذاتية التى هى شروط التجليات المتعينة والاحكام الظاهرة والامور البارزة والشئون المتحققة فى السماء والارض وفيما بينهما من عالم الكون والفساد بالامر الالهى والايجاد الاولى انما تمت باستيفاء لوازمها واستكمال جوانبها واستجماع اركانها الاربعة المستوية فى ظهور العرش بروحة وصورته وحركته الدورية لانه لا بد فى استواء تجليات الحق سبحانه فى هذه العوالم بتجليه الحس وامره الايجاد من الامور الاربعة التى هى من هذه التجليات الحسية والايجادية بمنزلة الشكل المستوى المشتمل على الحد الاصغر والاكبر والاوسط المكرر الكائن به السورة ذات الاركان الاربعة من النتيجة وتلك الامور اربعة هى الحركة المعنوية الاسمائية والحركة النورية الروحانية والحركة الطبيعية المثالية والحركة الصورية الحسية وتلك الحركة الصورية الحسية هى حركة العرش وهى بمنزلة الحد الاكبر ولما استوى امر تمام حصور الاركان الاربعة الموقوف عليها بتوقيف الله تعالى التجليات الايجادية الامرية المتنزلة بين السموات السبع والارضين السبع بحسب مقتضيات استعدادات اهل العصر وموجب قابليات اصحاب الزمان فى كل يوم بل فى كل آن كما اشير اليه بقوله تعالى
{ يتنزل الامر بينهن } وقوله تعالى { كل يوم هو فى شأن } فى العرش كان العرش مستوى الحق سبحانه بالاعتبار المذكور الثانى لا بالاعتبار المزبور الاول وفى الحقيقة بالنظر الى هذا الاعتبار هو مستوى امره الايجادى لا مستوى نفسه وذاته فلا اضطراب ولا خلجان فى الكلام والمقال والحال . (8/75)
ثم ان استواء الامر الارادى الايجادى على العرش بمنزلة استواء الامر التكليفى الارشادى على الشرع فكما ان كل واحد من الامرين قلب الآخر وعكسه المستوى السوى فكذلك كل واحد من العرش والشرع قلب الآخر وعكسه السوى المتسوى .
يقول الفقير قواه الله القدير لا شك ان بين زيد والعالم فرقا من حيث ان الاول يدل على الذات المجردة والثانى على المتصفة بصفة العلم فاسناد الاستواء الى عنوان الاسم الرحمن الذى يراد به صفة الرحمة العامة وان كان مشتملا على الذات دون الاسم الله الذى يراد به الذات وان كان مستجمعا لجميع الصفات ينادى بتنزه ذاته تعالى عن الاستواء وان الذى استوى على العرش المحيط بجميع الاجسام هو الرحمة المحيطة بالكل ومن لم يفرق بين استواء الذات واستواء الصفة فقد اخطأ وذلك ان الله تعالى غنى بذاته عن العالمين جميعا متجل بصفاته واسمائه فى الارواح والاجسام بحيث لا يرى فى مرائى الاكوان الا صور التجليات الاسمائية والصفاتية ولا يلزم من هذا التجلى ان تحل ذاته فى كون من الاكوان اذ هو الآن على ما كان عليه قبل من التوحد والتجرد والتفرد والتقدس ولذا كان اعلى المراتب الوصول الى عالم الحقيقة المطلقة اطلاقا ذاتيا كما اشار اليه قوله تعالى { لا يمسه الا المطهرون } وفى الحديث « ان الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الابصار وان الملأ الاعلى يطلبونه كما تطلبونه انتم » ذكره فى الروضة فهذا يدل عل ان الله تعالى ليس فى السماء ولا فى الارض ولو كان لانقطع الطلب واما قوله عليه السلام « يا رب انت فى السماء ونحن فى الارض فما علامة غضبك من رضاك قال اذا استعملت عليكم خياركم فهو علامة رضاى عنكم واذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطى عليكم »
على ما ذكره الشيخ الاكبر قدس سره الا طهر فى كتاب المسامرة . (8/76)
وقوله عليه السلام لجارية معاوية بن الحكم السلمى « اين الله » فقالت فى السماء فقال « من انا » فقالت انت رسول الله فقال « اعتقها فانها مؤمنة » ونحو ذلك من الاخبار الدالة على ثبوت المكان له تعالى فمصروفة عن ظواهرها محمولة على محل ظهور آثار صفاته العيلا ولذا خص السماء بالذكر لانها مهبط الانوار ومحل النوازل والاحكام ومن هذا ظهر ان من قال ان الله فى السماء عالم اراد به المكان كفر وان اراد به الحكاية عما جاء فى ظاهر الاخبار لا يكفر لانها مؤولة والاذهان السليمة والعقول المستقيمة لا تفهم بحسب السليقة من مثل هذه التشبيهات الاعين التنزيه - روى - ان امام الحرمين رفع الله درجته فى الدارين نزل ببعض الاكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والاكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزيهه تعالى عن المكان وهو قال { الرحمن على العرش استوى } فقال الدليل عليه قول يونس عليه السلام فى بطن الحوت { لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين } فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام ان ههنا فقيرا مديونا بالف درهم اد عنه دينه حتى ابينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذهب فى المعراج الى ما شاء الله من العلى قال هناك « لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك » ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال { لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين } فكل منها خاطب بقوله انت وهو خطاب الحضور فلو كان هو فى مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان . فان قلت فليكن فى كل مكان . قلت قد اشرت الى انه فى كل مكان بآثار صفاته وانوار ذاته لا بذاته كما ان الشمس فى كل مكان بنورها وظهورها لا بوجودها وعينها ولو كان فى كل مكان بالمعنى الذى اراد جهلة المتصوفة فيقال فاين كان هو قبل خلق هذه العوالم ألم يكن له وجود متحقق فان قالوا لا فقد كفروا وان قالوا بالحلول والانتقال فكذلك لان الواجب لا يقارن الحادث الا بالتأثير والفيض وظهور كمالاته فيه لكن لا من حيث انه حادثا مطلقا بل من حيث ان وجوده مستفاض منه فافهم .
فان قلت فاذا كان تعالى منزها عن الجهة والمكان فما معنى رفع الايدى الى السماء وقت الدعاء . قلت معناه الاستعطاء من الحزانة لان خزائنه تعالى فى السماء كما قال { وفى السماء رزقكم وما توعدون } وقال { وان من شئ الا عندنا خزائنه وام ننزل الا بقدر معلوم } فثبت ان العرش مظهر استواء الصفة الرحمانية وان من يثبت له تعالى مكانا فهو من المجسمة ومنهم جهلة المتصوفة القائلون بانه تعالى فى كل مكان ومن يليهم من العلماء الزائغين عن الحق الخارجين عن طريق العقل والنقل والكشف فمثل مذهبهم وقذره كمثل مذهبهم وقذره فنعوذ بالله تعالى من التلوث يلوث الجهل والزيغ والضلال ونعتصم به عما يعصم من الوهم والخيال والحق حق والاشياء اشياء ولا ينظر الى الحق بعين الاشياء الا من ليس فى وجهه حياء .
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)
{ له ما فى السموات وما فى الارض } سواء كان ذلك بالجزئية منهما او بالحلول فيهما { وما بينهما } من الموجودات الكائنة فى الجو دائما كالهواء والسحاب او اكثريا كالطير اى له تعالى وحده دون غيره لا شركة ولا استقلالا كل ما ذكر ملكا وتصرفا واحياء واماتة وايجادا واعداما { وما تحت الثرى } الثرى التراب الندى اى الرطب والارض كما فى القاموس ويجوز الحمل على كليهما فى هذا المقام فان ظاهر الارض تراب جاف وما هو اسفل منه تراب مبتل . (8/77)
فان قلت الثرى اذا كان محمولا على السطح الاخير من العالم فما الذى تحته حتى يكون الله تعالى مالكا له . قلت هو اما الثور او الحوت او الصخرة او البحر او الهواء على اختلاف الروايات وقال بعضهم اراد الثرى الذى تحت الصخرة التى عليها الثور الذى تحت الارض ولا يعلم ما تحت الثرى الا الله تعالى كما لا يعلم احد ما فوق السدرة الا هو اى الذى هو التراب الرطب مقدار خمسمائة عام تحت الارض ولولا ذلك لاخرقت النار الدنيا وما فيها كما فى انسان العيون .
قال كاشفى [ زمين بردوش فرشته ايست وقدمين فرشته برصخره ايست وصخره برشاخ كاوى وقوائم كاو بربشت ما هى ازحوض كوثر وما هى ثابت است بر بحر وبحر بر جهنم مبنى برريح وريح برحجابى ازظلمت وآن حجاب برثرى وعلم اهل آسمان ومين تاثرى بيش نرسد وما تحت الثرى جز حق سبحانه نداند ] وقال ابن عباس رضى الله عنهما ان الارضين على ظهر النون والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء منها وهى الصخرة المذكورة فى سورة لقمان فى قوله { فتكن فى صخرة } والصخرة على قرن ثور والثور على لاثرى وما تحت الثرى لا يعلمه الا الله تعالى وذلك الثور فاتح فاه فاذا جعل الله البحار بحرا واحدا سالت فى جوفه فاذا وقعت فى جوفه يبست ذكره البغوى .
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)
{ وان تجهر بالقول } اى ان تعلن بذكره تعالى ودعائه . (8/78)
فاعلم انه تعالى غنى عن جهرك واعلانك { فانه } تعالى { يعلم السر واخفى } يقال فلان يحسن الى الفقراء لا يراد حال ولا وستقبال وانما يراد وجود الاحسان منه فى جميع الازمنة والاوقات ومه قوله { يعلم السر واخفى } علمهما منه مستمر دائم وذلك ان علمه تعالى منزه عن الزمان كما هو منزه عن المكان باسره فالتغيير على المعلوم لا على العلم عندنا والسر واحد الاسرار وهو ما يكتم ومنه اسرّ الحديث اذا اخفاه وتنكير اخفى للمبالغة فى الخفاء اى يعلم ما اسررته الى غيرك وشيأ اخفى من ذلك وهو ما اخطرته ببالك من غير ان تتقوّه به اصلا وما اسررته فى نفسك واخفى منه وهو ما ستسره فيما سيأتى اى ما يلقيه الله فى قلبك من بعد ولا تعلم انك ستحدث به نفسك وهذا اما نهى عن الجهر كقوله تعالى { واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول } واما ارشاد للعباد الى ان الجهر ليس لاسماعه بل لغرض آخر من تصور النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها من الاشتغال بغيره وقطع الوسوسة عنها وهضمها بالتضرع والجؤار وايقاظ الغير ونشر البركات الى مدى صوته وتكثير اشهاد ونحو ذلك وجاء انه عليه السلام لما توجه الى خيبر اشرف الناس على واد فرفعوا اصواتهم بالتكبير الله اكبر لا اله الا الله فقال عليه السلام « اربعوا على انفسكم » اى ارفعوا بأنفسكم لا تبالغوا فى رفع اصواتكم { انكم لا تدعون اصم ولا غائبا انكم تدعون سمعيا قريبا وهو معكم } ويحتاج الى الجمع بين هذا امره عليه السلام برفع الاصوات بالتلبية وقد يقال المنهى عنه هنا الرفع الخارج عن العادة الذى ربما آذى بدليل قوله عليه السلام « اربعون على انفسكم » اى ارفقوا بها كذا فى انسان العيون .
يقول الفقير انما نهى النبى عليه السلام اصحاب عن رفع الصوت اخفاء لامره عن العدو ولان اكثر اصحابه كانوا ارباب احوال فشأنهم الاعتدال بل الاخفاء الا لضرورة قوية كما فى ازاء العدو او اللصوص تهييبا لهم ولا شك ان اعدى العدو النفس واشد اللصوص الشيطان ولذا اعتاد الصوفية بجهر الذكر تهييبها لهما وطرد اللوسوسة وقد اختار الحمكماء للسلطان جهارة الصوت فى كلامه ليكون اهيب لسامعيه واوقع فى قلوبهم كما فى العقد الفريد .
وفى التأويلات النجمية السر باصطلاح اهل التحقيق لطيفة بين القلب والروح وهو معدن اسرار الروحانية والخفى لطيفة بين الروح والحضرة الالهية وهو مهبط انوار الربوبية واسرارها ولهذا قال عقيب قوله { يعلم السر واخفى الله لا اله الا هو } الآية اشارة ان مظهر الوهية صفاته العليا انما هو الخفى الذى هو اخفى من السر اى الطف واعز واعلى واشرف واقرب الى الحضرة الا وهو سر وعلم آدم الاسماء كلها وهو حقيقة قوله عليه السلام « ان الله خلق آدم فتجلى فيه »
ثم اعلم ان لطيفه السر التى بين القلب والروح تكون موجودة فى كل انسان عند نشأته الاولى واخفى ينتشئ عند نشأته الاخرى فلذا يمكن ان يكون كل انسان مؤمن او كافر معدن اسرار الروحانية وجملتها المعقولات ولا يمكن الا لمؤمن موحد ان يكون مهبط انوار الربانية واسرارها وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية .
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)
{ الله } خبر مبتدأ محذوف اى ذلك المنعوت بما ذكر من النعوت الجليلة الله { لا اله الا هو } لا معبود فى الارض ولا فى السماء الا هو دل على الهوية بهذا القول فان هو كناية عن غائب موجود والغائب عن الحواس الموجود فى الازل هو الله تعالى وفيه معنى حسن وهو المتعالى عن درك الحواس حتى استحق اسم الكناية عن الغائب من غير غيبة كما فى بحر العلوم . (8/79)
يقول الفقير على هذا المعنى بنى الصوفية ذكرهم بالاسم هو اخفاء وجهرا اجتماعا وانفرادا مع ان مرجعه هو الله فيكون فى حكم الاسم المظهر ولا ينازع فيه الا مكابر وفى الحديث « ان الله خلق ملكا من الملائكة قبل ان خلق السموات والارض وهو يقول اشهد ان لا اله الا الله ماذا بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها فاذا اتمها امر اسرافيل بالنفخ فى الصور وقامت القيامة » كما فى التفسير الكبير فعلم منه ان الركن الاعظم للعالم ودوام وجوده انما هو الذكر فاذا انقطع الذكر انهدم العالم وكل فوت انما هو من اجل ترك الذكر - ذكر - ان صيادا كان يصيد السمكة وكانت ابنته تطرحها فى الماء وتقول انها ما وقعت فى الشبكة ال لغفلتها .
وفى الحديث « لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الارض الله الله » اكده بالتكرار ولا شك ان لا يذكر الله ذكرا حقيقيا وخصوصا بهذا الاسم الجامع الاعظم المنعوت بجمكيع الاسماء الا الذى يعرف الحق المعرفة التامة واتمم الخلق معرفة بالله فى كل عصر خليفة الله وهو كامل ذلك العصر فكأنه يقول عليه السلام لا تقوم الساعة وفى الارض انسان كامل وهو المشار اليه فانه العماد المعنوى الماسك فان شئت قلت الممسك لاجله فاذا انتقل انشقت السماء وكورت الشمس وانكدرت النجوم وانتثرت وسيرت الجبال وزلزلت الارض وجاءت القيامة كذا فى الفكوك لحضرة الشيخ صدر الدين قدس سره { له الاسماء الحسنى } بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية العالمية اسماءه وصفاته من غير تعدد فى ذاته تعالى فانه روى ان المشركين حين سمعوالنبى عليه السلام يقول يا الله يا رحمن قالوا ينهانا ان يعبد الهين وقد يدعو الها آخر . والحسنى تأنيث الاحسن يوسف به الواحدة المؤنثة والجمع من المذكر والمؤنث كمآرب اخرى وآياتنا الكبرى وفضل اسماء الله فى الحسن على سائر الاسماء لدلالتها على معانى التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والافعال التى هى النهاية فى الفضل والحسن .
قال فى تفسير الكبير يقال ان الله اربعة آلاف اسم ثلاثة آلاف منها لا يعلمها الا الله والانبياء اما الالف الرابعة فان المؤمنين يعلمونها فثلاثمائة فى التوراة وثلاثمائة فى الانجيل وثلاثمائة فى الزبور ومائة فى القرآن تسعة وتسعون ظاهرة وواحد مكنون من احصاها دخل الجنة وليس حسن الاسماء لذواتها لانها الفاظ واصوات بل حسنها لحسن معانيها ثم ليس حين المسمى حسنا ينطلق بالصورة والخلقة فان ذلك محال على من ليس بجسم بل حسن يرجع الى معنى الاحسان مثلا اسم الستار والغفار والرحيم انما كانت حسنى لانها ذالة على معنى الاحسان - روى - ان حكيما ذهب اليه قبيح وحسن والتمسا الوصية فقال للحسن انت حسن ولا يليق بك الفعل القبيح وللقبيح انت قبيح اذا فعلت القبيح عظم قبحك الهنا اسماؤك حسنة وصفاتك حسنة فلا تظهر لنا من تلك الاسماء الحسنة والصفات الحسنة الا الاحسان ويكفينا قبح افعالنا وسيرتنا فلا نضم اليه قبح العقاب ووحشة العذاب .
وفى الحديث « اطلبوا الحوايج عند حسان الوجوه » وذلك لانهم اذا قضوا الحاجات قضوا بوجه طلق وان ردوا ردوا بوجه طلق . (8/80)
كشته ازلطف حق بعرصه خاك ... حسن صورت دليل سيرت باك
وقال بعضهم
يدل على معروفه حسن وجهه ... وما زال حسن الوجه احدى الشواهد
وفى الحديث « اذا بعثتم الىّ رجلا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم » الهنا حسن وجوهنا قبيح بعصياننا فمن هذا الوجه نستحيى طلب الحوائج وحسن الاسماء والصفات يدلنا عليك فلا تردنا على احسانك خائبين خاسرين .
قال موسى الهى أى خلق اكرم عليك قال الذى لا يزال لسانه رطبا من ذكر قال فأى خلقك اعلم قال الذى يلتمس انى اعلم علم غيره قال فأى خلقك اعدل قال الذى يقضى على نفسه كما يقضى على الناس قال فأى خلقك اعظم جرما قال الذى يتهمنى وهو الذى يسألنى ثم لا يرضى بما قضيته له الهنا لا نتهمك فانا نعلم ان كل ما احسنت فهو فضل وكل ما لا تفعله فهو عدل فلا تؤاخذنا بسوء اعمالنا : قال الحافظ
در دائره قسمت ما نقطه تسليميم ... لطف آنجه توانديشى حكم انجه توفرمايى
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9)
{ وهل اتيك حديث موسى } يحتمل ان يكون اول ما اخبر الله به من امر موسى فان السورة من اوائل ما نزل فيكون الاستفهام للانكار اى لم يأتك الى الآن خبر موسى وقصته وقد اتاك الآن بطريق الوحى فتنبه له واذكر لقومك ما فيه من امر التوحيد ونحوه يحتمل انه قد اناه ذلك سابقا فيكون استفهام تقرير فكأنه قال قد اتاك . (8/81)
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)
{ اذ رأى نارا } ظرف للحديث - روى - ان موسى عليه السلام تزوج صفوراء وقال السهيلى صفورياء بنت شعيب عليه السلام فاستأذن منه فى الخروج من مدين لزيارة امه واخيه هارون فى مصر فخرج باهله واخذ على غير الطريق خوفا من ملوك الشام فلما اتى وادى طوى وهو بالجانب الغربى من الطور ولد له ولد فى ليلة مظلمة ذات برد وشتاء وثلج وكانت ليلة الجمعة فقدح زنده فصلد اى صوّت ولم يخرج نارا وقيل كان موسى رجلا غيورا يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه لئلا يروا امرأته فلذا اخطأ الرفقة والطريق فبينما هو فى ذلك اذ رأى نارا من بعيد على يسار الطريق من جانب الطور فظن انها من نيران الرعاة { فقال لاهله } لامرأته وولده وخادمه فان لاهل يفسر بالازواج والاولاد والعبيد والاماء وبالاقارب وبالاصحاب وبالمجموع كما فى شرح المشارق لابن ملك { امكثوا } اقيموا مكانكم ولا تتبعونى { انى آنست نارا } الايناس الابصار البين الذى لا شبهة فيه ومنه انسان العين لانه يبين به الشئ والانس لظهورهم كما قيل الجن لاستنارهم اى ابصرتها ابصارا بينا لا شبهة فيه فأذهب اليها { لعلى آتيكم منها } راجيا ان اجيئكم من النار { بقبس } بشعلة من النار اى بشئ فيه لهب مقتبس من معظم النار وهى المراد بالجذوة فى سورة القصص وبالشهاب القبس فى سورة النمل يقال قبست منه نارا فى رأس عود او فتيلة او غيرهما لم يقطع بان يقول انى آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به انظر كيف احترز موسى عن شائبة الكذب قبل نبوته فانه حينئذ لم يكن مبعوثا . (8/82)
قال اكثر المفسرين ان الذى رآه موسى لم يكن نارا بل كان نور الرب تعالى ذكر بلفظ النار لان موسى حسبه نارا .
وقال الامام الصحيح انه رأى نارا ليكون صادقا فى خبره اذا الكذب لا يجوز على الانبياء انتهى .
قال بعض الكبار لما كانت النار بغية موسى تجلى الله له فى صورة مطلوبه المجازى ليقبل عليه ولا يعرض عنه فانه لو تجلى له فى غير صورة مطلبوه اعرض عنه لاجتماع ما تجلى فيه .
كنار موسى يراها عين حاجته ... وهو الاله ولكن ليس يدريه
اى ليس يعرف الالهة المتجلى فى صورة النور والمتكلم فيها { او اجد على النار هدى } هاديا يدلنى على الطريق لان النار قلما تخلو من اهلها وناس عندها على انه مصدر سمى به { لعلى آتيكم منها بخبر او جذوة من النار } وكلمة او فى الموضعين للمنع الخلو دون منع الجمع ومعنى الاستعلاء فى على ان اهل النار يكتنفونها عند الاصطلاء قياما وقعودا فيشرفون عليها .
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)
{ فلما اتاها } اى انتهى الى النار التى آنسها قال ابن عباس رضى الله عنه رأى شجرة خضراء احاطت بها من اسفلها الى اعلاها نار بيضاء تتقد كاضوء ما يكون ولم ير هناك احدا فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار فسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما تكل الابصار عنه فوضع يديه على عينيه وخاف وبهت فالقيت عليه السكينة والطمأنينة ثم نودى وكانت الشجرة سمرة خضراء او عوسجة او عليقا او شجرة العناب وهى شجرة لا نار فيها بخلاف غيرها من الاشجار . قالوا النار اربعة اصناف . صنف يأكل ولا يشرب وهى نار الدنيا . وصنف يشرب ولا يأكل وهى نار الشجر الاخضر . وصنف يأكل ويشرب وهى نار جهنم . وصنف لا يأكل ولا يشرب وهى نار موسى . (8/83)
وقالوا ايضا هى اربعة انواع نوع له احراق بلا نور وهى نار الجحيم . ونوع له نور بلا احراق وهى نار موسى . ونوع له احراق ونور وهى نار الدنيا . ونوع ليس له احراق ولا نور وهى نار الاشجار .
يقول الفقير النور للمحبة والنار للعشق وعند ما كمل وامتلأ نور محبة موسى وتم واشتغل نار عشقه وشوقه تجلى الله له بصورة ما فى بطنه وذلك لانه لما ولد له ولد القلب الذى هو طفل خليفة الله فى ارض الوجود فى ليلة شاتية هى ليلة الجلال ظهر له نور ذاتى فى صورة نار صفاتية لان الصورة انما هى للصفات واحترق جميع انانيته وحصل له التوجه الوحدانى فعند ذلك { نودى } فقيل { يا موسى انى انا } للتوكيد والتحقيق يعنى [ شك مكن زميقن شكوه من ] { ربك } [ بروردكار توام ] { فاخلع } [ بس بيرون كن وبيكفن ازباى خود ] { نعليك } امر بذلك لان الحفوة ادخل فى التواضع وحسن الادب ولذلك كان بشر الحافى ونحوه يسيرون حفاة وكان السلف الصالحون يطوفون بالكعبة حافين
كنجى كه زمين وآسمان طالب اوست ... جون درنكرى برهنه بايان دارند
او ليتشرف مشهد الوادى بقدوم قدميه وتتتصل بركة الارض اليه .
وقيل للحبيب تقدم على بساط العرش بنعليك ليتشرف العرش بغبار نعال قدميك ويصل نور العرش يا سيد الكونين اليك او لانه لا ينبغى لبس النعل بين يدى الملوك اذ دخلوا عليهم وهذا بالنسبة الى المرتبة الموسية دون الجاه المحمدى كما مر آنفا .
وذكر فى فضائل ابى حنيفة انه كان اذا قدم على الخليفة للزيارة استدعى منه الخليفة ان لا ينزل عن بغلته بل يطأبها بساطه . او لانهما كانا غير مدبوغين من جلد الحمار فالخطاب خطاب التأديب كما فى حل الرموز
قال الكاشفى [ اصح آنست كه نعلين ازجلد بقربود وطاهر ] او لان النعل فى النوم يعبر بالزوجة فاراد تعالى ان لا يلتفت بخاطره الى الزوجة والولد .
قال فى الاسرار المحمدية جاء فى غرائب التفسير فى قوله سبحانه { فاخلع نعليك } يعنى همك بامرأتك وغنمك . (8/84)
وقال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره يعنى لاطبيعة والنفس .
يقول الفقير لا شك ان المرأة صورة الطبيعة والولد صورة النفس لان حبه من هواها غالبا وايضا ان المرأة فى حكم الرجل نفسه لانها جزؤ منه فى الاصل والغنم ونحوه انما هو من المعاش التابع للوجود فكأنه قيل فاخلع فكر النفس وما يتبعها ايا كان وتعال .
وقال بعضهم المراد بالنعلين الدنيا والآخرة كأنه امره بالاستغراق فى معرفة الله ومشاهدته والوادى المقدس قدس جلال الله وطهارة عزته .
وقال بعضهم ان اثبات الصانع يكون بمقدمتين فشبهتا بالنعليم اذ بهما يتوصل الى المقصود وينتقل الى معرفة الخالق فبعد الوصول يجب ان لا يلتفت اليهما ليبقى القلب مستغرقا فى نور القدس فكأنه قيل فاخلع فكر الدليل والبرهان فانه لا فائدة فيه بعد المشاهدة والعيان
ساكنان حرم از قبله نما آزادند ... وفى المثنوى
جون شدى بربامهاى آسمان ... سرد باشد جست وجوى ثردبان
آينه روشن كه شد صاف وجلى ... جهل باشد برنهادن صيقلى
بيش سلطان خوش نشسته در قبول ... زشت باشد حستن نامه رسول
ولهذا غسل حضرة الشيخ الشبلى قدس سره جميع كتبه بعد الوصول الى الله تعالى فتدبر { انك بالواد المقدس } المطهر والمتبعد من السوء { طوى } اسم الوادى عطف بيان له .
قال فى القاموس الوادى مفرج بين جبال او تلال او آكام وطوى واذ بالشام وهو بالنوين منصرف بتأويل المكان وبتركه غير منصرف بتأويل البقعة المعروفة - روى - ان موسى عليه السلام خلعهما والقاهما وراء الوادى .
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)
{ وانا اخترتك } اى اصطفيتك للنبوة والرسالة وقرأ حمزة { وانا اخترناك } { فاستمع } [ بس كوش فرا دار ] { لما يوحى } للذى يوحى اليك منى من الامر والنهى اللام متعلقة بالسمع مزيدة فى المفعول كما فى ردف لكم . (8/85)
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)
{ اننى انا الله } [ بدرستى كه منم خداى تعالى ] وهو بدل من يوحى دال على تقدم علم الاصول على الفروع فان التوحيد من مسائل الاصول والعبادة الآتية من الفروع { لا اله الا انا } [ نيست خدى بغير من ] فاذا كان كذلك { فاعدبنى } فخصنى بالعبادة والتوحيد ولا تشرك بعبادتى احدا { واقم الصلاة } من عطف الخاص على العام لفضله { لذكرى } من اضافة المصدر الى مفعوله اى لتذكرنى وتكون ذاكرا الى فان ذكر الله كما ينبغى عبارة عن الاشتغال بعبادته باللسان والجنان والاركان والصلاة جامعة لها او من اضافته الى فاعله اى لاذكرك بالاثابة . (8/86)
وفى التأويلات النجمية وأدم المناجات المحاضرة معنى ببدل الوجود لنيل ذكرك اياك بالتجلى على الداوم لافناء وجودك المتجدد .
إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)
{ ان الساعة آتية } تعليل لوجوب العبادة واقامة الصلاة . والساعة اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساعة حقيقة يحدث فيها امر عظيم اى القيامة كائنة لا محالة وانما عبر عن ذلك بالاتياءى تحقيقا لحصولها بابرازها فى معرض امر محقق متوجه نحو المخاطبين { أكاد أخفيها } . (8/87)
قال فى تفسير الجلالين استرها للتهويل والتعظيم واكاد صلة انتهى .
وقال بعضهم كاد وان كان موضوعا للمقاربة الا انه من الله للتحقق والوجوب فالمعنى اريد اخفاء وقتها عن الخلق ليكونوا على الحذر منها كل وقت كما ان عسى فى قوله تعالى { قل عسى ان يكون قريبا } للقطع بقربه هو قريب . وفى الارشاد لا اظهرها ابان اقول هى آتيةولولا ما فى الاخبار بذلك من اللطف وقطع الاعذار واهوال النار وعذاب جحيمها لئلا تكون عبادتى مشوبة بطمع الجنة وخوف النار بل تكون خالصة لوجهى كما قال تعالى { وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } وفى ذلك تهديد عظيم للعباد واظهار عزة وعظمة لنفسه الا انه سبقت رحمتى غضبى فما اخفيت الساعة واتيانها { لتجزى كل نفس بما تسعى } متعلقة بآتية وما بينهما اعتراض وما مصدرية اى بسعيها وعملها خيرا كان او شرا لتمييز المطيع من العاصى وتخليص السعى بالذكر للايذان بان المراد بالذات من اتيانها هو الاثابة بالعبادة واما العقاب بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة .
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)
{ فلا يصدنّك عنها } اى لا يمنعنك عن ذكر الساعة ومراقبتها { من لا يؤمن بها } اى بالساعة هذا وان كان بحسب الظاهر نهيا للكافر عن صد موسى عن الساعة لكنه فى الحقيقة نهى له عن الانصداد عنها على ابلغ وجه وآكده فان النهى عن اسباب الشئ ومباديه المؤدية اليه نهى عنه بالطريق البرهانى وابطال للسببية من اصلها { واتبع هواه } مراده المبنى على ميل النفس لا يعضده برهان سماوى ولا دليل عقلى . (8/88)
وفى الارشاد ما تهواه نفسه من اللذات الحسيبة الفانية { فتردى } من الردى وهو الموت والهلاك اى فتهلك فان الاغفال عنها وعن تحصيل ما ينجى من احوالها مستتبع للهلاك لا محالة والمراد بهذا النهى الامر بالاستقامة فى الدين وهو خطاب له والمراد غيره .
واعلم ان هذه الآيات والآتية بعدها دلت على ان الله تعالى كلم موسى عليه السلام وانه سمع كلام الله تعالى .
فان قيل بأى شئ علم موسى انه كلام الله . قيل لم ينقطع كلامه بالنفس مع الحق كما ينقطع به مع المخلوق بل كلمه تعالى بمدد وحدانى غير منقطع وبانه مسع الكلام من الجوانب الستة وبجميع الاجزاء فصار الوجود كله سمعا وكذا المؤمن فى الآخرة وجه محض وعين محض وسمع محض ينظر من كل جهة وبكل جهة وعلى كل جهة وكذا يسمع بكل عضو من كل جهة واذا شاهد الحق يشهده بكل وجه ليس فى جهة من الجهات لا يحتجب سمعه وبصره بالجهات ويجوز ان يخلق الله تعالى علما ضروريا بذلك كما خلق لنبينا عليه السلام عند ظهور جبريل بغار حراء .
ثم اعلم ان للكلام مراتب فكلام هو عين المتكلم وكلام هو معنى قائم به كالكلام النفسى وكلام مركب من الحروف ومتعين بها وهو فى عالمى المثال والحسن بحسبهما فموسى عليه السلام قد تنزل له الكلام فى مرتبة الامر الى مرتبة الروح ثم الى مرتبة احِس ومن مشى على المراتب لم يعثر ألا ترى ان نبينا عليه السلام اذا نزل عليه الوحى كان يسمع فى بعض الاحياء مثل صلصلة الجرس فان التجلى الباطنى لا يمنع مثل هذا .
فان قلت لماذا يكلم الله موسى حتى صار كليم الله دون سائر الانبياء .
قلت لان الجزاء انما هو من جنس العمل وكان قد احترق لسانه عليه السلام عند الامتحان الفرعونى فجازاه الله بمناجاته اسماع كلامه
هر محنتى مقدمه راحتى بود ... شد همزبان حق جوزبان كليم سوخت
رؤى بعضهم فى النوم فقيل ما فعل الله بك فقال رضى الله عنى ورحمنى وقال لى كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب فجوزى من حيث عمل حيث لم يقل له كل يا من قطع الليل تلاوة واشرب يا من ثبت يوم الزحف .
وقيل لبعضهم وقد رؤى يمشى فى الهواء بم نلت هذه الكرامة فقال تركت هواى لهواه فسخر لى هواه فالعلم والحكمة انما هى فى معرفة المناسبات قضاء عقليا وقضاء الهيا حكميا ومن قال ان الله تعالى يفعل خلاف هذا فليس عنده معرفة بمواقع الحكم .
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)
{ وما تلك } السؤال بما تلك عن ماهية المسمى اى حقيقته الى هو بها هو كقولك ما زيد تعنى ما حقيقة مسمى هذا اللفظ فيجاب بانه انسان لا غير . (8/89)
قال الكاشفى [ جون موسى نعلين بيرون كرد در وادى مقدس خطاب رسيدكه ] وما تلك . اى أى شئ هذه احال كونها مأخوذة { بيمينك يا موسى } فما استفهامية فى حيز الرفع بالخبرية لتلك المشار اليه اى العصا وهو اوفق بالجواب من عكسه والعامل فى الحال معنى الاشارة ولم يقل بيدك لاحتمال ان يكون فى يساره شئ مثل الخاتم ونحوه فلو اجمل اليه لتحير فى الجواب للاشتباه وسيأتى سر الاستفهام ان شاء الله تعالى .
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18)
{ قال } موسى { هى عصاى } نسبها الى نفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه وتمهديا لما يعقبه من الافاعيل المنسوبة اليه عليه السلام { اتوكؤا عليها } اى اعتمد عليها عند الاعياء فى الطريق وحال المشى وحين الوقوف على رأس القطيع فى المرعى { واهش بها على غنمى } الهش [ بيفشاندن برك ازدرخت ] يقال هش الورق يهشه ويهشه خبطه بعصا ليتحات اى ضربه ضربا شديدا ليسقط . والمعنى اخبط بها الورق واسقطه على رؤس غنمى لتأكله . وبالفارسية [ وفرميريزم برك ازدر ختها ] { ولى فيها مآرب } جمع مأربة بفتح الراء وضمها وهى الحاجة { اخرى } لم يقل آخر لرعاية الفاصلة اى حاجات اخر غير التوكى والهش وهى انه اذا سار القاها على عاتقه وعلق بها قومه وكنانته وحلابه ومطهرته وحمل عليها زاده وتحدثه . يعنى [ درراه باموسى سخنى كفتى ] وكان لها شعبتان ومحجن فاذا طال الغصن حناه بالمحجن واذا حاول كسره لواه بالشعبتين وفى اسفلها سنان ويركزها فيخرج الماء وتحمل أى ثمرة احب وريثما يدليها فى البئر وتصير شعبتاها كالدلو فيخرج الماء واذا قصر الرشاء وصله بها وتضيئ بالليل كاشمع وتحارب عنه . يعنى [ بادشمن وى حرب كردى ] واذا تعرضت لغنمه السباع قاتل بها وتطرد الهوام فى النوم واليقظة ويستظل بها اذا كان قعد يعنى اذا كان فى البرية ركزها والقى كساءه عليها فكان ظلا وكانت اثنى عشر ذراعا بذراعه عليه السلام من عود آس من شجر الجنة استودعها عند شعيب ملك من الملائكة فى صورة انسان . (8/90)
وقال الكاشفى [ آن عصا ازجوب مرد بهشت بود طول اوده كز وراو دوشاخه ودر زيراو سنانى نشانده نامش عليق بود يانيعه از آدم ميراث بشعيب رسيده بود وازو بموسى رسيد ] وفى العصا اشارة الى ان الانبياء عليهم السلام رعاة الخلق والخلق مثل البهائم محتاجون الى الرعى والكلاءة من ذئاب الشياطين واسد النفس فلا بد من العمل بارشادهم الوقوف بالخدمة عند باب دراهم : قال الحافظ
شبان وادى ايمن كهى رسد بمراد ... كه جند سال بجان خدمت شعيب كند
قال بعض اهل المعرفة لما كانت العصا صورة النفس المطمئنة المفنية للموهومات والمتخيلات لان صورة الحية تستعد للايمان كما ظهر بعض الجن بالمدينة فى صورة الحية ونهوا عن قتلها كما ذكر فى الصحاح لذلك قال موسى عليه السلام { هى عصا اتوكأ عليها } اى استعين بها على مطالبى فى السر { وأهش بها على غنمى } اى على رعايا اعضائى وحواسى وعلى ما تحت يدى من اقوى الطبيعية والبدنية { ولى فيها مآرب اخرى } اى مقاصد لا تحصل الا بها من الكمالات المكتسبة بالمجاهدات البدنية والرياضات النفسية فاذا جاهدت وارتاضعت وانابت الى ربها انقلبت المعصية التى هى السيئة طاعة اى حسن كما قال تعافى فى صلة التائبين
{ يبدل الله سيآتهم حسنات } فان قيل السؤال للاستعلام وهو محال على العلام فما لفائدة فيها قال ان فائدته ان من ارد ان يظهر من الحقير شيأ نفسيا يعرضه اولا على الحاضرين ويقول ما هذا فيقال فلان ثم انه يظهر صنعه الفائق فيه فيقول لهم خذوا منه كذا وكذا كما يريك الزراد زبرة من حديد ويقول لك ما هى فتقول زبرة حديد ثم يريك بعد ايام لبوسا مسردا فيقول لك هى تلك الزبرة صيرتها الى ما ترى من عجيب الصنعة وانيق السرد فالله تعالى لما اراد ان يظهر من العصا تلك الآيات الشيفة عرضها اولا عليه فقال هل حقيقة ما فى يدك الا خشبة لا تضر ولا تنفع ثم قلبها ثعبانا عظيما فنبه به على كمال قدرته ونهاية حكمته . (8/91)
قال الكاشفى [ استفهام متضمن تنبيه است يعنى حاضر شو تاعجايب ببنى ] .
وقال فى التأويلات انما امتحن موسى بهذا السؤال تنبيها له يعلم ان للعصا عند الله اسما آخر وحقيقة اخرى غير ما علمه منها فيحيل علمها الى تعالى فيقول انت اعلم بها يا رب فلما اتكل على علم نفسه وقال هى عصاى فكأنه قيل له اخطأت فى هذا الجواب خطأين احدهما فى التسمية بالعصا والثانى فى اضافتها الى نفسك وهو ثعبانى لا عصاك .
فان قيل هذا سؤال من الله مع موسى ولم يحصل لمحمد عليه السلام .
قلنا خاطبه ايضا فى قوله { فاوحى الى عبده ما اوحى } الا انه ما افشاه وكان سرا لم يؤهل له احدا من الخلق وايضا فان دار الكلام بينه وبين موسى فامه محمد يخاطبونه فى كل يوم مرات للاستعلام لانه تعالى منزه عن ذلك بل للتذكر لاستحاضر حقيقتها وما يعلم من منافعها ولذا زاد فى الجواب .
وقال الكاشفى [ جواب داد وجهت تعداد نعم ربانى برآن افزود ] وقال بعضهم سأل الله عما فى يده للتقريرعلى انها عصا حتى لا يخاف اذا صارت ثعبانا ويعلم انها معجزة عظيمة ولا زالة الوحشة عن موسى وذكر يا موسى يعنى ليحصل زيادة الانبساط والاستئناس وازالة تلك الهيبة والدهشة الحاصرة من استماع ذلك الكلام الذى لم يشبه كلام الخلق مع مشاهدة تلك النار وتلك الشجرة وسمع تسبيح الملائكة ومن ثمة لما زالت بذلك اطنب فى الجواب قال نبينا عليه السلام قلت اى ليلة المعراج اللهم انه لما لحقنى استيحاش سمعت مناديا ينادى بلغة تشبه لغة ابى بكر رضى الله عنه فقال لى قف فان ربك يصلى لعجب من هاتين هل سبقنى ابو بكر الى هذا المقام وان برى لغنى عن ان يصلى فقال تعالى انا الغنى عن ان اصلى لاحد وانما اقول سبحانى سبحانى سبقت رحمتى على غضبى أقرا يا محمد هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيما فصلاتى رحمة لك ولامتك واما امر صاحبك يا محمد فان اخاك موسى كان انسه بالعصا فلما اردنا كلامه قلنا وما تلك بيمنك يا موسى قال هى عصاى وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة وكذلك انت يا محمد لما كان انسك بصاحبك ابى بكر خلقنا ملكا على صورته ينادى بلغته ليزول عنك الاستيحاش ولما ليحقك من عظيم الهيبة كذا فى انسان العيون .
وذكر الراغب الاصفهانى فى المحاضرات انه قال الامام الشاذلى قدس سره صاحب الحزب البحر اضطجعت فى المسجد الاقصى فرأيت فى المنام قد نصب تحت خارج الاقصى فى وسط الحرم فدخل خلق كثير افواجا افواجا فقلت ما هذا الجمع فقالوا جمع الانبياء والرسل عليهم السلام قد حضروا ليشفعوا فى حسين الحلاج عند محمد عليه السلام فى اساءة ادب وقعت منه فنظرت الى التخت فاذا نبينا صلى الله عليه وسلم جالس عليه بانفراد وجميع الانبياء على الارض جالسون مثل ابراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم السلام فوقفت انظر واسمع كلامهم فخاطب موسى نبينا عليه السلام وقال له انك قد قلت ( علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل فارنا منهم واحدا فقال هذا واشار الى الامام الغزالى قدس سره فسأله موسى سؤالا فاجابه بعشرة اجوبة فاعترض عليه موسى بان الجواب ينبغى ان يطابق السؤال والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الامام هذا الاعتراض وارد عليك ايضاحين سئلت { وما تلك بيمينك } وكان الجواب عصاى فاوردت صفات كثيرة فقال فبينما انا متفكر فى جلالة قدر محمد عليه السلام وكونه جالسا على التخصت بافنراده والخليل والكليم والروح جالسون على الارض اذ رفسنى شخص برجله رفسة مزعجة اى ضربنى فانتبهت فاذا بقيم يشعل قناديل الاقصى قال لا تعجب فان الكل خلقوا من نوره فخررت مغشيا فلما اقاموا الصلاة افقت وطلبت القم فلم اجده الى يومى هذا ومن هذا قال فى قصيدة البردة (8/92)
وانسب الى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب الى قدره ما شئت من عظم
وقال آخر
سرخيل انبيا وسيهدار اتقيا ... سلطان باركاه دنا قائد امم
قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19)
{ قال } الله تعالى استئناف بيانى { القها يا موسى } اطرحها لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك والالقاء والنبذ والطرح بمعنى واحد (8/93)
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)
{ فالقاها } على الارض . قال الكاشفى [ موسى كمان بردكه اورانيزجون نعلين مى بايد افكند بس بيفكند آنرا ازقفاى خود فى الحال آوازى عظيم بكوش وى رسيد بازنكريست ] { فاذا هى } [ بس از آنجا آن عصا ] { حية } [ مارى بود ] { تسعى } [ مى شتافد بهر جانب } والسعى المشى بسرعة وخفة حركة والجملة صفة لحية - روى - انه حين القاها انقلبت حية صفراء فى غلظ العصا ثم انتفخت وعظمت فلذلك شهبت بالجان تارة وهو الخفيف كما قال تعالى { كأنها جان } اى باعتبار ابتداء حالها وسميت ثعبانا اخرى وهو اظمها كما قال تعالى { فاذا هى ثعبان مبين } اى باعتبار انتها حالها وعبر عنها ههنا بالاسم العام للحالين اى الصغير والكبير والظاهر انها انقلبت من اول الامر ثعبانا وهو الاليق بالمقام كما يفصح عنه قوله تعالى { فاذا هى ثعبان مبين } وانما شبهت بالجان فى الجلادة وسرعة الحركة . (8/94)
قال بعض اهل المرعفة اما انقلاب العصا حيوانا فايما الى انقلاب المعصية طاعة وحسنة فان العصا من المعصية والمعصية اذا انقلبت صارت طاعة كما قال تعالى { الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات } وهذا التبديل من مقام المغفرة واما المحو فى قوله عليه السلام « اتبع السيئة الحسنة تمحها » فعبارة عن حقيقة العفو .
قال المولى الجامى فى قوله { فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات } يعنى فى الحكم فان الاعيان انفسها لا تتبدل ولكن تنقلب احكامها انتهى .
يقول الفقير على هذا يدور انقلاب العصا حية حين الالقاء ويحول النحاس فضة عند طرح الاكسير وتمثل جبريل فى الصورة البشرية فاعرفه فانه باب عظيم من دخله بالعرفان التام امن من الاوهام : قال الحافظ
دست ازمس وجود جومرادان بشوى ... تاكيمياى عشق بيابى وزرشوى
وقال المولى الجامى
جوكسب علم كردى در عمل كوش ... كه علم بى عمل زهريست بى نوش
جه حاصل زآنكه دانى كيميارا ... مس خودرا نكرده زرسارا
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22)
{ قال } استئناف بيانى { خذها ولا تخف } روى انها انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع كل شئ يمر به من صخر وحجر وعيناه تتقدان كالنار ويسمع لانبيابه صريف شديد وكان بين لحييه اربعون ذراعا او ثمانون فلما رآه كذلك خاف ونفر لان الخوف والهرب من الحيات ونحوها من طباع البشر . (8/95)
فان قيل لم خاف موسى من العصا ولم يخف ابراهيم من النار .
قلنا لان الخليل كان اشد تميكنا اذ فرق بين بداية الحال ونهايتها وقد ازال الله هذا الخوف من موسى بقوله ولا تخف ولذا تمكن من اخذ العصا كما يأتى فصار اهل تمكين كالخليل عليهما السلام ألا ترى ان نبينا عليه السلام او لما جاءه جبريل خافه فرجع من الجبل مرتعدا ثم كان من امره ما كان حتى استعد لرؤيته على صورته الاصلية ليلة المعراج كما قال تعالى { ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى } وفى التأويلات النجمية { خذها ولا تخف } يعنى كنت تحسب ان لك فيها المنافع والمآرب فى البداية ثم رأيتها وانت خائف من مضارها فخذها ولا تخف لتعلم ان الله تعالى هو الضار والنافع فيكون خوفك ورجاؤك منه اليه لا من غيره : وفى المثنوى
هركه ترسيد از حق وتقوى كزيد ... ترسد ازوى جن وانس وهركه ديد
{ سنعيدها } [ زوباشدكه كردانيم ويرا ] { سيرتها الاولى } السيرة فعلة من السير اى نوع من تجوز بها للطريق والهئية العصوية فوضع يده فى فم الحية فصارت عصا كما كانت ويده فى شعبتيها فى الموضع الذى يعضها فيه اذا توكأ وأراه هذه الآية كيلا يخاف عند فرعون اذا انقلبت حية وفى الحديث « يجاء لصاحب المال الذى لم يؤد زكاته بذلك المال على صورة ثعبان » يقول الفقير لا شك عند اهل المعرفة ان لكل جسد روحا ولو كان معنويا ولكل عمل وخلق ووصف صورة معتدلة فى الدنيا تتحول صورة محسوسة فى الآخرة كما قال تعالى { فينبئهم بما كانوا يعملون } اى يظهر لهم صور اعمالهم كما مر فى سورة الانعام ولما كان حب المال من اشد صفات النفس الامارة الى هى فى صورة ثعبان ضار لا جرم يظهر يوم تبلى السرائر على هذا الصورة المزعجة ويصير طوقا لعنق صاحبه فاذا تزكى موسى القلب من حب المال واحب بذله فى سبيل الله جاء فى صورة حسنة يهواها مناسبة لما عمل به من الخيرات وقس حال البواقى عليه .
ثم اراه آية اخرى فقال { واضمم } [ ضمم كن وببر ] { يدك } اليمنى { الى جناحك } [ سوى بهلوى خود درزير بغل ] وجناح الطائر وقد سميا جناحين لانه يحبحهما اى يميلها عند الطيران . والمعنى واضمم يدك الى جنبك تحت العضد { تخرج } [ تابيرون آيد جواب ] { بيضا } [ درحالتى كه سفيد وروشن ] حال من الضمير فيه { من غير سوء } حال من الضمير فى بيضاء اى كائنة من غير عيب وقبح كنى به عن البرص كما كنى بالسوءة عن العورة لما ان الطباع تعافه وتنفر عنه - روى - ان موسى عله السلام كان اسمر اللون فاذا ادخل يده اليمنى تحت ابطه الايس واخرجها كان عليها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر ويسد الافق ثم اذا ردها الى جنبه صارت الى لونها الاول بلا نور ويريق { آية أخرى } اى معجزة اخى غير العصا وانتصابها على الحالية من الضمير فى بيضاء .
لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)
{ لنريك } اى فعلنا ما فعلنا من قلب العصا حية وجعل اليد بيضاء لنريك بهاتين الآيتين { من آياتنا الكبرى } اى بعض آياتنا الكبرى فكل من العصا واليد من الآيات الكبرى وهى تسع كما قال تعالى { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } وقد سبق بيانها ونظير الآية قوله تعالى فى حق نبينا عليه السلام { لقد رأى } اى محمد ليلة المعراج { من آيات ربه الكبرى } والفرق بين آيات موسى وآيات نبينا عليهما السلام ان آيات موسى عجائب الارض فقط وآيات نبينا عجائب السموات والارض كما لا يخفى هذا هو اللائح فى هذا المقام فاعرفه . (8/96)
واعلم ان موسى عليه السلام ادخل يده فى جيبه فاخرجها بيضاء من غير سوء وهذا من كرامات اليد بعد التحقق بحقيقة الجود والكرم والسخاء والايثار فالجود عطاؤك ابتداء قبل السؤال والكرم عطاؤك ما انت محتاج اليه وبالعطاء صحت الخلة - روى - ان الله تعالى ارسل الى ابراهيم جبريل عليهما لاسلام على صورة شخص فقال له يا ابرهيم اراك تعطى الاوداء والاعداء قال تعلمت الكرم من ربى رأيته لا يضيعهم فانا لا اضيعهم فاوحى الله اليه ان يا ابرهيم انت خليلى حقا .
ومن كرامت اليد ما روى ان نبينا عليه السلام نبع الماء من بين اصابعه فى غزوة تبوك حتى شرب منه ورفعه خلق كثير ورمى التراب فى وجوه الاعداء فانهزموا وسبح الحصى فى يده : قال العطار قدس سره
داعى ذرات بود آن باك ذات ... در كفش تسبيح ازان كفتى حصات
وقبض من شاء من الاولياء فى الهواء فيفتح يده عن فضة او ذهب الى امثال هذا فاذا سمعت هذا عرفت ان كل كمال يظهر فى النوع الانسان فهو اثر عمل من الاعمال او حال من الاحوال فبين كل شيئين اما مناسبة ظاهرة او باطنة اذا طلبها الحكيم المراقب وجدها نسأل الله تعالى ان يوفقنا لصرف الاعضاء والقوى الى ما خلقت هى لاجله ويفيض علينا فضله بسجله
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)
{ اذهب } يا موسى بطريق الدعوة والتحذير { الى فرعون } وملئه بهاتين الآيتين العصا واليد لقوله تعالى فى سورة القصص { فذالك برهانان من ربك الى فرعون وملئه } واما قوله تعالى { اذهب انت واخوك بآياتى } فسيأتى معنى الجمع فيه ان شاء الله تعالى { انه ضغى } اى جاوز حد العبودية بدعوى اربوبية استقلالا لا اشتراكا كما قال { انا ربكم الاعلى } وفيه اشارة الى معنيين . احدهما ان السالك الصادق اذا بلغ مرتبة كماله يقضيه الله لدلالة عباده وتربيتهم . والثانى ان كمال الباغلين فى ان يرجعوا الى الخلق ومخالطتهم . والصبر على اذاهم ليختبروا بذلك حلمهم وعفوهم . (8/97)
فان قيل لم ارسله الله بالعصا . قلنا لان العصا من آلات الرعاة وموسى عليه السلام كان راعيا فارسله الله مع آلته وابصا كان فرعون بمنزلة الحمار فاحتاج الى العصا والضرب : وفى المثنوى
كرترا عقلست كردم لطفها ... ورزخرى آورد عام خررا عصا
آنجينان زين آخرت بيرون كنم ... كز عصا كوش وسرت برخون كنم
اندرين آخر خران ومردمان ... مى نيابند از جفاى تو امان
يك عصا آورده ام بهر ادب ... هرخرى را كونباشد مستحب
ازدهائى ميشود در قهر تو ... كازدهائى كشته در فعل وخو
ازدهائى كوهئ توبى امان ... ليك ينكر ازدهاى آسمان
اين عصا ازدوزخ آمد جاشنى ... كه هلا بكريز اندر روشنى
ورنه درمابى تو دردندان من ... مخلصت نبود زدربندان من
اين عصائى بوداين دم ازدهاست ... تانكوئى دوزخ يزدان كجاست
هر كجا خواهد خدادوزخ كند ... اوج را برمرغ دام وفخ كند
هم زدندانت برآيد دردها ... تابكوئى دوزخست وازدها
يا كند آب دهانت را عسل ... كه بكوئ كه بهشتست وحلل
ازبن دندان برو ياند شكر ... تابدانى قوت حكم قدر
يس بدندان بى كنهانرا مكز ... فكر كن ازضربت ن محترز
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25)
{ قال } موسى مستعينا بالله لما علم انه حمل ثقيل وتكليف عظيم : يعنى [ باخود انديشيدكه من ننها بافرعون ولشكر اوجكونه مقاومت توانم كرد بس ازخدا تقويت طلبيده آغاز ودعا كرد وازروى نياز كفت ] { رب } [ اى بروردكار من ] { اشرح لى صدرى } [ كشاده كردان براى من سينه مرا ] والمراد بالصدر هنا القلب لا العضو الذي فيه القلب اى وسع قلبى حتى لا يضيق بسفاهة المعاندين ولجاجهم ولا يخاف من شوكتهم وكثرتهم . (8/98)
واعلم ان شرح الصدر من نعم الله تعالى على الانبياء وكمل الاولياء وقد اخذ منه نبينا عليه السلام الحظ الاوفى لانه حصل له بصورته ومعناه اذ شق صدره فى صباوته والقى عنه العلق التى هى حظ الشيطان زمغمزه وغسر فى طست من الذهب وايضا فى البلوغ الى الاربعين لينشرح لتحمل اثقال الرسالة وفى المعراج ليتسع لاسرار الحق تعالى فجاء حاملا للاوصاف الجليلة التى لا توصف من الحلم والعفو والصبر والكف واللطف والدعاء والنصيحة الى غير ذلك .
وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26)
{ ويسر امرى } سهل على امر التبليغ باحداث الاسباب ورفع الموانع . (8/99)
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27)
{ واحلل } وافتح . بالفارسية [ وبكشاى ] { عقدة } لكنة : وبالفارسية [ كرهى را ] { من لسانى } متعلق بالفعل وتنكير عقدة يدل على قلتها فى نفسها قالوا ما الانسان لولا اللسان الا بهيمة مرسلة او صورة ممثلة والمرؤ باصغيره قلبه ولسانه . (8/100)
يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)
{ يفقهوا قولى } اى يفهم هو وقومه كلامى عند تبليغ الرسالة فانما يحسن التبليغ من البليغ وكان فى لسانه رثة : وبالفارسية [ بستكى زبان ] من جمرة ادخلها فاه وذلك ان فرعون حمله يوما فاخذ ليحته ونتفها لما كانت مرصعة بالجواهر فغضب وقال ان هذا عدوى المطلوب وامر يقتله فقالت آسية زوجته ايها الملك انه صبى لا يفرق بين الجمر والياقوت فاحضرا بين يدى موسى بان جعل الجمر فى طست واليقاوت فى آخر فقصد الى اخذ الجوهر فامال جبرائيل يده الى الجمر فرفعه الى فيه فاحرتق لسانه فكانت منه لكنه وعجمة والى هذه القصة اشار العطار قدس سيره بقوله (8/101)
همجو موسى اين زمان رطشت آتش ما نده ايم ... طفل فرعونيم ما كام ودهان براخكرست
ولعل تبيض يده لما كانت آلة لاخذ الجمر واللحية والنتف .
فان قيل لم احترق لسان موسى ولم يحترق اصابعه حين قبض على الجمر عند امتحان فرعون .
قلنا ليكون معجزة بعد رجوعه الى فرعون بالدعوة لانه شاهد احرتاقه عنده فيكون دليلا على اعجازه كأنه يقول الكليم اخرجنى الله من عندك يا فرعون مغلولا ذا عقدة ثم ردنى اليك فصيحا متكلما واورثنى ذلك ابتلاء من ربى حال كونى صغيرا ان جعلنى كليما مع حضرته حال كونى كبيرا واورث تناول يدى الى النار آية نيرة بيضاء كشعلة النار فى اعينكم فكل بلاء حسن .
قال فى الاسئلة المقحمة لما دعا موسى بهذا الدعاء هل انحلت اى كما يدل عليه قوله قال قد اوتيت سؤلك فلما ذا قال واخى هارون هو افصح منى لسانا وقال فرعون فيه ولا يكد يبين الجواب يجوز ان يكون هارون هو افصح منه من زوالها وقول فرعون تكلم به على وجه المعاندة والاستصغار كما كما يقول المعاند لخصمه لا تقول شيأ ولا تدرى ما تقول وقالوا لشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وقالوا الهود ما جئتنا ببينة ولنبينا عليه السلام قلوبنا فى اكنة انتهى والى هذا التأويل جنح المولى ابو السعود فى الارشاد .
وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29)
{ واجعل لى وزيرا } الوزير حباء الملك اى جليسه وخاصته الذى يحمل ثقله وبعينه برأيه كما فى القاموس فاشتقاقه من الوزير بالكسر الذى هو النقل لا نه يحمل الثقل عن اميره او من الوزر محركة وهو الملجأ والمعتصم لان المير يعتصم برأيه ويلجأ اليه فى اموره والمعنى واجعل لى موازرا يعاوننى فى تحمل اعباء ما كلفته { من اهلى } من خواصى واقربائى فان الاهل خاصة الشئ ينسب اليه ومنه قوله تعالى { ان ابنى من اهلى } واهل الله خاصته كما فى الحديث « ان لله اهلين من الناس اهل القرآن وهم اهل الله » كما فى المقاصد الحسنة وهو صفة لوزير او صلة لاجعل . (8/102)
هَارُونَ أَخِي (30)
{ هارون } مفعول اول لاجعل قدم عليه الثانى وهو وزيرا للعناية به لان مقصوده الاهم طلب الوزير { اخى } بدل من هارون . (8/103)
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31)
{ اشدد به ازرى } الازر القوة والظهر اى احكم به قوتى او قوّ به ظهرى . (8/104)
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)
{ واشركه فى امرى } واجعله شريكى فى امر الرسالة حتى نتعاون على ادائها كما ينبغى . (8/105)
فان قيل كيف سأل لاخيه النبوة فانما هى باختيار الله تعالى كما قال { الله اعلم حيث يجعل رسالته } قلت ان فى اجابة الله دليلا على ان سؤاله كان بذان الله والهاما منه ولما كان التعاون فى الدين درجة عظيمة طلب ان لا يحصل الا لاخيه .
