تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير روح البيان |
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)
{ ويقول الذين كفروا } ثبتوا واستمروا على كفرهم وعنادهم وهم كفار مكة { لولا } هلا وبالفارسية [ جرا ] { انزل عليه } على محمد { آية } عظيمة كائنة { من ربه } [ بران وجهى كه ميخواهيم ] مثل آيات موسى وعيسى عليهما السلام من العصا واحياء الموتى ونحوهما لكون دليلا وعلامة على صدقه { قل ان الله يضل من يشاء } اضلاله باقتراح الآيات تعنتا بعد تبين الحق وظهور المعجزات فلا تغنى عنه كثرة المعجزات شيأ اذا لم يهده الله { ويهدى اليه من اناب } من اقبل الى الحق ورجع عن العناد فضمير اليه راجع الى الحق (6/264)
قال فى القاموس ناب الى الله تاب كاناب والاضلال خق الضلالة فى العبد والهداية خلق الاهتداء والدلالة على طريق يوصل الى المطلوب مطلقا وقد يسند كل منهما الى الغير مجازا بطريق السبب والقرآن ناطق بكلا المعنيين فيسند الاضلال الى الشيطان فى مرتبة الشريعة والى النفس فى مرتبة الطريقة والى الله فى مرتبة الحقيقة
الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)
{ الذين آمنوا } بدل ممن اناب او خبر مبتدأ محذوف اى هم الذين آمنوا { وتطمئن قلوبهم } [ وآرام مى يابددلهاى ايشان ] { بذكر الله } اذا سمعوا ذكره الله احبوه واستأنسوا به ودل فى الذكر القرآن فالمؤمنون يستأنسون بالقرآن وذكر الله الذى هو الاسم الاعظم ويحبون استماعها والكفار يفرحون بالدنيا ويستبشرون بذكر غير الله كما قال تعالى { واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون } { ألا } [ بدانيدكه ] { بذكر الله تطمئن القلوب } قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها فقلوب العوام تطمئن بالتسبيح والثناء وقلوب الخواص بحقائق الاسماء الحسنى وقلوب الاخص بمشاهدة الله تعالى (6/265)
وفى التأويلات النجمية { ويقول الذين كفروا } اى ستروا الحق بالباطل { لولا انزل عليه } على من يدعو الخلق الى الحق { آية من ربه } ظاهرة من المعجزات والكرامات كما نزل على بعضهم ليستدلوا بها على صدق دعواهم { قل ان الله يضل من يشاء } ان يضله فى الازل بعين الآية ليراها سحرا ويحسبها باطلا ويرشد الى حضرة جلالة من يرجع اليه طالبا مشتاقا الى جماله
وفيه اشارة الى ان الطالب الصادق فى الطلب هو من اهل الهداية فى الهداية وليس ممن يشاء الله ضلالته فى الازل وهم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله لا بذكر غيره يعنى اهل الهداية هم الذين آمنوا
واعلم ان القلوب اربعة . قلب قاس وهو قلب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها كقوله تعالى { رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها } وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله تعالى { فنسى ولم نجد له عزما } فاطمئنانه بذكر الله كقوله تعالى { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } وقلب وحدانى وهو قلب الانبياء وخواص الاولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقوله تعالى لخليله عليه السلام فى جواب قوله { كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى } باراءتك اياى كيفية احياء الموتى اذا تتجلى لقلبى بصفة محييك فاكون بك محيى الموتى ولهذا اذا تجلى الله لقلب العبد يطمئن به فينعكس نور الاطمئنان من مرىة قلبه الى نفسه فتصير النفس مطمئنة به ايضا فتستحق لجذبات العناية وهى خطاب ارجعى الى ربك فافهم جدا انتهى
قال فى نفائس المجالس الذكر صيقل القلوب وسبب سرور المحبوب فمن ذكر الله فالله يذكره كما قال تعالى { فاذكرونى اذكركم } فالمحجوبون تطمئن قلوبهم بذكرهم له تعالى واما الواصلون فاطمئنان قلوبهم بذكره تعالى -روى- ان النبى عليه السلام بعث بعثا قيل نجد فغنموا ورجعوا فقال ما رأينا رعثا افضل غنيمة واسرع رجعة من هذا البعث فقال عليه السلام « الا ادلكم على قوم افضل غنيمة واسرع رجعة قوم شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس » قال ابوسعيد خرج رسول الله يوما على حلقة من اصحابه فقال
« ما اجلسكم » فقالوا جلسنا نذكره الله ونحمده على ما هدانا للاسلام قال « آلله ما اجلسكم الا ذلك » قوله آلله بالجر والمد على القسم اى بالله ما اجلسكم قالوا بالله ما اجلسنا الا ذاك . قال « اما انى لم استحلفكم تهمة ولكن اتانى جبرائيل فاخبرنى ان الله يباهى بكم الملائكة » (6/266)
فان قلت ما تقول فيما روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه انه سمع قوما اجتمعوافى المسجد يهلكون ويصلون على النبى عليه السلام برفع الصوت جهرا فراح اليهم وقال لهم ما عهدنا هذا على عهد رسول الله وما اراكم الا مبتعدين فما زال يكرر ذلك حتى اخرجهم من المسجد
قلت اجاب عنه صاحبه الرسالة التحقيقية فى طريق الصوفية الشيخ سنبل الخلوتى قدس سره بانه كذب وافتراء على ابن مسعود لمخالفته النصوص القرآنية واتلاحاديث النبوية وافعال الملائكة قال الله تعالى { ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها اولئك ما كان هم ان يدخلوها الا خائفين } ولو سلمنا صحة وقوعه فهو لا يعارض الادلة المذكورة لانه اثر والاثر لا يعارض الحديث كما لا يخفى وبطلان الادلة يدل على بطلان المدلولات وفى الحديث « علامة حب الله حب ذكر الله وعلامة بغض الله بغض ذكرالله »
واعلم ان نور الذكر قدره على قدر حال الذاكر وذلك بالفناء فى الله والذاكرون على اربعة اصناف
الصنف الاول اهل الخلوة ووظيفتهم فى اليوم والليلة من الذكر الخفى القوى بالنفى والاثبات والحركة الشديدة سبعون الف لا اله الا الله وهؤلاء مشتغلون تارة بالحق وتارة بانفسهم
الصنف الثالث اصحاب الاوقات وهؤلاء وظيفتهم من الذكر جهرا وخفية اثنا عشر الفا وهؤلاء مشغولون بالحق مرة وبمصالح انفسهم مرة وبالخلق اخرى
الصنف الرابع اصحاب الخدمة وهؤلاء وظيفتهم ذكر الجهر على كل حال من الاحوال ليلا ونهار بعد المداومة على الوضوء
قال بعض الاكابر من قال فى الثلث الاخير منليلة الثلاثاء لا اله الا الله الف مرة لا اله الا الله وهو على طهارة فى كل صبيحة يسر الله عليه اسباب الرزق من نسبته وكذلك من قالها عند منامه العدد المذكور باتت روحه تحت العرش تتغذى العالم حسب قواها : قال المولى الجانى قدس سره
دنت آيينة خداى نماست ... روى آيينه توتيره جراست
صيقلى وار صيقلى ميزن ... باشد آيينه ات شود روشن
صقل آن اكرنه آكاه ... بيست جز لا اله الا الله
ومن شرط الذكر ان يأخذه الذاكر بالتلقين من اهل الذكر كما اخذه الصحابة بالتلقين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقن الصحابة التابعين والتابعون المشايخ شيخا بعد شيخ الى عصرنا هذا والى ان نقوم القيامة كذا فى ترويح القلوب بلطائف الغيوب للشيخ عبد الرحمن البسطامى قدس سره الخطير
الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (29)
{ الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الذين جمعوا بين الايمان بالقلب والعمل الصالح بالجوارح وهو مبتدأ خبره { طوبى لهم } [ زندكانى خوش است ايشانرا ] واللام للبيان كما فى سلام لك وهو مصدر من طاب كزلفى وبشرى اصله طيبى انقلبت الياء واوا لضم ما قبلها كما هو موقن (6/267)
وفىلتبيان غبطة وسرور لهم وفرح وقيل نعم حالهم { وحسن مآب } اى مرجع يعنى ولهم حسن منقلب ومرجع ينقلبون ويرجعون اليه فى الآخرة وهو الجنة
وقال بعضهم طوبى علم لشيء بعينه كما قال كعب الاحبار سألت رسول الله عن اشجار الجنة فقال « ان اكبر اشجارها شجرة طوبى وخيمتى تحتها اصلها من در واغصانها من زبرجد واوراقها من سندس عليها سبعون الف غصن اقصى اغصانها يلحق بساق العرش وادنى اغصانها فى سماء الدنيا ليس فى الجنة دار ولا بحبوحة ولا قصر ولا قبة ولا غرفة ولا حجرة ولا سرير الا وفيها غصن منها فتظل عليها وفيها من الثمار ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين »
قال فى الفتح القريب اصلها فى دار محمد صلى الله عليه وسلم ثم تنقسم فروعها على جميع منازل اهل الجنة كما انتشر منه العلم والايمان على جميع اهل الدنيا وقد غرسها الله بيده وينبع من اصلها عينان الكافور والسلسبيل وفيها من جميع الثمار والازهار والالوان الا السواد وكل ورقة تظل امة وعلى كل ورقة منها ملك يسبح الله بانواع التسبيح عظمة الجسد لا يدرك آخرها يسير الراكب الجادّ تحت ظلها مائة عام وقيل الف عام ما يقطعها
قال بعض الكبار المراد بالعمل الصالح التزكية وطوبى لهم بالوصول الى الفطرة الاصلية وكمال الصفات وحسن مآب بالدخول فى جنة القلب اعنى جنة الصفات
قال الحريرى طوبى لمن طاب قلبه مع الله لحظة فى عمره ورجع الى ربه بقلبه فى وقت من الاوقات
قال الجنيد طاب اوقات العارفين بمعرفتهم والعمل الصالح ما اريد به وجه الله تعالى وهو المثمر والمفيد لا غيره
شاخ بى ميوه كرهمه طوبيست ... ببريدش بميوه بيونديد
فالعمل الذى للجنة ليس لوجه الله تعالى فانه تعالى لو لم يخلق جنة ولا نارا لم يكن مستحقا لان يعبد
هزاد خشكى جه سزاوار بهشت است ... شايسته آتش شمر آنهاكه جنانند
وفى التأويلات النجمية { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } يشير الى الذين غرسوا غرس الايمان وهى كلمة لا اله الا الله فى ارض القلب وربوه بماء الشريع ودهقنة الطريقة وهو الاعمال الصالحة حتى صار شجرة طيبة كما ضرب الله لهذا مثلا فقال ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة } فلما كلمت الشجرة واثمرت الحقيقة كانت { طوبى لهم وحسن مآب } وهى الرجوع والاياب الى الله نفسه لا الى ما سواه وهذا هو الثمرة الحقيقية يدل عليه قوله { فمن شاء اتخذ الى ربه مآبا } فعلى هذا يشير بطوبى الى حقيقة شجرة لا اله الا الله فى قلب النبى عليه السلام وفى قلب كل مؤمن منها غصن فافهم جيدا : قال الشيخ العطار قدس سره
هو دو عالم بسته فتراك او ... عرش وكسى كرده قبله خاك او
بيشواى اين جهان وآن جهان ... مقتداى اشكارا و نهارا
كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)
{ وكذلك } اى مثل ما ارسلنا الرسل الى اممهم قبلك يا محمد { ارسلناك فى امة } بمعنى الى كما فى قوله تعالى { فردّ ايديهم فى افواههم } وفى بحر العلوم وانما عدى الارسال بفى وحقه ان يعدى بالى لان الامة موضع الارسال { قد خلت } مضت وتقدمت { من قبلها } عائد الى امة على لفظها { امم } ارسلوا اليهم فليس ببدع ارسالك الى امتك ثم علل الارسال فقال { لتتلو عليهم الذى اوحينا اليك } ضمير عليهم راجع الى امى على معناها اى لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذى اوحينا اليك وهو القرآن وما فيه من شرائع الاسلام وتزينهم بحلية الايمان فان المقصود من نزول القرآن هو العمل بما فيه وتحصيل السيرة الحسنة لا التلاوة المحضة والاستماع المجرد فالعامى المتعبد راجل سالك والعالم المتهاون راكب نائم : قال السعدى [ تلميذ بى ارادت عاشق بى زرست ورونده بى معرفت مرغ بى برو عالم بى عمل درخت بى بى بر وزاهد بى علم خانه بى در ] { وهم يكفرون بالرحمن } حال من فاعل ارسلناك اى وحالهم انهم يكفرون بالله الواسع الرحمة ولا يعرفون قدر رحمته وانعامه اليهم بارسالك وانزال القرآن العظسم عليهم -وروى- ان ابا جهل سمع النبى عليه السلام وهو فى الحجر يدعو يا الله يا رحمن فرجع الى المشركين وقال ان محمدا يدهو الهين يدعو الله ويدعو آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن الا رحمن اليمامة يعنى به مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة يعنى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة وهى بلدة فى البادية فنزلت هذه الآية { قل } لهم يا محمد { هو } اى الرحمن الذى مفرتم به وانكرتم معرفته { ربى } خالقى ومتولى امرى { لا اله الا هو } خبر بعد خبر اى هو مجامع لهذين الوصفين من الربوبية والالوهية فلا مستحق للعبادة سواء ومعناه لا اله الا هو الواحد المختص بالالهية { عليه توكلت } اليه اسندت امرى فى العصمة من شركم والنصرة عليكم { واليه } لا الى غيره { متاب } مصدر تاب يتوب واصله متابى اى مرجعى ومرجعكم فيرحمنى وينتقم لى منكم والانتقام من الرحمن اشد ولدا قيل نعوذ بالله من غضب الحليم : قال الحافظ (6/268)
بمهلتى كه سبهرت دهد زراه مرو ... ترا كه كفت كه اين زال ترك دستان كفت
والاشارة الى ان الامم لما كفروا بالله كفروا بالرحمن لان الرحمانية قد اقتضت ايجاد المخلوقات فان القهارية كانت مقتضية الواحدية بان لا يكون معه احد فسبقت الرحمانية القهارية فى ايجاد المخلوقات ولهذا السر قال تعالى { ان كل من فى السموات والارض الا آتى الرحمن عبدا } فارسل الله الرسل وانزل معهم الكتب ليقرأوا عليهم ويذكروهم بايام الله التى كان الله ولمك يكن معه شيء ثم اوجدهم واخرجهم من العدم الى الوجود وهو الذى رب كل شيء وخالقه ولا اله الا هو واليه المرجع والمآب كما فى التأويلات النجمية
يقول الفقير عبادة الخطاب فى ارسلناك للنبى صلى الله عليه وسلم فهو المرسل لغة واصطلاحا وصاحب الوحى والدعوة واشارته لكل واحد من ورثته الذين هم على مشربه الى يوم القيامة بحسب كونه مظهرا لارثه فهو المرسل لغة لا اصطلاحا وصاحب الالهام والارشاد وكما ان لكل زمان صاحب دولة وظهور فكذا له صاحب رحمة وتصرف معنوى ولذا قال عليه السلام « علماء امتى كانبياء فى اسرائيل » فاثبت لهم النبوة بمعنى الاخبار عن الله بالالهام وفى قوله { وهم يكفرون بالرحمن } اشارة الى ان المنعم عليه يجب ان لا يكفر بل يشكره بالايمان والاعتقاد كما دل عليه ما قبله الكفر والانكار من اقبح القبائح كما ان الايمان والاقرار من احسن المحاسن ولحسن الظن والاعتقاد الحسن تأثير بليغ -روى- ان جماعة من السراق نزلوا على اهل رباط فسأل عنهم صاحب الرباط فاستحيوا منه وقالوا نحن الغزاة فهيأ لهم طعاما وجاءت امرأة بسطت ليغسلوا ايديهم قبل الطعام وقالت ان لى بنتا عمياء اغسلها تبركا بغسالة الغزاة فغسلوا فغسلت المرأة وجه ابنتها بها فاصبحت سالمة من العمى (6/269)
وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)
{ ولو أن قرآنا } -روى- ان نفرا من مشركى مكة معهم ابو جهل ابن هشام وعبد الله بن امية قالوا يا محمد ان يسرك ان نتبعك فسير لنا بقرءانك الجبال عن حوالى مكة فانها ضيقة حتى تتسع لنا الارض فنتخذ البساتين والمحارث وشقق الارض وفجر لنا الانهار والعيون كما فى ارض الشام واحى رجلين او ثلاثة ممن مات من ابناءئنا مهم قصى بن كلاب ليكلمونا ونسألهم عن امرك أحق ما تقول ام باطل فلما اقترحوا عليه صلى الله عليه وسلم هذه الآيات نزل قوله { ولو ان } الخ وجواب الشرط محذوف كما سيأتى . والمعنى بالفارسية [ برفتن آوردن ] اى نقلت من اماكنها واذهب عن ةجه الارض بالفارسية { رانده شدى بوة كوها يعنى در وقت خواندن وى از مواضع خود برفتى ] { او قطعت به الارض } شققت فجعلت انهارا وعيونا . وبالفارسية [ ياشكافته شدى بدو زمين جون برو خواندندى ] { او كلم } احيى { به الموت } [ يا بسخن در آوردندى از بركت خواندن او مرد كانرا ] اى لكان هذا القرآن لكونه غاية فى الاعجاز ونهاية فى التذكير والمراد منه تعظيم القرآن والرد على المشركين الذين كابروا فى كون القرآن آية واقترحوا آية غيرها والتنبيه على ان ما ينفعهم فى دنياهم كالزراعة ونحوها مع ان فى القرآن تأثيرات ةخاصيات انفسية عجيبة فلو كان لهم استعداد لظهور تلك التأثيرات لسيرت به جبال نفوسهم وقطعت به ارض بشريتهم واحيى به قلوبهم الموتى { بل } [ نه جنانست كه كافران ميكويند بقرآن تويا بفرمان توبايد اينها واقع شود ] { لله الامر } اى امر خلقه { جميعا } فله التصرف فى كل شيء وله القدرة على ما اراد وهو قادر على الاتيان بما اقترحوه من الآيات الا ان ارادته لم تتعلق بذلك لعلمه بانه لا تنفعهم الآيات -روى- انه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام « والذى نفسى بيده لقد اعطانى ما سألتم ولو شئت لكان ولكن خيرنى بين ان تدخلوا فى باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين ان يكلكم الى ما اخترتم لانفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فاخترت باب الرحمة واخبرنى انه ان اعطاكم ذلك كفرتم ان يعذبكم عذابا لم يعذبه احدا من العالمين » كما فى اسباب النزول للامام الواحدى (6/270)
واعلم ان الكفار ما ابصروا نور القرآن فعموا عن رؤية البرهان وكذا اهل الانكار غفلوا عن سره القرآن فحرموا من المشاهدة والعيان : وفى المثنوى
تو ز قرآن اى بسر ظاهر مبين ... ديو آدم را ند بيند جز كه طين
ظاهر قرآن جو شخص آدميست ... كه نقوشش ظاهر وجانش خفيست
ولا شك ان من تخلق بالقرآن الذى هو صفة الله تعالى قدر على ما لم يقدر عليه غيره وفى الحديث
« لو كان القرآن فى اهاب ما مسته النار » اى لو صور القرآن وجعل فى اهاب والقى فى النار ما مسته ولا احرقته ببركة القرآن فكيف بالمؤمن الحامل له المواظب على تلاوته (6/271)
ومن الحكايات اللطيفة ان عليا رضى الله عنه مرض فقال ابو بكر رضى الله عنه لعمر وعثمان رضى الله عنهما ان علينا قد مرض فعلينا العبادة فاتوا بابه وهو يجد خفة من المرض ففرح فرحا فتموج بحر سخائه فدخل بيته فلم يجد شيأ سوى عسل يكفى لواحد فى طست وهو ابيض وانور وفيه شعر اسود فقال ابو بكر الصديق رضى الله عنه لا يليق الا كل قبل المقالة فقالوا انت اعزنا واكرمنا وسيدنا فقل اولا فقال الدين انور من الطست ونعيمها احلى من العسل والصراط ادق من الشعر فقال عثمان رضى الله عنه القرآن انور من الطست وقراءة القرآن احلى من العسل وتفسيره ادق من الشعر فقال على رضى الله عنه الضيف انور من الطست وكلام الضيف احلى من العسل وقلبه ادق من الشعر نور الله تعالى قلوبنا بنور العرفان واوصلنا واياكم الى سر القرآن آمين يا الله يا رحمن { أفلم ييأس الذين آمنوا } اليأس قطع الطمع عن الشيء والقنوط منه والاستفهام بمعنى الامر -روى- ان طائفة من المؤمنين قالوا يا رسول الله اجب هؤلاء الكفار يعنون كفار مكة الى ما اقترحوا من الآيات فعسى ان يؤمنوا فقال تعالى أفلم يقنط المؤمنون من ايمان هؤلاء الكفرة بعد ما رأوا كثرة عنادهم بعد ما شاهدوا الآيات { ان } اى علما منهم انه { لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } فآمنوا وقد يستعمل اليأس بمعنى العلم مجازا لانه مسبب عن العلم بان ذلك الشيء لا يكون فان المخففة مع ما فى حيزها فى محل النصب علىلا انهار مفعول اليأس بمعنى العلم . والمعنى أفلم يعلم الذين آمنوا ان الله تعالى لا يهدى الناس جميعا لعدم تعلق مشيئة باهتداء الجميع فيهدى من يشاء ويضل من يشاء بمقتضى قبضتيه الجمالية والجلالية : قال الحافظ
در كار خانه عشق از كفرنا كزيرست ... آتش كرا بسوزد كربو لهب نباشد
{ ولا يوال الذين كفر } بالرحمن وهم كفار مكة { تصيبهم بما صنعوا } اى بسبب ما فعلوا من كفرهم واعمالهم الخبيثة { قارعة } داهية تقرعهم وتفجأهم من القتل والاسر والحرب والجدب واصلالقرع الضرب والصدع تلخيصه لا يزال كفار مكة معذبين بقارعة { او تحل } القارعة اى تنزل { قريبا } [ بموضعى نزديك ] { من دارهم } اى مكة فيفزعون فيها ويقلعون ويتطاير عليهم شرارها ويتعدى اليهم شرورها ويجوز ان يكون تحل خطابا للنبى عليه السلام فنه حل بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية فاغار على اموالهم ومواشيهم
وفى التاويلات النجمية { قارعة } من الاحكام الازلية تقرعهم فى انواع المعاملات التى تصدر منهم موجبة للشقاوة وبقوله { او تحل قريبا من دارهم } يشير الى ان الاحكام الازلية تارة تصدر منهم وتارة من مصاحبهم فتوافقوا فى اسباب الشقاوة وترافقوا الى ما اوعدهم الله من درك الشقاء كما قال { حتى } يعنى [ بلابديشان خواهد رسد تاوقتى كه ] { ياتى وعد الله } وهو موتهم او يوم القيامة او فتح مكة { ان الله لا يخلف الميعاد } لامتناع الخلف لكونه نقصا منافيا للالوهية وكمال الشيء والميعاد بمعنى الوعيد كالميلاد والميثاق بمعنى الولادة والتوثقة والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32)
{ ولقد استهزئ برسل من قبلك } كاستهزاء قومك بك والتنكير للتكثير اى بجميع الرسل من قبلك ويدل عليه قوله تعالى { واما يأتيهم من رسول الا كانوا به يستهزئون } ومعنى الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والاذى والتكذيب { فامليت الذين كفروا } اى للمستهزئين الذين كفروا . والاملاء الامهال وان يترك ملاوة من الزمان اى مدة طويلة منه فى دعة وامن كالبهيمة فى المرعى اى اطلت لهم المدة فى امن وسعة بتأخير العقوبة ليتمادوا فى المعصية { ثم اخذتهم } بالعقوبة بعد الاملاء والاستدراج { فكيف كان } [ بس جه كونه بود ] { عقاب } عقابى اياهم كيف رأيت ما صنعت بمن استهزأ برسلى ولم ير النبى عليه السلام عقوبتهم الا انه علم بالتحقيق فكأنه رأى عيانا (6/272)
وفى بحر العلوم فانكم تمرون على بلادهم ومساكنهم فتشاهدون اثر ذلك وهذا تعجيب من شجة اخذه لهم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به واذا هم وتكذيبهم واقتراحهم الآيات بان له فى الانبياء اسوة وان جزاء ما يفعلون به ينزل بهم كما نزل بالمستهزئين بالانبياء جزاء ما فعلوا
وفيه اشارة الى ان من امارات الشقاء الاستهزاء بالانبياء والاولياء وفى الحديث « من اهان لى » ويروى « من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة » اى من اغضب وآذى واحدا من اوليائى فقد حاربنى والله اسرع شيء الى نصرة اوليائه لان الولى ينصر الله فيكون الله ناصره -وروى- ان الله تعالى قال لبعض اوليائه اما وهدك فى الدنيا فقد تعجلت راحة نفسك واما ذكرك اياى فقد تشرفت بى فهل واليت فىّ وليا وهل عاديت فىّ عدوا فمحبة اولياء الله تعالى وموالاتهم من انفع الاعمال عند الله وبغضهم عداوتهم واستحقارهم والطعن فيهم من اضر الاعمال عنده تعالى واكبر الكبائر [ آورده انده كه سبهسالارى بود ظالم وباتباع خود بخانه يكى از مشايخ كبار فرود آمد خجواند خانه كفت من منشورى درام بخانه من فرود مياكفت منشور بنما شيخ درخانه رفت ومصحفى عزيز داشت ودر بيش آمد وباز كرد اين آيت بر آمدكه ] { يا ايها الذين آمنوا لا تدخوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها } [ سبهسالار كفت من بنداشم كه منشور امير دارى بدان التفات نكرد ودرخانه شيخ فرود آمد آن شب قولنجش بكرفت وهلاك شد ] قال الصائب
نتيجه نفس كرم عند ليبانست ... كه عمر شبنم كستاخ يكزمان باشد
ولا شك ان مثل هذه المعاملات القبيحة من غلبة اوصاف النفس
فعلى العاقل ان يزكى نفسه عن سفساف الاخلاق حتى يتخلص من قهر القهار الخلاق ألا ترى أن المؤمنين نظروا الى النبى عليه السلام بعين التعظيم وبدلوا الكبر بالتواضع والفناء ودخلوا فى الاستسلام فاستعسدوا سعادة الدارين واما الكفرةة فعتوا عتوا كبيرا فاستأصلهم الله من حيث لا يحتسبون فشقوا شقاوة ابدية وهكذا حال سائر المؤمنين والمنكرين الى يوم القيامة فان الولياء ورثة الرسول عليه السلام والمعاملة معهم كالمعاملة معه : قال الكمال الخنجدى
مقربان خداند وراثان رسول ... توازخدى جنين دوروازرسولى جيست
أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)
{ أفمن } [ ايا كسى كه ] فمن موصولة مرفوعة المحل على الابتداء والخبر محذوف والاستفهام بمعنى النفى اى أفالله الذى { هو قائم } رقيب { على كل نفس } صالحة او طالحة { بما كسبت } من خير وشر يحفظه عليها فيجازيها به يعنى ان اراد المجازاة ولم يغفر كمنت ليس بهذه الصفة من الاصنام التى لا تضر ولا تنفع وهذا كقوله { أفمن يخلق كمن لا يخلق } اى لا يكون من هو قائم على كل نفس يعلم خيرها وشرها ويجازيها على حسب ذلك كمن ليس بقائم على شئ متناه فى العجز والضعف والجهل ومعنى القيام التولى لامور خلقه والتدبير للارزاق والآجال واحصاء الاعمال للجزاء يقال قام فلان اذا كفاه وتولاه { وجعلوا لله شركاء } اى الاصنام وهو استئناف يعنى ان الكفار سووا بين الله وبين الاصنام واتخذوها شركاء له فى العبادة وانما تكون سواء وشركاء فيها لو كانت سواء وشركاء فى القيام على كل نفس فما اعجب كفرهم واشراكهم وتسويتهم مع علمهم التفات بينهما اى تعجبوا من ذلك { قل سموهم } بينوا شركاءكم باسمائهم وصفوفهم بصفاتهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة يشير الى ان الاسماء مأخذها من الصفات فان لم تروا منهم شيئا من صفات الله فكيف تسمونهم كما قال الكاشف [ مراد آنست كه حق را حى وقادر وخالق ورزاق وسميع وبصير وعليم وحكيم ميكويند واطلاق هيج بك ازين اسما براصنام نمى تواندكرد ] قال فى بحر العلوم قوله { قل سموهم } من فن الكناية وذلك لان معنى سموهم عينوا اساميهم ولما كان تعيين الشئ بالاسم من لوازم وجوده جعل عدم التعيين كناية عن عدم وجود الشئ يعنى ليس عندنا اسام يستحقون لها العبادة وان كانت عندكم فسموهم بها وانظروا هل يستحقون بها ولما لم تكن لهم عندهم ايضا اسم تقتضى استحقاق العبادة لم يستحقوها ولم يتحقق لهم العبادة والشركة { ام تنبئونه } ام منقطعة مقدرة ببل والهمزة الانكارية اى بل أتخبرون الله تعالى { بما لم يعلم فى الارض } اى بما لا وجود له ولا علم الله متعلق بوجوده وهو الشركاء المستحقون للعبادة وهو نفى للملزوم ينفى اللازم بطريق الناية اى لا شريك له ولا علم اذ لو كان الشريك موجودا لكان معلوما الله تعالى لان علم الله لازم لوجود الشئ والا يلزم جهله تعالى الله عن ذلك فاذا لم يكن وجوده معلوما له وجب ان لا يكون موجودا لاستلزام انتفاء اللازم انتفاء ملزومه (6/273)
قال فى بحر العلوم { ام تنبئونه } اضراب عن ذكر تسميتهم وتعيين اساميهم الى ذكر تنبئتهم ومعنى الهمزة فى ام الانكار بمعنى ما كان ينبغى اولا ينبغى ان يكون ذلك
وفى التبيان تأويل الآية فان سموهم بصفات الله فقل أتنبئونه بما لا يعلم فى الارض { ام بظاهر من القول } بل تسمونهم شركاء بكلام لا حقيقة له كتسمية الزنجى كافورا
وفى بحر العلوم هو اضراب عن ذكر تنبئتهم واخبارهم الى ذكر تسميتهم الاصنام بشركاء بظاهر من القول من غير حقيقته واعتبار معنى ومعنى الهمزة فى ام الانكار والتعجب كأنه قال دع ذلك المذكور واسمع قولهم المستنكر النقضى منه العجب وذلك ان قولهم بالشركاء قولا لا يعذده برهان فما هو الا لفظ يتفوهون به فارغ عن معنى تحته كالالفاظ المهملة التى هى اجراس لا تدل على معان ولا يتكلم بها عاقل تنفرا منها واستقباحا { بل زين للين كفروا مكرهم } انفسهم بتخيلهم اباطيل ثم ظنهم اياها حقا وهو اتخاذهم الله شركاء خذلانا من الله .
والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة والمزين اما الشيطان بوسوسته كقوله تعالى { وزين لهم الشيطان اعمالهم } والله تعالى كقوله { زينا اعمالهم } وفى الحديث « بعثت داعيا ومبلغا وليس لى من الهدى شئ وخلق ابليس مزينا وليس اله من الضلالة من شئ » (6/274)
حق فاعل وهرجه جزحق آلات بود ... تأثير زآلت ازمحالات بود
{ وصدوا } من الصد وهو المنع { عن السبيل } سبيل الحق { ومن ] [ هركه ] { يضلل السبيل } يخذله عن سبيله قال سعدى المفتى ولا منع عند اهل السنة ان يفسر الاضلال بخلق الضلال وكذا الهداية يجوز ان تفسر بخلق الاهتداء { فماله من هاد } فما له من احد يقدر على هدايته ويوفقه لها
لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)
{ لهم عذاب فى الحيواة الدنيا } بالقتل والاسلا وسائر ما ينالهم من المصائب والمحن ولا يلحقهم الا عقوبة لهم على الكفر ولذلك سمكاه عذابا وأصل العذاب فى كلام العرب من العذب وهو المنع يقال عذبته اذا منعته وسمى الماء عذبا لانه يمنع العطش وسمى العذاب عذابا لانه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه ويمنع غيره من مثل فعله (6/275)
وفى التأويلات النجمية وهو عذاب البعد والحجاب والغفلة والجهل وعذاب عبودية النفس والهوى والدنيا وشياطين الجن والانس { ولعذاب الآخرة اشق } اشد واصعب لدوامه وهو عذاب النار وعذاب نار القطيعة والم البعد وحسرة التفريط فى طاعة الله تعالى وندامة الافراط فى الذنوب والمعاصى والحصول على الخسارات والهبوط من الدرجات ونزول الدركات { وما لهم من الله } اى من عذابه { من واق } حافظ ومانع حتى لا يعذبوا . من الثانية زائدة والاولى متعلقة بواق
وفى التأويلات { وما لهم من الله } من خذلان الله فى الدنيا وعذاب الله فى الآخرة { من واق } يقيهم من الخذلان والعذاب وفى حديث المعراج « ثم اتى على واد فسمع صوتا منكرا فقال يا جبريل ما هذا الصوت قال صوت جهنم تقول يارب ائتنى باهلى وعدتنى فقد كثرت سلاسلى واغلالى وسعيرى وحميمى وغساقى وغسلينى وقد بعد قعرى واشتد حرى ائتنى بما وعدتنى قال لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قاليت رضيت » كما فى الترغيب والترهيب
وكان ابن مرثد لا تنقطع دموع عينيه ولا يزال باكيا فسئل عن ذلك فقال لو أن الله اوعدنى بانى لو اذنبت لحبسنى فى الحمام ابدا لكان حقيقا على انها لا تنقطع دموعى فكيف وقد اوعدنى بان يحبسنى فى نار قد اوقد عليها ثلاثة آلاف سنة اوقد عليها الف سنة حتى احمرت ثم اخرى حتى ابيضت ثم اخرى حتى اسودت فهى شوداء مظلمة كالليل المظلم فهذه حال المعذب بالنار الصغرى واما المعذب بالنار الكبرى وهى تار القطيعة والهجر فحاله اشد واعظم
بررخ جامى بودبى رويت ازدوزخ درى ... كرزروضه خازن اندرقبراو روزن كند
نسأل الله العصمة والتوفيق لطريق الحق والتحقيق
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35)
{ مثل الجنة التى وعد المتقون } من الشرك والمعاصى وهو مبتدأ خبره محذوف اى فيما قصصنا عليك مثل الجنة اى صفتها التى هى كالمثل السائر فى الغرابة { تجرى من تحتها الانهار } حال من العائد المحذوف من الصلة والتقدير وعد بها المتقون مقدرا جريان انهارها اربعة من تحت اشجارها بمقابلة المراتب الاربع التى هى الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة وتعطى هذه الانهار على الكمال لمن جمع بين هذه المراتب الاربع وهم المقربون واما غيرهم من الابرار وارباب البرازخ فانهم وان كانوا يشربون منها لكنهم لا يجدون فيها ما يجده اولئك المقربون من زيادة اللذة لتفاوت معرفتهم بالله (6/276)
هركسى از همت والاى خويش ... سود برد در خور كالاى خويش
{ اكلها } [ ميؤه آن بستان ]
قال فى الكواشى ما يؤكل فيها { دائم } لا ينقطع ولا يمنع منه بخلاف ثمر الدنيا { وظلها } اى وظلها دائم لا ينسخ فى الدنيا بالشمس لانه لا شمس فى الجنة ولا حر ولا برد فالمراد بدوام الظل دوام الاستراحة وانما عبر عنه به لندرة الظل عند العرب وفيه معظم استراحاتهم فى ارضهم والمراد بدوام الاكل الدوام بالنوع لا الدوام بالجزء والشخص فانه اذا فنى منه شيء جيئ ببدله وهاذ لا ينافى الهلاك لحظة كما قال تعالى { كل شيء هالك الا وجهه } على ان دوامه مضاف الى ما بعد دخول الجنة كما يقتضيه سوق الكلام فهلاكه لحظة عند هلاك كل شيء قبل الدخول لا ينافى وجوده وبقاءه بعده
وفى الآية رد على الجهمية حيث قالوا ان نعيم الجنة يفنى ومن مقالات لبيد قبل اسلامه
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
ولما انشده فى مجلس من قريش وقال ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال عثمان ابن مظعون رضى الله عنه صدقت ولما قال وكل نعيم لا محالة زائل قال كذبت لما فهم انه اراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الآخرة [ امام قشيرى فرموده كه اهل ايمان امروز در ظل رعايتند وفردا در ظل حمايت وعارفان بدنيا وعقبى در ظل عنايت كه بيوسته است ]
سايه دولت او در دو جهان جاويدست ... اى خوش آن بنده كه اين سايه فتدبر سراو
{ تلك } الجنة التى بلغك وصفها وسمعت بذكرها { عقبى الذين اتقوا } مآلهم وعاقبة امرهم { وعقبى الكافرين النار } لا غيره فالتقوى طريق الى الجنة والكفر طريق الى النار
والاشارة ان الله تعالى يشير الى حقيقة امر الجنة التى وعدها للمتقين ووصفها بانها تجرى من تحتها الانهار وهى انهار الفضل والكرم ومياه العناية والتوفيق { اكلها دائم } وهى مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال { وظلها } اى وهم فى ظل هذه المقامات والاحوال الى هى من وجوده لا من شمس وجودهم على الدوام بحيث لا تزول ابدا وتلك الاحوال والمقامات عاقبة من اتقى بالله عما سواه وعاقبة من اعرض عن هذه المقامات والاحوال نار القطيعة والحسرة كما فى التأويلات النجمية : وفى المثنوى
جور دوران وهر آن رنجى كه هست ... سهلتر از بعد حق وغفلتست (6/277)
زانكه اينها بكذرد آن نكذرد ... دولت آن داردر كه جان آكه برد
[ شبلى ديد زنى را كه ميكريد وميكويد يا ويلاه من فراق ولدى . شبلى كريست وكفت يا ويلاه من فراق الاحد . آن زن كفت جرا جنين ميكويى . شبلى كفت تو كريه ميكنى برفراق مخلوقى كه هر آينه فانى خواهد شد من جرا كريه نميكنم برفراق خالقى كه باقة باشد ]
فرزند ويار جونكه بميرند عاقبت ... اى دوست دل مبند بجز حى لا يموت
عصمنا الله واياكم من نار البعد والعذاب الاليم وشرفنا بالذوق الدائم والنعيم المقيم
وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ (36)
{ والذين آتيناهم الكتاب } يريد المسلمين من اليهود كعبد الله بن سلام واصحابه ومن النصارى وهم ثمانون رجلا اربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة فالمراج بالكتاب التوراة والانجيل { يفرحون بما انزل اليك } بجميعه وهو القرآن كله لانه من فضل الله ورحمته على العباد ولا شك ان المؤمن الموقن يسره ما جاء اليه من باب الفضل والاحسان { ومن الاحزاب } ومن احزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الاشرف واتباعه والسيد والعاقب اسقفى نجران واشياعهما وبالفارسية [ واز لشكرهاى كفر وضلالت ] { من ينكر بعضه } وهو ما يخالف شرائعهم (6/278)
وفى الكواشى لانهم وافقوا فى القصص وانكروا غيرها وعن ابن عباس رضى الله عنهما آمن اليهود بسورة يوسف وكفر المشركون بجميعه
واعلم ان القرآن يشتمل على التكاليف والاحكام وعلى الاسرار والحقائق فالروح والقلب والسر يفرحون بالكل . واما النفس والهوى والقوى فينكر بعضه لثقل تكاليفه وجهل فوائده اللهم ارفع عنا تعب التكاليف واجعلنا بالقرآن خير اليف واحفظنا من المخالفة والانكار واحشرنا مع اهل القبول والاقرار
مزن زجون زجرا دم كه بنده مقبل ... قبول كردبجان هر سخن كه جانان كفت
{ قل } يا محمد فى جواب المنكرين { انما امرت ان اعبد الله ولا اشرك به } اى انما امرت فيما انزل الىّ بان اعبد الله واوحده وهو العمدة فى الدين ولا سبيل لكم الى انكاره . واما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الالهية فى جزئيات الاحكام لان الله الحكيم ينزل بحسب ما يقتضيه صلاح اهل العالم كالطبيب يعامل المريض بما يناسب مزاجه من التدبير والعلاج { اليه } اى الى الله وتوحيده لا الى غيره { ادعوا } العباد او اخصه بالدعاء اليه فى جميع مهامى { واليه مآب } اى مرجعى ومرجعكم للجزاء لا الى غيره وهذا هو القدر المتفق عليه بين الانبياء . فاما ما عدا ذلك من التفاريغ فمما يختلف بالاعصار والامم فلا معنى لانكار المخالف فيه
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)
{ وكذلك } اى وكما انزلنا الكتاب على الانبياء بلغة اممهم كما قال { كذلك ارسلناك فى امة } او مثل هذا الانزال المشتمل على اصول الديانات المجمع عليها كما هو المشهور فى مثله { انزلناه } يعنى القرآن { حكما } يحكم فى كل شيء يحتاج اليه العباد على مقتضى الحكمة والصواب . فالحكم مصدر بمعنى الحاكم لما كان جميع التكاليف الشرعيه مستنبطا من القرآن كان سببا للحكم فاسند اليه الحكم اسنادا مجازيا ثم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة ويقال حكما اى محكما لا يقبل النسخ والتغيير { عربيا } مترجما بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصاب حكما على انه حال موطئة وعربيا صفته والحال الموطئة اسم جامد موصوف بصفة هى الحال فكأن الاسم الجامد وطأ الطريق لما هو حال فى الحقيقة لمجيئه قبلها موصوفا بها -روى- ان المشركين كانوا يدعونه عليه السلام الى اتباع ملة آبائهم المشركين وكان اليهود يدعونه الى الصلاة الى قبلتهم اى بيت المقدس بعد ما حول عنها فقال تعالى { ولئن اتبعت اهواءهم } التى يدعونك اليها لتقرير دينهم جعل ما يدعونه اليه من الدين الباطل والطريق الزائغ هوى وهو ما يميل اليه بالطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند مقبول ودليل معقول لكونه هوى محضا { بعد ما جاءك من العلم } من الدين المعلوم صحته بالبراهين { مالك من الله } من عذابه { من ولى } ينصرك { ولا واق } يحفظك ويمنع عنك العذاب وهذا خطاب له عليه السلام والمراد تحريض امته على التمسك بالدين وتحذيره من التزلزل فانه اذا حذر من كان ارفع منزلة من الكل هذا التحذير كان غيره اولى بذلك اعانك الله واياى فى كل مقام (6/279)
فعلى العاقل ان يسلك طريق العبودية الى عالم الربوبية ولا يشرك شيأ من الجنيا والآخرة بل يكون مخلصا فى طلبه ومن اتبع الشرك بعد ما جاءه من العلم وهو طلب الوحدانية ولا واق يقيه من عذاب البعد وحجاب الشركة فى الوجود بالوجود فطريق الخلاص انما هى العبودية
قال الامام الفخر الرازى فى الكبير وقد بلغ شرف العبودية مبلغا بحيث اختلف العلماء فى العبودية والرسالة المستجمعتين فى المرسلين ايهما افضل فقالوا ان العبودية افضل واستدلوا عليه بانه بالعبودية ينصرف من الخلق الى الحق وبالرسالة ينصرف من الحق الى الخلق والعبودية ان يكل اموره الى سيده فيكون هو المتكفل تعالى باصلاح مهامه والرسالة التكفل بمهام الامة وشتان ما بينهما هذا آخر كلامه
والعبودية هى مقام الجمع والرسالة مقام التفرقة انظر الى النبى صلى الله عليه وسلم كان فى تمحض عبوديته مع ربه كما اخبر عنه « ابيت عند ربى وهو يطعمنى ويسقينى » وفى حال رسالته يقول
« كلمينى يا حميراء » لينقطع من الحق الى الخلق وكفى شرفا تقديم العبد على الرسول فى اشهد ان محمدا عبده ورسوله (6/280)
وفى العبودية معنى الكرامة والتشريف كما قال { ان عبادى ليس لك عليهم سلطان } قال الحافظ
كدايئ درجانان بسلطنت مفروش ... كسى ز سايه اين در بآفتاب رود
وعن على رضى الله عنه كفانى شرفا ان تكون لى ربا وكفانى عزا ان اكون لك عبدا وكما ان الله تعالى هو خالق العبد فكذا لا جاعل للعبد عبدا وذلك برفع هواه الا هو ألا ترى الى قوله تعالى { بل الله يزكى من يشاء ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد } ابدا { لا يمسه الا المطهرون } فان المطهر بالكسر فى الحقيقة هو الله تعالى وما سواه اسباب ووسائط
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38)
{ ولقد ارسلنا رسلا من قبلك } بشرا مثلك يا محمد وهو جواب لقول قريش ان الرسول لا بد وان يكون من جنس الملائكة { وجعلنا لهم ازواجا وذرية } اى نساء واولادا كما هى لك فلما جاز ذلك فى حقهم فلم لا يجوز مثله ايضا فى حقك وهو جواب لقول اليهود ما نرى لهذا الرجل همة الا فى النساء والنكاح ولو كان نبيا لاشتغل بالزهد والعبادة -روى- انه كان لداود عليه السلام ائة امرأة منكوحة وثلاثمائة سرية ولابنه سليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة مهرية وسبعمائة سرية فكيف يضر كثرة الازواج لنبينا عليه السلام (6/281)
فى التأويلات النجمية ان الرسل لما جذبتهم العناية فى البداية رقتهم من دركات البشرية الحيوانية الى درجات الولاية الروحانية ثم رقتهم منها الى معارج النبوة والرسالة الربانية فى النهار فلم يبق فيهم من دواعى البشرية واحكام النفسانية ما يزعجم الى طلب الازواج بالطبيعة والركون الى الاولاد بخصائص الحيوانية بل جعل لهم رغبة فى الازواج والاولاد على وفق الشريعة بخصوصية الخلافة فى اظهار صفة الخالقية كما قال تعالى { أأنتم تخلقونه ام نحن الخالقون } انتهى
وقال الحكيم الترمذى فى نوادر الاصول الانبياء زيدوا فى القوة بفضل تبوتهم وذلك ان النور اذا امتلأت منه الصدور ففاض فى العروق التذت النفس والعروق فاثار الشهوة وقواها انتهى
وفى الحديث « فضلت على الناس باربع بالسخاء والشجاعة وقوة البطش وكثرة الجماع » وطاف عليه السلام على نسائه التسع ليلة وتطهر من كل واحدة قبل ان يأتى الاخرى وقال هذا اطيب واطهر واوتى عليه السلام وة اربعين رجلا من اهل الجنة فى الجماع وقوة الرجل من اهل الجنة كمائة من اهل الدنيا فيكون تعطى عليه السلام قوة اربعة آلاف رجل وسليمان عليه السلام قوة مائة رجل وقيل الف رجل من رجال الدنيا
قال فى انسان العيون لا يخفى ان ازواجه عليه السلام المدخول بهن اثنتا عشرة امرأة وكان له اربع سرارى
وفى بستان العارفين ما تزوج من النساء اربع عشرة نسوة
وفى الواقعات المحمودية ان فخر الانبياء عليه وعليهم السلام قد تزوج احدى وعشرين امرأة ومات عن تسع نسوة قال سفيان بن عيينة كثرة النساء ليست من الدنيا لان عليا رضى الله عنه كان ازهد اصحاب النبى عليه السلام وكان له اربع نسوة وسبع عشرة سرية وتزوج المغيرة بن شعبة ثمانين امرأة
وكان الحسن بن على رضى الله عنهما منكاحا حتى نكح زيادة على مائتى امرأة وقد قال عليه السلام « اشبعت خلقى وخلقى »
يقول الفقير قد تزوج شيخى وسندى روح الله روحه قدر عشرين وجمع بين اربع مهرية وخمس عشرة سرية وكان يقول للعامى حين يسأل عن كثرة نكاحه ان لكل احد ابتلاء فى هذه الدار وقد ابتليت بكثرة النكاح ويقول لهذا الفقير فى خلوته انها من اسرار النبوة وخصائص خواص هذه الامة واشار به الى الحديث المشهور
« حبب الىّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى فى الصلاة » فهذا العشق والمحبة انما يكون لاصحاب النفوس القدسية وهم يطالعون فى كل شيء ما لا يطالعه غيرهم : ونعم ما قيل (6/282)
منعم كنى زعشق وى اى مفتئ زمان ... معذور دارمت كه تو اورا نديده
{ وما كان لرسول } وما صح لواحد منهم ولم يكن فى وسعه { ان يأتى بآية } تقترح عليه { الا باذن الله } اى بامره لا باختيار نفسه ورأيه فانهم عبيد مربوبون منقادون وهو جواب لقول المشركين لو كان رسولا من عند الله لكان عليه ان يأتى بأى شيء طلبنا منه من المعجزات ولا يتوقف فيه وفيه اشارة الى ان حركات عامة الخلق وسكناتهم بمشيئة الله تعالى وارادته وان حركات الرسل وسكناتهم باذن الله ورضاه { لكل اجل } وقت { كتاب } حكم مكتوب مفروض يليق بصلاح حال اهله فان الحكمة تقتضى اختلاف الاحكام على حسب اختلاف الاحكام على حسب اختلاف الاعصار والامم وهو جواب لقولهم لو كان نبيا ما نسخ اكثر احكام التوراة والانجيل
وقال الشيخ فى تفسيره اى لكل شيء قضاه الله وقت مكتوب معلوم لا يزاد عليه ولا ينقص منه اولا يتقدم ولا يتأخر عنه [ ياهر اجلى را از آجال خلائق كتابيست نزديك خداى تعالى كه جزوى كسى را بر آجال خلق اطلاع نباشد ]
يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39)
{ يمحو الله ما يشاء } محوه { ويثبت } ما يشاء اثباته فينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما هو خير منه او مثله ويترك ما يقتضيه حكمته غير منسوخ . او يمحو سيآت التائب ويثبت الحسنات مكانها . او يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة وذلك لانهم مأمورون بكتب جحميع ما يقول الانسان ويفعل فاذا كان يوم الاثنين والخميس يعارض ما كتبه الحفظة لما فى اللوح المحفزظ فينفى من كتاب الحفظة مالا جزاء له من ثواب وعقاب ويثبت ماله جزاء من احدهما ويترك مكتوبا كما هو فان كان فى اول الديوان وآخره خير يمحو الله ما بينهما من السيآت وان لم يكن فى اوله وآخره حسنات اثبت ما فيه من السيآت (6/283)
واختلف هل يكتب الملك ذكر القلب فسئل سفيان بن عيينة هل يعلم الملكان الغيب فقال لا فقيل له فكيف يكتبتن ما لا يقع من عمل القلب فقال لكل عمل سيما يعرف بها كالمجرم يعرف بسيماه اذا هم العبد بحسنة فاح من فيه رائحة المسك فيعلمون ذلك فيثبتونها واذا هم بسيئة واستقر عليها قلبه فاح منه ريح منتنة . وجعل النووى هذا اى كونهم يكتبون عمل القب اصح
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الملك لا سبيل له الى معرفة باطن البد فو قول اكثرهم انتهى . ويؤيده ما فى ريحان القلوب ان الذكر الخفى هو ما خفى عن الحفظة لا ما يخص به الصوت وهو خاص به صلى الله عليه وسلم ومن له اسوة حسنة انتهى
يقول الفقير يحتمل ان الانسان الكامل لكونه حامل امانة الله ومظهر اسراره وخير البرية لا يطلع عليه الملك ويطلع على حاله غيره لعلامات خفية عن البشر الزاما واحصاء لعمله كما قال تعالى { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها } او يمحو ويثبت فى السعادة والشقاوة والرزق والاجل -روى- عن عمر رضى الله عنه انه كان يطوف بالبيت وهو يبكى ويقول اللهم ان كنت كتبتنى فى اهل السعادة فاثبتنى فيها وان كنت كتبتنى فى اهل الشقاوة فامحنى واثبتنى فى اهل السعادة والمغفرة لانك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك ام الكتاب
وفى الاثر ان الرجل يكون قد بقى من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيرد الى ثلاثة ايام ويكون قد بقى من عمره ثلاثة ايام فيصل الى رحمه فيرد الى ثلاثين سنة
قال فى التأويلات النجمية لاجل اهل المشيئة والارادة فى حركاتهم وقت معين لوقوع الفعل فيه وكذا لاهل الاذن والرضى ثم يمحو الله ما يشاء لاهل السعادة من افاعيل اهل الشقاوة ويثبت لهم من افاعيل اهل السعادة ويمحو ما يشاء لاهل الشقاوة من افاعيل اهل السعادة ويثبت لهم من افاعيل اهل الشقاوة وعنده ام الكتاب الذى مقدر فيه حاصل امر كل واحد من الفريقين وخاتمتهم فلا يزيد ولا ينقص انتهى
يقول الفقير ان التغير والتبدل والمحو والاثبات انما هو بالنسبة الى السعادة والشقاوة العارضتين فانهما تقبلان ذلك بخلاف الاصليتين كما روى انه عليه السلام قال « اذا مضت على المطفة خمس واربعون ليلة يدخل الملك على تلك النطفة فيقول يا رب أشقى ام سعيد فيقضى الله ويكتب الملك فيقول يا رب أذكر ام انثى فيقضى الله ويكتب الملك فيقول عمله ورزقه فيقضى الله ويكتب الملك ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها » فعلم ان بطن الام ناظر الى لوح الازل فلا يتغير ابدا واما عالم الحس فناظر الى اللوح وعلى هذا يحمل قول بعضهم { ان الله يمحو ما يشاء ويثبت } الا الشقاوة والسعادة والموت والحياة والرزق والعمر والاجل والخلق والخلق : كما قال السعدى قدس سره (6/284)
خوى بد در طبيعتى كه نشست ... نرهد جز بوقت مرك ازدست
فمعنى زيادة العمر بصلة الرحم ان يكتب ثواب عمله بعد موته فكأنه زيد فى عمره او هو من باب التعليق او الفرض والتقدير ويمحو الاحوال ويثبت اضدادها من نحو تحويل النطفة علقة ثم مضغة الى آخرها ويمحو الاعمال اذا كان كافرا ثم اسلم فى آخر عمره محيت الاعمال التى كانت فى حال كفره فابدلت حسنات كما قال تعالى { الا من تاب وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات } واذا كان مسلما ثم كفر فى آخر عمره محيت اعماله الصالحة فلم ينتفع بها كما قال تعالى { وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } فالله تعالى يمحو الكفر ويثبت الايمان ويمحو الجهل ويثبت العلم والمعرفة ويمحو الغفلة والنسيان ويثبت الحضور والذكر ويمحو البغض ويثبت المحبة ويمحو الضعف ويثبت القوة ويمحو الشك ويثبت اليقين ويمحو الهوى ويثبت العقل ويمحو الرياء ويثبت الاخلاص ويمحو البخل ويثبت الجود ويمحو الحسد ويثبت الشفقة ويمحو التفرقة ويثبت الجمع على هذا النسق ودليله { كل يوم هو فى شأن } محوا واثبا
قال الكاشفى [ ابو درداء رضى الله عنه از حضرت نقل ميكندكه جون سه ساعت ازشب باقى ماند حق سبحانه وتعالى نظر ميكند در كتابى كه غير ازو هيجكس دران اطلاع نمى كند هرجه خواهد ازومحو كند وهرجه خواهد ثبت كند در فصول آورده كه محو كند رقوم انكارازقلوب ابرار ةاثبات كند بجاى آن رموز واسرار ]
وقال الشبلى رحمه الله يمحو ما يشاء من شهود العبودية واوصافها ويثبت ما يشاء من شهود الربوبية ودلائلها
وقال ابن عطاء يمحو الله اوصافهم ويثبت اسرارهم لانها موضع المشاهدة
وفى التأويلات النجمية { يمحو الله ما يشاء } من الاخلاق الذميمة النفسانية { ويثبت } ما يشاء من الاخلاق الحميدة الروحانية للعوام ويمحو من الاخلاق الروحانية ويثبت من الاخلاق الربانية للخواص ويمحو آثار الوجود ويثبت آثار الجود لاخص الخواص كل شيء هالك الا وجهه [ امام قشيرى ميفرمايد كه محو حظوظ نفسانى ميكند واثبات حقوق ربانى يا شهود خلق ميبرد وشهود حق مى آرد يا آثار بشريت محو ميكند وانوار احديت ثابت ميسازد ازان بنده مى كاهد وازان خود مى افزايد تاجنانجه باول خود بود بآخرهم خود باشد .
شيخ الاسلام فرموده كه الهى جلال وعزت توجاى اشارت نكذاشت محو واثبات توراه اضافت برداشت ازان من كاست وازان تو مى فزود بآخر همان شدكه باول بود ] (6/285)
محنت همه درنهاد آب وكل ماست ... بيش ازدل وكل جه بود آن حاصل ماست
در عالم نيست خانه داشته ايم ... رفتيم بدان خانه كه سر منزل ماست
{ وعنده } تعالى { ام الكتاب } العرب تسمى كل ما يجرى مجرى الاصل اما ومنه ام الرأس للدماغ وام القرى لمكة اى اصله الذى لا يتغير منه شيء وهو ما كتبه فى الازل وهو العلم الازلى الابدى السرمدى القائم بذاته وقد احاط بكل شيء علما بلا زيادة ولا نقصان وكل شيء عنده بمقدار وهو لوح من القضاء السابق فان الالواح اربعة لوح القضاء السابق الخالى عن المحور والاثبات وهو لوح العقل الاول ولوح القدر اى لوح النفوس الناطقة الكلية التى يفصل فيها كليات اللوح الاول ويتعلق باسبابها وهو المسمى باللوح المحفوظ ولوح النفوس الجزئية السماوية التى ينتقش فيها كل ما فى هذا العالم بشكله وهيآته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو بمثابة خيال العالم كما ان الاول بمثابة قلبه ثم لوح الهيولى القابل للصور فى عالم الشهادة
وفى الواقعات المحمودية اعلم ان اللوح معنوى وصورى . فالصورى ثمانية عشر الفا اصغرها فى هذا التعين وهو قابل للتغير والتبدل وقوله تعالى { يمحو الله ما يشاء ويثبت } ناظر اليه . واما المعنوى فلا يقبل التغير والتبدل وليس له زمان ولا حجم وما ذكروا من ان اللوح ياقوتة حمراء اطرافه من زبرجد فهو اللوح الصودى . واما المعنوى ففى علم الله تعالى الازلى وهو لا يتغير ابدا وقد وقع الكل بارادة واحدة
وفى الوجود الانسانى ايضا لوحان جزئيان معنوى وصورى فالمعنوى الجزئى باب اللوح المعنوى الكلى والصورى للصورى فالصورى ينكشف لا اكثر الاولياء واما المعنوى فلا يحصل الا لواحد بعد واحد . وفى موضع آخر منها جميع ما سوى الله تعالى مما كان وما سيكون من ارادة واحدة ازلية لا تكثر فيها ولا تغير ولا تبدل وهى المراد من قوله { ما يبدل القول لدى } واما قوله { يمحو الله ما يشاء ويثبت } فناظر الى تعلقات تلك الارادة الازلية التى هى من الصفات الحقيقية بالمحدثات على ما تقتضيه حكمته ومن جملتها افعال العبودية فتصدر منهم بارادتهم الحادثة واختبارهم الجزئى بمعنى انهم يصرفون اختيارهم الى جانب افعالهم فيخلقها الله سبحانه فالكسب منهم والخلق من الله فلا يلزم الجبر والاعمال اعلام فمن قدر له السعادة ختم بالسعادة ومن قدر له الشقاوة ختم بالشقاوة وفى الحديث
« ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى لا يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها » تنبيه على سببية العمل فى الجانبين حيث لم يقل فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار او الجنة بل ذكر العمل ايضا كما لا يخفى على المتفطن (6/286)
واعلم ان الله تعالى علق كثيرا من العطايا على الاعمال الصالحة وامر العباد بها وفى الحديث « الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل »
وفى الاحياء ان قيل ما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له قلنا ان من جملة القضاء كون الدعاء سببا لرد البلاء واستجلاب الرحمة وصار كالترس فانه لما كان لرد السهم لم يكن حمله مناقضا للاعتراف بالقضاء فكذا الدعاء فقدر الله الامر وقدر سببه
قال الحسن البصرى طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب
وقال علامة الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل فعلى العاقل ان يجتهد فى اعمال البر ويكف النفس عن الهوى الى ان يجيئ الاجل : قال الكمال الخجندى قدس سره
بكوش تابكف آرى كليد كنج وجود ... كه بى طلب نتوان يافت كوهر مقصود
وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)
{ واما نرينك } فى حياتك يا افضل الرسل واصله وان نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ومن ثمة الحقت النون بالفعل { بعض الذى نعدهم } اى مشركى مكة من العذاب والزلازل والمصائب والجواب محذوف اى فذاك شافيك من اعدائك (6/287)
بس از مرك آنكس نبايد كريست ... كه روزى بس ازمرك دشمن بزيست
{ او نتوفينك } اى نبض روحك الطاهرة قبل اراءة ذلك فلا تحزن { فانما عليك البلاغ } اسم اقيم مقام التبليغ كالاداء مقام التأدية اى تبليغ الرسالة واداء الامانة لا غير { وعلينا الحساب } اى مجازاتهم يوم القيامة لا عليك فننتقم منهم اشد الانتقام فلا يهمنك اعراضهم ولا تستعجل بعذابهم ونظيره قوله تعالى { فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون } يعنى لا يتخلصون من عذاب الله مت او بقيت حيا
وفى التأويلات النجمية { واما نرينك } بالكشف والمشاهدة { بعض الذى نعدهم } وعندنا من العذاب والثواب قبل وفاتك كما كان صلى الله عليه وسلم يخبر عن العشرة المبشرة وغيرهم بدخولهم الجنة وقد اخبر السائل عن ابيه حين قال اين ابوك قال « ابى وابوك فى النار » وقال صلى الله عليه وسلم « رأيت الجنة وفيها فلان ورأيت النار وفيها فلان » { او نتوفينك } قبل ان نريك من احوالهم { فانما عليك البلاغ } فيما امرناك بتبليغه ولا عليك القبول فيما تقول { وعلينا الحساب } فى الرد والقبول انتهى وكأن الكفرة قالوا اين ما وعد ربك ان يريك فقال تعالى
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)
{ أو لم يروا انا نأتى الارض } اى يأتى امرنا ارض الكفرة { ننقصها من اطرافها } حال من فاعل نأتى او من مفعوله اى نفتح ديار الشرك بمحمد والمؤمنين به فما زاد فى بلاد الاسلام باستيلائهم عليها جبرا وقهرا نقص من ديار الكفرة والله تعالى اذا قدر على جعل بعض ديار الكفرة للمسلمين فهو قادر على ان يجعل الكل لهم أفلا يعتبرون { والله يحكم لا معقب لحكمه } محل لا مع المنفى النصب على الحال اى يحكم نافذا حكمه خاليا عن المعارض والمناقض وحقيقته الذى يعقب الشيء بالرد والابطال . والمعنى انه حكم للاسلام بالغلبة والاقبال وعلى الكفر بالادبار والانتكاس وذلك كائن لا يمكن تغييره { وهو سريع الحساب } فيحاسبهم عما قليل فى الآخرة بعد عذاب الدنيا من القتل والاجلاء (6/288)
يقول الفقير نقص الارض انما يكون بالفتح المبنى على الامر بالجهاد وانما فرض بالمدينة فالاظهر ان الآية مدنية لا مكية كما لا يخفى وكون السورة مكية لا ينافيه وقد تعرض من ذهب الى كونها مكية لاستثناء آيتين كما اشير اليهما فى عنوان السورة ولم يتعرض لهذه الآية والحق ما قلنا
وقال بعضهم نقص الارض ذهاب البركة او خراب النواحى او موت الناس او موت العلماء والفقهاء والخيار وفى الحديث « ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فافتوا بغير علم فضلوا واضلوا » وفى ذكر اذا دون ان اشارة الى انه كائن لا محالة بالتدريج
وقال سلمان رضى الله عنه لا يزال الناس بخير ما بقى الاول حتى يتعلم الآخر فاذا هلك الاول ولم يتعلم الآخر هلك الناس
وقال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الامة الا من قبل الخواص وهم خمسة العلماء والغزاة والزهاد والتجار والولاة اما العلماء فهم ورثة الانبياء واما الزهاد فعماد الارض واما الغزاة فجند الله فى الارض واما التجار فامناء الله فى الامة واما الولاة فهم الرعاة فاذا كان العالم للدين واضعا وللمال رافعا فبمن يقتدى الجاهل واذا كان الزاهد فى الدنيا راغبا فبمن يقتدى التائب واذا كان الغازى طامعا فكيف يظفر بالعدو واذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل الامانة واذا كان الراعى ذئبا فكيف تحصل الرعاية
نكند جور يبشه سلطانى ... كه نيايد ذكرك جوبانى
والاشارة { أو لم يروا انا نأتى الارض } البشرية { ننقصها من ارطافها } من اوصافها بالازدياد فى اوصاف الروحانية وارض الروحانية ننقصها من اخلاقها بالتبديل بالاخلاق الربانية وارض العبودية ننقصها من آثار الخليقة باظهار انوار الربوبية { والله يحكم } من الازل الى الابد { لا معقب } لا مقدم ولا مؤخر ولا مبدل { لحكمه وهو سريع الحساب } فيما قدر ودبر وحكم فلا يسوغ لاحد تغيير حكم من احكامه
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42)
{ وقد مكر الذين من قبلهم } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى مكر الذين قبل مشركى مكة بانبيائهم والمؤمنين بهم كما مكر اهل مكة بمحمد عليه السلام ومكرهم ما اخفوه من تدبير القتل والايذاء بهم مكر نمرود بابراهيم عليه السلام وبنى الصرح وقصد السماء ليقتل رب ابراهيم ومكر فرعون بموسى عليه السلام واليهود بعيسى عليه السلام وثمود بصالح عليه السلام كما قالوا لنبيتنه واهله اى لنقلهم ليلا ومكر كفار مكة فى دار الندوة حين ارادوا قتل النبى صلى الله عليه وسلم { فلله المكر جميعا } مكر الله اهلا كهم من حيث لا يشعرون شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة (6/289)
وفى الكواشى اسباب المكر وجزاؤه بيد الله لا يغلبه احد على مراده فيجازيهم جزاء مكرهم وينصر انبياءه ويبطل مكر الكافرين اذا هو من خلقه فالمكر جميعا مخلوق له ليس يضر منه شئ الا باذنه ثم بين قوة مكره وكماله بقوله { يعلم ما تكسب كل نفس } من خير وشر فيعد جزاءها
وفى التأويلات النجمية فى اهل كل زمان وقرن مكروهم يمكرون به فلله المكر جميعا فانه مكر بهم ليمكروا بمكره مكرا مع اهل الحق ليبتليهم الله بمكرهم ويصبروا على مكرهم ثقة بالله انه هو خير الماكرين : وفى المثتوى
مرضعيفا نرا توبى خصمى مدان ... از نبة اذ جاء الله بخوان
كردخود جون كرم بيله برمتن ... بهر خودجه ميكنى اندازه كن
كرتوبيلى خصم تواز تورميد ... نك جزا طيرا ابابيلت رسيد
كرضعيفى درزمين خواهدامان ... غلغل افتد درسياه آسمان
كربدندانش كزى برخون كنى ... درددندانت بكيرد جون كنى
{ وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } من الفريقين حيثما يأتيهمك العذاب المعد لهم وهم فى غفلة منه واللام تدل على ان المراد بالعقبى العاقبة المحمودة والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها ان يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت ودخول الجنة
قال سعدى المفتى ثم لا يبعد ان يكون المراد والله اعلم وسيعلم الكفار من يملك الدنيا آخرا فاللام للمك انتهى
فينبغى للمؤمن ان يتوكل على المولى ويعتمد على وعده ويوافقه باستعجال ما هجله واستئجال ما اجله وكما انه تعالى نصر رسوله فكان ما كان كذلك ينصر من نصر رسوله فى كل عصر وزمان فيجعله غالبا على اعدائه الظاهرة والباطنة- روى - انه عليه السلام امر فى غزوة بدر ان يطرح جيف الكفار فى القليب وكان اذا ظهر على قوم اقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان اليوم الثالث امر عليه السلام براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه اصحابه حتى وقف على شفة القليب وجعل يقول « يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فانى وجدت ما وعدنى الله حقا »
فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله كيف تكلم اجسادا لا روح فيها فقال عليه السلام « ما انتم باسمع لما اقول منهم » وفى رواية « لقد سمعوا ما قلت غير انهم لا يستطيعون ان يردوا شيئا » (6/290)
وعن قتادة رضى الله عنه احياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله توبيخا لهم وتصغيرا ونقمة وحسرة وكان ابو لهب قد تأخر فى مكة وعاش بعد ان جاء الخبر عن مصاب قريش ببدر اياما قليلة ورمى بالعدسة وهى بثرة تشبه العدسة من جنس الطاعون فقتله فلم يحفروا له حفيرة ولكن اسندوه الى حائط وقذفوا عليه الحجارة خلف الحائط حتى واروه لان العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها ويرون انها تعدى اشد العدوى فلما اصابت ابا لهب تباعد عنه بنوه وبقى بعد موته ثلاثا لا يقرب جنازته ولا يحاول دفنه حتى انتن فلما خافوا السبة اى سب الناس لهم فعلوا به ما ذكر وفى رواية حفروا له ثم دفعوه بعود فى حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه فوجد جزاء مكره برسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عائشة رضى الله عنها اذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها ال فى النور وهذا القبر الذي يرجم خارج باب شبيكة الآن ليس بقبر ابى لهب وانما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة وذلك فى دولة بنى العباس فان الناس اصبحوا ووجدوا الكعبة ملطخة بالعذرة فرصدوا للفاعل فامسكوهما بعد ايام فصلبا فى ذلك الموضع فصارا يرجمان الى الآن فهذا جزاؤهما فى الدنيا وقد مكر الله بهما بذلك فقس على هذا جزاء من استهزأ بدين الله واهل دينه من العلماء الاخيار والاتقياء الابرار وقد مكر بعض الوزراء بحضرة شيخى وسندى فى اواخر عمره فاماته الله قبله بايام فرؤى فى المنام وهو منكوس الرأس لا يرفعها حياء مما صنع بحضرة الشيخ اللهم احفظنا واعصمنا من سوء الحال وسيآت الاعمال
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)
{ ويقول الذين كفروا } يعنى مشركى مكة او رؤساء اليهود فتكون الآية مدنية { لست } يا محمد { مرسلا } فيه اشراة الى ان من يقول للرسول صلى الله عليه وسلم انه ليس مرسلا من الله كما قالت الفلاسفة انه حكيم وليس برسول فقد كفر (6/291)
قال فى هدية المهديين اما الايمان بسيدنا محمد عليه السلام فيجب بانه رسولنا فى الحال وخاتم الانبياء والرسل فاذا آمن بانه رسول ولم يؤمن بانه خاتم الرسل لا نسخ لدينه الى يوم القيامة لا يكون مؤمنا
شمسه نه مسند وهفت اختران ... ختم رسل وخواجه بيغمبران
{ قل كفى بالله } الباء دخلت على الفاعل { شهيدا } تمييز { بينى وبينكم } [ بآنكه من بيغمبر بشما ] والمراد بشهادة الله تعالى اظهارا المعجزات الدالة على صدقة فى دعوى الرسالة { من عنده ام الكتاب } وهو الذى علمه الله القرآن وعلمه البيان واراه آيات القرآن ومعجواته فبذلك علم حقية رسالته وشهد بها وهم المؤمنون فالمراد بالكتاب القرآن
وعن عبد الله بن سلام ان هذه الآية نزلت فى فالمراد به التوراة فان عبد الله بن سلام واصحابه وجدوا نعته عليه السلام في كتابهم فشهدوا بحقيه رسالته وكانت شهادتهم ايضا قاطعة لقول الخصوم واعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسل الى الخلق كافة الانس والجن والملك والحيوان والنبات والحجر : قال العطار قدس سره
داعى ذرات بود آن باك ذات ... در كفش تسبيح ازان كفتى حصات
وفى المثنوى
سنكها اندر كف بوجهل بود ... كفت اى احمد بكواين جيست زود
كررسولى جيشت درمشتم نهان ... جون خبر دارى زراز آسمان
كفت جون خواهى بكويم آن جهاست ... يابكويند آنكه ما حقيم وراست
كفت بوجهل اين دوم نادرترست ... كفت آرى حق ازان قادر ترست
اوميان مشت اوهر باره سنك ... درشهادت كفتن آمد بى درنك
لا اله كفت والا الله كفت ... كوهر احمد رسول الله سفت
جون شنيد از سنكها بوجهل اين ... زد زخشم آن سنكهارا برزمين
وقد اخذ الله تعالى بابصار الانس والجن عن ادراك حياة الجماد الا من شاء الله من خواص عباده ولو لم يكن سر الحياة اريا فى جميع العالم لما سبح الحصى ونحوه وقد ورد « ان كل شئ سمع صوت المؤذن من رطب ويابس يشهد له » ولا يشهد الا من كان حيا عالما وكذا لا يحب الا من كان كذلك وقد ورد فى حق جبل احد قوله عليه السلام « احد يحبنا ونحبه »
ثم ان الاكوان مملوءة من اعلام الرسالة وشواهد النبوة ولقد خلق الله العرش الذى هو اول الاجسام واعظمها فكتب عليه قبل كل شئ الكلمة الطيبة كما روى ان آدم عليه السلام لما اقترف الخطيئة قال يا رب اسألك بحق محمد الا غفرت قال وكيف عرفت محمدا قال لانك لما خلقتنى بيدك ونفخت فى من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش لا اله الا الله محمد رسول الله فعلمت انك لم تضف الى اسمك الا احب الخلق اليك قال صدقت يا آدم انه لآخر النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا اله الا الله محمد رسول الله فسكن
وعن بعضهم رأيت فى جزيرة شجرة عظيمة لها ورق كبير طيب الرائحة مكتوب عليه بالحمرة والبياض فى الخضرة كتابة واضحة خلقة ابدعها الله بقدرته فى الورقة ثلاثة اسطر الاول لا اله الا الله والثانى محمد رسول الله والثالث ان الدين عند الله الاسلام (6/292)
وفى الواقعات المحودية كل قول يقبل الاختلاف بين المسلمين الا كلمة لا اله الا الله فانه غير قابل فمعناه متحقق وان لم يتكلم به احد
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)
{ الر } يشير بالالف الى القسم بآلائه ونعمائه وباللام الى لطفه وكرمه وبالراء الى القرآن يعنى قسما بآلائى ونعمائى ان صفة لطفى وكرمى اقتضت انزال القرآن وهو كتاب الخ كما فى التأويلات النجمية وقال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره اهل السلوك يعرفون المتشابهات على قدر مرتبتهم فمثل قوله تعالى { ق } و { ن } اشارة الى مرتبة واحدة فى ملك وجوده ومثل { حم } اشارة الى مرتبتين ومثل { الم . الر } اشارة الى ثلاث مراتب ومثل { كهيعص . وحمعسق } اشارة الى خمس مراتب . وفى البعض اشارة الى سبع مراتب فقوله عليه السلام « ان للقرآن ظهرا وبطنا » لا يعرفه غير اهل السللوك وما ذكره العلماء تأويله لا تحقيقه فمثل القاضى وصاحب الكشاف سلوكهم من جهة اللفظ لا المعنى وكان فى تفسير القاضى روحانية لكنه بدعاء عمر النسفى صاحب تفسير التيسير والمنظومة فى الفقه وكان هو مدرس الثقلين - روى - ان شخصا رأى الامام عمر النسفى بعد موته فى المنام فقال كيف كان سؤال منكر ونكير فقال رد الله الى روحى فسألانى لهما اخبركما فى رد الجواب نظما او نثرا فقالا قل نظما فقلت (6/293)
ربى الله لا اله سواه ... ونبيى محمد مصطفاه
دينى الاسلام وفعلى ذميم ... اسأل الله عفوه وعطاه
فانتبه ذلك الشخص من المنام وقد حفظ البيتين
يقول الفقير علم الحروف المقطعة من نهايات علوم الصوفية المحققين فانهم انما يصلون الى هذا العلم الجليل بعد اربعين سنة من اول السلوك بل اول الفتح فهو من الاسرار المكتوبة وى بد لطالبه من الاجتهاد الكثير على يدى انسان كامل : قال الكمال الحنجدى قدس سره
كرت دانستن علم حروفست آرزو صوفى ... نخست افعال نيكوكن جه سوداز خواندن اسما
بنا اهل ارنشان دادى كمال ازخاك دركاهش ... كشيدى كحل بنيانى ولى درجسم نابينا
قال الكاشفى [ درشرح تأويلات ازامام ما تريدى مذكوراست كه حروف مقطعه ابتلاست مرتصديق مؤمن وتكذيب كافررا وخداى تعالى بندكانرا بهرجه ميخواهد امتحان كند ] { كتاب } اى القرآن المشتمل على هذه السورة وغيرها فهو خبر مبتدأ محذوف
وفى تفسير الكاشفى [ جمعى برآنندمه اين حروف اسامى قرآنندوبدين وجه توان كفت كه الريعنى قرآن كتاب ] { انزلناه اليك } يا محمد بواسطة جبرائيل حال كونه حجة على رسالتك باعجازه يناسب قوله تعالى فيما بعد { ولقد ارسلنا موسى بآياتنا } ثم بين المصلحة فى انزال الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله { لتخرج الناس } كافة بدعائك وارشادك اياهم الى ما تضمنه الكتاب من العقائد الحقة والاحكام النافعة { من الظلمات الى النور } اى من انواع الضلالة الى الهدى ومن ظلمة الكفر والنفاق والشك والبدعة الى نور الايمان والاخلاص واليقين ومن ظلمة الكثرة الى نور الوحدة ومن ظلمة حجب الافعال واستار الصفات لى نور وحدة الذات ومن ظلمة الخلفية الى نور تجلى صفة الربوبية وذلك ان الله تعالى خلق عالم الآخرة وهو عالم الارواح من النور وجعل زبدته روح الانسان وخلق عالم الدنيا وهو عالم الاجسام وجعل زبدته جسم الانسان وكما انه تعالى جعا عالم الاجسام حجابا لعالم الارواح جعل ظلمات صفات جسم الانسان حجابا لنور صفات روح الانسان وجعل العالمين بظلماتهما وانوارهما حجابا صفة الوعيته كما قال صلى الله عليه وسلم
« ان لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفت لاحترقت سبحات وجه ما انتهى اليها بصره » وما جعل الله لنوع من انواع الموجودات استعدادا للخروج من هذه الحجب الا للانسان لا يخرج منها احد الا بتخريجه اياه منها واختص المؤمن بهذه الكرامة كما قال اله تعالى { والله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور } فجعل النبى صلى الله عليه وسلم والقرآن من اسباب تخريج المؤمنين من حجب الظلمات الى النور { باذن ربهم } اى بخوله وقوته اى لا سبيل له الى ذلك الا له وانما قال ربهم لانه تعالى مربيهم وما قال باذن ربك ليعلم ان هذه التربية من الله لا من النبى عليه السلام كذا فى التأويلات النجمية (6/294)
وقال اهل التفسير الباء متعلق بتخرج اى تخرج منها اليه لكن لا كيف ما كان فانك لا تهدى من احببت بل باذن ربهم فانه لا يهتدى مهتد الا باذن ربه اى بتيسيره وتسهيله ولما كان الاذن من اسباب التيسير اطلق عليه فان التصرف فى ملك الغير متعذر فاذا اذن تسهل وتيسر
واعلم ان الدعوة عامة والهداية خاصة كما قال تعالى { والله يدعو الى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم } واذن الله شامل لجميع الناس فى الظلمات اذ المقصود من ايجاد العوالم وانشاء النشآت كلها ظهور الانسان الكامل وقد حصل وهو الواحد الذى كالالف وهو السواد الاعظم فى تقتضى الحكمة اتفاق الكل على الحق لان الله تعالى جمالا وجلالا لا بد لكليهما من اثر
دركارخانه عشق ز كفرنا كزيرست ... آتش كرا بسوزد كر بولهب نباشد
{ الى صراط العزيز الحميد } بدل من قوله الى النور بتكرير العامل واضافة الصراط الى العزيز وهو الله على سبيل التعظيم له والمراد دين الاسلام فانه طريق موصل الى الجنة والقربة ووالوصلة والعزيز الغالب الذى ينتقم لاهل جينه من اعدائهم والحميد المحمود الذى يستوجب بذلك الحمد من عباده
وفيه اشراة الى ان العبور على الظلمات الجسمانية والنوار الروحانية هو الطريق الى الله تعالى وهو العزيز الذى لا يصل العبد اليه الا بالخروج من هذه الحجب وهو الحميد الذى يستحق من كمالية جماله وجلاله ان يحتجب العزة والكبرياء والعظمة
اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2)
{ الله } بالجر عطف بيان للعزيز الحميد لنه علم اللذات الواجب الوجود الخالق للعالم { الذى له ما فى السموات وما فى الارض } من الموجودات من العقلاء وغيرهم (6/295)
وفيه اشارة الى ان سير السائرين الى الله لا ينتهى بالسير فى الصفات وهى العزيز الحميد وانما ينتهى بالسير فى الذات وهو الله فالمكونات افعاله فمن بقى فى افعاله لا يصل الى صفاته ومن بقى فى صفاته لا يصل الى ذاته ومن وصل الى ذاته وصولا للا اتصال ولا انفصال بل وصولا بالخروج من انانيته الى هويته تعالى ينتفع فى صفاته وافعاله : قال الكمال الحنجدى قدس سره
وصل ميسر نشود جز بقطع ... قطع نخست ازهمه ببر يدنست
وقال المولى الجامى قدس سره
سبحاتك لا علم لنا الا ما ... علمت والهمت لنا الهاما
مارا برهان زما وآكاهى ده ... از سر معينى كه دارى با ما
{ وويل } الويل الهلاك
وقال الكاشفى [ رنج ومشقت ] وهو مبتدأ خبره قوله { للكافرين } بالكتاب واصله النصب كسائر المصادر الا انه لم يشتق منه فعل لكنه عدل به الى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه فيقال ويل لهم كسلام عليكم { من عذاب شديد } من لتبيين الجنس صفة لويل او حال من ضميره فى الخبر او ابتدائية متعلقة بالويل على معنى انهم يولون من عذاب شديد ويضجون منه ويقولن يا ويلاه كقوله تعالى { دعوا هنالك ثبورا }
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)
{ الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الآخرة } محل الموصول الجر على انه بدل من الكافرين او صفة له . والاستحباب استفعال من المحبة . والمعنى يختارون الحياة الدينا ويؤثرونها على الحياة الآخرة الابدية فان المؤثر لشئ على غيره كأنه يطلب من نفسه ان يكون احل اليها وافضل عندها من غيره (6/296)
قال ابن عباس رضى الله عنهما يأخذون ما تعجل فيها تهاونا بامر الآخرة وهذا من اوصاف الكافر الحقيقى فانه يجد ويجتهد فى طلب الدنيا وشهواتنا ويترك الآخرة باهمال السعى فى طلبها واحتمال الكلفة والمشقة فى مخالفة هوى النفس وموافقة الشرع فينبغى للمؤمن الحيقيى ان لا يرضى باسم الاسلام ولا يقنع بالايمان التقليدى فانه لا يخلو عن الظلمات بخلاف الايمان الحقيقى ان لا يرضى فانه نور محض وليس فيه تغيير اصلا
كى سه كردد زآتش روى خوب ... كونهد كلكونه از تقوى القلوب
{ ويصدون عن سبيل الله } اى ويمنعون الناس عن قبول دين الله
وفيه اشارة الى ان اهل الهوى يصرفون وجوه الطالبين عن طلب الله ويقطعون عليهم طريق الحق فى صورة النصيحة ويلومون الطلاب على ترك الدنيا والعزلة والعزوبة والانقطاع عن الخلق للتوجه الى الحق { ويبغونها } اى ويبغون لها فحذف الجار واوصل الفعل الى الضمير اى يطلبون لها { عوجا } زيغا واعوجاجا اى يقولون لمن يريدون صده واضلاله انها سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة [ يعنى اين راه كج است وبمنزل مقصود نميرسد ] والزيغ الميل عن الصواب والنكوب والاعراض { اولئك } الموصوفون بالقبائح المذكورة { فى ضلال بعيد } اى ضلوا عن طريق الحق ووقعوا عنه بمراحل والبعد فى الحقيقة من احوال الضال لانه هو الذى يتباعد عن الطريق فوصف به فعله مجازا للمبالغة وفى جعل الضلال محيطا بهم احاطة الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة وليس فى طريق الشيطان فوق من هو ضال ومضل كما انه ليس فى طريق الرحمن فوق من هو مهتد وهاد وقد اشير الى كليهما فى الآيات فان انزال الكتاب على رسول الله اشارة الى اهتدائه به كما قال تعالى فى مقام الامتنان { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان } وقوله لتخرج صريح فى هدايته وارشاده ولكل وارث من ورثته الاكملين حظ او فى من هذين المقامين وهم المظاهر للاسم الهادى وقوله تعالى يستحبون ويصدون اشارة الى الضلال والاضلال وهم ورثة الشيطان فى ذلك اى المظاهر للاسم المضل
فعلى العاقل ان يحقق ايمانه بالذكر الكثير وينقطع من الدنيا وما فيها الى العليم الخبير
وسئل سلطان العارفين ابو يزيد البسطامى قدس سره عن السنة والفريضة فقال السنة ترك الدنيا والفريضة الصحبة مع المولى لان السنة كلها تدل على ترك الدنيا والكتاب كله يدل على صحبة المولى فمن عمل بالسنة والفريضة فقد كملت النعمة فى حقه ووجب عليه الشكر الكثير شرفنا الله واياكم بالسلوك الى طريق الاخيار والابرار
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)
{ وما ارسلنا من رسول } [ درزاد المسير آورده كه قريش ميكفتند جه حالتست كه همه كتب منزل بلغة عجمى فرود آمده وكتابى كه بمحمد مى آيد عربيست آيت آمدكه ] { وما ارسلنا من رسول } { الا } ملتبسا { بلسان قومه } لفظ اللسان يستعمل فيما هو بمعنى العضو وبمعنى اللغة والمراد هنا هو الثانى اى بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم [ يعنى كروهى كه اواز ايشان زاده ومبعوث شده بديشان جه هربيغمبرى را اول دعوت نزديكان خود بايد كرد ] ويدل على قوله تعالى { والى عاد اخاهم هودا والى ثمود اخاهم صالحا } ونحو ذلك ولا ينتقض بلوط عليه السلام فانه تزوج منهم وسكن فيما بينهم فحصل المقصود الذى هو معرفة قومه بلسانه وديانته . وعمم المولى ابو السعود حيث قال الا ملتبسا بلسان قومه متكلما بلغة من ارسل اليهم من الامم المتفقة على لغة سواء بعث فيهم ام لا انتهى { ليبين } كل رسول { لهم } اى لقومه ما دعوا اليه وامروا بقبوله فيفقهوه عنه بسهولة وسرعة ثم ينقلوه يوترجموه لغيرهم فانهم اولى الناس بان يدعوهم واحق بان ينذرهم ولذلك امر النبى عليه السلام بانذار عشيره اولا ولقد كثرتها استقل ذلك بنوع من الاعجاز لكن ادى الى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق ايدى التحريف واضاعة فضل الاجتهاد فى تعلم الالفاظ ومعانيها والعلوم المتشبعة منها وما فى اتعاب النفوس وكذا القرائح فيه من القرب والطاعات المقتضية لجزيل الثواي وايضا لما جعله الله تعالى سيد الانبياء وخيرهم واشرفهم وشريعته خير الشرائع واشرفها وامته خير الامم وافصلهم اراد ان يجمع امته على كتاب واحد منزل بلسان هو سيد الالسنة واشرفها وافضلها اعطاء للاشرف الاشرف وذلك هو اللسان العربى الذى هو لسان قومه ولسان اهل الجنة فكان سائر الالسنة تابعا له كما ان الناس تابع للعرب مع ما فيه من الغنى عن النزول بجميع الالسنة لان الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل اى بعث الرسل الى الاطراف يدعونهم الى الله ويترجمون الى الله ويترجمون لهم بألسنتهم يقال ترجم لسانه اذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان كما فى الصحاح (6/297)
قال فى انسان العيون اما قول اليهود او بعضهم وهم العيسوية طائفة من اليهود اتباع عيسى الاصفهانى انه عليه السلام انما بعث للعرب خاصة دون بنى اسرائيل وانه صادق ففاسد لانهم اذا اسلموا انه رسول الله وانه صادق لا يكذب لزمهم التناقض لانه ثبت بالتواتر عنه انه رسول الله لكل الناس ثم قال ولا ينافيه قوله تعالى { وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه } لانه لا يدل على اقتصار رسالته عليهم بل على كونه متكلما بلغتهم ليفهموا عنه اولا ثم يبلغ الشاهد الغائب ويحصل الافهام لغير اهل تلك اللغة من الاعاجم بالتراجم الذين ارسلوا اليهم فهو صلى الله عليه وسلم مبعوث الى الكافة وان كان هو وكتابه عربيين كما ان موسى وعيسى عليهما السلام مبعوثين الى بنى اسرائيل بكتابيهما العبرانى وهو التوراة والسريانى وهو الانجيل مع ان من جملتهم جماعة لا يفهمون بالعبرانية ولا بالسريانية كالاورام فان لغتهم اليونانية انتهى
ةاحاصل ان الارشاد لا يحصل الا بمعرفة اللسان -جكى- ان اربعة رجال عحمى وعربى وتركى ورومى وجدزا فى الطريق درهما فاختلفوا فيه فلم يفهم واحد منهم مراد الآخر فسالهم رجل آخر يعرف الالسنة فقال للعربى اى شيء تريد وللعجمى [ جه ميخواهى ] وللتركى « نه استرسين » وعلمان مراد الكل ان يأخذوا بذلك الدرهم عنبا ويأكلوه فاخذ هذا العارف الدرهم منهم واشترى لهم عنبا فارتفع الخلاف من بينهم بسبب معرفة ذلك الرجل لسانهم -وحكى- ان بعض اهل الانكار الحوا على بعض من المشايخ الاميين ان يعظ لهم باللسان العربى تعجيزا له وتفضيحا فحزن لذلك فراى فى المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره لما التمسوا منه من الوعظ فاصبح متكلما بذلك اللسان وحقق القرآن بحقائق عجزوا عنها وقال امسيت كرديا واصبحت عربيا : وفى المثنوى
خويش را صافى كن ازا اوصاف خويش ... تاببينى ذات باك صاف خويش (6/298)
بينى اندر دل علوم انبيا ... بى كتب وبى معيد واوستا
سر امسينا لكرديا بدان ... راز اصبحنا عرابيا بخوان
{ فيضل الله من يشاء } اضلاله اى يهلق فيه الكفر والضلال لمباشرة الاسباب المؤدية اليه
قال الكاشفى [ بس كمراه كرداند خداى تعالى هركه راخواهد يعنى فرو كذاردتا كه كمراه شود ] والفاء فضيحة مثلها فى قوله تعالى { فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق } كأنه قيل فبينوه لهم فاضل الله منهم من شاء اضلاله لما لا يليق الا به { ويهدى من يشاء } هدايته اى يخلق فيه الايمان والاهتداء لاستحقاقه لما فيه من الانابة والاقبال الى الحق
قال الكاشفى [ وراه نمايد هركه را خواهد يعنى توفيق درهدتاراه يابد ] { وهو العزيز } الغالب على كل شيء فلا يغالب فى مشيئته { الحكيم } الذى لا يفعل شيأ من الاضلال والهداية الا لحكمة بالغة وفيه ان ما فوض الى الرسل انما هو تبليغ الرسالة وتبيين طريق الحق واما الهداية والارشاد فذلك بيد الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
وفى التأويلات النجمية { وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه } اى ليتكلم معهمبلسان عقولهم { ليبين لهم } الطريق الى الله وطريق الخروج من ظلمات انانيتهم الى نور هويته { فيضل الله من يشاء } فى انانيته { ويهدى من يشا بالخروج } الى هويته { وهو العزيز } اى هو اعز من ان يهدى كل واحد الى هويته { الحكيم } بان يهدى من هو المستحق للهداية اليه فمن هذا تحقق انه تعالى هو الذى يخرجهم من الظلمات الى النور لا غيره انتهى
فعلى العاقل ان يصرف اختياره فى طريق الحق ويجتهد فى الخروج من بواد الانانية فقد بين الله الطريق وارشد الى الاسباب فلم يبق الا الدخول والانتساب (6/299)
قال بعض الكبار النظر الصحيح يؤدى الى معرفة الحق وذلك بالانتقال من معلوم الى معلوم الى ان ينتهى الى الحق لكن طريق التصور والفكر واهله لا يتخلص من الانانية والاثينية واما المطاشفة فليس فيها الانتقال المذكور وطريقها الذكر الا ترى الى قوله تعالى { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم وينفكرون فى خلق السموات والارض } كيف قدم الذكر على الفكر فالطريقة الاولى طريقة الاشراقيين والثانية طريقة الصوفية المحققين
قال الاملم الغزالى كرم الله وجهه من عرف الله بالجسم فهو كافر ومن عرف الله بالطبيعة فهو ملحد ومن عرف الله بالنفس فهو زنديق ومن عرف الله بالعقل فهو حكيم ومن عرف الله بالقلب فهو صديق ومن عرف الله بالسر فهو موقن ومن عرف الله بالروح فهو عارف ومن عرف الله بالخفى فهو مفرد ومن عرف الله بالله فهو موحد اى بالتوحيد الحقيقى
طالب توحيدرا بايد قدم بر « لا » زدن ... بعد زان در عالم وحدث دم « الا » زدن
رنك وبويى ازحقيقت كربدست آورده ... جون كل صد برك بايد خيمه بر صحر ازدن
وانما منع الاغيار من شهود الآثار غيرة من الله العزيز القهار
معشوق عيان ميكذرد برتو وليكن ... اغيار همى بيند ازان بسته نقابست
ومعنى الوجدة الحاصلة بالتوحيد زوال الوجود المجازى الموهم لللاثنينية وظهور الوجود الحقيقى على ما كان عليه
هرموج ازين محيط انا البحر ميزند ... كرصد هزاردست بر آيد دعا يكيست
حققنا الله واياكم بحقائق التوحيد ووصلنا واياكم الى سر التجريد وجعلنا من المهديين الهادين والى طريق الحق داعين
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)
{ ولقد ارسلنا موسى } ملتبسا { بآياتنا } يعنى اليد والعصا وسائر معجزاته الدالة على صحة نبوته { ان } مفسرة لمفعول مقدر للفظ دال على معنى القول مؤد معناه اى ارسلناه بامر هو { اخرج قومك من الظلمات } من انواع الضلال التى كلها ظلمات محض كالكفر والجهالة والشبهة ونحوها { الى النور } الى الهدى كالايمان والعلم واليقين وغيرها (6/300)
وقال المولى ابو السعود رحمه الله الآيات معجزاته التى اظهرها لبنى اسرائيل والمراد اخراجهم بهد مهلك فرعون من الكفر والجهالات التى ادتهم الى ان يقولوا يا موسى اجعل لنا الها كمالهم آلهة الى الايمان بالله وتوحيده وسائر ما امروا به انتهى
يقول الفقير قد تقرر ان القرآن يفسر بعضه بعضا فقوله تعالى { ولقد ارسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين الى فرعون وملئه } ينادى باعلى صوته على ان المراد بالآيات غير التوراة وبالقوم القبط وهو فرعون واتباعه وان الآية محمولة على اول الدعوة ولما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم مبعوثا الى الكافة قال الله تعالى فى حقه { لتخرج الناس } ولم يقل لتخرج قومك كما خصص وقال هنالك { باذن ربهم } وطواه هنا لان الاخلاج بالفعل قد تحقق فى دعوته عليه السلام فكان امته امة دعوة واجابة ولم يتحقق فى دعوة موسى اذا لم يجبه القبط الى ان هلكوا او ان اجابه بنو اسرائيل والعمدة فى رسالته كان القبط ومن شأن الرسول تقديم الانذار حين الدعوة كما قال نوح عليه السلام فى اول الامر { انى لكم نذير مبين } ولذا وجب حمل قوله تعالى { وذكرهم بايام الله } على التذكير بالوقائع التى وقعت على الامم الماضية قبل قوم نوح وعاد وثمود . والمعنى وعظمهم وانذرهم ما كان فى ايام الله من الوقائع ليحذروا فيؤمنوا كما يقال رهبوت خير من رحموت اى لان ترهب خير من ان ترحم وايام العرب ملاحمها وحروبها كيوم حنين ويوم بدر وغيرهما
وقال بعضهم ذكرهم نعمائى ليؤمنوا بى كما روى ان الله تعالى اوحى الى موسى ان حببنى الى عبادى فقال يا رب كيف احببك الى عبادك والقلوب بيدك فاوحى الله تعالى ان ذكرهم نعمائى ومن هنا وجب الكلام عند الكلام بما يرجح رجاءه فيقال لا تحزن فقد وشك الله للحج او للغزو او لطلب العلم او نحو ذلك من وجوه الخير ولو لم يرد بك خيرا لما فعله فى حقك فهذا تذكير أى تذكير وايام الله فى الحقيقة هى التى كان الله ولم يكن معه شيء من ايام الدنيا ولا من ايام الآخرة
فعلى السالك ان يتفكر ثم يتذكر كونه فى مكنون علم الله تعالى ويخرج من الوجود المجازى المقيد باليوم والليل ويصل الى الوجود الحقيقى الذى لا يوم عنده ولا دليل { ان فى ذلك } اشارة الى ايام الله { لآيات } عظسمة او كثيرة دالة على وحدانية الله وقدرته وعلمه وحكمته { لكل صبار } مبالغ فى الصبر على طاعة الله وعلى البلايا { شكور } مبالغ فى الشكر على النعم والعطايا كأنه قال لكل مؤمن كامل اذ الايمان تصفيان نصفه صبر ونصفه شكر وتخصيص الآيات بهم لانهم المنتفعون بها لا لانها خافية عن غيرهم فان التبيين حاصل بالنسبة الى الكل وتقديم الصبر لكون الشكر عاقبته آخر هركريه آخر خنده ايست فالمنذرون المذكرون بالكسر صبروا على الاذى والبلاء فظفروا والعاقبة للمتقين والمنذرون المذكرون بالفتح تمادوا فى الغى والضلال فهلكوا ألا بعدا للقوم الظالمين : وفى المثنوى
عاقل ازسر بنهد ان هستى وباد ... جون شنيد انجام فرعونان وعاد (6/301)
ورنه بنهد ديكران از حال او ... عبرتى كيرند از اضلال او
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)
{ واذ قال موسى لقومه } اى اذكر للناس يا افضل المخلوق وقت قول موسى لقومه وهم بنوا اسرائيل والمراد بتذكير الاوقات تذكير ما وقع فيها من الحوادث المفصلة اذ هى محيطة بذلك فاذا ذكرت ذكر ما فيها كانه مشاهد معاين { اذكروا نعمة الله عليكم اذ انجيكم من آل فرعون } اى انعامه عليكم وقت انجائه اياكم من فرعون واتباعه واهل دينه وهم القبط { يسومونكم سوء العذاب } استئناف لبيان انجائهم او حال من آل فرعون (6/302)
قال فى تهذيب المصادر [ السوم : جشانيدن عذاب وخوارى ] قال الله تعالى { يسومونكم سوء العذاب } انتهى
وفى بحر العلوم من سام السلعة اذا طلبها والمعنى . يذيقونكم او يبغونكم شدة العذاب ويريدونكم عليه والسوء مصدر ساء يسوء وهو اسم جامع للآفات كما فى التبيان والمراد جنس العذاب السيئ او استعبادهم واستعمالهم فى الاعمال الشاقة والاستهانة بهم وغير ذلك مما لا يحصر { ويذبحون ابناءكم } المولودين من عطف الخاص على العام كان التذبيح لشدته وفظاعته وخروجه عن مرتبة العذاب المعتاد جنس آخر ولو جاء بحذف الواو كما فى البقرة والاعراف لكان تفسيرا للعذاب وبيانا له وانما فعلوا لان فرعون رأى فى المنام ان نارا اقبلت من نحو بيت المقدس فاحرقت بيوت القبط دون بيوت بنى اسرائيل فخوفه الكهنة وقالوا له انه سيولد منهم ولد يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فشمر عن ساق الاجتهاد وحسر عن ذراع العناد واراد ان يدفع القضاء وظهوره ويأبى الله الا ان يتم نوره
صعوه كه باعقاب سازد جنك ... دهد از خون خود برش را رنك
{ ويستحيون نساءكم } اى يبقون نساءكم وبناتكم فى الحياة للاسترقاق والاستخدام وكانوا يفردون النساء عن الازواج وذلك من اعظم المضار والابتلاء اذ الهلاك اسهل من هذا { وفى ذلكم } اى فيما ذكر من افعالهم الفظيعة { بلاء من ربكم عظيم } اى محنة عظيمة لا تطاق
فان قلت كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم
قلت اقدار الله اياهم وامهالهم حتى فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله ويجوز ان يكون المشار اليه الانجاء من ذلك والابتلاء بالنعمة كما قال تعالى { ولنبلونكم بالشر والخير فتنة } والله تعالى يبلو عباده بالشر ليصبروا فيكون محنة بالخير ليشكروا فيكون نعمة
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)
{ واذ تأذن ربكم } من جملة مقال موسى لقومه معطوف على نعمة اى اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن وتأذن بمعنى آذان اى اعلم اعلاما بليغا لا يبقى معه شائبة شبهة اصلا لما فى صيغة التفعل من معنى التكلف المحمول فى حقه تعالى على غايته التى هى الكمال (6/303)
وقال الخليل تأذن لكذا اوجب الفعل على نفسه . والمعنى اوجب ربكم على نفسه { لئن شكرتم } اللام لام التوطئة وهى التى تدخل على الشرط تقدم القسم لفظا او تقديرا لتؤذن ان الجواب له لا الشرط وهو مفعول تأذن على انه اجرى مجرى قال لانه ضرب من القول او مقول قول محذوف . والمعنى واذ تأذن ربكم فقال لئن شكرتم يا بنى اسرائيل نعمة الانجاء واهلاك العدو وغير ذلك وقابلتموها بالثبات على الايمان والعمل الصالح { لازيدنكم } نعمة الى نعمة ولاضاعفن لكم ما آتيتكم واللام ساد مسد جواب القسم والشرط جميعا
قال الكاشفى [ شيخ عبد الرحمن سلمى قدس سره از بو على جرجانى قدس سره اكر شكر كنيد برنعمت اسلام زياده كنم آنرا بايمان واكر سباس دارى كنيد برايمان افزون كردانم باحسان واكر بران شكر كوييد زياده سازم آنرا بمعرفت واكربرآن شاكر باشيد برسانم بمقام وصلت واكر آنرا شكر كوييد بالا برم بدرجة قربت وبشكران نعمت در آرم بخلوتكاه انس ومشاهده وازين كلام حقائق اعلام ميشود كه شكر مرقات ترقى ومعراج تصاعد بر درجاتست ] : وفى المثنوى
شكر نعمت نعمتت افزون كند ... كس زيان برشكر كفتى جون كند
شكر باشد دفع علتهاى دل ... سود دارد شاكر از سوداى دل
وقال فى التأويلات النجمية { لئن شكرتم } التوفيق { لازيدنكم } فى التقرب الى { ولئن شكرتم } التقرب الى { لازيدنكم } فى تقربى اليكم { ولئن شكرتم } تقربى اليكم رلازيدنكم } فى الجذبة الى { ولئن شكرتم } الجذبة { لازيدنكم } فى البقاء { ولئن شكرتم } البقاء { لازيدنكم } فى الوحدة { ولئن شكرتم } الوحدة { لازيدنكم } فى الصبر على الشكر والشكر على الصبر والصبر على الصبر والشكر على الشكر لتكونوا صبارا شكورا { ولئن كفرتم } اى لم تشكروا نعمتى قابلتموها بالنسيان والكفران اى لاعذبنكم فيكون قوله { ان عذابى لشديد } تعليلا للجواب المحذوف او فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم ومن عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك باكرم الاكرمين حيث لم يقل ان عذابى لكم ونظيره قوله تعالى { نبئ عبادى انى انا الغفور الرحيم وان عذابى هو العذاب الاليم } قال سعدى المفتى ثم المعهود فى القرآن اذا انه ذكر الخير اسنده الى ذاته تعالى وتقدس واذا ذكر العذاب بعده عدل عن نسبته اليه وقد جاء التركيب هنا على ذلك ايضا فقال وتقدس واذا ذكر العذاب بعده عدل عن نسبته اليه وقد جاء التركيب هنا على لذك فقال فى الاول لازيدنكم وفى الثانى ان عذابى لشديد ولم يأت التركيب لاعذبنكم انتهى
ثمان شدة العذاب فى الدنيا بسبل النعم وفى العقبى بعذاب جهنم (6/304)
وفى الأويلات النجمية ان عذاب مفارقتى بترك مواصلتى لشديد فان فوات نعيم الدنيا والآخرة شديد على النفوس وفوات المواصلات أشد على القلوب والارواح
قال فى بحر العلوم لقد كفروا نعمه حيث اتخذوا العجل وبدلوا القول فعذبهم بالقتل والطاعون
وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال من رزق ستا لم يحرم ستا من رزق الشكر لم يحرم الزيادة لقوله تعالى { لئن شكرتم لأزيدنكم } ومن رزق الصبر لم يحرم الثواب لقوله تعالى { انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب } قال المولى الجامى
اكر زسهم حوادث مصيبتى رسدت ... درين نشمين حرمان كه موطن خطرست
مكن بدست جزع خرقه صبورى جاك ... كه فوت اجر مصيبت مصيبت دكرست
ومن رزق التوبة لم يحرم القبول لقوله تعالى { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى { استغفروا ربكم انه كان غفارا } ومن رزق الدعاء لك يحرم الاجابة لقوله تعالى { ادعونى استجب لكم } وذلك لان الله تعالى لا يمكن العبد من الدعاء الا لاجابته ومن روق النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى { وما انفقتم من شيء فهو يخلفه } وفى المثنوى
كفت بيغمبر كه دائم بهر بند ... دو فرشته خوش منادى مى كنند
كاى خدايا منفقانرا سير دار ... هر درمشانرا عوض ده صد هزار
اى خدايا ممسكانرا در جهان ... تومده الا زيان اندر زيان
فعلى العاقل ان يشكر النعممة ويرجو من الله الملك القادر الخلق الرزاق ان لا يفتر القلب واللسان واليد من الفكر والذكر والانفاق
ولقد ترك بلعم بن باعورا شكر نعمة الاسلام والايمان فعوقب بالحرمان ونعوذ بالله من الخذلان اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين والمطيعين الصابرين القانعين انك انت المعين فى كل حين آمين
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)
{ وقال موسى ان تكفروا } نعمة الله ولم تشكروها { انتم } يا بنى اسرائيل { ومن فى الارض } من الثقلين { جميعا } حال من المعطوف والمعطوف عليه { فان الله } تعليل للجواب المحذوف اى ان تكفروا لم يرجع وباله الا عليكم فان الله { لغنى } على شكركم وشكر غيركم { حميد } محمود فى ذاته وصفاته وافعاله لا تفاوت له بايمان واحد ولا كفره (6/305)
قال الكاشفى [ ذرات مخلوقات بنعمت او ناطق والسنة جميع اشيا بتسبيح وحمداو جارى ]
بذكرش جمله ذرات كويا ... همه اورا زروى شوق جويا
قال السعدى قدس سره
بذكرش هرجه بينى درخروشست ... دلى داند درين معنى كه كوشست
نه بلبل بركلش تسبيح خوانيست ... كه هر خارى بتوحيدش زبانيست
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)
{ ألم يأتكم } من كلام موسى استفهم عن انتفاء الاتيان على سبيل الانكار فافاد اثبات الاتيان وايجابه فكانه قبل أتاكم { نبؤا الذين من قبلكم } اى اخباركم { قوم نوح } اغرقوا بالطوفان حيث كفروا ولم يشكروا نعم الله وقوم نوح بدل من الموصول { وعاد } اهلكوا بالريح معطوف على قوم نوح { وثمود } اهلكوا بالصيحة { والذين من بعدهم } من بعد هؤلاء المذكورين من قوم ابراهيم واصحاب مدين والمؤتفكات وغير ذلك وهو عطف على قوم نوح وما عطف عليه { لا يعلمهم الا الله } اعتراض اى لا يعلم عدد تلك الامم لكثرتهم ولا يحيط بذواتهم وصفاتهم واسمائهم وسائر ما يتعلق بهم الا الله تعالى فانه انقطعت اخبارهم وعفت آثارهم وكان مالك بن أنس يكره ان ينسب الانسان نفسه أبا أبا الى آدم وكذا فى حق النبى عليه السلام لا اولئك الآباء لا يعلم احد الا الله وكان ابن مسعود رضى الله عنه اذا قرأ هذه الآية قال كذب النسابون يعنى انهم يدعون علم الانساب وقد نفى الله علمها عن العباد (6/306)
وقال فى التبيان لنسابون وان نسبوا الى آدم فلا يدعون احصاء جميع الامم انتهى
وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما بين عدنان واسماعيل ثلاثون ابا اى قرنا لا يعرفون وقيل اربعون وقيل سبعة وثلاثون لنبينا عليه السلام
قال فى انسان العيون كان عدنان فى زمن موسى عليه السلام وهو النسب المجمع علينا لنبينا عليه السلام وفيما قبله الى آدم اختلاف سبب لاختلاف فيما بين عدنان وآدم ان قدماء العرب لم يكونوا اصحاب كتب يرجعون اليها وانما كانوا يرجعون الى حفظ بعضهم من بعض
والجمهور علىن العرب قسمان قحطانية وعدنانية والقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنية شعبان ربيعة ومضر واما قضاعة فمختلف فيها فبعضهم ينسبونها الى قحطان وبعضهم الى عدنان . ثم ان الشيخ عليا السمرقندى رحمه الله قال فى تفسير الموسوم ببحر العلوم لقائل ان يقول يشكل بالآية قول النبى صلى الله عليه وسلم « ان الله تعال قد رفع الى الدنيا فانا انظر اليها والى ما هو كائن فيها الى يوم القيامة كما انظر الى كفى هذه » جليا جلاها الله لنبيه كما جلاها للنبيين لدلالته صريحا على ان جميع الكوائن الى يوم القيامة مجلى ومكشوف كشفا تاما للانبياء عليهم السلام والحديث مسطور فى معجم الطبرانى والفردوس
يقول الفقير ان الله تعالى اعلم حبيبه عليه السلام ليلة المعراج جميع ما كان وما سيكون وهو لا ينافى الحصر فى الآية لقول تعالى فى آية اخرى { فلا يظهر على غيبه احد الا من ارتضى من رسول } يعنى به جنابه عليه السلام ولئن سلم فالذى علمه انما هو كليات الامور لا جزئياتها وكلياتها جميعا من هذا المقام وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم فصح الحصر والله اعلم فاعرف هذه الجملة { جاءتهم رسلهم } ملتبسين { بالبينات } وقال الكاشفى [ آوردند ] فالباء للتعدية اى بالمعدزات الواضحة التى لا شبهة فى حقيقتها قبين كل رسول لامته طريق الحق وهو استيناف لبيان نبأهم رفردوا ايديهم فى افواههم } اى اشاروا بها الى السنتهم وما نطقت به من قولهم انا كفرنا بما ارسلتم به اى هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره اقناطا لهم من التصديق اوردوا ايديهم فى افواه انفسهم اشارة بذلك الى الرسل ان انكفوا عن مثل هذا الكلام فانكم كذبة ففى بمعنى على كما فى الكواشى
وقال قتادة كذبوا الرسل وردوا ما جاؤا به يقال رددت قول فلان فى فيه اى كذبته { وقالوا انا كفرنا بما ارسلتم به } على زعمكم من الكتب والرسالة (6/307)
قال المولى ابو السعود رحمه الله هى البينات التى اظهروها حجة على رسالاتهم ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم { وانا لفى شك } عظيم { مما تدعوننا اليه } من الايمان بالله والتوحيد
قال سعدى المفتى المراد اما المؤمن به او صحة الايمان اذلا معنى لشكهم فى نفس الايمان
فان قلت الشك ينافى الجزم بالكفر بقولهم انا كفرنا
قلت متعلق الكفر هو الكتب والشرائع التى ارسلوا بها ومتعلق الشك وهو ما يدعونهم اليه من التوحيد مثلا والشك فى الثانى لا ينافى القطع فى الاول { مريب } موقع فى الريبة وهى قلق النفس وعدم اطمئنانها بالشيء وهو علامة الشر والسعادة [ يعنى كمانى نفس را مضطرب ميسازد ودلرارا آم نمى دهد وعقل را شوريده كرداند ] وهو صفة توكيدية لشك
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10)
{ قالت رسلهم } استئناف بيانى اى قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء { أفى الله شك } أى أفى شأنه سبحانه من وجوده ووحدته ووجوب الايمان به وحده شك ما وهو اظهر من كل ظاهر حتى تكونوا من قبله فى شك مريب اى لا شك فى الله ادخلت همزة الانكار على الظرف لان الكلام فى المشكوك فيه لا فى الشك انما ندعوكم الى الله وهو لا يحتمل الشك لكثرة الادلة وظهور دلالتها عليه واشاروا الى ذلك بقوله { فاطر السموات والارض } صفة للاسم الجليل اى مبدعهما وما فيهما من المصنوعات فهما تدلان على كون اطر فطرهما فان كينونتهما بلا كون مكون واج الكون محال لانه يؤدى الى التسلسل محال وذلك المكون هو الله تعلا [ روزى امام اعظم رحمه الله در مسجد نشسه بود جماعتى اززنادقه در آمدند وقصد هلاك او كردند امام كفت يك سؤال راجوب دهيد بعد ازان تيغ ظلم را آب دهيد كفتند مسئله جيست كفت من سفينة ديدم بربار كران برروى دريا روان جنانكه هج ملاحى محافظت نميكرد كفتند اين محالست زيرا كه كشتى بى ملاح بريك نسق رفتن محال باشد كفت سبحان الله سير جمله افلاك وكواكب ونظام عالم علوى وسفلى از سيريك سفينة عجب تراست همه ساكت كشتند واكثر مسلمان شدند ] { يدعوكم } الى طاعته بالرسل والكتب { ليغفر لكم من ذنوبكم } اى بعضها وهو ما عدا المظالم وحقوق العباد مما بينهم وبينه تعالى فان الاسلام يجبه اى يقطعه ومنع سيبويه زيادة من فى الايجاب واجازة ابو عبيدة (6/308)
وفىلتأويلات النجمية { يدعوكم } من المكونات الى الكون لا لحاجته اليكم بل لحاجتكم اليه { ليغفر لكم } بصفة الغفارية { من ذنوبكم } التى اصابتكم من حجب ظلمات خلقية السماوات والارض فاحتجبتم بها عنه { ويؤخركم الى اجل مسمى } الى وقت سماه الله وجعله آخر اعماركم يبلغكموه ان آمنتم والا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت فهو مثل قوله عليه السلام « الصدقة تزيد فى العمر » فلا يدل على تعدد الاجل كما هو مذهب اهل الاعتزال { قالوا } للرسل وهو استئناف بيانى { ان انتم } اى ما انتم فى الصورة والهيآت { الا بشر } آدميون { مثلنا } من غير فضل يؤهلكم ما تدعون من النبوة فلم تخصون بالنبوة دوننا ولو شاء الله ان يرسل الى البشر رسلا لارسل من جنس افضل منهم وهم الملائكة على زعمهم من حيث عدم التدنس بالشهوات وما يتبعها { تريدون } بدعوى النبوة { ان تصدقونا } تصرفونا بتخصيص العبادة بالله رعما كان يعبد آباؤنا } اى عن عبادة ما استمر آباؤنا على عبادته وهو الاصنام من غير شيء يوجبه وان لم يكن الامر كما قلنا بل كنتم رسلا من جهة الله كما تدعونه { فائتونا } [ بس بياريد ] { بسلطان مبين } ببرهان ظاهر على صدقكم وفضلكم واستحقاقكم لتلك الرتبة حتى تترك ما لم نزل نعبده ابا عن جد كأنهم لم يعتبروا ما جاءت به رسلهم من الحجج والبينات واقترحوا عليهم آية اخرى تعنتا ولجاجا
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
{ قالت لهم رسلهم } زاد لفظ لهم لاختصاص الكلام بهم حيث اريد الزامهم بخلاف ما سلف من انكار وقوع الشك فى الله فان ذلك عام وان اختص بهم ما يعقبه اى قالوا لهم معترفين بالبشرية ومشيرين الى منة الله عليهم { ان } ما { نحن الا بشر مثلكم } كما تقولون لا ننكره { ولكن الله يمن } ينعم بالنبوة والوحى { على من يشاء من عباده } وفيه دلالة على ان النبوة عطائية كالسلطنة لا كسبية كالولاية والوزارة { وما كان } وما صح وما استقام { لنا ان نأتيكم بسلطان } اى بحجة من الحجج فضلا عن السلطان المبين بشيء من الاشياء وسبب من الاسباب { الا باذن الله } فانه امر متعلق بمشيئة الله ان شاء كان والا فلا تلخيصه انما نحن عبيد مربوبون (6/309)
ناتوانى وعجز لازم ماست ... قدرت وآختار ازان خداست
كارهارا بحكم راست كند ... اوتواناست هرجه خواست كند
{ وعلى الله } دون ما عداه مطلقا { فليتوكل المؤمنون } وحقالمؤمنين ان لا يتوكلوا على غير الله فى الصبر على معاندتكم ومعاداتكم
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)
{ وما لنا } اى أى عذر ثبت لنا { ان لا نتوكل على الله } اى فى ان لا نتوكل عليه { ود هدينا سبلنا } اى والحال انه ارشد كلامنا سبيله ومنهاجه الذى شرع له واوجب عليه سلوكه فى الدين وهو موجب للتوكل ومستدع له (6/310)
قال فى التأويلات وهى الايمان والمعرفة والمحبة فانها سبل الوصول ومقاماته انتهى
وحيث كانت اذية الكفار بما يوجب الاضطراب القلح فى التوكل قالوا على سبيل التوكيد القسمى مظهرين لكمال العزيمة { ولنصبرن على ما آذيتمونا } فى ابداننا واعراضنا او بالتكذيب ورد الدعوة والاعراض عن الله والعناد واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه وهو جواب قسم محذوف { وعلى الله } خاصة { فليتوكل المتوكلون } فى فليثبت عليه فلا تكرار
والتوكل تفويض الامر الى من يملك الامور كلها وقالوا المتوكل من ان دهمه امر ولم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية الله فعلى هذا اذا وقع الانسان فى شدة ثم سأل غيره خلاصه لم يخرج من حد التوكل لانه لم يحاول دع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله
وفى التأويلات النجمية للتوكل مقامات المبتدئ قطع النظر عن الاسباب فى طلب المرام ثقة بالمسبب وتوكل المتوسط قطع تعلق الاسباب بالمسبب وتوكل المنتهى قطع التعلق بما سوى الله للاعتصام بالله انتهى
قال القشيرى رحمه الله { وما لنا ان لا نتوكل على الله } وقد حقق لنا ما سبق به الضمان من وجوه الاحسان وكفاية ما اظلنا من الامتحان { ولنصبرن على ما آذيتمونا } والصبر على البلاء يهون على رؤية المبلى وانشدوا فى معناه
مر ما مربى لاجلك حلو ... وعذابى لأجل حبك عذاب
قال الحافظ
اكر بلطف بخوانى مزيد الطافست ... وكر بقهر برانى درون ما صافست
قيل لما قدم لحلاج لتقطع يده فقطعت يده اليمنى اولا ضحك ثم قطعت يده اليسرى فضحك ضحكا بليغا فخاف ان يصفر وجهه من نزف الدم فاكب بوجهه على الدم السائل ولطخ وجهه وبدنه وانشأ يقول
الله يعلم ان الروح قد تلفت ... شوقا اليك ولكنى امنيها
ونظرة منك يا سؤلى ويا املى ... اشهى الى من الدنيا وما فيها
يا قوم انى غريب فى دياركمو ... سلمت روحى اليكم فاحكموا فيها
لم اسلم النفس للاسقام تتلفها ... الا لعلمى بان الوصل يحييها
نفس المحب على الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوما يداويها
ثم رفع رأسه الى السماء وقال يا مولاى انى غريب فى عبادك وذكرك اغرب منى والغريب يألف الغريب ثم ناداه رجل قال يا شيخ ما العشق قال ظاهره ما ترى وباطنه دق عن الورى
ومن لطائف هذه الاية الكريمة ما روى المستغفرى عن ابى ذر رفعه اذا آذاك البرغوث فخذ قدحا من ماء واقرأ عليه سبع مرات { وما لنا الا نتوكل على الله } الاية ثم قل ان كنتم مؤمنين فكفوا شركم واذا كمعنا ثم رشه حول فراشك فانك تبيت آمنا من شرهم
ولابن ابى الدنيا فى التوكل له ان عامل افريقية كتب الى عمر بن عبد العزيز يشكو اليه الهوام والعقارب فكتب اليه وما على احدكم اذا امسى واصبح ان يقول وما لنا ان لا نتوكل على الله الآية (6/311)
قال زرعة ابن عبد الله احد رواته وينفع من البراغيث كذا فى المقاصد الحسنة
قال بع العارفين ان ما اخذ الله على الكلب اذا قرئ عليه { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } لم يؤذ ومما اخذ الله على العقرب انه اذا قرئ عليها { سلام على نوح فى العالمين } لم تؤذ ومما اخذ الله على البراغيث { وما لنا ان لا نتوكل على الله } الآية ومن اراد الامن من شرها فليأخذ ماء ويقرأ عليه هذه الآية سبع مرات ثم ليقل سبع مرات ان كنتم آمنتم بالله فكفوا شركم عنا ايتها البراغيث ويرشه حول مرقده
غنيمت شمارند مردان دعا ... كه جوشن بود بيش تيربلا
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)
{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ارضنا } من مدينتنا وديارنا { او لتعودن فى ملتنا } عاد بمعنى صار والظرف خبر اى لتصيرن فى اهل ملتنا فان الرسل لم يكونوا فى ملتهم قط الا انهم لما يظهروا المخالفة لهم وقبل الاصطفاء اعتقدوا انهم على ملتهم فقالوا ما قالوا على سبيل التوهم او او بمعنى رجع والظرف صلة الخطاب لكل رسول ومن آمن به فغلبوا فى الخطاب الجماعة على الواحد اى لتدخلن فى ديننا وترجعن الى ملتنا وهذا كله تعزية للنبى عليه السلام ليصبر على اذى المشركين كما صبر من قبله من الرسل { فاوحى اليهم } اى الى الرسل { ربهم } مالك المشركين فان الشرك لظلم عظيم (6/312)
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)
{ ولنسكننهم الارض } اى ارض الظالمين وديارهم { من بعدهم } اى من بعد اهلاكهم عقوبة لهم على قولهم لنخرجنكم من ارضنا وفى الحديث « من آذى جاره ورثه الله فى داره » وحدثهم وسجدنا شكرا لله تعالى : قال السعدى قدس سره (6/313)
تحمل كن اى ناتوان از قوى ... كه روزى تواناتر ازوى شوى
لب خشك مظلوم راكو بخند ... كه دندان ظالم بخواهند كند
{ ذلك } اشارة الى الموحى به وهو اهلاك الظالمين واسكان المؤمنين ديارهم اى ذلك الامر والوعد محقق ثابت { لمن خاف } الخوف غم يلحق لتوقع المكروه { مقامى } موقفى وهوموقف الحساب لانه موقف الله الذى يقف فيه عباده يوم القيامة يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم فيقعدون اما المؤمنون فيهوّن عليهم كما يهون عليهم الصلاة المكتوبة ولهم كراسى يجلسون عليها ويظلل عليهم الغمام ويكون يوم القيامة عليهم سعة من نهار
قال فى التأويلات النجمية العوام يخافون دخول النار والمقام فيها والخواص يخافون فوات المقام فى الجنة لانها دار المقامة واخص الخواص يخافون فوات مقام الوصول { وخاف وعيد } بحذف الياء اكتفاء بالكسرة اى وعيدى بالعذاب وعقابى . والمعنى ان ذلك حق لمن جمع بين الخوفين اى للمتقين كقوله { والعاقبة للمتقين }
وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)
{ واستفتحوا } معطوف على فاوحى والضمير للرسل اى استنصروا الله وسألوه الفتح والنصرة على اعدائهم او للكفار { وخاب كل جبار عنيد } اى فنصروا عند استفتاحهم وظفروا بما سألوا وافلحوا وخسر عند نزول العذاب قومهم المعاندون فالخيبة بمعنى كطلق الحرمان دون الحرمان من المطلوب وان كان الاستفتاح من الكفرة فهى بمعنى الحرمان من المطلوب غير الطلب وهو واقع حيث لم يحصل ما توقعوه لانفسهم الا لاعدائهم وهذا كمال الخيبة التى عدم نيل المطلوب وانما قيل { وخاب كل جبار عنيد } ذما لهم وتسجيلا عليهم بالتجبر والعناد لا ان بعضهم ليسوا كذلك وانه لم تصبهم الخيبة والجبار الذى يجبر الخلق على مراده والمتكبر عن طاعة الله او المجانب للحق المعاجى لاهله (6/314)
وقال الكاشفى [ نوميد ماند وبى بهره كشت از خلاص هركردنكشى كه ستيزنده شود باحق يا معرض از طاعت او ]
قال الامام الدميرى فى حياة الحيوان حكى الماوردى فى كتاب ادب الدنيا والدين ان الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما فى المصحف فخرج قوله تعالى رواستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } فمزق المصحف وانشأ يقول
أتوعد كل جبار عنيد ... فها انا ذاك جبار عنيد
اذا ما جئت الى ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقنى الوليد
فلم يلبث اياما حتى قتل شر قتلة وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلده انتهى
قال فى انسان العيون مروان كان سببا لقتل عثمان رضى الله عنه وعبد الملك ابنه كان سببا لقتل عبد الله بن الزبير رضى الله عنه ووقع من الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفظيعة انتهى
يقول الفقير رأسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى امية فى صورة القردة فلعنهم فقال « ويل لبنى امية » ثلاث مرات ولم يجيئ منهم الخير والصلاحالا من اقل القليل وانتقلت دولتهم بمعاونة ابى مسلم الخراسانى الى آل العباس وقد رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاورون منبره فسره ذلك وتفصيله فى كتاب السير والتواريخ
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)
{ من ورائه جهنم } هذا وصف حال كل جبار عنيد وهو فى الدنيا اى بين يديه وقدامه فانه معد لجهنم واقف على شفيرها فى الدنيا مبعوث اليها فى الآخرة او من وراء حياته وهو ما يعد الموت فيكون ورأء بمعنى خلف كما قال الكاشفى [ از بس اودورخست يعنى در روز حشر رجوع او بدان خواهد بود ] وحقيقته ما توارى عنك واحتجب واستتر فليس من الاضداد بل هو موضع لامر عام يصدق على كل من الضدين (6/315)
وقال المطرزى فى الورآء فعال ولامه همزة عند سيبويه وابى على الفارسى وياء عند العامة وهو من ظروف المكان بمعنى خلف وقدام وقد يستعار للزمان { ويسقى } عطف على مقدر جوابا عن سؤال سائل كأنه قيل فماذا يكون اذن فقيل يلقى فيها ويسقى { من ماء } مخصوص لا كالمياه المعهودة { صديد } هو القبيح المختلط بالدم او ما يسيل من اجساد اهل النار وفروج الزناة وهو عطف بيان لماء ابهم اولا ثم بين الصديد تعظيما وتهويلا لامره وتخصيصه بالذكر من بين عذابها يدل على انه من اشد انواعه او صفة عند من لا يجيز عطف البيان فى النكرات وهم البصريون فاطلاق الماء عليه لكونه بدل فى جهنم ويجوز ان يكون الكلام من قبيل زيد أسد فالماء على حقيقته كما قال ابو الليث ويقال ماء كهيئة الصديد وفى الحديث « من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر سكرانوبعث من قبره سكران وامر به الى النار سكران » فيها عين يجرى منها القبيح والدم هو طعامهم وشرابهم ما دامت السماوات والارض
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)
{ يتجرعه } استئناف بيانى كأنه قيل فماذا يفعل به فقيل يتجرعه وفى التفعيل تكلف ومعنى التكلف ان الفاعل يتعانى ذلك الفعل ليحصل بمعاناته كتشجيع اذ معناه استعمل الشجاعة وكلف نفسه اياها لتحصل فالمعنى . لغلبته العطش واستيلاء الحرارة عليه يتكلف جرعة مرة بعد اخرى لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته ورائحته المنتنة { ولا يكاد يسيغه } اى لا يقارب ان يسيغه ويبتلعه فضلا عن الاساغة بل يغص به فيشير باللتيا والتى جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش واخرى بشربه على تلك الحال فان السوغ انحدار الشراب فى الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب نفى ما ذكر جميعا وفى الحديث « انه يقرب اليه فتكرهه فاذا ادنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فاذا شرب قطع امعاءه حتى تخرج من دبره » { ويأتيه الموت } اى اسبابه من الشدائد والآلام { من كل مكان } ويحيط به من الجهات الست فالمراد بالمكان الجهة او من كل مكان من جسده حتى من اصول شعره وابهام رجله وهذا تفظيع لما يصيبه من الالم لو كان ثمة موت لكان واحد منها مهلكا { وهو ما يميت } اى والحال انه ليس بميت حقيقة فيستريح { من ورائه } من بين يديه اى بعد الصديد (6/316)
وقال الكاشفى [ ودربس اوست باجود جنين محنتى كه ] { عذاب غليظ } لا يعرف كنهه اى يستقبل كل وقت عذابا اشق واشق مما كان قبله ففيه رفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتبار كما فى عذاب الدنيا
وعن الفضيل هو قطع الانفاس وحبسها فى الاجساد ولذا جاء الصلب اشد انواع العذاب نعوذ بالله
واستثنى من شدة العذاب عما النبى عليه السلام بعد ارضاع امه له فبشرته بولادته عليه السلام وقالت له أشعرت آن آمنة ولدت ولدا وفى لفظ غلاما لاخيك عبدالله فاعتقها ابو لهب وقال انت حرة فجوزى بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين بان يسقى ماء فى جهنم فى تلك الليلة اى ليلة الاثنين فى مثل النقرة التى بين السبابة والابهام
وفى المواهب رؤى ابو لهب بعد موته فى المنام فقيل له ما حالك قال فى النار الا انه يخفف عنى كل ليلة اثنين وامص من بين اصبعى هاتين ماء واشار برأس اصبعيه وان ذلك باعتاقى لثويبة عند ما بشرتنى بولادة النبى صلى الله عليه وسلم بارضاعها له كذا فى عيون الانسان
واما ابو طالب فقال العباس رضى الله عنه قلت يا رسول الله هل نفعت ابا طالب بشيء فانه كان يحوطك قال « نعم هو فى ضحضاح من النار ولولا انا لكان فى الدرك الاسفل من النار » وفى الحديث « ان الكافر يخفف عنه العذاب بالشفاعة »
لعل هذا يكون مخصوصا بابى طالب كما فى شرح المشارق لابن الملك (6/317)
قال فى انسان العيون قبول شفاعته عليه السلام فى عمه ابى طالب عدّ من خصائصه عليه السلام فلا يشكل بقوله تعالى { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } وفى الحديث « اذا كان يوم القيامة شفعت لابى وامى وعمى ابى طالب واخ لى كان فى الجاهلية » يعنى اخاه من الرضاعة من حليمة ويجوز ان يكون ذكر شفاعته لأبويه كان قبل احيائهما وايمانهما به وكذا لاخيه فانه كان قبل ان يسلم وقد صح ان حليمة واولادها اسلموا انتهى الكل فى الانسان وفى الحديث « يقال لاهون اهل النار عذابا يوم القيامة لو ان لك ما فى الارض من شيء أكنت تفدى به فيقول نعم فيقال اردت منك اهون من هذا وانت فى صلب آدم ان لا تشرك بى شيأ فما اردت للا ان تشرك بى شيأ » كما فى المصابيح
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)
{ مثل الذين كفروا بربهم } اى صفتهم وحالهم العجيبة الشأن التى هى كالمثل فى الغرابة وهو مبتدأ خبره قوله تعالى { اعمالهم كرماد } كقولك صفة زيد عرضه مهتوك وماله منهوب او خبره محذوف اى فيما يتلى عليكم مثلهم وقوله اعمالهم جمل مستانفة مبنية على سؤال من يقول كيف مثلهم فقيل اعمالهم كرماد { اشتدت به الريح } الاشتداد هنا بمعنى العدو والباء للتعدية اى حملته واسرعت فى الذهاب به (6/318)
وقال الكاشفى [ همجوحا كستريست كه سخت بكذردبروباد ] { فى يوم عاصف } ريحه اى شديد قوى فحذفت الريح ووصف اليوم بالعصزف مجازا كقولك يوم ماطر وليلة ساكنة وانما السكون لريحها { لا يقدرون } يوم القيامة { مما كسبوا } فى الدنيا اعمال الخير { على شيء } ما اى لا يرون له اثرا من ثواب وتخفيف عذاب كما لا يرون اثرا من الرماد المطير فى الريح { ذلك } اى ما دل عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم . يعنى كفرهم واعمالهم المبينة عليه وعلى التفاخر والرياء مع حسبانهم محسنين وهو جهل مركب وداء عضال حيث زين لهم سوء اعمالهم فلا يستغفرون منها ولا يتوبون بخلاف عصاة المؤمنين ولذا قال { هو الضلال البعيد } صاحبه عن طريق احق والصواب بمراحل او عن نيل الثواب فاسند البعد الذى هو من احوال الضال الى الضلال الذى هو فعله مجازا مبالغة شبه الله صنائع الكفار من الصدقة وصلة الرحم وعتق الرقاب وفك الاسير واغاثة الملهوفين وعقر الابل للاضياف ونحو ذلك مما هو من باب المكارم فى حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير اساس من معرفة الله والايمان به وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف [ يعنى مانند توده خاكسترست كه بادسخت بران وزد بهوا برده در اطراف براكنده سازد وهيج كس برجمع آن قادر نبود وازان نفع نكيرد فكما لا ينتفع بذلك الرماد المطير كذلك لا ينتفع بالاعمال المقرونة بالكفر والشرك
ففيه رد اعمال الكفار واعمال اهل البدع والاهواء لاعتقادهم السوء فدل على ان الاعمال مبنية على الايمان وهو على الاخلاص كرنباشد نيت خالص جه حاصل از عمل روى الطبرانى عن ام سلمة رضى الله عنها ان الحارث ابن هشام رضى الله عنه اى اخا ابى جهل بن هشام اتى النبى صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع فقال يا رسول الله انك تحث على صلة الرحم والاحسان الى الجار وايواء اليتيم واطعام الضيف واطعام المسكين وكل هذا ما يفعله هشام يعنى والده فما ظنك به يا رسول الله فقال عليه السلام « كل قبر لا يشهد صاحبه ان لا اله الا الله فهو جذوة من النار وقد وجدت عمى ابا طالب فى طمطام من النار فاخرجه الله لمكانه منى واحسانه الىّ فجعله فى ضحضاح من النار »
اى مقدار ما يغطى قدميه وهذا مخصوص بابى طالب كما سبق -حكى- ان عبدا بن جدعان وهو ابن عم عائشة رضى الله عنها كان فى ابتداء امره صعلوكا وكان مع ذلك شريرا فاتكا يجنى الجنايات فيعقل عنه ابوه وقومه حتى ابغضته عشيرته فخرج هائما فى شعاب مكة يتمنى الموت فرأى شقا فى جبل فلما قرب منه مل عليه ثعبان عظيم له عينان تتقدان كالسراجين فلم تأخر انساب اى رجع عنه فلا زال كذلك حتى غلب على ظنه ان هذا مصنوع فقرب منه وامسك بيده فاذا هو من ذهب وعيناه ياقوتتان فكسره ثم دخل المحل الذى كان الثعبان على بابه فوجد فيه رجالا من الملوك ووجد فى ذلك المحل اموالا كثيرة من الذهب والفضة جواهر كثيرة من الياقوت والؤلؤ والزبرجد فاخذ منه ما اخذ ثم اعلم ذلك الشق بعلامة وصار ينقل منه شيأ فشيأ ووجد فى ذلك الكنز لوحا من رخام فيه انا نفيلة بن جرهم بن قحطان بن هود نبى الله عشت خمسمائة عام وقطعت غور الارض ظاهرها وباطنها فى طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك منجيا من الموت (6/319)
جهان اى بسر ملك جاويد نيست ... زدنيا وفارادى اميد نيست
نه بر باد رفتى سحر كاه وشام ... سرير سليمان عليه السلام
بىخر نديدى كه برباد رفت ... خنك آنكه بادانش وداد رفت
ثم بعث عبدالله بن جدعان الى ابيه بالمال الذى دفعه فى جناياته ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبى فغرق اى مات قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله ابن جدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ينفعه ذلك يوم القيامة فقال « لا لانه لم يقل يوما يا رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين » اى لم يكن مسلما لانه ممن ادرك البعثة ولم يؤمن كما فى انسان العيون -وروى- لما اتى عليه السلام بسبايا طىّ وقعت جارية فى السبى فقالت يا محمد ان رأيت ان تخلى ولا تشمت بى احياء العرب فانى بنت سيد قومى وان ابى كان يحمى الذمار ويفك العانى ويشبع الجائع ويطعم الطعام ويفشى السلام ولم يرد طالب حاجة قط انى بنت حاتم طى فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان ابوك مسلما لترحمنا عليه وقال خلوا عنها فان اباها كان يحب مكارم الاخلاق »
قال فى انيس الوحدة وجليس الخلوة قيل لما عرج النبى عليه اسللام اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى طرف الله عنه عذاب جهنم بسخاته وجوده : قال السعدى
كنون بر كف دست نه هرجه هست ... كه فردا بدندان كزى بشت دست
مكردان غريب ازدرت بى نصيب ... مبادا كه كردى بدرها غريب
نه خواهنده بر در ديكران ... بشكران خواهنده از در مران
بريشان كن امروز كنجينه جست ... كه فردا كليدش نه دردست تست
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19)
{ الم تر } خطاب لرسول الله صلى الله علسه وسلم والمراد امته يذهبكم والامة امة الدعوة والرؤية رؤية القلبوفى التأويلات النجمية يخاطب روح النبى صلى الله عليه وسلم فان اول ما خلق الله روحه ثم خلق السماوات والارض وروحه ناظر مشاهد خلقتها اى ألم تعلم ولم تنظر والاستفهام للتقرير اى قدر رأيت { ان الله خلق السموات والارض } قال فى بحر العلوم آثار فعل الله بالسماوات والارض وسعة الاخبار به متواترة فقامت لك فقامت لك مقام المشاهدة { بالحق } ملتبسة بالحكمة البالغة والوجه الصحيح الذى ينبغى ان يخلق عليه الا باطلا ولا عبثا { ان يشأ يذهبكم } يعدمكم بالكلية ايها الناس { ويأت بخلق جديد } اى يخلق بدلكم خلقا آخر من جمسكم آدميين او من غيره خيرا منكم واطوع لله (6/320)
وفى التأويلات النجمية { ان يشأ يذهبكم } ايها الناس المستعد لقبول فيض اللطف والقهر { ويأت بخلق جديد } مستعد لقبول فيض لطفه وقهره من غير الانسان انتهى
رتب قدرته على ذلك على خلق السماوات والارض على هذا النمط البديع ارشادا الى طريق الاستدلال فان من قدر على خلق مثل هاتيك الاجرام العظيمة على كل تبديل خلق آخر بهم اقدر ولذلك قال
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)
{ وما ذلك } اى اذهابكم والاتيان بخلق جديد مكانكم { على الله بعزيز } بمعتذر او متعسر بل هو هين عليه يسير فانه قادر لذاته على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور انما امره اذا اراد شيأ ان يقول له كن فيكون (6/321)
كار اكر مشكل اكر آسانست ... همه قدرت او يكسانست
ومن هذا شأنه حقيق بان يؤمن ويعبد ويرجى ثوابه ويخشى عقابه
والآية تدل على كمال قدرته تعالى وصوريته حيث لا يؤاخذ العصاة على العجلة
وفى صحيح البخارى ومسلم عن ابى موسى « لا احد اصبر على اذى سمعه من الله انه يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم » ثم ان تأخير العقوبة يتصمن لحكم منها رجوع التائب وانقطاع حجة المصر
فعلى العاقل ان يخشى الله تعالى على كل حال فانه ذو القهر والكبرياء والجلال
وعن جعفر الطيار رضى الله عنه قال كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى طريق فاشتد على العطش فعلمه النبى عليه السلام وكان حذاءنا جبل فقال عليه السلام « بلغ منى السلام الى هذا الجبل وقل له يسقيك ان كان فيه ماء » قال فذهبت اليه وقلت السلام عليك ايها الجبل بنطق لبيك يا رسول رسول الله فعرضت القصة فقال بلغ سلامى الى رسول الله وقل له منذ سمعت قوله تعالى { فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة } بكيت بخون ان اكون من الحجارة التى وقود النار بحيث لم يبق فى ماء ثم ان هذا التهديد فى الاية انما نشأ من الكفر والمعصية ولو كان مكانهما الايمان والطاعة لحصل التبشير وكل منهما جار الى يوم القيامة
وعن اسماعيل المحاملى قال رأيت فى المنام كانى على فضاء من الارض انظر شرق الارض وغربها وكأن شخصا نزل من السماء فبسط يمينه وشماله الى اطراف الارض فجمع بكلتا يديه شيأ من وجه الارض ثم ضمهما الى صدره وارتفع الى السماء ثم نزل كذلك وفعل كالاول ثم نزل فى المرة الثالثة وبسط يديه وهم بان يجمع شيأ ثم ترك وارسل يديه ولم يأخذوهم بالصعود فقال ألا تسالنى فقلت بلى من انت قال انا ملك ارسلنى الله فى المرة الاولى ان اخذ الخير والبركة عن وجه الارض فاخذت وفى الثانية ان اخذ الشفقة والرحمة فاخذت وفى الثالثة ان آخذ الايمان فنوديت ان محمدا يشفع الىّ وانى قد سفعته فلا اسلب الايمان من امته فاترك فصعد الى السماء ويداه مرسلتان كذا فى زهرة الرياض وعند قرب القيامة يسلب الله الايمان والقرآن فيبقى الناس فى صورة الآدميين دون سيرتهم ثم يذهبهم الله جميعا ويظهر ان العزة والملك لله تعالى : قال الجامى
با غير او اضافت شاهى بود جنانك ... بريك دوجوب باره زشطرنج نام شاه
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)
{ وبرزوا } اى برز الموتى من قبورهم يوم القيامة الى ارض المحشر اى يظهرون ويخرجون عند النفخة الثانية حين تنتهى مدة لبثهم فى بطن الارض قال الله تعالى { ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون } وايثار صيغة الماضى للدلالة على تحقق وقوعه { لله } اى لامر الله ومحاسبته فاللام تعليلية وصلة برزوا محذوفة اى برزوا من القبور الموتى { جميعا } اى جميعهم من المؤمنين والكافرين كما فى تفسير الكاشفى او القادة والاتباع اجتمعوا للحشر والحساب وهذا كقوله { وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا } كما فى تفسير ابى الليث { فقال الضعفاء } الاتباع والعوام جمع ضعيف والضعف خلاف القوة وقد يكون فى النفس وفى البدن وفى الحال وفى الرأى والمناسب للمقام هو الاخير فانه لو كان فى رأيهم قوة لما اتبعوهم فى تكذيب الرسل والاعراض عن نصائحهم (6/322)
يقول الفقير فى هذه الحال خائفا من سطوة النتغلبة مناهل الكفر والضلال فالاولى ان يكون الضعيف بمعنى المستذل المقهور كما فى قوله تعالى { والمستضعفين } { الذين استكبروا } اى لرؤسائهم المستكبرين الخارجين عن طاعة الله { انا كنا } فى الدنيا { لكم تبعا } جمع تابع كخدم جمع خادم وهو المستنّ بآثار من يتبعه اى تابعين اى تكذيب الرسل والاعراض عن نصائحهم مطيعين لكم فيما امرتمونا به { فهل انتم } [ بس هيج هستيد شما ] { مغنون } دافعون { عنا من عذاب الله من شيء } من الاولى للبيان واقعة موقع الحال قدمت على صاحبها لكونه نكرة والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول اى بعض الشيء الذى هو عذاب الله والفاء للدلالة على السببية الاتباع للاغناء . والمراد التوبيخ والعتاب لانهم كانوا يعلمون انهم لا يغنون عنهم شيأ مما هم فيه { قالوا } اىلمستكبرون جوابا عن معاتبة الاتباع واعتذارا عما فعلوا بهم يا قوم { لو هدينا الله } الى الايمان ووفقنا له { لهديناكم } ضللنا فاضللناكم اىخترنالكم ما اخترناه لانفسنا
وقال الكاشفى [ اكر خداى تعالى نمودى طريق نجات را عذاب هر آيينه مانيز شمارا راه مينموديم بدان اما طرق خلاصى مسدود است وشفاعت ما درين دركاه مرود ]
وفى التأويلات النجمية { قالوا } يعنى اهل البدع للمتقلدة { لو هدينا الله } الى طريق اهل السنة والجماعة وهو الطريق الى الله وقربته { لهديناكم } اليه وفه اشارة الى ان الهداية والضلالة من نتائج لطف الله وقهره ليس الى احد من شيء فمن شاء جعله مظهر الصفات لطفه ومن شاء جعله مظهر الصفات قهره : قال الحافظ
درين جمن نكنم سرزنش بخودرويى ... جنانكه برورشم ميدهند ميرويم
{ سواء علينا أجزعنا } فى طلب النجاة من ورطة الهلاك والعذاب والجزع عدم الصبر على البلاء { ام صبرنا } على ما لقينا انتظارا للرحمة اى مستو علينا الجزع والصبر فى عدم الانجاء ففيه اقناط الضعفاء والهمزة وام لتأكيد التسوية ونحوه اصبروا اولا تصبروا سواء عليكم ولما كان عتاب الاتباع من باب الجزع ديلوا جوابهم بيسان ان لا جدوى فى لك فقالوا { ما لنا من محيص } من منجى ومهرب من العذاب .