وفيه اشارة الى ان صحبة الاخيار وموازرتهم مرغوب للانبياء فضلا عن غيرهم ولا ينبغى ان يكون المرؤ مستبدا برأيه مغرورا بقوته وشكوته وينبغى ان لا يحب لاخيه ما يحب لنفسه ويجوز لنفسه الشريك فى امور المناصب ولا تحق وزارة هارون فى نبوته وقد كان اكثر انبياء بنى اسرائيل كذلك اى كان احدهم موازرا ومعينا للآخر فى تبليغ الرسالة
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33)
{ كى } غاية للادعية الثلاثة الاخيرة : والمعنى بالفارسية [ تا ] { نسبحك } تسبيحا { كثيرا } اى ننزهك عما لا يليق بك من الافعال والصفات التى من جملتها ما يدعيه فرعون . (8/106)
وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34)
{ ونذكرك } ذكرا { كثيرا } اى على كل حال ونصفك بما يليق بك من صفات الكمال ونعوت الجمال والجلال فان التعاون يهيج الرعبات ويؤدى الى تكاثر الخير وتزايره . (8/107)
قال فى التاويلات النجمية يشير الى ان للجليس الصالح والصديق الصديق أثر عظيما فى المعاونة على كثرة الطاعات والموافقة والمرافقة فى اقتحام عقبات السلوك وقطع مفاوزه : قال الحافظ
دريغ ودردكه تاين زمان ندانستم ... كه كيمياى سعادت رفيق بود رفيق
إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)
{ انك كنت بنا بصيرا } الباء متعلقة ببصيرا قدمت عليه لرعاية الفواصل اى عالما باحوالنا وان التعاون يصلحنا وان هارون نعم الوزير والمعين لى فيما امرتنى به فانه اكبر منى سنا وافصح لسانا وكان اكبر من موسى باربع سنين او بسنة على اختلاف الروايات . (8/108)
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)
{ قال } الله تعالى { قد اوتيت سؤلك يا موسى } مسئولك ومطلوبك فعلى بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز والايتاء عبارة عن تعلق ارادته تعالى بوقوع تلك المطالب وحصولها له . (8/109)
قال داود القيصرى قد سره ومن جملة كمالات الاقطاب ومنن الله عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء الادباء الامناء يحملون عنهم اثقالهم وينفذون احكامهم واقوالهم انتهى وذلك كما كان آصف بن برخيا وزير السليمان عليه السلام الذى كانت قطب وقته ومتصرفا وخليفة على العالم فظهر عنه ما ظهر من اتيان عرش بلقيس كما حكاه الله تعالى فى القرآن .
وكان انوشروان يقول لا يستغنى اجود السيوف عن الصقيل ولا اكرم الدواب عن السوط : ولا اعلم الملوك عن الوزير وفى الحديث « اذا اراد الله بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا ان نسى ذكره وان نوى خيا اعانه وان نوى شرا كفه » وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزراء كما قال « ان لى وزيرين فى الارض ابا بكر وعمر ووزيرين فى السماء جبريل واسرافيل » فكان من فى السماء يمده عليه السلام من جهة الروحانية ومن فى الارض من جهة الجسمانية قال الله تعالى { هو الذى ايدك بنصره وبالمؤمنين } فنصر الله سماوى ونصر المؤمنين ارضى وبالكل يحصل الامداد مطلقا وفى الحديث « اذا تحيرتم فى الامور فاستيعنوا من اهل القبور » ذكره الكاشفى فى الرسالة العلية وابن الكمال فى شرح الاربعين حديثا والمراد من اهل القبور الرواحنيون سواء كانوا فى الاجساد الكثيفة او اللطيفة فافهم .
ثم ان العادل يرث من النبى عليه السلام هذه الوزارة واما الظالم فيجعل له وزير سوء وهو علامة غضب الله وانتقامه : قال الشيخ سعدى قدس سره
بقومى كه نيكى بسندد خداى ... دهد خسروا عادل نيك راى
جو خواهد كه ويران كند عالمى ... كند ملك در بنجه ظالمى
: وقال الحافظ زمانه كرنه سر قلب داشتى كارش ... بدست آصف صاحب عيار بايستى
ولما كان السلطان ظل الله فى الارض ظهر مظره الحقيقة الجامعة الالهية وهو القطب الذى هو مدار العالم فكما ان للقطب وزراء من العلماء الامناء كذلك لمن هو ظله وزراء من العادلين الادباء وهذه الوزراة ممتدة الى زمن المهدى ووزراؤه سبعة هم اصحاب الكهف يجيبهم الله فى آخر الزمان يختم بهم رتبة الوزراء المهدية ومنهم الوزراء السبعة للملوك العثمانية وهم الذين يسمون بزراء القبة .
واعلم ان موسى بطريق الاشارة سلطاننافى الآفاق وروحنا فى الانفس وهارون هو الوزير ايا من كان فى الآفاق والعقل فى الانفس وفرعون هو رئيس اهل الحرب من النصارى وغيرهم والنفوس الامارة بالسوء فاذا قارن الروح بالعقل الكامل المشير المدبر وهو عقل المعاند يغلب على النفس وقواها ويخلص حصن القلب من ايديها كما ان السلطان اذا اصطفى لوزارته رجلا صالحا عادلا يغلب ان شاء الله تعالى على الاعداء ويتصرف فى بلادهم وحصونهم : وفى المثنوى
عقل تودستور مغلوب هواست ... در وجودت رهزن راه خداست (8/110)
واى آن شه كه وزيرش اين بود ... جاى هردو دوزخ بركين بود
شاد آن شاهى كه اورا دستكير ... باشد اندركار جون آصف وزير
شاه عادل جون قرين اوشود ... نام او نور على نور اين بود
جون سليمان شاه وجون آصف وزير ... نور بر نورست وعنبر بر عبير
شاه فرعون وجو هامانش وزير ... هر دورا نبود زبد بختى كزير بسبود ظلمات بعضى فوق بعض
نى خرد يارو نه دولت روز عرض ... عقل جزؤى را وزير خودمكير
عقل كل را ساز اى سلطان وزير ... مر هوارا تو وزير خود مساز
كه بر آرد جان باكت از نماز ... كمين هوا برحرص وحالى بين بود
عقل را انديشه يوم الدين بود ... وفى الحديث « من قلد انسانا عملا وفى رعيته من هو اولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين » قال الشيخ قدس سره
كسى را كه باخواجه تست جنك ... بدستش جرامى دهى جوب وسنك
سك آخركه باشدكه خوانش نهند ... بفرماى ن استخوانش نهند
مكافات موذى بمالش مكن ... كه بيخش بر آورد بايد زبن
سركرك بايد هم اول بريد ... نه جون كوشفندان مردم دريد
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37)
{ ولقد مننا عليك } من قولهم من عليه منا بمعنى انعم عليه لا من قولهم عليه منة بمعنى امتن عليه لان المنةتهدم الصنيعة . (8/111)
وفى الكبير فان قيل ذكر تلك النعم بلفظ المنة مؤذ والمقام مقاما التلطف قلنا عرفه انه لم يستحق شيأ منها بذاته وانما خصه بها بمحض التفضل والمعنى وابله لقد انعمنا عليك يا موسى اكرمنا بكرامات من غير ان تسألنا { مرة اخرى } فى وقت ذى مر وذهاب اى وقتا غير هذا الوقت فان اخرى تأنيث آخر بمعنى غير والمرة فى الاصل اسم للمر الواحد الذى هو مصدر قولك مريمر مرا ومرورا اى ذهب ثم اطلق على فعلة واحدة من الفعلات متعدية كانت او لازمة ثم شاع فى كل فرد واحد من افراد ماله افراد متحدة فصار علما فى ذلك حتى جعل معيارا لما فى معناه من شائر الاشياء فقيل هذا بناء المرةويقرب منها الكرة والتارة والدفعة والمراد به ههنا الممتد الذى وقع فيه ما سيأتى ذكره من المنن العظمية الكثيرة .
إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38)
{ اذا اوحينا الى امك } ظرف لمننا والمراد من هذا الوحى ليس الوحى الواصل الى الانبياء لان ام موسى ما كانت من الانبياء فان المرأة لا تصلح للامارة والقضاء فكيف تصلح للنبوة بل الالهام كما فى قوله تعالى { واوحى ربك الى النحل } بان اوقع الله فى قلبها عزيمة جازمة على ما فعلته من اتخاذ التابوت والقذف . (8/112)
قال فى الاسئلة المقحمة كيف يجوز لها ان تلقى ولدها فى البحر وتخاطر بروحه بمجرد الالهام والجواب كانت مضطرة الى ركوب احد الخطرين فاختارت له خير الشرين انتهى والظاهر ان الله تعالى قدر انها تكون صدف درة وجود موسى فكما ان الصدف يتنور بنور الدرة نور صدر امه ايضا بنور الوحى من تلألؤ انوار نبوته ورسالته فهذا الالهام من احوال الخواص من اهل الحال { ما يوحى } المراد به ما سيأتى من الامر بقذفه فى التابوت والبحر ابهم اولا تهويلا له وتفخيما لشأنه عليه السلام ثم فسر ليكون اقر عند النفس .
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)
{ ان اقذفيه فى التابوت } ان مفسرة بمعنى اى لان الوحى من باب القول اى قلنا لها اقذفيه ومعنى القذف هها الوضع وفى قوله { فاقذفيه فى اليم } الالقاء وليس المراد القذف بلا تابوت واليم نيل مصر فى قول جميع المفسرين فان اليم يقع على البحر والنه رالعظيم . (8/113)
فان قيل ما الحكمة بالقاء موسى فى اليم دون غيره فيه . قلنا له جوابان بلسان الحكمة والمعرفة قيل بلسان الحكمة ان المنجمين اذا القى شئ فى الماء يخفى عليهم امره فاراد الله ان يخفى حال موسى على المنجمين حتى لا يخبروا به فرعون وقيل بلسان الحال القيه فى التلف لانجيه بالتلف من التلف قيل لها بلسان الحال سلميه الىذ صبيا اسلمه اليك نبيا وقيل انجاه من البحر فى الابتداء كذلك انجاه من البحر فى الانتهاء باغراق فرعون بالماء .
وقال بعض ارباب المعارف التابوت اشارة الى ناسوت موسى عليه السلام اى صورته الانسانية واليم اشارة الى ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم العنصرى فلما حصلت النفس فى هذا الجسم وامرت بالتصرف فيه وتدبيره جعل الله لهم هذا القوى آلات يتوصل بها الى ما اراده الله منها فى تدبير هذا التاوبت فرمى فى اليم ليحصل له بهذا القوى من فنون العلم تكميل استعداده بذلك الامر من النفس الكلية التى هى امة المعنوية وابوه الروح الكلى فكل ولد منها يأخذ استعداده بحسب القابلية فكمل لموسى الاستعداد الاصلى بذلك الالقاء من توجه النفس الكلية له : وقال المولى الجامى قدس سره
ديدم رخت آفتاب عالم ايسنت ... در طور وجود نور اعظم ايسنت
افتاد دلم اسير ثابوت بدن ... دربحر مت القى فى اليم ايسنت
{ فليلقه اليم بالساحل } لما كان القاء البحر اياه بالساحل امرا واجب الوقوع لتعلق الارادة الربانية به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع امر بذلك واخرج الجواب مخرج الامر فصورته امر ومعناه خبر والضمائر كلها لموسى والمقذوف فى البحر والملقى بالساحل وان كان التابوت اصالة لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه جعل التابوت تبعا له فى ذلك . والساحل فاعل بمعنى مفعول من السحل لانه يسحل الماء اى يقشره ويسلخه وينزع عنه ما هو بمنزلة القشر على ظاهره يقال قشرت العود نزعت عنه قشره { يأخذه عدو لى وعدو له } بالجزم جواب للامر بالالقاء وتكرير عدو للمبالغة اى دعيه حتى يأخذه العدو فانى قادر على تربية الولى فى حجر العدو ووقايته من شره بالقاء محبة منه عليه .
فان قيل كيف يجوز ان يكون مثل فرعون له رتبة معاداته تعالى حتى سمى عدو الله . قلنا معناه يأخذه مخالف لا مرى كالعدو كذا فى الاسئلة المقحمة .
قالوا ليس المراد بالساحل نفس الشاطئ بل ما يقابل الوسط وهو ما يلي الساحل من البحر بحيث يجرى ماؤه الى نهر فرعون لما روى انها جعلت فى التابوت قطعنا ووضعته فيه ثم احكمته القير وهو الزفت لئلا يدخل فيه الماء والقته فى اليم وكان يدخل منه الى بستان رعون نهر فدفعه الماء اليه فاتى به الى بركة فى البستان وكان فرعون جالسا ثمة مع آسية بنت مزاحم فامر به فاخرج ففتح فاذا هو سبى اصبح الناس وجها ولما وجده فى اليم عنده الشجر سماه موسى و « مو » هو الماء بالقبطية و « سا » هو الشجر واحبه حبا شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عند وذلك قوله تعالى { وألقيت عليك محبة } عظيمة كائنة { منى } قد زرعتها فى القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك ولذا احبك عدو الله وآله - روى - انه كان على وجهه مسحة جمال وفى عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه . (8/114)
ماه زيباست ولى روى تو زيباتر ازوست ... جشم نركس جه كنم جشم تورعناتر ازوست
وفى التأويلات النجمية { والقيت عليك محبة } من محبتى ليحبك بمحبتى من احبنى بالتحقيق ويحبك عدوى وعدوك وعدوك بالقتليد كما ان آسية احبته بحب الله على التحقيق وفرعون احبه لما الفى الله عليه محبته بالتقليد ولما كانت محبة فرعون بالقليد فسدت وبطلت بادنى حركة رآها من موسى ولما كانت محبة آسية بالتحقيق ثبتت عليها ولم تتغير وهكذا يكون ارادة اهل التقليد تفسد بادنى حركة لا تكون على وفق طبع المريد المقلد ولا تفسد ارادة المريد المحقق بابكر حركة تخالف طبعه وهواه وهو مستسلم فى جميع الاحوال
نشان اهل خدا عاشقى وتسلمست ... كه درمريد شهر اين نشان نمى بينم
{ ولتصنع على عينى } عطف علىعلة مضمرة لا لقيت اى ليتعطف عليك ولتربى بالحنو والشفقة ويحسن اليك وانا راقبك ومراعيك وحافك كما يراعى الرجل الشئ بعينه اذا اعتنى به من قولهم صنع اليه معروفا اذا احسن اليه . وعينى حال من الضمير المستتر فى لتصنع لا صلة له جعل العين مجازا عن الرعاية والحراسة بطريق اطلاق اسم السبب على المسبب فان الناظر الى الشئ يحرسه مما لا يريد فى حقه ويراعيه حسبما يريد فيه .
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من ادركته العناية الازلية يكون فى جميع حالاته منظور نظر العناية لا يجرى عليه امر من امور الدنيا والآخرة الا وقد يكون له فيه صلاح وتربية الى ان يبلغه درجة ومقاما قد قدر له .
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)
{ اذ تمشى اختك } مريم ظرف لتصنع على ان المراد به وقت وقع فيه مشيها الى بيت فرعون وما ترتب عليه من القول والرجع الى امها وتربيتها له بالبر والحنو وهو المصداق لقوله { ولتصنع على عينى } اذ لا شفقة اعظم من شفقة الام . (8/115)
قال ابن الشيخ تقييد التربية بزمان مشى اخته صحيح لان التربية انما وقعت زمان المشى ورده الى امه { فتقول } اى لفرعون وآسية حين رأتهما يطلبان له مرضيعة يقبل ثديها وكان لا يقبل ثديا وصيغة المضارغ فى الفعلين لحكاية الحال الماضية اى قالت { هل ادلكم } [ آيا دلالت كنم شمارا ] اى حاضران { على من يكفله } [ بركسى كه تكفل اين طفل كند واورا شير دهد ] اى يضمه الى نفسه ويربيه وذلك انما يكون بقبول ثديها - يروى - انه فشا الخبر بمصر ان آل فرعون اخذوا غلاما من النيل لا يرضع ثدى امرأة واضطروا الى تتبع النساء فخرجت مريم لتعرف خبره فجاءتهم منكرة فقالت ما قالت وقالوا من هى قالت امى قالوا ألها لبن قالت نعم لبن اخى هارون فجاءت بها فقبل ثديها { فرجعناك الى امك } الفاء فصيحة معبة عن محذوف قبلها يعطف عيها ما بعدها اى فقالوا دلينا عليها فجاءت بامك فرجعناك اليها اى رددناك : وبالفارسية [ بس بازكردانيديم ترابسوى ما درتو وبوعده وفاكرديم ] وهو قوله { انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين } وذلك لان الهامها كان من الهام الخواص الذى بمنزلة الوحى فلا تستبعد عليها هذه المكالمة المعنوية ويجوز ان يكون ذلك من قبيل الاعلام بالمبشرة { كى تقر عينها } [ تاشايدكه روشن شود جشم مادر بلقاء تو ] .
وقال بعضهم تطيب نفسها بلقائك يقال قرت عينه اذا بردت نقيض سخنت هذه اصله ثم استعير للسرور وهو المراد ههنا كما فى بحر العلوم { ولا تحزن } على فقدك : وبالفارسية [ واندوهناك نكردد بفراق تو ] .
قال فى الكبير فان قيل { ولا تحزن } فضل لان السرور يزيل الغم لا محالة قلنا تقر عينها بوصولك اليها ولا تحزن بوصول لبن غيرها الى باطنك انتهى .
وفى الارشاد اى لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك والا فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين فان التخلية مقتدمة على التحلبة انتهى .
يقول الفقير الواو لمطلق الجمع وايضا ان الثانى لتأكيد الاول فلا يرد ما قالوا { وقتلت نفسا } هى نفس القبطى الذى استغاثه الاسرائلى عليه كما يأتى فى سورة القصص { فنجيناك من الغم } اى غم قتله خوفا من عقاب الله بالمغفرة ومن اقتصاص فرعون بالانجاء منه بالمهاجرة الى مدين { وفتناك فتونا } الفتنة والفتون المحنة وكل ما شق على الانسان وكل ما يبتلى الله به عباده فتنة ولا يطلق الفتان على الله لانه صفة ذم عرفا واسماء الله توقيفية .
فان قيل كيف يجوز ذكر الفتن عند ذكر النعم . (8/116)
قلنا لافتنة تشديد المحنة ولما اوجب تشديد المحنة كثرة الثواب عده الله فى النعم ألا ترى الى قوله عليه السلام « ما او ذى نبى مثل ما اوذيت » وقد فسره البعض بقوله ما صفى نبى مثل ما صفيت والمعنى ابتليناك ابتلاء .
وقال بعضهم ضحناك بالبلاء طحنا : وبالفارسية [ وبيازموديم ترا آزمودنى يعنى ترادر بوثة بلاها افكنديم وخالص بيرون آمدى ] ومن ابتلائه قتله القبطى ومهاجرته من الوطن ومفارقة الاحباب والمشى راجلا وفقد الزاد ونحو ذلك مما وقع قبل وصوله الى مدين بقضية الفاء الآتية .
وفى التأويلات النجمية منها فتنة صحبتك مع فرعون وتربيتك مع قومه فحفظناك من التدين بدينهم .
ومنها فتنة قتل نفس بغير الحق وفرارك من فرعون بسبب قتل القبطى فنجوت منها .
ومنها ابتليناك بابنتى شعيب واحتياجهما اليك فى سقى غنمهما فلولا حفظاك لملت اليهما ميل البشر للنساء .
ومنها ابتليناك بخدمة شعيب وصحبته وستاجاره فوفقناك للخروج من عهدة حقوقه وعهوده .
قال بعض الكبار اختبره فى مواطن كثيرة ليتحقق فى نفسه صبره على ما ابتلاه به فاول ما ابتلاه الله به قتل القبطى بما الهمه الله فى سره وان يعلم بذلك الالهام ولكن كان فيه علامة ذلك وهو ان لم يجد فى نفسه مبالاة بقتله فعدم مبالاته بقتله مع عدم انتظاره الوحى علامة كونه ملهما به فى السر ولا ينبغى ان يعتريه وحشة عظيمة من ذلك الفعل . وانما قلنا انه عليه السلام كان ملهما فى قتل القبطى لان باطن النبى معصوم من ان يميل الى امر ولم يكن مأمورا به من عند ربه وان كان فى السر ولكون النبى معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى يخبر بان ذلك الامر مأمور به فى السر اراه الخضر حين قصد تنبيهه على ما ذهل عنه من كونه ملهما بقتل القبطى قتل الغلام فانكر عليه قتله ولم يتذكر قتله القبطى فقال له الخضر ما فعلته عن امرى ينبهه على مرتبته قبل ان ينبأ انه كان معصوم الحركة فى قتله فى نفس الامر وان لم يشعر بذلك واراه ايضا حرق السفينة الذى ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب جعل له ذلك فى مقابلة التابوت الذى كان فى اليم مطبقا عليه فان ظاهره هلاك وباطنه نجاة وانما فعلت به امه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون ان يذبحه مع الوحى الذى الهمها الله من حيث لا تشعر فوجدت فى نفسها انها ترضعه فاذا خافت عليه القته فى اليم وغلب على ظنها ان الله ربما رده اليها لحسن ظنها به وقالت حين الهمت ذلك لعل هذا هو الرسول الذى يهلك فرعون والقبط على يده فعاشت وسرت بهذا التوهم والظن بالنظر اليها اذ لم يكن عندها دليل يفيد العلم بذلك وهذا التوهم والظن علم باعتبار ان متعلقه حق مطابق للواقع متحقق فى نفس الامر { فلبثت سنين } عشر سنين { فى اهل مدين } اى عند شعيب لرعى الاغنام لان شعيبا انكحه بنته صفوراء على ثمانى مراحل من مصر وذكر اللبث دون الوصول اليهم اشارة الى مقاساة شدائد اخرى فى تلك السنين كايجار نفسه ونحوه مما كان من قبيل الفتون .
وفى التأويلات النجمية { فلبثت سنين فى اهل مدين } لتستحق بتربية شعيب وملازمته النبوة والرسالة : قال الحافظ (8/117)
شبان وادى ايمن كهى رسد بمراد ... كه جند سال بجان خدمت شعيب كند
يقول الفقير انظر كيف ان الله تعالى جعل فى الامر المكروه امرا محبوبا فان قتل القبطى ساق موسى الى خدمته شعيبا الى ان استعد للنبوة وقس على هذا ما عداه واذا كانت النبوة مما يقدم لها الخدمة مع كونها اختصاصا الهيا فما ظنك بالولاية { ثم جئت } اى الوادى المقدس بعد ضلال الطريق وتفرق الغنم فى الليلة المظلمة ونحوها { على قدر } تقدير قدرته لان اكلمك واستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر او على مقدار من السن يوحى فيه الى الانبياء وهو رأس اربعين سنة وفى الحديث « ما بعث الله نبينا الا على رأس اربعين سنة » كما فى بحر العلوم واورده البعض فى الموضوعات لان عيسى عليه السلام نبئ ورفع الى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين ونبئ يوسف عيله السلام فى البئر وهو ابن ثمانى عشر وكذا يحيى عليه السلام اوتى الحكم وهو صبى فاشتراط الاربعين فى حق الانبياء ليس بشئ كما فى المقاصد الحسنة { يا موسى } كرره تشريفا له عليه السلام وتنبيها على انتهاء الحكاية التى هى تفصيل المرة الاخرى التى وقعت قبل المرة المحكية .
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)
{ واصطنعتك لنفسى } تذكير لقوله وانا اخترتك اى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى فهو تمثيل لما اعطاه تعالى من الكرامة العظمة بتقريب الملك بعض خواصه واصطناعه لنفسه وترشيحه لبعض اموره الجليلة . (8/118)
وقال الكاشفى [ وترا بركزيديم وخالص ساختيم براى محبت خوديعنى ترا دوست كرفتيم ] .
وفى حواشى ابن شيخ اى اخترك لتحبنى وتتصرف على ارادتى ومحبتى وتشتغل بما امرتك من اقامة حجتى وتبليغ رسالى وان تكون فى حركاتك وسكناتك لوجهى لنفسك ولا لغيرك . والاصطناع افتعال من الصنع بالضم وهو مصدر قولك صنع اليه معروفا واصطناع فلان اتخاذه صنيعا محسنا اليه بتقريبه وتخصيص بالتكريم والاجلال .
عن القفال قال اصطنعتك اصله من قولهم اصطنع فلان فلانا اذا احسن اليه حتى يضاف اليه فيقال هذا صنيع فلان كما يقال هذا جريح فلان .
وفى القاموس واصنعتك لنفسى اخترك لخاصة امر استكفيكه انتهى وحقيقته جعله عليه السلام مرآة قابلة لانوار صفات الجمال والجلال .
وفيه اشارة الى ان الخواص انما خلقوا لاجل هذا المعنى الخاص واما غيرهم فبعضهم للدنيا وبعضهم للآخرة فالخواص هم عباد الله حقا وقد تخلصوا من شوب الميل الى الباطل وهو ما سوى الله تعالى : قال لبيد
ألا كل شئ ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وفى الحديث « اذا احب الله عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه » فالصبر تجرع المرارات عند نزول المصيبات والرضى سرور القلب بمر القضايا فالعبد الذى أراد الله اصطفاءه يجعله فى بوتقة البلاء اولا فيخلص جوهره مما سواه فطريق هذا المنزل صعب جدا : قال المولى الجامى
مكوكة قطع بيابان عشق آسانست ... كه كوههاى بلا ريك آن بيابانست
اللهم اجعلنا من الصابرين الشاكرين الراضين الواصلين .
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42)
{ اذهب انت } يا موسى والذهاب المضى يقال ذهب بالشئ واذهبه ويستعمل ذلك فى الاعيان والمعانى قال تعالى { انى ذاهب الى ربى } وقال { فلما ذهب عن ابرهيم الروع } { واخوك } اى وليذهب اخوك هارون حسبما استدعيت عطف عليه لانه كان غائبا عن موسى وقتئذ . والاخوة المشاركة فى الولادة من الطرفين او من احدهما او من الرضاع ويستعار الاخ لكل مشارك لغيره فى القبلة او فى الدين او فى صنعة او فى معاملة او فى مودة او فى غير ذلك من المناسبات { بآياتى } بمعجزاتى والباء للمصاحبة لا للتعدية اذ المراد ذهابهما الى فرعون ملتبسين بالآيات متمسكين بها فى اجراء احكام الرسالة واكمال امر الدعوة لا مجرد اذهابهما وايصالهما اليه . (8/119)
قال ابن عباس رضى الله عنهما يريد الآيات التسع التى انزلت عليه وان كان وقوع بعضها بالفعل مترقبا بعد . ويحتمل ان يكون الجمع للتعظيم والمراد العصا واليد . او لما ان اقل الجمع عند الخليل اثنان يعنى ان اطلاق الآيات على الآيتين وارد على الادنى { ولاتينا } لا تفترا : وبالفارسية [ وسستى ميكنيد ] من ونى ينى ونبا فهو وان مثل وعد يعد وعدا فهو واعد بمعنى فتريفتر فتورا { فى ذكرى } اى فى مداومته على كل حال لسانا وجنانا فانه آلة لتحصيل كل المقاصد فان امرا من الامور لا يتمشى لاحد الا بذكرى فالفتور فى الامور بسبب الفتور فى ذكر الله وهو تذكير لقوله { كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا } قال بعضهم الحكمة فى هذا التكليف فان من ذكر جلال الله تعالى وعظمته استخف غيره فلا يخاف احدا غيره فيتقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف فى مقصود .
قال مرجع طريقتنا الجلوتية بالجيم حضرة الهدايى قدس سره التوحيد قبل الوعظ باعث لاصغاء السامين وموجب للتأثير بعون الله الملك القدير .
وفى العرائس لا تغيبا عن مشاهدتى باشتغالكما بامرى حتى تكونا فاترين بى عنى .
وفى الارشاد فى ذكرى اى بما يليق بى من الصفات الجليلة والافعال الجميلة عند تبليغ رسالتى والدعاء الىّ انتهى .
يقول الفقير اهل الشهود ليسوا بغائبين عن المشهود .
ففى الآية اشارة الى ادامة الاوراد وتنبيه للطالبين فى الجد والاجتهاد ونعم ما قيل
يا خاطب الحوراء فى حسنها ... شمر فتقوى الله فى مهرها
وكن مجد ولا تكن وانيا ... وجاهد النفس على صبرها
قال الخجندى
بكوش تا بكف آرى كليد كنج وجود ... كه بى طلب نتوان يافت كوهر مقصود
وقال المولى الجامى
بى طلب نتوان وصالت يافت آرى كى دهد ... دولت حج دست جز راه بيابان برده را
وقال الحافظ
مقام عيش ميسر نميشود بى رنج ... بلى بحكم بلا بسته اند حكم ألست
- روى - انه تعالى لما نادى موسى بالواد المقدس وارسله الى فرعون واعطاه سؤله انطلق من ذلك الموشع الى فرعون وشيعته الملائكة يصافحون وخلف اهله فى الموضع الذى تركهم فيه [ درتيسير آورده كه كسان موسى شب انتظار بردند ونيامد وروز نيز ازوى خبرى نيافتند دران اصحرا متحير بماندند ] فلم يزالوا مقيمين فيه حتى مر بهم راع من اهل مدين فعرفهم فحملهم الى شعيب فمكثوا عند حتى بلغهم خبر موسى بعد ما جاوز ببنى اسرائيل البحر وغرق فرعون قومه وبعث بهم شعيب الى موصى بمصر .
ففيه اشارة الى ان المؤمن اذا عرض له الامر ان امر الدنيا وامر الآخرة يختار امر الآخرة فانه امر الله تعالى ألا ترى ان موسى عليه السلام لم ينظر وراءه حين امر بالذهاب الى فرعون ولم يلتفت الى الاهل والعيال بل ولم يخطر بباله سوى الحكم الفعال اذ يكفيه ان الله خليفته فى كل امر من اموره وقت غيبته وحضوره ومثله ابراهيم عليه السلام حين ترك اسماعيل وامه هاجر بارض مكة وهى يومئذ ارض فقر ولا ماء بها ولا نبات امتثالا لامر الله تعالى من غير اعتراض وانقباض وهكذا تكون المسارعة فى هذا الباب . (8/120)
وسمعت من شيخى وسندى قدس سرده انه نام نومة الضحى يوما فى مدينة فلبه من البلاد الرومية فامر بالهجرة الى مدينة قسطنطينية فلما استيقظ توضأ وصلى فلم يلبث لحظة حتى خرج راجلا وترك الاهل والعيال فى تلك المدينة حتى كان ما كان على ما استوفيناه فى كتابنا الموسوم بتمام الفيض : قال الحافظ
خرم آن روزكه زين مرحله بربندم رخت ... وزسر كوى توبرسند رفيقان خبرم
اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43)
{ اذهبا الى فرعون } هذا الخطاب اما بطريق التغليب او بعد ملاقاة احدهما الآخر وتكرير الامر بالذهاب لترتيب ما بعده عليه . وفرعون اسم اعجمى لقب الوليد بن مصعب صاحب موسى وقد اعتبر غوايته فقيل تفرعن فلان اذا تعاطى فعل فرعون وتخلق بخلقه كما يقال ابلس وتبلس ومنه قيل للطغاة الفراعنة والابالسة { انه طغى } الطغيان مجاوزة الحد فى العصيان اى تجاوز حد العبودية بدعوى الربوبية . (8/121)
قال فى العرائس امر الله موسى وهارون عليهما السلام بالذهاب الى فرعون لقطع حجته واظهار كذبه فى دعواه وهذا تهديد لكل مدع لا يكون معه نبيه من الله فى دعواه والحكمة فى ارسال الانبياء الى الاعداء ليعرفوا عجزهم عن هداية الخلق الى الله ومن يعجز عن هداية غيره فايضا يعجز عن هداية نفسه كالطبيب العاجز عن معالجة الغير فانه عاجز عن معالجة نفسه ايضا وليعلموا ان الاختصاص لا يكون بالاسباب ويشكروا الله بما انعم عليهم بلطفه وربما يصطادون من بين الكفرة من يكون له استعداد بنظرالغيب مثل حبيب النجار والرجل من آل فرعون وامرأة فرعون والسحرة .
قال ابن عطاء الاشارة الى فرعون وهو المبعوث بالحقيقة الى السحرة فان الله يرسل انبياءه الى اعدائه ولم يكن لاعدائه عنده من الخطر ما يرسل اليهم انبياءه ولكن يبعث الانبياء اليهم ليخرج اولياءه المؤمنين من اعدائه الكفرة
حافظ ازبهر تو آمد سوى اقليم وجود ... قدمى نه بوداعش كه روان خواهدشد
وفى التأويلات النجمية اعلم ان فائدة اتينهما ورسالتهما الى فرعون وتبليغ الرسالة كانت عائدة الى موسى وهارون لنفسها لا الى فرعون فى علم الله تعالى فالحكمة فى ارسالهما ان يكونا رسولين من ربهما مبلغين منذرين لتحقق رسالتهما وينكرها فرعون ويكفر بهما ليتحقق كفره كما قال { ليهلك من هلك من بينة ويحيى من حى عن بينة }
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)
{ فقولا له قولا لينا } اى كلماه باللين والرفق من غير خشونة ولا تعنيف ويسرا ولا تعسرا فانه ما دخل الرفق فى شئ الا وقد زانه وما دخل الخرق فى شئ الا وقد شانه وكان فى موسى حدة وصلابة وخشونته بحيث اذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا فعالج حدته وخشونته باللين ليكون حليما وهو معنى قول من قال طبع الحبيب كان على اللين والرحمة فلذا امر بالغلظة كما قال تعالى { واغلظ عليهم } تحققا بكمال الجلال وطبع الكليم على الشدة والحدة والصلابة فلذا امر بالقول اللين تحققا بكمال الجمال وقد قال عليه السلام « تخلقوا باخلاق الله » فالخطاب خطاب الامر بالتخلق جمالا وجلالا فكل واحد منهما اوفق بمقامه وايضا ان فرعون كان من الملوك الجبابرة ومن عادتهم ان يزدادوا عتوا اذا خوشنوا فى الوعظ فاللين عندهم انفع واسلم كما ان الغلظة بل هاج غضبه فلعله يقصد موسى بضرب او قتل ففائدة اللين عائدة الى موسى . (8/122)
وفى الاسئلة المقحمة انما امرهما بذلك لانه كان ابتداء حال الدعوة وفى ابتداء الحال يجب التمكين والامهال لينظر المدعو فيما يدعى اليه كما قال لنبينا عليه السلام « وجادلهم بالتى هى احسن » قيل امهلهم لينظروا ويستدلوا فبعد ان ظهر منهم التمرد والعناد فحينئذ يتوجه العنف والتشديد ويختلف ذلك باختلاف الاحوال انتهى فكل من اللين والخشونة يمدح به طورا ويذم به طورا بحسب اختلاف الواقع وعليه يحمل نحو قوله عليه السلام « لا تكن مرا فتعقى ولا حلوا فتسترط » يقال اعقيت الشئ اذا اذلته من فيك لمرارته وساتراطه ابتلاعه ومن امثال العرب لا تكن رطبا فتعصر ولا يابسا فتكسر وذلك لان خير الامور اوسطها ورعاية مقتضى الحال قاعدة الحكيم : قال الشيخ سعدى قدس سره
جو نرمى كنى خصم كردد دلير ... وكر خشم كيرى شوند ازتوسير
درشتى ونرمى بهم در بهست ... جورك زن كه جراح ومرهم نهست
وقيل امر الله موسى باللين مع الكافر مراعاة لحق التربية لانه كان رباه فنبه به على نهاية تعظيم حق الابوين .
وفى الاحياء سئل الحسن عن الولد كيف يحتسب على والده فقال يعظه ما ليغضب فاذا غضب سكت فعلم منه انه ليس للولد الحسبة على الوالد بالتعنيف والضرب وليس كذلك التمليذ مع الاستاذ الا حرمة لعالم غير عامل . وقيل امر موسى بالليل ليكون حجة على فرعون لئلا يقول اغلظ على القول فى دعوته .
وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ رحمه الله هذه الآية فبكى وقال الهى هذا رفقك بما يقول انا الاله فكي فيمن يقول أنت الاله { لعله يتذكر } [ شايد او بندكير ] { او يخشى } [ يابترسد ازعذاب خدى ] كما قال فى الارشاد لعله يتذكر بما بلغتماه من ذكرى ويرغب فيما رغبتماه فيه او يخشى عقابى وكلمة او لمنع الخلو انتهى .
وقال بعضهم الرجاء والطمع راجعان الى مال موسى وهارون والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم والخشية خوف يشوبه تعظيم واكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ولذلك خص العلماء بها فى قوله { انما يخشى الله من عباده العلماء } اى قولا له ذلك راجيين ان يترك الاصرار على انكار الحق وتكذيبه اما بان يتذكر ويتعظ ويقبل الحق قلبا وقالبا او بان يتوهم انه حق فيخشى بذلك من ان يصر على الانكار ويبقى مترددا ومتوقفا بين الامرين وذلك خير بالسنبة الى الانكار والاصرار عليه لانه من اسباب القول ولقد تذكر فرعون وخشى حين لم ينفعاه وذلك حين الجمه الغرق { قال آمنت انه لا اله الا الذى آمتنت به بنوا اسرائيل وانا من المسلمين } - روى - ان موسى وعده على قبول الايمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع منه الا بالموت ويبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح الى حين موته فاذا مات دخل الجنة فاعجبه ذلك وكان هامان غائبا وهو لا يقطع امرا بدونه فلما قدم اخبره بما قال له موسى وقال اردت ان اقبل منه يا هامان فقال له هامان كنت ارى ان لك عقلا ورأيا انت الآن رب تريد ان تكون مربوبا فابى عن الايمان . وفائدة ارسالهما اليه مع علمه تعالى بانه لا يؤمن الزام الحجة وقطع المعذرة لان عادة الله التبليغ ثم التعذيب . (8/123)
قال بعض ارباب الحقيقة الامر تكليفى وارادى والارادة كثيرا ما تكون مخالفة للامر التكليفى فالرسل والورثة فى خدمة الحق من حيث امره التكليفى وليسوا فى خدمته من حيث الامر الارادى ولو كانوا خادمين للارادة مطلقا لما ردوا على احد فى فعله القيح بل يتركونه على ما هو عليه لانه هو المراد ولما كان لعين العاصى الثابت فى الحضرة العلمية استعداد التكليف توجه اليه الامر التكليف وليس لتلك العين استعداد الاتيان المأمور ربه فلا يتحقق منه المأمور به ولهذا تقع المخالفة والمعصية . فان قلت ما فائدة التكليف والامر بما يعلم عدم وقوعه . قلت فائدته تمييز من له استعداد القبول من ليس له استعداد ذلك لتظهر السعادة والشقاوة واهلهما انتهى : قال الحافظ
درين جمن مكنم سرزتش بخود رويى ... جنانكه برورشم ميدهند مى رويم
قال فى بحر العلوم ان الله قد علم كل شئ على ما هو عليه والعلم تبع للمعلوم وعلمه بان فرعون لا يؤمن باختياره لا يخرجه عن حيز الامكان ولذلك امرهما بدعوته والرفق فيها وفى قوله { لعله يتذكره او يخشى } دلالة ظاهرة على ان لقدرة العبد تأثير فى افعاله وفى افعال غيره وانه ليس بمجبور فيها كما زعم الاشعرى حيث قال لا تأثير لقدرة العبدة فى افعاله بل هو مجبور والالم يثبت له التذكير والخشية بقول موسى .
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)
{ قال ربنا } قال فى الارشاد اسند القول اليهما مع ان القائل حقيقة وهو موسى بطريق التغليب ايذانا باصالته فى كل قول وفعل وتبعية هارون له فى كل ما يأتى وما يذر - وروى - ان موسى انطلق من الطور الى جانب مصر لا علم له بالطريق وليس له زاد ولا حمولة ولا صحبة ولا شئ الا العصا يظل صاديا ويبيت طاويا يصيب من ثمار الارض ومن الصيد شيأ قليلا حتى ورد ارض مصر . (8/124)
قال الكاشفى [ جون بمصر توجه فرمود وحى آمد بهارون كه باستقبال برادر براه مدين دوان شود بس در اثناى طريق ملاقات فرمودند وموسى شرح احوال بتمامى باز كفت هارون كفت اى برادر شوكت وعظمت ازانجه ديده زيادة شد وبأدنى سبى حكم بقطع وقتل وصلب ميكند موسى انديشناك شد وهردو برادر باتفاق كفتند اى بروردكار ما ] { اننا نخاف } الخوف توقع مكروه عن امارة مظنونة او معلومة كما ان الرجاء والطمع توقع محبوب عن امارة مظنونة او معلومة ويضاد الخوف الا من ويستعمل ذلك فى الامور الدنيوية والاخروية قال تعالى { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب كاستشعار الخوف من الاسد بل انما يراد به الكف عن المعاصى واختيار الطاعات { ان يفرط علينا } من فرط اذا تقدم تقدما بالقصد ومنه الفارط الى الماء اى المتقدم لاصلاح الدلواى يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر الى اتمام الدعوة واظهار المعجزة فيتعطل المطلوب من الارسال اليه . وقرئ يفرط من الافراط فى الاذية .
فان قلت كيف هذا الخوف وقد علما انهما رسولا رب العزة اليه .
قلت جريا على الخوف الذى هو مجبول فى طينه نبى آدم كما فى التأويلات النجمية يشير الى ان الخوف مركوز فى جبلة الانسان حتى انه لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة فانه لا يخرج الخوف من جبلته كما قال { ربنا اننا نخاف ان يفرط علينا } يعنى ان يقتلنا ولكن الخوف ليس بجهة القتل وانما نخاف فوات عبوديتك بالقيام لاداء الرسالة والتبليغ كما امرتنا او يتمرد بجهله ولا ينقاد لاوامرك ويسبك انتهى { او ان يطغى } اى يزداد طغيانا الى ان يقول فى شأنك ما لا ينبغى لكمال جراءته وقساوته واطلاقه حيث لم يقل عليك من حسن الادب ولما كان طغيانه فى حق الله اعظم من افراطه فى حقهما ختم الكلام به فان المتمسك بالاعذار يؤخر الاقوى ونحوه ختم الهدهد بقوله { وجدتها وقومها يسجدون للشمس } يقول الفقير يجوز ان يكون المراد يطغى علينا اى يجاوز الحد فى الاساءة الينا الا انه حذف الجار والمجرور رعاية للفواصل كما حذف المفعول لذلك فى قوله { ما ودعك ربك وما قلى } واظهار ان مع سداد المعنى بدونه للاشعار بتحقق الخوف من كل منهما .
قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)
{ قال } استنائف بيانى كأنه قيل فماذا قال لهما ربما عند تضرعهما اليه فقيل قال { لا تخافا } ما توهمتما من الامرين يشير الى ان الخوف انما يزول عن جبلة الانسان بامر التكوين كما قال { قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم } فكانت بتكوين الله ايها بردا وسلاما : وفى المثنوى (8/125)
لا تخافوا هست نزل خائفان ... هست درخور از برى خائفان
هركه ترسد مرورا ايمن كنند ... مردل ترسندرا ساكن كنند
آنكه خوفش نيست جون كوئى مترس ... درس جهدهى نيست او محتاج درس
قال ابن الشيخ فى حواشيه ليس المراد منه النهى عن الخوف لانه من حيث كونه ارما طبيعيا لا مدخلا للاختيار فيه لا يدخل تحت التكليف ثبوتا وانتفاء بل المراد به التسلى بوعد الحفظ والنصرة كما يدل عليه قوله { اننى معكما } بكمال الحفظ والنصرة فان الله تعالى منزه عن المعية المكانية { اسمع وارى } اى ما يجرى بينكما وبينه من قول وفعل فافعل فى كل حال ما يليق بها من دفع ضرر وشر وجلب نفع وخير فمن كان الله معه يحفظه من كل جبار عنيد - روى - ان شابا كان يأمر وينهى فحبسه الرشيد فى بيت وسد المنافذ لهلك فبعد ايام رؤى فى بستان يتفرج فاحضره الرشيد وقال من اخرجك ق لالذى ادخلنى البستان فقال من ادخلك قال الذى اخرجنى من البيت فتعجب الرشيد وبكى وامر له بالاحسان وبان يركب فرسا وينادى بين يديه هذا رجل اعزه الله واراد الرشيد اهانته فلم يقد رالله الا اكرامه واحترامه : قال الحافظ
هزار دشمن اكرميكنند قصد هلاك ... كرم تو دوستى از دشمنان ندارم باك
وقال الشيخ سعدى قدس سره
محالست جون دوست دارد ترا ... كه دردست دشمن كذارد ترا
واعلم ان الله تعالى حاضر مع عباده الحضور اللائق بشأنه ولا يعرف ذلك الا من اكتحلت عين بصيرته بنور الشهود ولكن شهود الوحدة الذاتية ثم اتم واعلى من شهود المعية ولذلك لا يرضى الكمل الوقوف فى مرتبة المعية بل يطلبون ان يصلوا بالفناء التام الى مقام الوحدة .
ثم اعلم ان موسى وهارون عليهما السلام التجئا الى حضرة الربوبية بكمال العبودية فتداركهما الله بالحفظ والعون .
قال الفقيه ابو الحسن وقع القحط ببغداد فاجتمع الناس فرفعوا قصتهم الى على بن عيسى الوزير فقرأها وكتب على ظهرها لست بسماء فاسقيكم ولا بارض فاكفيكم ارجعوا الى بارئكم .
قال ابو المعين سألت بعض النصارى عن احسن آية فى الانجيل فقال خمس كلمات « سلنى اجبك . واشكر لى ازدك . واقبل علىّ اقبل عليك واقرب منى اقرب منك . واطعنى فى الدنيا اطعك فى الآخرة » وفى المثنوى
كفت حق كر فاسق واهل صنم ... جون مراخوانى اجابتها كنم
تودعارا سخت كيرو مى شخول ... عاقبت برهاندت ازدست غول
فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)
{ فأتياه } امر اباتيانه الذى هو عبارة عن الوصول اليه بعدما امرا بالذهاب اليه فلا تكرار والاتيان مجئ بسهولة والمجيئ اعم والاتيان فقد يقال باعتبار القصد وان لم يكن منه الحصور والمجئ اعتبارا بالحصول { فقولا } من اول الامر { انا رسولا ربك } ليعرف الطاغى سؤالكما ويبنى جوابه عليه ورسولا تثنية رسول وهو فعول مبالغة مفعل بضم الميم وفتح العين بمعنى ذى رسالة اسم من الارسال وفعول هذا لم يأت الا نادرا وعرفا من بعث لتبليغ الاحكام ملكا كان او انسانا بخلاف النبى فانه مختص بالانسان { فارسل معنا بنى اسرائيل } [ بس فرست باما فرزندان يعقوبرا بارض مقدسه بازرويم كه مسكن آباه ما بوده ] كما قال فى بحر العلوم فاطلقهم وخلهم يذهبوا معنا الى فلسطين وكان مسكنهما وفلسطين بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين المهملة هى البلاد التى بين الشام وارض مصر منها الرملة وغزة وعسقلان وغيرها . (8/126)
وقال فى الارشاد المراد بالارسال اطلاقهم من الاسر والقسر واخراجهم من تحت يد العادية لا تكليفه ان يذهبوا معهما الى الشام كما ينبئ عنه قوله تعالى { ولا تعذبهم } اى بابقائهم على ما كانوا عليه من العذاب فانهم كانوا تحت مملكة القبط يستخدمونهم فى الاعمال الصعبة الفادحة من الحفر ونقل الاحجار وغيرهما من الامور الشاقة ويقتلون ذكرو اولادهم عاما دون عام ويستخدمون نساءهم .
وتوسيط حكم الارسال بين بيان رسالتهما وبين ذكر المجئ بآية دالة على صحتها لاظهار الاعتناء به لان تخليص المؤمنين من ايدى الكفرة اهم من دعوتهم الى الايمان كما قيل . والعذاب هو الايجاد الشديد وقد عبذه تعذيبا اى اكثر حبسه فى العذاب وصاله من قولهم عذب الرجل اذا ترك المأكل والنوم فهو عاذب وعذوب فالتعذيب فى الاصل هو حمل الانسان على ان يعذب اى يجوع ويسهر وقيل اصله من العذب فعذبه ازلت عذب حياته على بناء مرّضته وفدّيته وقيل اصل التعذيب اكثار الضرب بعذبة السوط اى طرفه { قد جئناك بآية من ربك } [ بدرستى كه آورده ايم نشانى يعنى معجزه ازبروردكارتو ] وتوحيد الآية مع تعددها لان المراد اثبات الدعوى ببرهانها لا بيان تعدد الحجة فكأنه قال قد جئناك ببرهان على ما ادعيناه من الرسالة { والسلام } اللام لتعريف الماهية والسلامة التعرى من الآفات الظاهرة والباطنة والمراد هنا اما التحية فالمعنى والتحية المستتبعة بسلامة الدارين من الله والملائكة اى خزنة الجنة وغيرهم من المسلمين { على من اتبع الهدى } بتصديق آيات الله الهادية الى الحق فاللام على اصلها كما فى سلام عليكم يقال تبعه واتبعه قفا اثره وذلك تارة بالجسم وتارة بالارتسام والامتثال وعلى ذلك قوله { فمن تبع هدى فلا خوف عليهم } واما السلامة فعلى بمعنى اللام كعكسه فى قوله تعالى { ولهم اللعنة } اى عليهم اللعنة .
قال فى التأويلات سلم من استسلم واتبع هدى الله تعلى وهو ما جاء به انبياؤه عليهم السلام .
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)
{ انا قد اوحى الينا } من جهة ربنا واصل الوحى الاشارة السريعة وذلك قد يكون بالكلام الخفى على لسان جبريل وقد يكون بالالهام وبالمنام والوحى الى موسى بوساطة جبريل والى هارون بوساطته ووساطة موسى { من العذاب } اى كل العذاب لانه فى مقابله السلام اى كل السلام وهو العذاب الدنيوى والاخروى الدائم لان العذاب المتناهى كلام عذاب فلا يرد انه يلزم قصر العذاب على المكذبين مع ان غيرهم قد يعذبوا { على من كذب } بآياته تعالىوكفر بما جاء به الانبياء عليهم السلام والكذب يقال فى المقال وفى الفعال { وتولى } اذا عدى بعن لفظا او تقديرا اقتضى معنى الاعراض وترك الولى اى القرب فالمعنى اعرض من قبولها بمتابعة الهوى وفيه من التلطيف فى الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به مالا مزيد عليه . (8/127)
يقول الفقير ان كلا من تكذيب الرسول والحقائق سبب العذاب والهوان مطلقا فكفار الشريعة كفار الرسول والحقائق جميعا فلهم عذاب جسمانى وروحانى وكفار الحقيقة كفار الآيات الحقيقية فلهم هوان معنوى فالنعيم والعزة فى الاطاعة والاتباع والاستسلام كما ان الجحيم والذل فى خلافها - حكى - ان بعض السادات لما رأى عبد الله ابن المبارك فى عزة ورفعة مع جماعة قال انظروا الى حال آل محمد وعزة ابن المبارك فقال ابن المبارك ان سيدنا لما لم يراع سنة جده ذل وابن المبارك لما اطاع النبى عليه السلام وسار سيرته اعطاه الله عزا وشرفا .
واعلم ان عزة فرعون وشرفه انقلبا ذلا وهو انا بسبب تكذيب موسى واعراضه عن قبول دعوته وهامان وان كان سببا صوريا فى امتناعه عن القبول ونكوله عن الانقياد لكن لم يكن له فى اصل جبلته استعداد لقبول الحق فلا يغرنكم عزة الدنيا مع عدم الاطاعة لانه ينقلب يوما ذلا وخسرانا وكثيرا ما وقع فى الدنيا ورأيناه فاقبل النصيحة مع مداومة مجلس العلم والا فعند ظهور الحق ووجود الاستعداد والقابلة لا يبقى غير الاستسلام وان منعه العالم باسرهم عن ذلك ألا ترى ان النجاشى ملك الحبشة لما علم علما جازما ان الرسول حق اتبعه من غير خوف من احد من العالمين ومبالاة لكلام احد فى ذلك فنجا من العذاب نجاة ابدية ثم اعلم انه كما ان للانبياء معجزات فكذا للاولياء كرامات والعلمية منها هى التى حق اعتبارها فان الكونية مما يشترك فيه الملتان فالكرامات العلمية آيات الاولياء جاؤا بها من الله من طريق الكشف الصحيح فمن اتبع هداهم بقبول آياتهم الهادية الى عالم الحقيقة فقد سلم من الانكار مطلقا صوريا او معنويا ونجا من العذاب الداخلين والعجب ان الانبياء والاولياء مع كونهم رحمة من الله على عباده اذ لا نعمة فوق الارشاد وايصال المريدين الى المراد لم يدرجاههم اكثر الناس ولم يوفق لاتباعهم الاقل من القليل وبقى البقية كالنستاس ولذا لم يمض قرن من القرون الا والعذاب بالعصاة مقرون فانظر من انت وما بغيتك فان كنت تطلب النجاة فلا تجدها الا فى الاطاعة وخصوصا فى هذا الزمان المشوب بالجور والعدوان والفسق والعصيان والغالب على اهالية الابتلاء بانواع البلايا الموبقة وعلى تقدير الاطاعة والاتباع يلزم للمريد ان يخرج من البين ويجعل جل همه ان يصل الى عالم العين ولا يطمع فى شئ سوى الرضى الوافى والولاء الكافى .
قال حمدون القصار القائمون بالاوامر على ثلاثة مقامات . واحد يقوم اليه على العادة وقيامه قيام كسل . وآخر يقوم اليه على طلب الثواب وقيامه قيام طمع . وآخر يقوم اليه على المشاهد فهو القائم بالله لا بنفسه لفنائه عن نفسه وغيره وهذا القسم من القيام بالامر هو المؤدى الى محبة الله الموصلة الى العزة الباقية وسعادة الدارين فلا بد للعاقل من الاجتهاد : وفى المثنوى (8/128)
جهدكن تانورتو رخشان شود ... تاس سلوك وخدمتت آسان شود
كود كانرامى برى مكتب بزور ... زانكه هستندازفوائد جشم كور
جون شود واقف بمكتب مى رود ... جانش از رفتن شكفته مى شود
والله المعين فى كل حين .
قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)
{ قال } قال الكاشفى [ بس موسى وهارون بحكم حضرت الهى بدركاه فرعون آمدند وبعدازمدتى كه ملاقات او ميسر شد كفتند ما رسلولان برودكاريم وترا بعبادت او ميخوانيم وآن كلمات كه حق تعالى تلقين كرده بود ادا كردند فرعون كفت ] { فمن } استفهامية والمعنى بالفارسية [ بس كيست ] { ربكما } وقال غيره الفاء لترتيب السؤال على ما سبق من كونهما رسولى ربهما اى اذا كنتما رسولى ربكما فاخبرا من ربكما الذى ارسلكما الىّ ولم يقل فمن ربى مع قولهما { انا رسولا ربك } لغاية عتوه ونهاية طغيانه . (8/129)
قال الامام اثبت نفسه ربا فى قوله { ألم نربك فينا وليدا } فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال انا ربك فلم تدعو ربا آخر { يا موسى } خاطبهما ثم افرد موسى اذ كان يعلم ان موسى هو الاصل فى الباب وهارون وزيره وتابع له
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)
{ قال } موسى مجيبا له { ربنا } مبتدأ خبره قوله { الذى } من محض رحمته { اعطى كل شئ } من انواع المخلوقات { خلقه } اى صورته وشكله اللائق به مشتملا على خواصه ومنافعه فالمراد بالخلق المخلوق ومنه يفهم ان ضمير الجمع فى ربنا عام لموسى وهارون وفرعون وغيرهم ولم يقل ربنا الله بل وصفه بافعاله ليستدل بالفعل على الفاعل { ثم هدى } وجه كل واحد منها الى ما يصدر عنه وينبغى له طبعا كما فى الجمادات واختيارا كما فى الحيوانات وهيأه لما خلق له ولما كان الخلق الذى هو عبارة عن تركيب الاجزاء وتسوية الاجسام متقدما على الهداية التى هى عبارة عن ايداع القوى المحركة والمدركة فى تلك الاجسام وسط بينهما كلمة التراخى . (8/130)
قال بعض الكبار ان للمخلوقات كلها حياة وروحا اما صورية كما فى الانس والجن والملك ومن يتبعهم واما معنوية كما فى الجمادات والنباتات ولذا قال تعالى { وان من شئ الا يسبح بحمده } فما من مخلوق الا وقد هدى الى معرفته تعالى بقدر عقله وروحه وحياته .
وفى التويات النجمية { اعطى كل شئ خلقه } استعدادا لما خلق له { ثم هدى } اى يسر لما خلق له والذى يدل عليه قوله عليه السلام « اعملوا فكل ميسر لما خلو له » معناه ان الله تعالى خلق المؤمن مستعدا لقبول فيض الايمان ثم هداه الى قبول دعوة الانبياء ومتابعتهم وخلق الكافر مستعدا لقبول فيض القهر والخذلان والتمرد على الانبياء ومخالقتهم : قال المغربى قدس سره
يكى را بهر طاعت خلق كردند ... يكى را بهر عصيان آفريدند
يكى از بهر مالك كشت موجود ... يكى را بهر رضوان آفريدند
قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53)
{ قال } فرعون { فما بال القرون الاولى } ما استفهام . والبال الحال التى يكترث بها ولذا يقال ما باليت بكذا اى ما اكترثت به ويعبر به عن الحال الذى ينطوى عليه الانسان فيقال ما خطر ببالى كذا . والقرن القوم المقترنون فى زمن واحد . والاولى تأنيث الاول وواحد الاولى كالكبرى والاكبر والكبر . والمعنى فما بال القرون الماضية وما خبر الامم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة . (8/131)
قال فى الاسئلة المقحمة فان قلت هذا لا يليق بما تقدم قلنا ان موسى كان قد قال له انى اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب ان يلحقكم ما قد لحقهم ان لم تؤمنوا بى فلهذا سأله فرعون عن حالهم انتهى .
يقول الفقير هذا وان كان مطابقا لمقتضى الفاء الا ان الجواب لا يساعده مع ان القائل بالخوف ليس هو موسى بل الذى آن وبعيد ان يحمل الذى آمن على موسى لعدم مساعدة السباق والسياق فارجع الى سورة المؤمن .