وبالفارسية [ كريز كاهى وبناهى ] من المحيص وهو العدول على جهة الفرار يقال حاص الحمار اذا عدل بالفرار (6/323)
وفى التأويلات { ما لنا من محيص } من مخلص للنجاة لانه ضاع منا آلة النجاة واوانها ويجوز ان يكون قوله سواء علينا كلام الضعفاء والمستكبرين جميعا ويؤيده انهم يقولون تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم فيقولون تعالوا نصبر اى رجاء ان يرحمهم الله بصبرهم على العذاب كما رحم المؤمنين بصبرهم على الطاعات فيصبرون كذلك فلا ينفعهم [ يعنى ازهيج يك فائده نمى رسد ] فعند ذلك يقولون ذلك : قال السعدى قدس سره
فراشو جو بينى در صلح باز ... كه ناكه درتوبه كردد فراز
توبيش ازعقوبت در عفو كوب ... كه سودى نداردفغان برجوب
كنون كردبايد عمل را حساب ... نه روزى كه منشور كردد كتاب
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)
{ وقال الشيطان } الذى اضل الضعفاء والمستكبرين } لما قضى الامر } اى احكم وفرغ منه وهو الحساب ودخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار اوامر اهل السعادة بالسعادة وامر اهل الشقاوة بالشقاوة (6/324)
قال الكاشفى { تمامت دوزخيان مجتمع شده زبان ملامت بر ابليس دراز كنند ابليس برمنبر آتشين برآيد وكويد باشقياء انس كه اى ملامت كنندكان ] { ان الله وعدكم الحق } [ وعده راست ودرست كه حشر وجزا خواهد بود ] فوفى لكم بما وعدكم { ووعدتكم } اى وعد الباطل وهو ان لا بعث ولا حساب ولكن كان فالاصنام شفعاؤكم ولم يصرح ببطلانه لما دل عليه قوله { فاخلفتكم } اى موعدى على حذف المفعول الثانى اى نقضته والاخلاف حقيقة هو عدم انجاز من يقدر على انجاز وعده وليس الشيطان كذلك فقوله اخلفتكم يكون مجازا جعل تبين خلف وعده كالاخلاف منه كأنه كان قادرا على انجازه وانى له ذلك [ يعنى امروز ظاهر شدكه من دروغ كفته بودم ] { وما كان لى عليكم من سلطان } اى تسلط وقهر فالجئكم الى الكفر والمعاصى
قال فى بحر العلوم لقائل ان يقول قول الشيطان هذا مخالف لقوله الله انما سلطانه على الذين يتولونه فما حكم قول الشيطان احق هوام باطل على انه لا طائل تحته فى النطق بالباطل فى ذلك المقام انتهى
يقول الفقير جوابه ان نفى السلطان بمعنى القهر والغلبة لا ينافى اثباته بمعنى الدعوة والتزيين فالشيطان ليس له سلطان بالمعنى الاول على المؤمنين والكافرين جميعا وله ذلك بالمعنى الثلنى على الكفار فقط كما دل عليه قوله تعالى { انما سلطانه على الذين يتولونه } واما المؤمنون وهم اولياء الله فيتولون الله بالطاعة فهم خارجون عن جائرة الاتباع بوسوسته اذ هو يجرى فى عالم الصفات وهو عالم الافعال واما عالم الذات فيخلص للمؤمن فأنى للشيطان سبيل اليه ولو كان لآمن فافهم هداك الله { الا ان دعوتكم } الادعائى اياكم الى طاعتى بوسوسة وتزيين وهو ليس من جنس السلطان والولاية فى الحقيقة { فاستجبتم لى } اجبتم لى طوعا } واختيارا { فلا تلومونى } فيما وعدتكم بالباطل لانى خلقت لهذا ولانى عدو مبين لكم وقد خدركم الله عداوتى كما قال { لا تعبدوا الشيطان } لا يفتننكم الشيطان ومن تجرد للعداوة لا يلام اذا دعا الى امر قبيح { ولوموا انفسكم } يعنى باختياركم المعصية وحبكم لها صدقتمونى فيما كذبتكم وكذبتم الله فيما صدقكم وذلك لان مقالى كان ملائما لهوى انفسكم وكلام الحق مخالف لهواها ومر على مزاق النفوس اى فانتم احق باللوم منى { ما انا بمصرخكم } بمغيثكم مما انتم فيه من العذاب { وما انتم بمصرخى } مما انا فيه يعنى لا ينجى بعضنا بعضا من عذاب الله والا صراخ الاغاثة والمصرخ بالفارسية [ فرياد رس ] وانما تعرض لذلك مع انه لم يكن فى حيز الاحتمال مبالغة فى بيان عدم اصراخه اياهم وايذانا بانه ايضا مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج الى الاصراخ فكيف من اصراخ الغير { انى كفرت } اليوم { بما اشركتمون } باشراككم اياى الله فى الطاعة .
وبالفارسية [ بانجه شريك مى كرديد مرا باخداى تعالى درفرمان بردارى ] { من قبل } اى قبل هذا اليوم اى فى الدنيا بمعنى تبرأت منه واستنكرته [ يعنى بيزاز شدم از شرك شما ] (6/325)
قال فى الارشاد يعنى ان اشراككم لى بالله هو الذى يطعمكم فى نصرتى لكم بان كان لكم على حق حث جعلتمونى معبودا وكنت اودّ ذلك وارغب فيه فاليوم كفرت بذلك ولم احمده ولم اقبله منكم بل تبرأت منه ومنكم فلم يبق بينى وبينكم علاقة { ان الظالمين لهم عذاب اليم } تمتة كلامه اوابتداء كلام من الله تعالى . والظالمون هم الشيطان ومتبعوه من الانس لان الشيطان وضع الدعوة الى الباطل فى غر موضعها وانهم وضعوا الاتباع فى غير موضعه وفى حكاية امثاله لطف للسامعين وايقاظ لهم حتى يحاسبوا انفسهم ويتدبروا عواقبهم
هركه نقص خويش راديد وشناخت ... اندرا استكمال خودده اسب تاخت
هركه آخر بين تر او مسعود تر ... هركه آخور بين تر او مبعود تر
ثم اخبر عن حال المؤمنين ومآلهم
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)
بقوله { وادخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات } جمعوا بين الايمان والعمل الصالح والمدخلون هم الملائكة { جنات } [ در بهشتهاى كونا كون كه ] { تجرى من تحتها الانهار } [ ميرود اززير درختان جويها ] { خالدين فيها } [ در حالتى كه جاويدان باشنددران ] { باذن ربهم } متعلق بادخل اى بامره او بتوفيقه وهدايته وفيه اشارة الى ان الانسان اذا خلى وطبعه لا يؤمن ولا يعمل الصالحات والجنات ان لم تكن العناية لا يبقى احد فى جنة القلب ساعة كما لم يبق آدم فى الجنة خالدا كما فىلتأويلات النجمية { تحيتهم فيها سلام } التحية دعاء بالتعمير واضافتها الى الضمير من اضفة المصدر الى المفعول اى تحيتهم الملائكة فى الجنات بالسلام من الآفات او يحيى المؤمنون بعذهم بعضا بالسلام والسلام تحية المؤمنين فى الدنيا ايضا (6/326)
واصله صدر من ابينا آدم عليه السلام على ما روى وهب بن منبه ان آدم لما رأى ضياء نور نبينا صلى الله عليه وسلم سأل الله عنه فقال هو نور النبى العربى محمد من اولادك فالانبياء كلهم تحت لواء فاشتاق آدم الى رؤيته فظهر نور النبى عليه السلام فى انملة مسبحة آدم فسلم عليه فردّ الله سلامه من قبل النبى عليه السلام فمن هنا بقى السلام سنة لصدوره عن آدم وبقى رده فريضة لكونه عن الله تعالى . ونظيره ركعات الوتر فانه عليه السلام لما ام الانبياء فى بيت المقدس اوصاه موسى عليه السلام ان يصلى له ركعة عند سدرة المنتهى قال الله تعالى { فلا تك فى مرية من لقائه } اى لقاء موسى ليلة المعراج فلما صلى ركعة ضم اليها ركعة اخرى لنفسه فلما صلاهما اوحى الله تعالى اليه ان صل ركعة فلذلك صار وترا مالكغرب فلما قلم اليها ليصليها غشاه الله بالرحمة والنور فانحل يداه بلا اختيار منه فلذلك كان رفع اليد سنة واليه اشار النبى عليه السلام بقومه « ان الله زادكم صلاة ألا وهى الوتر » وقيل لما صلى الركعة الثانية وقام الى الثالثة رأى والديه فى النار ففزع وانحل يداه ثم جمع قلبه فكبر وقال « اللهم انا نستعينك » الخ كما فى التقدمة شرح المقدمة فما صلاه عليه السلام لنفسه صار سنة وما صلاه لموسى صار واجبا وما صلاه لله تعالى صار فريضة ولما كان اصل هذه الصلاة وصية موسى اطلق عليها الواجب
وقال الفقهاء يقول فى الوتر نويت صلاة الوتر للاختلاف فى وجوبه
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)
{ ألم تر } ألم تشاهد بنور النبوة يا محمد كما فىلتأويلات النجمية (6/327)
وقال الكاشقى [ آيا نديدى وندانستى اى بنده بينا ودانا كه براى تفهيم شما ] { كيف ضرب الله مثلا } بين شبها ووضعه فى موضعه اللائق به وكيف فى محل النصب بضرب لا بألم لما فى كيف من معنى الاستفهام فلا يتقدم عليه عامله { كلمة طيبة } منصوب بمضمر والجملة تفسير لقوله { ضرب الله مثلا } كقولك شرف الامير زيدا كساه حلة وحمله على فرس اى جعل كلمة طيبة وهى كلمة التوحيد اى شهادة ان لا اله الا الله ويدخل فيها كل كلمة حسنة كالقرآن والتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة الى الاسلام ونحوها مما اعرب عن حق او دعا الى صلاح { كشجرة طيبة } اى حكم بانها مثلها لا انه تعالى صيرها مثلها قال عليه السلام « مثل المؤمنين الذى يقرأ القرآن مثل الا ترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمر لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لس لها ريح وطعما مر » والحنظل بالفارسية [ هندوانه ابو جهل ] ثم ان النخلة اكرم الاشجار على الله فانها خلقت من فضلة طينة آدم وولدت تحتها مريم كما ورد فى احاديث المقاصد الحسنة ولذا جاء ثمرتها احلى واطيب من سائر الثمار { اصلها ثابت } اى اسفلها ذاهب بعروقه فى الارض متمكن فيها { وفرعها } اى اعلاها ورأسها { فى السماء } فى جهة العلو
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)
{ تؤتى اكلها } تعطى ثمرها { كل حين } وقته الله لا ثمارها وهى السنة الكاملة لان النخلة تثمر فى كل سنة مؤة ومدة اطلاعها الى وقت سرانها ستى اشهر (6/328)
وقال بعضهم كل حين اى ينتفع بها على الاحيان كلها لان ثمر النخل يؤكل ابدا ليلا ونهارا صيفا وشتاء وفى كل ساعة اما تمرا او رطبا او بسرا كذلك عمل المؤمن يصعد اول النهار وآخره لا ينقطع ابدا كصعود هذه الشجرة ولا يكون فى كلمة الاخلاص زيادة ولا نقصان لكن يكون لها مدد وهو التوفيق بالطاعات فى الاوقات كما يحصل النماء لهذه الشجرة بالتربية { باذن ربها } بارادة خالقها وتيسيره وتكوينه { ويضرب الله الامثال للناس } [ وميراند خداى تعالى مثلها را يعنى بيان ميكند براى مردمان ] { لعلهم يتذكرون } يتفطنون بضرب الامثال لان فى ضربها زيادة افهام وتذكير فانه تصوير للمعانى بصور المحسوسات . وفى الانجيل سورة تسمى سورة الامثال وهى فى كلام الانبياء والعلماء والحكماء كثيرة لا تحصى
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)
{ ومثل كلمة خبيثة } هى كلمة الكفر ويدخل فيها كلمة قبيحة من الدعاء الى الكفر وتكذيب الحق ونحوهما { كشجرة خبيثة } كمثل شجرة خبيثة اى صفتها كصفتها وهى الحنظل ويدخل فيها كل ما لا يطيب ثمرها من الكسوب وهو نبت يتعلق باغصان الشجر من غير ان يضرب بعرق فى الارض ويقال له اللبلاب والعشقة والنوم قد يقال انها من النجم لا الشجر والظاهر انه من باب المشاكلة (6/329)
قال فى التبيان وخبثها غاية مرارتها ومضرتها وكل ما خرج عن اعتداله فهو خبيث
وقال الشيخ الغزالى رحمه الله شبه العقل بشجرة طيبة والهوى بشجرة خبيثة فقال { ألم تر كيف } الخ انتهى
فالنفس الخبيثة الامارة كالشجرة الخبيثة تتولد منها الكلمة الخبيثة وهى كلمة تتولد من خباثة النفس الخبيثة الظالمة لنفسها بسوء اعتقادها فى ذات الله وصفاته او باكتساب المعاصى والظالمة لغيرها بالتعرض لعرضه او ماله { اجتثت } الجث القطع باستئصال اى اقتلعت جثتها واخذت بالكلية { من فوق الارض } لكون عروقها قريبة منها { مالها من قرار } استقرار عليها . يقال قر الشئ قرارا نحو ثبت ثباتا : قال الكاشفى [ نيست اورا ثبات واستحكام يعنى نه بيخ دارد برزمين ونه شاخ درهوا ]
نه بيخى كه آن باشد اورا مدار ... نه شاخى كه كردد بدان سايه دار
كيا هيست افتاده بر رؤى خاك ... بريشان وبى حاصل وخورناك
[ حق سبحانه وتعالى تشبيه كرد درخت ايمانرا كه اصل آن در دل مؤمن ثابتست واعمال او بجانب اعلاى عليين مرتفع وثواب او در هر زمان بدو واصل بدرخت خرما كه بيخ او مستقراست درمنبت او وفرع متوجه بجانب علو ونفع او در هروقت دهنده بخلق وتمثيل نمود كلمه كفر وعبادت اصنام راكه دردل كافر مقلد بجعت عدم حجت وبرهان بران ثباتى ندارد وعملى كه نيز بمقصد قبول رسد ازو صادر نميشود بشجرة حنظل كه نه اصل اورا قراريست ونه فرع اورا اعتبارى ]
نهال سايه ورى شرع ميوه دارد ... جنان لطيف كه برهيج شاخسارى نيست
درخت زندقه شاخيست خشك وبى سايه ... كه بيش هيجكسش هيج اعتبارى نيست
وفى الكواشى قالوا شبه الايمان بالشجرة لان الشجرة لا بد لها من اصل ثابت وفرع قائم ورأس عال فكذا الايمان لا بد له من تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالابدان
وقال ابو الليث المعرفة فى قلب المؤمن العارف ثابتة بل هى اثبت من الشجرة فى الارض لان الشجرة تقطع ومعرفة العارف لا يقدر احد ان يخرجها من قلبه الا المعرف الذى عرفه
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)
{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } هو كلمة التوحيد لانها رساخة فى قلب المؤمن كما قال الكاشفى { قول ثابت كلمة لا اله الا الله محمد رسول الله است كه خداى تعالى بران ثابت ميدارد مؤمنانرا ] { فى الحيوة الدنيا } اى قبل الموت فاذا ابتلوا ثبتوا ولم يرجعوا عن دينهم ولو عذبوا انواع العذاب كمن تقدمنا من الانبياء والصالحين مثل زكريا ويحيى وجوجيس وشمعون والذين قتلهم اصحاب الاخدود والذين مشطت لحومهم بامشاط الحديد (6/330)
قال سعدى المفتى روى ان جرجس كان من الحواريين علمه الله الاسم الذى يحيى به الموتى وكان رياض الموصل جبار يعبد الصنم فدعاه جرجيس الى عبادة الله وحده فامر به فشدر رجلاه ويداه بامشاط من الحديد فنشرح بها صدره ويديه ثم صب عليه ماء الملح فصبره الله تعالى ثم دعا بمسامير من حديد فمر بها عينيه واذنيه فصبره الله تعالى عليه ثم دعا بحوض من نحاس فأوقد تحته حتى ابيض ثم القى فيه فجعله الله بردا وسلاما ثم قطع اعضاءه اربا اربا فاحياه الله تعالى ودعاهم الى الله تعالى ولم يؤمن الملك فاهلكه الله مع قومه بان قلب المدينة عليهم وجعل عاليها سافلها
وشمعون كان من زهاد النصارى وكان شجاعا يحارب عبدة الاصنام من الروم ويدعوهم الى الدين الحق وكان يكسر بنفسه جنودا مجندة واحتال عليه ملك الروم بانواع من الحيل ولم يقدر عليه الى ان خدع امرأته بمواعيد فسألته فى وقت خلوة كيف يغلب عليه فقال ان اشد بشعرى فى غير حال الطهارة فانى حينئذ لم اقدر على الحل فاحاطوا به فى منامه وشدوه كذلك والقوه من قصر الملك فهلك
وفى نفائس المجالس عمدوا الى قتله بالاذية فدعا الله تعالى ان ينجيه من الاعداء فانجاه الله تعالى فاخذ عمود البيت وخر عليهم السقف فهلكوا { وفى الآخرة } اى يثبتهم فى القبر عند سؤال منكر ونكير وفى سائر المواطن والقبر من الآخرة فانه اول منزل من منازل الآخرة { ويضل الله الظالمين } اى يخلق الله فى الكفرة والمشركين الضلال فلا يهديهم الى الجواب بالصواب كما صلوا فى الدنيا { ويفعل الله ما يشاء } من تثبيت اى خلق ثبات فى بعض واضلال اى خلق ضلال فى آخرين من غير اعتراض عليه
وفى التأويلات النجمية يمكنهم فى مقام الايمان بملازمة كلمة لا اله الا الله والسير فى حقائقها فى مدة بقائهم فى الدنيا وبعد مفارقة البدن يعنى ان سير اصحاب الاعمال ينقطع عند مفارقة الروح عن البدن وسير ارباب الاحوال يثبت بتثبيت الله ارواحهم بانوار الذكر وسيرهم فى ملكوت السموات والارض بل طيرهم فى عالم الجبروت باجنحة انوار الذكر وهى جناحا النفى والاثبات فان نفيهم بالله عما سواه واثباتهم بالله فى الله لا ينقطع ابجا الآباد
والآية دليل على حقيه سؤال القبر وعلى تنعيم المؤمنين فى القبر فان تثبيت الله عبده فى القبر بالقول الثابت هو النعمة كل النعمة (6/331)
قال الفقيه ابو الليث قد تكلم العلماء فى عذاب القبر
فان بعضهم يجعل الروح فى جسده كما كان فى الدنيا ويجلس اى ياتيه ملكا اسودان ازرقان فظان غليظان اعينهما كالبرق الخاطف واصاواتها كالرعد القاصف معهما مرزبة فيقعدان الميت ويسألانه فيقولان له من ربكة وما دينك ومن نبيك فيقول المؤمن الله ربى والاسلام دينى ومحمد صلى الله عليه وسلم نبى فذلك هو الثبات واما الكافر والمنافق فيقول لا ادرى فيضرب بتلك المرزبة فيصيح صيحة يسمعها ما بين الخافقين الا الجن والانس
وقال بعضهم يكون الروح بين جسده وكفنه
وقال بعضهم يدخل الروح فى جسده الى صدره وفى كل قد جاءت الآثار والصحيح ان يقر الانسان بعذاب القبر ولا يشتغل بكيفيته
وفى اسئلة الحكم الارواح بعد الموت ليس لها نعيم ولا عذاب حسى جسمانى لكل ذلك نعيم او عذاب معنوى حتى تبعث اجسادها فترد اليها فتنعم عند ذلك حبسا ومعنى
ألا ترى الى بشر الحافى رحمه الله لما رؤى فى النوم قيل ما فعل الله بك قال غفر لى واباح لى نصف الجنة يعنى روحه منعمة بالجنة فاذا حشر ودخل الجنة ببدنه يكمل النعيم بالنصف الآخر وهل عذاب القبر دائم او ينقطع فالجواب نوع دائم بدليل قوله تعالى { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ونوع منقطع وهو بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب فى النار مدة ثم يزول عنه العذاب وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء او صدقة او استغفار او ثواب بحج او فراءة تصل اليه من بعض اقاربه او غيرهم كما فى الفتح القريب وفى الحديث « اللهم انى اعوذ بك من البخل واعوذ بك من الجبن واعوذ بك ان ارد الى ارذل العمر واعوذ بك من فتنة الدجال واعوذ بك من عذاب القبر » وكان صلى الله عليه وسلم اذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال « استغفروا لاخيكم وسلوا له التثبت فانه الآن يسال » - روى - ان النبى صلى الله عليه وسلم لما دفن ولده ابراهيم وقف على قبره فقال « يا بنى القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب انا لله وانا اليه راجعون يا بنى قل الله ربى والاسلام دينى ورسول الله ابى » فبكت الصحابة منهم عمر رضى الله عنه حتى ارتفع صوته فالتفت اليه رسول الله فقال « ما يبكيك يا عمر » فقال يا رسول الله هذا ولدك وما بلغ الحلم ولا جرى عليه القلم ويحتاج الى تلقين مثلك يلقنه التوحيد فى مثل هذا الوقت فما حال عمر وقد بلغ الحلم وجرى عليه القلم وليس له ملقن مثلك فبكى النبى عليع السلام وبكت الصحابة معه فنزل جبريل بقوله تعالى { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحيوة الدنيا وفى الآخرة } قتلا النبى عليه السلام الآية فطابت الانفس وسكنت القلوب وشكروا الله
وقال بعضهم الانبياء والصبيان والملائكة لا يسألون وقد اختص نبينا صلى الله عليه وسلم بسؤال امته عنه بخلاف بقية الانبياء وما ذاك الا ان الانبياء قبل نبينا كان الواحد منهم اذا اتى امته وابوا عليه اعتزلهم وعوجلوا بالعذاب واما نبينا عليه السلام فبعث رحمة بتأخير العذاب ولما اعطاه الله السيف دخل فى دينه مخافة من السيف فقبض الله فتانى القبر ليستخرجا بالسؤال ما كان فى نفس الميت فيثبت المسلم ويزل المنافق
وفى بعض الآثار يتكرر السؤال فى المجلس الواحد ثلاث مرات وفى بعضها ان المؤمن يسأل سبعة ايام والمنافق اربعين يوما .
ولا يسأل من مات يوم الجمعة ليلته من المؤمنين . وكذا فى رجب وشعبان ورمضان وهو بعد العيد فى مشيئته اللع تعالى لكن الله تعالى هو اكرم الاكرمين فالظن على انه لا يؤمر بالسؤال كما فى الواقعات المحمودية (6/332)
وفى كلام الحافظ السوطى لم يثبت فى التلقين حديث صحيح اوحسن بل حديثه ضعيف باتفاق جمهور المحدثين والحديث الضعيف يعمل به فى فضائل الاعمال
فعلى العاقل ان يموت قبل ان يموت ويحيى بالحياة الطيبة وذلك بظهور سر الحياة له بتربية مرشد كامل كما قال فى المثنوى
هين كه اسرافيل وقتند اوليا ... مرده را زيشان حياتست ونما
جانهاى مرده اندر كورتن ... برجهد زآوازشان اندر كفن
كويداين أوزا زآواهاجداست ... زنده كردن كار آواز خداست
ما بمرديم وبكلى كاستيم ... بانك حق آمد همه بر خاستيم
مطلق ان أواز خودازشه بود ... كرجه از حلقوم عبد الله بود
كفت اورامن زبان وحشم تو ... من حواس ومن رضا وخشيم تو
روكه بى يسمع وبى يبصر توئى ... سر توئى جه جاى صاحب سر توئى
جون شدى من كان لله ازوله ... حق ارلباشد كه كان الله له
كه توئى كويم تراكاهى منم ... خرجه كوئى آفناب روشنم
هركجا تابم زمشكات دمى ... حل شد آنجا مشكلات عالمى
ظلمتى راكافتا بش برنداشت ... ازدم كردد آن ظلمت جوجاشت
وكما ان لانفاس الاولياء بركة ويمنا للاحياء فكذا للاموات حيثن التلقين فانه فرق بين تلقين الغافل الجاهل وبين تلقين المتنقط العالم بالله نسأل الله تعالى ان يثبتنا واياكم على الحق المبين الى ان يأتى اليقين ويجعلنا من الصديقين الذين يتمكنون فى مقام الامن عند خوف اهل التلوين
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28)
{ ألم تر الى الذين } من رؤية البصر وهو تعجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى هل رأيت عجبا مثل هؤلاء { بدلوا } غيروا { نعمة الله } على حذف المضاف اى شكر نعمته { كفرا } بان وضعوه مكانه او بدلوا نفس النعمة كفرا فانهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين الكفر بدلها كأهل مكة خلقهم الله تعالى واسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته ووسع عليهم ابواب رزقه وشرفهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا ذلك فحفظا سبع سنين واسروا وقتلوا يوم بدر فصاروا اذلاء مسلوبى النعمة (6/333)
وعن عمر وعلى رضى الله عنهما هم الافجران من قريش بنوا امية اما بنوا المغيرة فكيفتموهم يوم بدر واما ينوا امية فمتعوا الى حين كأنهما يتأولان ما سيتلى من قوله تعالى { قل تمتعوا } الآية { واحلوا } انزلوا { قومهم } بارشاطهم اياهم الى طريقة الشرك والضلال وعدم التعرض لحلولهم لدلالة الاحلال عليه اذ هو فرعه كقوله تعالى { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار } واسند الاحلال وهو فعل الله الى اكابرهم لان سببه كفرهم وسبب كفرهم امر اكابرهم اياهم بالكفر
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)
{ دار البوار } اى الهلاك { جهنم } عطف بيان لها { يصلونها } حال منها اى داخلين فيها مقاسين لحرها يقال صلى النار صليا قاسى حرها كتصلاها { وبئس القرار } اى بئس جهنم (6/334)
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)
{ وجعلوا } عطف على احلوا داخل معه فى حكم التعجب اى جعلوا فى اعتقادهم الباطل وزعمهم الفاسد { لله } الفرد الاحد الذى لا شريك له فى الارض ولا فى السماء { اندادا } اشابها فى التسمية حيث سموا الاصنام آلهة او فى العبادة { ليضلوا } قومهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا { عن سبيله } القويم الذى هو التوحيد ويوقعونهم فى ورطة الكفر والضلال وليس الاضلال غرضا حقيقيا لهم من اتخاذ الانداد ولكن لما كان نتيجة له كما كان الاكرام قى قولك جئتك لتكرمنى نتيجة المجئ شبه بالغرض وادخل اللام عليه بطريق الاستعارة التبعية ونسب الاصلال الذى هو فعل الله اليهم لانهم سبب الضلالة حيث يأمرون بها ويدعون اليها { قل } تهديدا لاولئك الضالين المضلين { تمتعوا } انتفعوا بما انتم عليه من الشهوات التى من جملتها كفران النعم العظام واستتباع الناس فى عبادة الاصنام . وبالفارسية [ بكدرانيد عمر هاى خود بارزوها وعبادت بتان ] { فان مصيركم } يوم القيامة { الى النار } ليس الا فلا بد لكم من تعاطى ما يوجب ذلك او يقتضيه من احوالكم والمصير مصدر صار التامة بمعنى رجع وخبر ان هو قوله الى النار (6/335)
دلت الآيتان على امور
الول ان الكفران سبب لزوال النعمة بالكلية كما ان الشكر سبب لزيادتها
شكر نعمت تعمتت افزون كند ... كفر نعمت از كفت بيرون كند
وفى حديث المعراج « ان الله شكا من امتى شكايات . الاولى انى لم اكلفهم عمل الغد وهم يطلبون منى رزق الغد . والثانية انى لا ادفع ارزاقهم الى غيرهم وهم يدفعون عملهم الى غيرى . والثالثة انهم يأكلون رزقى ويشكرون غيرى ويخونون معى ويصالحون خلقى . والرابعة ان العزة لى وانا لمعزوهم يطلبون العزة من سواى . والخامسة انى خلقت النار لكل كافروهم يجتهدون ان يوقعوا انفسهم فيها »
والثانى ان القرين السوء يجر المرء الى النار ويحله دار البوار فينبغى للمؤمن المخلص السنى ان يجتنب عن صحبة اهل الكفر والنفاق والبدعة حتى لا يسرق طبعه من اعتقادهم السوء وعملهم السئ ولهم كثرة فى هذا الزمات واكثرهم فى زى المتصوفة
اى فغان ازيارنا جنس اى فغان ... همنشين نيك جوييد اى مهان
والثالث ان جهنم دار القرار للاشرار وشدة حرها مما لا يوصف . وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال « ان اهون اهل النار عذابا رجل فى اخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل بالقمقمة » والاخمص بفتح الهمزة هو المتجافى من الرجل اى من بطنها عن الارض والغليان شدة اضطراب الماء نحوه على النار لشدة ايقادها . والمرجل بكسر الميم وفتح الجيم قدر معروف سواء كان من حديد او نحاس او حجارة او خزف هذا هو الاصح .
وقيل هو القدر من النحاس خاصة (6/336)
وفى الآية اشارة الى نعمة الوهية وخالقية ورازقية عليهم بدلوها بالكفر والانكار والجحود واحلوا ارواحهم وقلوبهم ونفوسهم وابدانهم جار الهلاك وانزلوا ابادانهم جهنم يصلونها وبئس القرار وهى غاية البعد عن الحضرة والحرمان عن الجنان وانزاللوا نفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل وارواحهم العلوية اسفل سافلين الطبيعة بتبديل نعم الاخلاق الملكية الحميدة بالاخلاق الشيطانية السبعية الذميمة وجعلوا لله اندادا من الهوى والدنيا وشهواتها ليضلوا الناس بالاستنباع عن طلب الحق تعالى والسير اليه على اقدام الشريعة والطريقة الموصل الى الحقيقة قل تمتعوا بالشهوات الدنيا ونعيمها فان مصيركم نار جهنم للابدان ونار الحرمان للنفوس ونار الحسرة للقلوب ونار القطيعة للارواح كما فى التأويلات النجمية
قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)
{ قل لعبادى الذى آمنوا } قال بعض الحكماء شرف الله عباده بهذه الياء وهى خير لهم من الدنيا وما فيها لان فيها اضافة الى نفسه والاضافة تدل على العتق لان رجلا لو قال لعبده يا ابن او ولد لا يعتق ولو قال يا ابنى او ولدى يعتق بالاضافة الى نفسه كذلك اذا اضاف العباد الى نفسه فيه دليل ان يعتقهم من النار ولا شرف فوق العبودية : قال الجامى (6/337)
كسوت خواجكى وخلعت شاهى جه كند ... هركرا غاشية بند كيت بردوشست
وكان سلطان العارفين ابو يزيد البسطامى قدس سره يقول الخلق يفرون من الحساب وانا اطلبه فان الله تعالى لو قال لى اثناء الحساب عبدى لكفانى شرفا والمقول هنا محذوف دل عليه الجواب اى قل لهم اقيموا وانفقوا { يقيموا الصلوة وينفقوا مما رزقناهم } اى يداوموا على ذلك . وبالفارسية [ بكو اى محمد صلى الله عليه وسلم يعنى امركن مربند كان مراكه ايمان آورده اندبرين وجه كه نماز كزاريد ونفقه كنيد تايشان بامر تونماز كزارند ونفقه دهند از آنجه عطاداده يابشان ازامول ] ويجوز ان يكون المقول يقيموا وينفقوا على ان يكونا بمعنى الامر وانما اخرجا عن صورة الخبر للدلالة على التحقيق بمضمونها والمسارعة الى العمل بهما
فان قيل لو كان كذلك لبقى اعرابه بالنون
قلنا يجوز ان يبنى على حذف النون لما كان بمعنى الامر { سرا وعلانية } منتصبان على المصدر من الامر المقدور اى نفقوا انفاق سر وعلانية او على الحال اى ذوى سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين او على الظرف اى وقتى سر وعلانية
والاحب فى الانفاق اخفاء المتطوع واعلان الواجب وكذا الصلوات والمراد حث المؤمنين على الشكر لنعم الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية وترك التمتع بمتاع الدنيا والركون اليها كما هو صنيع الكفرة { من قبل ان يأتى } قال فى الارشاد الظاهر ان من متعلقة لانفقوا { يوم } وهو يوم القيامة { لا بيع فيه } فيبتاع المقصر ما تيلافى تقصيره به وتخصيص البيع بالذكر لاستلزام نفيه نفى الشراء { ولا خلال } ولا مخالة فيشفع له خليل والمراد لمخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس فلا يخالف قوله تعالى { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين } لان الواقع فيما بينهم المخالة لله ام من قبل ان يأتى يوم القيامة الذى لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وانما ينتفع فيه بالطاعة التى من جملتها اقامة الصلاة والانفاق لوجه الله تعالى وادخار المال وترك انفاقه انما يقع غالبا للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك فى الآخرة فلا وجه لادخاره الى وقت الموت
وفى الآية اشارة الى الاعمال الباطنة القلبية كالايمان والى الاعمال الظاهرة القابية كاقامة الصلاة والانفاق
قال ابو سعيد الخراسانى قدس سره خزائن الله فى السماء وخزائنه فى الارض القلوب لنه تعالى خلق قلب المؤمن بيت خزائنه ثم ارسل ريحا فهبت فيه فكنسته من الكفر والشرك والنفاق والغش ثم انشأ سحابة فامطرت فيه ثم انبت شجرة فانمرت الرضى والمحبة والشكر والصفوة والاخلاص والطاعة ثم كاب الظاهر بحسب طيب الباطن
وعن مكحول الشامى رحمه الله اذا تصدق المؤمن بصدقة ورضى عنه ربه تقول جهنم يا رب ائذن لى بالسجود شكرا لك فقد اعتقت احدا من امة محمد من عذابى ببركة صدقته لانى استحيى من محمد ان اعذب امته مع ان طاعتك واجبة على : قال المولى الجامى (6/338)
هرجه دارى جون شكوفه برفشان زيرا كه سنك ... بهر ميوه ميخور دهردم زدست صفله شاخ
والاشارة { قل لعبادى } لا عباد الهوى { الذين آمنوا } بنور العناية وعرفوا قدر نعمة الوهيتى ولم يبدلوها كفرا { يقيموا الصلوة } ليلازموا عتبة العبودية ويديموا العكوف على بساط القربة ويثبتوا فى المناجاة والمكالمة { وينفقوا } على الطالبين المريدين { مما رزقناهم سرا } من اسرار الالوهية { وعلانية } من احكام العبودية فى طريق الربوبية { من قبل ان يأتى يوم } وهو يوم مفارقة الارواح عن الابدان { لا بيع فيه } اى لا يقدر على الانفاق بطريق طلب المعاوضة { ولا خلال } اى ولا بطريق المخالة من غير طلب العوض لان آلة الانفاق خرجت من يده وبطل استعداد دعوة الخلق الى الحق وتربيتهم بالتسليك والتزكية والتهذيب والتأديب كما فى التأويلات النجمية
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
{ الله } مبتدأ خبره { الذى خلق السموات } وما فيها من الاجرام العلوية { والارض } وما فيها من انواع المخلوقات وقدم السماوات لانها بمنزلة الذكر من الانثى { وانزل من السماء } اى من السحاب فان كل ما علاك سماء او من الفلك فان المطر منه يبتدئ الى السحاب ومنه الى الارض على ما دلت عليه ظواهر النصوص (6/339)
يقول الفقير هو الارجح عندى لان الله تعالى زاد بيانه نعمه على عباده فبين اولا خلق السماوات والارض ثم اشار الى ما فيها من كليات المنافع لكنه قدم واخركتأخير تسخير الشمس والقمر ليدل على ان كلا من هذه النعم نعمة على حدة ولو اريد السحاب لم يوجد التقابل التام واياما كان فمن ابتدائية { ماء } اى نوعا منه وهو المطر { فاخرج به } اى بسبب ذلك الماء الذى اودع فيه القوة الفاعلية كما انه اودع فى الارض القوة القابلية { من الثمرات } من انواع الثمرات { رزقا لكم } تعيشون به وهو بمعنى المرزوق شامل للمطعوم والملبوس مفعو لاخرج ومن للتبيين حال منه ولكم صفة كقولك انفقت من الدراهم الفا او للتبعيض بدليل قوله تعالى { فاخرجنا به ثمرات } كانه قيل انزل من السماء كل الماء ولاخرج بالمطر كل الثمار ولاجل كل الرزق ثمر او كان احب الفواكه الى نبينا عليه السلام الرطب والبطيخ وكان يأكل البطيخ بالرطب ويقول « يكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا » فان الرطب حار رطب والبطيخ بارد رطب كما فى شرح المصابيح وفى الحديث « من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر » قوله تصبح اى اكل وقت الصباح قبل ان يأكل شيأ آخر وعجوة عطف بيان لسبع تمرات وهى ضرب من اجود التمر فى المدينة يضرب الى السواد يحتمل ان يكون هذا الخاصية فى ذلك النوع من التمر ويحتمل ان يكون بدعائه له حين قالوا احرق بطوننا تمر المدينة وفى الحديث « كلوا التمر على الريق فانه يقتل الديدان فى البطن » وكان عليه السلام ياخذ عنقود العنب بيده اليسرى ويتناول حبة حبة بيده اليمنى كذا فى الطب النبوى وفى البطيخ والرمان قطرة من ماء الجنة
وروى عن على كلوا من الرمان فليس منه حبة تقع فى المعدة الا انارت القلب واخرست الشيطان اربعين يوما
وقال جعفر بن محمد ريح الملائكة ريح الورد وريح الانبياء ريح السفر جل وريح الحور ريح الآس { وسخر لكم الفلك } بان اقدركم على صنعتها واستعمالها بما الهمكم كيفية ذلك { لتجرى } اى الفلك لانه جمع فلك { فى البحر } [ دردريا ] { بامره } بارادته الى حيث توجهتم وانطوى فى تسخير الفلك تسخير البخار وتسخير الرياح
قال فى شرح حزب البحر قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لعمرو بن العاص صف لى البحر فقال يا امير المؤمنين مخلوق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود
وفى انوار المشارق يجوز ركوب البحر للرجال والنساء عند غبلة السلامة كذا قال الجمهور .
وكره ركوبه للنساء لان الستر فيه لا يمكنهن غالبا ولا غض البصر عن المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن فى تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن الى قضاء الحاجة بحضرة الرجال { وسخر لكم الانهار } اى المياه العظيمة الجارية فى الانهار العظام وتسخيرها جعلها معدة لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداول يسقون بها زروعهم وجنانهم وما اشبه ذلك (6/340)
قال فى بحر العلوم اللام فيها للجنس او للعهد اشير بها الى خمسة انهار سيحون نهر الهند وجيحون نهر بلخ ودجلة والفرات نهر العراق والنيل نهر مصلا انزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة فاستودعها الجبال واجراها فى الارض وسخرها للناس وجعل فيها منافع لهم فى اصناف معاشهم وسائر الانهار تبع لها وكأنها اصولها { وسخر لكم الشمس والقمر } حال كونهما { دائيين } قال فى تهذيب المصادر الدأب [ دانم شدن ] فالمعنى دائمين متصلين فى سيرهما لا ينقطعان الى يوم القيامة
وقال فى القاموس دأب فى عمله كمنع دابا ويحرك فى ودؤوبا بالضم جدذ وتعب . فالمعنى مجدين فى سيرهما وانارتهما ودرئهما الظلمات واصلاحهما يصلحان الارض والابدان والنبات لا يفتران اصلا ويفضل الشمس على القمر لان الشمس معدن الانوار الفلكية من البدور والنجوم واصلها فى النورانية وان انوارهم مقتبسة من نورالشمس على قدر تقابلهم وصفوة اجرامهم { وسخر لكم الليل والنهار } يتعاقبان بالزيادة والنقصان والاضاءة والاظلام والحركة والسكون فيهما اى لمعاشكم ومنامكم ولعقد الثمار وانضاجها
واختلفوا فى الليل والنهار ايهما افضل
قال بعضهم قدم الليل على النهار لان الليل لخدمة المولى والنهار لخدمة الخلق ومعارج الانبياء عليهم السلام كانت بالليل ولذا قال الاملم النيسابورى الليل افضل من النهار
يقولىلفقير الليل محل السكون ففيه سر الذات وله المرتبة العليا والنهار محل الحركة ففيه سر الصفات وله الفضيلة العظمى واول المراتب وآخرها السكون كما اشار اليه قوله تعالى فى الحديث القدسى « كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق » فالخلق يقتضى الحركة المعنوية وما كان قبل الحركة والخلق الا سكون محض وذات بحت فافهم . وسيد الايام يوم الجمعة واذا وافق يوم عرفة يومالجمعة تضاعف الحج لسبعين حجة على غيره وبهذا ظهر فضل يوم الجمعة على يوم عرفة . وافضل الليالى ليلة المولد المحمدى لولاه ما نزل القرىن ولا نعتت ليلة القدر وهو الاصح
{ وآتيكم من كل ما سألتموه } اى اعطاكم مصلحة لكم فى بعض جميع ما سألتموه فان الموجود من كل صنف بعض ما قدره الله وهذ كقوله تعالى
{ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء } فمن للتبعيض او كل ما سألمتوه على ان من للبيان وكلمة كل للتكثير كقولك فلان يعلم كل شيء واتاه كل الناس وعليه قوله تعالى { فتحنا عليهم ابواب كل شيء } قال الكاشفى [ وبداد شمارا ازهر جه خواستيد يعنى آنجه محتاج اليه شما بود خواسته وناخواسته بشما ارزانى داشت ] { وان تعدوا نعمة الله } التى انعم بها عليكم بسؤال وبغيره { لا تحصوها } لا تطيقوا حصرها وعدها ولو اجمالا لكثرتها وعدم نهايتها (6/341)
وفيه دليل على ان المفرد يفيد الاستغراق بالاضافة واصل الاحصاء ان الحساب كان اذا بلغ عقدا معينا من عقود الاعداد وضعت له حصاة ليحفظ بها ثم استؤنف العدد . والمعنى لا توجد له غاية فتوضع له حصاة والنعم على قسمين نعمة المنافع لصحة البدن والامن والعافية والتلذذ بالمطاعم والمشارب والملابس والمناكح والاموال والاولاد ونعمة دفع المضار من الامراض والشدائد والفقر والبلاء واجل النعم استواء الخلقة والهام المعرفة [ سلمى قدس سره فرمودكه مراد ازين نعمت حضرت بيعمبر ماست صلى الله عليه وسلم كه سفر بزر كتر وواسطة نزديكترمايان حق وخلق اوست وفى نفس الامر حصر صفات كمال وشرح انوار جمال اواز دائرة تصور وتخيل بيرن وازاندازه تأمل وتفكر افزونست ]
بر ذروه معارج قدر رفيع تو ... نى عقل راه يابد ونى فهم فى برد
{ ان الانسان لظلوم } لبليغ فى الظلم يظلم النعمة باغفال شكرها او بوضعها فى غير موضعها او يظلم نفسه بتعريضها للحرمان { كفار } شديد الكفران لها او ظلوم فى الشدة يشكو ويجزع كفار فى النعمة يجمع ويمنع . واللام فى الانسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم والكفران بعض من وجد فيه من افراده كما فى الارشاد -روى- انه شكا بعض الفقراء الى واحد من السلف فقره واظهر شدة اهتمامه به فقال ايسرّك انك اعمى ولك عشرة آلاف درهم فقال لا فقال اقطع اليدين والرجلين ولك عشرون الف درهم فقال لا فقال ايسرّك الله انك مجنون ولك عشرة آلاف قال لا فقال اما تستحيى انك تكشو مولاك وعندك عروض باربعين الف
ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وفى يده كوز ماء وهو يشربه فقال عظنى فقال لو لم تعط هذه الشربة الا ببذل جميع اموالك والا بقيت عطشان فهل كنت تعطيه قال نعم قال ولو لم تعط الا بملكك كله فهل كنت تتركه قال نعم فقال لا تفرح بملك لا يساوى شربة ماء وان نعمة على العبد فى شربة ماء عند العطش اعظم من ملك الارض كلها بل كل نفس لا يستوى بملك الارض كلها فلو اخذ لحظة حتى انقطع الهواء عنه مات ولو حبس فى بيت حمام فيه هواء حار او بئر فيه هواء ثقيل برطوبة الماء مات غما ففى كل ذرة من بدنه نعم لا تحصى
نعمت حق شمار وشكر كذار ... نعتش را اكرجه نيست شمار (6/342)
شكر باشد كليد كنج مزيد ... كنج خواهى منه زدست كليد
والاشارة { الله الذى خلق السموات } سموات القلوب { والارض } ارض النفوس { وانزل من السماء } من سماء القلوب { ماء } ماء الحكمة { فاخرج به من الثمرات } من ثمرات الطاعات { رزقا } لارواحكم فان الطاعات غذاء الارزاح كما ان الطعام غذاء الابدان { وسخر لكم الفلك } فلك الشريعة { لتجرى فى البحر } فى بحر الطريقة { بامره } بامر الحق لا بامر الهوى والطبع لان استعمال فلك الشريعة اذا كان بامر الهوى والطبع سريعا ينكسر ويغرق ولا يبلغ ساحل الحقيقة الا بامر اولى الامر وملاحيه وهو الشيخ الواصل الكامل المكمل كما قال تعالى { اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم } وقال النبى عليه السلام « من اطاع اميرى فقد اطاعنى ومن اطاعنى فقد اطاع الله » وكم من سفن لارباب الطلب لما شرعت فى هذا البحر بالطبع انكسرت بنكباء الاهواء وتلاطم امواج الغرة وانقطعت دون ساحلها روسخر لكم الانهار } انها العلوم اللدنية { وسخر لكم الشمس } شمس الكشوف { والقمر } قم المشاهدات { داءبين } بلكشف والمشاهدة { وسخر لكم الليل } ليل البشرية { والنهار } نهار الروحانية وتسخير هذه الاشياء عبارة عن جعلها يببا لاستكمال استعداد الانسان فى قبول الفيض الالهى المختص به من بين سائر المخلوقات وفى قوله { وآتيكم من كل ما سألتموه } اشارة الى انه تعالى اعطى الانسان فى الازل حسن استعداد استدعى منه لقبول الفيض الالهى وهو قوله تعالى { لقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم } ثم للابتلاء رده الى اسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من الاسباب التى تخرجه من اسفل سافلين وتصعده الى اعلى عليين فاذا امعنت النظر فى هذه الآيات رأيت ان العالم بما فيه خلق تبعا لوجود الانسان وسببا لكماليته كما ان الشجرة خلقت تبعا لوجود الثمرة وسببا لكماليتها فالانسان البالغ الكامل الواصل ثمرة شجرة المكونات فافهم جدا { وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها } لان نعمته على الانسان قسمان قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا انها خلقت لاستكمال الانسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لان فوائدها عائدة الى الانسان الى الابد وهى غير متناهية فلا يحصى عدها وقسم يتعلق بعواطف الوهيته وعوارف ربوبيته فهى ايضا غير متناهية فلا يحصى عدها وقسم يتعق بعواطف الوهيته وعوارف ربوبيته فهى ايضا غير متناهية { ان الانسان لظلوم } لنفسه بان يفسد هذا الاستعداد الكامل بالاعراض عن لحق والاقبال على الباطل { كفار } لا نعم الله اذا لم يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعد ما كانت نعمة من ربه كما فى التأويلات النجمية
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)
{ واذ قال ابراهيم } واذكر وقت قول ابراهيم فى مناجاته اى بعد الفراغ من بناء البيت { رب اجعل هذا البلد } [ اين شهر مكه را ] { آمنا } اهله بحيث لا يخاف فيه من المخاوف والمكاره كالقتل والغارة والامراض المنفرة من البرص والجذام ونحوهما فاسناد الامن الى البلد مجاز لوقوع الامن الا من فيه وانما الآمن فى الحقيقة اهل البلد { واجنبنى وبنى } يقال جنبته كنصرته واجنبته اى ابعدته . والمعنى بعدنى واياهم { ان نعبدالاصنام } واجعلنا منه فى جانب بعيد اى ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الاسلام والبعد عن عبادة الاصنام (6/343)
قال بعضهم رأى القوم يعبدون الاصنام فخاف على بنيه فدعا
يقول الفقير الجمهور على ان العرب من عهد ابراهيم استمرت على دينه من رفض عبادة الاصنام الى زمن عمرو بن لحى كبير خزاعة فهو اول من غير دين ابراهيم وشرع للعرب الضلالات وهو اول من نصب الاوثان فى الكعبة وعبدها وامر الناس بعبادتها وقد كان اكثر الناس فى الارض المقدسة عبدة الاصنام وكان ابراهيم يعرفه فخاف سرايته الى كل بلد فيه واحد من اولاده فدعا فعصم اولاده الصلبية من ذك وهى المرادة من قوله { وبنى } فانه لم يعبد احد منهم الصنم لا هى واحفاده وجميع ذريته وذلك لان قريشا مع كونهم من اولاد اسماعيل عبادتهم الاصنام مشهورة واما قوله تعالى فى حم الزخرف { وجعلها كلمة باقية فى عقبه } فالصحيح ان هذا لا يستلزم تياعد جميع الاحفاد عن عبادة الاصنام بل يكفى فى بقاء كلمة التوحيد فى عقبه ان لا ينقرض قرن ةلا ينقضى زمان الا وفى ذريته من هو من اهل التوحيد قلوا او كثروا الى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم وقد اشتهر فى كتب السير ان بعض آحاد العرب لم يعبد الصنم قط ويدل عليه قوله عليه السلام « لا تسبوا مضر فانه كان على ملة ابراهيم » هذا ما لاح لى من التحقيق ومن الله التوفيق . وانما جمع الاصنام ليشتمل على كل صنم عبد من دون الله لان الجمع المعرف باللام يشمل كل واحد من الافراد كالمفرد باتفاق جمهور ائمة التفسير والاصول والنحو اى واجبنا ان نعبد احدا مما سمى بالصنم كما فى بحر العلوم وخصصها الامام الغزالى بالحجرين اى الذهب والفضة اذ رتبة النبوة اجل من ان يخشى فيها ان تعتقد الالهية فى شيء من الحجارة فاستعاذ ابراهيم من الاغترار بمتاع الدنيا
يقول الفقير الظاهر ان الامام الغزالى خصص الحجرين بالذكر بناء على انهما اعظم ن يضل الناس وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاب الدراهم والدنانير بعبدة الحجارة فقال « تعس عبد الدراهم تعس عبد الدنانير » والا فكل ما هو من قبيل الهوى فهو صنم الا ترى الى قوله تعالى
{ أفرأيت من اتخذ آلهه هواه } ولذا قال فى التاويلات النجمية . صنم النفس الدنيا . وصنم القلب العقبى . وصنم الروح الدرجات العلى . وصنم السر عرفان القربات . وصنم الخفى الركون الى المكاشفات والمشاهدات وانواع الكرامات فلا بد من الفناء عن الكل (6/344)
سالك باك رو نخوانندش ... آنكه از ما سوى منزعه نيست
قال شيخى وسندى روّح الله روحه فى بعض المجالس معى اهل الدنيا كثير واهل العقبى قليل واهل المولى اقل من القليل وذلك كالسلاطين والملوكفانهم بالنسبة الى الوزراء اقل وهم بالنسبة الى سائر ارباب الجاه كذلك وهم بالنسبة الى الرعية كذلك فارعايا كثيرون واقل منهم ارباب الجاه واقل منهم الوزراء واقل منهم السلاطين فلا بد من ترك الاصنام مطلقا واعظم الحجب والاصنام الوجود المعبر عنه بالفارسية
هستى بودوجود مغربى لات ومنات او بود ... نيست بتى جو بود او درهمه سومنات تو
وفى الاية دليل على ان عصمة الانبياء بتوفيق الله تعالى وحقيقة العصمة ان لا يخلق الله تعالى فى العبد ذنبا مع بقاء قدرته واختياره ولهذا قال الشيخ ابو منصور العصمة لا تزيل المحنة اى التكليف فينبغى للمؤمن ان لا يامن على ايمانه وينبغى ان يكون متضرعا الى الله ليثبته على الايمان كما سأل ابراهيم لنفسه ولبنيه الثبات على الايمان -وروى- عن يحيى بن معاذ انه كان يقول اللهم ان جميع سرورى بهذا الايمان واخاف ان تنزعه منى فما دام هذا الخوف معى رجوت ان لا تنزعه منى
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)
{ رب } باى بروردكار من ] { انهن } اى الاصنام { اضللن كثيرا من الناس } ولذلك سألت منك ان تعصمنى وبنى من اضلالهت واستعذت بك منه يقول بهن ضل كثير من الناس فكان الاصنام سببا لضلالتهم فنسب الاضلال اليهن وان لم يكن منهن عمل فى الحقيقة كقوله تعالى { وغرتهم الحيوة الدنيا } اى اغتروا بسببها وقال بعضهم كات الاضلال منهن لان الشياطين كانت تدخل اجواف الاصنام وتتكلم -كما حكى- ان واجحد من الشياطين دخل جوف صنم الى جهل فاخذ يتحرك ويتكلم فى حق النبى عليه السلام كلمات قبيحة فامر الله واحدا من الجن فقتل ذلك الشيطان ثم لما كان الغد واجتمع الناس حول ذلك الصنم اخذ يتحرك ويقول لا اله الا الله محمد رسول الله وانا صنم لا ينفع ولا يضر ويل لمن عبدنى من دون الله فلما سمعوا ذلك قام ابو جهل وكسر صنمه وقال ان محمدا سحر الاصنام : قال الكمال الخجندى قدس سره (6/345)
بشكن بت غرور كه دردين عاشقان ... يك بت كه بشكنند ازصد عبادتست
{ فمن } [ هركس كه ] { تبعنى } منهم فيما دعوا اليه من التوحيد وملة الاسلام { فانه منى } من تبعضية فالكلام على التشبيه اى كبعضى فى عدم الانفكاك عنى وكذلك قوله « من غشنا فليس منا » اى ليس بعض المؤمنين على ان الغش ليس من افعالهم واوصافهم { ومن عصانى } اى لم يتبعنى فانه فى مقابلة تبعنى كتفسير الكفر فى مقابلة الشكر بترك الشكر { فانك غفور رحيم } قادر على ان تغفر له وترحمه ابتداء وبعد توبته
وفيه دليل على ان كل ذنب فلله تعالى ان يغفره حتى الشرك الا ان الوعيد فرق بينه وبين غيره فالشرك لا يغفر بدليل السمع وهو قوله تعالى { ان الله لا يغفر ان يشرك به } ان جاز غفرانه عقلا فان العقاب حقه تعالى فيحسن اسقاطه مع ان فيه نفعا للعبد من غير ضرر لاحد هو مذهب الاشعري
وفى التاويلات النجمية قد حفظ الادب فيما قال ومن عصانى وما قال ومن عصاك لانه بعصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة والاشارة فيه ان من عصانى لعلى لا اغفر ولا ارحم عليه فان المكافأة فى الطبيعة واجبة ولكن من عذانى فتغفر له وترحم عليه فيكون من غاية كرمك وعواطف احسانك فانك غفور رحيم وفى الحديث « ينادى مناد من تحت العرش يوم القيامة يا امة محمد أمّا كان لى من قبلكم فقد وهبت لكم » [ يعنى كناهى كه درميان من وشماست بخشيدم ] « وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتى » والتبعات جمع تبعة بكسر الباء ما اتبع به من الحق
وذكر ان يحيى بن معاذ الرازى رحمه الله قال الهى ان كان ثوابك للمطيعين فرحمتك للمذنبين انى وان كنت لست بمطيع فارجو ثوابك وانا من المذنبين فارجو رحمتك
نصيب ماست بهشت اى خداشناش برو ... كه مستحق كرامت كناهكارانند
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
{ ربنا } [ اى بروردكارما ] والجمع لان الآية متعلقة بذريته فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم ادخل فى القبول { انى اسكنت من ذريتى } اى بعض ذريتى وهم اسماعيل ومن ولد منه فان اسكانه متضمن لاسكانهم { بواد غير ذى زرع } هو وادى مكة فانها حجرية لا تنبت اى لا يكون فيها شيء من زرع قط كقوله تعالى { قرآنا عربيا غير ذى عوج } بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج وما فيه الا الاستقامة لا غير (6/346)
وفى تفسير الشيخ لانهاواد بين جبلين لم يكن بها بها ماء ولا حرث
وفى بحر العلوم واما فى زماننا فقد رزق الله اهله ماء جاريا { عند بيتك المحرم } ظرف لاسكنت كقولك صليت بمكة عند الركن وهو الكعبة والاضافة للتشريف وسمى محرما لانه عظيم الحرمة حرم الله التعرض له بسوء يوم خلق السموات والارض وحرم فه القتال والاصطياد وان يدخل فيه احد بغير احرام ومنع عنه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمى عتيقا لانه اعتق منه
وفى التأويلات النجمية عند بيتك المحرم وهو القلب المحرم ان يكونب يتا لغير الله كما قال « لا يسعنى ارضى ولا سمائى وانما يسعنى قلب عبدى المؤمن »
آنكه ترا كوهر كنجينه ساخت ... كعبه جان حرم سينه ساخت
{ ربنا } كرر النداء لاظهار كمال العناية بما بعده { ليقيموا الصلوة } اللام لام كى متعلقة باسكنت اى ما اسكنتكم بهذا الوادى البلقع الخالى من كل مرتفق ومرتزق الا لاقاكة الصلاة عند بيتك المحرم لدلالة قوله { بواد غير ذى زرع } على انه لا غرض له دنيوى فى اسكانهم عند البيت المحرم وتخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر شعائر الدين لفضلها ولان بيت الله لا يسعه الا الصلاة وما فى معناها وهى الاصل فى اصلاح النفس وكان قريش يمتنعون عن ذلك لزيادة كبرهم { فاجعل افئدة من الناس } جمع فؤاد وهى القلوب ومن للتبعيض { تهوى اليهم } تسرع اليهم شوقا وتطير نحوهم محبة يقال هوى يهوى من باب ضرب هويا وهويا سقط من علو الى سفل سرعة . وايضا صعد وارتفع كما فى كتب اللغة واما ما يكون من باب علم فهو بمعنى احب يقال هويه فهو احبه وتعديته بالى لتضمنه معنى الشوق والنزوع . والمعنى بالفارسية [ بس نكردان دلهاى بعضى از مردان راكه بكشش محبت بشتابند بسوى ايشان ] اى اسماعيل وذريته وهم المؤمنون ولو قال افئدة الناس بدون من التبعضية لازدحمت عليهم فارس والروم والترك والهند
آنراكه جنان جمال باشد ... كردل ببرد حلال باشد
وآنكس كه برانجان جمالى ... عاشق نشود وبال باشد
قال المولى الجامى قدس سره
روبحرم نه كه بران خوش حريم ... هست سيه بوش نكارى مقيم
قبله خوبان عرب روى او ... سجدة شوخان عجم سوى او
{ وارزقهم } اى ذريتى الذين اسكنتهم هناك او مع من ينحاز اليهم من الناس وانما لم يخص الدعاء بالمؤمنين كما فى قوله { وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } اكتفاء بذكر اقامة الصلاة { من الثمرات } من انواعها بان يجعل بقرب منه قرى يحصل فيها ذلك او يحبى اليه من الاقطار البعيدة وقد حصل كلاهما حتى انه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد -روى- عن ابن عباس ان الطائف وهى على ثلاث مراحل من مكة كانت من ارض فلسطين فلما دعا ابراهيم بهذه الدعوة رفعها الله ووضعها رزقا للحرم { لعلهم شكرون } تلك النعمة باقامة الصلاة واداء سائر مراسم العبودية (6/347)
يقول الفقير اختلف العلماء فى ان هذا الدعاء بعد بناء البيت او قبله اول ما قدم مكة ويؤيد الاول قوله { رب اجعل هذا البلد } فان الظاهر ان الاشارة حسية وقوله { عند بيتك المحرم } وقوله { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر اسماعيل واسحق } فان اسحاق لم يكن موجودا قبل البناء
وقال بعضهم الاشارة فى هذا البلد الى الموجود فى الذهن قبل تحقق البلدية فان الله لما ابان موضعه صحت اشارته اليه والمسئول توجه القلوب الى الذرية للمساكنة معهم لا توجيها الى البيت للحج فقط والا لقيل تهوى اليه وهو عين الدعاء بالبلدية
يقول الفقير فيه نظر لانه لم لا يجوز ان يكون المعنى على حذف المضاف اى تهوى الى موضعهم الشريف للحج وقد اشار اليه فى التيسير حيث قال عند قوله { تهوى اليهم } حبب هذا البيت لى عبادك ليأتوه فيحجوه
قال فى الارشاد تسميته اذ ذاك وذات الشمال باعتبار ما كان من قبل فان تعدد بناء الكعبة المعظمة مما لا ريب فيه وانما الاختلاف فى كمية عدده كما قال الكاشفى عند قوله { بيتك المحرم } [ مراد موضع خانه ضراح است كه درزمان آدم بوده واكر نه بوقت دعاء ابراهيم خانه نبوده ] والضراح كغراب البيت المعمور فى السماء الرابعة كما فى القاموس
ويؤيد هذا ما روى ان ابراهيم عليه السلام كان يسكن فى ارض الشام وكانت لزوجته سارة جارية اسمها هاجر فوهبتها من ابراهيم فلما ولدت له اسماعيل غارت سارة وحلفته ان يخرجهما من ارض الشام الى موضع ليس فيه ماء ولا عمارة فتأمل ابراهيم فى ذلك كما قال الكاشفى [ خليل متأمل شد وجبرائيل وحى آورده هرجه ساره ميكويد جنان كن بس ابراهيم ببراقى نشسته وهاجر واسماعيل را سوار كرده باندك زمانى ازشام حرم آمد ] فلما اخرجهما الى ارض مكة جاء بها وبابنها وهى ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم فى اعلى المسجد ولم يكن بمكة يومئذ احد وليس فيها ماء ووضعه عندها جرابا فيه تم وسقاء فيه ماء ثم عاد متوجها الى الشام فتبعته ام اسماعيل وجعلت تقول له الى من تكلنا وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آلله امرك بهذا بان تسكننى وولدى فى هذا البلقع فقال ابراهيم نعم قالت اذا لا يضيعنا فرضيت ورجعت الى ابنها ومضى ابراهيم حتى اذا استوى على ثنية كداء وهو كسماء جبل باعلى مكة اقبل على الوادى اى استقبل بوجهه نحو البيت ورفع يديه فقال { ربنا انى اسكنت } الآية وجعلت ام اسماعيل ترضعه وتأكل التمر وتشرب الماء فنفد التمر والماء فعطشت هى وابنها فجعل يتلبط فذهبت عنه لئلا تراه على تلك الحالة فصعدت الصفا تنظر لترى احدا فلم تر ثم نزلت اسفل الوادى ورفع طرف درعها ثم سعت سعى الانسان المجهود حتى اتت المروة وقامت عليها ونظرت لترى احد فلم تر فعلت ذلك شبع مرات فلذلك سعى الناس بينهما بعد الطواف سبع مرات فلما اشرفت على المروة سمعت صوتا فاذا هى بالملك عند موضع زمزم فبحث اى حفر بجناحه حتى ظهر الماء
قال الكاشفى [ جشمه زمزم بركف جبريل يا باثر قدم اسماعيل بديد آمد ] فجعلت تحوضه بيدها وتغرف من الماء لسقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال صلى الله عليه وسلم « رحم الله ام اسماعيل لو تركت زمزم » او قال « لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا » اى جارية ظاهرة على وجه الارض فشربت وارضعت ولدها فقال الملك لا تخافوا الضيعة فان ههنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وابوه وان الله لا يضيع اهله كما فى تفسير الشيخ (6/348)
قال فى الارشاد واول آثار هذه الدعوة ما روى انه مرت رفقة من جرهم تريد الشام وهم قبيلة من اليمن فرأوا الطير تحوم على الجبل فقالوا لا طير الا على الماء فقصدوا اسماعيل وهاجر فرأوهما وعندهما عين ماء فقالوا اشركينا فى مائك نشركك فى الباننا ففعلت وكانوا معها الى ان شب اسماعيل وماتت هاجر فتزوج اسماعيل منهم كما هو المشهور
قال الكاشفى [ قبيله جرهم آنجا داعيه اقامت نمودند وروز بروز شوق مردم بران جانب درتزايدست
وفى التأويلات النجمية قوله { انى اسكنت } الآية تسير الى محمد صلى الله عليه وسلم فانه كان من ذريته وكان فى صلب اسماعيل فتوسل بمحمد صلى الله عليه وسلم الى الله تعالى فى اعانة هاجر واسماعيل يعنى ان ضيعت اسماعيل ليهلك فقد ضيعت محمدا واهلكته
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38)
{ ربنا } [ اى بروردكارما ] { انك تعلم ما نخفى وما نعلن } من الحاجات وغيرها ومقصده ان اظهار هذه الحاجات ليس لكونها غير معلومة لك بل انما هو لاظهار العبودية والافتقار الى رحمتك والاستعجال لنيل اياديك (6/349)
جز خضوع وبندكى واضطرار ... اندرين حضرت ندارد اعتبار
{ وما يخفى } دائما اذ ماضى ولا مستقبل ولا حال بالنسبة الى الله تعالى { على الله } علام الغيوب { من } للاستغراق { شيء } ما { فى الارض ولا فى السماء } لانه العالم بعلم ذاتى تستوى نسبته الى كل معلوم
آنجه بيدا وآنجه بنهانست ... همه بادانش تويكسانست
لا عارضى ولا كسبى ليختص بمعلوم دون معلوم كعلم البشر والملك تلخيصه لا يخفى عليك شيء ما فى مكان فافعل بنا ما هو مصلحتنا فالظرف متعلق يخفى او شيء ما كائن فيهما على انه صفة لشيء
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)
{ الحمد لله الذى وهب لى على الكبر } على ههنا بمعنى مع وهو فى الحال اى وهب لى وانا كبير آيس من الولد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة واظهارا لشكرها لان زمان الكبر زمان العقم { اسمعيل } سمى اسماعيل لان ابراهيم كان يدعو الله ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو الله فلما رزق به سماه به كما فى معالم التنزيل (6/350)
وقال فى انسان العيون معناه بالعبرانية مطيع الله روى انه ولد له اسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة { واسحق } اسمه بالعبرانية الضحاك كما فى انسان العيون روى انه ولد له اسحاق وهو ابن مائة وثنتى عشرة سنة واسماعيل يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة { ان ربى } ومالك امرى { لسميع الدعاء } لى لمجيبه من قولهم سمع الملك كلامه اذا اعتد به وفيه اشعار بانه دعا ربه وسأل منه الولد كما قال { رب هب لى من الصالحين } فاجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من اجل النعم واجلاها
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)
{ رب اجعلنى مقيم الصلوة } معدّ لا لها من اقمت العود اذا قومته او مواظبا عليها من قامت السوق اذا نفقت اى راجت او مؤديا لها والاستمرار يستفاد من العدول من الفعل الى الاسم حيث لم يقل اجعلنى اقيم الصلاة { ومن ذريتى } اى وبعض ذريتى عطف على المنصوب فى اجعلنى وانما بعض لعلمه بعلام الله تعالى واستقرار عادته فى الامم الماضية ان يكون فى ذريته كفار وهو يخالف قوله { وجعلها كلمة باقية فى عقبه } والاشارة فى اقامة الصلاة الى ادامة العروج فان الصلاة معراج المؤمن به ويشير الى دوام السير فى الله بالله { ربنا وتقبل دعاء } واستجب دعائى هذا المتعلق باجعلنى وجعل بعض ذريتى مقيمى الصلاة ثابتين على ذلك مجتنبين عن عبادة الاصنام ولذلك جيئ بضمير الجماعة (6/351)
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)
{ ربنا اغفر لى } اى ما فرط منى ترك الاولى فى باب الدين وغير ذلك مما لا يسلم منه البشر { ولوالدى } وهاذ الاستغفار منه انما كان قبل تبين الامر له عليه السلام . يعنى [ قبل ازنهى بوده وهنوز يأس ازايمان ايشان نداشت ] (6/352)
قال فى الكواشى استغفر لابويه وهما حيان طمعا فى هدايتهما وان امه اسلمت فاراد اسلام ابيه وذلك انهم صرحوا بان امه كانت مؤمنة ولذا قرأ بعضهم { ولوالدتى } وقال الحافظ السيوطى يستنبط من قول ابراهيم { رب اغفر لى ولوالدى } وكان وكان ذلك بعد موت عمه بمدة طويلة ان المذكور فى القرآن بالكفر والتبرى من الاستغفار له اى فى قوله { وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تيبن له انه عدو لله تبرأ منه } هو عمه لا ابوه الحقيقى والعرب تسمى العم ابا كما تسمى الحالة اما
قال فى حياة الحيوان فى الحديث « يلقى ابراهيم اباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر فترة وغبرة فيقول له ابراهيم الم اقل لك لا تعص فيقول ابوه فاليوم لا اعصيك فيقول ابراهيم يا رب انك وعدتنى ان لا تخزينى يوم يبعثون فأى خزى اخزى من ابى ان يكون فى النار فيقول الله تعالى انى حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال يا ابراهيم ما تحت رجليك فينظر فاذا هو بذيخ متلطخ واليح بكسر الذال ذكر الضباع الكثيرة الشعر فيؤخذ بقوائمه ويلقى فى النار والحكمة فى كونه مسخ ضبعا دون غيره من الحيوان ان الضبع لما كان يفعل عما يجب التيقظ له وصف بالحمق لان الصياد اذا اراد ان يصيدها رمى فى حجرها بحجر فتحسبه شيأ تصيده فتخرج لتاخذه فتصاد عند ذلك ولان أزر لو مسخ كلبا او خنزيرا كان فيه تشويه لخلقه فاراد الله اكرام ابراهيم بجعل ابيه على هيئة متوسطة
قال فى المحكم يقال ذيخته اى ذللته فلما خفض ابراهيم له جناح الذل من الرحمة لم يحشر بصفة الذل يوم القيامة
انتهى كلام الامام الدميرى فى حياة الحيوان { وللمؤمنين } كافة من ذريته وغيرهم واكتفى بذكر مغفرة المؤمنين دون مغفرة المؤمنات لآنهن تبع لهم فى الاحكام وللايذان باشتراك الكل فى الدعاء بالمغفرة جيئ بضمير الجماعة وفى الحديث » من عمم بدعائه المؤمنين والمؤمنات استجيب له « فمن السنة ان لا يختص نفسه بالدعاء
قال فى الاسرار المحمدية اعلم انه يكرم للامام تخصيص نفسه بالدعاء بان يذكر ما يذكر على صيغة الافراد لا على صيغة الجمع
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فان فعل فقد خانهم « رواه ثوبان بل الاولى ايضا ان كان منفردا ان يأتى بصيغة الجمع فينوى نفسه وآباءه وامهاته واولاده واخوانه واصدقاء المؤمنين الصالحين فيعممهم بالدعاء وينالهم بركة دعائه وينال الداعى بركات هممهم وتوجيههم بارواحهم اليه -روى- عن السلف بل عن النبى صلى الله عليه وسلم ان يصيبه بعدد كل مؤمن ومؤمنة ذكره حسنة يعنى ان نواه بقلبه حين دعائه فهكذا افهم واعمل فى جميع دعواتك انتهى كلام الاسرار { يوم يقوم الحساب } اى يثبت ويتحقق محاسبة اعمال المكلفين على وجه العدل استعير له من ثبوت القائم على الرجل بالاستقامة ومنه قامت الحرب على ساق
وفى التأويلات { ربنا اغفر لى } اى استرنى وامحنى بصفة مغفرتك لئلا ارى وجودى فانه حجاب بينى وبينك
خمير مايه هر نيك وبد تويى جامىخلاص از همه مى بايدت زخودبكريز
{ ولوالدى } اى لومن كان سبب وجودى من آبائى العلوى وامهاتى اسفلى لكلا يحجبونى وعن رؤيتك { للمؤمنين يوم يقوم الحساب } وهو يوم كان فى حساب الله فى الازل يقوم لكمالية كل نفس او نقصانيته انتهى
يقول الفقير دعا ابراهيم عليه السلام بالمغفرة وقيدها بيوم القيامة لان يوم القيامة آخر الايام والخلاص فيه من المحاسبة والمناقشة يؤدّى الى نجاة الابد والفوز بالدرجات لانه ليس بعد النخلية بالمعجمة الا التحلية بالمهملة فقدّم الاهم والاصل ولشدة هذا اليوم
قال الفضيل بن عياض رحمه الله انى لا اغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحا أليس هؤلاء يعاينون القيامة واهوالها وانما اغبط من لم يخلق لانه لا يرى اهوال القيامة وشدائدها
قال ابو بكر الواسطى رمه الله الدول ثلاث دول فى الحياة ودولة عند الموت ودولة يوم القيامة .
فاما دولة الحياة فبان يعيش فى طاعة الله . ودولة الموت بان تخرج روحه مع شهادة ان لا اله الا الله . واما دولة النشر فحين يخرج من قبره فيأتيه البشير بالجنة جعلنا الله واياكم من اهل هذه الدول الثلاث التى لا دولة فوقها فى نظر اهل السعادة والعناية (6/353)
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)
{ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل به الظالمون } الحسبان بالكسر بمعنى الظن والغفلة معنى يمنع الانسان من الوقوف على حقيقة الامور والظالمون اهل مكة وغيرهم من كل اهل شرك وظلم وهو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراد تثبيته على ما كان عليه من عدم حسبانه تعالى كذلك نحو قوله تعالى { ولا تكونن من المشركين } مع ما فيه من الايذان لكونه واجب الاحتراز عنه فى الغاية حتى نهى من لا يمكن تعاطيه . والمعنى دم على ما كنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن اعمالهم ولا تخزن بتأخير ما يستوجبونه من العذاب الاليم { انما يؤخرهم ليوم } تعليل للنهى اى لا يؤخر عذابهم الا لاجل يوم هائل { تشخيص فيه الابصار } ترتفع فيه ابصار اهل الموقف اى تبقى اعينهم مفتوحة لا تتحرك اجفانهم من هول ما يرونه يعنى ان تأخيره للتشديد والتغليظ لا للغفلة عن اعمالهم ولا لاهمالهم يقال شخص بصر فلان كمنع واشخصه صاحبه اذا فتح عينيه ولم يطرف بجفنيه (6/354)
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)
{ مهطعين } حال مقدرة من مفعول يؤخرهم اى مسرعين الى الداعى مقبلين عليه بالخوف والذل والخشوع كاسراع الاسير والخائف . وبالفارسية [ بشتابند بسوى اسرافيل كه ايشانرا بعرصه محشر خواند ] يقال اهطع البعير فى السير اذا اسرع { مقنعى رؤوسهم } اى رافعيها مع ادامة النظر من غير التفات الى شيء (6/355)
قال فى تهذيب المصادر الاقناع ان يرفع رأسه ويقبل بطرفه الى ما بين يديه
وعن الحسن وجوه الناس يوم القيامة الى السماء لا ينظر الى احد { لا يرتد اليهم طرفهم } لا يرجع اليهم تحريك اجفانهم حسب ما يرجع اليهم كل لحظة بل تبقى اعينهم مفتوحة لا تطرف اى لا تضم
وفى الكواشى اصل الطرف تحريك الجفون فى النظر ثم سميت العين طرفا مجازا والمعنى انهم لا يلتفتون ولا ينظرون مواقع اقدامهم لما بهم انتهى { وافئدتهم } قلوبهم { هواء } خالية من العقل والفهم لفرط الحيرة والدهش كأنها نفس الهواء الخالى عن كل شاغل
وفى الكواشى لخيصه الابصار شاخصة والرؤوس مقنعة والقلوب فارغة زائلة لهول ذلك اليوم ثبتك الله وايانا فيه
وفىلآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزية للمظلوم وتهديد للظالم
قال احمد بن حضرويه لو اذن لى فى الشفاعة ما بدأت بظالمى قيل له وكيف قال لانى نلت به ما لم انله بوالدى قيل وما ذاك قال تعزية الله فى قوله { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } وفى المثنوى
آن يكى واعظ جوبر تخت آمدى ... قاطعان راه را داعى شدى
دست برمى داشت يا رب رحم ران ... بربدان ومفسدان وطاغيان
برهمه تسخر كنان اهل خير ... برهمه كافر دلان واهل دير
او نكردى ىن دعا براصفيا ... مى نكردى جز خبيثانرا دعا
مرورا كفتند كين معهود نيست ... دعوت اهل ضلالت جود نيست
كفت نيكويى ازينها ديده ... ام من دعاشان زين سبب بكزيده ام
خبث وظلم وجور جندان ساختند ... كه مرا ازشر بخير انداختند
هركهى كه رو بدنيا كرد مى ... من ازيشان زخم وضربت خودرمى
كردمى از زخم آن جانب بناه ... باز آوردندمى كركان براه
جون سبب ساز صلاح من شدند ... بس دعاشان برمنست اى هوشمند
وفى الكواشى واستدل بعضهم على قيام الساعة بموت المظلوم مظلوما قالوا وجد على جدار الصخرة
نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
قال السعدى فى سره
نخفتست مظلوم ازآهش بترس ... زدود دل صبحكاهش بترس
نترسى كه باك اندرونى شبى ... برآرد سوز جكر يا ربى
نمى ترسى از كرك ناقص خرد ... كه روزى بلنكيت برهم درد
والاشارة { ولا تحسبن الله غافلا } اى فى الازل { عما يعمل الظالمون } اليوم يعنى كل عمل يعمله الظالمون لم يكن الله غافلا عنه فى الازل بل كان ذلك بقضائه وقدره وارادته مبنيا على حكمته البالغة جعل سعادة اهل السعادة وشقاوة اهل الشقاوة مودعة فى اعمالهم والاعمال مودعة فى اعمارهم ليبلغ كل واحد من الفرقتين على قدمى اعمالهم الشرعية والطبيعية الى منزل من منازل السعداء ومنزل الاشقياء يوم القيامة فلذا آخر الظالمين ليزدادوا اثما يبلغهم منازل الاشقياء
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)
{ وانذر الناس } اى خوفهم جميعا يا محمد { يوم يأتيهم العذاب } اى من يوم القيامة او من يوم موتهم فانه اول ايام عذابهم حيث يعذبون بالسكرات وهذا الانذار للكفرة اصالة وللمؤمنين تبعية وان لم يكونوا معذبين { فيقول الذين ظلموا } منهم بالشرك والتكذيب { ربنا اخرنا } ردنا الى الدنيا وامهلنا { الى اجل قريب } الى امد وحدّ من الزمان قريب قال سعدى المفتى لعل فى النظم تضمينا والتقدير درنا الى ذى اجل قريب اى قليل وهو الدنيا مؤخرا عذابنا (6/356)
وقال الكاشفى [ عذاب مارا تاخير كن ومارا بدنيا فرست ومهلت ده تامدتى نزديك او ] اخر آجالنا وابقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك { نجب دعوتك } جواب للامر اى الدعوة اليك والى توحيدك { ونتبع الرسل } فيبما جاؤنا به اى نتدارك ما فرطنا فيه من اجابة الدعوة واتباع اغلرسل { أولم تكونوا اقسمتم من قبل } على اضمار القول عطفا اى فيقال لهم توبيخا وتبكيتا ألم تؤخروا فى الدنيا ولم تكونوا اقسمتم اى حلفتم بألسنتكم تكبرا وغرورا { ما لكم من زوال } ما انتم عليه من التمتع جواب للقسم او بألسنة الحال حيث بنيتم شديدا واملتم بعيدا ولم تحدثوا انفسكم بالانتقال عن هذه الحال
وفيه اشعار بامتداد زمان التأخير وما لكم من زوال من هذه الدار الى دار اخرى للجزاء فالاول مبنى على انكار الموت والثانى على انكار البعث
وفى التأويلات النجمية يشير به الى التناسخية فانهم يزعمون ان لا زوال لهم ولا للدنيا بان واحدا منهم اذا مات انتقل روحه الى قالب آخر فاراد بهذا الجواب ان لو رجعناكم الى الدنيا لتحقق عندكم مذهب التناسخ وما اقسمتم من قبل على انه مالكم من زوال
قال فى التعريفات التناسخ عبارة عن تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر من غير تخلل زمان بين التعلقين للتعشق الذاتى بين الروح والجسد
وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)
فينبغى للمؤمن ان يكثر ذلك الموت فانه لا غنية للمؤمن عن ست خصال . اولاها علم يدله على الآخرة . والثانية رفيق يعينه على طاعة الله ويمنعه عن معصية الله . والثالثة معرفة عدوه والحذر منه . والرابعة عبرة يعتبر بها . والخامسة انصاف الخق لكيلا تكون له يوم القيامة خصماء . والسادسة الاستعداد للموت قبل نزوله لكيلا تكون مفتضحا يوم القيامة (6/357)
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)
{ وقد مكروا مكرهم } اى فعلنا بالذين ظلموا ما فعلنا والحال انهم قد مكروا فى ابطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذى استفرغوا فى عمله المجهود وجاوزنا فى كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه غيرهم والمكر خديعة { وعند الله مكرهم } اى جزاء مكرهم الذى فعلوه { وان } وصلية { كان مكرهم } فى العظم والشدة { لنزول منه الجبال } مسوى لازالة الجبال عن مقارّها معدا لذلك (6/358)
قال فى الارشاد اى وان كان فى غاية المتانة والشدة وعبر عن ذلك بكونه مسوى ومعدا لذلك مثلا فى ذلك
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)
{ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } بتعذيب الظالمين ونصر الظالمين ونصر المؤمنين واصله مخلف رسله وعده وقدم المفعول الثانى لعلاما بان لا يخلف وعده احدا فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها . والمعنى دم على ما كنت عليه من اليقين بعد اخلافنا رسلنا وعدنا { ان الله عزيز } غالب لا يماكر قادر لا يدافع { ذو انتقام } لاوليائه من اعدائه (6/359)
قال فى القاموس انتقم منه عاقبة
[ ودر معالم از مرتضى على رضى الله عنه نقل ميكند كه اين آيت درقصه نمرود جباراست كه جون سلامت ابراهيم از آتش مشاهده كرد كفت بزرك خدايى دارد ابراهيم كه اورا از آتش رهانيد من خواهم كه برآسمان روم واورا به بينم اشراف مملكت كفتند كه آسمان بغايت مرتفع است وبدو رفتن با آسانى ميسر نشود نمرود نشنيد وفرمود تاصرحى شازند درسه سال بغايت بلندكه ارتفاع آن بنجهزار كزبود ودو فرسخ عرض آن بود وجون برانجا رفت آسمانرا همجنان ديدكه در زمين ميديد روز ديكر آن بنا بنهاد وبادى مهيب بوزيد وآن بنارا از بيخ وبنياد بكند وجون آن صرح از باى در آمد وخلق بسيار هلاك شد نمرود خشم كرفت وكفت برآسمان روم وباخداى ابراهيم كه مناره مرا بيفكند جنك كنم بس جهار كركس برورش داد تاقوت تمام كرفتند وصندوقى جهار كوشة ساخت ودو دريكى فوقانى وديكرى تحتانى در راست كرد برجهار طرف او جها نيزه كه زير وبالا توانستى شد تعبيه نمود بس كركسانرا كرسنه داشتند وجهار مردار برسر نيزها كرده اطراف صندوق را برتن كركسان بستند ايشان ازغايت جوع ميل ببالا كرده جانب مردار برواز نمودند وصندوق راكه نمرود بايك تن در آنجا بود بهوا بعد ازشبانروزى نمرود در فوقانى كشاده آسمانرا برهمان حال ديد كه برزمين ميديد رفيق را كفت تادر تحتانى بكشاد كفت بنكر تاجه مى بينى آنكس نكاه كرد وجواب دادكه روز ستبق مشاهده نمود ورفيق كه باب تحتانى بكشود بجزدود وتاريكى جيزى مشهود نبود نمرود بترسيدى ] فنودى ايها الطاغى اين تريد
قال عكرمة كان معه فى التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب فرمى بسهم فعاد اليه السهم متلطخا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر فىلهواء وقيل طائر اصابه السهم فقال كفيت شغل اله السماء ثم امر نمرود صاحبه ان يصوب الخشبات وينكس اللحم ففعل فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال هفيف التابوت والنسور ففزعت فظنت انه قد حدث حادث فى السماء وان الساعة قد قامت فكادت تزول عن اماكنها وهو المراد من مكرهم
يقال ان نمرود اول من تجبر وقهر وسن سنن السوء واول من لبس التاج فاهلكه الله ببعوضة دخلت فى خياشيمه فعذب بها اربعين يوما ثم مات سوى اوخصمى كه تير انداخته بشه كارش كفايت ساخته
وفى المثنوى
اى خنك انراكه ذلت نفسه ... واى آن كزسركشى شد جون كه او (6/360)
بندكى اوبه از سلطانى است ... كه انا خيردم شيطانى است
فرق بين وبركزين تواى جليس ... بندكى آدم از كبر بليس
ايها المؤمنون اين الانبياء والمرسلون واين الاولياء المقربون واين الملوك الماضية والجبارون المتكبرون ما لكم لا تنظرون اليهم ولا تعتبرون فاجتهدوا فى الطاعات وان كنتم تعقلون واتقوا يوم ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)
{ يوم تبدل الارض غير الارض والسموات } اى اذكر يوم تبدل هذه الارض المعروفة ارضا اخرى غير معرفة وتبدل السموات غير السموات ويكون الحشر وقت التبديل عند الظلمة دون الجسر او يكون الناس على صراط كما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل تذكرون اهاليكم يوم القيامة قال « اما عند مواطن ثلاثة فلا عند الصراط والكتاب والميزان » قالت قلت يا رسول الله يوم تبدل الارض غير الارض اين الناس يومئذ قال « سألتنى عن شيء ما سألنى احد قبلك الناس يومئذ على الصراط » والتبديل قد يكون فى الذات كما بدلت الدراهم دنانير وقد يكون فى الصفات كما فى قولك بدلت الحلقة خاتما اذا اذبتها وغيرت شكلها والاية تحتملهما (6/361)
نقل القرطبى عن صاحب الافصاح ان الارض والسماء لا تبدلان مرتين المرة الاولى تبدل صفتهما فقط وذلك قبل نفخة الصعق فتتناثر كواكبها وتخسف الشمس والقمر اى يذهب نورهما ويكون مرى كالدهان ومة كالمهل وتكشف الارض وتسير جبالها فى الجو كالسحاب وتسوى اوديتها وتقطع اشجارها وتجعل قاعا صفصفا اى بقعة مستوية والمرة الثانية تبدل ذاتهما وذلك ان وقفوا فى المحشر فتبدل الارض بارض من فضة لم يقع عليها معصية وهى الساهرة والسماء تكون من ذهب كما جاء عن على رضى الله عنه
والاشارة تبدل ارض البشرية بارض القلوب فتضمحل ظلماتها بانوار القلوب وتبدل سموات الاسرار بسموات الارواح فان شموسها بل تبدل ارض الوجود المجازى عن اشراق تجلى انوار الربوبية بحقائق انوار الوجود الحقيقى كما قال { واشرقت الارض بنور ربها } { وبرزوا } اى خرج الخلائق من قبورهم { لله الواحد القهار } اى لمحاسبته ومجازاته وتوصيفه بالوصفين للدلالة على ان الامر فى غاية الصعوبة كقوله { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } فان الامر اذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لاحد الى غيره ولا مستجار
يقول الفقير سمعت شيخى وسندى قدس سره وهو يقول فى هذه الآية هذا ترتيب انيق فان الذات الاحدية تدفع بوحدتها الكثرة وبقهرها الآثار فيضمحل الكل فلا يبقى سواه تعالى
وقال فى المفاتيح القهار هو الذى اذل الجبابرة وقصم ظهورهم بالاهلاك
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)
{ وترى المجرمين يومئذ } اى يوم هم بارزون { مقرنين } حال من المجرمين قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم فى العقائد الفاسدة او قرنوا مع الشياطين الذين اغووهم او قرنت ايديهم وارجلهم الى رقابهم بالاغلال { فى الاصفاد } متعلق بمقرنين اى يقرنون فى الاصفاد وهى القيود كما فى القاموس جمع صفد محركة واصله الشد صفدته اذا شددنه شاد وثيقا (6/362)
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50)
{ سرابيلهم } اى قمصانهم جمع سربال { من قطران } وهو عصارة الابهل والارز ونحوهما (6/363)
قال فى التفاسير هو ما يتحلب من الابهل فيطبخ فتهنأ به الابل الجربى فيرحق الجرب بحدته وقد تصل حرارته الى الجوف وهو اسود منتن يسرع عليهم الالوان الاربعة من العذاب لذع القطران وحرقته واسراع النار فى جلودهم واللون الموحش ونتن الري على ان التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين فانه ورد « وان ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم » وقس عليها القطران ونعوذ بالله من عذابه كله فى الدنيا والآخرة وما بينهما
وقال فى التبيان القطران فى الآخرة ما يسيل من ابدان اهل النار
وعن يعقوب { من قطران } والقطر النحاس او الصفر المذاب التى تمس جلدهم المسربل بالقطران لانهم لم يتوجهوا بها الى الحق ولم يستعملوا فى تدبره مشاعرهم وحواسهم التى خلقت فيها لاجله كما تطلع على افئدتهم لانها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات
وفى بحر العلوم الوجه يعبر به عن الجملة والذات مجازا وهو ابلغ من الحقيقة اى وتشملهم النار وتلبسهم لان خطاياهم شملتهم من كل جانب فجوزوا على قدرها حتى الاصرار والاستمرار
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)
{ ليجزى الله } متعلق بمضمر اى يفعل بهم وذلك ليجزى { كل نفس } مجرمة { ما كسبت } من انواع الكفر والمعاصى جزاء موافقا لعملعا { ان الله سريع الحساب } اذ لا يشغله حساب عن حساب فيتمه فى اعجل ما يكون من الزمان فيوفى الجزاء بحسبه او سريع المجيئ يأتى عن قريب (6/364)
وفى التأويلات وترى المجرمين وهم اوراح اجرموا اذا تبعوا النفوس ووافقوها فى طلب الشهوات والاعراض عن الحق يومئذ اى يوم التجلى مقيدين فى النفوس بقيود صفاتها الذميمة الحيوانية ولا يستطيعون للبروز والخروج لله سرابيلهم من قطران المعاصى وظلمات النفوس وهم محجوبون بها عن الله وتغشى وجوههم نار الحسرة والقطيعة والحرمان ليجزى الله كل نفس اى كل روح بما كسبت من صحبة النفس وموافقتها ان الله سريع الحساب اى يحاسبب الارواح بالسرعة فى الدنيا ويجزيهم بما كسبوا فى متابعة النفوس من العمى والصمم والجهل والغفلة والبعد وغير ذلك من الآفات قبل يوم القيامة
هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
{ هذا } القرآن بما فيه من فنون العظات والقوارع { بلاغ للناس } كفاية لهم فى الموعظة والتذكير (6/365)
قال فى القاموس البلاغ كسحاب الكفاية { ولينذورا به } عطف على مقدر واللام متعلقة بالبلاغ اى كفاية لهم فى ان ينصحوا وينذروا به
وفى التأويلات اى لينتبهوا بهذا البلاغ اى كفاية لهم فى ان ينصحوا وينذروا به
وفى التأويلات اى لينتبهوا بهذا البلاغ قبل المفارقة عن الابدان فينتفعوا به فان الانتباه بالموت لا ينفع { وليعلموا } بالتأمل فيما فيه من الآيات { انما هو اله واحد } [ آنكه اوست خداى يكتا } اى لا شريك له فيعبدوه ولا يعبدوا الها غيره من الدنيا والهوى والشيطان وما يعبدون من دون الله { وليذكر اولوا الالباب } اى لتذكروا ما كانوا يعملون من قبل من التوحيد وغيره من شؤون الله ومعاملته مع عباده فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التى يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحصنهم من العقائد الحقة والاعمال الصالحة
قال البيضاوى اعلم انه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هى الغاية والحكمة فى انزال الكتب تكميل الرسل للناس واستكمال القوة النظرية التى منتعهى كمالها التوحيد واستصلاح القوة العملية التى هو التدرع بلباس التقوى
قال فى بحر العلوم وليذكروا اولوا الالباب اى وليتعظ ذووا الالباب من الاولين والآخرين قال الله تعالى { ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله } ويكفيهم ذلك عظة ان اتعظوا والعقول فى ذلك متفاوتة فيجزى كل احد منهم على قدر عقله قال النبى صلى الله عليه وسلم « ان الجنة مدينة من نور لم ينظر اليها ملك مقرب ولا نبى مرسل جميع ما فيها من القصور والغرف والازواج والخدام من النور اعدها الله للعاقلين فاذا ميز الله اهل الجنة من اهل النار ميز اهل العقل فجعلهم فى تلك المدينة فيجزى كل قوم على قدر عقولهم فيتفلوتون فى الدرجات كما بين مشارق الارض ومغاربها بالف ضعف » يقول الفقير اشير بالعقلاء ههنا من اختاروا الله على غيره وان كانا متفاوتين فى مراتبهم بحسب تفاوت عقولهم وعلومهم بالله وهم المرادون فيما ورد « اكثر اهل الجنة البله » والعقلاء فى عليين فالابله وهو من اختار الجنة ونعيمها دون من اختار الله وقربه فى المرتبة فانه العابد بالمعاملات الشرعية وهذا العارف بالاسرار الالهية والعارف فوق العابد ألا ترى ان مقامه من نور ومقام العابد من الجوهر والنور فوق الجوهر فى اللطافة : قال الكمال الخجندى
نيست مارا غم طوبى وتمناى بهشت ... شيوه مردم ن اهل بود همست بست
وقال الملوى الجامى
يا من ملكوت كل شيء بيده ... طوبى لمن ارتضاك ذخره الغده
اين بس كه دلم جز توندارد كامى ... توخواه بده كام دلم خواه مده
الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1)
{ الر } اسم للسورة وعليه الجمهور اى هذه السورة مسماة بالر (6/366)
وقال الكاشفى ( علما را در حروف مقطعه اقاويل بسيارست جمعة بر آنندكه مطلقا درباب آن سخن كفتن سلوك سبيل جرأتست . ودرينابيع آودكه كه فاروق را از معنى اين حروف برسيدند فرمودند اكردروى سخن كويم متكلف باشم وحق تعالى بيغمبر خودرا فرمودكه كه بكو وما ابا من المتكلفين ] يقول الفقير انما عد حضرة الفاروق رضى الله عنه المقال فيه من باب التكلف لا من قبيل ما يعرف بالذوق الصحيح والمشرب الشافى واللسان قاصر عن افادة ما هو كذلك على حقيقته لانه ظرف الحروف والالفاظ لا ظرف المعانى والحقائق ولا مجال له لكونه منتهيا مقيدا ان يسع فيه ما لا نهاية له
وفيه اسعار بان الكلام فيه ممكن فى الجملة . واما قول من قال ان هذه الحروف من اسرار استأثر الله بعلمها فى حق القاصرين عن فهم حقائق القرآن والخالين عن ذوق هذا الشأن وعلم عالم المشاهدة والعيان والا فالذى استأثر بعلمه انما هى الممتنعات وهى ما لم يشم رائحة الوجود بل بقى فى غيب العلم المكنون بخلاف هذه الحروف فانها ظهرت فى عالم العين وما هو كذلك لا بد وان يتعلق به علم الاكملين لكونه من مقدوراتهم فالفرق بين عالم الخالق والمخلوق ان علم الخالق عام شامل بخلاف علم المخلوق فافهم هداك الله [ وبعضى كويند هرحرفى اشارت باسميت جنانجه در الر الف اشارت باسم الله است ولام باسم جبريل ورا باسم حضرت رسول صلى الله عليه وسلم اين كلام ازخداى تعالى بواسطة جبريل برسول رسيده ] { تلك } السورة العظيمة الشأن { آيات الكتاب } الكامل الحقيق باختصاص اسم الكتاب على الاطلاق على ما يدل عليه اللام اى بعض من جميع القرآن او من جميع المنزل او من جميع المنزل اذ ذاك او آيات اللوح المحفوظ { وقرآن } عظيمى الشأن { مبين } مظهر لما فى تضاعيفه من الحكم والمصالح او لسبيل الرشد والغى او فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام فهو من ابان المتعدى ويمكن ان يجعل من اللازم الظاهر امره فى الاعجاز او الواضحة معلنيه للمتدبرين او البين للذين انزل عليهم لانه بلغتهم واساليبهم وعطف القرآن على الكتاب من عطف احدى الصفتين على الاخرى اى الكلام الجامع بين الكتابية والقرآنية
وفى التأويلات النجمية يشير بكلمة { تلك } الى قوله { الر } اى كل حرف من هذه الحروف حرف من آية من { آيات الكتاب و } هى { قرآن مبين }
فالالف اشارة الى آية { الله لا اله الا هو الحى القيوم } واللام اشارة الى آية { ولله ملك السموات والارض يغفر لمن يشاء } والراء اشارة الى آية { ربنا ظلمنا } فالله تعالى اقسم بهذه الآيات الثلاث باشارة هذه الحروف الثلاثة ثم اقسم بجميع القرآن بقوله { وقرآن مبين }
رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)
{ ربما } رب ههنا للتكثير كما فى مغنى اللبيب . والمعنى بالفارسية ( اى بساوقت كه } { يود } يتمنى في الآخرة { الذين كفروا } بالقرآن وبكونه من عند الله { لو كانوا مسلمين } يعنى فى الدنيا مستسلمين لاحكام الله تعالى واوامره ونواهيه ومفعول يود محذوف لدلالة لو كانوا مسلمين عليه أى يودون الاسلام على أن لو للتمنى حكاية لوداداتهم فر تقتضى جوابا وانما جيء بها على لفظ الغيبة نظرا الى انهم مخبر عنهم واو نظر الى الحكاية لقيل لو كنا مسلمين واما من جعل لو الواقعة بعد فعل يفهم منه معنى التمنى حرفا مصدرية فمفعول يود عنده لو كانوا مسلمين على ان يكون الجملة فى تأويل المفرد وفى الحديث « اذا كان يوم القيامة واجتمع اهل النار ومعهم من شاء الله من اهل القبلة قال الكفار لمن فى النار من اهل القبلة ألستم مسلمين فقالوا بلى قالوا ففما اغنى عنكم اسلامكم وانتم معنا فى النار من اهل القبلة ألستم مسلمين فقالوا بلى قالوا فما اغنى عنكم اسلامكم وانتم معنا فى النار قالوا كانت لنا ذنوب فاخذنا بها فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من اهل القبلة فى النار فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كطانوا مسلمين » وفى الحديث « لا يزال الرب يرحم ويشفع اليه حتى يقول من كان من المسلمين فليدخل الجنة فعند ذلك يتمنون الاسلام » اى يتمنونه اشد التمنى ويودونه اشد الودادة والا فنفس الودادة ليست بمختصة بوقت دون وقت بل هى مستمرة فى كل آن يمر عليهم قبل دخول النار وبعده كما يدل عليه رب التكثيرية (6/367)
وقال بعضهم ربما يود الذين فسقوا لو كانوا مطيعين وربما يود الذين كسلوا لو كانوا مجتهدين وربما يود الذين غفلوا لو كانوا ذاكرين
اكر مرده مسكين زبان داشتى ... بفرياد وزارى فغان داشتى
كه اى زنده جون هست امكان كفت ... لب ازذكر جون مرده برهم مخفت
جومارا بغفلت بشد روزكار ... توبارى دمى جند فرصت شمار
وقال عبد الله بن المبارك ما خرج من الدنيا من مرمن وكافر الا على ندامة وملامة لنفسه فالكافر لما يرى من سوء ما يجازى به والمؤمن لرؤية تقصيره فى القيام بموجب الخدمة وترك الحرمة وشكر النعمة
وقال ابن العرجى الكفران هنا كفران النعمة ومعناه ربما يود الذين جهلوا نعم الله عندهم وعليهم ان لو كانوا شاكرين عارفين برؤية الفضل والمنة
يقول الفقير عبادة الكفر وان كانت شاملة لكفر الوحدة وكفر النعمة لكن الآية نص فى الاول ولا مزاحمة فى باب المعانى الثوانى التى هى من قبيل الاشارات القرآنية والمدلولات المحتملة فعليك العمل بالكل فانه سلوك لخير السبل
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)
{ ذرهم } اى دع الكفار يا محمد عن النهى عماهم عليه بالتذكرة والنصيحة لا سبيل الى ارعوائهم عن ذلك (6/368)
والآية منسوخة بآية القتال كما فى بحر العلوم
قال الكاشفى [ امر تهوين وتحقير است يعنى كافران درجه حسابند دست ازيشان بدار تا در دنيا ] { يأكلوا } كالانعام { ويتمتعوا } بدنياهم وشهواتها والمراد دوامهم على ذلك لاحداثهم كانوا كذلك وهما امران بتقدير اللام لدلالة ذرهم عليه او جواب امر على التجوز لان الامر بالترك يتضمن الامر بهما اى دعهم وبالغ فى تخليتهم وشانهم بل مردهم بتعاطى ما يتعاطون { ويلههم } اى يشغلهم عن اتباعك او عن الاستعداد للمعاد { الامل } التوقع لطول الاعمار وبلوغ الاوطار واستقامة الاحوال وان لا يلقوا فى العاقبة والمآل الاخيرا : قال الصائب
درسر اين غافلان طول امل دانى كه جيست ... اشيان كردست مارى دركبوتر خانه
قال فى بحر العلوم ان الامل رحمة لههذ الامة لولاه لتعطل كثير من الامور وانقطع اغلب اسباب العيش والحياة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « انما الامل رحمة الله لامتى لولا الامل ما ارضعت ام ولدا ولا غرس غارس شجرا » رواه انس والحكمة لا تتضى اتفاق الكل على الاخلاص والاقبال الكلى على الله فان ذلك مما يخل بامر المعاش وولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا
قال بعضهم لو كان الناس كلهم عقلاء لما اكلنا رطبا ولا شربنا ماء باردا يعنى ان العقلاء لا يقدمون على صعود النخيل لاجتناء الرطب ولا على حفر الآبار لاستنباط الماء البارد كما فى اليواقيت
قال فى شرح الطريقة الامل ارادة الحياة للوقت للتراخى بالحكم والجزم اعنى بلا استثناء ولا شرط صلاح وهو مذموم فى الشرع جدا وغوائله اربع الكسل فى الطاعة وتأخيرها وتسويف التوبة وتركها قسوة القلب بعد ذكر الموت والحرص على جميع الدنيا والاشتغال بها عن الآخرة { فسوف يعلمون } سوء صنيعهم اذا عاينوا جزاءه وهو وعيد لهم
قال فى التأويلات النجمية قوله { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل } تهديد لنفس ذاقت حلاوة الاسلام ثم عادت الى طبعها الميشوم واستحلت مشاربها من نعيم الدنيا والتمتع بنعيمها ثم قال { فسوف يعلمون } ما خسروا من انواع السعادات والكرامات والدرجات والقربات وما فات منهم من الاحوال السينية والمقامات العلية وما اورثتهم الدنيا الدنية من البعد من الله والمقت وعذاب نار القطيعة والحرمان
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4)
{ وما أهلكنا } شروع فى بيان سر تأخير عابهم الى يوم القيامة وعدم نظمهم فى سلك الامم الدارجة فى تعجيل العذاب اى وما اهلكنا { من قرية } من القرى بالخسف بها وباهلها كما فعل ببعضها او باخلائها عن اهلها غب اهلاكهم كما فعل بآخرين { الا ولها } فى ذلك الشأن { كتاب } اى جعل مقدر مكتوب فى اللوح المحفوظ واجب المراعاة بحيث لا يمكن تبديله لوقوعه حسب الحكمة المقتضية له { معلوم } لا ينسى ولا يغفل حتى يتصور التخلف عنه التقدم والتأخر . فكتاب مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من قرية فانها لعمومها لا سيما بعد تأكده بكلمة من فى حكم الموصوفة كما اشير اليه . والمعنى وما اهلكنا قرية من القرى فى حال من الاحوال الا حال ان يكون لها كتاب اى اجل مؤقت لهلكها قد كتبناه لانهلكها قبل بلوغ معلوم لا يغفل عنه حتى تمكن مخالفته بالتقدم والتأخر او صفة للقرية المقدرة التى هى بدل من المذكورة على المختار فيكون بمنزلة كونه صفة للمذكورة اى وما اهلكنا قرية من القرى الا قرية لها كتاب معلوم وتوسيط بينهما وان كان القياس عدمه للايذان بكمال الالتصاق بينهما من حيث ان الواو شأنها الجمع والربط (6/369)
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5)
{ ما تسبق } ما نافية { من } زائدة { امة } من الامم الهالكة وغيرهم { اجلها } المكتوب فى كتابها اى لا يجيئ هلاكها قبل مجيئ كتابها { وما يستأخرون } اى وما يتأخرون عنه وانما حذف لانه معلوم ولرعاية الفواصل وصيغه الاستفعال للاشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له واما تأنيث ضمير امة فى اجلها وتذكيره فى يستأخرون فللحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى اخرى (6/370)
وفى التأويلات النجمية { ما تسبق من امة اجلها } حتى يظهر منها ما هو سبب هلاكها وتستوفى نفسها من الحظوظ ما يبطل الحقوق { وما يستأخرون } لحظة بعد استيفاء اسباب الهلاك والعذاب : قال السعدى
طريقى بدست وصلحى بجوى ... شفيعى برانكيز وعذرى بكوى
كه يك لحظة صورت نه بنددامان ... جو بيمانه برشد بدور زمان
فعلى العاقل ان يجتهد فى تزكية النفس الامارة وازالة صفاتها المتمردة ومن المعلوم ان الدنيا كالقرية الصغيرة والآخرة كالبدة الكبيرة ولم يسلم من الآفات الا من توجه الى السواد الاعظم فانه ما من لكل نفس فلو مات عند الطريق فقد وقع اجره على الله ولو تأخر واجتهد فى عمارة قرية من الجسد واشتغل بالدنيا واسبابها هلك مع الهالكين واذا كان لكل نفس اجل لا تموت الا عند حلوله وهو مجهول فلا بد من التهيئ فى كل زمان وذكر الموت كل حين وآن وقصر الامل واصلاح العمل ودفع الكسل
وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه انه اشترى اسامة ابن زبد من زيد بن ثابت وليدة بمائة دينار الى شهر فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ألا تعجبون من اساموة المشترى الى شهر ان اسامة لطويل الامل والذى نفسى بيده ما طرفت عيناى الا ظننت ان شفرى لا يلتقيان حتى يقبض الله روحى ولا رفعت طرفى فظننت انى واضعه حتى اقبض ولا لقمت لقمة الا ظننت انى لا اسيغها حتى اغص بها من الموت ثم قال يا بنى آدم ان كنتم تعقلون فصدوا انفسكم من الموتى والذى نفسى بيده انما توعدون لآت وما انتم بمعجزين » اى لا تقدرون على اعجاز الله عن اتيان ما توعدون به من الموت والحشر والحساب وغيرها من احوال القيامة واهوالها
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)
{ وقالوا } اى مشركوا مكة وكفار العرب لغاية تماديهم فى العتو والغى (6/371)