وقال بعضهم لما سمع البرهان خاف ان يزيد فى ايضاحه فيتبين لقومه صدقه فيؤمنوا به فاراد ان يصرفه عنه ويشغله بالحكاية فلم يلتفت موسى اليه ولذا . { قال } اى موسى { علمها عند ربى } اى ان علم احوال تلك القرون من الغيوب التى لا يعلمها الا الله ولا ملابسة للعم باحوالهم بمنصب الرسالة فلا اعلم منها الا ما علمنيه من الامور المتعلقة بما ارسلت { فى كتاب } اى مثبت فى اللوح المحفوظ بتفاصيله { لا يضل ربى ولا ينسى } الضلال ان تخطئ الشئ فى مكانه فلم تهتد اليه والنسيان ان تغفل عنه بحيث لا يخطر ببالك وهما محالان على العالم بالذات . والمعنى لا يخطئ ابتداء بل يعلم كل المعلومات ولا يغفل عنه بقاء بل هو ثابت ابدا وهو لبيان ان اثباته فى اللوح المحفوظ ليس لحاجته تعالى اليه فى العلم به ابتداء وبقاء وانما كتب احكام والكائنات فى كتاب ليظهرها للملائكة فيزيد استدلالهم بها على تنزه علمه تعالى عن السو والغفلة .
برو علم يك ذرء بوشيده نيست ... كه بيدا وبنهان بنزدش يكيست
فبعد الجواب القاطع رجع الى بيان شؤونه تعالى وقال { الذى } اى هو الذى { جعل لكم الارض مهدا } قال الامام الراغب المهد ما يهيأ للصبى والمهد والمهاد المكان الممهد الموطأ قال تعالى { الذى جعل لكم الارض مهدا } انتهى .
قال الكاشفى [ خوش كسترانيدكه برآن مى نشينيد ومسكن ميسازيد ] { وسلك لكم فيها سبلا } السلوك النفاذ فى الطريق [ يعنى اندرراه شدن ورفتن ] وسلك لازم ومتعد يقال لكت الشئ فى الشئ ادخلته والسبل جمع سبيل وهو من الطرق ما هو معتاد السلوك . والمعنى جعل لكم اى لاجلكم لا لغيركم طرقا كثيرة ووسطها بين الجبال والاودية والبرارى تسلكونها من قطر الى قطر لتقضوا منها مآربكم وتنتفعوا بمنافعها { وانزل } النزول هو الانحطاط من علو يقال نزل عن دابته ونزل فى مكان كذا حط رحله فيه وانزل غيره { من السماء } اى من الفلك او من السحاب فان كل ما علا سحاب { ماء } هو جسم سيان قد احاط حول الارض والمراد هنا المطر وهو الاجزاء المائية اذا التأم بعضها مع بعض ونكره قصدا الى معنى البعضية اى انزل من السماء بعض الماء { فاخرجنا به } يقال خرج خروجا برز من مقره او حاله او اكثر ما يقال الاخراج فى الاعيان اى انبتنا بسببه ذكر الماء وعدل عن لفظة الغيبة الى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيها على زيادة اختصاص الفعل بذاته وان ذلك منه ولا يقدر عليه غيره تعالى { ازوجا } اصنافا سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض لانه يقال لكل ما يقترن بآخر مماثلا له او مضادا زوج ولكل قرينين من الذكر والانثى فى الحيوانات المتزاوجوة زوج ولكل قرنين فيها وفى غيرها زوج كالخف والنعل { من نبات } هو كل جسم يغتذى وينمو كما قال الراغب النبت والنبات ما يخرج من الارض من الناميأت سواء كان له ساق كالشجر او لم يكن له ساق كالنجم لكن اختص فى التعارف بما لا ساق له بل قد اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات ومتى اعتبرت الحقائق فانه يستعمل فى كل نام نباتا كان او حيوانا او انسانا انتهى ومن بيانية فيكون قوله { شتى } صفة للنبات لما انه فى الاصل مصدر يتسوى فيه الواحد والجمع .
وشتى جمع شتيت بمعنى المتفرق اى نباتات مختلفة الانواع والطعوم والروائح والاشكال والمنافع بعضها صالح للناس على اختلاف وجود الصلاح وبعضها للبهائم والاظهر ان من نبات وشتى صفتان لازواجا واخر شتى رعاة للفواصل . (8/132)
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)
{ كلوا } حال من ضمير فاخرجنا على ارادة القول اى اخرجنا منها اصناف النباتات قائلين كلوا منها اى من الصمار والحبوب ونحوهما { وارعوا } الرعى فى الاصل حفظ الحيوان اما بغذائه الحافظ لحياته او بذب العدو عنه اى اسيموا واسرحوا فيها : وبالفارسية [ وبجرانيد ] { انعامكم } وهى الابل والبقر والضأن والمعزاى اقصدوا بها الانتفاع بالذات وبالواسطة آذنين فى الانتفاع بها مبيحين بان تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها . (8/133)
قال فى التأويلات النجمية يشير ال ان السماء والماء والنبات والانعام كلها مخلوقة لكم ولولا احتياجكم للتعيش بهذه الشايء بل جميع الملوقات ما خلقتها : قال المغربى قدس سره
غرض توبى زوجود همه جهان ورنه ... لام تكوّن فى الكون كائن لولاك
{ ان فى ذلك } المذكور من الشؤون والافعال الالهية من جعل الارض مهدا وسلك السبل فيها وانزال لماء واخراج اصناف النبات { لآيات } كثيرة جليلة واضحة الدلالة على الصانع ووحدته وعظيم قدرته وباهر حكمته { لاولى النهى } جمع نهية سمى بها العقل لنهيه عن اتباع الباطل وارتكاب القبيح كما سمى بالعقل والحجر لعقله وحجره عن ذلك لذوى العقول الناهية عن عن الاباطيل التى من جملتها ما تدعيه الطاغية وتقبله منهم الفئة الباغية وتخصيص اولى النهى مع انها آيات للعالمين باعتبار انهم المنتفعون بها .
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)
{ منها } اى من الارض . (8/134)
وفى التأويلات النجمية من قبضة التراب التى امر الله تعالى عزرائيل ان يأخذها من جميع الارض { خلقناكم } بوساطة اصلكم آدم والا فمن عدا آدم وحواء مخلوق من النطفة واصل الخلق التقدير المستقيم ويستعمل فى ابداع الشئ من غير اصل ولا احتذاء قال تعالى { خلق السموات والارض } ويستعمل فى ايجاد الشئ كما فى هذا المقام { وفيها نعيدكم } عند الموت بالدفن فى الموضع الذى اخذ ترابكم منه وايثار كلمته فى للدلالة على الاستقرار والعود الرجوع الى الشئ بعد الانصراف عنه اما انصراف بالذات او بالقول والعزيمة واعادة الشئ كالحديث وغيره تكريره { ومنها نخرجكم تارة اخرى } اى عند البعث بتأليف الاجزاء وتسوية الاجساد ورد الارواح للحساب والجزاء وكون هذا الاخراج تارة اخرى باعتبار ان خلقهم من الارض اخراج لهم منها وان لم يكن على نهج التارة المانية . والتارة فى الاصل اسم للتور الواحد وهو الجريان ثم اطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتجددة كما مر فى المرة : قال الحكيم فردوسى
بخاكت در آرد خداوند باك ... دكرره برون آرد از زير خاك
بدان حال كايى بخاك اندرون ... بدان كونه از خاك آيى برون
اكر باك درخاك كيرى مقام ... برآيى از وباك وباكيزه نام
عن ابن عباس رضى الله عنه ان جبريل جاء الى النبى عليه السلام فقال يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهو يقول مالى اراك مغموما حزينا قال عليه السلام « يا جبريل طال تفكرى فى امر امتى يوم القيامة » قال أفى امر اهل الكفر ام فى امر اهل الاسلام فقال « يا جبريل فى امر اهل لا اله الله محمد رسول الله » فاخذ بيده حتى اقامه الى مقبرة بنى سلمة ثم ضرب بجناحه الايمن على قبر ميت فقال قم باذن الله فقام رجل مبيض الوجه وهو يقول لا اله الله الله محمد رسول الله فقال جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم ضرب بجناحه الايسر فقال قم باذن الله فخرج رجل مسود الوجه ازرق العينين وهو يقول واحسرتاه واندامتاه فقال له جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم قال يا محمد على هذا يبعثون يوم القيامة وعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تموتون كما تعيشون وتنبعثون كما تموتون »
قيل ليحيى بن معاذ رضى الله عنه ما بال الانسان يحب الدنيا قال حق له ان يحبها منها خلق وهى امه ومنها عيشه ورزقه فهى حياته وفيها يعاد فهى كفاته يأخذ بسالكه الى جوار ربه .
واعلم ان من صفة الارض الطمأنينة والسكون لفوزها بوجود مطلوبها فكانت اعلى مرتبة فى عين السفل وقامت بالرضى فمقامها رضى وحالها تسليم ودينها اسلام وهكذا الانسان الكامل فى الدنيا فان الله تعالى قد صاغه من قالب الارض وهووان كان ترابى الاصل لكن طرح عليه اكسير الروح الاعظم فاذا طار الروح بقيت سبيكة الجسد تفضيل الارض على السماء لان الانبياء خلقوا من الارض وعبدوا فيها ودفنوا فيها وان الارض دار الخلافة ومزرعة الآخرة واما الارض الاولى فقال بعضهم انها افضل لكونها مهبط الوحى ومشاهد الانبياء وللانتفاع بها ولاستقرار الخلفاء عليها وغيرها من الضائل هنا بعد الوفاة ويعرج الروح ولكن فضل الارض لان اسباب العروج انما حصلت بالآلت الجسدانية وهى من الارض ولذا جعل عليه السلام الصلاة من الدنيا فى قوله
« حببت الىّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة ينى فى الصلاة » وذلك لان صورة الصلاة التى هى الافعال والاذكار تحصل بالاعضاء والجوارح التى هى من الدنيا وعالم الملك وان كان القلب والتوجه من عالم الملكوت نسأل الله تعالى ان يجعلنا من المتحققين بحقائق الارض والمعرضين عن كل طول وعرض . (8/135)
وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)
{ ولقد اريناه آياتنا كلها } اضافة الآيات عهدية وكلها تأكيد لشمول الانواع اى وبالله لقد بصرنا فرعون على يدى موسى آياتنا كلها من العضا واليد وغيره لا على مهل من الزمان او عرفناه صحتها واوضحنا وجه الدلالة فهيا { فكذب } بالآيات كلها من فرط عناده من غير تردد وتأخير وزعم انها سحر { وابى } عن قبولها لعتوه والاباء شدة الامتناع فكل اباء امتناع وليس كل امتناع اباء . (8/136)
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58)
{ قال أجئتنا لتخرجنا من ارضنا بسحرك يا موسى } استئناف مبين لكيفية تكذيبه وابائه والهمزة لانكار الواقع واستقباحه وادعاء انه امر محال والمجئ اما على حقيقته او بمعنى الاقبال على الامر والتصدى والصحر خداع وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما تفعله المشعبذة من صرف الابصارعما تفعله بخفه يد وما يفعله التمام بقول حرف عائق للاسماع . والمعنى أجئتنا من مكانك الذى كنت فيه بعدما غبت عنا او اقبلت علينا لتخرجنا من ارض مصر بالغلبة والاستيلاء بما اظهرته من السحر فان ذلك مما لا يصدر عن العاقل لكونه من باب محاولة المحال . (8/137)
قال الكاشفى [ يعنى دانستيم كه تو ساحرى وميخواهى كه بسحر مارا ازمصر بيرون كنى وبنى اسرائيل را متمكن سازى وبادشاهى كنى برايشان ] وقال بعضهم هذا تعلل وتحير ودليل على انه علم كون موسى محقا حتى خاف منه على ملكه فان ساحرا لا يقدر ان يخرج ملكا مثله من ارضه .
وفى الارشاد انما قال لحمل قومه على غاية المقت بابراز ان مراده ليس مجرد انجاء بنى اسرائيل من ايديهم بل اخراج القبط من وطنهم وحيازة اموالهم واملاكهم بالكلية حتى لا يتوجه الى اتباعه احد ويبالغوا فى المدافعة والمخاصمة وسمى ما اظهره عليه من المعجزات الباهرة سحرا ليجسرهم على المقابلة .
وفى التأويلات النجمية انما قال هذا لانه كان من اهل البصر لا من اهل البصيرة ولو كان من اهل البصيرة لرأى مجيئه لاخراجه من ظلمات الكفر الى نور الايمان ومن ظلمات البشرية الى نور الروحانية ومن ظلمات الانسانية الى نور الربانية : وفى المثنوى
هركه از ديدار برخوردار شد ... اين جهان درجشم او مردار شد
ملك برهم زن توادهم وار زود ... تا بيابى همجو او ملك خلود
فلما رأى ببصر الحس المعجزة سحرا ادعى ان يعارضه بمثل ما اتى به فقال { فلنأتينك بسحر مثله } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها واللام جواب قسم محذوف كأنه قيل اذا كان كذلك فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك فلا تغلب علينا : وبالفارسية [ هرآيينه بياريم براى تو جادويى ما نندجادوييئ تو بآن باتو معارضه كنيم تامردمان بدانندكه توبيغمبر نيستى جادو كرى ]
{ فاجعل } صير { بيننا وبينك } لاظهار السحر { موعدا } اى وعد لقوله { لا نخلفه } اى ذلك الوعد { نحن ولا انت } يقال اخلف وعده ولا يقال اخلف زمانه ولا مكانه .
وقال بعضهم اراد بالوعد ههنا موضعا يتواعدون فيه الاجتماع هناك انتهى .
والوعد عبارة عن الاخبار بايصار المنفعة قبل وقوعها . والخلف المخالفة فى الوعد يقال وعدتى فاخلفنى اى خالف فى المعياد { مكانا سوى } منصوب بفعل يدل عليه المصدر لا به فانه موصوف وسوى بالضم والكسر بمعنى العدل والمساواة اى عد مكانا عدلا بيننا وبينك وسطا يستوى طرفاه من حيث المسافة علينا وعليكم لا يكون فيه احد الطرفين ارجح من الآخر او مكانا مستويا لا يحجب العين ارتفاعه ولا انخفاضه : وبالفارسية [ جون وعد برسد حاضر شويم درجابى كه مساوى باشد مسافت قوم ما وتو بآن يا مكان مستوى وهموار كه دروبستى وبلندى نباشد تامردم نظاره توانند كرد } ففوض اللعين امر الوعد الى موسى للاحتراز عن نسبته الى ضعف القلب كأنه متمكن من تهئة اسباب المعارضة طال الامد ام قصر .
وفى التأويلات النجمية انما طلب الموعد لان صاحب السحر يحتاج فى تدبير السحر الى طول الزمان وصاحب المعجزة لا يحتاج فى اظهار المعجزة الى الموعد . (8/138)
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)
{ قال } موسى { موعدكم } [ زمان وعدشما ] { يوم الزينه } [ روز آرايش قبطيانست ] يعنى يوم عيدهم الذى يجتمع فيه الناس من كل مكان ليكون بمشهد خلق عظيم لعلهم يستحيون منهم فلا ينكرون المعجزة بعد ابطال السحر سألوا عن المكان فاجابهم بالزمان فان يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه فى ذلك اليوم . (8/139)
اعلم ان الاعياد خمسة . احدها عيد قوم ابراهيم عليه السلام وفيه جعل ابراهيم الاصنام جذاذا . والثانى عيد قوم فرعون وهو يوم الزينة . والثالث عيد قوم عيسى كما مر فى اواخر المائدة . والربع . والخامس عيد اهل المدينة فى الجاهلية وذلك يومان فى السنة فابدلهما الله فى الاسلام يومى الفطر والاضحى وهذان اليومان مستمران الى يوم القيامة قال المولى الجامى
قربان شدن بتيغ جفاى توعدماست ... جان ميدهيم بهر جنين عيد عمر هاست
{ وان يحشر الناس ضحى } عطف على اليوم او الزينة والحشر اخراج الجماعة عن مقارهم وازعاجهم عنه الى الحرب ونحوها ولا يقال الا فى الجماعة . وضحى نصب على الظرف اى وان يجمع الناس فى وقت الضحى ليكون ابعد من الربانية .
قال فى ضرام السقط اول اليوم الفجر ثم الصباح ثم الغداة ثم البكرة ثم الضحى ثم الضحوة ثم الهجيرة ثم الظهيرة ثم الرواح ثم المساء ثم العصر ثم الاصيل ثم العشاء الاولى ثم العشاء الاخيرة عند مغيب الشفق .
وفى بحر العلوم الضحى صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقى شعاعها .
وقال الامام الراغب الضحى انبساط النهار وامتداده سمى الوقت به .
وقال الكاشفى [ ضحى درجاشتكاه كه روشنترست از بقاى روز ] .
قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61)
{ قال لهم موسى } كأنه قيل فماذا صنع موسى عند اتيان فرعون مع السحرة فقيل قال لهم بطريق الصنيحة { ويلكم } اصله الدعاء بالهلاك بمعنى الزمكم الله ويلا يعنى عذابا وهلاكا والمراد هنا الزجر والردع والحث والتحريض على ترك الافتراك : وبالفارسية [ واى برشما ] { لا تفتروا على الله كذبا } بان تدعو ان الآيات التى ستظهر على يدى سحر او لا تشركوا مع الله احدا والافتراء التقول والكذب عن عمد (8/140)
وفى التأويل قال موسى للحسرة { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا } باتيان السحر فى معرض المعجزة ادعاء بان الله قد اعطانا مثل ما اعطى الانبياء من المعجزة { فيسحتكم } فيهلككم ويتسأصلكم بسببه : وبالفارسية [ ازبيخ بركند شمارا ] يقال اسحت الشئ اعدمه واستأصله { بعذاب } هائل لا بقادر قدره { وقد خاب } الخيبة فوت المطلب اى [ بى بهره ون اميدماند ] { من افترى } اى على الله تعالى كائنا من كان بى وجه كان .
فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)
{ فتنازعوا } اى السحرة حين سمعوا كلامه كأنه ذلك غاظهم فتنازعوا { امرهم } الذى اريد منهم من مغالبتهم عليه السلام وتشاوروا وتناظروا { بينهم } فى كيفية المعارضة وتجاذبوا اهداب القول فى ذلك . (8/141)
قال فى المفردات نزع الشئ جذبه من مقره كنزع القوس عن كبده والتنازع والمنازعة المجاذبة ويعبر بها عن المخاصمة والمجادلة { واسروا النجوى } وبالغوا فى اخفاء النجوى عن موسى لئلا يقف عليه فيدافعه : وبالفارسية [ وينهان داشتتد ازكفتن را ] والنجوى السر واصله المصدر وناجيته اى ساررته واصله ارتحلوا به فى نجوة من الارض اى مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله وقيل اصله واصله من النجاة وهو ان تعاونه على ما فيه خلاصه او ان تنجوا بسرك ان يطلع عليه وكان نجواهم ما نطق به قوله تعالى { قالوا } اى بطريق التناجى والاسرار { ان هذا لساحران } اى مخففة واللام هى الفارقة بينها وبين النافية والمشار اليه موسى وهارون { يريدان ان يخرجاكم من ارضكم } اى من ارض مصر بالغلبة والاستيلاء عليها وهو خبر بعد خبر { بسحرها } الذى اظهراه من قبل { ويذهبا بطريقتكم المثلى } المثلى تأنيث الامثل وهو الاشرف اى بمذهبكم الذى هو افضل المذاهب وامثلها باظهار مذهبهما واعلاء دينهما يريدون ما كان عليه قوم فرعون لقوله { انى اخاف ان يبدل دينكم } لا طريقة السحر فانهم ما كانوا يعتقدون دينا .
قال فى بحر العلوم سموا مذهبهم بها لزيادة سرورهم وكمال فرحهم بذلك وانه الذى تطمئن به نفوسهم كما قال تعالى { كل حزب بما لديهم فرحون } قال الامام الراغب الطريق السبيل الذيل يطرق بالارجل ويضرب قال تعالى { فاجعل لهم طريقا فى البحر يبسا } ومنه استعير لكل مسلك يسلكه الانسان فى فعل محمود كان او مذموما قال تعالى { ويذهبا بطريقتكم المثلى } اى الاشبه بالفضيلة .
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)
{ فاجمعوا كيدكم } الفاء فصيحة واجمعوا من الاجماع يقال اجمع الامر اذا احكمه وعزم عليه وحقيقته جمع رأيه عليه واجمع المسلمون كذا اجتمعت آراؤهم عليه . (8/142)
قال الراغب اكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل اليه بالتدبير والفكرة . والمعنى اذا كان الامر كما ذكر من كونهما ساحرين يريدان بكم ما ذكر من الاخراج والاذهاب فازمعوا عن قوس واحد . وقرئ هذا المزاحم واجعلوه مجمعا عليه بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم وارموا عن قوس واحد . وقرئ فاجمعوا من الجميع ويعضده قوله تعالى { فجمع كيده } اى فاجمعوا ادوات سحركم ورتبوها كما ينبغى { ثم ائتوا صفا } اى مصطفين فى الموعد ومجتمعين ليكون اشد لهيبتكم وانظم لامركم فجاؤوا فى سبعين صفا كل صف الف والصف ان يجعل الشئ على خط مستو كالناس والاشجار ونحو ذلك وقد يجعل بمعنى الصاف .
قال فى الارشاد لعل الموعد كان مكانا متسعا خاطبهم موسى بما ذكر فى قطر من اقطاره وتنازعوا امرهم فى قطر آخر منه ثم امروا بان يأتوا وسطه على الوجه المذكور { وقد افلح اليوم من استعلى } الفلاح الظفر وادراك البغية والاستعلاء قد يكون طلب العلو المذموم وقد يكون طلب العلاء اى الرفعة .
والآية تحتمل الامرين جميعا اى وقد فاز بالمطلوب من غلب ونال علو المرتبة بين الناس .
قال فى الارشاد يريدون بالمطلوب ما وعدهم فرعون من الاجر والتقريب وبمن غلب انفسهم جميعا او من غلب منهم حثالهم على بذل المجهود فى المغالبة .
يقول الفقير فيه اشارة الى ان المنهى من العلوم والاسباب كالسحر ونحوه ما يتقرب به الى الدنيا وجمع حطامها لا الى الآخرة والفوز بنعيمها ولا الى الله تعالى ولذا قال { اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } فكل من اراد ان يتوصل بما يفعله مما نهاه الشرع الى درجة من الدرجات الاخروية او مرتبة من المراتب المعنوية فانه يضيع سعيه ولا يفلح ولا يبقى له سوى التعب .
ثم ان ارباب التقليد يقتفون آثار فرعون وسحرته ويقولون فى حق اهل التحقيق انهؤلاء يخرجونكم من مناصب شيخوختكم ومراتب قبولكم عند العوام ويصرفون وجوه الناس عنكم ويذهبون باشراف قومكم من الملوك والامراء وارباب المعارف واهل الدثور والاموال فيسلكون مسالك الحيل ويريدون ان يطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون اى المشركون بالشرك الخفى : وفى المثنوى
هركه برشمع خدا آرد بفو ... شمع كى ميرد بسوزد بوزاو
فالذى خلق علويا كالشمس فانه لا يكون سفليا بوجه من وجوه الحيل وكيذا التراب خلق سفليا فانه لا يكون سماويا : قال المولى الجامى
بستست قدر سفله اكر خود كلاه جاه ... براوج سلطنت زند از كردش زمان
سفليست خاك اكرجه نه بر مقتضاى طبع ... همراه كرد باد كشد سر بر آسمان
نسأل الله ان يجعلنا من اهل السعادة والفلاح
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)
{ قالوا } اى السحرة بعد اجماعهم واتيانهم الموعد واصطفافهم . (8/143)
قال الكاشفى [ سحره بقولى سيصد هزار خروار حبل وعصاهاميان تهى كرده وبر اززيبق ساخته بميدان آوردند بطريق ادب وكفتند ] { يا موسى اما ان تلقى } الالقاء طرح الشئ حيث تلقاه اى تراه ثم صار فى التعارف اسما لكل طرح اى تطرح عصاك من يدك على الارض { واما ان نكون اول من القى } ما نلقيه من العصى والحبال وان مع ما فى حيزها منصوب بفعل مضمر او مرفعو بخبرية مبتدأ محذوف اى اختر القاءك اولا او القاءنا او الامر اما القاؤك او القاؤنا .
وفيه اشارة الى ان السحرة لما اعزوا موسى عليه السلام بالتقديم والتخيير فى الالقاء اعزهم الله بالايمان الحقيقى حتى رأوا بنور الايمان معجزة موسى فآمنوا به تحقيقا لا تقليدا وهذا حقيقة قوله { من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا } فلما تقربوا الى الله باعزاز من اعزهالله اعزهم بالايمان تقربا اليه فكذلك اعزهم موسى بالتقديم فى الالقاء كما حكى الله عنه بقوله { قال } موسى { بل القوا } اولا ما انتم ملقون
يقول الفقير الظاهر ان الله تعالى الهم السحرة التخيير وعلم موسى اختيار القائهم اولا ليظهر الحق من الباطل لان الحق يدفع الباطل ويمحوه ولو كان موسى اول من ألقى لتفرق الناس من اول الامر خيفة الثعبان كما تفرقوا بعد ابتلاع العصا عصيهم وحبالهم وذا مخال بالمقصود .
قال الامام فان قيل كيف امرهم به وهو سحر وكفر . ثقلنا لما تعين طريقا الى كشف الشبهة صار جائزا .
وفى الاسئلة المقحمة هذا ليس بامر وانما هو للاستهانة بذلك وعدم الاكتراث به لما كان يعلم ان ذلك سبب لظهور الحق وزهوق الباطل { فاذا حبالهم وعصيهم يخيل اليه من سحرهم انها تسعى } الفاء فصيحة واذا لمفاجأة ظرفية والحبال جمع حبل وهو الرسن والعصى جمع عصا والتخيل تصوير خيال الشئ فى النفس والتخيل تصور ذلك والخيال اصله الصورة المجردة كالصورة المتصورة فى المنام وفى المرآة وفى القلب بعيد غيبوبة المرئى ثم تستعمل فى صورة كل امر متصور وفى كل شخص دقيق يجرى مجرى الخيال وانها تسعى نائب فاعل ليحيل والسعى حبالهم وعصيهم من سحرهم : وبالفارسية [ بس رسنها وعصاهاى ايشان نموده شد بموسى از جادويى وكيد ايشان كه كويى بدرستى كه آن ميرود ومى شتابد ] وذلك انهم كانوا لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطرب واهتزت فخيل اليها انها تتحرك
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)
{ فاوجس فى نفسه خيفة موسى } الوجس الصوت الخفى والتوجس التسمع والايجاس وجود ذلك فى النفس والخيفة الحالة التى عليها الانسان من الخوف وهى مفعول اوجس وموسى فاعله . والمعنى اضمر موسى فى نفسه بعض خوف من مفاجأته بمقتضى البشرية المجبولة عن النفرة من الحيات والاحتراز عن ضررها المعتاد من اللسع ونحوه كما دل عليه قوله فى نفسه لانه من خطرات النفس لا من القلب وفى الحقيقة ان الله تعالى البس السحر لباس القهر فخاف موسى من قهر الله لا من غيره لانه لا يأمن من مكر الله الا القوم الفاسقون . (8/144)
يقول الفقير
جون خداخواهدشودهر برك خار ... رشته باريك درشجم عين مار
برك لرزان آب ريزان از الم ... جون نمى ترسم زقهر كردكار
قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)
{ قلنا لا تخف } ما توهمت { انك } اى لانك { انت الاعلى } اى الغالب القاهر لهم ونحن معك فى جميع احوالك فانك القائم بالمسبب وهم القائمون المعتمدون على الاسباب وايضا معك آياتنا الكبرى وهو لباس حفظنا . (8/145)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان خوف البشرية مركوز فى جبلة الانسان ولو كان نبيا الى ان ينزع الله الخوف منه انتزاعا رابانيا بقول صمدانى كما قال تعالى { قلنا لا تخف انك انت الاعلى } اى اعلى درجة من ان تخاف من المخلوقات دون الخالق وفيه معنى آخر ان خوف موسى ما كان من المكونات بل من المكون اذ رأى عصاه ثعبانا تلقف سحر السحرة وقد علم انها صارت مظهر صفة قهارية الحق فخاف من الحق وقهره لا من العصا وثعبانها فلهذا قال تعالى { لا تخف انك انت الاعلى } اى لانك اعلى درجة عندنا منها لانها عصاك مصنوعة لنفسك وانت رسول وكليمى واصطنعتك لنفسى فان كانت هى مظهر صفة قهرى فانت مظهر صفات لطفى وقهرى كلها .
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)
{ والق ما فى يمينك } اى عصاك والابهام لتفخيم شأنها والايذان بانها ليست من جنس العصى المعهودة لانها مستتبعة لآثار غريبة { تلقف ما صنعوا } بالجزم جواب للامر من لقفه كسمعه لقفاة بسكون القاف وفتحها اذا ابتلعه والتقمه بسرعة . (8/146)
قال فى المفردات لقفت الشئ القفه ويلقفته تناوله بالجذب سواء كان تناوله بالفم او باليد
انتهى والتأنيث لكون ما عبارة عن العصا والصنع اجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعا ولا تنسب الى الحيوانات والجمادات كام ينسب اليها الفعل . والمعنى تبتلع وتلقم ما صنعوه من الحبال والعصى التى خيل اليك سعيها وخفتها والتعبير عنها بما صنعوا للتحقير والايذان بالتموية والتزوير اى زوّروا وافتعلوه { ان ما صنعوا } ما موصولة او موصوفة اى ان الذى صنعوه او ان شيأ صنعوه { كيد ساحر } بالرفع على انه خبر لان اى كيد جنس الساحر ومكره وحيلته وتنكيره للتوسل به الى تنكير ما اضيف اليه للتحقير والكيد ضرب من الاحتيال يكون محمودا او مذموما وان كان يستعمل فى المذموم اكثر وكذلك الاستدراج والمكر { ولا يفلح الساحر } اى لا يدرك بغيته هذا الجنس { حيث اتى } من الارض وعمل السحر فيها وهو من تمام التعليل . وفى التأويلات النجمية يشير الى ان ما فى يمينك هو مصنوعى وكيدى وما صنعه السحرة انما هومصنوعهم وكيدهم ولا يفلح الساحر ومصنوعه وكيده حيث اتى مصنوعى وكيدى لان كيدى متين .