وفى بعض التفاسير نزلت فى عبد الله بن امية { يا ايها الذى نزل عليه الذكر } نادوا به النبى عليه السلام على وجه التهكم ولذا جننوه بقولهم { انك لمجنون } اذ لا يجتمع اعتقاد نزول الذكر عليه ونسبه الجنون الهي . والمعنى انك لتقول قول المجانين حين تدعى ان الله نزل عليك الذكر اى القرآن
وقال الكاشفى [ بدرستى توديوانه كه مارا از نقد بنسيه مى خوانى ] وجواب هذه الآية قوله تعالى فى سورة القلم { ما ان بنعمة ربك بمجنون } اى ما انت بمجنون حال كونك منعما عليك بالنبوة وكمال العقل
يقول الفقير الجنون من اوصاف النقصان يجب تبرئة ساحة الانبياء وكمل اولالياء منه وعد نسبته اليهم من الجنون اذ لاسفه اشد من نسبة النقصان وسخافة العقل والاذعان الى المراجيح الرزان ولا عقل من العقول الا وهو مستفيض من العقل الاول الذى هو الروح المحمدى والعاقل بالعقل المعادى مجنون عند العاقل بالعقل المعاشى وبالعكس ولا يكون مجنونا بالجنون المقبول الا بعد دخول ائرة العشق
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر
جننا مثل مجنون بليلى ... شغفنا حب جيران بسلمى
يعنى جننا من الازل الى الابد بجنون عشق المعشوق الوجه الحق وحب المحبوب الجمال المطلق كما جن مجنون بجنون عشق المعشوق ليلى الخلق وحب المحبوب الجمال المقيد : قال الصائب
روزن عالم غيبست دل اهل جنون ... من وآن شهركه ديوانه فراوان باشد
لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7)
{ لوما } حرف تحضيض بمعنى هلا وبالفارسية [ جرا ] { تأتينا } [ نمى آرى ] فالباء للتعدية فى قوله { بالملائكة } يشهدون بصحة نبوتك ويعضدونك فى الانذار كقوله تعالى { لولا انزل عليك ملك فيكون معه نذيرا } يعنى [ اكر راست مى كويى كه بيغميرى فرشتكانرا حاضركن تابحضور ما كواهى دهند برسالت تو ] او يعاقبوننا على التكذيب كما اتت الامم المكذبة لرسلهم { ان كنت من الصادقين } فى دعواك فان قدرة الله على ذلك مما لا ريب فيه وكذا احتياجك اله فى تمشية امرك (6/372)
مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8)
فقال الله تعالى فى جوابهم { ما ننزل الملائكة الا بالحق } اى ملتبسا بالوجه الذى يحق ملابسة التنزيل مما تقتضيه الحكمة وتجرى به السنة الالهية والذى اقترحوه من التنزيل لاجل الشهادة لديهم وهم هم ومنزلتهم فى الحقارة والهوان منزلتهم مما لا يكاد يدخل تحت الصحة والحكمة اصلا فان ذلك من باب التنزيل بالوحى الذى لا يكاد يفتح على غير الانبياء العظام من افراد كمل المؤمنين فكيف على امثال اولئك الكفرة اللئام وانما الذى يدخل فى حقهم تحت الحكمة فى الجملة هو التنزيل للتعذيب والاستئصال كما فعل باضرابهم من الامم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة { وما كانوا اذن منظرين } اذن جواب وجزاء لشرط مقدر وهر مركبة من اذ وهو اسم بمعنى الحين ثم ضم اليه ان فصار اذان ثم استثقلوا الهمزة فخذوها فمجيئ لفظة ان دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير وما كانوا اذا كان ما طلبوه منظرين والانظار التأخير . والمعنى ولو نزلنا الملائكة ما كانوا مؤخرين بعد نزولهم طرفة عين كدأب سائر الامم المكذبة المستهزئة ومع استحقاقهم لذلك قد جرى علم القضاء بتأخير عذابهم الى يوم القيامة لتعلق العلم والارادة بازديادهم عذابا وبايمان بعد ذراريهم (6/373)
وفى تفسير الكاشفى { ما ننزل الملائكة الا بالحق } مكر بوحى نازل بعذاب : يعنى ملك رابصورت اصل وقتى توانندديدكه بجهت عذاب نازل شوند جنانجه قوم ثمود جبريل رادرزمان صيحه ديدند يا بوقت مرك جنانجه همه كس مى بينند { وما كانوا اذن } ونباشند آن هنكام كه ملائكه را بدين صزرت فرستيم { منظرين } از مهلت داد كان يعنى فى الحال معذب شوند ]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)
{ انا نحن } لعظم شأننا وعلو جنابنا ونحن ليست بفصل لانها بين اسمين وانما هى مبتدأ كما فى الكواشى { نزلنا الذكر } ذلك الذكر الى انكروه وانكروا نزوله عليك ونسبوك بذلك الى الجنون وعموا منزله حيث بنوا الفعل للمفعول ايماء الى انه امر لا مصدر له وفعل لا فاعل له (6/374)
قال الكاشفى [ وذكر بمعنى شرف نيزمى آيد يعنى اين كتاب موجب شرف خوانند كانست ] يعنى فى الدنيا والآخرة كما قال تعالى { بل اتيناهم بذكرهم } اى بما فيه شرفهم وعزهم وهو الكتاب { وانا له لحافظون } فى كل وقت من كل ما لا يليق به كالطعن فيه والمجادلة فى حقيته والتكذيب له والاستهزاء به والتحريف والتبديل والزيادة والنقصان ونحوها واما الكتل المتقدمة فلما لم يتول حفظها واستحفظها الناس تطرق اليها الخلل
وفى التبيان او حافظوا له من الشياطين من وساوسهم وتخاليطهم : يعنى [ شيطان نتواندكه دروجيزى ازباطل بيفزايد يا جيزى از حق كم كند ]
قال فى بحر العلوم حفظه الله بالصرفة على معنى ان الناس كانوا قادرين على تحريفه ونقصانه كما حرفوا التوراة والانجيل لكن الله صرفهم عن ذلك او بحفظ العلماء وتصنيفهم الكتب التى صنفوها فى شرح الفاظه ومعانيه ككتب التفسير والقراآت وغير ذلك : وفى المثنوى
مصطفى را وعده كرد الطاف حق ... كر بميرى تونميرد اين سبق
من كتاب معجزت را رافعم ... بيش وكم كن را زقرآن مانعم
من ترا اندر دو عالم حافظهم ... طتعنانرا از حديثت دافعم
كس نتاند بيش وكم كردن درو ... تو به ازمن حافظى ديكر مجو
رونقت را روز افزون كنم ... نام توبر زر و بر نقره زنم
منبر ومحراب سازم بهرتو ... در محبت قهر من شد قهرتو
جاكرانت شهرها كيرند وجاه ... دين توكيرد زماهى تابماه
تا قيامت باقيش داريم ما ... تومترس از نسخ دين اى مصطفى
وعن ابى هريرة ال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ان الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها » ذكره ابن داود فى سننه
وفيما ذكر اشارة الى ان القرآن العظيم ما دام بين الناس لا يخلو وجه الارض عن المهرة من العلماء والقراء والحفاظ -روى- « انه يرفع القرآن فى آخر الزمان من المصاحف فيصبح الناس فاذا الورق ابيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة ثم يرجع الناس الى الاشعار والا عانى واخبار الجاهلية » كما فى فصل الخطاب
فعلى العاقل التمسك بالقرآن وحفظه نظما ومعنى فان النجاة فيه وفى الحديث « من استظهر القرآن حفف عن والديه العذاب وان كانا مشركين » وفى حديث آخر « اقرأوا القرآن واستظهروه فان الله لا يعذب قلبا وعى القرآن »
وفى حديث آخر « لو جعل القرآن فى اهاب ثم القى فى النار ما احترق » اى من جعله الله حافظا للقرآن لا يحترق (6/375)
وسئل الفرزدق لم يهجوك جرير بالقيد فقال قال لى ابى يوما تعالى فذهبت اثره حتى جئنا الى بادية رأينا من بعيد شخصا يجلس تحت شجرة مشغولا بالعبادة فغير ابى اوضاعه فمشى على مسكنة وذلة فلما قرب منه خلع نعليه وسلم بالخضوع والخشوع عليه وهو لم يلتفت اليه ثم تضرع ثانيا فرفع رأسه ورد سلامه ثم خاطبه ابى بالتواضع اليه وقال هذا ابنى وله قصائد من نفسه فقال مرة قل لابنك تعلم القرآن واحفظه
در قيامت نرسد شعر بفرياد كسى ... كه سراسر سخنش حكمت يونان كردد
كما قال مولانا سيف الذين المنارى وكان من كبار العلماء رأيت لبعضهم كلمات فى الدنيا عالية ثم رأيته حال الرحلة عن الدنيا فى غاية الضعف والتشويش وقد ذهب عنه التحقيقات والمعارف فى ذلك الوقت فان الامر الحاصل بالتعمل والتكلف كيف يستقر حال الهرم والامراض وضعف الطبيعة سيما حال مفارقة الروح قال ثم رجعنا من عنده فبكيت فقال ابى لم تبكى يا بنى ونو عينى قلت لم لا ابكى وقد التفت الى شخص وانت من فضلاء الدهر وفصحائه وهو لم يلتفت اليك اصلا قال اسكت هو امير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله عنه فقلت الآن هو امرنى بحفظ القرآن فقال نعم فعهدت ان احفظه وقيت قدمىّ بالادهم حتى حفظته ثم اطلقت فانظر الى اهتمامه وحفظه
قيل اشتغل الامام زفر رحمه الله فى آخر عمره بتعليم القرآن وتلاوته سنتين ثم مات ورآه بعض شيوخ عصره فى منامه فقال لولا سنتان لهلك زفر
قال الكاشفى [ وكويند ضمير عائد بحضرت رسالت است يعنى نكهبان وييم از مضرت اعدا ] كما قال تعالى { والله يعصمك من الناس }
كر جمله جهانم خصم كردند ... نترسم جون نكهدارم توباشى
زشادى در همه حالم نكنجم ... اكريك لحظه غموخوارم توباشى
والاشارة { انا نحن نزلنا الذكر } فى قلوب المؤمنين وهو قول لا اله الا الله نظيره قوله تعالى { اولئك كتب فى قلوبهم الايمان } وقوله { هو الذى انزل السكينة فى قلوب المؤمنين } فالمنافق يقول لا اله الا الله ولكن لم ينزل الله فى قلبه ولم يحصل فيه الايمان { وانا له لحافظون } اى فى قلوب المؤمنين ولو لم يحفظ الله الذكر والايمان فى قلوب المؤمن لما قدر المؤمن على حفظه لانه ناس
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10)
{ ولقد ارسلنا } اى رسلا وانما لم يذكر لدلالة ما بعده عليه { من قبلك } متعلق بارسالنا { فى شيع الاولين } اى فرقهم واحزابهم جمع شيعة وهى الفرقة المتفقة على طريقة ومذهب سموا بذلك لان بعضهم يشايع بعضا ويتابعه من شايعه اذا تبعه ومنه الشيعة وهم الذين شايعوا عليه وقالوا انه الامام بعد رسول الله واعتقدوا ان الامامة لا تخرج عنه وعن اولاده واضافته الى الاولين من اضافة الموصوف الى صفة عند الفراء والاصل فى الشيع الاولين ومن حذف الموصوف عند البصريين اى فى شيع الامم الاولين ومعنى ارسالهم فيهم جعل كل منهم رسولا فيما بين طائفة منهم ليتابعوه فى كل ما يأتى وما يذر من امور الدين (6/376)
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11)
وما يأتيهم من رسول } اى ما اتى شيعة من تلك الشيع رسول خاص بها { الا كانوا به يستهزئون } كما يفعله هؤلاء الكفرة وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بان هذه عادة الجهال مع الانبياء والجملة فى محل النصب على انها حال مقدرة من ضمير مفعول وفى يأتيهم اذا كان المراد بالاتيان حدوثه او فى محل الرفع على انها صفة لرسول فان محله الرفع على الفاعلية اى الا رسول كانوا به يستهزئون (6/377)
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)
{ كذلك } اى كادخالنا الاستهزاء فى قلوب الاولين { نسلكه } اى ندخل الاستهزاء . والسلك ادخال الشيء فى الشيء كادخال الخيط فى المخيط اى الابرة والرمح فى المطعون { فى قلوب المجرمين } على معنى انه يخلقه ويزينه فى قلوبهم والمراد بالمجرمين مشركوا مكة ومن شايعهم فى الاستهزاء والتكذيب (6/378)
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13)
{ لا يؤمنون به } اى بالذكر وهو بيان للجملة السابقة واختار المولى ابو السعود رحمه الله ان يكون ذلك اشارة الى ما دل عليه الكلام السابق من القاء الوحى مقرونا بالاستهزاء وان يعود ضمير نسلكه به والى الذكر على ان يكون لا يؤمنون به حالا من ضمير نسلكه . والمعنى اى مثل ذلك المسلك الذى سلكناه فى قلوب اولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتب نسلك الذكر فى قلوب المجرمين جال جونها مكذبا غير مؤمن به لانهم كانوا يسمعون القرآن بقراءة النبى صلى الله عليه وسلم فيدخل فى قلوبهم ومع ذلك لا يؤمنون لعدم استعدادهم لقبول الحق لكونهم من اهل الخذلان : قال السعدى قدس سره (6/379)
كسى را كه بندار در سر بود ... مبندار هر كزكه بشنود
زعلمش ملال آيد ازوعظ ننك ... شقائق بباران نرويد ز سنك
قال سعدى المفتى مكذبا اى حال الالقاء من فير توقف كقوله تعالى { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } اى فى ذلك الزمان من غير توقف وزتفكر فلا حاجة الى جعلها حالا مقدرة اى كما فعله الطيبى
وفى التأويلات النجمية { كذلك نسلكه } اى الكفر { فى قلوب المجرمين لا يؤمنون به } بواسطة جرمهم فان الجرم يسلك الكفر فى القلوب كما يسلك الايمان بالعمل الصالح فى القلوب نظيره { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون الا قليلا } { وقد خلت سنن الاولين } اى قد مضت طريقتهم التى سنها الله فى اهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء : يعنى [ هركه ازايشان هلاك شده بترك قبول حق وتكذيب رسل بوده ] وفيه وعيد لاهل مكة على استهزائهم وتكذيبهم
نه هر كز شنيدم درين عمر خويش ... كه برمردرا نيكى آمد به بيش
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)
{ ولو فتحنا عليهم } اى على هؤلاء المقترحين المعاندين الين يقولون لوما تأتينا بالملائكة { بابا من السماء } اى بابا ما لا بابا من ابوابها المعهودة كما قيل ويسرنا لهم الرقى والصعود اليه { فظلوا } (6/380)
قال فى بحر العلوم الظلول بمعنى الصيرورة كما يستعمل اكثر الافعال الناقصة بمعناها اى فصاروا { فيه } اى فى ذلك الباب { يعرجونؤ يصعدون بآلة او بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عيانا او فضل الملائكة يصعدون وهم يشاهدونهم . ويقال ظل يعمل كذا اذا عمله بالنهار دون الليل . فالمعنى فظل الملائكة الذين اقترحوا اتيانهم يعرجون فى ذلك الباب وهم يرونه عيانا مستوضحين طول نهارهم كما قال الكاشفى [ بس باشند همه روزفرشتكان در نزر ايشان دران بالا ميروند وازان در زير مى آيند ]
لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
{ لقالوا } لغاية عنادهم وتشكيكهم فى الحق { انما سكرت ابصارنا } اى سدت من باب الاحساس : يعنى [ اين صورت در خارج وجود ندارد ] (6/381)
قال فى القاموس قوله تعالى { سكرت ابصارنا } اى حبست عن النظر وحيرت او غطيت وغشيت
وفى تهذيب المصادر السكر [ بند بستن ] كما قال الكاشفى [ جزين نيست كه برسته اند جشمهاى مارا و خيره ساخته ] { بل نحن قوم مسحورون } قد سحرنا محمد كما قالوا عند ظهور سائر الآيات الباهرة كما قال تعالى حكاية عنهم { ويقولوا سحر مستمر } تلخيصه لو اتوا بما طلبوا لكذبوا لتماديهم فى الجحود والعناد وتناهيهم فى ذلك كما فى الكواشى . وفى كلمتى الحصر والاضراب دلالة على انهم يبتون القول بذلك وان ما يرونه لا حقيقة له وانما هو امر خيل اليهم بنوع من السحر قالوا انما تفيد الحصر فى المذكور آخرا فيكون الحصر فى الابصار لا فى التسكير فكأنهم قالوا سكرت ابصارنا لا عقولنا فنحن وان نتخايل بابصارنا هذه الاشياء لكنا نعلم بقولنا ان الحال بخلافه ثم قالوا بل نجن كأنهم اضربوا عن الحصر فى الابصار وقالوا بل جاوز ذلك الى عقولنا بسحر سحره لنا
اى رسول ماتو جادو نيستى ... آنجنانكه هيج مجنون نيستى
واعلم ان السحر من خرق العادة قد يصدر من الاولياء فيسمى كرامة وقد يصدر من اصحاب النفوس القوية من اصل الفطرة وان لم يكونوا اولياء وهم على قمسين اما خير بالطبع او شرير والاول ان وصل الى مقام الولاية فهو ولىّ وان لم يصل فهو من الصلحاء المؤمنين والمصلحين والثانى خبيث ساحر ولكل منهما التصرّف فى العالم الشهادى بحسب مساعدة الاسباب المهيأة لهم فان ساعدتهم الاسباب الخارجية استولوا على اهل العالم كالفراعنة من السحرة وان لم تساعدهم ليس لهم ذلك الا بقدر قوّة اشتغالهم باسبابهم الخاصة والسحر لا بقاء له بخلاف المعجزة كالقرآن فانه باق على وجه كل زمان والسحر يمكن معارضته بخلافها ولا يظهر السحر الا على يد فاسق وكذا الكهانة والضرب بالرمل والحصى ونحو ذلك والضرب بالحصى هو الذى يفعله النساء ويقال له الطرق وقيل الخط فى الرمل واخذ العوض عليه حرام كما فى فتح القريب
قال الشيخ صلاح الدين الصفدى فى كتاب اختلاف الائمة السحر رقى وعزائم وعقد تؤثر فى الابدان والقلوب فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه وله حقيقة عند الائمة الثلاثة
وقال الامام ابو حنيفة لا حقيق له ولا تأثير له فى الجسم وبه قال جعفر الاسترابادى من الشافعية وتعلمه حرام بالاجماع وكذا تعلم الكهانة والشعبذة والتنجيم والضرب بالشعير واما المعزم الذى يعزم على المصروع ويزعم انه يجمع الجن وانها تطيعه فذكره اصحابنا فى اسلحرة -روى- عن الامام احمد انه توقف فيه وسئل سعيد بن المسيب عن الرجل الذى يؤخذ عن امرأته ويلتمس من يداويه فقال انما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع فان استطعت ان تنفع اخاك فافعل انتهى ما فى اختلاف الائمة باختصار وكون السحر اشراكا مبنى على اعتقاد التأثير منه دون الله والتطير والتكهن والسحر على اعتقاد التأثير كفر فعلى الاول معنى قوله عليه السلام
« ليس منا من تطير او تطير له او تكهن او تكهن له او سحر او سحر له » انهى كافر وعلى الثانى ليس من اهل سنتنا وعامل طريقتنا ومستحق شفاعتنا واما تعليق التعويذ وهو الدعاء المجرب او الآية المجربة او بعض اسماء الله تعالى لدفع البلاء فلا بأس ولكن ينزعه عند الخلاء والقربان الى النساء كذا فى التاتارخانية وعند البعض يجوز عدم النزع اذا كان مستورا بشيء والاولى النزع كذا فى شرح الكردى على الطريقة (6/382)
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16)
{ ولقد جعلنا } الجعل هنا بمعنى الخق والابداع . والمعنى بالفارسية [ وبدرستى كه ما آفرديم وبيدا كرديم ] { فى السماء } متعلق بجعلنا { بروجا } قصورا ينزلها السيارات السبع فى السموات السبع كما اشار فى نصاب الصبيان على الترتيب بقوله (6/383)
هفت كوكب هست كيتى را ... كاه ازيشان مدار وكاه خلل
قمرست وعطارد وزهره ... شمس ومريخ ومشترى وزحل
وهى البروج الاثنا عشر المشهورة المختلفة الهيأت والخواص واسماؤها الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت وقد بسطنا القول فى البروج والمنازل فى اوائل سورة يونس فليراجع ثمة وانما سميت البروج التى هى القصور المرفوعة لانها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البرج من التبرج لظهورها
وفى شرح التقويم البرج فى اللغة الحصن وغاية الحصن المنع عن الدخول والوصول الى ما فيه ويقسم دور الفلك ويسمى كل قسم منها برجا طول كل واحد ثلاثون درجة وعرضه مائة وثمانون من القطب الى القطب وكل ما يقع فى كل قسم يكون فى ذلك البرج ولما كانت هذه الاقسام المتوهمة فى الفلك كالموانع عن تصرفات اشخاص العالم السفلى فيما فيها من الانجم وغيرها كما اشير اليه فى الكتاب الهى بقوله { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } اعتبر المناسبة وسميت بالبروج { وزيناها } اى السماء بتلك البروج المختلفة الاشكال والكواكب سيارات كانت او ثوابت وسميت السيارة لسرعة حركاتها وسميت الثابتة بالثوابت اما لثبات اوضاعها ابدا واما لقلة حركاتها الثابتة وغاية بطئها فان السماويات ليست بساكنة وحركات الثوابت على رأى اكثر المتأخرين درجة واحدة فى ست وستين سنة شمسية وثمان وستين سنة قمرية فيتم برجا فى الفى سنة ودورة فى اربعة وعشرين الف سنة وتسمى الثوابت بالكواكب البيابانية اذ يهتدى بها فى الفلاة وهى البيابان بالعجمية والكواكب الثابتة باجمعها على الفلك الثامن وهو الكرسى وفوقه الفلك الاطلس اى فلك الافلاك وهو العرش سمى بالاطلس لخلوه عن الكواكب بالعرض اذ كل منها مركوز فى الفلك كالكرة المنغمسة فى الماء والكواكب التى ادركها الحكماء بارصادهم الف وتسعة وعشرون فمنها سيارة ومنها ثوابت والكل مما ادركوا وما لم يدركوا زينة السماء كما ان فى الارض زينة لها { للناظرين } لكل من ينظر اليها فمعنى التزيين ظاهر او للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها فتزيينها ترتيبها على نظام بديع مستتبع للآثار الحسنة وتخصيصهم لانهم هم المنتفعون بها واما غيرهم فنظرهم كلا نظر قال السعدى قدس سره
دوجشم از بى صنع بارى نكوست ... زعيب برادر فرو كير ودوست
غبار هوا جسم عقلت بدوخت ... سموم هواكشت عمرت بسوخت
بكن سرمه غفلت از جشم باك ... كه فردا شوى سرمه در جشم خاك
وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17)
{ وحفظناها } اى السماء { من كل شيطان رجيم } مرمى بالنجوم فلا يقدر ان يصعد اليها ويوسوس فى اهلها ويتصرف فى اهلها ويقف على احوالها فيلاحظ فى الكلام معنى الاضافة اذ الحفظ لا يكون من ذات الشيطان وفى كلمة ههنا دلالة على ان اللام فى الشيطان الرجيم فى الاستعاذة لاستغراق الجنس كما فى بحر العلوم (6/384)
وقال بعضهم هل المراد فى الاستعاذة كل شيطان او القرين فقط الظاهر انه فى حقنا القرين قال الله تعالى { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } وفى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ابليس اما نحن فلان الانسان لا يؤذيه من الشياطين الا ما قرن به وما بعد فلا يضر شيأ
والعاقل لا يستعيذ مما لا يؤذيه واما الرسول عليه السلام فلانه لما قيل له ولا انت يا رسول الله قال « ولا انا ولكن الله تعالى اعاننى عليه حتى اسلم فلا يأمرنى الا بخير » فاذا كان قرينه عليه السلام قد اسلم فلا يستعيذ منه فالاستعاذة حينئذ من غيره وغيره يتعين ام يكون ابليس او اكابر جنوده لانه قد ورد فى الحديث « ان عرش ابليس على البحر الاخضر وجنوده حوله واقربهم اليه اشدهم بأسا ويسأل كلا منهم عن عمله واغوائه ولا يمشى هو الا فى الامور العظام » والظاهر ان امر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اهم المهمات عنده فلا يؤثر به غيره من ذريته
يقول الفقير انما يستعيذ عليه السلام من الشيطان امتثالا للامر الالهى لا غير اذ لا تسلط على افراد امته المخلصين بالفتح فضلا عن التسلط عليه وهو آيس من وسوسته صلى الله عليه وسلم لانه يحترق من نوره عليه السلام فلا يقرب منه واما قوله تعالى { واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ففرض وتقدير وتشريع وكذا قوله تعالى { ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ففرض وتقدير وتشريع وكذا قوله تعالى { ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون } لا يدل على وقوع المس فى حق كل متق بل يكفى وجوده فى حق بعض افراد الامة فى الجملة ولئن سلم كما يدل عليه قوله تعالى { وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبى الا اذا تمنى القى الشيطان فى امنيته } اى اذا قرأ وناجى القى الوسوسة فى قراءته ومناجاته فهو يعلم انه عليه السلام لا يعمل بمقتضى وسوسته لانه نفسه اخرج المخلصين بالفتح من ان يتعرض لهم اغواء او يؤثر فيهم وسوسة ولا مانع من الاستعاذة من كل شيطان سواء كان مؤذيا ام لا اذ عداوته القديمة لبنى آدم مصححة لها ومن نصب نفسه للعداوة فاولاده تابعة له فى ذلك وقد ذكروا ان لوسوسته اليوم فى قلوب جميع اهل الدنيا حالة واحدة وهو كقبض عزرائيل عليه السلام والارواح من بنى آدم وهى فى مواضع مختلفة فى كل مكان واحد
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18)
{ الا من استرق السمع } محله النصب على انه استثناء متصل لان المسترق من جنس الشيطان الرجيم اى ان فسر الحفظ بمنع الشياطين عن التعرض لها على الاطلاق والوقوف على ما فيها فى الجملة او منقطع اى ولكن من استرق السمع ان فسر ذلك بالمنع عن دخولها او التصرف فيها والاستراق افتعال وبالفارسية [ بدزديدن ] والمسترق المستمع مختفيا كما فى القاموس والسمع بمعنى المسموع كما قال الكاشفى [ بدزدد سخنى مسموع ] واستراق السمع اختلاسه سرا شبه به خطفتهم اليسيرة من قطاع السموات لما بينهم من المناسبة فى الجوهر { فاتبعه } اى تبعه ولحقه وبالفارسية [ بس از بى در آيدش وبدو رسد وبسوزدش ] قال ابن الكمال الفرق قائم بين تبعه واتبعه يقال اتبعه اتباعا اذا طلب الثانى اللحوق بالاول وتبعه تبعا اذا مر به ومضى معه { شهاب } لهب محترق وهى شعلة نار ساطعة { مبين } ظاهر امره للمبصرين ومما يجب التنبه له ان هذا حكاية فعل قبل النبى صلى الله عليه وسلم وان الشياطين كانت تسترق فى بعض الاحوال قبل ان يبعثه الله فلما بعض رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الانس والجن ومنع الاستراق رأسا وبالكلية (6/385)
مهى برآمد وبازار تيركى بشكست ... كلى شكفت وهياهوى خار آخر شد
ويعضده ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات ولما ولد محمد عليه السلام منعوا من السموات كلها بالشهب وما يوجد اليوم من اخبار الجن على ألسنة المخلوقين انما هو خبر منهم عما يرونه فى الارض مما لا نراه نحن كسرقة سارق او خيبة فى مكان خفى ونحو ذلك وان اخبروا بما سيكون مكان كذبا كما فى آكام المرجان
وفى الحديث « ان الملائكة تنزل الى العنان فتذكر الامر الذى قضى فى السماء فيسترق الشيطان السمع فيوحيه الى الكهان فيكذبون مائة كذبة من عند انفسهم » وفى بعض التفاسير ان الشياطين كانوا يركب بعضهم بعضا الى السماء الدنيا او كان الشيطان المارد يصعد ويكون الآخر اسفل منه فاذا سمع قال للذى هو اسفل منه قد كان من الامر كذا وكذا فيهرب الاسفل لاخبار الكهنة ويرمى المستمع بالشهاب فهم لا يرمون بالكواكب نفسها لانها قارة بالفلك على حالها وما ذاك الا كقبس يؤخذ من نار والنار ثابتة كاملة لا تنقص فمنهم من يحرق وجهه وجبينه ويده وحيث يشاء الله ومنهم من يحرق وجهه وجبينه ويده وحيث يشاء الله ومنهم من يبخل اى يفسد عقله حتى لا يعود الى الاستماع من السماء فيصير غولا فيضل الناس فى البوادى ويغتالهم اى يهلكهم ويأخذهم من حيث لم يدروا
قال ابن الاثير فى النهاية الغول احد الغيلان وهى جنس من الجن والشيطان وكانت العرب تزعم ان الغول فى الفلاة تترا اى الناس فتتلون تلونا فى صور شتى تضلهم عن الطريق وتهلكهم انتهى (6/386)
وفيه اشارة الى ان وجود الغول لا ينكر بل المنكر تشكلهم باشكال مختلفة واهلاكهم بنى آدم وهو مخالف لما سبق آنفا من التفاسير اللهم الا ان يراد ان ذلك قبل بعثة للنبى عليه السلام وقد ابطله عليه السلام بقوله « لأغول ولكن السعالى » اى لا يستطيع الغول ان يضل احدا فلا معنىى للزعم المذكور . والسعالى بالسين المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن جمع سعلاة بالكسر ولكن فى الجن سحرة تتلبس وتتخيل لهم
قال فى انوار المشارق والذى ذهب اليه المحققون ان الغول شيء يخوف به ولا وجود له كما قال الشاعر
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... اسماء اشياء لم توجد ولم تكن
وتزعم العرب انه اذا انفرد فى الصحراء ظهرت له فى خلقة انسان ورجلاها رجلا حمار انتهى
واما قول صاحب المثنوى قدس سره
ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز ... جشم نركس را ازين كركس بدوز
فيشير الى الشياطين الخبيثة المفسدة بل الى كل مضل عن طريق الحق على سبيل التشبيه وفائدة الذكر كونه دافعا لوساوسه لانه اذا ذكر الله خنس الشيطان اى تأخر ولعل المراد والله اعلم ان الجن ليس بهم دماغ كادمغة بنى آدم فلا تحمل لهم على استماع الصوت الجهورى الشديد فالذاكر اذا رفع صوته بالذكر طرد عن نفسه الشيطان واحرقه بنور ذكره وافسد عقله بشدة صوته وشهاب نفسه المؤثر
ذكر ابو بكر الرازى ان التكبير جهرا فى غير ايام التشريق لا يسن الا بازاء العدو واللصوص تهيبا لهم انتهى
يقول الفقير لما كان اعدى العدو هى النفس واشد اللصوص والسراق هو الشيطان اعتاد الصوفية بجهر الذكر فى كل زمان ومكان تهيبا لهما وطردا لوسوستهما والقاآتهما
والعاقل لا يستريب فيه اصلا ولا يصيخ الى قول المنكر رأسا
وقال محمد بن طلحة فى العقد الفريد قد اختار الحكماء للسلطان جهارة الصوت فى كلامه ليكون اهيب لسامعيه واوقع فى قلوبهم انتهى
وفيه اشارة الى ان الروح مع القوى والاعضاء كالسلطان مع الاتباع والرعايا فما هو ملتزم فى الآفاق ملتزم فى الانفس الا ان ترتفع الحاجة والضرورة بانه اوقع المكالمة مع الندماء ليكون المقام مقام الانبساط وقس عليه حال اهل الشهود والوصول الى الله والحصول عنده بحيث ما غابوا لحظة
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)
{ والارض } نصب على الحذف على شريطة التفسير { مددناها } بسطناها ومهدناها للسكنى . وبالفارسية [ وزمين را باز كشيدم برروى آب ازز يرخانه كعبه ] عن ابى هريرة رضى الله عنه خلقت الكعبة اى موضعها قبل الارض بالفى سنة كانت خشفة على الماء عليها ملكان يسبحان الله فلما اراد الله ان يخلق الارض دحاها منها اى بسطها فجعلها فى وسط الارض (6/387)
وفى بعض الآثار الله سبحانه وتعالى قبل ان يخلق السموات والارض كان عرشه على الماء اى العذب فلما اضطرب العرش كتب عليه لا اله الا الله محمد رسول الله فسكن فلما اراد ان يخلق السموات والارض ارسل الريح على لذك الماء فتموج فعلاه دخان فخلق من ذلك الدخان السموات ثم ازال ذلك الماء عن موضع الكعبة فيبس . وفى لفظ ارسل على الماء ريحا هفافة فصفقت الريح الماء اى ضرب بعضه بعضا فابرز عنه خشفة بالخاء المعجمة وهى حجارة يبست بالارض فى موضع البيت كأنها قبة وببسط الحق سبحانه من ذلك الموضع جميع الارض طولها وعرضها وهى اصل الارض وسرتها اى وسط الارض المعمورة المسكونة واما وسط الارض عامرها وخرابها فقبة الارض وهو مكان معتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ومستوفية الليل والنهار ابدا
واعلم ان من الامكنة الارضية ما يلحق بعالم الجنان كمكة والمدينة وبيت المقدس والمساجد والبقاع للعبودية خصوصا ما بين قبر النبى عليه السلام ومنبره روضة من رياض الجنة ومن دخله وزاره بالاعتقاد الخالص والنية الصادقة كان آمنا من المكاره والمخاوف فى الدنيا والآخرة
اين جه زمين است كه عرش برين ... رشك برد باهمه رفعت بدين
جونكه نيم محرم ديوار تو ... مى نكرم بردر وديوار تو
آنكه شرف يافت بديدار تو ... جان جه بودتا كند ايثار تو
{ والقينا فيها رواسى } اى جبالا ثوابت لولا هى لمارت فلم يستقر له احد على ظهرها يقال رسا رسوا ورسّوا ثبت كأرسى شبه الجبال الرواسى استحقارا لها واستقلالا لعددها وان كانت خلقا عظيما بحصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن وما هو الا تصوير لعظمته وتمثيل لقدرته وان كل فعل عظيم يتحير فيه الاذهان فهو هين عليه . والمعنى وجعلنا فى الارض رواسى بقدرتنا الباهرة وحكمتنا البالغة وذلك بان قال لها كونى فكانت فاصبحت الارض وقد ارسيت بالجبال بعد ان كانت تمور مورا فلم يدر احد مم خلقت وعدد الجبال سوى التلول ستى آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون على ما فى زهرة واول جبل نصب على وجه الارض ابو قبيس وهو جبل بمكة وافضل الجبال على ما قاله السيوطى احد بضمتين وهو جبل بالمدينة لقوله عليه السلام « احد يحبنا ونحبه » وكان مهبط عليه السلام بارض الهند بجبل عال يراه البحريون من مسافة ايام وفيه اثر قدم آدم مغموسة فى الحجر ويرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد له فى كل يوم مم مطر يغسل قدمى ادم وذروة هذا الجبل اقرب ذرى جبال الارض الى السماء كما فى انسان العيون ويضاف هذا الجبل الى سرنديب وهو بلد بالهند والجبال خزائن الله فى ارضه لمنافع عياده وانها بمنزلة الرجال فى الاكوان يقال للرحال الكامل جبل -حكى- ان بعض الاولياء رأى مناما فى الليلة التى هلك فيها رجال بغداد على يد هولا كوخان ان جبال العراقين ذهبت من وجه الأرض بهبوب الرياح المظلمة على بغداد فوصل الخبر ان هولا كوخان قد دخل مدينة بغداد فى تلك الليلة وقتل من الاولياء والعلماء والصلحاء والامراء وسائر الناس ما لا يحصى عددا
سر كشته بودخواه ولى خواه نبى ... دروادى ما أدرى ما يفعل بى (6/388)
وفى التأويلات النجمية والارض مددناها اى ان ارض البشرية تميد كنفس الحيوانات الى ان ارساها الله بجبال العقل وصفات القلب
كشتى بى لنكر آمد مردشر ... كه زباد كرنمى يابد حذر
لنكر عقلست عاقل رامان ... لنكرى دربوزه كن ازعاقلان
{ وانبتنا فيها } اى فى الارض لان الفواكه الجبلية غير منتفع بها فى الاكثر اولان الارض تغمها قالها لما القيت فيها صارت منها { من كل شئ موزون } بميزان الحكمة ذاتا وصفة ومقدارا اى مستحسن مناسب من قولهم كلام موزون . يعنى [ برويانيديم اززمين جيزهاى نيكو مشتمل بر منافع كلية ازاشجار ومزروعات باآنكه وزن كنند وبه بيمانند ]
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)
{ وجعلنا لكم فيها معايش } بالياء التصريحية لنه من العيش فالياء اصلية فوجب تصريحا وهو جمع معيشة اى ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرها مما يتعلق به البقاء { ومن لستم له برازقين } [ روزى دهند كان ] وهو عطف على معايش كأنه قيل جعلنا لكم معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب وما اشبهها على طريقة التغليب وذكرهم بهذا العنوان لرد حسبانهم انهم يكفون مؤوناتهم ولتحقيق ان الله تعالى هو الذى يرزقهم واياكم او عطف على محل لكم وهو النصب كأنه قيل وجعلناكم معايش ولمن بستم له برازقين فيكون من عطف الجار والمجرور على الجار والمجرور (6/389)
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)
{ وان من شئ } اى ما من شئ من الاشياء الممكنة { الا عندنا } يعنى [ در تحت فرماننا ] { خزائنه } جمع خزانة بمعنى المخزن وهى ما يحفظ فيه نفائس الاموال لا غير غلب فى العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن ارزاق الناس شبهت مقدوراته تعالى فى كونها مستورة عن علوم العالمين ومصونة من وصول ايديهم مع كمال افتقارهم اليها ورغبتهم فيها وكونها مهيأة منأتية لايجاده وتكوينه بحيث متى تعلقت الارادة بوجودها وجت بلا تأخير بنفائس الاموال المخزونة فى الخزائن السلطانية فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية (6/390)
يقول الفقير سمعت من حضرة شيخى وسندى قدس سره ان الاشارة بالخزائن الى الاعيان الثابتة فلا يفيض شئ الا من الاعيان الثابتة وعلم الله تابع المعلوم وما يقتضيه من الاحوال فما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون { وما ننزله } اى ما نوجد وما نكون شيأ من تلك الاشياء ملتبسا بشئ من الاشياء { الا بقدر معلوم } اى لا ملتبسا بمقدار معين يقتضيه الحكمة ويستدعيه المشيئة التابعة لها
وفى الكواشى وما نوجده مع كثرته وتمكننا منه الا بحد محسوب على قدر المصلحة . وبالفارسية [ مكر باندازه دانسته شده كه كم از ان شايدونه زياده بران بايد ] وحيث كان انشاء ذلك بطريق التفضل من العالم العلوى الى العالم السفلى كما فى قوله تعالى { وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج } وكان ذلك بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل
وفى تفسير ابى الليث { وان من شئ الا عندنا خزائنه } اى مفاتيح رزقه ويقال خزائن المطر { وما ننزله } اى المطر { الا بقدر معلوم } يعنى بكيل ووزن معروف
قال ابن عباس رضى الله عنها يعنى يعلمه الخزان الا يوم الطوفان الذى اغرق الله فيه قوم نوح فانه طغى على خزانه وكثر فلم يحفظوا ما خرج منه يومئذ اربعين يوما
وفى بحر العلوم وما من شئ ينتفع به العباد الا ونحن قادرون على ايجاده وتكوينه والانعام باضعاف ما وجد وما نعطيه الا بمقدار فعلم ان ذلك خير لهم واقرب الى جمع شملهم او بتقدير علمنا انهم يسلمون معه من المضرة ويصلون الى المنفعة ولو بسط اللع الرزق لعباده لبغوا فى الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء انه بعباده خبير بصير
وفى التاويلات النجمية ان لكل شئ خزائن مختلفة مناسبة له كما لو قدرنا شيأ من الاجسام فله خزانة لصورته وخزانة لاسمه وخزانة لمعناه وخزانة للونه وخزانة لرائحته وخزانة لطعمه وخزانة لطبعه وخزانة لخواصه وخزانة لاحواله المختلفة الدائرة عليه بمرور الايام وخزانة لتفعه وضره وخزانة لظلمته ونور وخزانة لملكوته وغير ذلك وهو خزانة لطف الله وقهره وما من شئ الا وفيه لطف الله وقهره مخزون وقلوب العباد خزائن صفات الله تعالى باجمعها وما ننزل شيأ مما فى خزائنه الا بقدر ما هو فى الازل لحكمتنا البالغة المقتضية لايجاده وانزاله
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)
{ وارسلنا الرياح لواقح } حال مقدور جمع ريح لاقح اذا اتت بسحاب ماطر من لقحت الناقة تلقح حبلت والقحها الفحل اذا احبلها وحماهل الماء فكان الريح حملت الماء وحملته السحاب فشبهت الريح التى تجيء بالخير من انشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه بالعقيم ما لا يكون كذلك (6/391)
وقال ابو عبيدة لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة لانها تلقح السحاب والاشجار بان تقويها وتنميها الى ان يخرج ثمرها وقيل بان تجرى الماء فيها حتى تهتز وتخرج الزهر
قالوا الرياح للخير والريح للشر لقوله عليه السلام « اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » واما قوله تعالى { وجرين بهم بريح طيبة } فقد جاء فيه الريح المفردة بمعنى الخير ولانفع باعتبار قيدها لاعتبار اطلاقها
وقال محمد بن على رضى الله عنه ما هبت ريح ليلا ونهارا الا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعد وقال « اللهم ام كان بك اليوم سخط على احد من خلقك بعثتها تعذيبا له فلا تهلكنا فى الهالكين وان كنت بعثتها رحمة فبارك لنا فيها » فاذا قطرت قطرة قال « رب لك الحمد ذهب السخط ونزلت الرحمة »
قال مطرف رحمه الله لو حبست الريح عن الناس لانتن ما بين السماء والارض { فانزلنا } بعدما انشأنا بتلك الرياح سحابا ماطرا { من السماء } من جانب العلو فان كل ما علاك وهو ظاهر هناك لا الفلك { ماء } اى بعض الماء كما يفيده التنكير فانه معلوم عند الناس علما يقينيا انه لم ينزل من السماء الماء كله بل قدر ما يصلون به الى المنفعة ويسلمون معه من المضرة { فاسقيا كموه } اى جعلنا المطر لكم سقيا تشربونه وتسقونه المواشى والضياع . وبالفارسية [ بس بخوارانيديم شمارا آن آب وتصرف داديم دران ] وسقى واسقى واحد
قال فى الارشاد هو ابلغ من سقيناكموه لما فيه من الدلالة على جعل الماء معدا لهم يرتفقون به متى شاؤا وهى اطول كلمة فى القرآن وحروفها احد عشر وحروف انلزمكموها عشرة { وما انتم له } اى للمطر المنزل { بخازنين } اى نحت القادرون على ايجاده وخزنه فى السحاب وانزاله وما انتم على ذلك بقادرين . وقيل ما انتم بخازنين له بعدما انزلناه فى الغدران والآبار والعيون بل نحن نخزن فى هذه المخازن ونحفظ فيها لنجعلها سقيا لكم مع ان طبيعة الماء تقتضى الغور وهو بالفارسية [ فروشدن آب درزمين امام ما تريدى در تأويلات فرموده كه نبستند شمامر خدايرا خزينه داران يعنى خزاين او دردست شمانيست زآنجه شما خزينه نهيد همه ازان اوست ]
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)
{ وانا لنحن نحيى } بايجاد الحياة فى بعض الاجسام القابلة لها وتقديم الضمير للحصر وهو اما تأكيد للاول او مبتدأ خبره الفعل والجملة خبر لانا ولا يجوز كونه ضمير الفصل لانه يقع بين الاسمين { ونميت } باعدامها وازالتها عنها وقد يعم الاحياء والاماتة لما يشمل الحيوان والنبات والله تعالى يحيى الارض بالمطر ايام الربيع ويميتها ايام الخريف ويحيى بالايمان ويميت بالكفر [ در لطائف قشيرى مذكوراست كه زندكى ميدهيم دلهارا بانوار مشاهده ومى ميانيم نفوس را درنار مجاهده يازنده نى سازيم بمواقت كاعات ومرده مى كردانيم بمتابعت شهوات ] (6/392)
ومن مقالات حضرة الشيخ الاكبر لولده صدر الدين القنوى قدس الله سرهما وكم قتلت واحييت من الاولاد والاصحاب ومات من مات وقتل من قتل ولم يحصل له ما حصل وهو شهود تجلى الذات الدائم الابدى الذى لا حجاب بعده ولا مستقر للكمل دونه فقال صدر الدين يا سيدى الحمد لله على اختصاصى بهذه الفضيلة اعلم انك تحيى وتميت وتفصيله فى شرح الفصوص
قال الامام الغزالى رحمه الله معنى المحيى والمميت الموجد ولكن الوجود اذا كان هو الحياة سمى فعله احياء واذا كان هو الموت سمى فعله اماتة ولا خالق للموت والحياة الا الله فمرجع هذين الاسمين الى صفات الفعل { ونحن الوارثون } قيل للباقى وارث الميت لانه يبقى بعد فنائه . فالمعنى ونحن الباقون بعد فناء الخلق جميعا المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك الجازى الحاكمون فى الكل اولا وآخرا وليس لهم الا التصرف الصورى والملك المجازى وفيه تنبيه على ان المتأخر ليس بوارث للمتقدم كما يترا أى من طاهر الحال والمكاشفون المشاهدون المعاينون يرون الامر الآن على ما هو عليه من العدم فان قيامة العارفين دائمة فهم سامعون الآن من الله تعالى من غير حرف ولا صوت نداء لمن الملك اليوم موقنون بان الملك لله الواحد القهار فى كل يوم وفى كل يوم وفى كل ساعة وفى كل لحظة
وفى التأويلات النجمية { وانا لنحن نحيى } قلوب اوليائنا بانوار جمالنا { ونميت } نفوسهم بسطوة نظرات جلالنا { ونحن الوارثون } بعد افناء وجودهم ليبقوا ببقائنا : وفى المثنوى
بشه آمد از حديقه وزكياه ... وز سليمان كشته بشه داد خواه
كاى سليمان معدلت مى كسترى ... بر شياطين وآدمى زادة وبرى مشكلات هر ضعيفى از توحل
بشه باشد در ضعيفى خود مثل داد در مارا ارين غم كن جدا ... دست كيراى دست تو دست خدا بس سليمان كفت اى انصاف وجو
داد وانصاف ازكه ميخواهى بكو كيست آن ظالم كه ازباد بروت ... ظلم كرست وخرا شيده است روت كفت بشه داد من ازدست باد
كو دودست ظلم مارا بركشاد بانك زد آن شه كه اى باد صبا ... بشه افغان كرد از ظلمت بيا هين مقابل شو نوبا خصم وبكو
باسخ خصم وبكن دفع عدو باد جون بشنيد آمد تيز تيز ... بشه بكرفت آن زمان راه كريز بس سليمان كفت اى بشه كجا
باش تابرهر دورانم من قضا كفت اى شه مرك من ازيود اوست ... خودسياه اين روز من ازدوداوست او جون آمد من كجا يابم قرار
كو برآرد ازنهار من دمار همجنين جوياى دركاه خدا ... جون حدا آمد شود جوينده لا
كرجه آن وصلت بقا اندر بقاست ... ليك زاول ان بقا اندر فناست
سايهايى كه بود جوياى نور ... نيست كردد جون كند نورش ظهور
عقل كى ماند جو باشد سرده او ... كل شيء هالك الا وجهه
هالك آمد بيش وجهش هست ونيست ... هست اندر نيستى خود طرفه ايست
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)
{ ولقد علمنا المستقدمين منكم } استقدم بمعنى تقدم اى من تقدم منكم ولادة وموتا يعنى الاولين من زمان آدم الى هذا الوقت { ولقد علمنا المستأخرين } استأخر بمعنى تأخر اى من تأخر منكم ولادة وموتا يعنى الآخرين الى يوم القيامة ام من تقدم فى الاسلام والجهاد وسبق الى الطاعة ومن تأخر فى ذلك لا يخفى علينا من احوالكم (6/393)
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)
{ وان ربك هو } لا غير { يحشرهم } اى يجمع المتقدمين والمتأخرين يوم القيامة للجزاء وهو القادر على ذلك والمتولى له لا غير فهو رد لمنكرى اغلبعث { انه حكيم } بالغ الحكمة متقن فى افعاله فانها عبارة عن العلم بحقائق الاشياء على ما هى عليه والاتيان بالافعال على ما ينبغى وهى صفة من صفاته تعالى لا من صفات المخلوقين وما يسمونه الفلاسفة الحكمة مهى من نتائج العقل والعقل من صفات المخلوقين فكما لا يجوز ان يقال الله العاقل لا يجوز للمخروق الحكيم الا بالمجاز لمن آتاه الله الحكمة كما فى التأويلات النجمية { عليم } وسع علمه كل شئ ولعل تقديم صفى الحكمة للايذان باقتضائها للحشر والجزاء (6/394)
وقال الامام الواحدى فى اسباب النزول عن ابن عباس رضى الله عنهما قال كانت تصلى خلف النبى عليه السلام امرأة حسناء فى آخر النساء فكان بعضهم يتقدم فى الصف الول ليراها وكان بعضهم فى الصف المؤخر فاذا ركع نظر من تحت ابطه فنزلت
وقيل كانت النساء يخرجن الى الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان من الرجال من فى قلبه ريبة يتأخر الى آخر صف الرجال ومن النساء من فى قلبها ريبة تتقدم الى وصف النساء لتقرب من الرجال فنزلت وفى الحديث « خير صفوف الرجال اولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها اولها » قال فى فتح القريب هذا ليس على عمومه بل محمول على ما اذا اختلطن بالرجال فاذا صلين متميزات لامع الرجال فهن كالرجال ومن صلى منهن فى جانب بعيد عن الرجال فاول صفوفهن خير لزوال العلة والمراد بشر الصفوف فى الرجال والنساء كونها اقل ثوابا وفضلا وابعدها عن مطلوب الشرع وخيرها بعكسه . وانما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو ذلك . وذم اول صفوفهن لعكس ذلك والصف الاول الممدوح الذى وردت الاحاديث بفضله والحث عليه هو الذى بلى الامام سواء كان صاحبه على بعد من الامام واقرب وسواء تخلله مقصورة او منبرا واعمدة ونحوها ام لا هذا هو الصحح وقيل الصف الاول هو المتصل من طرف المسجد الى طرفه ر تتخلله مقصورة ونحوها فان تخلل الذى بلى الامام شئ فليس باول الاول ما لم يتخلله شئ وان تأخر
وقيل الصف الاول عبارة عن مجيئ الانسان الى المسجد اولا وان صلى فى صف متأخر وعن انس رضى الله عنه حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصف الاول فى الصلاة فازدحم الناس عليه وكان بنو عذرة ورهم قاصيه عن المسجد فقالوا نبيع دورنا ونشترى دورا قريبة من المسجد فانزل الله تعالى هذه الآية يعنى انما يؤجرون بالنية وفى الحديث
« الا ادلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات » قالوا بلى يا رسول الله « اسباغ الوضوء غلى المكاره وكثرة الخطى الى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة » (6/395)
قال فى فتح القريب الدار البعيدة لمن يقدر على المشى افضل وهذا فى حق من هو متفرغ لذلك ولا يفوته بكثرة خطاه او مشيه الى المسجد مهم من مهمات الديسن فان كان يفوته ذلك كالاشتغال بالعلم والتعلم والتعليم ونحو ذلك من فروض الكفاية فالدار القريبة فى حقه افضل وكذا الضعيف عن المشى ونحوه
فان قيل روى الامام احمد فى مسنده ان النبيى صلى الله عليه وسلم قال « فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد »
فالجواب ان هذا فى نفس البقعة وذاك فى الفعل فالبعيد دارا مشيه اكثر وثوابه اعظم والبيت القريب افضل من البيت البعيد ولهذا قيل فى قوله صلى الله عليه وسلم « الشؤم فى ثلاث المرأة والدار والفرس » ان شؤم الدار ان تكون بعيدة عن المسجد لا يسمع ساكنها الاذان
قال العلماء ينبغى ان يستثنى من افضلية الا بعد الامام فان النبى عليه السلام والائمة بعده لم تتباعد عن المسجد لطلب الاجر
واختلف فيمن قربت داره من المسجد هل الافضل له لن يصلى فيه او يذهب الى الا بعد فقالت طائفة الصلاة فى الابعد افضل عملا بظاهر الاحاديث وقيل الصلاة فى الاقرب افضل لما روى الدارقطنى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال « لا صلاة لجار المسجد الا فى المسجد » ولا حياء حق المسجد ولماله من الجوار فان كان فى جواره مسجد ليس فيه جماعة وبصلاته فيه تحصل الجماعة كان فعلها فى مسجد الجوار افضل على المذهب لما فى ذلك من عمارة المسجد واحيائه بالجماعة اما لو كان اذا صلى فى المسجد الجوار صلى وحده فالبعيد افضل ولو كان اذا صلى فى بيته جماعة واذا صلى فى المسجد صلى وحده ففى بيته افضل
قال بعضهم جار المسجد اربعون دارا من كل جانب وقيل جار المسجد من سمع النداء ويقال اراد بالآية المصلين فى اول الوقت والمؤخرين الى آخره وفى الحديث « اول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله تعالى » قال فى شرح كتاب الشهاب للقضاعى عند قوله عليه السلام « نوروا بالفجر فانه اعظم للاجر » [ كفت نمازبامداد بروشنايى كنيد كه مزدبزر كتر باشد يعنى بآخر وقت واين مذهب ابو حنيفة رحمه الله باشد كه نماز بآخر وقت فاضلتر باشد يعنى كه وجوب متأكد تر باشد كه بفوات نزديكتر باشد ومذهب امام شافعى رحمه الله كفت اول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله وعفو نباشد الا از كناه بس معلوم كشت كه اول وقت فاضلتر باشد ] قال ابو محمد النيسابورى المراد بآخر الوقت بعد خروجه لان العفو يقتضى ذلك لانه لا يكون الا عن ذنب فالمراد باول الوقت عنده جميع الوقت كما قال فى اسئلة الحكم الوقت وقتان وقت الاداء ووقت القضاء فوقت الاداء هو اول الوقت المرضى عند الله ووقت القضاء هو الوقت المرخص فيه وآخر الوقت هو القضاء وهو عفو الله عمن قضى الصلاة خارج وقتها
فان قيل ما معنى اول الوقت رضوان الله
والجواب ان اول الوقت بمنزلة المفتاح فاذا حصل وعرف قدره فقد استعد لرضى الله تعالى لان العبرة للفاتح والخاتم فاذا حصل المفتاح حصل الختم وينبغى ان يشتغل باسباب الصلاة عند دخول الوقت او يقدم ما يمكن من الاسباب قبل دخول الوقت ويشرع فى الصلاة اذا دخل الوقت لتنطبق الصلاة على اول الوقت ويستحب التأخير فى مسائل .
منها الابراد بالظهر . ومنها فقد الماء واول الوقت وكان ذائقة من وجوده آخر الوقت . ومنها اذا كان بحضرة طعام تتوق اليه نفسه . ومنها اذا كان يتحقق الجماعة آخر الوقت . ومنها اذا كان بمواضع منهى عنها كمواضع المكس والاسواق والربا ومن اعظم مواضع الربا الصاغة فانه يحرم دخولها بغير حاجة لغلبة الربا فيها (6/396)
قال فى شرح المهذب فاذا تيقنت بهذا المذكور فعليك بالاقدام على الطاعات والمسارعة الى العبادات حتى لا يظفر بك النفس والشيطان فى جميع الحالات واحذر من التسويف ولعلك لا تنال ما املت من عمر وزمان : وفى المثنوى
صوفى ابن الوقت باشداى رفيق ... نيست فردا كفتن از شرط طريق
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)
{ ولقد خلقنا الانسان } اى هذا النوع بان خلقنا اصله واول فرد من افراده خلقا بديعا منطويا على خلق سائر افراده انطواء اجماليا { من صلصال } من طين يابس غير مطبوخ يصلصل اي يصوت عند نقره واذا طبخ اى مسته النار فهو فخار { من حمأ } اى كان ذلك الصلصال من طين تغيروا واسود بطول مجاورة الماء { مسنون } صفة حمأ اى منتن . وبالفارسية [ بوى كرفته بواسطه بسيار بودن درآب جون لايى كه درنك حوض وجوى باشد ] او مصور من سنة الوجه وهى صورته او مصبوب من سن الماء صبه اى مفرغ على هيئة الانسان الحمأ فصور من ذلك تمثال انسان اجوف فيبس حتى اذا نقر صوت ثم غيره الى جوهر آخر فتبارك احسن الخالقين (6/397)
قال الكاشفى [ صاحب تبيان كفته كه حق سبحانه وتعالى آدم را ازخاك آفريد بران وجه كه ىب برخاك بارانيد تاكل شد ومدتى بكذشت تاحمأ كشت بس انرا تصوير كرد مسنون بمعنى مصوراست آنكه بكذاشت تاخشك شد وبمرتيه صلصال رسيد ] وكان بين خلقه ونفخ روحه اربع جمع من الآخرة وخلق بعد العصر يوم الجمعة والظاهر انه خلق فى جنة من جنات الدنيا بتغريبها وعليه اكابر اهل الله تعالى
وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)
{ والجان } ابا الجن (6/398)
قال فى الروضة ابليس هو ابو الجن والجان اسم جمع للجن كما فى القاموس وسمى بذلك لانه يجن اى يستتر ويجوز ان يراد به الجنس كما هو الظاهر من الانسان لان تشعب الجنس لما كان من فرد واحد مخلوق من مادة واحدة كان الجنس باسره مخلوقا منها { خلقنا من قبل } من قبل خلق الانسان { من نار السموم } من نار الشديد الحر فان السموم فى اللغة الريح الحارة والريح الحارة بالليل وقد تكون بالنهار كما فى القاموس . وقيل سميت سموما لانها بلطفها تنفذ فى مسام البدن وهى ثقبه كالفم والمنخر والاذن . وقيل نار السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها وهى نار بين السماء والحجاب فان احدث الله امرا خرقت الحجاب فهوت الى ما امره فالهدة التى تسمعون خرق ذلك وقدم خلق الانسان على الجان مع انه خلق قبله تعظيما لشأنه واظهارا لفضله وكان بين خلق آدم والجن ستون الف سنة
واتفق اهل العلم من اهل التحقيق ان عالم الملك مقدم خلقة الى عالم الجان وعالم الجان مقدم على عالم الانسان وانتقل ملك الدنيا الى آدم ليحصل له الاعتبار بالسابقين ويظهر له الفضل على الكل بتأخيره عن جميع المخلوقات لانه كالخاتم على الباب وهو خاتم المخلوقات ونسخة الكليات من المحسوسات والمعقولات وبه تم كمال الوجود لتحققه بوصفى الجمال والجلال واللطف والقهر بخلاف الملك فانه مخلوق على جناح واحد وهو اللطف : قال المولى الجامى
ملاتك را جه سود از حسن طاعت ... حو فيض عشق بر آدم فروريخت
ولم يكن قبل آدم خلق من التراب فخلق آدم منه ليكون عبدا خضوعا وضوعا ذلولا مائلا الى السجود لانه مقام العبودية الكاملة فكل جنس يميل الى جنسه ولهذا تواضع آدم لله واستكبر ابليس عن التواضع فابى وعلا وتكبر فمال الى جنسه لانه خلق من نار
قال اهل الحكمة لا شك ان الله تعالى قادر خلق آدم ابتداء على هيئة خاصة من مادة خاصة وانما خلقه من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار اما لمحض المشيئة الالهية التى هى محض الحكمة الجامعة او لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الخلق لان خلق الانسان منهذه الامور اعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)
{ واذ قال ربك } اى اذكر يا محمد وقت قوله تعالى { للملائكة } [ بهجت خلافت زمين ] (6/399)
يقول الفقير ان فى هؤلاء الملائكة اختلافا شديدا والحق ما ذهب اليه اكابر اهل الله تعالى من ان المقول لهم القول الآتى والساجدين لآدم عليه السلام هم الذين تنزلوا من مرتبة الارواح الى مرتبة الاجسام فدخل فيهم جبريل ونحوه من اكابر الملائكة واصاغرهم سماوية كانت او ارضية لان كلهم ملتبسون بملابس الجسمانية اللطيفة فاللام لاستغراق الجنس واما المراد بالعالين فى قوله تعالى { أستكبرت ام كنت من العالين } الملائكة المهيمون الذين بقوا فى عالم الارواح واستغرقوا فى نور شهود الحق وليس لهم شعور بنفوسهم فضلا عن آدم وغيره وهم خير من هذا النوع الانسانى فى شرف الحال لان فى الجمعية والكمال والانسان فوق الملائكة الارضية والسماوية فى رتبة الفضيلة والكمال بل فى شرف الحال ايضا لانهم ملهم عنصريون مخلوقون بيج واحد فليس لهم شرف حاله ولا رتبة كماله : قال الحافظ
فرشته عشق نداندكه جيست قصه مخوان ... بخوان جام وكلابى بخاك آدم ريز
{ انى خالق } فيما سيأتى البتة كما يدل عليه التعبير باسم الفاعل الدال على التحقق { بشرا } قال فى القاموس البشر محركة الانسان ذكرا او انثى واحدا او جمعا وقد يثنى ويجمع ابشارا وظاهر جلد الانسان { من صلصال } متعلق بخالق او صفة لبشرا اى بشرا كائنا من صلصال كائن { من حمأ مسنون } تقدم تفسيره شاورهم الله تعالى بصورة الامتحان يكرم الرجل او يهان
وقيل اخبرهم سبحانه بتكوين آدم قبل ان يخلقه ليوطنوا انفسهم على فناء الدنيا وزوال ملكوتها كما قال تعالى لآدم { اسكن انت وزوجك الجنة } والسكنى لا يكون الا على وجه العارية ليوطن نفسه على الخروج من الجنة : قال الصائب
مهياى فنارا از علائق نيست بروايى ... نيند يشد زخاك آنكس كه دامن دركمر دارد
وانما خلق الله آدم بعد جميع المخلوقات ليكون خاتم الملك على باب الكنز الخاص
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)
{ فاذا سويته } اى صورته بالصورة الانسانية والخلقة البشرية { ونفخت فيه من روحى } النفخ اجراء الريح الى تجويف جسم صالح لامساكها والامتلاء بها وهو كناية عن ايجاد الحياة ولا نفخ ثمة ولا منفوخ بل ليس عند الحقيقة الالقاء الموجد اسم فاعل بالموجد اسم مفعول وسريان هويته اليه وظهور صفته وفعله فيه (6/400)
قال الشيخ عز الدين النفخ عبارة عما اشعل نور الروح فى المحل القابل فالنفخ سبب الاشتعال وصورة النفخ فى حق الله تعالى محال والمسبب غير محال فعبر عن نتيجة النفخ بالنفخ وهو الاشعال واما السبب الذى اشتعل به نور الروح فهو صفة فى الفاعل وصفة فى المحل القابل اما صفة الفاعل فالجود الذى هو ينبوع الوجود وهو فياض بذاته على كل موجود حقيقة وجوده ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة ومثالها فيضان نور الشمس عن كل قابل الاستنارة عند ارتفاع الحجاب فيما بينهما والقابل هو الملونات دون الهواء الذى لا تلون له واما صفة المحل القابل فالاستواء والاعتدال الحاصل فى التسوية كما قال تعالى { فاذا سويته } ومثال صفة القابل صقالة المرآة فان المرآة قبل صقالتها لا تقبل الصورة وان كانت محاذية لها فاذا صقلت حدثت صورة من ذى الصورة المحاذية لها فكذلك اذا حصل الاستواء فى النطفة حدث فيها الروح
آن صفاى آينه وصف دلست ... صورت بى منتهارا قابلست
اهل صيقل رسته انذاز بوورنك ... هر دمى خوبى بى درنك
وانما اضاف النفخ الى ذاته لانه تعالى باشر تسويته وتعديله فخلقه وعدله بيديه المقدستين ثم نفخ بذاته دون واسطة فيه من روحه الاضافى وهو نفسه الرحمانى الذى يقال له الوجود الظلى المشار اليه بقوله { ألم تر الى ربك كيف مد الظل } نفخا استلزم لكونه نفخا بالذات فيما بوشرت تسويته باليدين معرفة الاسماء كلها جمالية لطيفة كانت او جلالية قهرية
قال الشيخ عز الدين لروح منزه عن الجهة والمكان وفى قوتها العلم بجميع الاشياء والاطلاع عليها وهذه مناسبة ومضاهاة ليست لغيره من الجسمانيات فلذلك اختصت بالاضافة الى الله تعالى
قال الامام الجلدكى فى كتاب الانسان من كتاب البرهان جوهر الانسان بالاضافة الى الله تعالى
قال الامام الجلدكى فى كتاب الانسان من كتاب البرهان جوهر الانسان حقيقة واحدة فى الفطرة الاولى ذات قوى كثيرة وهو المسمى عند الصوفية روحا وقلبا وعند الحكيم نفسا ناطقة فاذا تعلق بالبدن انتشرت قواه واختفى نوره وحصل له مراتب كثيرة وعند احتجاجه بغواشى النشأة واستحالته بالامور الطبيعية يسمى نفسا وعند تجرده وظهور نوره يسمى عقلا وعند اقباله على الحق ورجوعه الى العالم القدسى ومشاهدته يسمى روحا وباعتبار اطلاعه ومعرفته للحق وصفاته واسمائه جمعا وتفصيلا يسمى قلبا وباعتبار ادراكه للجزئيات فقط واتصافه بالملكات والهيآت التى هى مصادر الافعال سمى نفسا انتهى كلامه
يقول الفقير ذهب جمع من اهل السنة والجماعة منهم الغزالى والامام الرازى وفاقا للحكماء والصوفية الى ان الروح اثر مجرد غير حال بالبدن يتعلق به تعلق العاشق بالمعشوق يدبر امره على وجه لا يعلمه الا الله تعالى .
وتحقيق المقام ان الروح سلطانى وحيوانى فالاول من عالم الامر ويقال له المفارق ايضا لمفارقته عن البدن وتعلقه به تعلق التدبير والتصرف وهو لا يفنى بخراب هذا البدن وانما يفنى تصرفه فى الاعضاء ومحل تعينه هو القلب الصنوبرى والقلب من عالم الملكوت (6/401)
قال فى التعريفات الروح الاعظم هو الروح الانسانى مظهرالذات الالهية من حيث ربوبيتها والثانى من عالم الخلق ويقال له القلب والعقل والنفس ايضا وهو سائر فى جميع اعضاء البدن كما قال فى التعريفات الروح الحيوانى جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسمانى وينتشر بواسطة العروق الضوارب الى سائر اجزاء البدن واقوى مظاهره الدم ومحل تعينه هو الدماغ وهو اثر الروح السلطانى ومبدأ الافعال والحركات وهو بمنزلة الصفة من الذات فكما ان الافعال الالهية تبتنى على اجتماع الذات بالصفة كذلك الافعال تتفرع على اجتماع الروح السلطانى بالروح الحيوانى وكما ان الصفات الالهية الكمالية كانت فى بطن غيب الذات الاحدية قبل وجود هذه الافعال والآثار كذلك هذا الروح الحيوانى كان بالقوة فى باطن الروح السلطانى قبل تعلقه بهذا البدن
قال حضرة شيخى قدس سره فى بعض تحريراته غيب السر وهو السر الاخفى اى سر السر مظهر الوجود المطلق عن جميع التعينات السلبية والايجابية بالاطلاق الذاتى الاصلى الحقيقى الوجودى لا بالاطلاق الاضافى النسبى الوهمى الاعتبارى والسر مظهر التعين الاول الذاتى الاحدى الجمعى والروح السلطانى مظهر التعين الثانى الصفاتى الواحد الفرقى والروح الحيوانى مظهر التعين الثالث الفعلى ولا حجاب الا جهالة النفس بنفسها وغفلتها فلو ارتفعت جهالتها وغفلتها لشاهدت الامر وعاينته كما تشاهد الشمس فى وسط السماء وتعاينها اللهم ارفع الحجب عن القلوب حتى تنفتح ابواب الغيوب انتهى بعبارته
قال الله تعالى فى بعض كتبه المنزلة اعرف نفسك يا انسان تعرف ربك وقال عليه الصلاة والسلام « اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه » ومن فضل الله تعالى على الانسان ان علمه طريق معرفته بان جمع فى شخصه مع صغر حجمه من العجائب ما يكاد يوازى عجائب كل العالم حتى كأنه نسخة مختصرة من هيئة العالم
آدمى جيست برزخى جامع ... صورت خلق وحق درو واقع
متصل با دقائق جبروت ... مشتمل بر حقائق ملكوت
ليتوسل الانسان بالتفكر فيها الى العلم بالله الذى هو اجل المعلوم واشراف المعارف . ومعنى الآية فاذا كملت استعداده وجعلت فيه الروح حتى جرى آثاره فى تجاويف اعضائه فحيى وصار حساسا متنفسا { فقعوا له } امر من وقع يقع وفيه دليل على انه ليس المأمور به مجرد الانحناء قيل اى لسقطوا له { ساجدين } امتثالا لامر الله تعالى وتحية لآدم وتعظيما وتكريما له واسجدوا لله على انه عليه السلام بمنزلة القبلة حيث ظهر فيها تعاجيب آثار قدرته وحكمته
يقول الفقير لى رؤيا صادقة فى هذا المقام وهى انى رأيت حضرة شيخى وسندى روح الله روحه فى المنام فى غاية من الانبساط فسألته عن بعض ما يتعلق بالموت فقال كنت على الطهارة الكاملة الى آخر النفس فلما قبض روحى دخلت فجا يجرى فيه عين ماء فتوضأت منه لانه وقع الحدث بالنزع ثم عرج بى الى السماء ثم رجعت الى جنازتى فصليت مع الحاضرين فقلت له هل يبقى العقل والادراك الذى هو فى النشأة الدنيوية على حاله قال نعم ثم اخذ بيدى وهو مبتسم فقال لى مرتين كن معتقدا لى كأنه اظهر السرور من حسن اعتقادى له فاستيقظت ففى هذه الرؤيا امور .