واعلم ان الفلاح دنيوى وهو الظفر بالسعادات التى تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى والعز والخروى وهو اربعة اشياء بقاء لا فناء وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل ففلاح اهل الدنيا كالفلاح لان عاقبته خيبة وخسران ألا ترى ان من قال لاستاذه لم اى اعترض عليه لن يفلح ابدا وقد رأينا بعض المعترضين قد اوتى مالا وجاها ورياسة فهو فى تقلبه خائب خاسر وقس عليه سائر المخالفين من اهل المنكرات .
قال فى نصاب الاحتساب الساحر اذا تاب قبل ان يؤخذ تقبل توبته وان اخذ ثم تاب لم تقبل توبته .
وفى شرح المشارق للشيخ اكمل روى محمد بن شجاع عن الحسن بن زياد عن ابى حنيفة رحمه الله انه قال فى الساحر يقتل اذا علم انه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل بالسحر فوصفوا ذلك بصفة يعلم انها سحر قتل ولا يستتاب انتهى .
وفى شرح رمضان على شرح العقائد ان الساحر يقتل ذكرا او انثى اذا كان سعيه بالافساد والاهلاك فى الارض واذا كان سعيه بالكفر فيقتل الذكر دون الانثى انتهى .
وفى الفروع لا تقتل الساحرة المسلمة ولكن تضرب وتحبس لانها ارتكبت جريمة عظيمةوانما لا تقتل لان النبى عليه السلام نهى عن قتل النساء مطلقا .
وفى الاشباه كل كافر تاب فتوبته مقبولة فى الدنيا والآخرة الاجماعة الكافر بسبب النبى وبسب الشيخين او احدهام وبالحسر ولو امرأة وبالزندقة اذا اخذ قبل توبته انتهى . وفى فتاوى قارئ الهداية الزنديق من يقول ببقاء الدهر اى لا يؤمن بالآخرة ولا الخالق ويعتقد ان الاموال والحرم مشتركة . (8/147)
وقال فى موضع آخر هو الذى لا يعقتد الها ولا بعثا ولا حرمة شئ من الاشياء وفى قبول توبته روايتان والذى ترجح عدم قبول توبته انتهى . قال فى شرح الطريقة السحر فى اللغة كل ما لطف ودق منه السحر للصبح الكاذب وقوله عليه السلام « ان من البيان لسحرا » وبابه منع وفى العرف اراءة الباطل فى صورة الحق وهو عندنا امر ثابت لقوله عليه السلام « السحر حق والعين حق »
وفى شرح الامالى السحر من سحر يسحر سحر اذا خدع احدا وجعله مدهو شامتحيرا وهذا انما يكون بان يفعل الساحر شيأ يعجز عن فعله وادراكه المسحور عليه .
وفى كتاب اختلاف الائمة السحر رقى وعزائم وعقد تؤثر فى الابدان والقلوب فيمرض ويقتل ويرفق بين المرء وزوجه وله حيقية عند الائمة الثلاثة .
وقال الامام ابو حنيفة رحمه الله لا حقيقة له ولا تأثير له فى الجسم وبه قال ابو جعفر الاسترابادى من الشافعية .
وفى شرح المقاصد السحر اظهار امر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة اعمال مخصوصة يجرى فيها التعلم والتعليم .
وبهذين الاعتبارين يفاربق المعجزة والكرامة وبانه لا يكون بحسب اقتراح المقترحين وبانه يخص الازمنة او الامكنة او الشرائط وبانه قد يتصدى لمعارضته ويبذل الجهد فى الاتيان بمثله وبان صاحبه ربما يعلن بالفسق ويتصف بالجرس فى الظاهر والباطن والخزى فى الدنيا والآخرة وهو اى السحر عند اهل الحق جائز عقلا ثابت سمعا وكذا الاصابة بالعين .
وقال المعتزلة بل هو مجرد اراءة مالا حقيقة له بمنزلة الشعوذة التى سببها خفة حركات اليد او اخفاء وجه الحيلة وفيه لنا وجهان الاول يدل على الجواز والثانى يدل على الوقوع اما الاول فهو امكان الامر فى نفسه وشمول قدرة الله تعالى فانه هو الخالق وانما الساحر فاعل وكاسب وايضا فيه اجماع الفقهاء وانما اختلفوا فى الحكم واما الثانى فهو قوله تعالى { يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت ومارون } الى قوله { ويتعلمون منها ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد الا باذن الله } وفيه اشعار بانه ثابت حقيقة ليس مجرد اراءة وتمويه وبان المؤثر والخالق هو الله تعالى وحده .
فان قيل قوله تعالى فى قصة موسى { يخيل اليه من سحرهم انها تسعى } يدل على انه لا حقيقة للسحر وانما هو تمويه وتخييل . قلنا يجوز ان يكون سحرهم هو ايقاع ذلك التخييل وقد تحقق ولو سلم فكون اثره فى تلك الصورة هو التخييل لا يدل على انه لا حقيقة له اصلا .
ثم ان السحر خمسة انواع فى المشهور . منها الطلسم قيل هو مقلوب المسلط وهو جمع الآثار السماوية مع عقاقير الارض ليظهر منها امر عجيب . ومنها النيرنج قيل هو معرب « نيرنك » هو التمويه والتخييل قالوا ذلك تمزيج قوى جواهر الارض ليحدث منها امر عجيب . ومنها الرقية وهو الافسود معرب « آب سون » هو النفك فى الماس وسمى به لانهم ينفثون فى الماء ثم يشربونه او يصبون عليه وانما سميت رقية لانها كلما رقيت من صدر الراقى فبعضها فهلوية وبعضها قبطية وبعضها بلا معنى يزعمون انها مسموعة من الجن او فى المنام . ومنها الخلقطيرات وهى خطواط عقدت عليها حروف واشكال اى حلق ودوائر يزعمون ان لها تأثيرات بالخاصية . ومنها الشعبذة ويقال لها الشعوذة معرب « شعباذة » اسم رجل ينسب اليه هذا العلم وهى خيالات مبنية على خفة اليد واخذ البصر فى تقليب الاشياء كالمشى على الارسال واللعب بالمهارق والحقات وغير ذلك والمذهب ان التأثير الحاصل عقيب الكل هو فعل الله تعالى على وفق اجراء عادته ووجه الحكمة فيه لا يعلمه الا هو سبحانه . (8/148)
قال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى الفتوحات المكية ان التأثير الحاصل من الحروف واسماء الله تعالى من جنس الكرامات اى اظهار الخواص بالكرامة فان كل احد لا يقدر على الاستخراج خواص الاشياء
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)
{ فالقى السحره } الفاء فصيحة اى فالقاه فوقع ما وقع من اللقف فالقى السحرة حال كونهم { سجدا } ساجدين كأنما القاهم ملقى لشدة خرورهم وبالفارسية [ حضرت موسى عصا بيفكند فى الال ازدهايى شد ودهن خود كشادة تمام ادوات جادوانرا فروبرد ومردم ازترس روى بكريز آوردند وموسى اوراد بكرفت همان عصا شد جادوان دانستند كه آن سحر نيست زيرا كه سحر سحر ديكررا باطل نكند بلكه قدرت خدا ومعجزه موسىست بس درافكنده شدند يعنى تأمل اين معنى ايشانرا درروى افنكند درحالتى كه سجده كنندكان بودند مرخدايرا ازروى صدق ] وانما عبر عن الخرور بالالقاء ليشاكل تلك الالقاآت - روى - ان رئيسهم قال كنا نغلب الناس وكانت الآلات تبقى علينا فلو كان هذا سحرا فاين ما القيناه من الآلات فاستدل بتغير احوال الاجسام على الصانع العالم القادر وبظهور ذلك على يد موسى على صحة رسالته فتابوا واتوا بنهاية الخضوع وهو السجود قال جار الله ما اعجب امرهم القوا حبالهم للكفر والجحود ثم القوا رؤسهم للشكر والسجود فما اعظم الفرق بين الالقاءين { قالوا } فى سجودهم وهو التئناف ببانى { آمنا برب هارون وموسى } تأخر موسى عند حكاية كالمهم لرعاية الفواصل ولان فرعون ربى موسى فى صغره فلو اقتصر على موسى او قدم ذكره فربما توهم ان المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع ومعنى اضافة الرب اليهما انه هو الذى يدعوان اليه واجرى على يديهما ما اجرى . (8/149)
قال بعض الكبار من كان له استعداد النظر الى عالم الغيب وباشر حظوظ النفس احتجب عنه فاذا انقطع الى الله نظر الله الى قلبه بنعت الاخلاص واليقين وكشف الله له انوار حضرته وجذبه الى قربه فالسحرة مجذوبون مهتدون بالله الى الله مؤمنون بالبرهان لا بالتقليد وان فرلعون ما رأى برهان الربوبية فلم يؤمن .
قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)
{ قال } فرعون للسحرة بطريق التوبيخ { آمنتم له } اى لموسى واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع واللام مع الايمان فى كتاب الله لغيره . (8/150)
وفى بحر العلوم له اى لربهما على الن اللام بمعنى الباء والدليل القاطع عليه قوله { قال } اى فرعون { آمنتم به قبل ان آذن لكم } فى سور الاعراف وآمننتم بالمد على الاخبار وامركم به كما فى قوله تعالى { لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربى } لا ان الاذن لهم فى ذلك واقع بعده { لكبيركم } اى فى فنكم واعلمكم به واستاذكم { الذى علمكم السحر } فتواطأتم على ما فعلتم .
قال الكاشفى [ يعنى استادومعلم ومهترجادوانست شماباهم خواهيدكه ملك برابراندازند ] واراد التلبيس على قومه لئلا يتبعون السحرة فى الايمان لانه عالم ان موسى ما علمهم السحر يعنى ان هذه شبهة زورها اللعين والقاها على قومه واراهم ان امر الايمان منوط باذنه فلما كان ايمانهم بغير اذنه لم يكن معتدا به وانهم من تلامذته عليه السلام فلا عبرة بما اظهره كما لا عبرة بما اظهروه ذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء الناس بالحسرة فى الايمان بالله ثم اقبل عليهم بالوعيد المؤكد حيث قال { فلأقطعن } اى فوالله لاقطعن وصيغة التفيل للتكثير وكذا فى الفعل الآتى والقطع فصل شئ مدركا بالبصر كالاجسام او مدركا بالبصيرة كالاشياء المعقولة { ايديكم وارجلكم من خلاف } الخلاف اعم من الضد لان كل ضدين مختلفان دون العكس . والمعنى من كل شق طرفا وهو ان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ومن فيه لابتداء الغاية اى ابتداء القطع من مخالفة العضة العضو لا من وفاقه وايه فان المبتدئ من المعروض مبتدئ من العارض ايضا وهى مع مجرورها فى حيز النصب على الحالية اى لاقطعنها مختلفا لانها اذا خالف بعضها بعضا بان هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك يسار فقد اتصفت بالاختلاف ونعين القطع وكيفيته لكونه افظع من غيره { ولأصلبنكم فى جذوع النخل } الصلب الذى هو تعليق الانسان للقتل قيل هو شد صلبه على خشب اى على اصول النخلة فى شاطئ النيل : وبالافرسية [ وهرآيينه بر آويزم شموارا درتن خرما بن كه دراز ترين درختانست تاهمه كس شمارا به بيند وعبرت كيرد ] وايثار كلمة فى للدلالة على ابقائهم عليها زمانا طويلا تشبيها لاستقرارهم عليها باستقرار المظروف فى الظرف المشتمل عليه .
قالوا فرعون موسى هو اول من استعمل الصلب . فان قيل مع قرب عهده بانقلاب العصا حية وقصدها ابتلاع قصره واستغاثته بموسى من شرها كيف يعقل ان يهدّد السحر الى هذه الحد ويستهزئ بموسى .
قلنا يجوز ان يكون فى اشد الخوف ويظهر الجلادة تمشية لناموسه وترويجا لامره والاستقراء يوقفك على امثاله { ولتعلمن أينا } اى انا وموسى { اشد عذابا وابقى } ادوم وموسى لم يكن فى شئ من التعذيب الا ان فرعون ظن السحرة خافوا من قبل موسى على انفسهم حين رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فقال ما قال وعلى ما سبق من بحر العلوم فى { آمنتم له } يكون المراد ب { أينا } نفسه ورب موسى .
وفى التأويلات النجمية وانما قال { اشد عذابا } لانه كان بصيرا بعذاب الدنيا وشدته وقد كان اعمى بعذاب الاخرة وشدته .
قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)
{ قالوا } غير مكترثين بوعيده . (8/151)
قال الكاشفى [ ساحران جون ازجام جذبه خقانى مست شده بودند واز انوار تواتر ملاطفات ربانى كه بردل ايشان تافته بود ازدست شده .
خورده يكجرعه از كف ساقى ... هرجه فانيست كرده درباقى
دامن از فكر غير افشانده ... ليس فى الدار غيره خوانده
لا جرم درجواب فرعون كفتند ] { لن نؤثرك } لن نختارك بالايمان والاتباع { على ما جاءنا } من الله على يد موسى { من البينات } من المعجزات الظاهرة التى لا شبه فى حقيتها وكان من استدلالهم انهم قالوا لو كان هذا سحرا فاين حبالنا وعصينا .
فيه اشارة الى ان القوم شاهدوا فى رؤية الآيات انوار الذات والصفات فهان عليهم عظائم البليات ومن آثر الله على الاشياء هان عليه ما يلقى فى ذات الله .
وقد قال بعض الكبار ليخفف ألم البلاء عنك علمك ان الله هو المبلى { والذى فطرنا } اى خلقنا وسائر المخلوقات عطف على ما جاءنا وتأخيره لان ما فى ضمنه آية عقلية نظرية وما شاهده آية حسية ظاهرة .
وقال بعضهم هو قسم محذوف الجواب لدلالة المذكورة عليه اى وحق الذى فطرنا لا نؤثرك فان القسم لايجاب بلن الاعلى شذوذ . وفى التفسير الفارسى [ وسوكنده ميخوريم بخدايى كه مارآفريد ] .
وفى التأويلات اى بالذى فطرنا على فطرة الاسلام والتعرض للفاطرية لايجابها عدم ايثارهم فرعون عليه تعالى { فاقض ما انت قاض } جواب عن تهديده بقوله لاقطعن اى فاصنع ما انت صانعه او احكم فينا ما انت فيه حاكم من القطع والصلب .
وفى التأويلات اى فاحكم واجر علينا ما قضى الله لنا فى الازل من الشهادة { انما تقضى هذه الحياة الدنيا } اى انما تصنع ما تهواه او تحكم بما تراه فى هذه الحياة الدنيا ومدة حياتنا فحسب فسيزول امرك وسلطانك عن قريب ومالنا من رغبة فى عذبها ولا رهبة من عذابها [ اروز بجور هرجه خواهى ميكن فردا بتونيز هرجه خواهند كنند ]
إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)
{ انا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } من الكفر ومالمعاصى ولا يؤاخذ بها فى الدار الآخرة لا ليمتعنا بتلك الحياة الفانية حتى نتأثر بما اوعدتنا به من القطع والصلب والمغفرة صيانة العبد عما استحقه من العقاب للتجاوز عن ذنوبه من الغفر وهو الباس الشئ ما يصونه عن الدنس . والخطايا جمع الخطية والفرق بينهما وبين السيئة ان السيئة قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة فما يقصد بالعرض لانها من الخطأ { وما اكرهتنا عليه من السحر } عطف على خطايانا اى ويغفر لنا السحر الذى عملناه فى معارضة موسى باكراهك وحشرك ايانا من المدائن القاصية خصوه بالذكر مع اندراجه فى خطاياهم اظهارا لغاية نفرتهم منه ورغبتهم فى مغفرته { والله خير } اى فى ذاته وهونا ظر الى قولهم والذى فطرنا { وابقى } اى جزاء ثوابا كان او عقابا او خير لنا منك ثوابا ان اطعناه وادوم عذابا بامنك ان عصيناه . (8/152)
وفى التأويلات النجمية { والله خير } فى ايصا رالخير ودفع الشر منك { وابقى } خيره من خيرك وعذابه من عذابك .
قال الحسن سبحان الله لقوم كفراهم اشد الكافرين كفر ثبت فى قلوبهم الايمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم ان قالوا { اقض ما انت قاض } فى ذات الله والله ان احدهم اليوم ليصحب القرآن ستين عاما ثم انه ليبيع دينه بثمن حقير : قال الشيخ سعدى قدس سره
زيان ميكند مرد تفسيردان ... كه علم ادب ميفروشد بنان
كجا عقل باشرح فتوى دهد ... كه اهل خرددين بدنيى دهد
بدين اى فرومايه دنيى مخر ... جوخرها بانجيل عيسى مخر
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74)
{ انه } اى الشأن وهو تعليل من جهتهم لكونه تعالى خيرا وابقى { من } [ كس كه ] { يأت } [ آياد در روزقيامت ] { ربه } [ نزديك برور دكار او ] { مجرما } حال كونه متوغلا فى اجرامه منهمكا فيه بان يموت على الكفر والمعاصى ولانه مذكور فى مقابلة المؤمن { فان له جهنم لا يموت فيها } فينتهى عذابه ويستريح وهذا تحقيق لكون عذابه ابقى { ولا يحيى } حياة ينتفع بها . (8/153)
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75)
{ ومن يأته مؤمنا } به تعالى وبما جاء من عنده من المعجزات التى من جملتها ما شاهدناه { قد } اى وقد { عمل الصالحات } الصالحة كالحسنة جارية مجرى الاسم ولذلك لا تذكر غالبا مع الموصوف وهى كل ما استقام من الاعمال بدليل النقل والنقل { فاولئك } اشارة الى من والجمع باعتبار معناها اى فاولئك المؤمنون العاملون للصالحات { لهم } بسبب ايمانهم واعمالهم الصالحة { الدرجات العلى } جمع العليا تأنيث الاعلى اى المنازل الرفيعة فى الجنة . (8/154)
وفيه اشارة الى الفرق بين اهل الايمان المجرد وبين الجامع بين الايمان والعمل حيث ان الجردات العالية للثانى وغيرها لغيره .
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)
{ جنات عدن } بدل من الدرجات العلى { تجرى من تحتها الانهار } [ يبسوته ميرود از زير منازل آن يا اشجار آن جوبها ] حال من الجنات { خالدين فيها } حال من الضمير فى لهم والعامل معنى الاستقرار او الاشارة { وذلك } اى المذكور من الثواب { جزاء من تزكى } الجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شرا فشر يقال جزيته كذا وبكذا والفرق بين الاجر والجزاء ان الاجر يقال فيما كان عن عقد وما يجرى مجرى العقد ولا يقال الا فى النفع دون الضر ولجزاء يقال فيما كان عن عقد وعن غير عقد ويقال فى النافع والضار والمعنى جواء من تطهر من دنس الكفر والمعاصى بما ذكر من الايمان والاعمال الصالحة وهذا تحقيق لكون ثواب الله تعالى ابقى وفى الحديث « ان اهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدرىّ فى افق السماء وان ابا بكر وعمر منهم وانعما » اى هما اهل لهذا . (8/155)
قالوا ليس فى القرآن ان فرعون فعل باولئك المؤمنين ما اوعدهم به ولم يثبت فى الاخبار كما فى الاخبار .
وقال فى التفسير الكبير نقلا عن ابن عباس رضى الله عنهما كانوا اول النهار سحرة وآخره شهداء وفى بحر العلوم اصبحوا كفرة وامسوا ابرارا شهداء : وفى المثنوى
ساحران درعهد فرعون لعين ... جون مرى كردند يا موسى بكين
ليك موسى را مقدم داشتند ... ساحران اورا مكرّم داشتند
زانكه كفتندش كه فرمان آن تست ... كرتومى خواهى عصا بفكن نخست
كفت نى اول شما اى ساحران ... فاكنيد آن مكرهارا درميان
اين قدر تعظيم ايشانرا خريد ... وازمرى آن دست وباهاشان بريد
ساحران جون قدر اونشناختند ... دست وبادر جرم آن در باختند
فدلت هذه الاخبار على كونهم شهداء وان فرعون استعمل الصلب فيهم والالم لم يكن اول من صلب .
فعلى القال ان يختار الله تعالى ويتزكى عن الاخلاق الذميمة النفسانية والاوصاف الشنيعة الشيطانية ويتحلى بالاخلاق الروحانية الربانية وببذلك المال والروح لينال اعلى الفتوح جعلنا الله واياكم من اهل الولاء وممن هان عليه البلاء .
وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77)
{ ولقد اوحينا الى موسى } وبالله لقد اوحينا اليه بعد اجراء الآيات التسع فى نحوس من عشرين سنة كما فى الارشاد . (8/156)
يقول الفقير يخالفها ما فى بعض الروايات المشهورة من ان موسى عليه السلام دعا ربه فى حق فرعون وقومه فاستجيب له ولكن اثره بعد اربعين سنة على ما قالوا عند قوله { قال قد اجيبت دعوتكما } { ان } مفسرة بمعنى اى او مصدرية اى بان { اسر بعبادى } السرى والاسرآء سير الليل اى قال سر ببنى اسرائيل من مصر ليلا : وبالفارسية [ بشب ببربندكان مرا ] امر بذلك لئلا يعوقهم اعوان فرعون { فضارب لهم } فاجعل من قولهم ضرب له فى ماله سهما او فاتخذوا عمل من قولهم ضرب اللبن اذا عمله .
وفى الجلالين فاضرب لهم بعصاك { طريقا } الطريق كل ما يطرقه طارق معتادا كان او غير معتاد .
قال الراغب الطريق السبيل الذى يطرق بالارجل ويضرب { فى البحر } البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير والمراد هنا بحر القلزم .
قال فى القاموس هو بلد بين مصر ومكة قرب جبل الطور واليه يضاف بحر القزم لانه على طرفه او لانه يبتلع من ركبه لان القلزمة الابتلاع { يبسا } صفة لطريقا واليبس المكان الذى كان فيه ماء فذهب .
قال فى الارشاد اى يابسا على انه مصدر وصف به الفاعل مبالغة : وبالفارسية [ خشك كه دروآب ولاى نبود ] { لا تخاف دركا } حال مقدرة من المأمور اى موسى والدرك محركة اسم من الادراك كالدرك بالسكون . والمعنى حال كونك آمنا من ان يدرككم العدو { ولا تخشى } الغرق .
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78)
{ فاتبعهم فرعون بجنوده } الفاء فصيحة اى ففعل ما امر به من الاسراء بهم وضرب الطريق وسلوكه فتبعهم فرعون ومعه جنوده حتى لحقوهم وقت اشراق الشمس وهو اضاءتها يقال اتبعهم اى تبعهم وذلك اذا كانوا سبقوك فلحقتهم فالفرق بين تبعه واتبعه ان يقال اتبعه اتباعا اذا طلب الثانى اللحوق بالاول وتبعه تبا اذا مر به ومضى معه - روى - ان موسى خرج بهم اول الليل وكانوا ستمائه وسبعين الفا فاخبر فرعون بذلك فاتبعهم بعساكره وكان مقدمته سبعمائة الف فقص اثرهم فلحقهم بحيث تراءى الجمعان فعند ذلك ضرب موسى عليه السلام بعصاه البحر فانفلق على اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم وبقى الماء قائما بين الطرق فعبر موسى بمن معه من الاسباط سالمين وتبعهم فرعون بجنوده { فغشيهم } سترهم وعلاهم { من اليم } اى بحر القلزم { ما غشيهم } الى الموج الهائل الذى لا يعلم كنهه الا الله . (8/157)
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)
{ واضل فرعون قومه } اى سلك بهم مسلكا ادّاهم الى الخيبة والخسران فى الدين والدنيا معا حيث ما توا على الكفر بالعذب الهائل الدنيوى المتصل بالعذاب الخالد الاخروى { وما هدى } اى ما ارشدهم قط على طريق موصل الى مطلب من المطالبة الدينية والدنيوية وهو تقرير لاضلاله وتأكيد له اذ رب مضل قد يرشد من يضله الى بعض مطالبه . وفيه نوع تهكم فى قوله { وما اهديكم الا سبيل الرشاد } فان نفى الهداية من شخص مشعر بكونه ممن تتصور منه الهداية فى الجملة وذلك انما يتصور فى حقه بطريق التهكم . (8/158)
يقول الفقير موسى مع قومه اشارة الى الروج القدس مع قواه وفرعون مع قومه اشارة الى النفس الامارة مع قواها والبحر هو بحر الدنيا فموسى الروح يعبره اما بسفينة الشريعة او بنور الكشف الالهى ويغرق فرعون النفس لانها تابعة لهواها لا شريعة لها ولا كشف فعلم منه ان اتباع اهل الضلال انفسا وآفاقا يؤدى الى الهلاك الصورى والمعنى واقتداء اهل الهدى يفضى الى النجاة الابدية .
زينهاراز قرين بدر زنهار ... وقنا ربنا عذاب النار
واحسن وجوه الاتباع الايمان والتوحيد لان جميع الانبياء متفقون على ذلك والمؤمن فى حصن حفظه الله تعالى ن الاعداء الظاهرة والباطنة فى الدنيا والآخرة - حكى - عن عبد الله بن الثفى ان الحجاج الحضر انس بن مالك وقال له اريد ان اقتلك شر قتله فقال انس لو علمت ان تلك بيدك لعبدتك من دون الله تعالى قال الحجاج ولم ذكل قال لان رسول الله عليه السلام علمنى دعاء وقال « من دعها به فى كل صباح لم يكن لاحد عليه سبيل » وقد دعوت به فى صباحى فقال الحجاج علمنيه قال معاذ الله ان اعلمه لاحد وانت حى فقال خلو سبيله فقيل له فى ذلك فقال رأيت على عاتقيه اسدين عظيمين فاتحين افواههما ولما حضرته الوفاة قال لخادمه ان لك على حقا اى حق الخدمة فعلمه الدعاء المذكور وقال له قل « بسم الله خير الاسماء بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ فى الارض ولا فى السماء » ثم ان هذا فى الدنيا واما فى الآخرة لم ينجعه الوعظ فلم يدر قدرته ولم يقبل فوصل من طريق الرد والعناد الى الغرق والهلاك نعوذ بالله رب العبادة .
فعلى العاقل ان يستمع الى الناصح : قال الحافظ
امروز قدر بند عزيزان شناختم ... يا رب روان ناصح ما از تو شاد باد
قوله امروز يريد به وقت الشيخوخة واشارة الى ان وقت الشباب ليس كوقت الكهولة والذاترى اكثر الشباب منكبين على سماع الملاهى معرضين عن الناصح الالهى فمن هداه الله تعالى رجع الى نفسه ودعا لناصحه لانه ينصح حروفه بالفارسية [ ميدوزد دريدهاى او ] ولا بد للسالك من مرشد ومجاهدة ورياضة فان مجرد وجود المرشد لا ينفعه ما دام لم يسترشد ألا ترى ان فرعون عفرف حقية موسى وما جاء به لكنه ابى عن سلوك طريقه فلم ينتفع به فالاول الاعتقاد ثم الاقرار ثم الاجتهاد وقد قال بعضهم ( ان السفينة لا تجرى على اليبس ) والنفس تجر على الدعة والبطالة وقد قال تعالى
{ انفروا خفافا وثقالا } فالعبادة لازمة لاى ان يأتى اليقين حال النشاط والكراهة والجهاد ماض الى يوم القيامة : قال المولى الجامى قدس سره (8/159)
بى رنج كسى جون نبردره بسر كنج آن به كه بكوشم بتمنا ننشيمنم ... نسأل الله تعالى ان يوفقنا لطريق مرضاته ويوصلنا الى جناب حضرته .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)
{ يا بنى اسرائيل } اى قلنا لهم بعد اغراق فرعون وقومه وانجائهم منهم { قد انجيناكم من عدوكم } فرعون وقومه حيث كانوا يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم ويستخدمونكم فى الاعمال الشاقة والعدو يجيئ فى معنى الوحدة والجماعة { وواعدناكم جانب الطور الايمن } بالنصب على انه صفة للمضاف اى واعدناكم بوساطة نبيكم اتيان جانبه الايمن نظرا الى السالك من مصر الى الشام والا فليس للجبل ييمن ولا يسار اى اتيان موسى للمناجاة وانزال التوراة عليه ونسبة المواعدة اليهم مع كونهم لموسى نظرا الى ملابستها اياهم وسراية منفعتها اليهم { ونزلنا عليكم المن } هو شئ كالطل فيه حلاوة يسقط على لاشجر يقال له الترنجين معرب « كرنكبين » { والسلوى } طائر يقال له السمانى كان ينزل عليهم المن وهم فى التيه مثل الثلج من الفجر الى الطلوع لكل انسان صاع ويبعث عليهم الجنوب السمانى فيذبح الرجال ما يكفيه والتيه المفازة التى يتاه فيها وذلك حين امروا بان يدخلوا مدينة الجبارين فابوا ذلك فعاقبهم الله بان يتيهوا فى الارض اربعين سنة كما مر فى سورة المائدة ومثل ذلك كمثل الوالد المشفق يضرب ولده العاصى ليتأدب وهو لا يقطع عنه احسانه فقد ابتلوا بالتيه ورزقوا بما لا تعرب فيه . (8/160)
اى كريمى ك از خزانه غيب ... كبر وترسا وظيفه خوردارى
دوستانرا كجا كنى محروم ... توكه بادشمنان نظر دارى
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)
{ كلوا } اى وقلنالكم كلوا { من طيبات ما رزقناكم } اى من لذائذ او حلالته . (8/161)
قال الراغب اصل الطيب ما تستلذه الحواس والنفس والطعام الطيب فى الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز ومن المكان الذى يجوز فانه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا وآجلا لا يستوخم والا فانه وان كان طيبا عاجلا لم يطب آجلا { ولا تطغوا فيه } الطغيان تجاوز الحد فى العصيان اى ولا تتجاوزا الحد فيما رزقناكم بالاخلال بشكره والبلسرف والبطر والمنع من المستحق والادخار منه لاكثر من يوم وليلة { فيحل عليكم غضبى } جواب للنهى اى فيلزمكم عقوبتى وتجب لكم من حل الدين يحل بالكسر اذا وجب اداؤه واما يحل بالضم فهو بمعنى الحلول اى النزول والغضب ثوران دم القلب عند ارادة الانتقام واذا وصف الله تعالى به فالمراد دون غيره : وفى المثنوى
شكر منعم واب امد درخرد ... ورنه بكشايد درخشم ابدا
ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى } اى تردى وهلك واصله ان يصقط من جبل فيهلك ومن بلاغات الزمخشرى من ارسل نفسه مع الهوى فقد هوى فى ابعد الهوى .