منها ان الوضوء ينتقض عند النزع وعليه بنى مشروعية الغسل فى الاصح والمؤمن الكامل طاهر فى حياته ومماته فلا يتنجس والحدث غير التنجس ولو سلم فهو بالنسبة الى الناقص (6/402)
والحاصل انه يغسل الكامل غسل الناقص لانه على غير وضوء بحسب الظاهر ولانه فى هذه النشأة الدنيوية تابع للناقص فيما يتعلق بالامور الظاهرة . ومنها بيان بقاء العقل والادراك على حاله لان العقل والايمان والولاية ونحوها من صفات الروح وهو لا يتغير بالموت . ومنها ان الروح الكامل يشهد جنازته فيكون اسوة للناس فى الصلاة فصلاته على نفسه اشارة الى ان الكامل هو الساجد والمسجود له فى مرتبة الحقيقة فعبادته له لا غير فافهم جدا وصلاة الناس عليه اشارة الى سجود الملائكة لآدم ولهذا شرعت صلاة الجنازة مطلقا تحقيقا لهذا السر العظيم ولا ينافيه كونها دعاء وثناء فى مرتبة الشريعة اذ لكل مرتبة حد بحسب الوقوف عنده
قال فى التأويلات النجمية { فاذا سويته } تسوية تجعله قابلا لنفختى وللروح المضاف الىّ { ونفخت فيه من روحى } يشير بتشريف هذه الاضافة الى اختصاص الروح باعلى المراتب من الملكوت الاعلى وكمال قربه الى الله كما قال { ونحن اقرب اليه من حبل الوريد } والى اختصاصه بقبول النفخة فانه تشرف بهذا التشريف وخص به من سائر المخلوقات { فقعوا له ساجدين } وذلك لان الروح لما ارسل من اعلى مراتب القرب بنفخة الحق تعالى الى اسفل سافلين القالب كان عبوره على الروحانيات والملائكة المقربين وهم خلقوا من نور فاندرجت انوار صفاتهم فى نور صفاته كما تندرج انوار الكواكب فى نور الشمس ثم عبر عن الجن والشياطين فاتخذ زيدة خواص صفاتهم ثم عبر على الحيوانات فاستفاد منهم الحواس والقوى ثم تعلق بالقالب المخلوق بيد الله المخمر فيه لطف الله وقهره المستعد لقبول التجلى فلما خلق الله آدم وتجلى فيه قال لاهل الخطاب وهم الملائكة فقعوا له ساجدين لاستحقاق كماله فى الخلقة وشرفه بالعلم وقابليته للتجلى
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)
{ فسجد الملائكة } اى فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد له الملائكة { كلهم } بحيث لم يشذ منهم احد ارضيا كان او سماويا { اجمعون } بحيث لم يتأخر فى ذلك احد منهم عن احد بل سجدوا مجتمعين (6/403)
يقول الفقير ها فى الحقيقة تعظيم للنور المنطبع فى مرآة آدم عليه السلام وهو النور المحمدى والحقيقة الاحمدية ولله در الحافظ فى قوله
ملك در سجده آدم زمين بوس تونيت كرد ... كه در حسن تو لطفى يافت بيش از طور انسانى
قوله اجمعون تأكيد بعد لكنه لوحظ فيه معنى الجمع والمعية بحسب الوضع كما تلاحظ المعانى الاصلية فى الكنى اذ لا ينافى اقامته مقام كل فى افادة معنى الاحاطة افادة معنى زائد يقصد ضمنا وتبعا فاذا فهمت الاحاطة من لفظ آخر لم يكن بدّ من مراعاة الاصل صونا للكلام عن الالغاء ولا ريب فى ان السجود معا اكمل اصناف السجود فيحمل عليه
قال فى بحر العلوم قالوا هو نظير المفسر فان قوله فسجد الملائكة ظاهر فى سجود جميع الملائكة لان الحرف المعرف باللام ظاهر فى العموم يتناول كل واحد من الافراد كالمفرد لكنه يحتمل التخصيص وارادة البعض كما فى قوله { واذ قالت الملائكة يا مريم } اى جبريل فبقوله كلهم انقطع ذلك الاحتمال وصار نصا لازدياد وضوحه على الاول ولكنه يحتمل التأويل والحمل على التفرق فبقوله اجمعون انسد ذلك الاحتمال وصار مفسرا لانقطاع الاحتمال عن اللفظ بالكلية
فان قلت قد استثنى ابليس فيكون محتملا للتخصيص
قلت الاستثناء ليس بتخصيص
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33)
{ الا ابليس } ابلس يئس وتحير منه ابليس او هو اعجمى انتهى (6/404)
وعلى الثانى ليس فيه اشتقاق وهو الاصح عند الجمهور والاستثناء متصل لانه الاصل لانه كان جنيا مفردا مستورا فيما بين الملائكة فارم بالسجود معهم فغلبوا عليه فى قوله فسجد الملائكة تغليب الذكر على الانثى ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا ونظيره قولك رأيتهم الا هندا وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال الله لجماعة من الملائكة اسجدوا لآدم فلم يفعلوا فارسل عليهم نارا فاحرقتهم ثم قال لجماعة اخرى اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس
يقول الفقير فيه اشكالان الاول ان عبادة الملائكة طبيعية فلا يتصور منهم التردد فضلا عن الامتناع عن الامتثال للامر الالهى لا سيما ان ابليس لو شاهد تلك الحال لبادر الى الامتثال خوفا من سطوة الجلال اللهم الا ان لا يكون بحضوره والثانى ان التأكيدين افادا المعية والاجتماع وذلك بالنظر الى جميع الملائكة وفيه ذكره تفريق لطائفة عن اخرى { أبى ان يكون مع الساجدين } ابى الشيء يأباه ويأبيه اباه واباءة كرهه وابيته اياه كما فى القاموس وهو جواب قائل قال لم لم يسجد اى عدم سجوده لم يكن من تردده بل من ابائه واستكباره ويجوز ان يكون الاستثناء منقطعا فيتصل به ما بعده اى لكن ابليس أبى ان يكون معهم فى السجود لآدم
وفيه دلالة على كمال ركاكة رأيه حيث ادمج فى معصية واحدة ثلاث معاص مخالفة الامر والاستكبار مع تحقير آدم ومفارقة الجماعة والاباء عن الانتظام فى سلك اولئك المقربين الكرام
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره فى روح القدس اعلم انه لا شيء انكى على ابليس من آدم فى جميع احواله فى صلاته من سجوده لانها خطيئته يتذكر الشيطان معصيته فيحزن فيشتغل بنفسه عنه ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى ويثول يا ويلتى امر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وارمت بالسجود فابيت فعلى النار » فالعبد فى سجوده معصوم من الشيطان غير معصوم من النفس فخواطر السجود اما ربانية او ملكية او نفسية وليس للشيطان عليه من سبيل فاذا اقام من سجوده غابت تلك الصفة عن ابليس فزال حزنه فاشتغل به : وفى المثنوى
آدمى را دشمن بنهان بسيست ... آدمى باحذر عاقل كسيست
خل بنهان زشتشان وخوبشان ... مى زند بردل بهر دم كوبشان
بهر غسل اردر روى در جويبار ... بر تو آسيبى زند در آب خار
كرجه بنهان خار در آبست بست ... جونكه دو تومى خلد دانى كه هست
خار خارو حيلها ووسوسه ... از هزاران كس بوديك كسه
باش تاخسهاى تو مبدل شود ... تا بينى شان ومشكل حل شود
{ قال } استئناف مبنى على سؤال من قال فماذا قال تعالى عند ذلك فقيل قال الله { يا ابليس ما لك } اى أى سبب لك { ان لا تكون } فى ان لا تكون { مع الساجدين } لآدم مع انهم ومنزلتهم فى الشرف منزلتهم وما كان التوبيخ عند وقوعه لمجرد تخلفه عنهم بل لكل من المعاصى الثلاث المذكورة (6/405)
{ قال } ابليس وهو ايضا استئناف بيانى { لم اكن لاسجد } اللام لتأكيد النفى اى ينافى حال ولا يستقيم منى ان اسجد { لبشر } اى جسم كثيف وانا جوهر روحانى { خلقته من صلصال } [ از كل خشك ] { من حمأ مسنون } [ ازلاى سياه بوى ناك ] وقد تقدم تفسيره : يعنى [ اورا ازا خس عناصر آفريدى كه خاست ومرا از اشرف آن كه آتش است بس روحانى لطيف جرا فرمان جسمانى كثيف برد واورا سجده كند ابليس نظر بظاهر آدم داشت واز باطن او غافل بود صورتش را ويرانه ديد ندانست كه كنج اسرار دران خرابه مدفونست
كجست درين خانه كه در كون نكنجد ... اين كنج خراب از بى آن كنج نهانست
فى الجمله هرآنكس كه درين خانه رهى يافت ... سلطان زمين است وسليمان زمانست
وفى التأويلات النجمية { فسجد الملائكة كلهم اجمعون } لما فيهم من خصوصية انقياد النورية واختصاص العلم بقبول النصح { الا ابليس ابى ان يكون مع الساجدين } لاختصاصه بالتمرد وتمرد النارية والجهل الذى هو مركوز فيه ولحسبانه انه عالم اذ { قال } له ربه { يا ابليس مالك ان لا تكون مع الساجدين } اى ما حجتك فى الامتناع عن السجود { قال لم اكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون } اى حجتى انك خلقتنى من نار وهى جوهر لطيف نورانى علوى وخلقته من طين وهو كثيف ظلمانى سفلى فانا خير منه لهذا الدليل فاشار بهذا الاستدلال الى ان آدم ر ينبغى ان يسجد له لفضله عليه ومن غاية جهالته وسخافة عقله يشم من نتن كلامه ان الله اخطأ فيما أمره وامر الملائكة من السجود لآدم وحسب ان الله جعل استحقاق آدم لسجود الملائكة فى بشرية آدم وخلقته من الطين وهو بمعزل عما جعل الله استحقاقه للسجود فى سر الخلافة المودعة فى روحه المشرف بشرف الاضافة الى حضرته المختص باختصاص نفخته المتعلم للاسماء كلها المستعد لتجلى جماله وجلاله فيه ومن ههنا قيل لابليس انه اعور لانه كان بصيرا باحدى عينيه التى يشاهد بها بشرية آدم وما اودع فيها من الصفات الذميمة الحيوانية السبعية المذمومة المتولد منها الفساد وسفك الدماء وانه كان اعمى باحدى عينيه التى يشاهد بها سر الخلافة المودع فى روحانيته وما كرم به من علم الاسماء والنفخة الخاصة وشرف الاضافة الى نفسه وغير ذلك من الاصطفاء والاجتباء
قال حضرة شيخى وسندى فى بعض تحريراته الارض وحقائق الارض فى الطمأنينة والاحسان بالوجود لذلك لا يزال ساكنا وسكونا وساكتا وسكوتا لفوزه بوجود مطلوبه فكان اعلى مرتبة العلو فى عين السفل وقام بالرضى المتعين من قلب الارض فمقامه رضى وحاله تسليم ودينه اسلام انتهى
ويشير الى سر كلام حضرة الشيخ قول من قال
ارس را در بيابان جوش باشد ... بدريا جون رسد خاموش باشد
وقول الصائب ايضا
عاشقانرا تافنا از شادى وغم جاره نيست ... سيل را بست وبلندى هست تادريا شدن
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35)
{ قال } الله تعالى { فاخرج منها } امر اهانة وابعاد كما فى قوله تعالى { قال فاذهب } والضمير للجنة وخروجه منها لا ينافى دخولها بطريق الوسوسة وكذا يستلزم خروجه من السموات ايضا ومن زمرة الملائكة المقربين ومن الخلقة التى كان عليها وهى الصورة الملكية وصفاتها كما هو شأن المطرودين النغضوبين وقد كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان لبيض وقبح بعد ما كان حسنا واظلم بعد ما كان نورانيا (6/406)
قال ابو القاسم الانصارى ان الله باين بين الملائكة والجن والانس فى الصور والاشكال فان قلب الله تعالى الملك الى بنية الانسان ظاهرا وباطنا خرج عن كونه ملكا وقس عليه غيره { فانك رجيم } من الرجم بالحجر اى الرمى به وهو كناية عن الطرد لان من يطرد يرجم بالحجارة على اثره اى مطرود من رحمة الله ومن كل خير وكرامة او من الرجم بالشهب وهو كناية عن كونه شيطانا اى من الشياطين الذين يرجمون بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته قال من عارض النص بالقياس فهو رجيم ملعون
{ وان عليك اللعنة } الابعاد عن الرحمة وحيث كان من جهة الله تعالى وان كان جارياعلى السنة العباد وقيل فى سورة ص { وان عليك لعنتى } { الى يوم الدين } الى يوم الجزاء والعقوبة وفيه اشعار بتأخير عقابه وجزائه اليه وان اللعنة مع كمال فظاعتها ليست جزاء لفعله وانما يتحقق ذلك يومئذ وحد اللعن بيوم الدين لانه عليه اللعنة فى الدنيا فاذا كان يوم الدين اقترن له باللعنة عذاب ينسى عنده اللعنة
وفى التبيان هذا بيان للتأبيد لا للتوقيت كقوله { ما دامت السموات } فى التأبيد ويؤيده وقع اللعن فى ذلك اليوم كما قال تعالى { فاذن مؤذن بينهم ان لعنة الله على الظالمين } وهو لعن مقارن بالعذاب الاليم نسأل الله الفوز والعاقبة وانما حكم عليه باللعنة لاستحقاقه لذلك بحسب الفطرة وفى الازل فكانت غذاءه الى ابد الآباد : وفى المثنوى
كر جهان باغى براز نعمت شود ... قسم مور ومار هم خاكى بود
كرم سركين درميان آن حدث ... در جهان نقلى نداند جز خبث
وفيه اشارة الى ان ابليس النفس مأمور بسجود آدم الروح ومن دأبه وطبعه الاباء عن طاعة الله تعالى والاستكبار عن خليفة الله والامتناع عن سجوده وذلك فى بدء خلقتهما على فطرة الله التى فطر الناس عليها فلما امر ابليس بسجوده وابى قال { فاخرج منها } اى من فطرة الله المستعدة لقبول الكفر والايمان { فانك رجيم } مطرود عن جوارنا لانك قبلت الكفر دون الايمان { وان عليك اللعنة } وهى من نتائج صفات القهر اى مقهورا مبعدا عن مقام عبادنا المقبولين { الى يوم الدين } اى الى ان نولج ليل الدين فى نهار الدين وتطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير ارض النفوس مشرقة بانوار الشواهد فتكون مطمئنة بها متبدلة صفاتها الذميمة الحيوانية المظلمة باخلاق الروحانية الحميدة النورانية الحميدة لخطاب ارجعى كما فى التأويلات النجمية
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)
{ قال } ابليس عليه ما يستحق { رب } [ اى بروردكار ] { فانظرنى } الفاء متعلقة بمحذوف دل عليه فاخرج منها فانك رجيم اى اذا جعلتنى رجيما فامهلنى واخرجنى { الى يوم يبعثون } اى آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم والبعث احياء الميت كالنشر واراد بذلك ان يجد لاغوائهم ويأخذ منهم ثاره وينجو من الموت اذ لا موت بعد يوم البعث فاجابه الى الاول دون الثانى كما قال تعالى { قال } الله تعالى (6/407)
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37)
{ فانك من المنظرين } اى من جملة الذين اخرت آجالهم ازلا ودل على ان ثمة منظرين غير ابليس وهم الملائكة فانهم ليسوا بذكور ولا اناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون الى آخر الزمان واما الشياطين فذكور واناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون كما خلد ابليس واما الجن فيتوالدون وفيهم ذكور واناث ويموتون (6/408)
بلغ الحجاج بن يوسف ان بارض الصين مكانا اذا اخطأوا فيه الطريق سمعوا صوتا يقول هلموا الى الطريق ولا يرون احدا فبعث اناسا وامرهم ان يتخاطأوا الطريق عمدا فاذا قالوا لكم هلموا الى الطريق فحملوا عليهم فقالوا انكم لن ترونا فقلت منذ كم انتم ههنا قالوا ما نحصى السنين غير ان الصين خربت ثمانى مرات وعمرت ثمانى مرات ونحن ههنا والصين موضع بالكوفة ومملكة بالمشرق منها الاوانى الصينية وبلدة باقصى الهند
وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان ابليس اذا مرت عليه الدهور وحثل له الهرم عاد ابن ثلاثين سنة
ويقال ان الخضر عليه السلام يجدده الله تعالى فى بدنه فى كل مائة وعشرين سنة فيعود شابا وهو من المنظرين كما فى الاخبار الصحيحة وهذه المخاطبة وان لم تكن بواسطة لكن لا تدل على علو منصب ابليس لان خطاب الله تعالى له على سبيل الاهانة والاذلال كما فى التفاسير
وقال بعضهم الصحيح انه لا يجوز ان يكون كلمه كفاحا اى شفاها ومواجهة وانما كلمه على لسان ملك لان كلام البارى لمن كلمه رحمة ورضى وتكرّم واجلال الا ترى ان موسى عليه السلام فضل بذلك على سائر الانبياء ما عدا الخليل ومحمدا عليهما السلام وجميع الآى الواردة محمولة على انه رسل اليه بملك يقول له
فان قلت أليس رسالته اليه ايضا تشريفا
قيل مجرد الارسال ليس بتشريف وانما يكون لاقامة الحجة بدلالة ان موسى عيله السلام ارسل الى فرعون وهامان ولم يقصد اكرامهما وتشريفهما كذا فى آكام المرجان
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)
{ الى يوم الوقت المعلوم } اى المعين عند الله تعالى لا يتقدم ولا يتأخر وهو وقت موت الخلق عند النفخة الاولى ثم لا يبقى بعد ذلك حى الا الله تعالى اربعين سنة الى النفخة الثانية (6/409)
همه تخت وملكى يذيرد زوال ... بجز ملك فرمان ده لا يزال
قال الكاشفى : يعنى [ زمان فناء خلق بنفخه اول كه نفخه صعقه كويند جه قول جمهور آنست كه نفخه اول نفخه موت ياشد ونفخهه ثانى نفخه احياء وميان دو نفخه بقول اشهر جهل سال خواهد بود بس ابليس جهل سال مرده باشد بس انكيخته شود ]
قال فى السيرة الحلبية هذه النفخة التى هى نفخة الصعق مسبوقة بنفخة الفزع التى يفزع بها اهل السموات والارض فتكون الارض كالسفينة فى البحر تضربها الامواج وتسير الجبال كسير السحاب وتنشق السماء وتكسف الشمس ويخسف القمر
وعن وهب ان اليوم المعلوم الذى انظر اليه ابليس هو يوم بدر قتلته الملائكة فى ذلك اليوم
وقيل وقت طلوع الشمس من مغربها بدليل قول النبى عليه السلام « اذا طلعت الشمس من مغربها خر ابليس ساجدا ينادى ويجهر الهى مرنى ان اسجد لمن شئت فيجتمع ذريته فيقولون يا سيدنا ما هذا التضرع فيقول انما سألت ربى ان ينظرنى الى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم ثم تخرج دابة الارض من صدع فى الصفا فاول خطوة تضعها بانطاكية فيأتى ابليس فتلطمه وتقتله بوطئها » والقول الاول اشهر
قال احنف بن قيس قدمت المدينة اريد امير المؤمنين عمر رضى الله عنه فاذا انا بحلقة وكعب الاحبار فيها يحدث الناس ويقول لما حضر آدم عليه السلام الوفاة قال يا رب سيشمت بى عدوى ابليس اذا رآنى ميتا وهو منظر الى يوم القيامة فاجيب ان يا آدم انك سترد الى الجنة ويؤخر اللعين الى النظرة ليذوق الم الموت بعدد الاولين والآخرين ثم قال لملك الموت صف كيف تذيقه الموت فلما وصفه قال يا رب حسبى فضج الناس وقالوا يا ابا اسحاق كيف ذلك فابى فالحوا فقال يقول الله تعالى لملك الموت عقيب النفخة الاولى قد جعلت فيك قوة اهل السموات السبع واهل الارضين السبع وانى البستك اليوم اثواب السخط والغضب كلها فانزل بغضبى وسطوتى على رجيمى ابليس فاذقه الموت واحمل عليه مرارة الاولين والآخرين من الثقلين اضعافا مضاعفة وليكن معك من الزبانية سبعون الفا وقد امتلأوا غيظا وغضبا وليكن مع كل منهم سلسلة من سلاسل جهنم وغل من اغلالها وانزع روحه المنتن بسبعين الف كلاب من كلاليبها وناد مالكا ليفتح ابواب النيران فينزل ملك الموت بصورة لو نظر اليها اهل السموات والارضين لماتوا بغتة من هولها فينتهى الى ابليس فيقول قف لى يا خبيث لاذيقنك الموت كم من عمر ادركت وقرون اضللت وهذا هو الوقت المعلوم قال فيهرب اللعين الى المشرق فاذا هو بملك الموت بين عينيه فيهرب الى المغرب فاذا هو بين عينيه فيغوص البحار فنتنزه عنه البحار فلا تقبله فلا يزال يهرب فى الارض ولا محيص له ولا ملاذ ثم يقوم فى وسط الدنيا عند قبر آدم عليه السلام ويتمرغ فى التراب من المشرق الى المغرب ومن المغرب الى المشرق حتى اذا كان فى الموضع الذى اهبط فيه آدم عليه السلام وقد نصبت له الزبانية الكلاليب وصارت الارض كالجمرة احتوشته الزبانية وطعنوه بالكلاليب ويبقى فى النزع والعذاب الى حيث شاء الله تعالى
هركسى آن درود عاقبت كاركه كشت ... ويقال لآدم وحواء عليهما السلام اطلعا اليوم الى عدوكما كيف يذوق الموت فيطلعان فينظران الى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان ربنا اتممت علينا نعمتك (6/410)
شكر خداكه هرجه طلب كردم ازخدا ... بر منتهاى همت خود كامران شدم
قال فى اسئلة الحكم انما استجاب الله دعاءه بانظاره الى يوم الدين مكافاة له بعبادته التى مضت فى السماء وعلى وجه الارض ليعلم انه لا يضيع اجر العاملين فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره اما فى الدنيا معجلا مثوبته واما فى الآخرة فى حق المؤمن وقال فى موضع آخر اهلك الله تعالى اعداء سائر الانبياء كفرعون ونمرود وشداد وابقى عدو آدم الصفى وهو ابليس وذريته لان ابليس لم يكن عدو آدم فحسب انما كان عدو الله فامهله وابقاه الى آخرؤ الدهر استدراجا من حيث لا يعلم ليتحمل من الوزار ما لا يتحمله غيره من الاشرار والكفار فانظره الى يوم القرار ليحصل به الاعتبار لذوى الابصار بان اطول الاعمار فى هذه الدار لرئيس الكفار وقائد زمرة الفجار واساء الادب ودعا لنفسه بالبقاء والكبرياء والفراعنة لم يدعوا بالبقاء لانفسهم وما اصروا على الاستكبار فى جميع اعمارهم
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)
{ قال } ابليس { رب } [ اى برورد كار من ] { يما اغويتنى } الباء للقسم وما مصدرية والجواب { لازينن لهم } اى اقسم باغوائك اياى لازينن لهم اى لذرية آدم المعاصى والشهوات واللذات فالمفعول محذوف . والاغواء [ بى راه كردن ] يقال غوى غواية ضل . والتزيين [ بياراستن ] { فى الارض } اى فى الدنيا التى هى دار الغرور كما فى قوله تعالى { اخلدا لى الارض } لان الارض محل متاعها ودارها (6/411)
وفى التبيان ازين لهم المقام فى الارض كى يطمئنوا اليها واقسامه بعزة الله المفسرة بسلطانه وقهره كما فى قوله { فبعزتك } لا ينافى اقسامه بهذا فانه فرع من فروعها واثر من آثارها فلعله اقسم بهما جميعا فحكى تارة قسمه بصفة فعله وهو الاغواء واخرى بصفة ذاته وهى العزة
قال الكاشفى [ برخى برانندكه دربما اغويتنى باسبى است يعنى سبب آنكه مرا كمراه كردى من بيارايم معاصى رايجشم مردمان ] وجعله سعدى المفتى اولى لان جعل الاغواء مقسما به غير متعارف اذ الايمان مبنية على العرف [ هرجه بعرف مردمان أنرا سوكند توان كفت يمين است والالا ] يقول الفقير حفظه الله القدير سمعت من حضرة شيخى وسندى روح الله روحه ان آدم عليه السلام كاشف عن شأنه الذاتى فسلك طريق الادب حيث { قال ربنا ظلمان انفسنا } واما ابليس فلم يكن له ذلك ولذلك قال { بما اغويتنى } حيث اسند الاغواء الى الله تعالى اذ تلك الغواية كانت ثابتة فى عينه العلمية وشأنه الغيبى فاقتضت الظهور فى هذا العالم فاظهرها الله تعالى ومن المحال ان يظهر الله تعالى ما ليس بثابت ولا مقدور وقولهم السعادة الازلية والعناية الرحمانية من طريق الادب والا فاحوال كل شئ تظهر لا محالة فاسمع واحفظ وصن : قال الحافظ
بير ما كفت خطا برقلم صنع نرفت ... آفرين بر نظر باك خطا بوشش بود
{ ولاغوينهم اجمعين } ولاحملنهم اجمعين على الغواية والضلالة
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)
{ الا عبادك منهم المخلصين } الذين اخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من شوائب الشرك الجلى والخفى فلا يعمل فيهم كيدى فانهم اهل التوحيد الحقيقى على بصيرة من امرهم ويقظة (6/412)
وفى التاويلات النجمية اخصلتهم من حبس الوجود بجذبات الالطاف وافنيتهم عنهم بهويتك
ومما كتب لى من باب واحد وهو التخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقا والصديق والمخلص بالفتح من باب واحد وهو التخلص ايضا من شوائب الغيرية والثانى اوسع فلكا واكثر احاطة فاجتهد فى اللحوق باصحاب الثانى حتى تامن من جميع الاغيار والاكدار وكفاك فى شرف الصدق ان اللعين ما رضى لنفسه الكذب حتى استثنى المخلصين : قال الحافظ
طريق صدق بياموز از آب صافى دل ... براستى طلب ازاد كى كوسرو جمن
وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « قال ابليس لربه عز وجل بعزتك وجلالك لا ابرح اغوى بنى آدم ما دامت الارواح فيهم فقال الله تعالى وعزتى وجلالى لا ازال اغفر لهم ما استغفرونى » وفى الحديث « لما لعن ابليس قال فبعزتك لا افارق قلب ابن آدم حتى يموت قال قيل له وعزتى لا احظر عنه التوبة حتى يغرغر بالموت » وانما خلق الله ابليس ليميز به العدو من الحبيب والشقى من السعيد فخلق الله الانبياء ليقتدى به الاشقياء ويظهر الفرق بينهما فابليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ما ثمنها قال ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون واعرضوا عنها والراغبون فيها لم يجدوا فى قلوبهم ترك الدين ولا الدنيا فقالوا له اعطنا مذاقة منها حتى ننظر ما هى فقال ابليس اعطونى رهنا فاعطوه سمعهم وابصارهم ولذا يحب ارباب الدنيا استماع اخبارها ومسارها ومشاهدة زينتها لان سمعهم وبصرهم رهن عند ابليس فاعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فلم يسمعوا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخرفها ومتاعها فلذلك قيل حبك الشئ يعمى ويصم
ودخل قوم على ابى مدين فشكوا وسوسة الشيطان فقال قد خرج من عندى الساعة وشكا منكم وقال قل لاصحابك يتركوا دنياى حتى اترك لهم دينهم ومتى تعرضوا لمتاعى الدنيا اتشبث بمتاعهم الآخرة
قال احمد بن حنبل رحمه الله اعداؤك اربعة الدنيا وسلاحها لقاء الخلق وسجنها العزلة
جامى بملك ومال جوهر سفله دل مبند ... كنج فراع وكنج قناعت ترابس است
والشيطان وسلاحه الشبع وسجنه الجوع
جوع باشد غذاى اهل صفا ... محنت وابتلاى اهل هوا
والنفس سلاحها النوم وسجنها السهر
تركس اندرخواب غفلت يافت بلبل صد وصال ... خفته تابينا بود دولت به بيداران رسد
والهوى وسلاحه الكلام وسجنه الصمت
اكربسيار دانى اندكى كوى ... يكى راصد مكوصدرا يكى كوى
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)
{ قال } الله تعالى لابليس { هذا } اى تخلص المخلصين من اغوائك { صراط } [ راهيست حق است ] { على } [ برمن رعايت آن ] اى كالحق الذى يجب مراعاته فى تأكيد ثبوته وتحقق وقوعه اذ لا يجب على الله شئ عند اهل السنة { مستقيم } لا عوج فيه ولا انحراف عنه . ويجوز ان يكون هذا اشارة الى الاخلاص على معنى انه طريق يؤدى الى الوصول الى من غير اعوجاج وضلال فايثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه فهو ادل على التمكين من الوصول وهو تمثيل اذلا استعلاء لشئ على الله تعالى (6/413)
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)
{ ان عبادى } وهم المشار اليهم بالمخلصين الجديرون بالاضافة الى جنابه تعالى لخلوصهم فى الايمان وسلامتهم من اضافة الوجوج الى انفسهم وحريتهم عما سوى الله تعالى { ليس لك عليهم } على قلوبهم { سلطان } تسلط وتصرف بالاغواء (6/414)
قال فى الاسئلة قيل للشيطان ما حالك مع ابى مدين قال كمثل رجل يبول فى البحر المحيط يريد ان يلوثه هل اسفه منه او كمثل رجل يريد ان يطفئ انوار الشمس بنفسه هل ترى اجهل منه
وقيل لبعضهم كيف مجاهدتك للشيطان قال ما الشيطان نحن قوم صرفنا هممنا الى الله تعالى فكفانا من دونه وفى معناه انشد
تسترت عن دهرى بظل جنابه ... فعينى ترى دهرى وليس يرانا
فلو تسأل الايام ما اسمى ما درت ... واين مكانى ما عرفن مكانيا
{ الا من اتبعك من الغاوين } [ مكر آنكس كه متابعت تو كند از كمراهان كه توبدو مسلط توانى شد ]
وفيه اشراة الى ان اغواءه للغاوين ليس بطريق السلطان بمعنى القهر والجبر بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم فيتسلط عليهم بالوسوسة والتزيين
فان قلت ان الله تعالى لم يمنع ابليس عن النبى صلى الله عليه وسلم
قلت سلطه عليه ثم عصمه منه ولذا اسلم شيطانه على يديه واخذه مرة وجعل رداءه فى عنقه حتى استعاذ منه فهو كمثل الفلاش يريد ان يطفئ نور السراج فيحرق نفسه
قال على رضى الله عنه الفرق بين صلاتنا وصلاة اهل الكتاب وسوسة الشيطان لنه فرغ من عمل الكفار لانهخم وافقوه يقول اذا كفر احد انى بريئ منك والمؤمن يخالفه والمحاربة تكون مع المخالفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ان الشيطان يوسوس لكم ما تكلمتم به لكفرتم فعليكم بقراءة قل هو الله احد »
قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه { وعباد الرحمن } العلماء الصلحاء { الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلام } وهم الذين قال الله تعالى فى حقهم { ان عبادى ليس لك عليهم سلطان } والعلماء الفسقاء الجهلاء الذين يمشون على الارض كبرا وتعظما واذا خاطبهم العالمون قالوا كلاما شنيعا وملاما قبيحا وهم الذين قال الله فى حقهم { الا من اتبعك من الغاوين } فاتقوا الله يا اولى الالباب من العلم الخبيث الذى مال اليه الخبيثون اذ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات واطلبوا يا ذوى القلوب العلم الطيب الذى قصد اليه الطيبون اذ الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات اولئك هم الراشدون المهديون لعلكم تفلحون فى الدنيا والآخرة بالعلم النافع والعمل الصالح وانفع جميع العلوم النافعة هو العلم الالهى الحاصل بالتجلى الالهى والفيض الرحمانى والالهام الربانى المؤيد بالكتاب اللاهى والحديث النبوى ولا يحصل ذلك العلم بهذا التجلى والفيض والالهام الا عند اصلاح الطبيعة بالشريعة تزكية النفس بالطريقة وتخلية القلب وتحلية الفؤاد بالمعرفة وتجلية الروح وتصفية السر بالحقيقة باكمل التوحيد واشمل التجريد وافضل التفريد من جميع ما سوى الله حتى لا يبقى فى الطلب والقصد والتوجه والمحبة شئ مما سواله من السفات الفانية ففروا الى الله من جميع ما سوى الله سبق المفردون السابقون اولئك المقربون انتهى كلام الشيخ فى اللائحات البرقيات : قال الجامى
از عالم صورت كه همه نقش خيالست ... ره سوى حقيقت نبرى درجه خيالى
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)
{ وان جهنم } معرب فارسى الاصل (6/415)
يقال ركيه اى بعيدة الغور وكأنه فى الفرس [ جه نم ] وفى تفسير الفاتحة للفنارى سميت جهنم لبعد قعرها يقال بئر جهنام اذا كانت بعيدة القعر وقعرها خمس وسبعون مائة من السنين وهى اعظم المخلوقات وهى سجن الله فى الآخرة { لموعدهم } مكان الوعد للمتبعين اى مصيرهم { اجمعين } تأكيد للضمير والعامل الاضافة يعنى الاختصاص لا اسم مكان فانه لا يعمل { لها سبعة ابواب } يدخلون منها كا باب فوق باب على قدر الطبقات لكل طبقة باب { لكل باب } من تلك الابواب المنفتح على طبقة من الطبقات وقوله { منهم } اى من الاتباع حال من قوله { جزء مقسوم } ضرب معين مفرز من غيره حسبما استعداده فللطبقة الاولى وهى العليا العصاة من المسلمين
وعن الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر انه قال تبقى جهنم خالية ومراده الطبقة العالية فانها مقر عصاة المؤمنين ولا ريب ان من كان فى قلبه مثقال ذرة من ايمان اى من معرفة الله تعالى فانه لا يبقى مخلدا فتبقى جهنم خالية . واما الطبقات السافلة فاهلها مخلدة
يقول الفقير لكلامه محمل آخر عندى معلوم عند القوم لا يصح كشفه وللطبقة الثانية اليهود وللثالثة الناصرى وللرابعة الصابئون وللخامسة المجوس وللسادسة المشركون وللسابعة المنافقون
واختلف الروايات فى ترتيب طبقات النار وفى الاكثر جهنم اولها وفيما بعدها اختلاف ايضا كما فى حواشى سعدى جلبى المفتى . وسميت جهنم لما سبق . ولظى لشدة ايقادها . والحطمة لانها تحطم . والسعير لتوقدها . وسقر لشدة الالتهاب . والجحيم لعمقها . والهاوية لهويها وتسفلها . وفى بحر العلوم اعلم انه لا يتعين لتلك الابواب السبعة الا من عصى الله تعالى بالاعضاء السبعة العين والاذن واللسان والبطن والفرج والرجل والاولى فى الترتيب ما فى الفتوحات ان كونها سبعة ابواب بحسب اعضاء التكليف وهى السمع والبصر واللسان واليدان والقدمان والفرج والبطن والاعضاء السبعة مراتب ابواب النار فاحفظها كلها من كل ما نهاه الله وحرمه والا يصير ما كان لك عليك وتنقلب التعمة عقوبة
هفت در دوزخند درتن تو ... ساخته نقششان درو در بند
هين كه درست تست قفل امروز ... درهرفت محكم اندر بند
وفى التأويلات النجمية { وان جهنم } البعد والاحتراق من الفراق { لموعدهم اجمعين لها سبعة ابواب } من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر { لكل باب } من الرواح المتبعين لابليس النفس المتصفين بصفاتها { جزؤ مقسوم } بحسب الاتصاف بصفاتها
وقيل خلق تعالى للنار سبعة ابواب دركات بعضها تحت بعض . وللجنة ثمانية ابواب درجات بعضها فوق بعض لن الجنة فضل والزيادة فى الفضل والثواب كرم وفى العذاب جور . وقيل الاذان سبع كلمات والاقامة ثمان فمن اذن واقان غلقت عنه ابواب النيران وفتحت له ابواب الجنة الثمانية
واعلم ان اشد الخلق عذابا فى النار ابليس الذى سن الشرك وكل مخالفة وعامة عذابه بما يناقض ما هو الغالب عليه فى اصل خلقته وهى النار فيعذب غالبا بما فى جهنم من الزمهرير
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45)
{ ان المتقين } الاتقاء على ثلاثة اوجه اتقاء عن محارم الله باوامر الله واتقاء عن الدنيا وشهواتها بالآخرة وردجاتها واتقاء عما سوى الله تعالى بالله وصفاته والاول تقوى العوام والثانى تقوى الخواص والثالث تقوى الاخص { فى جنات وعيون } مستقرون فيها لكل واحد منهم جنة وعين على ما تقتضى قاعدة مقابلة الجمع بالجمع والاستغراق هو المجموعى لو لكل منهم عدة منهما على ان يكون الالف واللام للاستغراق الافرادى (6/416)
قال الكاشفى يعنى [ باغها كه دران جشمها روان بود از شير وخمر وانكبين وآب ]
يقول الفقير جعل ما يستقرون فيه فى الآخرة كأنهم مستقرون فيه فى الدنيا لشدة اخذهم بالاسباب المؤدية اليه ونظيره فى حق اهل النار { ان الذين يأكاون اموال اليتامى ظلما انما ياكلون فى بطونهم نارا }
ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46)
{ ادخلوها } اى يقال لهم من ألسنة الملائكة عند وصولهم الى الباب وعند توجههم من جنة الى جنة ادخلوا ايها المتقون تلك الجنات ملتبسين { بسلام } اى حال كونكم سالمين من كل مخوف او مسلما عليكم يسلم الله تعالى عليكم والسلام من الله هو الجذبة الالهية كما فى التأويلات النجمية { آمنين } من الآفات حال اخرى (6/417)
وفى التاويلات { آمنين } من الموانع للدخول والخروج بعد الوصول وفيه اشارة الى ان السير فى الله لا يمكن الا بالله وجذباته كما كان حال النبى صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين تأخر عنه جبريل فى سدرة المنتهى
جنان كرم درتيه قربت براند ... كه درسدره جبريل ازو باز ماند
ونفى عنه الرفرف فى مقام قاب قوسين وما وصل الى مقام او ادنى وهو كمال القرب الابجذية ادن منى بفبسلام الله سلم من موانع الدخول والخروج بعد الوصول
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)
{ ونزعنا } [ وبيرون كشيم ] { ما فى صدورهم } [ آنجه درسينهاى بهشتيان باشد ] { من غل } اى حقد كامن فى القلب بسبب عداوة كانت منهم فى الدنيا (6/418)
عن على رضى الله عنه ارجو ان اكون انا وعثمان وطلحة والزبير منهم
وفيه اشارة الى ان غل اوصاف البشرية من امارية النفس وصفاتها الذميمة لا ينتزع من النفوس الا بنزع الله تعالى اياه ومن لم ينزع عنه الغل لم يأمن من الخروج بعد الدخول كما كان حال آدم عليه السلام لما ادخل الجنة قيل تزكية النفس ونزع صفاتها عنها اخرج منها بالغل الذى كان من نتائجه وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه ونزع الغل بالتوبة وهداه الى الجنة
يقول الفقير انتزاع الغل اما ان يكون فى الدنيا وذلك بتزكية النفس عن الاوصاف القبيحة وتخلية القلب عن سفساف الاخلاق وهو للكاملين واما ان يكون فى الآخرة وهو للناقصين جعلنا الله واياكم من المتصافين { اخوانا } حال من الضمير فى جنات
قال الكاشفى [ در آيند ببهشت در حالى كه برادران باشند يكديكريرا يعنى درمهر بانى ودوستارى ] وزاد فى هذه السورة اخوانا لنها نزلت فى اصحاب رسول الله عليه السلام وما سواها عام فى المؤمنين
يقول الفقير فهم اذا كانوا اخوانا يعنى على المصافاة لم يبق بينهم التحاسد لا فى الدنيا على العلوم والمعارف ولا فى الآخرة على درجات الجنة ومراتب القرب { على سرر } [ برادران نشسته بر تحتها از زر مكلل بجواهر { متقابلين } رويها بيكديكر أورده اند بهشتيان قفاى يكديكر نمى بينند ] قال مجاهد تدور بهم الاسرة حيث ما ارادوا فهم متقابلون فى جميع احوالهم يرى بعضهم بعضا وذلك من نتائج مصافاتهم فى الدنيا
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)
{ لا يمسهم } [ نميرسد ايشانرا ] { فيها } [ دربهشت ] { نصب } [ رنحى ومشقتى كه آن سراى تنعم وراحتست ] اى شئ منه اذ التنكير للتقليل لا غير (6/419)
قال فى الارشاد اى تعب بان لا يكون لهم فيها ما يوجبه من الكد فى تحصيل ما لا بد منه لحصول كل ما يريدونه من غير مزاولة عمل اصلا او بان لا يعتريهم ذلك وان باشروا الحركات العنيفة لكمال قوتهم { وما هم منها بمخرجين } ابد الآباد لان تمام النعمة بالخلود
وفى التأويلات النجمية { لا يمسهم فيها نصب } من الحسد لبعضهم على درجات بعض واهل كل درجة مقيمون فى تلك الدرجة لا خروج لهم منها الى درجة تحتها ولا فوقها وهم راضون بذلك لان غل الحسد منزوع منهم
باك وصافى شو واز جاه طبيعت بدر آى ... كه صفايى ندهد آب تراب آلوده
وفى الحديث « اول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يتمخطون ولا يتغوطون آنيتهم فيها الذهب وامشاطهم من الذهب والفضة ومجامر هم الالوة ورشحهم المسك لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض فى قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا » رواه البخارى
قال فى فتح القريب اى يصبحون الله بقدر البكرة والعشى فاوقات الجنة من الايام والساعات تقديرات فان ذلك انما يجيئ من اختلاق الليل والنهار وسير الشمس والقمر وليس فى الجنة من ذلك
قال القرطبى هذا التسبيح ليس عن تكليف والرزام لان الجنة ليست بمحل التكليف وانما هى محل جزاء وانما هو عن تيسير والهام كما قال فى الرواية الاخرى « يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير كما يلهمون النفس » ووجه التشبيه ان نفس الانسان لا بد له منه ولا كلفة عليه ولا مشقة فى فعله وسر ذلك ان قلوبهم قد تنورت بمعرفته وابصارهم قد تمتعت برؤيته وقد غمرتهم سوابغ نعمه وامتلآت افئدتهم بمحبته ومخالته فألسنتهم ملازمة ذكره ورهينة شكره فمن احب شيأ اكثر ذكره
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)
{ نبئ عبادى } [ آورده اندكه روزى حضرت بيغمبر صلى الله عليه وسلم درباب بنى شيبه بمسجد الحرام در آمد جمعى از اصحابه را ديدكه مى خندند فرمودكه « مالى اراكم تضحكون » جيست كه شمارا حندان مى بينم صحابه رايحه عتابى ازين سخن استشمام نمودند وآن حضرت در كنشت وهنوز بحجره نار سيده باز كشت وكفت جبرائيل آمد وبيغام أوردكه جرابتد كان مرا ن اميد سازى ] { نبئ عبادى } اى اعلم عبادى واخبرهم { انى } اى بانى { انا } وحدى فهو لقصر المسند على المسند اليه { الغفور } [ من لآمر زنده ام كسى راكه آمرزش طلبد ] { الرحيم } [ وبخشنده ام بركسى كه توبه كند ] اى لا يستر عليهم ولا يمحو ما كان منهم ولا ينعم عليهم بالجنة الا انا وحدى ولا يقدر على ذلك غيرى (6/420)
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)
{ وان عذابى } [ وبآنكه عذاب من برعاصى كه از توبه واستغفار منحرفست ] { هو العذاب الاليم } هو مثل انا المذكور اى واخبرهم بان ليس عذابى الا العذاب الاليم وفى توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب حيث لم يقل على وجه المقابلة وانى المعذب المؤلم ايذان بانهما مما يقتضيهما الذات وان العذاب انما يتحقق بما يوجبه من خارج وترجيح وعد الطف وتأكيد صفة العفو (6/421)
كرجه جرم من از عدد بيش است ... سقت رحمتى از ان بيش است
جه عجب كر عذاب ننمايد ... بركنه بيشكان ببخشايد
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان المختصين بعبوديته هم الاحرار عن رق عبودية ما سواه من الهوى والدنيا والعقبى وهم مظاهر صفات لطفه ورحمته والعذاب لمن يكون عبد الهوى والدنيا وما سوى الله وانه مظهر صفات قهره وعزته
وفيه اشارة اخرى الى ان سير السائرين وطيران الطائرين فى هواء العبودية وفضاء الربوبية انما يكون على قدمى الخوف والرجاء ولجناحى الانس والهيبة معتدلا فيهما من غير زيادة احداهما على الاخرى وفى الروضة لقى يحيى عليهما السلام فتبسم عيسى على وجه يحيى فقال مالى اراك لاهيا كأنك آمن فقال ما لى اراك عابسا كأنك آيس فقالا لا نبرح حتى ينزل علينا الوحى فاوحى الله تعاللى احبكما الى احسنكما ظنا بى وروى احبكما الى الطلق البسام ولم يزل زكريا عليه السلام يرى ولده يحيى مغموما باكيا مشغولا بنفسه فقال يا رب طلبت ولدا فانتفع به قال طلبته وليا والولى لا يكون الا هكذا
قال مسروق ان المخافة قبل الرجاء فان الله تعالى خلق جنة ونارا فلن تخلصوا الى الجنة حتى تمروا بالنار
يقول الفقير الذى ينبغى ان يقدمه العبد هو الخوف لانه الاصل وفيه تخلية القلب من الامانى الفاسد ولا ينافيه كون متعلق الرجاء هو السابق وهو رحمة الله الواسعة فانها الاصل وهو بالنسبة الى صفات الله ولذا جاء فى الحديث « لو يعلم العبد قدر رحمة الله ما تورع عن حرام ولو يعلم العبد قدر عقوبة الله لبخع نفسه » اى اهلكها فى عبادة الله تعالى « ولما اقدم على ذنب »
واعلم ان اسباب المغفرة كثيرة اعظمها العشق والمحبة فان الله تعالى انما خلق الانس والجن للعبادة الموصلة الى المعرفة الالهية والجذبة الربانية : قال الحافظ
هرجند غرق بحر كناهم زشش جهت ... كر آشناى عشق شوم غرق رحمتم
واسباب العذاب ايضا كثيرة اعظمها الجهل بالله تعالى وصفاته
فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق العشق والمحبة والمعرفة الى ان يصل الى المراد ويستريح من تعب الطلب والاجتهاد فان الواصل الى المنزل مستريح
وقد قيل الصوفى من لا مذهب له واما من بقى فى الطريق فهو فى اصبعى الرحمن لا يزال يتقلب من حال الى حال ومن امن الى خوف وبالعكس الى ان تنقطع الاضافات وعند ذلك يعتدل حاله ويستقيم ميزان علمه وعمله فيعبد الله تعالى الى ان يأتيه اليقين وهو الموت
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51)
{ ونبئهم } واخبر امتك يا محمد { عن ضيف ابراهيم } يستوى فيه القليل والكثير اى اضيافه وهو جبؤيل مع احد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم جعلهم ضيفا لانهم كانوا فى صورة الضيف او لكونهم ضيفا في حسبان ابراهيم عليه السلام (6/422)
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52)
{ اذ دخلوا عليه } ظرف لضيف فانه مصدر فى الاصل { فقالوا } عند دخولهم عليه { سلاما } اى نسلم سلاما قال سلام فما لبث ان جاء يعجل حنيذ فلما رأى ايديهم لا تصل اليه نكرهم واوجس منهم خيفة { قال } ابراهيم { انا منكم وجلون } خائفون فان الوجل اضطراب النفس لتوقع مكروه وانما قاله عليه السلام حين امتنعوا من اكل ما قربه اليهم من العجل الحنيذ لما ان المعتاد عندهم انه اذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا انه لم يجئ بخير لا عند ابتداء دخولهم (6/423)
قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53)
{ قالوا } اى الملائكة { لا توجل } لا تخف يا ابراهيم { انما نبشرك } استئناف فى معنى التعليل للنهى عن الوجل فان المبشر به لا يكاد يحوم حول ساحته خوف ولا حزن كيف لا وهو بشارة ببقائه وبقاء اهله فى عافية وسلامة زمانا طويلا . والبشارة هو الاخبار بما يظهر سرور المخبر به . والمعنى بالفارسية [ بدرستى ترامرده ميدهم ] { بغلام } [ به بشرى اسحاق نام ] { عليم } اي اذا بلغ . يعنى [ وقتى كه بلوغ رسد علم نبوت بوى خواهد رسيد ] (6/424)
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54)
{ قال أبشرتمونى } [ آيا بشارت ميدهدمرا ] { على ان مسنى الكبر } واثر فى الاستفهام للتعجب والاستبعاد وعلى بمعنى مع اى مع مس الكبر بان يولد لى اى ان الولادة امر مستنكر عادة مع الكبر عجيب من بين هرمين وهو حال اى أبشرتمونى كبيرا او بمعنى بعد اى بعدما اصابنى الكبر والهرم { فبم تبشرون } هى ما الاستفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قيل فبأى اعجوبة تبشرون (6/425)
وفى التفسير الفارسى [ بس بجه نوع مرده ميدهيدمرا ] وهو بفتح النون مع التخفيف لانها نون الجماعة وقرئ بكسر النون مع التخفيف لان اصله تبشرونى حذفت الياء واقيم الكسر مقامها
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55)
{ قالوا بشرناك بالحق } اى بما يكون لا محالة { فلا تكن من القانطين } من الآيسين من ذلك فان الله تعالى قادر على ان يخلق بسرا بغير ابوين فكيف من شيخ وعجوز عاقر وكان مقصده عليه السلام استعظام نعمته تعالى عليه فى ضمن التعجب العادى المبنى على سنة الله المسلوكة فيما بين عباده لا استبعاد ذلك بالنسبة الى قدرته تعالى كما ينبئ قوله تعالى بطريق الحكاية { من القانطين } دون من الممترين ونحوه (6/426)
قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)
{ قال ومن يقنط } استفهام انكارى اى لا يقنط { من رحمة ربه } [ ازبخشش آفريده كارحود ] { الا الضالون } اى المخطئون طريق المعرفة والصواب فلا يعرفون سعة رحمته وكمال علمه وقدرته كما قال يعقوب عليه السلام { لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون } ومراده نفى القنوط عن نفسه على ابلغ وجه اى ليس بى قنوط من رحمته تعالى وانما الذى اقول البيان منافاة حالى لفيضان تلك النعمة الحليلة على (6/427)
وفيه اشارة الى ان بشارته بغلام عليم مع كبره وكبر امرأته بشارة لطالب الصادق وانه وان كان مسنا قد ضعف جسمه وقواه وعجز عن جهاد النفس ومكاب\تها واستعمالها فى مباشرة الطاعات والاعمال البدنية ويؤسسه الشيطان من نيل درجات القرب لان اسباب تحصيل الكمال قد تناهت ومعظمها العمر والشباب ولهذا قال المشايخ الصوفى بعد الاربعين بارد فلا يقنط من رحمة ربع ويتقرب اليه باعمال القلبية ليتقرب اليه ربه باصناف الطاف الربوبية وجذبات اعطافه فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاما عليما بالعلوم اللدنية والرسوم الدينية وهو واعظ الله الذى فى قلب كل مؤمن وقد اشتغل افراد كالقفال والقدورى بعد كبرهم ففاقوا على علمهم وراقوا بمنظرهم ولطف الله تعالى واصل على كل حال
قال فى شرح الحكم من استغرب ان ينقذه الله مة شهوته التى اعتقلته عن الخيرات وان يخرجه من وجود غفلته التي شملته فى جميع الحالات فقد استعجز القدرة الالهية والله تعالى يقول { وكان الله على كل شئ مقتدرا } فابان سبحانه ان قدرته شاملة صالحة لكل شئ وهذا من الاشياء وان اردت الاستعانة على تقوية رجائك فى ذلك فانظر لحال من كان مثلك ثم انقذه الله مخصه بعنايته كابراهيم بن ادهم والفضيل ابن عياض وابن المبارك وذى النون ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمى البداية
تا سقا هم ربهم آيد جواب ... تشنه باش والله اعلم بالصواب
قال فى تاج العروس من قصر عمره فليدكر بالاذكار الجامعة مثل سبحان الله عدد خلقه ونحو ذلك والمراد بقصر العمر ان يكون رجوعه الى الله فى معترك المنايا ونحوها من الامراض المخوفة والاعارض المهولة
دع التكاسل تغنم قد جرى مثل ... كه زاد راهروان جستيست وجالاكى ...
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58)
{ قال } ابراهيم { فما خطبكم ايها المرسلون } اى امركم وشأنكم الخطر لعل ابراهيم عليه السلام علم بالقرائن ان مجيئ الملائكة ليس لمجرد البشارة بل لهم شأن آخر لاجله ارسلوا فكأنه قال ان لم يكن شأنكم مجرد البشارة فماذا هو { قالوا } اى الملائكة { انا ارسلنا الى قوم مجرمين } مصرين على اجرامهم متناهين فى آثامهم وهم قوم لوط (6/428)
إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59)
{ الا آل لوط } استثناء متصل من الضمير فى مجرمين اى الى قوم اجرموا جميعا الا آل لوط يريد اهله المؤمنين فالقوم والارسال شاملان للمجرمين وغيرهم . والمعنى انا ارسلنا الى قوم اجرم كلهم الا آل لوط لنهلك الاولين وننجى الآخرين واكتفى بنجاة الآل لانهم اذا نجوا وعم تابعون فالمتبوع وهو لوط اولى بذلك ولوط بت هاران بن تارخ وهو ابن اخى ابراهيم الخليل كان قد آمن به وهاجر معه الى الشام بعد نجاته من النار واختتن لوط مع ابراهيم وهو ابن ثلاث وخمسين وابراهيم ابن ثمانين او مائة وعشرين فنزل ابراهيم فلسطين وهى البلاد التى بين الشام ومصر منها الرملة وغزة وعسقلان وغيرها ونزل لوط الاردن وهى كورة بالشام فارسل الله لوطا الى اهل سدوم بالدال وكانت تعمل الخبائث فارسل الله اليهم ملائكة للاهلاك { انا لمنجوهم اجمعين } اى مما يصيب القوم من العذاب وهو قلب مدائنهم (6/429)
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60)
{ الا امرأته } استثناء من الضمير واسمها واهله { قدرنا } حكمنا وقضينا { انها لمن الغابرين } الباقين مع الكفرة لتهلك معهم واسند الملائكة فعل التقدير الى انفسهم وهو فعل الله تعالى لما لهم من القرب والاختصاص كما يقول خاصة الملك امرنا بكذا والآمر هو الملك . (6/430)
فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61)
{ فلما جاء آل لوط المرسلون } اى الملائكة . (6/431)
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62)
{ قال } لوط { انكم قوم منكرون } غرباء لا يعرفون او ليس عليكم زى السفر ولا انتم من اهل الحضر فاخاف ان تطرقونى بشر (6/432)
قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63)
{ قالوا } ما جئناك بما تنكرنا لاجله { بل جئناك } [ بلكه آمده ايم بتو ] { بما كانوا فيه يمترون } اى بما فيه سرورك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذى كنت تتوعدهم بنزوله فيمتورن فى وقوعه اى يشكون ويكذبوك جهلا وعنادا (6/433)
وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64)
{ واتيناك } [ آورده اين بتو ] { بالحق } بالمتقين الذى لا مجال فيه للامتراء والشك وهو عذابهم { وانا لصادقون } فى الاخبار بنزوله بهم (6/434)
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65)
{ فاسر باهلك } فاذهب بهم من السرى وهو السير فى الليل (6/435)
قال الكاشفى [ بس برون بر از شهر اهل خودرا بشب ] { بقطع من الليل } فى طائفة من الليل اى بعض منه . وبالفارسية [ در باره ازشب بكذرد ] { واتبع ادبارهم } جمع دبر وهو من كل شئ عقبه ومؤخره اى وكن على اثرهم لتسوقهم وتسرع بهم وتطلع على احوالهم فلا تفرط منهم التفاتة استحياء منك ولا غيرها من الهفوات
قال فى برهان القرآن لانه اذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم ولا يخفى عليه حالهم { ولا يلتفت منكم } اى منك ومنهم { احد } فيرى ما وراءه من الهول فلا يطيقه او جعل الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التوانى والتوقف لان من يلتفت لا بد له من ادنى وقفة ولم يقل ولا يلتفت منكم احد الا امرأتك كما فى هود اكتفاء بما قبله وهو قوله الا امرأته { وامضوا } [ وبرويد ] { حيث تؤمرون } حيث امركم الله بالمضى اليه وهو الشام او مصر او زغر وهى قرية بالشام
قال الكاشفى [ شهرستان بنجم لست اهل آن هلاك نخوا هندشد ]
وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)
{ وقضينا اليه } واوحينا الى لوط مقتضيا مبتوتا { ذلك الامر } مبهم يفسره { ان دابر هؤلاء } المجرمين اى آخرهم { مقطوع } [ بريده وبركنده است ] اى مهلك يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم احد { مصبحين } خال من هؤلاء اى وقت دخولهم فى الصبح وهو تعين وقت هلاكهم كما قال الله تعالى { ان موعدهم الصبح } وتلخيصه اوحينا اليه انهم يهلكون جميعا وقت الصبح فكان كذلك (6/436)
وفى الآيات اشارات
الاولى ان لا عبرة بالنسب والقرابة والصحبة بل بالعلم النافع والعمل الصالح ألا ترى ان الله استثى امرأة لوط فجعلها فى الهالكين ولم تنفعها الزوجية بينها وبين لوط كما لم تنفع البوة والنبوة بين نوح وابنه كنعان ولله در من قال
بابدان يار كشت همسر لوط ... خاندان نبوتش كم شد
وذلك انها اصبحت لوطا صورة لا سيرة وصحبت الكفرة صورة وسيرة فلم تنفعها الصورة
بيش اند ناس صورت ونسناس سيرتان ... خلقى كه آدم اند بخلق وكرم كم اند
والنسناس حيوان بحرى صورته كصورة الانسان وقيل غير ذلك
والثانية ان الشك من صفات الكفرة كما ان اليقين من صفات المؤمنين : وفى المثنوى
افت وخيزان ميرود مرغ كمان ... با يكى بر بر اميد آشيان
جون زطن وارست علمش رونمود ... شد دوبر آن مرغ برها را كشود
والثالثة ان سالك طريق الحق ينبغى اة لا يلتفت الى شئ سوى الله تعالى لانه المقصد الاقصى والمطلب الاعلى بل يمضى الى حيث امر وهو عالم الحقيقة ألا ترى ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الى يمينه ويساره ليلة المعراج بل توجه الى مقام قاب قوسين وهو عالم الصفات ثم الى مقام اوادنى وهو عالم الذات ولم يعقه عائق اصلا وهكذا شأن من له علو همة من المهاجرين من بلد الى بلد ومن مقام الى مقام : قال المولى الجامى قدس سره
نشان عشق جه برسى زهر نشان بكسل ... كه تا اسير نشاتى به بى نشان نرسى
نسأل الله العصمة من الوقوف فى موطن النفس والوصول الى حظيرة القدس والانس
وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67)
{ وجاء اهل المدينة } [ جون زن لوط مهمانان نيكورورا ديد خبر بقوم فرستاد ] وجاء اهل سدوم التى ضرب بقاضيها المثل فى الجور منزل لوط ومدائن قوم لوط كانت اربعا وقيل سبعا واعظمها سدوم (6/437)
وفى درياق الذنوب لابن الجوزى كانت خمسين قرية { يستبشرون } الاستبشار [ شاد شدن ] اى مظهرين السرور بانه نزل بلوط عدة من المرد فى غاية الحسن والجمال قصدا الى ارتكاب الفاحشة
قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68)
{ قال } لوط لهم لما قصدوا اضيافه { ان هؤلاء ضيفى } اطلاق الضيف على الملائكة بحسب اعتقاده عليه السلام لكونهم فى زى الضيف { فلا تفضحون } [ بس مرا رسواى مكنيد درنزد ايشان ] بان تتعرضوا لهم بسوء فيعلموا انه ليس لى قدر وحرمة او لا تفضحون بفضيحة فان من اهين ضيفه او جاره فقد اهين كما ان الاكراك كذلك . يقال فضحه كمعه كشف مساويه واظهر من امره ما يلزمه العار (6/438)
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69)
{ واتقوا الله } فى مباشرتكم لما يسوءنى او فى ركوب الفاحشة واحفظوا ما امركم له ونهاكم عنه { ولا تخزون } ولا تذلونى ولا تهينونى بالتعرض لمن اجرتهم بمثل تلك الفعلة القبيحة . وبالفارسية [ ومرا خار وحنجل مسازيد بيش مهمانان ] من الخزى وهو الهوان (6/439)
قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70)
{ قالوا أو لم ننهك عن العالمين } [ از حمايت عالميان يعنى غريبان كه فاحشه ايشان مخصوص بغربا بوده ] (6/440)
قال فى الارشاد الهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر اى ألم نقدم اليك وننهك عن التعرض لهم بمنعهم عنا وكانوا يتعرضون لكل واحد من الغرباء بالسوء وكان عليه السلام يمنعهم عن ذلك بقدر وسعه وهم بنهونه عن ان يجير احد او يوعدونه بقولهم لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ولما رآهم لا يقلعون عما هم عليه
قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71)
{ قال هؤلاء بناتى } اى بنات قومى فازوجهن اياكم او تزوجوهن ففى الكلام حذف وانما جعل بنات قومه كبناته فان كل نبى ابو امته من حيث اشفقة والتربية رجالهم بنوه ونساؤهم بناته او اراد بناته الصلبية اى فتزوجوهن ولا تتعرضوا للاضياف وقد كانوا من قبل يطلبوهن ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم مشروعية النكاح بين المسلمات والكفار فان نكاح المؤمنات من الكفار كان جائزا فاراد ان يقى اضيافه ببناته كرما وحمية (6/441)
وقيل كان لهم سيدان مطاعان فاراد ان يزوجهما ابنتيه ايثا وزعورا { ان كنتم فاعلين } قضاء الشهوة فيما احل الله دون ما حرم فان الله تعالى خلق النساء للرجال لا الرجال للرجال
وفى الآيات فوائد
الاولى ان اكرام الضيف ورعاية الغرباء من اخلاق الانبياء والاولياء وهو من اسباب الذكر الجميل : قال الحافظ
تيمار غريبان سبب ذكر جميلست ... جانا مكراين قاعده درشهر شمانيست
وقال السعدى قدس سره
غريب آشنا باش وسياح دوست ... كه سياح جلاب نام نكوست
وفى الحديث « من اقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وقى الضيف دخل الجنة » كما فى الترغيب
والثانية انه لا بد لكل مؤمن متق ان يسد باب الشر بكل ما امكن له من الوجوه ألا ترى ان لوطا عليه السلام لما لم يجد مجالا لدفع الخبيثين عرض عليهم بناته بطريق النكاح وان كانوا غير اكفاء دفعا للفساد
والثالثة ان محل التمتع هى النساء لا الرجال كما قالوا ضرر النظر فى الامرد اشد لامتناع الوصول فى الشرع لانه لا يحل الاستمتاع بالامرد ابدا : قال السعدى قدس سره
خرابت كند شاهد خانه كن ... برو خانه آباد كردان بزن
نشايد هوس باختن باكلى ... كه هر بامدادش بود بلبلى
مكن بد بفرزند مردم نكاه ... كه فرزند خويشت برآيد تباه
جرا طفل يكروزه هوشش نبرد ... كه در صنع ديدن جه بالغ جه خرد
محقق همى بيند از آب وكل ... كه در خو برويان جين وجكل
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)
{ لعمرك } قسم من الله تعالى بحياة النبى صلى الله عليه وسلم وهو المشهور وعليه الجمهور والعمر بالفتح والضم واحد وهو البقاء الا انهم خصوا القسم بالمفتوح لايثار الاخف لان الحلف كثير الدور على ألسنتهم ولذلك حذفوا الخبر وتقديره لعمرك قسمى كما حذفوا الفعل فى قولهم تالله { انهم } اى قوم لوط { لفى سكرتهم } غوايتهم او شدة غلمتهم التى ازالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ الذى هم عليه والصواب الذى يشار به اليهم من ترك البنين الى البنات { يعمهون } يتحيرون ويمتازون فكيف يسمعون النصح (6/442)
قال فى القاموس العمه التردد فى الضلال والتحير فى منازعة او طريق او ان لا يعرف الحجة عمه كجعل وفرح عمها وعموها وعموهة وعمهانا فهو عمه وعامه انتهى . ويعمهون حال من الضمير فى الجار والمجرور كما فى بحر العلوم وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما خلق الله تعالى نفسا اكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت الله اقسم بحياة احد غيره
وفى التأويلات النجمية هذه مرتبة ما نالها احد من العالمين الا سيد المرسلين وخاتم النبيين عليه الصلاة والسلام من الازل الى الابد وهو انه تعالى اقسم بحياته عن نفسه باقيا بربه كما قال تعالى { انك ميت } اى ميت عنك حى بنا وهو مختص بهذا المقام المحمود انتهى
جون نبى ازهستئ خود سربتافت ... فرق باكش از لعمرك تاج يافت
داشت از حق زندكى دربندكى ... شد لعمرك جلوه آن زندكى
واعلم ان الله تعالى قد اقسم بنفسه فى القرآن فى سبعة مواضع والباقى من القسم القرآنى قسم بمخلوقاته كقوله { والتين والزيتون . والصافات . والشمس . والضحى } ونحوها
فان قلت ما الحكمة فى معنى القسم من الله تعالى فان كان لاجل المؤمن فالمؤمن يصدق بمجرد الاخبار من غير قسم وان كان لاجل الكافر فلا يفيده
قلت ان القرآن نزل بلغى العرب ومن عادتها القسم اذا ارادت ان تؤكد امرا
فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعالى قد اقسم بالخلق وقد ورد النهى عن القسم بغير الله تعالى
قلت فى ذلك وجوه
احدها انه على حذف مضاف اى ورب التين ورب الشمس وواهب العمر
والثانى ان العرب كانت تعظم هذه الاشياء وتقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفون
والثالث ان الاقسام انما يكون بما يعظم المقسم او يجله وهو فوقه والله تعالى ليس فوقه شئ فاقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته فان القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع لان ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل اذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل فهو يقسم بما شاء من خلقه وليس لاحد ان يقسم الا بالله وهذا كالنهى عن الامتنان قال الله تعالى
{ بل الله يمن عليكم } وعن تزكية النفس ومدحها وقد مدح الله تعالى نفسه وقد اقسم الله تعالى بالنبى عليه الصلاة والسلام فى قوله { لعمرك } ليعرف الناس عظمته عند الله ومكانته لديه فالقسم اما لفضيلة او لمنفعة كقوله { والتين والزيتون } وكان الحلف بالآباء معتادا فى الجاهلية فلما جاء الله تعالى بالاسلام نهاهم الرسول عليه السلام عن الحلف بغير الله تعالى (6/443)
واختلف فى الحلف بمخلوق والمشهور عند المالكية كراهيته وعند الحنابلة حرام
وقال النووى هو عند اصحابنا مكروه وليس بحرام قيد العراقى ذلك فى شرح الترمذى بالحلف بغير اللات والعزى وملة الاسلام فاما الحلف بنحو هذا فحرام والحكمة فى النهى عن الحلف بغير الله تعالى ان الحلف يقتضى تعظيم المحلوف به وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى لا يضاهى بها غيرها وقسمه تعالى بما شاء من مخلوقاته تنبيه على شرف المحلوف له فهو سبحانه ليس فوقه عظيم يحلف به فتارة يحلف بنفسه وتارة بمخلوقاته كما فى الفتح القريب . ويمكن ان يكون المراد بقولهم لعمرى وامثاله ذكر صورة القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط لانه اقوى من سائر المؤكدات واسلم من التأكيد بالقسم بالله تعالى لوجوب البر به وليس الغرض اليمين الشرعى وتشبيه غير الله تعالى به فى التعظيم وذكر صورة القسم على هذا الوجه لا بأس به كما قال عليه السلام « قد افلح وابيه » كذا فى الفروق
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73)
{ فاخذتهم } اى قوم لوط { الصيحة } اى صيحة جبريل عليه السلام { مشرقين } اى حال كونهم داخلين فى وقت شروق الشمس وهو بالفارسية [ برآمدن خرشيد ] وكان ابتداء العذاب حين اصبحوا كما قال { ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } وتمامه حين اشرقوا لان جبريل قلع الارضين بهم ورفعها الى السماء ثم هوى بها نحو الارض ثم صاح بهم صيحة عظيمة فالجمع بين مصبحين ومشرقين باعتبار الابتداء والانتهاء فمقطوع على حقيقته فان دلالة اسمى الفاعل والمفعول على الحال وحال القطع هو حال المباشرة لا حال انقضائه لانه مجاز حينئد وذلك ان تقول مقطوع بمعنى بقطع عن قريب (6/444)
فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74)
{ فجعلنا عاليها } [ زبر آن شهر ستانهارا ] { سافلها } زير آن يعنى زير وبر طردانيم آنرا ] وذلك بان رفعناها الى قريب من السماء على جناح جبريل ثم قلبناها عليهم فصارت منقلبة بهم (6/445)
وقوله عاليها مفعول اول لجعلنا وسافلها مفعول ثان له وهو ادخل فى الهول والفظاعة من العكس { وامطرنا عليهم } فى تضاعيف ذلك قبل تمام الانقلاب { حجارة } كائنة { من سجيل } من طين متحجر عليه اسم من يرمى به فهلكوا بالخسف والحجارة
قال فى القاموس السجيل كسكيت حجارة كالمدر معرب [ سنك كل ] او كان طبخت بنار جهنم وكتب فيها اسماء القوم او قوله تعالى { من سجيل } اى من سجل مما كتب لهم انهم يعذبون بها قال تعالى { وما ادراك ما سجين كتاب مرقوم } والسجيل بمعنى السجين
قال الازهرى هذا أحسن ما مر عندى وابينها انتهى
وفى الكواشى وامطرنا على شذاذهم اى على من غاب عن تلك البلاد
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75)
{ ان فى ذلك } اى فيما ذكر من القصة من تعرض قوم لوط لضيف ابراهيم طمعا فيهم وقلب المدينة على من فيها وامطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم { لآيات } لعلامات يستدل بها على حقيقة الحق ويعتبر { للمتوسمين } اى المتفكرين المتفرسين الذين يبسطون فى نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشئ وباطنه بسمته . وبالفرسية [ مرخدا وندان فراست راكه بريركى درنكرند وحقيقت ايشان بسمات آن بشناسند ] يقال توسمت فى فلان كذا اى عرفت وسمه فيه اى أثره وعلامته وتوسم الشئ تحيره وتفرسه (6/446)
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76)
{ وانها } [ وبدرستى كه آن شهر ستانهاى مؤتفكة ] { لبسبيل مقيم } اى طريق ثابت يسلكه الناس ويروم آثار تلك البلاد بين مكة والشام لم تندرس بعد فاتعظوا بآثارهم يا قريش اذا ذهبتم الى الشام لانها فى طريقكم (6/447)
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77)
{ ان فى ذلك } اى فى كون آثار تلك القرى بمرأى من الناس يشاهدونها فى ذهابهم وايابهم { لآية } عظيمة { للمؤمنين } بالله ررسوله فانهم الذين يعرفون ان ما حاق بهم من العذاب الذى ترك ديارهم بلاقع انما حاق بهم لسوء صنيعهم واما غيرهم فيحملون ذلك على الاتفاق او الاوضاع الفلكية . وافراد الآية بعد جمعها فيما سبق لما ان المشاهد ههنا بقية الآثار لا كل القصة كما فيما سلف (6/448)
وقال فى برهان القرآن ما جاء فى القرآن من الآيات فلجمع الدلائل وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه فلما ذكر عقبيه المرمنين وهم مقرون بوحدانية الله تعالى وحد الآية انتهى
وفى الآيات فائدتان
الاولى مدح الفراسة وهى الاصابة فى النظر وفى الحديث « ان كان فيما مضى قلبكم من الامم محدثون » المحدث بفتح الدال المشددة هو الذى يلقى فى نفسه شئ فيخبر به فراسة ويكون كما قال وكأنه حدثه الملأ الاعلا وهذه منزلة جليلة من منازل الاولياء « فانه ان كان فى امتى هذه فانه عمر بن الخطاب » لم يرد النبى عليه السلام بقوله ان كان فى امتى التلادد فى ذلك لان امته افضل الامم واذا وجد فى غيرها محدثون ففيها اولى بل اراد بها التأكيد لفضل عمر كما يقال ان يكن لى صديق فهو فلان يريد بذلك اختصاصه بكمال الصداقة لانفى سائر الاصدقاء وفى الحديث « اتقوا فراسة العلماء لا يشهدوا عليكم بشهادة فيكبكم الله بها يوم القيامة على مناخركم فى النار فوالله انه لحق يقذفه الله فى قلوبهم ويجعله على ابصارهم » وعنه عليه السلام « اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله ثم قرأ ان فى ذلك لآيات للمتوسمين » كذا فى بحر العلوم [ لآورده اندكه خراجه بزركوار قطب الاخيار خواجه عبد الخالق مجدوانى قدس سره روزى درمعرفت سخن مى كفت ناكاه جوانى در آمد بصورت زاهدان خرقه در بر وسجاده بر كتف دركوشه بنشست وبعد اززمانى برخاست وكفت حضرت رسالت صلى الله عليه وسلم فرموده كه « اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله » سراين حديث جيست حضرت خواجه فرمودندكه سراين حديث آنست كه زنار ببرى وايمان آرى جوان كفت نعوذ بالله كه در من زنار باشد خواجه بخادم كفت خزقه ازسر جوان بركش زنارى بديد آمد جوان فى الحال زمار ببريد وايمان آورد وحضرت خواجه فرمودندكه اى ياران بياييد تابر موافقت اين نوعهدكه زنار ظاهر ببريد زنارهاى باطن را قطع كنيم خروش از مجلسيان برآمد ودرقدم خواجه افتادند تجديد توبه كردند