وفى التأويلات النجمية ونزلنا عليهم المن من صفاتنا والسلوى سلوى اخلاقنا كانوا من طيبات ما رزقناكم اى اتصفوا بطبيات صفاتنا وتخلقوا بكرائم اخلاقنا الى صرفناكم بها اى لو لم تكن العناية الربانية لما نجا الروح والقلب وصفاتهما من شر فرعون النفس وصفاتها ولولا التأييد الالهى لما اتصفوا بصفات الله ولا تخلقوا باخلاقه ثم قال ولا تطغوا فيه اى اذا استغنيتم بصفاتى واخلاقى عن صفاتكم واخلاقكم فلا تطغوا بان تدعوا العبودية وتدعوا وما اشبه هذه الاحوال مما يتولد من طبيعة الانسانية فان الانسان ليطغى ان رآه استغنى وان طغيان هذه الطائفة بمثل هذه المقالات وان كانت هى من احوالهم لان الحالات لا تصلح للمقامات وهى موجبة للغضب كما قال تعالى { فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى } اى نجعل كل معاملاته فى العبودية هباء منثورا ولهذا الوعيد امر الله عباده فى الاستهداء بقوله { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم } اى اهدنا هداية غير من انعمت عليهم بتوفيق الطاعة والعبودية ثم ابتليته بطغيان يحل عليه غضبك .
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)
{ وانى لغفار } لستور { لمن تاب } من الشرك والمعاصى التى من جملتها الطغيان فيما ذكر . (8/162)
قال فى المفاتيح شرح المصابيح الفرق بين الغفور والغفار ان الغفور كثير المغفرة عن الدنس ولعل الغفار ابلغ منه لزيادة بنائه وقيل الفرق بينه وبين الغفار ان المبالغة فيه من جهة الكيفية وفى الغفار باعتبار الكمية { وآمن } بما يجب الايمان به { وعمل صالحا } مستقيما عند الشرع والنقل .
وفيه ترغيب لمن وقع منه الطغيان فيما ذكر وحث على التوبة والايمان { ثم اهتدى } اى استقام على الهدى ولزمه حتى يموت وهو اشارة الى ان من لم يستمر عليه بمعزل من الغفران وثم للتراخى الرتبى .
قال فى بحر العلوم ثم لتراخى الاستقامة على الخير عن الخير نفسه وفضلها عليه لانها اعلى منه واجل لان الشأن كله فيها وهى مزلة اقدام الجرال . قال ابن عطاء { وانى لغفار لمن تاب } اى رجع من طريق المخالفة الى طريق الموافقة وصدق موعود الله فيه واتبع السنة { ثم اهتدى } اقام على ذلك لا يطلب سواه مسلكا وطريقا
راه سنت رواكر خواهى طريق مستقيم ... كزسنن راهى بود سوى رضاى ذو المنن
هرمزده درجشم وى همجون سنانى بادتيز ... كرسنان زندكى خواهد زمانى بى سنن
وفى التأويلات النجمية اى رجع من الطغيان بعبادة الرحمن { وعمل صالحا } بالعبودية للربوبية { ثم اهتدى } اى تحقق له ان تلك الحضرة منزهة عن دنس الوهم والخيال وان الربوبية قائمون والعبودية دائمة . اعلم ان التوبة بمنزلة الصابون فكما ان الصابون يزيل الاوساخ الظاهرة فكذلك التوبة تزيل الاوساخ الباطنة اعنى الذنوب - روى - ان رجلا قال للدينورى ما اصنع فكلما وقفت على باب المولى صرفتنى البلوى فقال كن كالصبى مع امه كما ضربته بجزع بين يديها فلا يزال كذلك حتى تضمه اليها والتوبة الاكبار من رؤية الحسنات والالتفات الى الطاعات . وشرائط التوبة ثلاث . الندم بالقلب . والاعتذار باللسان بان يستغفر الله . والاقلاع بالجوارح وهو الكف عن الذنب وفى الحديث « المستغفر باللسان المصر على الذنوب كالمستهزئ بربه » وقال المول الجامى قدس سره
دارم جهان جهان كنه اى شرم روى من ... جون روى ازين جهان بجهان دركنهم
ياران دواسبه عازم ملك يقين شدند ... تاكى عنان عقل بدست كمان دهم
باخلق لاف توبه ودل بركنه مصر ... كس بى نمى بردكه بدين كونه كمرهم
وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83)
{ وما اعجلك عن قومك يا موسى } مبتدأ وخبر اى وقلنا لموسى عند ابتداء موافاته الميقات بموجب المواعدة المذكورة أى شئ حملك على العجلة سبقتك منفردا عن قومك وهم النقباء السبعون المختارون للخروج معه الى الطور وذلك انه سبقهم شوقا الى ميعاد الله وامرهم ان يتبعوه كما فى الجلالين . (8/163)
قال فى العرائس ضاق صدر موسى من معاشر الخلق وتذكر ايام وصال الحق فعلة العجلة الشوق الى لقاء الله تعالى .
قال الكاشفى [ آورده اندكه بنى اسرائيل بعد ازهلاك فرعون از موسى عليه السلام استدعا نمودندكه از براى ما قواعد شريعتى واحكام آن مبين ساز موسى درآن باب باحضرت رب الارباب مناجات كرد خطاب رسيدكه باجمعى از اشراف بنى اسرائيل بكوه طور آى تا كتابى كه جامع احكام شرع باشد بتودهم موسى هارون را بجاى خود بكذاشت وباجوجوه قوم كه هفتادتن بودند متوجه طور شدند قوم را وعده كردكه جهل روز ديكرمى آيم وكتاب مى آوردم وجون بنزديك طور رسيدند قوم را بكذاشت واز غايت اشتياق كه بكلام وبيام الهى داشت زود تربالاى كوه برآمد خطاب ربانى رسيدكه { وما اعجلك } الخ وجه جيز شتابان ساخت تراتا تعجيل كردى وبيش آمدى ازكروه خود اى موسى ] .
يقول الفقير هذا سؤال انبساط كقوله تعالى { وما تلك بيمينك } لا سؤال انكار كما ظن اكثر المفسرين من الاجلاء وغيرهم .
قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)
{ قال هم اولاء على اثرى } يجيئون بعدى : وبالفارسية [ كفت موسى كه ايشان كروه مردان اينك مى آيند بربى من وساعت بساعت برسند ] { وعجلت } بسبقى اياهم { اليك } [ بسوى تو } { رب } [ اى بروردكار من ] { لترضى } عنى بمسارعتى الى الامتثال بامرك واعنائى بالوفاء بعهدك . (8/164)
وفى الآيتين اشارة الى معانى مهختلفة . منها ليعلم ان السائر لا ينبغى ان يتوانى فى السير ال الله ويرى ان رضى الله فى استعجاله فى السير والعجلة ممدوحة فى الدين قال تعالى { وسارعوا الى مغفرة من ربكم } والاصل الطلب : وفى المثنوى .
كركران وكرشتابنده بود ... آنكه دجوينده است يابنده بود
در طلب زن دائما توهردودست ... كه طلب درراه نيكورهبراست
وقد ورد ( ان الامور مرهونة باوقاتها ) ولذا قال .
جو صبح وصل او خواهد ديمدن عاقبت جامى ... مخور غم كرشب هجران بيايان ديرمى آيد
ومنها ينبعى ان السائر لا يتعوق بعائق فى السير وان كان فى الله ولله كما كان حال موسى فى السير الى الله فما تعوق بقومه واستعجل فى السير وبطلت الوائق وقد صح ان المجنون العامرى تلك الناقة فى طريق ليلى لكونها عائقة عن سرعة السير الى جنابها فمشى على الوجه كما قال فى المثوى
راه نزديك وبماندم سخت دير ... سير كشتم زين سوارى سير سير
سرنكون خود را زاشتر در فكند ... كفت سوزيدم زغم تاجند جند
تنك شد بروى بيابان فراخ ... خويشتن افكند اندر سنكلاخ
باى را بربست وفكتا كوشوم ... درخم جو كان غلطان مى روم
عشق مولى كى كم ازليلى بود ... كوى كشتن بهر او اولى بود
كوى شو مى كرد بربهلوى صدق ... غلط غلطان درحم جوكان عشق
ومنها ان قصد السائر الى الله تعالى ونيته ينبغى ان يكون خالصا لله وطلبه لا لغيره كما قال { وعجلت اليك رب } كان قصده الى الله : قال الكمال الخجندى
سالك باك رونخوا نندش ... آنكه ازماسوى منزه نيست
ومنها ان يكون مطلوب السائر من الله رضاه لا رضى نفسه منه كما قال { لترضى } كما فى التأويلات النجمية .
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)
{ قال } الله وهو استئناف بيانى { فانا قد فتنا قومك من بعدك } القيناهم فى فتنة من يعد خروجك من بينهم وابتليناهم فى ايمانهم بخلق العجل وهم الذين خلفهم مع هارون على ساحل البحر وكانوا ستمائة الف ما نجا منهم من عبادة العجل الا اثنا عشر الفا قال الله تعالى لموسى أتردى من اين اتيت قال لا يا رب قال حين قلت لهارون اخلفنى فى قومىعن كنت انا حين اعتمدت على هارون . وفيه اشارة الى ان طريق الانبياء ومتبعيهم محفوف بالفتنة والبلاء كما قال عليه السلام « ان البلاء موكل بالانبياء الامثل فالامثل » وقد قيل ان البلاء للولاء كاللهب للذهب والى ان فتنة الامة والمريد بمفارقة الصحبة من النبى والشيخ كما قال تعالى { فانا قد فتنا قومك من بعدك } اى بعد مفارقتك اياهم فان المسافر اذا انقطع عن صحبة الرفقة افتتن بقطاع الطريق والغيلان : قال الحافظ (8/165)
قطع اين مرحله بى همرهئ خضر مكن ... ظلماتست بترس از خطر كمراهى
روى - انهم اقاموا على ما وصى به موسى عشرين ليلة بعد ذهابه فحسبوها مع ايامها اربعين وقالوا قد اكملنا العدة وليس من موسى عين ولا اثر { واضلهم السامرى } حيث كان هو المدبر فى الفتنة والداعى الى عابدة العجل . قال فى الاسئلة المقحمة اضاف الاضلال الى السامرى لانه كان حصل بتقريره ودعوته واضاف الفتنة الى نفسه لحصولها بفعله وقدرته وارادته وخلقه وعلى هذا ابدا اضافة الاشياء الى اسبابها ومسبباتها انتهى .
- واخباره تعالى بوقوع هذه الفتنة عند قدومه عليه السلام اما باعتبار تحققها فى علمه ومشيئته تعالى واما بطريق التعبير عن المتوقع بالواقع اولان السامرى قد عزم على ايقاع الفتنة على ذهاب موسى وتصدى لترتيب مباديها فكانت الفتنة واقعة عند الاخبار والسامرى رجل من عظماء بنى اسرائيل منسوب الى قبيلة السامرة منهم او علج من اهل كرمان من قوم يعبدون البقر وحين دخل ديار بنى اسرائيل اسلم معهم وفى قلبه حب عبادة البقر فابتلى الله بنى اسرائيل فكشف له عن بصره فرأى اثر فرس الحياة لجبريل ويقال له حيزوم واخذ من ترابه والقاه بوحى الشيطان فى الحلى المذابة كما يجيئ .
- قال الكاشفى [ اصح آنست كه او ازاسرئليات نست ودر وقتى كه فرعون ابناى ايشانرا مى كشت او متولد شدة ومادر بعد ازتولد اورا كبنارنيل درجزيره بيفكند وحق سبحانه جبرائيل امر فرمود تا اورا برورش دهد ومأكول ومشروب وى مهيا كرداند محافظت نموده ازين وقت كه موسى بطور رفت سامرى نزدهارون آمده كفت قد رى بيرايه كه از قبطيان عاريت كرفته ايم باماست ومارا در آن تصرف كردن روانيست ومى بينم كه بنى اسرائيل آنرا مى خرند ومى فروشند حكم فرماى تاهمه جميع كنند وبسوزند هارون امرفرمودكه تمام بيرايه ها آوردند ودر حفره ريختند ودرآن آتش زنند وسامرى زركرى جالاك بود همين كه ان زر بكداخت وى قالبى ساخته بود زركداخته دران ريخته وشكل كوساله بيرون آورد وقدرى ازخاك زيرسم جبريل كه فرس الحياة مى كفتند در درون وى ريخت فى الحال زنده كشت وكوشت وبوست بروبيداشت وبآواز درآمد وكيوند زنده نشد ليك بآن وضع ريخته بود بانكى كردكه جهاردانك قوم بنى اسرائيل ويراسجده كردند حق تعالى موسى را خبرداد كه قوم توبعد از خروج توكوساله برست شدند ]
فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)
{ فرجع موسى الى قومه } اى بعد ما استوفى الاربين ذا القعدة وعشر ذى الحجة واخذ الالواح المكتوب فيها التوراة وكانت الف سورة كل سورة الف آية يحمل اسفارها سبعون جملا { غضبان } [ خشمناك بريشان ] { اسفا } [ اندوهكين ازعمل ايشان ] اى شديد الحزن على ما فعلوا او شديد الغضب ومنه قوله عليه السلام فى موت افجأة « رحمة للمؤمنين واخذة اسيف للكافرين » (8/166)
قال الامام الراغب الاسف الحزن والغضب معا وقد يقال لكل منهما على الانفراد .
قال الكاشفى [ جون بميان قوم رسيد بانك وخروش ايشان شنيدكه كرداكرد كوساله دف ميزدند ورقص ميكردند بعتاب آغاز كرد ازروى ملامت ] { قال يا قوم } [ اى كروه من ] { ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } بان يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى اى وعدكم وعدا صادقا بحيث لا سبيل لكم الى انكاره .
قال فى بحر العلوم { وعدا حسنا } اى متناهيا فى الحسن فانه تعالى وعدهم ان يعطيهم التوراة التى فيها هدى ونور ولا وعد احسن من ذلك واجمل .
وفيه اشارة الى الن الله تعالى اذا وعد وقمالا بدله من الوفاء بالوعد فيحتمل ان يكون ذلك الوفاء فتنة للقوم وبلاء لهم كما كان لوقم موسى اذ وعدهم الله بايتاء التوراة ومكالمته موسى وقومه السبعين المختارين فلما وفى به تولدت لهم الفتنة والبلاء من وفائه وهى الضال وعبادة العجل ولكن الوعد لما كان موصوفا بالحسن كان البلاء الحاصل من الوعد الحسن بلاء حسنا وكان عاقبة امرهم التوبة والنجاة ورفعة الدرجات { أفطال عليكم العهد } الفاء للعطف على مقدرة والهمزة لانكار المعطوف ونفيه فقط اى اوعدكم ذلك فطال زمان الانجاز فاخطأتم بسببه .
وفى الجلالين مدة مفارقتى اياكم يقال طال عهدى بك اى طال زمانى بسبب مفارقتك { ام اردتم ان يحل } يجب كما سبق { عليكم غضب } عذاب عظيم وانتقام شديد كائن { من ربكم } من مالك امركم على الاطلاق بسبب عبادة ما هو مثل فى الغباوة والبلادة { فاخلفتم موعدى } والفاء لترتيب ما بعدها على كل واحد من شقى الترديد على سبيل البدل كأنه قيل أنسيتم الوعد بطول العهد فاخلفتموه خطأ ام اردتم حلول الغضب عليكم فاخلفتموه عمدا .
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)
{ قالوا ما اخلفنا موعدك } اى وعدنا اياك الثبات على ما امرتنا به { بملكنا } اى بقدرتنا واختيارنا لكم مغلوبا والملك القدرة { ولكنا حملنا اوزارا من زينة القوم } جمع وزر بالكسر بمعنى الحمل الثقيل اى احمالا من حلى القبط الى استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس { فقذفناها } اى طرحنا الحلى فى النار رجاء للخلاص من ذنبها { فكذلك } اى مثل ذلك القذف { القى السامرى } اى ما معه من الحلى وقد كان اراهم انه ايضا يلقى ما كان وكان لا يخالط شيأ الا غيره وهو من الكرامة التى خصها الله بروح القدس . (8/167)
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)
{ فاخرج } اى السامرى بسبب دلك التراب { لهم } اى للقائلين { عجلا } من تلك الحلى المذابة وهو ولد البقرة { جسدا } بدل منه اوجثة ذا ذم ولحم او جسدا من ذهب لا روح له ولا امتناع فى ظهور الخارق على يد الضال { له خوار } نعت له يقال خار العجل خوار اذا صاح اى العجل { الهم واله موسى فنسى } اى غفل عنه وذهب يطلبه فى الطور وهذا حكاية نتيجة فتنة السامرى فعلا وقولا من جهته تعالى قصد الى زيادة تقريرها ثمخ ترتيب الانكار عليها لا من جهة القائلين والا لقيل فاخرج لنا ولا شك ان الله خلقه ابتلاء لعباده ليظهر الثابت من الزائغ واعجب من خلق الله العجل خلقه ابليس محنة لهم ولغيرهم . (8/168)
أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)
{ أفلا يرون } الفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى ألا يتفكرون فلا يعلمون { ان } مخففة من الثقيلة اى انه { لا يرجع } [ بازنمى كرداند كوساله ] { اليهم } [ بسوى ايشان ] { قولا } كلاما ولا يرد عليهم جوابا : يعنى [ هر جند اورا مى خوانند جواب نمى دهد ] فكيف يتوهمون انه آله فقوله يرجع من الرجع المتعدى بمعنى الاعادة لا من الرجوع اللازم بمعنى العود { ولا يملك له مضرا ولا نفا } اى لا يقد رعلى ان يدفع عنهم ضررا او يجلب لهم نفقا . (8/169)
قال فى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان الله تعالى اذا اراد ان يقضى قضاء سلب ذوى العقول عقولهم واعمى ابصارهم بعد ان رأوا الآيات وشاهدوا المعجزات كأنهم لم يروا شيأ فيها فلهذا قال { أفلا يرون } يعنى العجل وعجزه { ان لا يرجع اليهم قولا } اى شيأ من القول { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } انتهى . وفى الآيات اشارات . منها ان الغضب فى الله من لوازم نشأة الانسان الكامل لانه مرآة الحضرة الالهية وهى مشتملة على الغضب فى الله من لوزم نشأة الانسان الكامل لانه مرآة الحضرة الالهية وهى مشتملة على الغضب ورد عن النبى عليه السلام انه كان لا يغضب لنفسه واذا غضب لله لم يقم لغضبه شئ فمن العباد من يغضب الحق لغضبه ويرضى لرضاه بل من نفسى غضبه غضب الحق وعين رضاه هو رضى الحق فمطلق غضبهم فى الحقيقة عبارة عن تعين غضب الحق فيهم من كونهم مجاليه ومجالى اسمائه وصفاته لا كغضب الجمهور .
قال ابو عبد الله الرضى ان الله لا يأسف كاسفنا ولكن له اولياء يأسفون ويرضون فجعل رضاهم رضاه وغضبهم غضبه قال وعلى ذلك قال « من اهان لى وليا فقد بارزنى فى المحاربة » .
فعلى العاقل ان يتبع طريق الانبياء والاولياء ويغضب للحق اذا رأى منكرا
كرت نهى منكر برآيد زدست ... نشايد جوبى دست وبايان نشست
جو دست وزبانرا نماند مجال ... بهمت نمايند مردى رجال
ومنها اى من اسباب غضب الله تعالى اخلف بالوعد ونقض العهد فلا بد لطالب الرحمة من الاستقامة والثبات
ازدم صبح ازل تا آخر شام آبد ... دوستى ومهر بريك عهد ويك ميثاق بود
[ وفى وصايا الفتوحات حق تعالى بموسى عليه السلام وحى كرد هركه باميد توآيد اورا بى بهره مكذار وهركه زينهار خواست اورا زينهارده . موسى درسياحت بود ن كاه كبوترى بر كتف او نشست وبازى درعقب او مى آمد وقصد آن كبوتر داشت بركتف ديكر فرو آمد آن كبوتر درآستين موسى در آمد وزينهار مى خواسست وباز بزبان فصيح بموسى آواز دادكه اى بسر عمران مرا بى بهره مكذار وميان من ورزق من جداى ميفكن موسى كفت جه زود مبتلاشدم ودست كرد تا ازران خود باره قطع كند براى طعمه بازتا حفظ عهد كرده باشد وبكار هر دو وفانموده كفتند يا ابن عمران تعجيل مكن كه مارسولانيم وغرض آن بودكه صحت عهد تو آز مايش كنيم ]
أيا سامعا ليس السماع بنافع ... اذا انت لم تفعل فما انت سامع (8/170)
اذا كنت فى الدنيا من الخبرة عاجزا ... فما انت فى يوم القيامة صانع
ومنها ان متاع الدنيا سبب الغرور والفساد والهلاك ألا ترى ان فرعون اغتر بدنياه فهلك وان السامرى صاغ من الحلى عجلا فافسد ولو لم يستصحبوها حين خرجوا من مصر لنجو من عبادته والابتلاء بتوبته نسأل الله تعالى ان يهدينا هداية كاملة الى جنابه ولا يردنا عن بابه ولا يبتلينا باسباب عذابه .
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90)
{ لقد قال لهم هارون من قبل } اى وبالله لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الامر من قبل رجوع موسى اليهم وخطابه اياهم بما ذكر من المقالات { يا قوم } [ اى كروه من ] { انما فتنتم به } اى اوقعتم فى الفتنة بالعجل واضللتم به على توجيه القصر المستفاد من كلمة انما الى نفس الفعل بالقياس الى مقابله الذى يدعيه القوم لا الى قيده المذكور بالقياس الى قيد آخر على معنى انما فعل بكم الفتنة لا الارشاد الى الحق لا على معنى انما فتنتم بالعجل لا بغيره { وان ربكم } المستحق للعبادة هو { الرحمن } المنعم بجميع النعم لا العجل فى الثبات على الدين { واطيعوا امرى } هذا واتركوا عبادة ما عرفتم شأنه وما احسن هذا الوعظ فانه زجرهم عن الباطل بقوله { انما فتنتم به } وازال الشبهات اولا وهو كاماطة الاذى عن الطريق ثم دعاهم الى معرفة الله بقوله { وان ربكم الرحمن } فانها الاصل ثم الى معرفة النوبة بقوله { فاتبعونى } ثم الى الشرائع فقال { واطيعوا امرى } وفى هذا الوعظ بشفقة على نفسه وعلى الخلق اما على نفسه فانه كان مأمورا من عند الله بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر ومن عند اخيه لخالف امر الله وامر موسى وانه لا يجوز . (8/171)
اوحى الله الى يوشع انى مهلك من قومك ارعبين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم فقال يا رب هؤلاء الاشرار فما بال الاخيار قال انهم لم يغضبوا لغضبى وفى الحديث « مثل الؤمنين فى تراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اتشكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » قال الشيخ سعدى قدس سره
بنى آدم اعضاى يكديكرند ... كه در آفرينش ريك كوهرند
جو عضوى بدرد آوردروزكار ... دكر عضوهارا نماند قرار
توكز محنت ديكران بى غمى ... نشايد كه نامت نهند آيمى
ثم ان هارون رأى المتهافتين على النار فلم يبال بكثرتهم ولا نفرتم بل صرح بالحق
بكوى آنجه دانى سخن سودمند ... وكر هيج كس را نيايد بسند
كه فردا بشيمان برآرد خروش ... كه آوخ جرا حق نكردم بكوش
وههنا دقيقة وفى ان الرافضة تمسكوا بقوله عليه السلام « انت منى بمنزلة هارون من موسى » ثم ان هارون ما منعه التقية فى مثل هذا الجمع العظيم بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس الى متابعة نفسه والمنع من متابة غيره فلو كانت امة مخحمد على الخطأ لكان يجب ان يفعل مثل ما فعل هارون وان يصعد المنبر من غير تقية وخوف ويقول فاتبعونى واطيعوا امرى فلما لم يقل كذلك علمنا ان الامة كانوا على الصواب وقد ثبت ان علينا احرق الزنادقة الذين قالوا بالآلهيته لما كانوا على الباطل .
قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91)
{ قالوا } فى جواب هارون { لن نبرح عليه } لن نزال على العجل وعبادته { عاكفين } مقيمين . (8/172)
قال الرغاب العكوف الاقبال على الشئ وملازمته على سبيل التعظيم .
قال فى الكبير رحمته تعالى خلصتهم من آفات فرعون ثم النهم لجهلهم قابلوه بالتقليد فقالوا { لن نبرح عليه عاكفين } { حتى يرجع الينا موسى } اى لا نقبل حجتك وانما نقبل قول موسى .
وقال فى الارشاد وجعلوا رجوعه عليه السلام اليهم غاية لعكوفهم على عبادة العجل لكن لا على طريق الوعد بتركها عند ردوعه بل بطريق التعلل والتسويف وقد دسوا تحت ذلك انه عليه السلام لا يرجع بشئ مبين تعويلا على مقابلة السامرى - روى - انهم لما قالوه اعتزلهم هارون فى اثنى عشر الفا وهم الذين لم يعبدوا العجل فلما رجع موسى وسمع الصياح وكانوا يرقصون حول العجل قال للسبعين الذين كانوا معه هذا صوت الفتنة لهم ما قال وسمع منهم ما قالوا .
وفى التأويلات النجمية لم يسمعوا قول هارون لانهم عن السمع الحقيقى لمعزولون فلهذا { قالوا لن نبرح } الخ وفيه اشار الى ان المريد اذا استسعد بخدمة شيخ كامل واصل وصحبه بصدق الارادة ممتثلا لاوامره ونواهيه قابلا لتصرفات الشيخ فى ارشاد يصير بنور ولايته سميعا بصيرا يسمع ويرى من الاسرار والمعنى بنور ولاية الشيخ ما لم يكن يسمع ويرى ثم ان ابتلى بمفارقة صحبة الشيخ قبل اوانه يزول عنه نور الولاية او يحتجب بحجاب ما ويبقى اصم واعمى كما كان حتى يرجع الى صحبة الشيخ ويتنور بنور ولايته .
قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92)
{ قال } استئناف بيانى كأنه قيل فما قال لهارون حين سمع جوابه له وهل رضى بسكوته بعدما شاهد منهم ما شاهد فقيل قال له وهو مغتاظ وقد اخذ بلحيته ورأسه وكان هارون طويل الشعر { يا هارون ما منعك اذ رأيتهم ضلوا } اخطأوا طريق عبودية الله بعبادة العجل وبلغوا من المكابرة ال ان شافهوك بالمقالة الشنعاء . (8/173)
أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)
{ ان لا تتبعن } لا مزيدة وهو مفعول ثان لمنع وهو عامل فى اذ اى أى شئ منعك حين رؤيتك لضلالهم من ان تتبعنى فى الغضب لله والمقاتلة مع من كفر به وان تأتى عقبى وتلحقنى وتخبرنى لأرجع اليهم لئلا يقعوا فى هلاك هذه الفتنة او غير مزيدة على ان منعك مجاز عن دعاك . والمعنى ما دعاك الى ترك اتباعى وعدمه فى شدة لاغضب لله ولدينه ونظير لا هذه قوله { ما منعك ان لا تسجد } فى الوجهين . (8/174)
قال فى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان موسى لما كان بلميقات مستغرقا فى بحر شواهد الحق ما كان يرى غير الحق ولم يكن محتجبا بحجب الوسائط حتى ان الله تعالى ابتلاه بالوسائط بقوله { انا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السامرى } اضاف الفتنة الى نفسه واحال الاضلال الى السامرى اختبر ليعلم منه انه هل يرى غير الله مع الله فى افعاله الخير والشر فما التفت الى الوسائط وما رأى الفعل فى مقام الحقيقة على بساط القربة الا منه وقال فى جوابه { ان هى الا فتنتك } اضافة الفتنة والاضلال اليه تعالى مراعيا حق الحقيقة على قدم الشريعة الى نور الحقيقة قال يا هارون { أفعصيت امرى } اى بالصلابة فى الدين والمحاماة عليه كما عصى هؤلاء القوم امرى وامر الله فان قوله عليه السلام { اخلفنى } متضمن للامر بهما حتما فان الخلافة لا تتحقق الا بمباشرةالخليفة ماكان يباشره المستخلف لو كان حاضرا والهمزة للانكار التوبيخى والفاء عطف على مقدر يقتضيه المقام اى أخافتنى فعصيت امرى .
قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)
{ قال يا ابن ام } الام بازاء الاب وهى الوالدة القريبة التى ولدته والبعيدة التى ولدت من ولدته ويقال لكل ما كان اصلا لوجود شئ او تربيته او اصلاحه او مبدئه ام واصله يا ابن امى ابدل الباء الفاء فقيل يا ابن اما ثم حذف الالف واكتفى بالفتحة لكثرة الاستعمال وطول اللفظ وثقل التضعيف وقرئ يا ابن ام بالكسر بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة وخص الام بالاضفة استعظاما لحقها وترقيقا لقلبه واعتداد لنسبها الى انهما من بطن واحد والا فالجمهور على انهما لاب وام . (8/175)
قال بعض الكبار كانت نوبة هارون من حضرة الرحمن كما قال تعالى { ووهبنا له من رحمتنا اخاه هارون نبيا } ولذا ناداه بامه اذ كانت الرحمة للام اوفر ولذا صيرت على مباشرة التربية .