توبه جون باشد بشمان آمدن ... بر درحق نومسلمان آمدن
هام را توبه زكار بدبود ... خاص را توبه زديد خود بود
والفائدة الثانية ان فى اهلاك الامم الماضية وانجاء المؤمنين منهم ايقاظا وانتباها ووعدا ووعيدا وتأديبا لهذه الامة المعتبرين فاعبتروا باحوالهم واجتنبوا عن افعالهم وابكوا فهه ديار الظالمين ومصارعهم (6/449)
وكان يحيى بن زكريا عليه السلام يبكى حتى رق خده وبدت اضراسه هذا وقد كان على الجادة فكيف بمن حادوا خوانى الدنيا سموم قاتلة والنفوس عن مكايدها غافلة كم من دار دارت عليها دوائر النعم فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس وفقنا الله واياكم للهدى وعصمنا من اسباب الجهل والردى وسلمنا من شر النفوس فانها شر العدى وجعلنا من المنتفعين بوعظ القرآن والمعتبرين بآيات الفرقان ما دام هذا الروح فى البدن وقام فى المقام والوطن
وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78)
{ وان كان } ان مخففة من ان وضمير الشأن الذى هو اسمها محذوف واللام هى الفارقة بينها وبين النافية اى وان الشأن كان { اصحاب الايكة } وهم قوم شعيب عليه السلام . والايكة الشجر الملتف المتكاثف وكانت عامة شجرهم المقل (6/450)
قال فى القاموس المقل المكى ثمر شجر الدوم وكانوا يسكنونها فبعثه الله اليهم كما بعثه الى اهل مدين فكذبوه
وقال بعضهم مدين وايكة واحد لان الايكة كانت عند مدين وهذا اصح كما فى تفسير ابى الليث
قال الجوهرى من قرأ اصحاب الايكة فهى الغيضة ومن قرأ ليكة فهى اسم القرية { لظالمين } متجاوزين عن الحد
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79)
{ فانتقمنا منهم } [ بس انتقام كشيديم از ايشان بعذاب يوم الظلمة ] (6/451)
قال فى التبيان اهلك الله اهل مدين بالصيحة واهل الايكة بالنار وذلك ان الله ارسل عليهم حرا شديدا سبعة ايام فخرجوا ليستظلوا بالشجر من شدة الحر فجاءت ريح سموم بنار فاحرقتهم
وفى بعض التفاسير بعث الله سحابة فالتجأوا اليها يلتمسون الروح فبعث الله عليهم منها نارا فاحرفتهم فهو عذاب يوم الظلة ونعم ما قيل والشر اذا جاء من حيث لا يحتسب كان اغم { وانهما } يعنى سدوم التى هى اعظم مدائن قوم لوط والايكة { لبأمام مبين } لبطريق واضح . وبالفارسية [ برراهى روشن وهويداست كه مردم ميكذرند ومى بينند ] والامام اسم ما يؤنم به قال الله تعالى { انى جاعلك للناس اماما } اى يؤتم ويقتدى بك ويسمى به الكتاب ايضا لانه يؤتم بما احصاه الكتاب قال الله تعالى { يوم ندعو كل اناس بامامهم } اى بكتابهم وقال { وكل شئ احصيناه فى امام مبين } يعنى فى اللوح المحفوظ وهو الكتاب ويسمى الطريق اماما لان المسافر يأتم به ويستدل به ويسمى مطمر البناء اماما وهو الزيج اى الخيط الذى يكون مع البنائين
[ معرب زه ]
قال ابو الفرج بن الجوزى كان قوم شعيب مع كفرهم يبخسون المكاييل والموازين فدعاهم الى التوحيد ونهاهم عن التقطيف - روى - عن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما فسأله كيف يبيع فاخبره فاوحى الله اليه ان ادخل يدك فاذا هو مبلول فقال عليه الصلاة والسلام « ليس منا من غش »
قال فى القاموس غشه لم يمحضه النصح او اظهر خلاف ما اضمر والمغشوش الغير الخالص والاسم الغش بالكسر
وفى تهذيب المصادر الغش
[ خيانت كردن ]
واشتقاقه من الغشش وهو الماء الكدر
وفى الفتح القريب اصله اى الغش من اللبن المغشوش وهو المخلوط بالماء تدليسا
وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام وقد حسنه صاحبه فادخل فيه يده فاذا هو طعام رديئ فقال « بع هذا على حدة وهذا على حدة فمن غشنا فليس منا »
وعن ابى هريرة رضى الله عنه عن النيى صلى الله عليه وسلم ان رجلا كان يبيع الخمر فى سفينة له ومعه قرد فى السفينة وكان يشوب الخمر بالماء فاخذ القرد الكيس فصعد الذروة وفتح الكيس فجعل يأخذ دينارا فى السفينة ودينارا فى البحر جتى جعله نصفين وفى الحديث « اذا ضيعت الامانة فانتظر الساعة » وفى الحديث « ليأتين على الناس زمان لا يبالى المرؤ مم اخذ المال من حلال او من حراك » يا ابن آدم عينك مطلقة فى الحرام ولسانك مطلق فى الآثام وجسدك يتعب فى كسب الحطام تيقظ يا مسكين مضى عمرك وانت فى غفلتك فاين الدليل على سلامتك
عليك بالقصد لا تطلب مكاثرة ... فالقصد افضل شئ انت طالبه
فالمرؤ يفرح بالدنيا وبهجتها ... ولا يفكر ما كانت عواقبه
حتى اذا ذهبت عنه وفارقها ... تبين الغبن فاشتدت مصائبه
قال السعدى قدس سره
قناعت كن اى نفس براند كى ... كه سلكان ودرويش بينى يكى
مبر طاعت نفس شهوت برست ... كه هرساعتش قبله جيكرست
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80)
{ ولقد كذب اصحاب الحجر المرسلين } الحجر بكسر الحاء اسم لارض ثمود قوم صالح عليه السلام بين المدينة والشام عند وادى القرى كانوا يسكنونها وكانوا عربا وكان صالح عليه السلام من افضلهم نسبا فبعثه الله اليهم رسولا وهو شاب فدعاهم حتى شمط ولم يتبعه الا قليل مستضعفون (6/452)
كوى توفيق وسلامت درميان افكنده اند ... كس بميدان درنمى آيد سوارانرجه شد
فكذب اصحاب الحجر اى ثمود المرسلين اى صالحا فان من كذب واحدا من الانبياء فقد كذب الجميع لاتقانهم على التوحيد والاصول التى لا تختلف باختلاف الامم والاعصار ونظيره قولهم فلان يلبس الثياب ويركب الدواب وماله الاثوب ودابة
يقول الفقير كما لا اختلاف بين الانبياء فى اصول الشرائع كذلك لا اختلاف بين الاولياء فى اصول الحقائق بل وقد تتحد العبارات ايضا اذا لكل اخذون من مشرب واحد مكاشفون عن ذات الله تعالى وصفاته وافعاله ومن فرق بينهم كان مكذبا للكل
بى خبر كازاراين آزار اوست ... آب اين خم متصل با آب جوست
وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81)
{ وآتيناهم } اى ثمود { آياتنا } هى الناقة كان فيها آيات كما قال الكاشفى [ خروج ناقه ازسنك معجزه ايست مشتمل بربسيارى ازغرائب جون بزركى خلقت كه هركز شترى بعظمت او نبوده وزادن بعد از خروج يعنى ولادتها مثلها فى العظم فى الحال وبسيارى شيركه همه يمودرا كافى بود وبرسرجاه آمدن آب در روز نوبت اووخوردن تمام آب رابيك نوبت ] (6/453)
قال فى الفتح القريب لما طال دعاؤه اقترحوا ان يخرج لهم الناقة فكان من امرها وارمهم ما ذكر الله تعالى فى كتابه العزيز { فكانوا عنها } اى عن تلك الآيات { معرضين } اعراضا كليا بل كانوا معارضين لها حيث فعلوا بالناقة ما فعلوا . والاعراض [ روى بكردانيد ازجيز ] وكان عقر الناقة وقسم لحمها يوم الاربعاء
قال ابن الجوزى لا بالناقة اعتبروا ولا بتعويضهم اللبن شكروا عتوا عن المنعم وبطروا وعموا عن الكرم فما نظروا وكلما رأوا آية من الآيات كفروا الطبع الخبيث لا يتغير والمقدر عليه ضلالة لا يزول : قال الحافظ
بآب زمزم وموثر سفيد نتوان كرد ... كليم بخت كسى راكه بافتند سياه
وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82)
{ وكانوا ينحتون } النحت بالفارسى [ بتراشيدن ] { من الجبال } جمع جبل . وبالفارسية [ كوه ] (6/454)
قال فى القاموس الجبل محركة كل وتد للارض عظم وطال فان انفرد فاكمة اوقنة { بيوتا } جمع بيت وهى اسم مبنى مسقف مدخله من جانب واحد بنى للبيتوتة سواء كان حيطانه اربعة او ثلاثة والدار تطلق على العرصة المجردة بلا ملاحظة البناء معها { آمنين } من الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الاعداء لوثاقتها فهو حال مقدرة او من العذاب والحوادث لفرط غفلتهم
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)
{ فاخذتهم الصيحة ] اى صيحة جبريل قانه صاح فيهم صيحة واحدة فهلكوا جميعا (6/455)
وقيل اتتهم من السماء صيحة فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شئ فى الارض فتقطعت قلوبهم فى صدورهم وفى سورة الاعراف { فاخذتهم الرجفة } اى الزلزلة ولعلها لوازم الصيحة لتموج الهواء تموجا شديدا يفضى اليها فهى مجاز عنها { مصبحين } حال من الضمير المنصوب اى داخلين فى وقت الصبح فى اليوم الرابع وهو يوم الاحد والصبح يطلق على زمان ممتد الى الضحوة واول يوم من الثلاثة اصفرت وجوه القوم وفى الثانى احرت وفى الثالث اسودت فلما كلمت الثلاثة صح استعدادهم للفساد والهلاك فكان اصفرار وجوه الاشقياء فى موازنة اسفار وجوه السعداء قال تعالى { وجوه يومئذ مسفرة } ثم جاء فى موازنة الاحمرار قوله تعالى فى السعداء { وجوه يومئذ ضاحكة } فان الضحك من الاسباب المولدة لاحمرار الوجوه فالضحك فى السعداء احمرار الوجنات ثم جعل فى موازنة تغيير بشرة الاشقياء بالسواد قوله تعالى { مستبشرة } وهو ما اثره السرور فى بشرتهم كما اثر السواد فى بشرة الاشقياء
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84)
{ فما اغنى عنهم } اى لم يدفع عنهم ما نزل بهم يقال ما يغنى عنك هذا اى ما يجدى عنك وما ينفعك { ما كانوا يكسبون } من بناء البيوت الوثيقة والاموال الوافرة والعدد المتكاثرة - روى - ان صالحا عليه السلام انتقل بعد هلاك قومه الى الشام بمن اسلم معه فنزلوا رملة فلسطين ثم انتقل الى مكة فتوفى بها وهو ابن ثمان وخمسين سنة وكان اقام فى قومه عشرين سنة (6/456)
وعن جابر رضى الله عنه مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا « لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا انفسهم الا ان تكونوا باكين حذرا ان يصيبكم مثل ما اصاب هؤلاء » ثم زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على اصحابه رضى الله عنه ان يجتازوا على تلك الديار غير متعظين بما اصاب اهل تلك الديار فنبه عليه الصلاة والسلام على ان الانسان لا ينبغى له السكنى فى اماكن الظلمة مخافة ان يصيبهم بلاء فيصاب به او تسرق طباعه من طباعهم ولو كانت خالية منهم لان آثارهم مذكرة باحوالهم وربما اورثت قسوة وجبروتا
يقول الفقير اذا كان لا ينبغى للمؤمن السكنة فى اماكن الظلمة لا ينبغى له اداء الصلاة فيها ولا الحركة اليها بلا ضرورة قوية فان الله تعالى خلق الاماكن على التفاوت كما خلق الازمان كذلك وشان التقوى العزيمة دون الرخصة والمرؤ اذا اطلق اعضاءه الظاهرة اطلق قواه الباطنة وفيه اختلال الحال وميل القلب الى ما سوى الله المتعال ولن يكون عارفا الا بالتوجه الى الحضرة العلياء
ذو النون المصرى قدس سره [ ميكويد روزى دراثناء سفر بدر شهرى رسيدم خواستم كه دراندرون شهر روم بردر آن شهر كوشكى ديدم وجوبى روان بنزديك جوى رفتم وطهارت كردم جون جشم بربام كوشك افتاد كنيز كى ديدم ايستاده درغايت حسن وجمال جون نظر او بمن افتاد كفت اى ذو النون جون ترا ازدور ديدم بنداشتم كه مجنونى وجون طهارت كردى تصور كردم كه عالمى وجون از طهارت فارغ شدى وبيش آمدى بنداشتم كه عارفى اكنون محقق شدم كه نه مجنونى ونه عالمى ونه عارفى كفتم جرا كفت اكرديوانه بودى طهارت ونكردى واكر عالم بودى نظر بخائه بيكانه ون محرم نكردى واكر عارف بودى دل تو بما سوى الله مائل نبودى : قال الخجندى
سالك باك رو نخوانندش ... آنكه ازماسوى منزه نيست
آستين كوتعى جه سودانرا ... كه زدنياش كوته نيست
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87)
{ وما خلقنا السموات والارض وما بينهما } اى بين جنسى السموات والارضين ولو اراد بين اجزاء المذكور لقال بينهن (6/457)
وفيه اشارة الى ان اصل السموات واحدة عند بعضهم قم قسمت كذا فى الكواشى { الا بالحق } اى الا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة لا باطلا وعبثا او للحق والباء توضع موضع اللام يعنى لينظر عبادى اليهما فيعتبروا
دوجشم ازبى صنع بارى نكوست ... زعيب برادر فرو كير ودوست
در معرفت ديده آدميست ... كه بكشوده بر آسمان وزميست
{ وان الساعة } اى القيامة لتوقعها كل ساعة كما فى المدارك
وقال ابن ملك هى اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم
وقال ابن الشيخ سميت الساعة ساعة لسعيها الى جانب الوقوع ومسافتها الانفاس { لآتية } لكائنة لا محالة كما قيل [ كرجه قيامت دير آمد ولى مى آمد ] اى فينتقم الله لك يا محمد فيها من اعدائك وهم المكذبون ويجازيك على حسناتك واياهم على سيآتهم فانه ما خلق السموات والارض وما بينهما الا ليجزى كل محسن باحسانه وكل مسئ باساءته { فاصفح الصفح الجميل } يقال صفح عنه عفا وصفح اعرض وترك اى فاعرض عن المكذبين اعراضا جميلا وتحمل اذيتهم ولا تعجل بالانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم
قال الكاشفى يعنى [ عفوكن حق نفس خودرا ورد صدد مكافات مباش ]
{ ان ربك } الذى يبلغك الى غاية الكمال { هو الخلاق } لك ولهم ولسائر الموجودات على الاطلاق
قال الكاشفى [ اوست آفريننده خلائق وافلاك نظم خالق افلاك وانجمبر علا مردم وديو وبرى وردغ را ]
خالق دريا ودشت وكوه وتيه ... ملكت او بى حد واولى شبيه
نقش اوكرجست ونقاش من اوست ... غيرا كردعوى كندا وظلم جوست
{ العليم } [ دانا باهل وفاق ونفاق ]
وفى الارشاد باحوالك واحوالهم بتفاصيلها فلا يخفى عليه شئ مما جرى بينك وبينهم فهو حقيق بان تكل جميع المور ليحكم بينهم
وفى الآية امر بالمخالفة بالخلق الحسن وكان صلى الله عليه وسلم احسن الناس خلقا وارجح الناس حلما واعظم الناس عفوا واسخى الناس كفا
قال الفضيل الفتوة الصفح عن عثرات الاخوان
وكان زين العابدين عظيم التجاوز والصفح والعفو حتى انه سبه رجل فتغافل عنه فقال له ابارك اعنى فقال وعنك اعرض اشار الى آية خذ العفو ائمر بالعرف واعرض عن الجاهلين
ولما ضرب جعفر بم سليمان العباسى والى المدينة مالكا رضى الله عنه ونال منه وحمل مغشيا وافاق قال اشهدكم انى جعلت ضاربى فى حل ثم سئل فقال خفت ان اموت والقى النبى صلى الله عليه وسلم واستحيى منه ان يدخل بعض آله النار بسببى
ولما قدم المنصور المدينة ناداه ليقتص له من جعفر فقال اعوذ بالله والله ما ارتفع منها سوط الا وقد جعلته فى حل لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم
قيل الحلم ملح الاخلاق (6/458)
وكانت عائشة رضى الله عنها تبكى على جارية فقيل لها فى ذلك فقالت ابكى حسرة على ما فاتنى من تحمل السفه منها والحلم عن سوء خلقها فانها سيئة الخلق
والاشارة { وما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق } اى لا مظهر الآيات الحث بالحق لارباب الحق المكاشفين بصفات الحق فانه لا شعور للسموات والارض وما بينهما من غير الانسان بانها مظهر لآيات الحق وانما الشعور بذلك للانسان الكامل كما قال { ان فى خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولى الالباب } وهم الذين خلص لب اخلاقهم الربانية من قشر صفاتهم الانسانية وفيه معنى آخر { وما خلقنا السموات } اى سموات الارواح { والارض } اى ارض الاشباح { وما بينهما } من النفوس والقلوب والاسرار والخفيات { الا بالحق } اى الا بالمظهر الحق ومظهره الانسان فانه مخصوص به من بين سائر المخلوقات والمكونات لانه بجميع مبانيه الظاهرة ومعانيه الباطنة مرآة لذات الحق تعالى وصفاته فهو مظهره عند التزكية والتصفية ومظهره عند التخلية والتحلية لشعوره بذلك كما كان حال من صقل مرآته عن صدأ انانيته وتجلى بشهود هويته عند تجلى ربوبيته بالحق فقال انا الحق ومن قال بعد فناء انانيته عند بقاء السبحانية سبحانى ما اعظم شأنى
وفى قوله { وان الساعة لآتية } اشارة الى ان قيامة العشق لآتية لنفوس الطالبين الصادقين من اصحاب الرياضات فى مكابدة النفس ومجاهدتها لان الطلب والصدق والاجتهاد من نتائج عشق القلب وانه سيتعدى الى النفس لكثرة الاجتهاد فى رياضتها فتموت عن صفاتها فى يامة العشق ومن مات فقد قامت قيامته { فاصفح الصفح الجميل } يا ايها الطالب الصادق عن التفس المرتاضة بان تواسيها وتدارسها ولا تحمل عليها اصرا ولا تحملها ما لا طاقى لها به فان فى قيامة العشق يحصل من تزكية العشق فى لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة فى سنين كثيرة لان العشق جذبة لحق وقال صلى الله عليه وسلم « جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين » { ان ربك هو الخلاق العليم } يشير بالخلاق وهو المبالغة الى انه تعالى خالق لصور المخلوقات ومعانيها وحقائقها العلم بمن خلقه مستعدا لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما له شعوره بها كذا فى التأويلات النجمية { ولقد آتيناك } قال الحسين بن الفضل ان سبع قوافل وافت من بصرى واذرعات ليهود قريظة والنضير فى يوم واحد بمكة فيها انواع من البزوافاويه الطيب والجوهر وامتعة البحر فقالت المسلمون لو كانت هذه الاموال لنا لتقوينا بها وانفقناها فى سبيل الله فانزل الله هذه الآية وقال قد اعطيتكم سبع آيات هى خير لكم من هذه السبع القوافل ويدل على صحة هذا قوله تعالى على اثرها { لا تمدن عينيك } الآية كما فى اسباب النزول للامام الواحدى [ ودر تيسير آورده كه هفت كاروان قريش دريكروز بمكه در آمدند با مطاعم بسيار وملابس بيشمار ودر خاطر مبارك حضرت فرمودكه مؤمنان ران كرسنه وبرهنه كذرانند ومشركانرا اين همه مال باشد ] فقال الله تعالى { ولقد آتيناك } يا محمد { سبعا } هى الفاتحة لانها مائة وثلاثة وعشرون حرفا وخمس وعشرون كلمة وسبع آيات بالاتفاق غير ان منهم من عد انعمت عليهم دون التسمية ومنهم من عكس { من المثانى } وهى القرآن ومن للتبعيض كما قال تعالى فى سورة الزمر
{ الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها مثانى } جمع مثنى لانه ثنى فيه اى كرر فى القرآن الوعد والوعيد والامر والنهى والثواب والعقاب والقصص كما فى الحواشى { والقرآن العظيم } [ وديكر داديم ترا قرآن عظيم كه نزد ما قدر او بزرك وثواب او بسيارات ] وهو من عطف الكل على البعض وهو السبع ويجوز ان يكون من للبيان فالسبع هى المثانى كقوله { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } يعنى اجتنبوا الاوثان وتسمية الفاتحة مثانى لتكرر قراءتها فى الصلاة ولانها تثنى بما يقرأ بعدها فى الصلاة من السورة والآيات لان نصفها ثناء العبد لربه ونصفها عطاء الرب للعبد ويؤيد هذا الوجه قوله عليه السلام لابى سعد لاعلمنك سورة هى اعظم سورة فى القرآن قال ما هى قال « الحمد لله رب العالمين وهى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى اوتيته » وهذا يدل على جواز اطلاق القرآن على بعضه (6/459)
قال فى الفتح القريب عطف القرآن على السبع المثانى ليس من باب عطف الشيء على نفسه وانما هو من باب ذكر الشيء بوصفين احدهما معطوف على الآخر اى هى الجامعة لهذين الوصفين
يقول الفقير لما كانت الفاحة اعظم ابعاض القرآن من حيث اشتمالها على حقائقهصح اطلاق الكل عليها واما كونا مثانى فباعتبار تكرر كل آية منها فى كل ركعة ولا يبعد كل البعد ان يقال ان تسميتها بالمثانى باعتبار كونها من اوصاف القرآن والجزؤ اذا كان كأنه الكل صح اتصافه بما اتصف به الكل
لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)
{ لا تمدن عينيك } اى نظر عينيك ومد النظر تطويله وان لا يكاد يرده استحسانا للمنظور اليه اى ولا تطمح ببصرك طموح راغب ولا تدم نظرك { الى ما متعنا به } من زخارف الدنيا وزينتها ومحاسنها وزهرتها اعجابا به وتمنيا ان يكون لك مثله { ازواجا منهم } اصنافا من الكفرة كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الاصنام فان ما فى الدنيا من اصناف الاموال والذخائر بالنسبة الى ما اوتيته من النبوة والقرآن والفضائل والكمالات مستحقر لا يعبأ به فان اوتيته كمال مطلوب بالذات مفض الى دوام اللذات يعنى قد اعطيت النعمة العظمى (6/460)
بيش درياى قدر حرمت تو ... نه محيط فلك حبابى نيست
دارى آن سلطنت كه در نظرت ... ملك كوين در حسابى نيست
فاستغن بما اعطيت ولا تلتفت الى متاع الدنيا ومنه الحديث « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » ذكر الحافظ لهذا الحديث اربعة اوجه : احدها ان المراد بالتغنى رفع الصوت . والثانى الاستغناء بالقرآن عن غيره من كتاب آخر ونحوه لفضله كما قال ابو بكر رضى الله عنه من اوتى القرآن فرأى ان احدا اوتى من الدنيا افضل مما اوتى فقد صغر عظيما وعظم صغيرا . والثالث تغريد الصوت وتطييبه بالقراءة من غير تغريد الصوت { ولا تحزن عليهم } اى على الكفرة حيث لم يؤمنوا ولم ينتظموا فى سلك اتباعك ليتقوى بهم ضعفاء المسلمين لان مقدورى عليهم الكفر
وقال الكاشفى [ واندوه مخور برياران خود بى نوايى ودرويشى ] { واخفض جناحك للمؤمنين } وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وارفق بهم وطب نفسا عن ايمان الاغنياء مستعار من خفض الطائر جناحه اذا اراد ان ينخط قال فى تهذيب المصادر الخفض [ فرو بردن ] وهو ضد الرفع قال الله تعالى { خافضة رافعة } اى ترفع قوما الى الجنة وتخفض قوما الى النار [ ودر كشف الاسرار كفته كه خفض جناح كنايتست از خوش خويى ومقرراست كه خلعت خلق عظيم جزبر بالاى آن حضرت نيامده ]
ذات ترى وصف نكو خوييست ... خوى توسؤ مايه نبكوييست
روز ازل دوخته حكيم قديم ... برقد تو خلعت خلق عظيم
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89)
{ وقل انى انا النذير المبين } اى المنذر المظهر لنزول عذاب الله وحلوله (6/461)
وقال فى انسان العيون ذكر فى سبب نزول قوله تعالى { ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم } ان عيرا لابى جهل قدمت من الشام بمال عظيم وهى سبع قوافل ورسول الله واصحابه ينظرون اليها واكثر اصحابه بهم عرى وجوع فخطر ببال النبى عليه السلام شيء لحاجة اصحابه فنزلت اى اعطيناك سبعا من المثانى مكان سبع قوافل فلا تنظر لما اعطيناه لابى جهل وهو متاع الدنيا الدنية ولا تحزن على اصحابك واخفض جناحك لهم فان تواضعك لهم اطيب لقلوبهم من ظفرهم بما يجب من اسباب الدنيا
ففى زوائد الجامع الصغير ( ان لو فاتحة الكتاب جعلت فى كفة الميزان والقرآن فى الكفة الاخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات )
وفى لفظ ( فاتحة الكتاب شفاء من كل داء ) ذكر فى خواص القرآن انه اذا كتبت الفاتحة فى اناء طاهر ومحيت بماء طاهر وغسل وجه المريض بها عوفى باذن الله تعالى واذا كتبت بمسك فى اناء زجاج ومحيت بماء الورد وشرب ذلك الماء البليد الذهن الذى لا يحفظ سبعة ايام زالت بلادته وحفظ ما يسمع
والاشارة قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو الانسان الكامل { ولقد آتيناك سبعا } هى سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والارادة والقدرة { من المثانى } اى من خصوصية المثانى وهى المظهرية والمظهرية لذاته وصفاته مختصة بالانسان فان غير الانسان لم توجد له المظهرية ولو كان ملكا ومن ههنا يكشف سر من اسرار وعلم آدم الاسماء كلها فمنها اسماء صفات الله وذاته لان آدم كان مظهرها ومظهرها وكان الملك مظهر بعض صفاته ولم يكن مظهرا ولذا قال تعالى { ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئونى باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين } فلما لم يكونوا مظهرها وكانوا مظهر بعضها { قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا } ولهذا السر اسجد الله الملائكة لآدم عليه السلام { والقرآن العظيم } اى حقائقه القائمة بذاته تعالى وخلقا من اخلاقه القديمة بان جعل القرآن العظيم خلقه العظيم كما قال تعالى { وانك لعلى خلق عظيم } ولما سئلت عائشة رضى الله عنها عن خلق النبى صلى الله عليه وسلم قالت كان خلقه القرآن وفى قوله { لا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم } اشارة الى ان الله تعالى اذا انعم على عبده ونبيه بهذه المقامات الكريمة والنعم العظيمة يكون من نتائجها ان لا يمد عينيه لا عين الجسمانى ولا عين الروحانى الى ما متع الله به ازواجا من الدنيا والآخرة منهم اى من اهلها { ولا تحزن عليهم } اى على ما فاته من مشاركتهم فيها كما كان حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج اذ يغشى السدرة ما يغشى من نعيم الدارين ما زاغ البصر برؤيتها وما طغى بالميل اليها ثم قال { واخفض جناحك للمؤمنين } فى هذا المقام قياما باذاء تشكر نعم الله وتواضعا له لنزيدك بها فى النعمة والرفعة
وفيه معنى آخر واخفض بعد وصولك الى مقام المحبوبية جناحك لمن اتبعك من المؤمنين لتبلغهم على جناح همتك العالية الى مقام المحبوبية يدل على هذا التأويل قوله تعالى { قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } كما فى التأويلات النجمية
كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90)
{ كما انزلنا على المقتسمين } هو من قول الله تعالى لا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام متعلق بقوله ولقد آتيناك لانه بمعنى انزلنا عليك سبعا من المثانى والقرآن العظيم انزالا مماثلا لا نزال الكتابين على اليهود والنصارى المقتسمين (6/462)
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91)
{ الذين جعلوا القرآن } المنزل عليك يا محمد { عضين } اجزاء . وبالفارسية [ باره باره يعنى بخش كردند قرآنرا ] والموصول مع صلته صفة مبينة لكيفية اقتسامها اى قسموا القرآن الى حق وباطل حيث قالوا عنادا وعدوانا بعضه حق موافق للتوراة والانجيل وبعضه باطل مخالف لهما وهذا المعنى مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما . والغرض بيان المماثلة بين الايتاءين لا بين متعلقيهما كما فى الصلوات الخليلية فان التشبيه فيها ليس لكون رحمة الله الفائضة على ابراهيم وآله اتم واكمل مما فاض على لنبى عليه الصلاة والسلام وانما ذلك للتقدم فى الوجود فليس فى التشبيه اشعار بافضلية المشبه به فضلا عن ايهام افضلية ما تعلق به الاول مما تعلق به الثانى فان عليه الصلاة والسلام اوتى ما لم يؤت احد قبله ولا بعد مثله . وعضين جمع عضة وهى الفرقة والقطعة اصلها عضوة فعلة من عضى الشاة تعضية اذا جعلها اعضاء وانما جمعت جمع السلامة جبرا للمحذوف وهو الواو كسنين وعزين والتعبير عن تجزية القرآن بالتعضية التى هى تفريق الاعضاء من ذى الروح المستلزم لازالة حياته وابطال لسمعه دون مطلق التجزئة والتفريق اللذين يوجدان فيما لا يضره التبعيض من المثليات للتنصيص على كمال قبح ما فعلوه بالقرآن العظيم هذا (6/463)
وقد قال بعضهم المقتسمون اثنا عشر او ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة ايام موسم الحج فاقتسموا عقاب مكة وطرقها وقعدوا على ابوابها فاذا جاء الحاج قال واحد منهم لا تغتروا بهذا الرجل فانه مجنون وقال آخر كاهن وآخر عرّاف وآخر شاعر وآخر ساحر فثبط كل واحد منهم الناس عن اتباعه عليه الصلاة والسلام ووقعوا فيه عندهم فاهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وعلى هذا فيكون الموصول مفعولا او لا لانذر الذى تضمنه النذير اى انذر المعضين الذين يجزؤن القرآن الى شعر وسحر وكهانة واساطير الاولين مثل ما انزلنا على المقتسمين اى سننزل على ان يجعل المتوقع كالواقع وهو من الاعجاز لانه اخبار بما سيكون وقد كان هذا المعنى هو الاظهر ذكره ابن اسحاق كذا فى التكملة لابن عساكر
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)
{ فوربك لنسألنهم اجمعين } اى لنسألن يوم القيامة اصناف الكفرة من المقتسمين وغيرهم سؤال توبيخ وتقريع بان يقال لم فعلتم وقوله تعالى { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان } اى لا يسألون اى شيء فعلتم ليعلم ذلك من جهتهم لان سؤال الاستعلام محال على الملك العلام ويجوز ان يكون السئوال مجازا عن المجازاة لانه سببها (6/464)
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)
{ عما كانوا يعملون } فى الدنيا من قول وفعل وترك (6/465)
وقال فى بحر العلوم فان قلت قد ناقض هذا قوله { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان } قلت ان يوم القيامة يوم طويل مقدار خمسين الف سنة ففيه ازمان واحوال مختلفة فى بعضها لا يسألون ولا يتكلمون كما قال النبى عليه الصلاة والسلام « تمكثون الف عام فى الظلمة يوم القيامة لا يتكلمون » وفى بعضها يسألون ويتساءلون قال الله تعالى { واقبل بعضهم على بعض يتساءلون } وفى بعضها يتخاصمون
وقال كثير من العلماء يسألهم عن لا اله الا الله وهى كلمة النجاة وهى كلمة الله العليا لو وضعت فى كفة والسموات والارضون السبع فى كفة لرجحت بهن من قالها مرة غفر له ذنوبه وان كانت مثل زبد البحر : قال المغربى
اكرجه آيينه دارى از براى رخش ... ولى جه سودكه دارى هميشه آينه تار
بيا بصيقل توحيد زآينه بردار ... غبار شرك كه تاباك كردد از زنكار
وفى التأويلات النجمية كان النبى عليه الصلاة والسلام مأمورا باظهار مقامه وهو النبوة وبتعريف نفسه انه نذير للكافرين كما انه بشير للمؤمنين وانه لما امر بالرحمة والشفقة ولين الجانب للؤمنين بقوله { واخفض جناحك للمؤمنين } اظهارا للطف امر بالتهديد والوعيد والانذار بالعذاب للكافرين اظهارا للقهر بقوله { وقل انى انا النذير المبين كما انزلنا على المقتسمين } اى ننزل عليكم العذاب كما انزلنا على المقتسمين وهو الذين اقتسموا قهر الله المنزل على انفسهم بالاعمال الطبيعية غير الشرعية فانها مظهر قهر الله وخزائنه كما ان الاعمال الشرعية مظهر لطف الله وخزائنه فمن قرع باب خزانة اللطف اكرم الله به وانعم به عليه ومن دق باب خزانة القهر اهين به وعذب ثم اخبر عن اعمالهم التى اقتسموا قهر الله بها على انفسهم بقوله { الذين جعلوا القرآن عضين } اى جزأوه اجزاء فى الاستعمال فقوم قرأه وداموا على تلاوة ليقال لهم القراء وبه يأكلون وقوم حفظوه بالقراآت ليقال لهم الحافظ وبه يأكلون وقوم حصلوا تفسيره وتأويله طلبا للشهرة واظهارا للفضل ليأكلوا به وقوم استخرجوا معانيه واستنبطوا فقهه وبه يأكلون وقوم شرعوا فى قصصه واخباره ومواعظه وحكمه وبه يألكون وقوم اولوه على وفق مذاهبهم وفسروه بآرائهم فكفروا لذلك ثم قال { فوربك لنسألنهم اجمعين عما كانوا يعملون } انما عملوه بالله وفى الله ولله او بالطبع فى متابعة النفس للمنافع الجنيوية نظيره قوله { ليسأل الصادقين عن صدقهم } انتهى ما فى التأويلات
قوله عن صدقهم اى عنده تعالى لا عندهم كذا فسره الجنيد قدس سره وهو معنى لطيف عميق غان الصدق والاسلام عند الخلق سهل ولكن عند الحق صعب فتسأل الله تعالى ان يجعل اسلامنا وصدقنا حقيقيا مقبولا لا اعتباريا مردودا
وعن ابى القاسم الفقيه انه قال اجمع العلماء على ثلاث خصال انها اذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها الا ببعض الاسلام الخالص عن الظلمة وطيب الغذاء والصدق لله فى الاعمال
قال فى درياق الذنوب وكان عمر بن عبد العزيز يخاف من العدل ولا يأمن العدول رؤى فى المنام بعد موته باثنتى عشرة سنة فقال الآن تخلصت من حسابى فاعتبر من هذا يا من اكب على الاذى
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)
{ فاصدع بما تؤمر } ما موصولة والعائد محذوف اى فاجهر بما تؤمر به من الشرائع اى تكلم به جهارا واظهره وبالفارسية [ بس آشكارا كن وبظاهر قيام نمادى بآنجه فرستاده اند ازاوامر ونواهى ] يقال صدع بالحجة اذا تكلم بها جهارا من الصديع وهو الفجر اى الصبح او فاصدع فافرق بين الحق والباطل واكشف الحق وابنه من غيره من الصدع فى الزجاجة وهو الابانة كما قال فى القاموس الصدع الشق فى شيء صلب ثم قال وقوله تعالى { فاصدع بما تؤمر } اى شق جماعاتهم بالتوحيد (6/466)
وفى تفسير ابى الليث كان رسول الله عليه السلام قبل نزول هذه الآية مستخفيا لا يظهر شيأ مما انزل الله تعالى حتى نزل { فاصدع بما تؤمر }
يقول الفقير كان عليه الصلاة والسلام مأمورا باظهار ما كان من قبيل الشرائع والاحكام لا ما كان من قبيل المعارف والحقائق والحقائق فانه كان مأمورا باهفائه الا لاهله من خواص الامة وقد توارثه العلماء بالله الى هذا الآن كما قال المولى الجامى
رسيد جان بلب ودم نمى توانم زد ... كه سر عشق همى ترسم آشكار شود
واما ما صدر من بعضهم من دعوى المأمورية فى اظهار بعض الامور الباعثة على تفرق الناس واختلافهم فى الدين فمن الجهل بالمراتب وعدم التمييز بين ما كان ملكيا ورحمانيا وبين ما كان نفسانيا وشيطانيا فان الطريق والمسلك والمطلب عزيز المنال والله الهادى الى حقيقة الحال
نكته عرفان مجو از خاطر آلود كان ... جوهر مقصود را دلهاى باك آمد صدف
{ واعرض عن المشركين } اى لا تلتفت الى ما يقولون ولا تبال بهم ولا تقصد الانتقام منهم
فان قلت قد دعا النبى عليه الصلاة والسلام على بعض الكفار فاستجيب له كما روى انه مر بالحكم ابن العاص فجعل الحكم يغمز به عليه السلام فرآه فقال « اللهم اجعل به وزغا » فرجف وارتعش مكانه والوزغ والارتعاش وهذا لا ينافى ما هو عليه من الحلم والاغضاء على ما يكره
قلت ظهر له فى ذلك اذن من الله تعالى ففعل ما فعل وهكذا جميع افعاله واقواله فان الوارث الكامل لا يصدر منه الا ما فيه اذن الله تعالى فما ظنك باكمل الخلق علما وعملا وحالا
إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)
{ انا كفيناك المستهزئين } بقمعهم واهلاكهم (6/467)
قال الكاشفى [ بدرستى كه ما كفايت كرديم ازتوشر استهزا كنندكان ] { الذين يجعلون مع الله } [ آنانكه ميزنند وشريك ميكنند باخداى حق ] { الها آخر } [ خداى ديكر باطل ] يعنى الاصنام وغيرها والموصول منصوب بانه صفة المستهزئين ووصفهم بذلم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهوينا للخطب عليه باعلامه انهم لم يقتصروا على الاستهزاء به عليه السلام بت اجترأوا على العظيمة التى هى الاشراك بالله سبحانه { فسوف يعلمون } [ بس زود بدانند عاقبت كاروبينند مكافات كردار خودرا ] فهو عبارة عن الوعيد وسوف ولعل وعسى فى وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الامر وجده ولا مجال للشك بعده فعلى هذا جرى وعد الله وعيده والجمهور على انها نزلت فى خمسة نفر ذوى شأن وخطر كانوا يبالغون فى ايذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به فاهلكهم الله فى يوم واحد وكان اهلاكهم قبل بدر منهم العاص بن وائل السهمى والد عمر بن العاص رضى الله عنه كان يخلج خلف رسول الله بانفه وفمه يسخر به فخرج فى يوم مطير على راحلة مع ابنين له فنزل شعبا من تلك السعاب فلما وضع قدمه على الارض قال لدغت فطلبوا فلم يجدوا شيأ فانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير فمات مكانه ومنهم الحارث بن القيس بن العطيلة اكل حوتا لمالحا فاصابه عطش شديد فلم يزل يشرب الناء حتىنقد اى انشق بطنه فمات فى مكانه ومنهم الاسود بن المطلب بن الحارث خرج مع غلام له فاتاه جبريل وهو قاعد الى اصل شجرة فجعل ينطح اى يضرب جبريل رأسه على الشجرة وكان يستغيث بغلامه فقال غلامه لا أرى احد يصنع بك شيأ غير نفسك فمات مكانه وكان هو واصحابه ويصفرون اذا رأوه ومنهم اسود بن عبد يغوث خرج من اهله فاصابه السموم فاسود حتى صتر كالفحم واتى اهله فلم يعرفوه فاغلقوا دونه الباب ولم يدخلوه دارهم حتى مات
قال فى انسان العيون هو اى الاسود هذا ابن خال النبى عليه الصلاة والسلام وكان اذا رأى المسلمين قال لاصحابه استهزاء بالصحابة كانت رثة وعيشهم خشنا ومنهم الوليد ابنى المغيرة والد خالد رضى الله عنه وعم ابى جهل خرج يتبختر فى مشيئته حتى وقف على رجل يعمل السهام فتعلق سهم فى ثوبه فلم ينقلب لينحيه تعاظما فاخذ طرف ردائه ليجعله على كتفه فاصاب السهم اكحله فقطعه ثم لم ينقطع عنه الدم حتى مات
وقال الكاشفى فى تفسيره [ آورده اندكه بنج تن از اشراف قريش در ايذاء وآزارسيد عالم صلى الله عليه وسلم بسيار كوشيدندى وهرجاكه ويرا ديدندى بفسوس واستهزاء بيش آمدندى روزى آن حضرت در مسجد حرام نشستسه بودبا جبرائيل اين بنج تن بر آمدند وبدستور معهود سخنان كفته بطواف حرم مشغول شدند جبرائيل فرمود يا رسول الله مردا فرموده اندكه شر ايشانرا كفايت كنم بس اشارت كرد بساق وليد بن مغيره وبكف باى عاص بن وائل وبه بينى حارث بن قيس وبروى اسود بن عبد يغوث وبجشم اسود بن مطلب وهربنج ازيشان دراندك زمانى هلاك شدند وليد بدبكان تير تراشى بكذشت وبيكانى دردامن او آويخت ازروى عظمت سر زير نكردكه از جامه باز كند آن بيكان ساق ويرا مجروح ساخت ورك شريانى ازان بريده كشت وبدوزخ رفت وخارى در كف باى عاص خليده بايش ورم كردوبدان بمرد واز بينى حارث خون وقيح روان شدوجان بداد واسود روى خود را بخاك وخاشاك ميزد تاهلاك شد وجشم اسود بنم مطلب نابيناشد از غضب سربر زمين زدتاجانش بر آمد ] وحينئذ يكون معنى كفاية هذا له عليه الصلاة والسلام انه لم يسع ولم يتكلف فى تحصيل ذلك كما فى انسان العيون وهؤلاء هم المرادون { بقوله انا كفيناك المستهزئين } وان كان المستهزئون غير منحصرين فيهم فقد جاء ان ابا جهل وابا لهب وعقبة والحكم بن العاص ونحوهم كانوا مستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم فى اكثر الاوقات بكل ما امكن لهم من طرح القذر على بابه والغمز ونحوهما : وفى المثنوى
آن دهان كزكرد واز تسخر بخواند ... مر محمد رادهانش كزبماند (6/468)
باز آمد كاى محمد عفو كن ... اى ترا الطاف وعلم من لدن من تر افسوس مى كردم زجهل
من بدم افسوس رامنسوب واهل ... جون خدا خواهد كه برده كس درد
ميلش اندر طعنه باكان برد ... ورخدا خواهدكه بوشد عيب كس
كم زندد درعيب معيوبان نفس ... وفى التأويلات { انا كفيناك المستهزئين } الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة للخليقة ويرائون انهم لله يعملون استهزاء بدين الله الله يستهزئ بهم الى قوله وما كانوا مهتدين لانهم { الذين يجعلون مع الله الها آخر } وهو الخلق والهوى والدنيا فى استعمال الشريعة بالطبيعة { فسوف يعلمون } حين يجازيهم الله بما يعملون لمن عملوا كما قيل
سوف ترى اذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك ام حمار
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97)
{ ولقد نعلم انك يضيق صدرك } [ تنك ميشود سينه تو ] { بما يقولون } [ بىنجه كافران ميكويند ] من كلمات الشرك والطعن فى القرآن والاستهزاء بك وبه : يعنى [ دشوارمى آيد ترا كفتار كفار ] وادخل قد توكيدا لعلمه بما هو عليه من ضيق الصدر بما يقولون ومرجع توكيد العلم الى توكيد الوعد والوعيد لهم . ذكر ابن الحاجب انهم نقلوا قد اذا دخلت على المضارع من التقليل الى التحقيق كما ان ربما فى المضارع نقلت من التقليل الى التحقيق (6/469)
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)
{ فسبح بحمد ربك } فافزع اليه تعالى والتجئ فيما نابك اى نزل بك من ضيق الصدر والحرج بالتسبيح والتقديس ملتبسا بحمده (6/470)
قال الكاشفى [ بس تسبيح كن تسبيحى مقترن بحمد بروردكاتو يعنى بكو سبحان الله والحمد لله ] واعلم ان سبحان الله كلمة مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته فما كان من اسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب والسلام وهو الذى سلم من كل آفة والحمد لله كلمة مشتملة على اثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته تعالى فما كان من اسمائه متضمنا للاثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير ونحوهما فهو مندرج تحتها فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه واثبتنا بالحمد كمال عرفناه وكل جلال ادركناه { وكن من الساجدين } اى المصلين يكفك ويكشف الغم عنك -روى- انه عليه الصلاة والسلام كان اذا حزبه امر فزعالى الصلاة اى لجأ
وفى بحر العلوم وكن من الذين يكثرون السجود له لان المراد بالساجدين الكاملون فى السجود المبالغون فيه وذلك ما يكون الا باكثاره
يقول الفقير كثرة السجود فى الظاهر باعثة لدوام التوجه الى الله وهو المطلوب هذا باعتبار الابتداء واما باعتبار الانتهاء فالذى وصل الى دوام الحضور يجد فى نفسه تطبيق حاله بالظاهر فلا يزل يسجد شكرا آناء الليل واطراف النهار بلا تعب ولا كلفة ويجد فى صلاته ذوقا لا يجده حين فراغه منها
ليك ذوق سجدة بيش خدا ... خوشتر آيد ازدوصد دولت ترا
قال الكاشفى [ صاحب كشف الاسرار آورجه كه ازتنكدلئ توآكاهيم وآنجه بتومير سداز غصه بيكانكان خبر داريم توبحضور دل بنماز در آى كه ميدان مشاهده است وبامشاهده دوست بار بلاكشيدن آسان باشد
يكى از بيران طريقت كفته كه دربازار بغداد ديدم كى يكى راصد تازيانه زدند آهى نكرد ازوى برسيدم كه اى جوانمردان همه زخم خوردى ونناليدى كفت آرى شيخا معذورم داركه معشوقم در برابر بود وميديدكه مرا براى او ميزنند از نظاره وى بالم زحم شعور نداشتم ]
توتيغ ميزن وبكذار تا من بيدل ... نظاره كنم آن جهرخ نكارين را
قال فى شرح الحكم ما تجده القلوب من الهموم والاحزان يعنى عند فقدان مرادها وتشويش معتادها فلاجل ما منعت من وجود العيان اذ لو عاينت جمال الفاعل جمل عليها ألم البعد كما اتفق فى قصة النسوة اللاتى قطعن ايديهن -ويحكى- ان شابا ضرب تسعة وتسعون سوطا ما صاح ولا استغاث ولا تأوه فلما ضرب الواحدة التى كملت بها المائة صاح واستغاث فتبعه الشبلى قدس سره فسأله عن امره فقال ان العين التى ضربت من اجلها كانت تنظر الى فى التسعة والتسعين وفى الواحدة حجبت عتى وقد قال الشبلى من عرف الله لا يكون عليه غم ابدا
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
{ واعبد ربك } دم على ما انت عليه من عبادته تعالى { حتى يأتيك اليقين } اى الموت فانه متيقن الى الحى طالب للوصول اليه . والمعنى دم على العبادة ما جمت حيا من غير اخلال بها لحظة كقوله { واوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } ووقت العبادة بالموت لئلا يتوهم ان لها نهاية دون الموت فاذا ما انقطع عنه عمله وبقى ثوابه وهذا بالنسبة الى مرتبة الشريعة . واما الحقيقة فباقية فى كل موطن اذهى حال القلب والقلب من الملكوت ولا يعرض الفناء والانقطاع لاحوال الملكوت نسأل الله الوصول اليه والاعتماد فى كل شيء عليه وفى الحديث « ما اوحى لى ان اجمع المال واكن من لتاجرين ولكن اوحى الىّ ان سبح بحمد ربك وكن من الساجدين وابعد ربك حتى يأتيك اليقين » (6/471)
وفى التأويلات النجمية { ولقد نعلم انك يضيق صدرك } من ضيق البشرية وغاية الشفقة وكمال الغيرة { بما يقولون } من اقوال الاخيار ويعملون عمل الاشرار { فسبح بحمد ربك } انك لست منهم { وكن من الساجدين } لله سجدة الشكر { واعبد ربك } بالاخلاص { حتى يأتيك اليقين } اى الى الابد انتهى كلامه
قال فى العوارف منازل طريق الوصول لا تقطع ابد الآباد فى عمر الآخرة الابدى فكيف فى العمر القصير الدنيوى
اى برادر بى نهايت دركهيست ... هر كجاكه ميرسى بالله مائست
قيل اليقين اسم ورسم وعلم وعين وحق فالاسم والرسم للعوام والعلم علم اليقين للاولياء وعين اليقين لخواص الاولياء وحق اليقين للانبياء وحقيقة
حق اليقين اختص بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)
{ أتى امر الله } روى ان كفار قريش كانوا يستبطئون نزول العذاب الموعود لهم سخرية بالنبي عليه السلام وتكذيباً للوعد ويقولون ان صح ما يقولون من مجيء العذاب فالاصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت * وامر الله هو العذاب الموعود لان تحققه منوط بحكمه النافذ وقضائه الغالب واتيانه عبارة عن دنوه واتقرابه على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع وقد وقع يوم بدر . والمعنى دنا واقترب ما وعدتم به ايها الكفرة { فلا تستعجلوه } اى امر الله ووقعوه اذلا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه واستعجالهم وان كان بطريق الاستهزاء لكنه حمل على الحقيقة ونهوا عنه بضرب من التهكم والاستعجال طلب الشئ قبل حينه { سبحانه } [ يا كست خداى } { وتعالى } [ وبرثرست ] { عما يشركون } اى تبرأ وتقدس بذاته على ان يكون له شريك فيدفع له شريك فيدفع ما اراد بهم بوجه من الوجوه ولما كان المنزه للذات الجليلة هو نفس الذات آل التنزيه الى معنى التبرى * وقال ابن عباس رضى الله عنهما لما انزل الله تعالى { اقتربت الساعة وانشق القمر } قال الكفار بعضهم لبعض ان هذا يزعم ان القيامة قد قربت فامسكوا بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن فملا رأوا انه لا ينزل شئ قالوا ما نرى شيأ فانزل { اقترب للناس حسابهم } الآية فاشفقوا وانتظروا قرب الساعة فلما امتدت الايام قالوا يا محمد ما نرى شيأ مما تخوفنا به فانزل الله تعالى { اتى امر الله } فوثب النبي عليه السلام قائما مخافة الساعة وحذر الناس من قيامها ورفع الناس رؤسهم فنزل { فلا تسعجلوه } اى لا تطلبوا الامر قبل حينه فاطمأنوا وجلس النبى عليه السلام بعد قيامه وليس في هذه الرواية استعجال المؤمنين بل خوفهم وظنهم ثم ان الاستعجال بها لا يوصف به المؤمنون قال الله تعالى { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفعون منها } بل الظاهر انهم لما سمعوا اول الآية اضطربوا لظن انه وقع ثم لما سمعوا خطاب الكفار بقوله فلا تستعجلوه اطمأنوا كما في حواشى سعدى المفتى * ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم « بعثت انا والساعة كهاتين » يعني اصبعيه المسبحة والوسطى معناه ان ما بينى وبين الساعة بالنسبة الى ما مضى من الزمان مقدار فضل الوسطى على المسبحة شبه القرب الزمانى بالقرب المساحى لتصوير غاية قرب الساعة وفى حديث آخر « مثلى ومثل الساعة كفرسى رهان » قال فى القاموس كفرسى رهان يضرب للاثنين يسبقان الى غاية فيستويان وهذا التشبيه فى الابتداء لان الغاية تجلى عن السابق لا محالة انتهى (6/472)
والاشارة الى ان قوله تعالى { اتى امر الله فلا تستعجلوه } كلام قديم كان الله فى الازل به متكلما والمخاطبون به بعد فى العدم محبوسون وهم طبقات ثلاث منهم الغافلون والعاقلون والعاشقون فكان الخطاب مع الغافلين بالعتاب اذ كانوا مشتاقين الى الدنيا وزخارفها ولذاتها وشهواتها وهم اصحاب النفوس
نفس اكرجه زير كست وخرده دان ... قبله اش دنياست اورا مرده دان (6/473)
والخطاب مع العاقلين بوعد الثواب اذ كانوا مشتاقين الى الطاعات والعبادات والاعمال الصالحات التى تبلغهم الى الجنة ونعيمها الباقية وهم ارباب العقول
نصبيب ماست بهشت اى خداشناس برو ... كه مستحق كرامت كنا هكارانند
والخطاب مع العاشقين بوصلة رب الارباب اذ كانوا مستاقين الى مشاهدة جمال ذى الجلال
جه سود ازروزن جنت اكر شيرين معاذ الله ... زكوى خود درى در روضه فرهاد نكشايد
فاستعجل ارواح كل طبقة منهم للخروج من العدم الى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فتكلم الله فى الازل بقوله { اتى امر الله } اى سيأتى امر الله للخروج من العدم لاصابة ما كتب لكل طبقة منكم فى القسمة الازلية { فلا تستعجلوه } فانه لا يفوتكم يدل عليه قوله تعالى { وآتاكم من كل ما سألتموه } اى في العدم وهو يسمع خفيات اسراركم ويبر خفيات سرائركم المعدومة { سبحانه وتعالى عما يشركون } اى هو منزه فى ذاته ومتعال فى صفاته ان يكون له شريك يعمل عمله او شبيه يكون بدله
قهار بى منازع وغفار بى ملال ... ديان بى معادل وسلطان بى سباه
باغير او اضافت شاهى بود جنانك ... بريك دوجوب باره زشطرنج نام شاه
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)
{ ينزل } الله تعالى { الملائكة } اى جبريل لان الواحد يسمى بالجمع اذا كان رئيسا تعظيما لشأنه ورفعا لقدر او هو ومن معه من حفظة الوحى كما قال السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام { ينزل الملائكة } يعني ملائكة الوحى وهم جبريل وقال الملائكة بالجمع لانه قد ينزل بالوحى مع غيره - وروى - عن عامر الشعبي باسناد صحيح قال وكل اسرافيل بمحمد صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين وكان يأتيه بالكلمة والكلمتين ثم نزل عليه جبريل بالقرآن والحكمة فى توكيل اسرافيل به انه الموكل بالصور الذى فيه هلاك الخلق وقيام الساعة ونبوته صلى الله عليه وسلم مؤذنة بقرب الساعة وانقطاع الوحى وفى صحيح مسلم انه نزل عليه بسورة الحمد اى فاتحة الكتاب ملك لم ينزل بها جبريل كما قال بعضهم وهو بشيع . وذكرابن ابى حيثمة خالد بن سنان العبسى وذكر نبوته وانه وكل به من الملائكة مالك خازن النار وكان من اعلام نبوته ان نار يقال لها نار الحدثان كانت تخرج على الناس من مغارة فتأكلهم والزرع والضرع ولا يستطيعون ردها فردها خالد بن سنان بعصاه حتى رجعت هاربة منه الى المارة التي خرجت منها فلم تخرج بعد وفى الحديث « وكان نبيا ضيعه قومه » يعنى خالد بن سنان اى ضيعوا وصية نبيهم حيث لم يبلغوه مراده من اخبار احوال القبر وقوله عليه السلام « انى اولى الناس بعيسى بن مريم فانه ليس بينى وبينه نبى » اى نبى داع للخلق الى الله وشرع وسبق تفصيل اقصة فى سورة المائدة عنه قوله تعالى { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } الآية فلنظر هناك . وذلك ان ملكا يقال له زياقيل كان ينزل على ذى الرنين وذلك الملك هو الذى يوطى الارض يوم القيامة ويقبضها فتقع اقدام الخلائق كلهم بالساهرة فيما ذكره بعض اهل العلم وهذا مشاكل لتوكيله بذى القرنين الذى قطع مشارق الارض ومغاربها كما ان قصة خالج بن سنان وتسخير النار له مشاكلة لحال الملك الموكل به كذا فى كتاب التعريف واسئلة الحكم { بالروح } اى بالوحى الذى من جملته القرآن على نهج الاستعارة فانه يحيى القلوب الميتة بالجهل او يقوم فى الدين مقام الروح فى الجسد يعنى ان الروح استعارة تحقيقية عن الوحى ووجه التسمية احد هذين الوجهين والقرينة ابدال ان انذروا من الروح وقال بعضهم الباء يمعنى مع اى ينزل الملائكة مع جبريل قال الكاشفي [ درتبيان ميكويد كه هيج ملكى فرونيايد الا كه روح با اوست ورقيب بروجنانجه بر آدميان حفظه مبياشند ] { من امره } بيان للروح الذي اريد به الوحى فانه امر بالخير وبعث عليه وايضا هو من عالم الامر المقابل لعالم الخلق وان كان جبريل من عالم الخلق او هو متعلق بينزل ومن للسببية كالباء مثلها فى قوله تعالى (6/474)
{ مما خطيآتهم } اى ينزلهم بالروح بسبب امره واجل ارادته { على ما يشاء من عباده } ان ينزلهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهلهم لذلك { ان انذروا } يدل من الروح اى ينزلهم ملتبسين بان انذروا اى بهذا القول والمخاطبون به الانبياء الذين نزلت الملائكة عليهم والآمر هو الله والملائكة نقلة للامر كما يشعر به الباء فى المبدل منه وان مخففة من الثقيلة وضمير الشأن الذى هو اسمها محذوف اى ينزلهم ملتبسين بان الشأن اقول لكم انذروا والانذار الاعلام خلا أنه مختص باعلام المحذور من نذر بالشئ كفرح علمه فحذره وانذره بالامر انذارا اعلمه وحذره وخوفه فى ابلاغه كذا فى القاموس اى اعملوا الناس ايها الانبياء { انه } اى الشأن { لا اله الا انا } [ كن نيست خداى مستحق عبادت مكر من كه آفريننده وروزى دهنده همه ام ] وانباؤه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصاف المنذرين بما يضاده من الاشراك وذلك كاف في كون اعلامه انذارا كما قال سعدى المتفى فى حواشيه التخويف بلا اله الا انا من حيث انهم كانوا يثبتون له تعالى ما لا يليق لذاته الكريمة من الشركاء والانداد فاذا كان ما اسندوه خلاف الواقع وهو مستبد بالالوهية فالظاهر انه ينتقم منهم على ذلك { فاتقون } (6/475)
[ بس بترسيد از من وجز مرا برستش مكنيد ]
مرا بندكى كن كه دارا منهم ... تواز بندكانى ومولامن
وفي الآية دلالة على ان الملائكة وسائط بين الله وبين رسله وانبيائه فى ابلاغ كتبه ورسالاته وانهم ينزلون بالوحى على بعضهم دفعة فى وقت واحد كما نزلوا بالتوراة والانجيل والزبور على موسى وعيسى وداود والدال عليه قراءة ابن كثير وابى عمرو وينزل من انزل وعلى بعضهم منجما موزعا على حسب المصالح وكفاء الحوادي كما نزلو بالقرآن منجما فى عشرين سنة او فى ثلاث وعشرين على ما يدل عليه قراءة الباقين لان فى التنزيل دلالة على التدريج والتكثر والانزال بشموله التدريجي والدفعى اعم منه وانه ليس ذلك النزول بالوحى جملة واحدة او متفرقا الا بامر الله وعلى ما يراه خيرا وصوابا وان النبوة موهبة الله ورحمته يختص بها من يشاء من عباده وان المقصود الاصلى في ذلك اعلامهم الناس بتوحيد الله تعالى وتقواه فى جميع ما امر به ونهى عنه والاول هو منتهى كمال القوة العلمية والثانى هو اقصى كمالات القوة العلمية قال ى بحر العلوم واتقاء الله باجتناب الكفر والمعاصى وسائر القبائح يشمل رعاية حقوقها بين الناس
والاشارة { ينزل الملائكة بالروح من امره } اى بالوحى وبما يحيى القلوب من المواهب الربانية من امره اى من امر الله وامره على وجوه منهاما يرد على الجوارح بتكاليف الشريعة ومنها ما يرد على النفوس بتزكيتها بالطريقة ومنها ما يرد على الارواح بملازمة الحضرة للمكاشفات ومنها ما يرد على الخفيات بتبجل الصفات لافناء الذوات { على من يشاء من عباده } من الانبياء والاولياء { ان انذروا انه لا اله الا انا } اى اعلموا اوصاف وجودكم يبذلها فى انانيتى ان لا اله الا انا { فاتقون } اى فاتقوا سن انانيتك بانانيتى كذا فى التأويلات النجمية قال شيخى وسندى روحه الله روحه فى بعض تحريراته المتقى اما ان يتقى بنفسه عن الحق سبحانه واما بالحق عن نفسه والاول هو الاتقاء باسناد النقائص الى نفسه عن اسنادها الى الحق سبحانه فيجعل نفسه وقاية لله تعالى والثانى هو الاتقاء باسناد الكمالات الى الحق سبحانه عن اسنادها الى نفسه فيجعل الحق سبحانه وقاية لنفسه والعدم نقصان والوجود كمال فاتقوا الله حق تقاته بان تضيفوا العدم الى انفسكم مطلقا ولا تضيفوا الوجود اليها اصلا وتضيفوا الوجود الى الله مطلقا ولا تضيفوا العدم اليه اصلا فان الله تعالى موجود دائما ازلا وابدا سرمدا لا يجوز فى حقه العدم اصلا ونفوسكم من حيث هى هى معدومة دائما وازلا وابدا وسرمدا لا يجوز فى حقها الوجود اصلا وطريان الوجود عليها من حيث فيضان الجود الوجودى عليها من الحق تعالى لا يوجب وجودها اصلا من حيث هى هى عند هذا الطيان على عدمها الاصلى من حيث هى دائما مطلقا فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا واطيعوا انتهى كلام الشيخ
كر تويى جمله در فضاى وجود ... هم خود انصاف ده بكو حق كو (6/476)
در همه اوست بيش جشم شهود ... جيست بندارى هستئ من وتو
باك كن جامى ازغبار دويى ... لوح خاطر كه حق يكيس نه دو
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)
{ خلق السموات والارض } اى الاجرام العلوية والآثار السفلية يقال قبل ان يخلق الله الارض كان موضع الارض كله ماء فاجتمع الزبد فى موضع الكعبة فصارت ربوة حمراء كهيئة التل وكان ذلك يوم الاحد ثم ارتفع بخار الماء كهيئة الدخان حتى انتهى الى موضع السماء وما بين السماء والارض مسيرة خمسمائة عام كما بين المشرق والمغرب فجعل الله درة خضرا ، فخلق منها السماء فلما كان يوم الاثنين خلق الشمس والقمر والنجوم ثم بسط الارض من تحت الربوة { بالحق } اى بالحكمة والمصلحة لا بالباطل والبعث ونعيم ما قيل (6/477)
انما الكون خيال ... وهو حق في الحقيقة
ويقال جعل الله الارواح العلوية والاشباح السفلية مظاهر افاعيله فهو الفاعل فيما يظهر على الراواح والاشباح { تعالى } وتقدس . وبالفارسية [ برترست خدى تعالى وبزركتر ] { عما يشركون } عن شركة ما يشركونه به من الباطل الذى لا يبدئ ولا يعيد فينبغي للسالك ان يوحد الله تعالى ذاتا وصفه وفعلا فان الله تعالى هو الفاعل خلق حجاب الوسائط لا بالوسائط بل بالذات فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا وهو ما اريد به وجه الله ولا يشرك بعبادة ربه احدا وقيل للمرائي مشرك
مرايى هركسى معبود سازد ... مرايى را ازان كفتند مشرك
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)
{ خلق الانسان } اى بنى آدم لا غير لان ابويهم لم يخلقا من النطفة بل خلق آدم من التراب وحواء من الضلع الايسر منه { من نطفة } قال فى القاموس النطفة ماء الرجل . والمعنى بالفارسية [ از آب منى كه جماديست بى حس وحركت وفهم وهيولائى كه وضع وشكل نبذيرد بس اورافهم وعقل داد ] { فاذا هو } [ بس آنكاه او ] اى الانسان بعد الخلق واتى بالفاء اشارة الى شرعة نسيانهم ابتداء خلقهم { خصيم } بليغ الخصومة شديد الجدل { مبين } اى مظهر للحجة او ظاهر لا شبهة فى زيادة خصومته وجدله : يعنى [ مناظره ميكند وميخوا هدكه سخن خودرا بحجت ثابت سازد ] (6/478)
قال فى التكملة الظاهرة ان الآية على العموم وقد حكى المهدوى ان المراد به اى بن خلف الجمحى فانه اتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال يا محمد اترى الله تعالى اى أتظن ان الله يحيى هذا بعد ما قدرم فنزلت ومثلها الآية التى فى آخر سورة يس وفيه نزلت : يعنى { اودرا اول جمادى بوده وما اورا حس ونطق داديم اكنون باما مجالة ميكند جرا اسندلال نمى كند بايداء براعاده كه هركه برابداء قادر بودهر ايينه برين نيز قدرت دارد } .
وفى التويلات النجمية اى جعل الانسان من نطفة ميتة لا فعل لها ولا علم بوجودها فاذا اعطيت العلم والقدرة صارت خصيما لخالقها مبينا وجودها مع وجود الحق وادعت الشركة معه فى الوجود والافاعيل انتهى .
والآية وصف الانسان بالافراط فى الوقاحة والجهل والتمادى فى كفران النعمة قالوا خلق الله تعالى جوهر الانسان من تراب اولا ثم من نطفة ثانيا وهم ما ازدادوا الا تكبرا وما لهم والكبر يعد ان خلقوا من نطفة نحبسة فى قول عامة العلماء
نه در ابتدا بودى آب منى ... اكر مردى از سر بدركن منى
وفي انسان العيون ان فضلاته صلى الله عليه وسلم طاهرة انتهى .
وهو من خصائصه عليه السلام كما صرحوا به فى كتب السير وحكم النطفة اسهل من الفضلات لانها أخف منها - يحكى - ان بعض اهل الرياضة المحققين من اهل التوحيد الحقانى كان يشم من فضلاتهم رائحة المسك وذلك ليس ببعيد لصفوة باطنهم وسريان آثار حالهم الىجميع اعضائهم واجزائهم فهم من النطفة صورة ومن النور معنى وليس غيرهم مثلهم لان معناهم ظهر فى صورة الوجود فغابوا من الغيبة ووصلوا الى عالم الشهود بخلاف غيرهم من ارباب الغفلة قان انتتطمع فى الوصول الى ما وصلوا او الحصول عند ما حصلوا فعليك باخلاص العمل وترك المراء والجدل فان حقيقة التوحيد لا تحصل للخصم العنيد بل هى منه بمكان بعيد .
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)
{ والانعام } جمع نعم وقد يسكن عينه وهي الابل والبقر والغنم والمعز وهى وهى الاجناس الاربعة المسماة بالزواج الثمانية اعتبارا للذكر والأنثى لان ذكر كل واحد من هذه الانواع زوج بانثاه وانثاه زوج بذكره فيكون مجموع الازواج ثمانية بهذا الاعتبار من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين فالخيل والبغال والحمير خارجة من الأنعام واكثر ما يقع هذا الاسم على الابل وانتصابها بمضمر يفسره قوله تعالى { خلقها لكم } ولمنافكم ومصالحكم يا بنى آدم وكذا سائر المخلوقات فانها خلقت لمصالح العباد ومنافعهم لا لها يدل عليه قوله تعالى { خلق لكم ما فى الارض جميعا } وقوله { سخر لكم ما فى السموات وما فى الارض } واما الانسان فقد خلق له تعالى كما قال { واصطنعتك لنفسى } فالانسان مرآة صفات الله تعالى ومجلى اسمائه الحسنى { فيها دف } [ درايشان بوستست كرم كننده يعنى جامعها ازبشم وموى كه سرما بازدادر } . (6/479)
والدفئ نقيض حدة البرد اى بمعنى السخونة والحرارة ثم سمى به كل ما يدفأ به اى يسخن به من لباس معمول من صوف الغنم او وبر الابل او شعر المعز هذا واما الفرو فلا بأس به بعد الدباغة من أى صنف كان وقد عد الامام الشافعى رحمه الله لبس جلد السباع مكروها وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة فنك يلبسها فى الاعياد والفنك بالتحريك دابة فروتها اطيب انواع الفراء واشرفها واعد لها صالح لجميع الامزجة المعتدلة كما فى القاموس ثم ان اسباب التسخين انما تلزم للعامة وقد اشتهر ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يصطل بالنار وكذا بعض الخواص فان حرارة باطنهم تغنى عن الحرارة الظاهرة : قال الصائب
جمعى كه بشت كرم بعش ازل نيند ... ناز سمورومنت سنجاب ميكشند
{ ومنافع } نسلها ودرها وركوبها والحراثة بها وثمنها واجرتها { ومنها تأكلون } من للتبعيض اى تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم وغير ذلك بخلاف الغدة والقبل والدبر والذكر والخصيتين والمرارة والمثانة ونخاع الصلب والعظم والدم فإنها حرام . وتقديم الظرف لرعاية الفاصلة او لان الا كل منها هو الاصل الذى يعتمده الناس فى معائشهم واما الا كل من غيرها من الطيور وصيد البر والبحر فعلى وجه التداوى او التفكه والتلذذ فيكون القصر اضافيا بالنسبة الى سائر الحيوانات حتى لا ينتقض بمثل الخبز ونحوه من المأكولات المعتادة .
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)
{ ولكم فيها } مع ما فصل من انواع المنافع الضرورية { جمال } اى زينة فى اعين الناس ووجاهة عندهم { حين تريحون } تردونها من مراعيها الى مراحها ومباركها بالعشى اى فى آخر النهار من اراح الابل اذ ردها الى المراح بضم الميم وهو موضع اراحة الابل والبقر والغنم . والاراحة بالفارسية [ شبانكاه باز آوردن اشتر وكوسفند ] { وحين تسرحون } ترسلونها بالغداة اى فى اول النهار فى المرعى وتخرجونها من حظائرها الى مسارحها من سرح الراعى الابل اذ رعاها وارسلها فى المرعى قال فى تهذيب المصادر والسروح [ بجراهشتن ] وسرح لام ومتعد يقال سرحت الماشية وسرحت الماشية انتهى . (6/480)
وتعيين الوقتين لان الرعاة اذا اراحوا بالعشى وسروحها بالغداة تزينت افانية بها اى ما اتسع من امام الدار كما فى القاموس وتجاوب الثغاء والرغاء الاول صوت الشاة والمعز والثانى ذوات الخف فيجل بكسر الجيم اى يعظم اهلها فى اعين الناظرين اليها ويكسبون الجاه والحرمة عند الناس واما عند كونها فى المراعى فينقطع اضافتها الحسية الى اربابها وعند كونها فى الحظائر لا يراها راء ولا ينظر اليها ناظر وقدم الاراحة على السرح وان كانت بعده لان الجمال فيها اظهر اذهى حضور بعد غيبة واقبال بعد ادبار على احسن ما يكون ملأى البطون مرتفعة الضلوع حافلة الضروع . قال في القاموس الجمال الحسن فى الخلق والخلق وتجمل تزين وجمله زينه وفى الحديث « جمال الرجل فصاحة لسانه » وفى حديث آخر « الجمال صواب المقال والكمال حسن الفعال »
موشند وكويا بشر ... ا كنده كوى ازبهايم بتر
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)
{ وتحمل اثقالكم } جمع ثقل بفتح الثاء والقاف وهو متاع المسافر وحشمه اى تحمل امتعتكم واحمالكم { الى بلد } بعيد اياما كان فيدخل فيه اخراج اهل مكة متاجرهم الى اليمن ومصر والشام { لم تكونوا بالغيه } واصلين اليه بانفسكم مجردين عن الاثقال لولا الابل اى لو لم تخلق الابل فرضا { الا بشق الانفس } فضلا عن استصحابها معكم اى عن ان تحملوها على ظهوركم اليه . والشق بالكسر والفتح الكلفة والمشقة وهو استثناء مفرغ من اعم الاشياء اى لم تكونوا بالغيه بشئ من الاشياء الا بشق الانفس { ان ربكم لرؤوف رحيم } عظيم الرأفة بكم وعظم الانعام عليكم حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وانعمها عليكم لانتفاعكم وتيسير الامر عليكم . عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم كان فى بعض مغازيه فبينما هم يسيرون اذا خذوا فرخ طائر اى ولده فاقبل احد ابويه حتى سقط فى ايدى الذين اخذوا الفرخ فقال عليه الصلاة والسلام « ألا تعجبون لهذا الطير اخذ فرخه فاقبل حتى سقط فى ايديكم والله لله ارحم بعباده من هذا الطائر بفرخه » (6/481)
فروماند كانزرا برحمت قريب ... تضرع كنائر بدعوت مجيب
وفي الآية اشارة الى ان فى خلق الحيوانات انتفاعا للانسان فانهم ينتفعون بها حين اطلاعهم على صفاتها الحيوانية الذميمة بالصفات الملكية الحميدة احترازا عن الاحتباس فى حيزها واجتنابا عن شبهها بقوله { اولئك كالأنعام بل هم اضل } وهذه الصفات الحيوانية انما خلقت فيهم لتحمل اثقال ارواحهم الى بلد عالم الجبروت ولذا ورد ( نفسك مطيتك فارفق بها ) .