وفى التأويلات النجمية لما رأى هارون موسى رجع من تلك الحضرة سكران الشوق ملآن الذوق وفيه نخزة القربة والاصطفاء والمكالمة ما وسعه الا التواضع والخشوع فقال يا ابن ام { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } اى بشعر رأسى وخاطبه ببيان ام لمعنين احدهما ليأخذه رأفة صلة الرحم فيسكن غضبه والثانى ليذكره بذكر امه الحالة التى وقعت له فى الميقات حين سأل ربه الرؤية فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا وجاء الملائكة فى حال تلك الصعقة يجرون برأسة ويقولون يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الارباب : قال الحافظ
برو اين دام برمرغ دكرنه ... كه عنقارا بلنداست آشيانه
وقال
عنقا شكاركس نبود دام بازجين ... كآنجا هميشه بادبدسثست دام را
- روى - انه اخذ شعر رأسه بيمنيه ولحيته بشماله من شدة غيظه وغضب لله وكان حديدا متصلبا فى كل شئ فلم يتمالك حين رآهم يعبد العجل ففعل ما فعل بمرأى من وقمه اى بمكان يراه قومه ويرون ما يفعل باخيه { انى خشيت } لو قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا { ان تقول فرقت بين بنى اسرائيل } برأيك واراد بالتفريق ما يستتبعه القتال من تفريق لا يرجى بعده الاجتماع .
وفى الجلالين خشيت ان فارقتهم واتبعتك ان يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضا فتقول اوقعت الفرق فيما بينهم { ولم يترقب قولى } لم تحفظ وصيتى فى حسن الخلافة عليهم يريد به قوله { اخلفنى فى قومى واصلح } فان الاصلاح ضم النشر وحفظ جماعات الناس والمداراة بهم الى ان ترجع اليهم وترى فيهم ما ترى فتكون انت المتدارك للامر بنفسك المتلافى برأيك لا سيما وقد كانوا فى غاية القوة ونحن على القلة والضعف كما يعرف عنه قوله { ان القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى } وفى العيون اى لم تنظر فى امرى او لم تنتظر قدومى .
وفى التأويلات النجمية يعنى منعنى ترقب قولك واطاعة امرك عن اتباعك لا عصيان ارمك انتهى وهذا الكلام من هارون اعتذار والعذر تحرك الانسان ما يمحو به ذنوبه وذلك ثلاثة اضرب ان يقول لم افعل او يقول فعلت لاجل كذا فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبا او يقول فعلت ولا اعود ونحو ذلك وهذا الثالث هو التوبة فكل توبة عذر دون العكس وكان هارون حليما رفيقا ولذا كان بنوا اسرائيل اشد حباله .
وعن على رضى الله عنه احسن الكنوز محبة القلوب . (8/176)
قال سقراط من احسن خلقه طابت عيشته ودامت سلامته وتأكدت فى النفوس محبته ومن ساء خلقه تنكدت عيشته ودامت بغضته ونفرت النفوس منه .
قال بزر جمهر ثمرة القناعة الراحة وثمرة التواضع المحبة
ارى الحلم فى بعض المواضع ذلة وفى بعضها عزا يسود فاعله
قال ارسطوا باصابة المنطق ويعظم القدر وبالتواضع تكثر المحبة وبالحلم تكثر الانصار وبالرفق تستخدم القلوب وبالوفاء يدوم الاخاء وكان النبى عليه السلام لم يخرج عن حد الين والرفق ولذا قال فى وصفه بالمؤمنين { رؤف رحيم } وفى المثنوى
بندكان حق رحيم وبردبار ... خوى حق دارند در اصلاح كار
مهربان بى رشوتان يارى كران ... در مقام سخت ودر روز كران
هين بجو اين قوم را اى مبتلا ... هين غنيمت دارشان بيش از بلا
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95)
{ قال } كأنه قيل فماذا صنع موسى بعد اعتذار القوم واعتذار هارون واستقرار اصل الفتنة على السامرى فقيل قال موبخا له هذا شأنهم { فما خطبك يا سامرى } الخطب لغة الامر العظيم الذى يكثر فيه التخطاب وهو من تقاليب الخبط . (8/177)
ففيه اشارة الى عظيم خبطه والمعنى ما شأنك وما مطلوبك فيما فعلت وما الذى حملك عليه : وبالفارسية [ جيست اين كار عظيم ترا اى سامرى يعنى اين جيست كه كردى ] خاطبه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه ويفعل به وبما صنعه من العقاب ما يكون نكالا للمفتونين به ولمن خلفهم من اللامم .
قال بعض الكبار { فما خطبك يا سامرى } يعنى فيما صنعت من عدلك الى صورة العجل على الاختصاص وصنعك هذا الشبخ من حلى القوم حتى اخذت بقلوبهم من اجل اموالهم فان عيسى عليه السلام يقول لبنى اسرائيل يا بنى اسرائيل قلب كل انسان حيث ماله فاجعلوا اموالكم فى السماء تكن قلوبكم هناك اى تصدقوا وقدموا الى الآخرة التى هى ابقى واعلى وما سمى المال مالا الا لكونه بالذات تميل القلوب اليه فى نيل المقاصد وتحصيل الحوائج : وفى المثنوى
مال دنيا دام مرغان ضعيف ... ملك عقبى دام مرغان شريف
هين مشوكر عارفى مملوك ملك ... ملك الملك آنكه بجهيد اوزهلك
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)
{ وقال } السامرى مجيبا لموسى عليه السلام { بصرت بما لم يبصروا به } . (8/178)
قال فى القاموس بصربه ككرم وفرح بصرا وبصارة ويكسر صار مبصرا .
وفى المفردات قلما يقال بصرت فى الحاسة اذا لم تضامه رؤية القلب . والمعنى رأيت مالم يره القوم وقد كان رأى ان جبريل جاء راكب فرس وكان كلما وضع الفرس يديه او رجليه على الطريق اليبس يخرج من تحته النبات فى الحال فعرف ان له شأنا فاخذ من موطئه حفنة .
وفى الكبير رآه يوم فلق البحرين تقدم خيل فرعون راكبا على رمكة ودخل البحر .
وفى غيره حين ذهب به الى الطور .
وفى الجلالين قال موسى وما ذلك قال رأيت جبرائيل على فرس الحياة فالقى فى نفسى ان اقبض من اثرها فما القيته على شئ الا صار له روح ولحكم ودم فحين رأيت قومك سألوك ان تجعل لهم الها زينت لى نفسى ذلك فذلك قوله تعالى { فقبضت قبضة من اثر الرسول } اى من تربة موطئ فرس الملك الذى ارسل اليك والمراد فرس الحياة لجبريل ولم يقل جبريل او روح القدس لانه لم يعرف انه جبريل والقبضة المرة من القبض وهو الاخذ بجميع الكف اطلقت علىلمقبوض مرة { فنبذتها } النبذ القاء الشئ وطرحه لقلة الاعتداد به اى طرحتها فى الحلى المذابة او فى فم العجل فكان ما كان .
وفى العرائس قبض السامرى من اثر فرسه قبضة لانه سمع من موسى تأثير القدسيين فى اشباح الاكوان فنثرها على العجل الذهبى فجعل الحق لها اكسيرا من نورفعله ولذا حيى .
وفى التأويلات النجمية { بصرت } يعنى خصص بكرامة فيما رأيت من اثر فرس جبريل والهمت بان له شانا ما خص به احد منكم { فقبضت قبضة من اثر الرسول فنبذتها } يشير بهذا المعنى الى ان الكرامة لاهل الكرامة كرامة ولاهل الغرامة فتنة واستدراج . والفرق بين الفريقين ان اهل الكرامة يصرفونها فى الحق والحقيقة واهل الغرامة يصرفونها فى الابطل والطبيعة كما ان الله تعالى انطق السامرى بنيته الفسادة الباطلة بقوله { وكذلك سولت فى نفسى } اى بشقاوتى ومحنتى والتسويل تزيين النفس لما تحرص عليه وتصير القبيح منها بصورته الحسن واصل التركيب سولت لى نفس تسويلا كائنا مثل المذكور بعد فقدّم على الفعل لافادة القصر واعتبرت الكاف مقحمة لافادة تأكيد ما فادة اسم الاشارة من الفخامة فصار مصدرا مؤكدا لا صفة اى ذلك التزيين البديع زينت لى نفسى ما فعلته من القبض والنبذ لا تزيينا ادنى ولذلك فعلته وحاصل جوابه ان ما فعله انما صدر عنه بمحض اتباع هوى النفس الامارة بالسوء وغوائها لا بشئ آخر من البرهان العقلى والالهام الالهى .
قال الكاشفى [ درلباب آورده كه موسى عليه السلام قصد قتل سامرى كرد ازحق سبحانه وتعالى ندا آمد اورا مكش كه صفت سخاوت برو غالبست وجون ازسخاى او خلق را منفعت بود نفع حيات ازوباز نتوان داشت سرّ واما ما ينفع الناس فيمكث فى الارض اينجا ظاهر ميشود
هرنها لى كه برك دارد وبر ... باد زاب حيات تازة وتر (8/179)
وانجه بى ميوه باشد وسايه ... به كه كردد تنوررا مايه
فعند ذلك { قال } موسى مكافئا له . قال الكاشفى [ كفت موسى مرسامرى راكه جون مرا ازقتل تومنع كردند ] { فاذهب } اى من بين الناس { فان لك فى الحياة } اى ثابت لك مدة حياتك عقوبة ما فعلت { ان تقول لامساس } قال فى المفردات المس كاللمس لكن اللمس قد يقال لطلب الشئ وان لم يوجد والمس يقال فيما يكون معه ادراك بحاسة اللمس .
وفى القاموس قوله تعالى { لا مساس } بالكسر اى لا امس ولا امسى وكذلك التماس ومنه من قبل ان يتماسا انتهى اى لا يمسنى احد ولا امس احد خوفا من ان تأخذ كما الحمى - روى - انه كان اذا ماس احدا ذكرا او انثى حم الماس والمسوس جميعا حمى شديد فتحامى الناس وتحاموه وكان يصيح باقصى صوته لا مساس وحرم عليهم ملاقاته ومواجهته ومكالمته ومبايعته وغيرها مما يعتاد جريانه فيما بين الناس من المعاملات فصار وحديا طريدا يهيم فى البرية مع الوحش والسباع [ ودربعضى تفاسير هست كه جمعى از اولاد سامرى درين زمان كوساله برست اند همان حال دارند ] يعنى ان قومه باقية فيهم تلك الحالة الى اليوم ] يقول الفقير التناسل موقوف على مخالطة الازواج والاولاد فكيف تقوم هذه الدعوى .
قال فى الارشاد لعل السر فى مقابلة جنايته بتلك العقوبة خاصة ما بينهما من مناسبة التضاد فانه لما انشأ الفتنة بما كانت ملابسته سببا لحياة الموات عوقب بما يضاده حيث جعلت ملابسته للحمى التى هى من اسباب موت الاحياء .
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان قصدك ونيتك فيما سولت نفسك ان تكون مطاعا متبوعا آلفا مألوفا فجزاؤك فى الدنيا ان تكون طريدا وحيدا مقتا ممقوتا متشردا متنفرا تقول لمن رآك لا تمسنى ولا امسك فنهلك
جون عاقبت زصحبت يا ران بريدنس بيوند باكسى نكند آنكه عاقلست
وذلك لان فى الانقطاع بعد الاتصال الما شديدا بخلاف الانقاطاع الاصلى ولذى قال من قال
الفت مكير همجو الف هيج باكسى ... تابسته الم نشوى وقت انقطاع
{ وان لك موعدا } اى وعدا فى الآخرة بالعقاب على الشرك والافساد { لن تخلفه } اى لن يخلفك الله ذلك الوعد بل ينجزه البتة بعدما عاقبك فى الدنيا والخلف والاخلاف المخالفة فى الوعد يقال وعدنى فاخلفنى اى خالف فى الميعاد { وانظر الى الهك } معبود بزعمك { الذى ظلت عليه عاكفا } اصله ظللت فحذفت اللام الاولى تخفيفا .
قال فى المفردات ظلت بحذف احدى اللامين يعبر به عما يفعل بالنهار ويجرى مجرى صرت . والمعنى صرت مقيما على عبادته . واما بالفارسية [ بودى بيوسته بر برستش او ] { لنحرقنه } جواب قسم محذوف اى بالنار ويؤيده قراءة { لنحرقنه } من الاحراق وهو ايقاء نار ذات لهب فى الشئ بخلاف الحرق فانه ايقاع حرارة فى الشئ من غير لهب كحرق الثوب بالدق . (8/180)
قال الكاشفى [ واين قول كسيست كه كويد آن كاورا كوشت وبوست بود ] او بالمبرد : بالفارسية [ سوهان ] على انه مبالغة فى حرق اذا برد بالمبرد ويعضده قراءة { لنحرقنه } اى لنبردنه يقال بردت الحديد بالمبرد والبرادة ما سقط منه .
قال الكاشفى [ واين بران قوليست كه او جسدى بودزرين بى حيات ] { ثم لننسفنه فى لايم نسفا } اى لنذرينه فى البحر رمادا او مبرودا بحيث لا يبقى منه عين ولا اثر من نسفت الريح التراب اذا اقلعته وازالته وذرته . والنسف بالفارسية [ بركندن ] للنبات من اصله { وبربودن ] كما فى التهذيب . والذر [ وبباد بر دادن وباد جيزى را بر داشتن ] .
قال الكاشفى [ بس براكنده سازيم خاكستر اورا در دريا تابدانندكه اورا كه توان سوخت صفت الوهيت بروعين جهل ومحض خلافست ]
إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)
{ انما الهكم } اى معبودكم المستحق للعبادة { الله الذى لا اله } فى الوجود لشئ من الاشياء { الا هو } وحده من غير ان يشاركه شئ من الاشياء بوجه من الوجوه التى من جملتها احكام الالوهية . (8/181)
قال فى بحر العلوم قوله { الذى لا اله الا هو } تقرير لاختصاص الالهية ونحوه قولك القبلة الكعبة التى لا قبلة الا هى { وسع كل شئ علما } اى وسع علمه بكل ما كان وما يكون اى علم كل شئ واحاط به بدل من الصلة كأنه قيل انما الهكم الذى وسع كل شئ علما لا غيره كائنا ما كان فيدخل فيه العجل دخولا اولياء .
قال الكاشفى [ نه قالب كوساله كه اكرجه زنده نيزباشد مثلست درغباوت ونادانى ] روى ان موسى اخذ العجل فذبحه ثم حرقه بالنار ثم ذراه فى البحر زيادة عقوبة حيث ابطل سعيه واظهر غباوة المفتتنين به
بادست موسوى جه زند سحر سامرى
قال الحافظ
سحر بامعجزه بهلو نزند ايمن باش ... سامرى كيست كه دست ازيد بيضا ببرد
قال فى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى عبده عجل النفس والهوى بانهم وما يعبدون حصب جهنم منسوفون فى بحر القهر نسفا لاخلاص لهم منه الى الابد وفى قوله { انما الهكم الله الذى لا اله الا هو } اشارة الى ان من يعبد الها دونه يحرقه بنار القطيعة وينسفه فى بحر القهر الى ابدالآباد و { وسع كل شئ علما } فعلم استحقاق كل عبد للطف او للقهر .
يقال لما وقع الازدواج بين آدم وحواء والازدواج بين ابليس والدنيا فتولد من الزدواج الاول نوع البشر ومنالثانى الهوى فجميع الاديان الباطلة والاخلاق المذومة من تأثير ذلك الهوى يقال ان ضرر البدعة والهوى اكثر من ضرر المعصية فان صاحب المعصية يعلم قبحها فيستغفر فيتوب بخلاف صاحب البدعة والهوى .
اعلم انهم قالوا لكل فرعون موسى اى لكل مبطل ومفسد محق ومصلح ألا ترى ان فرعون افسد الارض بالكفر والتكذيب والظلم والمعاصى فاصلحها موسى بالايمان والتصديق والعدل والطاعات ثم ان السامرى اراد ان يكدروجه مرآة الدين بما صنعه بيده العادية فجاء موسى فازاله وهكذا الحال الى يوم القيامة والاصل اصلاح القلب وتطهير عن لوث الاخلاق الرذيلة ومنعه عن العكوف على عبادة الهوى ثم تغيير المنكر عن وجه العالم ان قدر كما فعله الانبياء واولوا الامر ومن يليهم فان الغيرة من الايمان والله غيور وعبده فى غيرته وفى الحديث « ان سعدا لغيور وانا اغير من سعد والله اغير منى ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن » وفى المثنوى
جمله عالم زان غيور آمدكه حق ... بردر غيرت برين عالم سبق
غيرت حق برمثل كندم بودم ... كاه خر من غيرت مردم بود
اصل غيرتها يدانيد ازاله ... آن خلقان فرع حق بى اشتباه
كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99)
{ كذلك نقص عليك من انباء ما قد سبق } ذلك اشارة الى اقتصاص حديث موسى والقص تتبع الاثر والقصص الاخبار المتتبعة . ومن مفعول نقص باعتبار مضمونه . والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم او غلبة ظن ولا يقال للخبر فى الاصل نبأ حتى يتضمن هذه الاشياء الثلاثة وحق الخبر الذى فيه نبأ ان يتعرى عن الكذب كالتواتر وخبر الله تعالى وخبر النبى عليه السلام والمعنى مثل ذلك القص البديع الذى سمعت نقص عليك يا محمد بعض الحوادث الماضية الجارية على الامم السالقة لاقصا ناقصا عنه تبصرة لك وتوفيرا لعلمك وتكثير لمعجزاتك وتذكير للمستبصرين من امتك . (8/182)
وفيه وعد بتنزيل امثال ما مر من اخبار القرون الخالية : وبالفارسية [ همجنانجه اين قصه موسى برتو خوانديم مى خوانيم برتواى محمد ازخبرها آنجه بتحقيق كذشته است يعنى اموامور ماضيه وقرون سابقة ترا خبر ميدهيم تا معجزهُ نبوت توبود وتنبيه مستبصران امت تو ] { وقدآتيناك من لدنا } متعلق بآتينا اى من عندنا { ذكرا } اى كتابا شريفا مطويا على هذه الاقاصيص والاخبار حقيقا بالتفكر والاعتبار .
وفى الكبير فى تسميته به وجوه . الاول انه كتاب فيه ذكر ما يحتاج اليه فى امر دينهم ودنياهم .
والثانى ان يذكر انواع آلاء الله ونعمائه وفيه التذكير والموعظة . والثالث فيه الذكر والشرف لك ولقومك وقد سمى الله كل كتبه ذكرا فقال { فاسألوا اهل الذكر } .
قال بعض الكباراى موعظة تتعظ بها وتتأدب بملازمتها فلا يخفى عليك شئ من اسرارنا وما اودعناه اسرار الذين كانوا قبلك من الانبياء فتكون الانبياء مكشوفين لك وانت فى ستر الحق .
مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100)
{ من اعرض عنه } عن ذلك الذكر العظيم الشأن الجامع لوجوه السعادة والنجاة فلم يعتبر ولم يعمل به لانكاره اياه ومن شرطية او موصولة واياما كانت فالجملة صفة لذكر { فانه } اى المعرض عنه { يحمل يوم القيامية وزرا } عقوبة ثقيلة على كفره وسائر ذنوبه وتسميتها وزرا تشبيها فى ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذى يفدح الحامل وينقض ظهره . (8/183)
خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101)
{ خالدين فيه } اى ماكثين فى الوزر حال من المستكن فى يحمل والجمع بالنظر الى معنى من لما ان الخلود فى النار مما يتحقق حال اجتماع اهلها { وساء لهم يوم القيامة حملا } اى بئس لهم حملا وزرهم واللام للبيان كأنه لما قيل ساء قيل لمن يقال هذا فاجيب لهم واعادة يوم القيامة لزيادة التقرير وتهويل الامر . (8/184)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من اعرض عن الذكر الحقيقى الذى به قامت حقيقة الايمان والايقان والعرفان فانه يحمل يوم القيامة حملا ثقيلا من الكفر والنفاق والشرك والجهل والعمى وقساوة القلب والرين والختم والاخلاق الذميمة والبعد والحسرة والندامة وخسر حقيقة العبودية ودوام الذكر ومراقبة القلب وصدق التوجه لقبول الفيض الآلهى الذى هو حقيقة الذكر الذى اوله ايمان واوسطه ايفان وآخره عرفان فالذكر الايمانى يورث الاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة بترك المعاصى والاشتغال بالطاعات والذكر الايقانى يورث ترك الدنيا وزخارفها حلالها وحرامها وطلب الآخرة ودرجاتها منقطعا اليها والذكر العرفانى يوجب قطع تعلقات الكونين والتبكير الى سعاد الدارين فى بذل الوجود على شواهد المشهود انتهى فاعلى المراتب فى الذكر فناء الذاكر فى المذكور فلا يبقى للنفس هناك اثر - روى - انه كثر الزنى فى بغداد وكثر الفسق فقيل للشبلى لولا ذكرك لاحرقنا البلدة قلما سمعه بعضه اهل النفس قالأليس لنا ذكر فقال الشبلى ذكركم بوجود النفس وذكرى بالله .
واعلم ان التوحيد افضل العبادات وكذر الله اقرب القربات وقد وقت الله العبادات كلها كالصلاة والصيام والحج ونحوها بالمواقيت الا الذكر فانه امر به على كل حال قيامنا وقعودونا واضطجاعا وحركة ويبكونا وفى كل زمان ليلا ونهارا صيفا وشتاء ولما سئل عليه السلام عن جلاء القلب قال { ذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة علىّ } قال المغربى قدس سره
اكرجه آينه دارى از برى رخش ... ولى جه سود كه دارى هميشه آينه تار
بيا بصقيل توحيد زاينه بردارى ... غبار شرك كه تا باك كردد از زنكار
- حكى - ان موسى عليه السلام قال الهى علمنى شيأ اذكرك به فقال الله تعالى قل لا اله الا الله فقال موسى يا رب كل عبادك يقول ذلك فقال الله تعالى يا موسى لو ان السموات والارضين وضعت فى كفة ميزان ولا اله الا الله فى اخرى لمالت به تلك الكلمة : قال الفقير
كرتوخواهى شوى زحق آكاه ... دم لا اله الا الله
افضل ذكر باشد اين كلمه ... يكثر الذكر كل من يهواه
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102)
{ يوم ينفخ فى الصور } بدل من يوم القيامة او منصوب باضمار اذكر اى اذكر لقومك يا محمد يوم ينفخ اسرافيل فى القرن الذى التقمه للنفخ { ونحشر المجرمين يومئذ } اى نخرج المتوغلين فى الاجرام والآثام المنهمكين فيها وهم الكفرة والمشركون من مقابرهم ونجمعهم يوم اذ ينفخ فى لاصور وذكره صريحا مع تعين ان الحشر لا يكون الا يومئذ للتهويل { زرقا } جمع الزرق والزرقة اسوء الوان العين وابغضها الى العرب فان الروم الذى كانوا اعدى عدوهم رزق . (8/185)
قال الكاشفى [ در خبراست كه زرقه عين وسواد وجه علامت دوزخيانست ] .
وقال الامام فى المفردات قوله تعالى { يومئذ زرقا } اى عميا عيونهم لا نور لها لان حدقة الاعمى تزرق يعنى ان العين اذا زال نورها ازرقت .
يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103)
{ يتخافتون بينهم } اسئناف لبيان ما يأتون وما يذرون حينئذ والتخافت اسرار المنطق واخفاؤه اى يقول بعضهم لبعض خفية من غير رفع صوت بسبب املاء صدورهم من الخوف والهوان او استيلاء الضعف { ان لبثتم } لبث بالمكان اقام به ملازما له اى قامتم ومكثتم فى الدنيا او فى القبر { الا عشرا } عشر ليال او عشر ساعات استقصارا لمدة لبثهم فيها لزوالها لان ايام الراحة قليلة والساعة تمر مر السحاب . (8/186)
وفى الجلالين يتسارون فيما بينهم ما لبثتم فى قبوركم الا عشر ليال يريدون ما بين النفختين وهو اربعون سنة يرفع لاعذاب فى تلك المدة عن الكفار ويستقصرون تلك المدة اذا عاينوا اهوال القيامة انتهى وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما .
وفى بحر العلوم هو ضعيف جدا .
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)
{ نحن } [ ما كه خداونديم ] { اعلم بما يقولون } [ دانا تريم بآنجه ايشان ميكويند ] وهو مدة لبثهم { اذ يقول } [ جون كويد ] { امثلهم طريقة } اوفرهم رأيا واوفاهم عقلا : وبالفارسية [ تمامترين ايشان ازروى عقل ] . (8/187)
قال فى المفردات الامثل يعبر به عن الاشبه بالافاضل والاقرب الى الخير واماثل القوم كناية عن خيارهم وعلى هذا قولهم تعالى { اذ يقول امثلهم طريقة } انتهى { ان } بمعنى النفى اى ما { لبثتم الا يوما } ونسبة هذا القول الى امثلهم استرجاع منه تعالى له لكن لا لكونه اقرب الى الصدق بل لكونه ادل على شدة الهول .
وفى التأويلات النجمية يشير الى انه اذا نفخ فى الصور وحشر اهل البلاء واصحاب الجفاء يوم الفزع الاكبر فى النفخة الثانية { يوم يجعل الولدان شيبا . يوم تبدل الارض غير الارض } وقد غضب ربنا ذلك اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله يرون من شدة اهوال ذلك اليوم ما يقلل فى اعينهم شدة ما اصابهم من العذاب طول مكثرهم فى القبور فهم يحسبون انهم ما لبثوا فى القبور الا عشرة ايام ثم قال تعالى { نحن اعلم بما يقولون } من عظم البلاء وبما يقولون { اذ يقول امثلهم طريقة } اى اصوبهم رأيا فى نيل شدة البلاء { ان لبثتم الا يوما } وذلك لانه وجد شدة بلاء ذلك اليوم عشرة امثال ما وجده انتهى قيل
ألا انما الدنيا كظل سحابة ... اظلتك يوما ثم عنك اضمحلت
فلاتك فرحانا بها حين اقبلت ... ولا تك جزعانا اذا هى ولت
قال المنصور لما حضرته الوفاة بعنا الخرة بنومه : قال الشيخ سعدى
نكه دار فرصت كه عالم دميست ... دمى بيش دانا به از عالميست
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال السلطان ولد
بكذار جهانراكه جهان آن تونيست ... وين دم كه همى زنى بفرمان تو نيست
كر مال جهان جمع كنى شاد مشو ... ور تكيه بجان كنى جان آن تونيست
فعلى العقال ان لا يضيع وقته بالصرف الى الدناي وما فيها من الشهوات فان الوقت نقد نفيس وجوهر لطيف وبازى اشهب لا ينبغى ان يبذل لشئ حقير وان يصاد به طير لا يسمن ولا يغنى من جوع ومن المعلوم ان عيش الدنيا قصير وخطرها يسير وقدرها عند الله صغير اذا كانت لا تعدل عنده جناح بعوضة فمن عظم هذا الجناح كان اصغر منه
بر مرد هشيار دنيا خسست ... كه هرمدتى جاى ديكركسست
قال عيسى عليه السلام من ذا الذى يبنى على موج البحر دار اتلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا وقد ثبت ان الدنيا ساعة فاجعلها طاعة واهل الطاعة تكافئ ساعة من ساعاتهم فى الآخرة بالف سنة فى الراحة بخلاف اهل المعصية فان ساعاتهم ايضا تنبسط ولكن فى المحنة وافضل الطاعة واحسن الحسنات التوحيد وتقوية اليقين بالعبادات ومتابعة سيد المرسلين وفى الحديث
« لتدخلن الجنة كلكم الا من ابى » قيل يا رسول الله من الذى ابى قال « من لم يقل لا اله الا الله فاكثروا من قول لا اله الا الله قبل ان يحال بينكم وبينها فانها كلمة التوحيد وهى العروة الوثقى وهى ثمن الجنة » اى جنة الصورة وجنة المعنى وهى جنة القلب والروح وفيها ازهار الانوار وثمرات الاسرار وهى اعلى من جنة الصورة اذ كل كمال انما هو من تأثير المعنى وتجلياته فمن اصلح باطنه صلح ظاهره البتة كالشجرة اذا كان لها عرق فانها تورق نسأل الله الاحتراق بنار العشق والمحبة والاستغراق فى بحر التوحيد والفوز باللقاء الدائم كما قال { ولهم عند الله مزيد للذين احسنوا الحسنى وزيادة } (8/188)
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)
{ ويسألونك عن الجبال } السؤال استدعاء معرفة او ما يؤدى الى المعرفة وجوابه على اللسان واليد خليفة له بالكتابة او الاشارة او استدعاء مال او ما يؤدى الى مال وجوابه على اليد واللسان خليفة لها اما بوعد او برد والسؤال للمعرفة قد يكون تارة للاستعلام وتارة للتبكيت وتارة لتعريف المسئول وتنبيهه لا ليخبر ويعلم فاذا كان للتعريف تعدى الى المفعول الثانى تار بنفسه وتارة بالجار تقول سألته كذا وسألته عن كذا وبكذا وبعن اكثر كما فى هذا المقام واذا كان لاستدعاء مال فانه يتعدى بنفسه او بمن نحو قوله تعالى { واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } والجبال جمع جبل وهو كل وتد للارض عظيم وطال فان افنرد فاكمة اوقتنة واعتبر معانيه فاستعير واشتق منه بحسابها فقبل فلان جبل لا يتزحزح تصورا لمعنى لاثبات فيه وجبله الله على كذا اشارة الى ما ركب فيه من الطبع الذى يأبى على الناقل نقله وتصور منه العظم فقيل للجماعة العظيمة جبل كما قال تعالى { ولقد اضل منكم جبلا