واعلم ان الله تعالى من على عباده بخلق الابل والبقر والغنم والمعز وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابل يركبها وهى الناقة القصوى اى المقطوع طرف اذنها والجدعاء اى المقطوعة الانف او مقطوعة الاذن كلها والعضباء اى المشقوقة الاذن قال بعضهم وهذه القاب ولم يكن بتلك شئ من ذلك والعضباء هى التى كانت لا تسبق فسبقت فشق ذلك على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ان حقا على الله ان لا يرفع شيأ من الدنيا الاوضعة » وهى التى لم تأكل بعد وفاة رسول الله ولم تشرب حتى ماتت وجاء ان ابنته فاطمة رضى الله عنها تحشر عليها قال السعدى [ حلم شتر جنانكه ملعومست اكر طفلى مهارش كيرد وصد فرسنك ببرد كردن ازمتابعت او نيجد اما اكردرره هو لناك بيش آيدكه موجب هلاك باشد وطفل بنادانى خواهدكه آن جايكه برود زمام از كفش بكسلاند وديكر مطاوعت نكند كه هنكام درشتى ملاطفت مذموم است وكفته اندكه دثمن بملاطفت دوست نكردد بلكه طمع زياد كند ] .
كسى كه لطف كند باتوخاك بايش باش ... وكر خلاف كنددردو جشمش آكن خاك (6/482)
سخن بلطف وكرم بادرشت كوى مكوى ... كه رنك خوردده نكردد بنرم سوهان باك
قال فى حياة الحيوان واذا احرق وبر الجمل وذر على الدم السائل قطعه وقراده يربط فى كم العاشق فيزول عشقه ولحمه يزيد فى الباءة اى الجماع . والبقر من بقر اذا شق لانها تشق الارض بالحراثة . وقيل لمحمد بن الحسين بن على رضى الله عنهم الباقر لانه شق العلم ودخل فيه مدخلا بليغا واذا اردت ان ترى عجبا فادفن جرة فى الارض الى حلقها وقد طلى باطنها بشحم البقر فان البراغيث كلها تجتمع اليها واذ بخر البيت بشحمه مع الزرنيخ اذهب الهوام خصوصا العقارب ولم ينقل انه صلى الله عليه وسلم ملك شيأ منها اى من البقر للقنية فلا ينافى انه ضحى عن نسائه بالبقر كما فى انسان العيون يقال ثلاثة لا يفلحون بائع البشر وقاطع الشجر وذابح البقر والمراد القصاب المعتاد لذلك وفى الحديث « عليكم بالبان البقر واسمانها واياكم ولحومها فان البانها واسمانها دواء وشفاء ولحومها داء » قال الامام السخاوى قد صح ان النبى عليه الصلاة والسلام ضحى عن نسائه بالبقر قال الحليمى هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاص ذلك وهذا التأويل مستحسن والا فالنبي عليه السلام لا يتقرب الى الله تعالى بالداء فهو انما قال ذلك فى البقر لتلك اليبوسة وجواب آخر انه عليه السلام ضحى بالبقر ببيان الجواز او لعدم تيسر غيره انتهى كلام السخاوى وفى الحديث « صوفها رياش وسمنها معاش » يعنى الغنم الرياش اللباس الفاخر يعني ان ما على ظهرها سبب الرياش ومادتها وما فى بطنها سبب المعاش وهو الحياة .
وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال امر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاغنياء باتخاذ الغنم وامر الفقراء باتحاذ الدجاج وقال « الدجاج غنم فقراء امتى والجمعة حج فقرائها » وعند اتخاذ الاغنياء الدجاج يأذن الله بهلاك القرى وجاء « اتخذوا الغنم فانها بركة » قال فى حياة الحيوان جعل الله البركة فى نوع الغنم وهى تلد فى العام مرة ويؤكل منها ما شاء الله ويمتلئ منها جوف الارض بخلاف السباع فانها تلد ستا وسبعا ولا يرى منها الا واحد فى اطراف الارض وكان له صلى الله عليه وسلم مائة من الغنم وسبعة اعنز كانت ترعاها ام ايمن رضى الله عنها وكان له عليه السلام شاة يختص بشرب لبنها وماتت له عليه الصلاة والسلام شاة فقال « ما فعلتم باهابها » قالوا انها ميتة قال « باغاها طهورها » قال الامام الدميرى كبد الكبش اذا احرقت طرية ودلك بها الاسنان بيضتها وقرن الكبش اذا دفن تحت شجرة يكثر حملها واذ انحملت المرأة بصوف النعجة قطعت الحبل واذا غطى الاناء بصوف الضأن الابيض وفيه عسل لا يقربه النمل .
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)
{ والخيل } عطف على الانعام اى خلق الله الخيل وهو اسم جنس للفرس لا واحد له من لفظه كالابل . والخيل نوعان عتيق وهجين والفرق بينهما ان عظم البرذون اعظم من عظم الفرس وعظم الفرس اصلب ونقل والبرذون اجمل من الفرس والفرس اسرع منه والعتيق بمنزلة الغزال والبرذون بمنزلة الشاة فالعتيق ما ابواه عربيان سمى بذلك لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه بالامور المنقصة . وسميت الكعبة بالبيت العتيق لسلامتها من عيب الرق لانه لم يملكها مالك قط . والهجين الذى ابوه عربى وامه عجمية . وخلق الله الخيل من ريح الجنوب وكان بعد العصر والذكر من الخيل خلق قبل الانثى لشرفه كآدم وحواء . واول من ركب الخيل اسماعيل عليه السلام وكانت وحوشا ولذلك قيل لها العراب وفى الحديث « اركبوا الخيل فانها ميراث ابيكم اسماعيل » وقد سبق قصة انقيادها لاسماعيل فى سورة البقرة عند قوله تعالى « واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل » الآية وعن انس رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن شئ أحب اليه بعد النساء من الخيل وفى الحديث « لما أراد ذو القرنين ان يسلك فى الظلمة الى عين الحياة سأل أى الدواب فى الليل ابصر فقالوا الخيل فقال أى الخيل ابصر فقالوا الاناث قال فأى الاناث ابصر فقالوا البكارة فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك » وكان له صلى الله عليه وسلم سبعة افراس . الاول الكسب شبه بكسب الماء وانصبابه لشدة جريه . والثانى المرتجز سمى به لحسن صهيله مأخوذ من الرجز الذى هو ضرب من الشعر والثالث اللحيف كاميرا او زبير كأنه يلحف الارض بذنبه لطوله اى يغطيها وقيل هو بالخاء المعجمة كامير وزبير . والرابع اللزاز مأخوذ من لاززته اى لاصقته فكأنه يلحق بالمطلوب لسرعته . والخامس الورود وهو ما بين الكميت والاشقر الكميت كزبير الذى خالط حمرته قنو وقنأ قنوأ اشدت حمرته والاشقر من الدواب الاحمر فى مغرة حمرة يحمر منها العرف والذنب ومن الناس من تعلو بياضه حمرة . والسادس الطرف بكسر الطاء المهملة واسكان الراء وبالفاء الكريم الجيد من الخيل . والسابع السبحة بفتح السين المهملة واسكان الموحدة وفتح الحاء المهملة اى سريع الجرى وفي الحديث « ما من ليلة الا والفرس يدعو فيها ويقول رب انك سخرتنى لابن آدم وجعلت رزقى يده اللهم فاجعلنى احب اليه من اهله وولده » وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الفرس يقول اذا التقت الفئتان سبوح قدوس رب الملائكة والروح ولذلك قيل رب بهيمة خير من راكبها وكان له فى الغنيمة سهمان وعن النبى عليه السلام (6/483)
« لا يعطى الا لفرس واحد » عربيا كان او غيره لان الله تعالى قال { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } ولم يفرق بين العربى وغيره ويقال ان الفرس لا طحال له وهو مثل لسرعته وحركته كما يقال للبعير لامرارة له اى لا جسارة له والفرس يرى المنامات كبنى آدم زبله اذا دخن به اخرج الولد من البطن قال الحافظ شرف الدين الدمياطى فى كتاب الخيل اذا ربط الفرس العتيق فى بيت لم يدخله الشيطان واما الفرس الذى فيه شؤم فهو الذى لا يغزى عليه ولا يستعمل فى مصلحة حميدة ولا يركبه صالح وفى الحديث « من نقى شعيرا لفرسه ثم جاء به حتى يعلق عليه كتب الله له بكل شعيرة حسنة » قال موسى للخضر أى الدواب احب اليك قال الفرس والحمار والبعير لان الفرس مركب اولى العزم من الرسل والبعير مركب هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام والحمار مركب عيسى والعزير عليهما السلام فكيف لا احب شيأ احياه الله بعد موته قبل الحشر { والبغال } جمع بغل وهو مركب من الفرس والحمار ويقال اول من استنتجها قارون وله صبر الحمار وقوة الفرس وهو مركب الملوك فى اسفارهم ومعبرة الصعاليك فى قضاء اوطارهم . وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه ان البغال كانت تتناسل وكانت اسرع الدواب في نقل الحطب لنار ابراهيم خليل الرحمن فدعا عليهم فقطع الله نسلها وهذه الرواية تستدعى ان يكون استنتاجها قبل قارون لان ابراهيم مقدم على موسى بازمنة كثيرة واذا بخر البيت بحافر البغل الذكر هرب منه الفأر وسائر الهوام كما فى حياة الحيوان . وكان له صلى الله عليه وسلم بغال ست . منها بغلة شهباء يقال لها دلدل اهداها اليه المقوقس والى مصر من قبل هرقل والدلدل فى الاصل القنفذ وقيل ذكر القنافذ وقيل عظيمها وكان عليه الصلاة والسلام يركبها فى المدينة وفى الاسفار وعاشت حتى ذهبت اسنانها فكان يدق لها الشعير وعميت وقاتل على رضى الله عنه عليها مع الخوارج بعد ان ركبها عثمان رضى الله عنه وركبها بعد على رضى الله عنه ابنه الحسن ثم الحسين ثم محمد بن الحنيفة رضى الله عنهم . يقول الفقير انما ركبوها وقد كانت مركبه عليه الصلاة والسلام طلبا للنصرة والظفر فالظاهر انهم لم يركبوها فى غير الوقايع لان من آذاب التابع ان لا يلبس ثياب متبوعه ولا يركب دابته ولا يقعد فى مكانه ولا ينكح امرأته . ومنها بغلة يقال لها فضة . ومنها الايلية . وبغلة اهداها اليه كسرى . واخرى من دومة الجندل . واخرى من عند النجاشى { والحمير } جمع حمار وكان له صلى الله عليه وسلم من الحمر اثنان يعفور وعفير والعفرة الغبرة . وفى كتاب التعريف والاعلام ان اسم حمارة عليه الصلاة والسلام عفير ويقال له يعفور - روى - ان يعفور وجده صلى الله عليه وسلم بخيبر وانه تكلم فقال اسمى زياد بن شهاب وكان في آبائى ستون حمارا كلهم ركبهم بنى وانت بنى الله فلا يركبنى احد بعدك فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم القى الحمار نفسه في بئر جزعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات وذكر ان النى عليه الصلاة والسلام كان يرسله اذا كانت له حاجة الى اخذ من اصحابه فيأتى الحمار حتى يضرب برأسه باب الصحابة فيخرج اليه فيعلم ان النبى عليه الصلاة والسلام يريده فينطلق مع الحمار اليه والحمار من اذل خلق الله تعالى كما قال الشاعر (6/484)
يقيم على ضيم يراد به ... الا الاذلان عير الحىّ والوتد (6/485)
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشبح فلا يرثى له احد
اى لا يصبر على ظلم يراد به فى حقه الا الاذلان اللذان هما فى غاية الذل ولفظ البيت خبر والمعنى نهى عن الصبر على الظم وتحذير وتنفير للسامعين عنه وفى الحديث « من لبس الصوف وحلب الشاة وركب الاتن فليس فى جوفه شئ من الكبر » والاتن جمع اتان وهى الحمارة { لتربكوها } تعليل بمعظم منافعها والا فالانتفاع بها بالحمل ايضا مما لا ريب فى تحققه { وزينة } انتصابها على المفعلو له عطفا على محل لتركبوها وتجريده عن اللام لكونه فعلا لفاعل الفعل المعلل به دون الاول فان الركوب فعل الراكب وهو المخلوق والزينة فعل الزائن وهو الخالق او مصر لفعل محذوف اى وتتزينوا بها زينة وقد احتج به ابو حنيفة رحمه الله تعالى على حرمة اكل لحم الخليل لانه علل خلقها للركوب والزينة ولم يذكر الاكل بعدما ذكره فى الانعام ومنفعة الا كل اقوى والآية سيقت لبيان النعمة ولا يليق بالحكيم ان يذكر فى موضع المنة ادنى لانعمتين ويترك اعلاهما كذا فى المدارك . وفى الحمر الاهلية خلاف مالك . وفى الخيل خلاف ابى يوسف ومحمد والشافعى كما فى بحر العلوم والتفصيل فى كتاب الذبائح من الكتب الفقهية { ويخلق مالا تعلمون } من انواع المخلوقات من الحشرات والهوام والطيور وحيوانات البحر ومخلوقات ما وراء جبل قاف وفى الحديث « ان الله تعالى خلق الف امة ستمائة منها فى البحر واربعمائة فى البر ومن انواع السمك ما لا يدرك الطرف اولها وآخرها ومالا يدركها الطرف لصغرها » وفى الحديث « ان الله خلق ارضا بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة محشوة خلقا من خلق الله لا يعلمون ان الله تعالى يعصى طرفة عين » قالوا يا رسول الله أمن ولد آدم هم قال « لا يعلمون ان الله خلق آدم » قالوا فأين ابليس منهم قال
« لا يعلمون ان الله خلق ابليس » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ويخلق مالا تعلمون } كما فى البستان وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والارضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل كل سحر فيغتسل فيزداد نورا الى نور وجمالا الى جمال وعظما الى عظم ثم ينتفض فيخلق الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا الف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون الف ملك البيت المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون اليه الى يوم القيامة كما فى الارشاد وفى الحديث « اذا ملئت جهنم تقول الجنة ملأت جهنم بالجبابرة والملوك والفراعنة ولم تملأنى الامن ضعفاء خلقك فينشئ الله خلقا عند ذلك فيدخلهم الجنة فطوبى لهم من خلق لم يذوقوا موتا ولم يروا سوأ باعينهم » كما فى بحر العلوم واعلم ان الله تعالى قال { وما اوتيتم من العلم الا قليلا } وكيف يحصر من كان قليل العلم مخلوقات الله الغير المحصورة التى هى مظاهر كلماته التامة واسمائه العامة فالاولى السكوت وقد اظهر الانبياء عليهم السلام العجز مع سعة علومهم واحاطة قلوبهم فما ظنك فى حق افراد الامة . (6/486)
در محفلى كه خورشيد اندر شمار ذره است ... خودرا بزرك ديدن شرط ادب نباشد
وفى التأويلات النجمية { ويخلق } فيكم بعد رجوعكم بالجذبة الى مستقركم { مالا تعلمون } قبل الرجوع اليه وهو قبول فيض نور الله تعالى بلا واسطة انتهى .
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر سكت النبى عليه السلام عن الاستخلاف اذ فى امته من يأخذ الامر عن ربه فيكون بباطنه خليفة الله وبظاهر خليفة رسول الله فهو تابع ومتبوع وسامع ومسموع ومع ذلك فهو يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الموجى الى رسول الله والمعدن الذى يأخذ منه الرسول وقد نبه سبحانه على ذلك لقوله { ادعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعنى } بي انّ الرسول قابل للزيادة فى ظاهر الاحكام والخليفة الولى ليس كذلك ناقص عن رتبة النبوة انتهى فانظر الى استعداد كاملى هذه الامة كيف اخذوا الفيض من الله بلا واسطة نسأل الله تعالى ان يملأ قلوبنا بمحبتهم واعتقادهم ويوفقنا لاعمالهم ورشادهم ويحشرنا معهم وتحت لوائهم ويدخلنا الجنة ونحن من رفقائهم .
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)
{ وعلى الله قصد السبيل } القصد مصدر بمعنى الفاعل يقال سبيل قصد وقاصد اى مستقيم على نهج اسناد حال سالكه اليه كأنه ييقصد الوجه الذى يؤمه السالك لا يعدل عنه والمراد بالسبيل الطريق بدليل اضافة القصد اليه اى حق عليه سبحانه بموجب رحمته ووعده المحتوم لا واجب اذ لا يجب عليه شئ من بيان الطريق المستقيم الموصل لمن يسلكه الى الحق الذى هو التوحيد بنصب الادلة وارسال الرسل وانزال الكتب لدعوة الناس اليه { ومنها } فى محل الرفع على الابتداء اما باعتبار مضمونه واما بتقدير الموصوف اى بعض السبيل او بعض من السبيل فانها تذكر وتؤنث . قال ابن الكمال الفرق بين الطريق والصراط والسبيل انها مستاوية فى التذكير والتأنيث اما فى المعنى فبينهما فرق لطيف وهو ان الطريق كل ما يطرقه طارق معتادا كان او غير معتاد والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك والصراط من السبيل مالا التواء فيه اى لا اعوجاج بل يكون على سبيل القصد فهو اخص { جائر } اى مائل عن الحق منحرف عنه لا يوصل سالكه إليه وهو طريق الضلال التى لا يكاد يحصى عددها المندرج كلها تحت الجائر كاليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر ملل الكفر واهل الهواء والبدع ومن هذا علم ان قصد السبيل هو دين الاسلام والسنة والجماعة جعلنا الله واياكم على قصد السبيل وحسن الاعتقاد والعمل وحفظنا واياكم من الجائر والزيغ والزلل . (6/487)
قال مرجدع طريقة الجلوتية بالجيم اعنى حضرة الشيخ محمود هداى الاسكدارى قدس سره رأيت صور اعلام اهل الاديان فى مبشرتى ليلة الاثنين والعشرين من جماد الآخرة لسنة اثنتي عشرة والف وهى هذه- هذا علم اهل الايمان وصورة استمدادهم من الحق تعالى بالتوجه الى العلو اقتداء بمن قال فى حقه المولى الاعلى ما زاغ البصر وما طغى- هذا علم النصارى وصورة انحرافهم عن الحق- هذا علم اليهود وصورة انحرافهم عن الحق اكتفاء بالقلب انتهى { ولو شاء لهديكم اجمعين } اى ولو شاء الله ان يهديكم الى ما ذكر من التوحيد هداية موصلة اليه البتة مستلزمة لاهتدائكم اجميعن لفعل ذلك ولكن لم يشأ لان مشيئته تابعة للحكمة الداعية اليها ولا حكمة فى تلك المشيئة لما ان مدار التكليف والثواب والعقاب انما هو الاختيار الجزئى الذى يترتب عليه الاعمال التى بها نيط الجزاء .
وقال ابو الليث فى تفسيره لو علم الله ان الخلق كلهم اهل للتوحيد لهداهم انتهى .
يقول الفقير هو معنى لطيف مبنى على ان العلم تابع للمعلوم فلا يظهر من الاحوال الا ما اعطته الاعيان الى العلم الالهى كالايمان والكفر والطاعة والعصيان والنقصان والكمال فمن كان مقتضى ذاته الايمان والطاعة والكمال وكان اهلالها فى عالم عينه الثابتة اعطاها للعلم فشاء الله هدايته فى هذه النشأة بحكمته ومن كان مقتضى استعداده خلاف لم يشأ الله هدايته حين النزول الى مرتبة وجوده العنصرى والالزم التغير فى علم الله تعالى وهو محال وفى الحديث
« انما انا رسول وليس الى شئ من الهداية ولو كانت الهداية الىّ لآ من كل من الارض وانما ابليس مزين وليس له من الضلالة شيء ولو كانت الضلالة اليه لا ضل كل من فى الارض ولكن الله يضل من يشاء » كذا فى تقليح الاذهان قال الحافظ (6/488)
مكن بجشم حقارت ملامت من مشت ... كه نيست معصيت وزهد بى مشيت او
وقال
درين جمن نكم سرزتش بخود رويى ... جنانكه برورشم مى دهند ومى رويم
وقال
رضا بداده بده وزجبين كره بكشاى ... كه برمن وتو در اختيار نكشادست
فعليك بترك القيل والقال ورفض الاعتزال والجدال فان الضى والتسليم بسبب القبول وخلافه يؤدى الى غصب الحبيب المقبول - يحكى - عن حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر انه قال اقمت بمدينة قرطبة بمشهد فارانى الله اعيان رسله عليهم السلام من لدن آدم الى نبينا عله الصلاة والسلام فخاطبنى منهم هود عليه السلام واخبرنى فى سبب جمعيتهم وهو انهم اجتمعوا شفعاء للحلاج الى نبينا عليه الصلاة والسلام وذلك انه كان قد اساء الادب بان قال فى حياته الدنيوية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم همته دون منصبه قيل له ولم ذلك قال لان الله تعالى قال { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وكان من حقه لا يرضى الا ان يقبل الله تعالى شفاعته فى كل كافر ومؤمن لكنه ما قال الا « شفاعتى لاهل الكبائر من امتى » فلما صدر منه هذا القول جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى واقعة وقال له يا منصور انت الذى انكرت على الشفاعة فقال يا رسول الله قد كان ذلك فقال ألم تسمع اننى حكيت عن ربى عز وجل « اذا احببت عبدا كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا » فقال بلى يا رسول الله فقال « أو لم تعلم انى حبيب الله » قال بلى يا رسول الله قال فاذا كنت حبيب الله كان هو لسانى القائل فاذا هو الشافع والمشفوع اليه وانا عدم فى وجود فأى عتاب على يا منصور فقال رسول الله « انا تائب من قولى هذا فما كفارة ذنبى » قال قرب نفسك لله قربانا فاقتل نفسك بسيف شريعتى فكان من امره ما كان ثم قال هود عليه السلام وهو من حيث فارق الدنيا محجوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآن هذه الجمعة لاجل الشفاعة له الى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى .
بقول الفقير سامحه الله القدير فى هذه القصة امران احدهما عظم شأن الحلاج قدس سره بدلالة عظم شأن الشفعاء والثانى انه قتل فى بغداد فى آخر سنة ثلاثمائة وتسع ومات حشرة الشيخ الاكبر بالشام سنة ثمان وثلاثين وستمائة فبينهما من المدة ثلاثمائة وتسع وعشرون سنة والظاهر والله اعلم ان روح الحلاج كان محجوبا عن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم اكثر من ثلاثمائة سنة تقريبا وذلك سبب كلمة صدرت منه على خلاف الادب فان من كان على بساط القرب والحضور ينبغى ان يراعى الادب فى كل امر من الامور فما ظنك بمن جاوز حد الشريعة ورخص نظم القرآن ومعانيه اللطيفة وعمل بالخيلات والاوهام فليس اولئك الا كالانعام نسأل الله العافية والعفو والانعام { هو الذى انزل } بقدرته القاهر { من السماء } الى السحاب ومنه الى الارض { ماء } نوعا من هوهو المطر . وفى بحر العلوم تنكيره للتبعيض اى بعض الماء فأنه لم ينزل من السماء الماء كله { لكم منه } اى من ذلك الماء المنزر { شراب } اى ما تشربونه والظرف الاول وهو لكم خبر مقدم لشراب والثانى حال منه ومن تبعيضية { ومنه شجر } من ابتدائية اى ومنه وسببه يحصل شجر ترعاه المواشى والمراد به ما ينبت من الارض سواء كان له ساق اولا وفى حديث عكرمة { لا تأكلون ثمن الشجرة فانه سحت } يعني الكلأ وهو بالقصر ما روعته الدواب من الرطب واليابس وانما كان ثمنه سحتا لما فى حديث آخر « الناس شركاء فى ثلاث الماء والكلأ والنار » اى فى اصطلائها وضوئها لا فى الجمر كما ان المراد بالماء ماء الانهار والآبار لا الماء المحرز فى الظروف والحيلة فيه ان يستأجر موضعا من الارض ليضرب فيه فسطاطا او ليجعله حظيره لغنمه فتصح الاجارة ويبيح صاحب المرعى الانتفاع له بالرعى فيحصل مقصودها كذا فى الكافى ويجوز بيع الاوراق على الشجرة لا بيع الثمرة قبل ظهورها والحيلة فى ذلك بيعها مع الاوراق اول ما تخرج من وردها فيجوز البيع فى الثمر تبعا للبيع فى الاوراق كما فى انوار المشارق { فيه تسيمون } الاسامة بالفارسية { بيرون هشتن رمه بجرا } يقال سامت الماشية رعت واسمامها صاحبها من السومة بالضم وهى العلامة لانها تؤثر بالرعى علامات فى الارض اى ترعون مواشيكم قدم الشجر لحصوله بغير صنع من البشر ثم استأنف اخبار عن منافع الماء فقال لمن قال هل له منفعة غير ذلك { ينبت } الله تعالى { كلم } لمصالحكم ومنافعكم { به } اى بما انزل من السماء { الزرع } الذى هو اصل الاغذية وعمود المعاش . (6/489)
قال الكاشفى [ مراد حبوب غاذيه است كه زراعت ميكنند } قال في بحر العلوم الزرع كل ما استنبت بالبذر مسمى بالمصدر وجمع زروع . قال كعب الابحبار لما اهبط الله تعالى آدم جاء ميكائيل بشئ من حب الحنطة وقال هذا رزق ورزق اولادك قم فاضرب الارض وابذر البذر قال ولم يزل اخب من عهد آدم الى زمن ادريس كبيضة النعام فلما كفر الناس نقص الى بيضة الدجاج ثم الى بيضة الحمام ثم الى قدر البندقة ثم الى قدر الحمصة ثم الى المقدار المحسوس الا ان يقال ان البوم لا يأكل الحنطة ولا يشرب الماء اما الاول فلان آدم عصى بالحنطة ربه واما الثانى فلان قوم نوح اهلكوا بالماء { والزيتون } الذى هو ادام من وجه وفاكهة من وجه .
وقال الكاشفى يعني [ درخت زيتون را ] . قال فى انسان اليعون شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة وكان زاده صلى الله عليه وسلم وقت تخليه بغار حراء بالمد والقصر الكعك والزيت وجاء ( ائتدموا بالزيت وادهنوا به فانه يخرج من شجرة مباركة ) وهى الزيتون وقبل لها مباركة لانها لا تكاد تنبت الا فى شريف البقاع التى بورك فيها كارض بيت المقدس { والنخيل } [ وخرما بنانرا ] والنخيل والنخل بمعنى واحد وهواسم جمع والواحدة نخلة كالثمرة والثمر وفى الحديث « اكرموا عمتكم النخلة فانها خلقت من فضل طينة آدم وليست من الشجرة شجرة اكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران فاطعموا نساءكم الولد الرطب فان لم يكن رطب فتمر » كما فى المقاصد الحسنة { الاعناب } [ وتا كهارا ] جمع الاعناب للاشارة الى ما فيها من الاشتمال على الصناف المختلفة . وفيه اشارة الى ان تسمية العنب كرما لم يكن يوضع الواضع ولكنه كان من الجاهيلة كأنهم قصدوا به الاشتقاق من الكرم لكون الخمر المتخذة منه تحت على الكرم والسخاء فنهى النبى عليه السلام عن ان يسموه بالاسم الذى وضع الجاهلية وامرهم بالتسمية اللغوية بوضع الواضع حيث قال « لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة » ثم بين قبح تلك الاستعارة بقوله ( إنما الكرم قل بالمؤمن ) يعني ان ما ظنوه من السخاء والكرم فانما هو من قلب المؤمن لا من الخمر اذا اكثر تصرفات السكران عن غلبة من عقله فلا يعتبر ذلك العطاء كرما ولا سخاء اذهو في تلك الحالة كصبى لا يعقل السخاء ويؤثر بماله سرفا وتبذيرا فكما لا يحمل ذلك على الكرم فكذا اعطاء السكران كذا فى ابكار الافكار . وخصص هذه الانواع المعدودة بالذكر للاشعار بفضلها وشرفها ثم عمم فقال { ومن كل الثمرات } من تبعضية اى بعض كلها لانه لم يخرج بالمطر جميع الثمرات وانما يكون فى الجنة اى لم يقل كل الثمرات لان كلها لا تكون الا فى الجنة وانما ابنت فى الارض من كلها للتذكرة ولعل المراد ومن كل الثمرات التى يحتملها هذه النشأة الدنيوية وترى بها وهى الثمرات المتعارفة عند الناس بانواعها واصنافها فتكون كلمة من صلة كما فى قوله تعالى (6/490)
{ يغفر لكم من ذنوبكم } على رأى الكوفية وهو اللائح { ان فى ذلك } اى فى انزال الماء وانبات ما فصل { آية } عظيمة دالة على تفرده تعالى بالالوهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة { لقوم يتفكرون } فان من تفكر فى ان الحبة والنواة تقع فى الارض وتصل اليها نداوة تنفذ فيها فينشق اسفلها فيخرج منه عروق وتنبسط فى اعماق الارض وينشق اعلاها ان كانت منتكسة فى الوقوع ويخرج منه ساق فينمو ويخرج منه الاوراق والازهار والحبوب والثمار على اجسام مختلفة الاشكال والالوان والخواص والطبائع وعلى نواة قابلة توليد الامثال على النمط المحرر لا الى نهاية مع اتحاد المواد واستواء نسبة الطبائع السفلية والتأثيرات العلوية بالنسبة الى الكل علم ان من هذه افعاله وآثاره لا يمكن ان يشبهه شئ فى شئ من صفات الكمال فضلا عن ان يشاركه اخس الاشياء فى صفاته التى هى الالوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علو كبيرا (6/491)
روضه جابنش جانها آفريد ... بغجه كون ومكانها آفريد
كرد ازهر شاخها كل برك وبار ... جلوه او نقش ديكر آشكار
والتفكر تصرف القلب فى معانى الاشياء لدرك المطلوب قالوا الذكر طريق والفكر وسيلة المعرفة التى هى اعظم الطاعات .
قال بعضهم الذكر افضل للعامة لما فى الفكر لهم من خوف الوقوع فى الاباطيل وتمكن من الفكر المستقيم فانهم كلما عرضت لهم شبهة تطلبوا دليلا يزيلها فكان الفكر لهم افضل من الذكر اذا لم يتمكنوا من حصول الفكر البليغ مع الذكر واليه اشار عليه السلام بقوله « تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة » - روى - ان عثمان رضى الله عنه ختم القرآن فى ركعة الوتر تمكنه من التدبر والتفكر ولم يبح ذلك لمن لم يتمكن من تدبيره ومعرفة فقهه واجل له مدة يتمكن فيها من ذلك كالثلاثة والسبعة
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)
{ وسخر لكم } اى لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وانضاجها { الليل والنهار } يتعاقبان خلفة كما قال تعالى { هو الذى جعل الليل والنهار خلفة } قاتل بعضهم الليل ذكر كآدم والنهار انثى كحواء والليل من الجنة والنهار من النار ومن ثمة كان الانس بالليل اكثر { والشمس والقمر } تسخرا فى سيرهما وانارتهما اصالة وخلافة واصلحهما لما نيط بهما صلاحه كل ذلك لمصالحكم ومنافكم : قال السعدى (6/492)
ابر وباد ومنه وخورشيد وفلك دركارند ... تاتو نانى بكف آرى وبغفلت نخورى
همه از بهرنو سركشته وفرمان بردار ... شرط النصاف نباشد كه توفرمان نبرى
والسخير بالفارسية [ رام كردانيدن ] وليس المراد بتسخير هذه لهم تمكنهم من تصريفها كيف شاؤوا كما فى قوله تعالى { سبحان الذى سخر لنا هذا } ونظائره بل هو تصريفه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافهم ومصالحهم لا ان ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب ارادتهم { والنجوم مسخرات بامره } مبتدأ وخبر اى سائر النجوم فى حركاتها واوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخرات اى مذللات لله خلقها ودبرها كيف شاء او لما خلقن له بامره اى بارادته ومشيئته وحيث لم يكن عود منافع لالنجوم اليهم فى الظهور بمثابة ما قبلها من الملوين والقمرين لم ينسب تسخيرها اليهم باداة الاختصاص بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ملوكته تعالى من غير دلالة على شئ آخر ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث الى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار . وقرئ بنصب النجوم على تقدير وجعل النجوم مسخرات بامره او على انه معطوف على المنصوبات المتقدمة ومسخرات حال من الكل والعالم ما فى سخر من معنى نفع اى نفعكم بها حال كونها مسخرات لله او لما خلقن له بايجاده وتقديره { ان فى ذلك } اى فيما ذكر من التسخير المتعلق بما ذكر مجملا ومفصلا { لآيات } باهرة متكاثرة { لقوم يعقلون } يفتحون عقولهم للنظر والاستدلال ويعتبرون وحيث كانت الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية أظهر جميع الآيات علقت بمجرد العقل من غير حاجة الى التأمل والتفكر .
قال اهل العلم العقل جوهر مضيئ خلقه الله فى الدماغ وجعل نوره فى القلب يدرك الغائبات بالوساط والمحسوسات بالمشاهدة وهو للقلب بمنزلة الروح للجسد فكل قلب لا عقل له فهو ميت وهو بمنزلة قلب البهائم وسئل النبى صلى الله عليه وسلم من احسن الناس عقلا قال « المسارع الى مرضاة الله تعالى والمجتنب عن محارم الله تعالى » قالوا اخف حلما من العصفور قال حسان بن ثابت الانصارى رضى الله عنه
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال واحلام العصافير
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)
{ وما ذرأ لكم } عطف على قوله والنجوم رفعا ونصبا على انه مفعول لجعل المقدر اى وما خلق { فى الارض } من حيوان ونبات حال كونه { مختلفا الوانه } اى اصنافه فان اختلافها غالبا يكون باختلاف اللون سخر لله تعالى او لما خلق من الخواص والاحوال والكيفيات او جعل ذلك مختلف الاصناف لتتمتعوا من ذلك بأى صنف شئتم . (6/493)
وفى بحر العلوم مختفا الوانه هيآته من خضرة وبياض وحمرة وسواد وغير ذلك . وفي اكثر التفاسير وما ذرأ معطوف على الليل والنهار اى وسخر لكم ما خلق لاجلكم وتعقب بان ذكر الخلق لهم مغن عن ذكر التسخير واعتذر بان الاول لا يستلزم الثانى لزوما عقليا لجواز كون ما خلق لهم عزيز المرام صعب المنال { ان فى ذلك } الذى ذكر من التسخيرات ونحوها { لآية } دالة على ان من هذا شأنه واحد لا شريك له { لقوم يتذكرون } فان ذلك غير محتاج الا الى تذكر ما عسى يغفل عنه من العلوم الضرورية .
والاشارة { وسخر لكم الليل } ليل البشرية { والنهار } نهار الروحانية { والشمس } شمس الروح { والقمر } فمر القلب { والنجوم } نجوم القوى والحواس الخمس { مسخرات بامره } وهو خطاب وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة بمعالجة طبيب حاذق البصيرة والولاية كامل التصرف فى الهداية مخصوص بالعناية { ان في ذلك لآيات } لشاهدات { لقوم يعقلون } بشواهد الحق من غير التكفر بل بالمعاينات { وما ذرأ لكم } وما خلق لمصالحكم { فى الارض } فى ارض جلبتكم من الاستعدادات { مختلفا الوانه } منها ملكية ومنها شيطانية ومنها حيوانية { ان فى ذلك لآيات لقوم يتذكرون } عبورا ارواحهم على هذه العوالم المختلفة وتلونها فى كل عالم بلون ذلك العالم من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية الى ان ردت الى اسفل سافلين القالب كذا فى التأويلات النجمية .
فعلى العاقل ان يتخلص من قيد الغفلة ويربط نفسه بلسلة اهل التذكر . قال محمد بن فضل ذكر اللسان كفارات ودرجات وذكر القلب زلفى وقربات والتذكر من شأن القلب والقلب امير الجسد واسير الحق وفى الحديث « لولا ان الشيطاين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا الى ملكوت السموات » وفى هذه اشارة الى الاسباب التى هى حجاب بين القلب وبين الملكوت واصحاب القلوب من الانس ثلاثة صنف كالبهائم قال الله تعالى { لهم قلوب لا يفقهون بها } وصنف اجسادهم اجساد بنى آدم وارواحهم ارواح الشياطين ونصف فى ظل الله تعالى يوم لا ظل الا ظله كذا فى الخالصة : قال السعدى قدس سره
ترا ديده درسر نهادند وكوش ... دهن جاى كفتار ودل جاى هوش
مكر باز دانى نشيب از فراز ... نكويى كه اين كوتهست يادراز
يعنى ان الله تعالى خلق كل عضو من الاعضاء بالحكمة فاستعملوها فيما خلقت له .
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)
{ وهو الذى سخر البحر } قال فى القاموس البحر الماء الكثير أو الملح فقط والجمع ابحر وبحور وبحار انتهى . (6/494)
وفى الكواشى سخر البحر العذب والملح اى جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والغوص والاصطياد . قال بعضهم هذه البحور على وجه الارض ماء السماء النازل وقت الطوفان فان الله تعالى امر الارض بعد هلاك القوم فابتلعت ماءها وبقى ماء السماء لم تبتلعه الارض واما البحر المحيط فغير ذلك بل هو جزر عن الارض حين خلق الله الارض من زبده . ويجوز ركوب البحر بشرط علم السباحة وعدم دوران الرأس والا فقد القى نفسه الى التهلكة واقدم على ترك الفرائض وذلك للرجال والنساء كما قاله الجمهور وكره ركوبه للنساء لان حالهن على الستر واذا متعسر فى السفينة غالبا لا سيما فى الزورق وهى السفينة الصغيرة { لتأكلوا منه } اى من العذب والملح كما فى الكواشى { لحما طريا } من الطراوة فلا يهمز وهو بالفارسية [ تازه ] والمراد السمك والتعبير عنه باللحم مع كونه حيوانا للتوبيخ بانحصار الانتفاع به فى الاكل كما فى الارشاد وللايذان بعدم احتياجه للذبح كسائر الحيوانات غير الجراد كا هو اللائح وصفه بالطراوة ارشادا لا يتناول طريا فان اكله قديدا اضر ما يكون كما هو المقرر عند الاطباء وفيه بيان لكمال قدرته حيث خلقه عذبا طريا فى ماء زعاق وهو كغراب الماء المر الغيظ لا يطاق شربه من اطلاق اللحم عليه ذهب مالك والثورى الى ان من حلف لا يأكل اللحم حنث باكله والجواب ان مبنى الايمان الغرف ولا ريب فى انه لا يفهم من اللحم عند الاطلاق ألا ترى ان الله تعالى سمى الكافر دابة حيث قال { ان شر الدواب عند الله الذين كفروا } ولا يحنث بركوبه من حلف لا يركب دابة . وفى حياة الحيوان المذهب المفتى به حل الجميع من الحيوانات التى فى البحر الا السرطان والضفدع والتمساح سواء كان على صورة كلب او خنزير ام لا وفى الحديث « اكل السمك يذهب بالحسد » كما فى بحر العلوم . والسمك يستنشق الماء كما يستنشق بنوا آدم وحيوان البر الهواء الا ان حيوان البر يستنشق الهواء بالانوف ويصل بذلك الى قصة الرئة والسك يسنشق باصداغه فيقوم له الماء قى تولد الروح الحيوانى فى قلبه مقام الهواء فى امة الحاية ولم نستغن نحن وما اشبهنا من اليحوان عنه لان عالم السماء والارض دون عالم الهواء ونحن من عالم الارض ونسيم البرّ لو مرّ على السك ساعة لهلك : وفى المثنوى
ما هيانزرا بحر نكذارد برون ... خاكيانرا بحر نكذارد درون
اصل ما هى آب وحيوان ازكلست ... حيله وتدبير اينجا باطلست
{ وتستخرجوا منه } اى من البحر الملح { حلية } الحلية الزينة من ذهب او فضة والمراد بها فى الآية اللؤلؤ والحجر الاحمر الذى يقال له المرجان { تلبسونها } تنزين بها نساؤكم وانما اسند اليهم لكونهن منهم ولبسهن لاجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم { وترى الفلك اى لو حضرت ايها المخاطب لرأيت السفن { مواخر فيه } جوارى فى البحر مقبلة ومدبره ومعترضة بريح واحدة بحيزومها من المخر وهو شق الماء يقال مخرت السفينة كمنع جرت وشقت الماء بجآجئها جمع جؤجؤ بالضم وهو صدر السفينة . وقال الفراء المخرصوت جرى الفلك بالريح { ولتبتغوا من فضله } عطف على تستخرجوا اى لتطلبوا من سعة رزقه بركبوها للتجارة فان تجارته اربح من تجارة البر والية اشارة حشرة سعدى بقوله (6/495)
سود دريانيك بودى كرنبودى بيم موج ... صحبت كل خوش بدى كنيستى تشويس خار
وفي الحديث « من ركب البحر فى ارتجاجه ففرق برئت منه الذمة » وارتجاجه هيجانه من الموج وهو الحركة الشديدة ومعناه ان لكل احد من الله عهدا وذمة بالحفظ فاذا القى نفسه الى التهلكة فقد انقطع عنه عهد الله فلندور السلام حين الموج الشديد لم يجز ركوبه وعصى فاعله { ولعلكم تشركون } اى تعرفون حقوق نعمه الجليلة فتقومون بادائها بالطاعة والتوحيد ولعل مستعار لمعنى الارادة كما فى بحر العلوم ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لانه اوقى في ابا الانعام من حيث انه جعل المهالك سببا للانتفاع وتحصيل المعاض . قال صاحب كشف الاسرار [ آورده اندكه حق سبحانه وتعالى ازروى ظاهر درزمين درياها آفريد جون قلزم وعما ومحيط وجزائر وبرى عبور بران كشتيها مقرّ ر فرموده وازروى باطن درنفس آدمى درياها بديد كرده جون درياهاى شغل وغم وحرص وغفلت وتفرقه وبراى عبور ازان كشتيها تعيين نموده . هركه دركشتى توكل نشيند ازدرياى شغل بساحل فراغت رسد . وهركه در كشتى رضا درا آيد از بحر غم بساحل فرح رسد . وهركه دركستى قناعت جاى كند از درياى حرص بساحل زهد آيد وهركه دركشتى ذكر نشيند ازدرياى غفلت بساحل آكاهى رسد . وهركه بكشتى توحيد در آيد از درياى تفرقه بساحل جمعيت رسد وبحقيقت تفرقه در بقاست وجميعت درفنا باوجود آن در مملكت تفرقه وبيخودان در مرتبه جمع ]
بحساب خودى قلم دركش ... درره بيخودى علم بركش
تا بجاروب « لا » نرو بى راه ... كى رسى در حريم الا الله
والاشارة وهو الذى سخر لكم بحر العلوم لتأكلوا منه الفوائد الغيبية والمواهب السنية وتستخرجوا من بحر العلوم جواهر المعانى ودرر الحقائق حلية لقلوبكم تلبس بها ارواحكم النور والبهاء وترى سفائن الشرائع والمذاهب جاريات فى بحر العلوم ولتبتغوا من فضله وهو الاسرار الخفيات عن الملائكة المقربين ولعلكم تشركون هذه النعم الجسيمة والعطيات العظيمة التى اختصكم بها عن العالمين كما فى التأويلات النجمية .
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)
{ والقى } الله تعالى بقدرته القاهرة { فى الارض } هى كروية الشكل محلها وسط العالم وسميت بالارض لانها تأرض اى تأكل اجساد بنى آدم { رواسى } ابى جبالا ثوابت من غير سبب ولا ظهير كأنها حصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن فى الارض فهو تصوير لعظمته وتمثيل لقدرته وان كل عسير فهو عليه يسر اى وجعل فيها رواسى بان قال لها كونى فكانت فاصبحت الارض وقد ارسيت بالجبال بعد ان كانت تمور مورا فلم يدر احد مم خلقت من رسا الشئ اذا نبت جمع راسية والتاء للتأنيث على انها صفة جبال { ان تميد بكم } مفعول له والميد الحركة والميل يقال ماد يميد ميدا تحرك ومنه سميت المائدة . والمعنى كراهة ان تميل بكم وتضطرب . وبالفارسية [ تاميلى نكند بشمازمين يعني متحرك ومضطرب نكردد وشمارا نيكودارد ] وقد خلق الله الارض مضطربة لكونها على الماء ثم ارساها بالجبال وهى ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التلول على جريان عادته فى جعل اشياء منوطة بالاسباب فالارض بلا جبال كاللحم بلا عظام فكما ان وجود الحيوان وجسده انما يستمسك بالعظم فكذا الارض انما تقوم بالرواسى ألا ترى ان سطيحا الكاهن لم يكن فى بدنه عظم سوى القفا لكونه من ماء المرأتين وكان لا يستمسك وانما يخرج فى السنة مرة ملفوفا فى خرقة او موضوعا على صحيفة من فضة { وانهارا } جمع نهر ويحرك مجرى الماء اى وجعل فيها انهار الان فى القى معنى الجعل اذا لا لقاء جعل مخصوص وذلك مثل الفرات نهر الكوفة ولجة نهر بغداد وجيحون نهر بلخ وجيحان نهر اذنه فى بلاد الارمن وسيحون نهر الهند وسيحان نهر المصيصة والنيل نهر مصر وغيرها من الانهار الجارية فى اقطار الارض { وسبلا } وطرقا مختلفة جمع سبيل وهو الطريق وما وضح يعنى { بديد كرديم در زمين راها ازهر موضعى بموضعى ] { لعلكم تهتدون } ارادة ان تهتدوا بها الى مقاصدكم ومنازلكم . قال بعضهم خذوا الطريق ولو دارت واسكنوا المدن ولو جارت وتزوجوا البكر ولو بارت اى ولو كانت البكر بورا اى فاسدة هالكة لا خير فيها (6/496)
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)
{ وعلامات } اى وجعل فيها معالم يستدل بها السابلة وهى القوم المختلفة على الطري قبالنهار من بجل وسهل ومياه واشجار وريح كما قال المام رأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرقات { وبالنجم هم يهتدون } بالليل فى البرارى والبحار حي لا علامة غيره ولعل الضمير لقريش فانهم كانوا كثيرى التردد للتجارة مشهورين بالاهتداء بالنجوم فى اسفارهم وصرف النظم عن سنن الخطاب وتقديم النجم واقحام الضمير للتخصيص كأنه قيل وبالنجم خصوصا هؤلاء يهتدون فالاعتبار بذلك الزم لهم والشكر عليه اوجب عليهم والمراد بالنجم الجنس او هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدى وذلك لانها تعلم بها الجهات ليلا لانها دائرة حول القطب الشمالى فهى لا تغيب والقطب فى وسط بنات نعش الصغرى والجدى هو النجم المفرد الذى ففى طرفها والفرقدان هما النجمان اللذان فى اطرف الآخر وهما من النعس والجدى من البنات ويقرب من بنات نعش الصغرى بنات نعش الكبرى وهى سبعة ايضا اربعة نعش وثلاث بنات وبازاء الاوسط من البنات السهى وهو كوكب خفى صغير كانت الصحابة رضى الله عنهم تمتحن فيه ابصارهم كذا فى التكملة لابن عسكر . قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه تعلموا من النجوم ما تهتدون به فى طرقكم وقبلتكم ثم كفروا وتعلموا من الانساب ما تصلون به ارحامكم قيل اول من نظر فى النجوم والحساب ادريس النبى عليه السلام . قال بعض السلف العلوم اربعة الفقه للاديان والطب للابتدان والنجوم للازمان والنحو للسان واما قوله عليه السلام « من اتقبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر » اى تعلم قطعة منه فقد قال الحافظ المنهى عنه من علم النجوم هو ما يدعيه اهلها من معرفة الحوادثالآتية من مستقبل الزمان كمجيء المطر ووقعو الثلج وهبوب الريح وتغير الاسعار ونحو ذلك ويزعمون انهم يدركون هذا بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها فى بعض الازمان دون بعض وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه احد غيره كما حكى انه لما وقع قران الكواكب السبعة فى دقيقة من الدرجة الثالثة من الميزان سنة احدى وثمانين وخمسمائة حكم المنجمون بخراب الربع المسكون من الرياح وكان وقت البيدر ولم يتحرك ريح ولم يقدر الدهاقين على رفع الحبوب ولذا استوصى تلميذ من شيخه بعد التكميل عند افتراقه فقال ان اردت ان لا تحزن ابدا فلا تصحب منجما وان اردت ان تبقى لذة فمك فلا تصحب طبيبا . قال الشيخ [ منجمى بخانه خود در آمد مرد بيكانه را ديد بازن او بهم نشسته دشنام داد وسقط كفت وفتنه وآشوب برخاست صاحب دلى برين حال واقف شد وكفت (6/497)
توب بر اوج فلك جا دانى جيست ... جو ندانى كه درسراى تو كست
فاما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذى يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقى فانه غير داخل فى النهى انتهى كلام الحافظ مع زيادة . (6/498)
يقول الفقير اصحاب النظر والاستدلال محتاجون الى معرفة شىء من علم النجوم والحكمة والهيئة والهندسة ونحوها مما يساعده ظاهر الشرع الشريف اذ هو ادخل فى التفكر وقد قال تعالى { ويتفكرون في خلق السموات والارض } ولا يمكن صرف التفكر الى المجهول المطلق فلا بد من معلومية الامر ولو بوجه ما وهذا القدر خارج عن الطعن والجرح كما قال السيد الشريف النظر فى النجوم ليستدل بها على توحيد الله تعالى وكمال قدرته من أعظم الطاعات واما اربابا الشهود والعيان فطريقهم الذكر وبه يصلون الى مطالعة انوار الملك والملكوت ومكاشفة اسرار الجبروت واللاهوت فيشاهدون فى الانفس والآفاق ما غاب عن العيون ويعاينون فى الظاهر والباطن ما تخير فيه الحكاء والمنجمون ثم ان الاهتداء اما بنجوم عالم الآفاق وهو للسائرين من ارض الى ارض واما بنجوم عالم الانفس وهو للمهاجرين من حال الى حال وفى الحديث « اصحابي كالنجوم بأيهم اقتد يتم اهتديتم » وهذا الاقتداء والاهتداء مستمر باق الى آخر الزمان بحسب التوراث فى كل عصر فلا بد من الدليل وهو صاحب البصيرة والولاية كامل التصرف فى الهداية المخصوص بالعناية : قال الحافظ
بكوى عشق منه بى دليل راه قدم ... كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد
وفى التأويلات النجمية والقى فى ارض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميل بكم صفات البشرية عن جادة الشريعة والطريقة وانهارا من ماء الحكمة وطريق الهداية لعلكم تهتدون الى الله تعالى وعلامات من الشواهد والكشوف وبنجم الهداية من الله يهتدون الى الله وهو جذبة العناية يخرجكم بها من ظلمات وجودكم المجازى الى نور الوجود الحقيقى انتهى .
قال الشيخ ابو القاسم الخزيمى الغرارى فى كتاب الاسئلة المقحمة فى الاجوبة المفحمة قوله تعالى { والقى فى الارض } الى قوله { لعلكم تهتدون } فيه دليل انه تعالى اراد من الكل الاهتداء والشكر وان كل من لا يهتدى فليس ذلك بارادته تعالى والجواب المراد به ان يذكرهم النعم التى يستحق عليها الشكر فى قوله تعالى { خلق السموات والارض } الى قوله { وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ثم بين تعالى ان هذا النعم كلها توجب الشكر والهداية ثم يختص بها من يشاء كما قال تعالى { ولو شاء لهداكم اجمعين . }
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)
{ أفمن يخلق } هذه المصنوعات العظيمة وهو الله تعالى . وبالفارسية [ آيا كسى كه مرا آفريند اين همه مخلوقات راكه مذكور شد ] { كمن لا يخلق } كمن لا يقدر على شئ اصلا وهو الاصنام ومن اللعقلاء لانهم سموها آلهة فاجريت مجرى العقلاء او لانه قابله بالخلق وجعله معه كقوله تعالى { فمنهم من يمشى على بطنه ومنه من يمشى على رجلين } والهمز للانكار اى ابعد ظهور دلائل التوحيد تتصور المشابهة والمشاركة : يعنى { خالق را بامخلوق هيج مشابهتى نسيت بس عاجزرا شريك قادر ساختن غايت عناد ونهايت جهلست ] واختير تشبيه الخالق بغير الخالق مع اقتضاء المقام بظاهره عكس ذلك مراعاة لحق سبق الملكة على العدم { أفلا تذكرون } اى ألا تلاحظون فلا تذكرون ذلك فتعرفون فساد ما انتم عليه يا هل مكة فانه بوضوحه بحيث لا يفتقر الى شئ سوى التذكر وهو بالفارسية { ياد كردن ] (6/499)
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)
{ وان تعدوا } العد بالفارسية [ شمردن { نعمة الله } الفائضة عليكم مما لم يذكر { لا تحصوها } لا تطيقوا حصرها وضبط عددها ولو اجمالا فضلا عن القيام بشكرها يقال احصاه اى عده كما فى القاموس واصله ان الحساب كان اذا بلغ عقدا وضعت له حصاة ثم اتؤنف العدد . والمعنى لا توجد له غاية فتوضع له حصاة (6/500)
عطا ييست هرمو ازو برتنم ... جكونه بهر موى شكرى كنم
{ ان الله لغفور } ستور يتجاوز عن تقصيركم فى شكرها { رحيم } عظيم الرحمة والنعمة لا يقطعها عنكم مع استحاققكم للقطع والحرمان بسبب ما انتم عليه من العصيان ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها وتقديم وصنف المغفرة لعى نعت الرحمة لتقدم التخلية على التحلية .
قال ابن عطاء ان لك نفسا وقلبا وروحا وعقلا ومحبة ودينا ودنيا وطاعة ومعصية وابتداء وانتهاء وحينا واصالا وفصلا فنعمة النفس الطاعات والاحسان والنفس فيهما تتقلب ونعمة القب اليقين والايمان وهو فيهما يتقلب ونعمة الروح الخوف والرجاء وهو فيهما يتقلب ونعمة العقل الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب وتنعمة المعرفة الذكر والقرآن وهى فيهما تتقلب ونعمة المحبة الالفة والمواصلة والامن من الهجران . وهى فيها تتقلب وهذا تفسير قوله { وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها } انتهى .
واعلم انه لو صرف جميع عمر الانسان الى الاعمال الصالحة واقامة الشكر لما كافأ نعمة الوجود فضلا عن سائر النعم
لو عشت الف ... عام فى سجدة لربى
شكر الفضل يوم ... لم اقض بالتمام
والعام الف شهر ... والشهر الف يوم
واليوم الف حين ... والحين الف عام
قال الشيخ سعدى قدس سره
ير خدمت آوردم ... كه ندارم بطاعت استطهار
عاصيان از كناه توبه كنند ... عارفان از عبادت استغفار
المراد رؤية العمل لا ترك العمل وينبغى للعبد از يكون تحت طاعة المولى لا تحت طاعة النفس والشيطان فان المطيع والعاصى لا يستويان - حكى - ان عابدا من بنى اسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة فاراد الله ان يظهره على الملائكة فارسل اليه لمكا يخبره انه مع تلك العبادة لا يليق بالجنة فقال العابد نحن خقلنا للعبادة فينبغى ان نعبد خالقنا امتثالا لامره فرجع الملك فقال الهى انت تعلم بما قال فقال الله تعالى اذا لم يعرض عن عبادتنا فنحن مع الكرم لا نعرض عنه اشهدوا انى قد غفرت له فللعبد ان يكون قصده مراعاة الامر واخراج النفس عن البين وهو حجاب عظيم للوصول الى الحقيقة وعلى تقدر الزلة فالمسارعة الى الاتستغفار فانه نعم المطهر من درن الذنوب والاوزار .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19)
{ والله يعلم ما تسرون } ما تضمرون من العقائد والاعمال { وما تعلنون } اى تظهرونه منها اى يستوى بالنسبة الى علمه المحيط سركم وعلنكم فحقه ان يتقى ويحذر ولا يجترأ على شئ مما يخالف رضاه . (7/1)
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20)
{ والذين يدعون } اى والآلهة الذين عبدهم الكفار والدعاء بمعنى العبادة فى القرآن كثير { من دون الله } نصب على الحال اى متجاوزين الله فان معنى دون ادنى مكان من الشئ ثم استعير للتفاوت فى الاحوال والرتب ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل من تجاوز حدا الى حد وتخطى حكما الى حكم { لا يخلقون شيأ } من الاشياء اصلا اى ليس من شنهم ذلك لانهم عجزة { وهم يخلقون } اى شأنهم ومقتضى ذاتهم الخلوقية لانها ذوات ممكنة مفتقرة فى مأهيتها ووجوداتها الى الموجد . (7/2)
قال فى القاموس الخالق فى صفاته المبدع للشيء المخترع على غير مثال سبق .
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)
{ اموات } جمع ميت خبر ثان للموصول اى جمادات لا حياة فيها وبالفارسية [ وايشان باوجود مخلوقيت مردكانند ] ولم يقل موات لانهم صوروا على شكل من تحله الروح . قال فى القاموس الموات كغراب وكسحاب مالا روح فيه وارض لا مالك لها { غير أحياء } جمع حى ضد الميت اى غير قابلين للحياة كالنفطة والبيضة فهى اموات على الاطلاق { وما يشعرون ايان يبعثون } الشعور [ بدانستن } يقال شعر به كنصر وكرم شعرا وشعورا علم به وفطن له وعقله . وايان مركب من أى التي للاستفهام وآن بمعنى الزمان فلذلك كان بمعنى متى اى سؤالا عن الزمان كما كان اين سؤالا عن المكان فلما ركبا وجعلا اسما واحدا بنيا على الفتح كبعلبك وبعث الموتى نشرهم اى احياؤهم كما فى القاموس . والمعنى ما يعلم اولئك الآلهية متى يبعث عبدتهم من القبور . وفيه ايذان بان معرفة وقت البعث مما لا بد منه فى الالوهية وتعريض بانهم كما لا بد لهم من الموت لا بد لهم من البعث وهم منكرون لذلك وهو اللائح . (7/3)
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)
{ الهكم اله واحد } [ يكتا ويكانه است ] لا نشاركه شئ فى شئ { فالذين لا يؤمنون بالآخرة } واحوالها من البعث والجزاء وغير ذلك والايمان فى اللغة التصديق بالقلب وفى الشريعة هو الاعتقاد بالقلب والاقرار باللسان . قال السهيلى فى كتاب الامالى الفرق بين لاتصديق والايمان ان التصديق لا بد ان يكون فى مقابلة خبر والايمان قد يكون فى مقابلة خبر صادق وقد يكون عن فكر ونظر فاذا نظرت فى الصنعة وعرفت بها الصانع آمنت ولم تكن مصدقا بخبر الا خبر هناك فاذا جاء الخبر بما آمنت به واقررت صدقت الخبر وايضا ان التصديق قد يكون بالقلب وانت ساكت تقول سمعت الحديث قصدقته والايما لا بد من اجتماع اللفظ مع العقد فيه لغة وشرعا انتهى { قلوبهم منكرة } للوحدانية متصفة بالنكارة لا بالمعرفة { وهم مستكبرون } اى وهم قول لا يزال الاستكبار عن اعتراف الوحدانية والتعظيم عن قبول الحق بأدبهم كما ان الانكار سجيتهم . (7/4)
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)
{ لا جرم } [ هر آيينه راست است ] { ان الله } { آنكه خداى تعالى ] { يعلم ما يسرون } من انكار قلوبهم { وما يعلنون } من استكبارهم . لا جرم للتحقيق والتأكيد بمنزلة حقا . قال ابو البقاء فى لا جرم اربعة اقوال . احدها ان لا رد لكلام ماض اى ليس الامر كما زعموا وجرم فعل بمعنى كسب وفاعله مضمر فيه وان ما بعده فى موضع النصب على المفعول به . والقول الثانى ان لا جرم كلمتان ركبتا وصار معناهما حقا وما بعدها فى موضع رفع بانه فاعل لحق . والثالث ان المعنى لا محالة فيكون ما بعدها فى موضع رفع ايضا وقيل فى موضع نصب او جر والرابع ان التقدير لا منع { انه } اى الله تعالى { لا يحب المستكبرين } عن التوحيد اى جنس المستكبرين سواء كانوا مشركين او مؤمنين . والاستكبار رفع النفس فوق قدرها وجحود الحق والفرق بين المتكبر والمستكبر ان التكبر عام لاظهار الكبر الحق كما فى اوصاف الحق تعالى فانه جاء فى اسمائه الحسنى الجبال المتكبر وفى قوله عليه السلام « التكبر على المتكبر صدقة » ولاظهار الكبر الباطل كما فى قوله تعالى { ساصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الارض بغير الحق } والاستكبار اظهار الكبر باطلا كما فى قوله تعالى فى حق ابليس { استكبر } ومنه ما فى هذا المقام . وفى العوارف الكبر ظن الانسان انه كبر من غيره والتكبر اظهاره ذلك وفى الحديث « لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من فى قلبه مثاقل ذرة من ايمان » (7/5)
قال الخطابى فيه تأويلان احدهما ان المراد كبر الكفر ألا ترى انه قابله فى نقيضه بالايمان والآخر انه تعالى اذا اراد ان يدخله الجنة نزع ما فى قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر . قال فى فتح القريب هذان التأويلان فيهما بعد فان الحديث ورد فى سياق النهى عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحقارهم ودفع الحق وقيل لا يدخلها دون مجازاة ان جازاه وقيل لا يدخلها مع المتقين اول وهله . وعن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال « قال الله تعالى يا بنى آدم خلقتكم من التراب ومصيركم الى التراب فلا تتكبروا على عبادى فى حسب ولا مال فتكونوا على اهون من الذر وانما تجزون يوم القيامة باعمالكم لا باحسابكم وان المتكبرين فى الدنيا اجعلهم يوم القيامة مثل الذر يطأهم الناس كما كانت البهائم تطأه فى الدنيا » - وحكى - انه افتخر رجلان عند موسى عليه السلام بالنسب والحسب فقال احدهما انا فلان ابن فلان حتى عدّ تسعة فاوحى الله تعالى اليه قل له هم فى النار وانت عاشرهم وانشد بعضهم
ولا تمش فوق الارض الا تواضعا ... فكم تحتها قوم همو منك ارفع (7/6)
فان كنت فى عز وحرز ورفعة ... فكم مات من قوم همو منك امنع
فعليك بالتواضع وعدم الفخر على احد فان التواضع باب من ابواب الجنة والفخر باب من ابواب النار واللازم فتح الواب الجنان وسد ابواب النيران كتحصيل الفقر المعنى الذى ليس الفخر فى الحقيقة الا به فانه لا يليق المرؤ بدولة المعنى ورياسة الحال وسلطنة المقام الا بتحلية ذاته بحلية التواضع وزينة الفناء : قال الحافظ
تابج شاهى طلبى كوهر ذاتى بنماى ... ورخوداز كوهر جمشيد وفريدون باشى
اللهم اجعلنا من اهل التواضع لا من ارباب التملق واجعلنا من اصحاب التحقق بعد التخلق .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)
{ واذا قيل لهم } عن السعدى اجتمعت قريش فقالوا ان محمدا رجل حلو اللسان اذا كلم رجلا ذهب بقلبه فانظروا اناسا من اشرافكم فابعثوهم فى كل طريق سكة على رأس ليلة او ليلتين فمن جاء يريده ردوه عنه فخرج ناس منهم من كل طريق فكان اذا جاء وافد من القوم ينظر ما يقول محمد فنزل بهم قالوا له هو رجل كذاب مايتبعه الا السفهاء والعبيد من لا خير فيه واما اشياخ قومه واخيارهم فهم مفارقوه فيرجعه احدهم واذا كان الوافد ممن هداه الله يقول بئس الوافد انا لقومى ان كنت جئت حتى اذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل ان القى هذا الرجل فانظر ما يقول فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم ما يقول لهم فيقولون خيرا فذلك قوله تعالى { واذا قيل لهم } اى لهؤلاء الشمركين المستكبرين المقتسمين من قبل الوفود اووفود الحاج فى الموسم { ماذا انزل ربكم } ماذا منصوب بانزل بمعنى أى شئ انزل ربكم على محمد { قالوا اساطير الاولين } عدلوا عن الجواب فقالوا هذا اساطير الاولين على ان يكون خبر مبتدأ محذوف لانهم انكروا انزال الرآن بخلاف قوله { وقيل للذين اتقوا ماذا انزل ربكم قالوا خيرا } كما يجيئ ويجوز ان يكون ماذا مرفوعا بالابتداء اى ما الذى انزله ربكم قالوا اساطير الاولين اى ما تدعون نزوله احاديث الامم السالفة وباطيلهم وليس من الانزال فى شئ : يعنى [ هيج نفر ستاده وآنجه آدمى خواند اساطير الاولين است ] قال فى القاموس الاساطير الاحاديث لا نظام لها جمع اسطار واسطير بكسرهما واسطورة وبالهاء فى الكل . (7/7)
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)
{ ليحملوا اوزارهم } [ بار كناهان خودرا ] واللام للعاقبة اذ لم يكن داعيهم الى ذلك القول حمل الاوزار ولكن الاضلال غير ان ذلك لما كان نتيجة قولهم وثمرته شبه بالداعى الذى لاجله يفعل الفاعل الفعل كما فى بحر العلوم . وقال فى الارشاد اللام للتلعيل فى نفس الامر من غير ان يكون غرض اى قالوا ما قالوا ليحملوا اوزارهم الخاصة بهم وهى اوزار ضلالهم اى تحتم حمل الاوزار عليهم على تقدير التعليل . والاوزار جمع وزر وهو الثقل والحمل الثقيل { كاملة } لم يكفر منها شئ بنكبة اصابتهم فى الدنيا كما يكفر بها اوزار المؤمنين فان ذنوبهم تكفر عنهم من الصلاة الى الصلاة ومن رمضان الى رمضان ومن الحج الى الحج وتكفر بالشدائد والمصائب اى المكروهات من الآلام والسقام والقحظ حتى خدش العود وعثرة القدم { يوم القيامة } ظرف ليحملوا { ومن اوزار الذين يضلونهم } اى وبعض اوزار من ضل باضلالهم وهو زر الاضلال والتسبيب للضلالة لانهما شريكان هذا يضله وهذا يطاوعه فيتحاملان الوزر وفى الحديث « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها على يوم القيامة » وفى المثنوى . (7/8)
هو كه بنهد سنت بد اى فتى ... تاردر افتد بعداو خلق ازعمى
جمع كردد بروى آن جمله بزه ... كوسرى بوده است وايشان دم غزه
{ بغير علم } حال من الفاعل اى يضلونهم غير عالمين بان ما يدعون اليه طريق الضلالة وبما يستحونه من العذاب الشديد فى مقابلة الاضلال او من المفعول اى يضلون من لا يعلم انهم ضلال وفائدة التقييد بها الاشعار بان مكرهم لا يروج عند ذوى لب وانما يتبعهم الاغبياء والجهلة والتنبيه على ان جهلهم ذلك لا يكون عذرا اذ كان يجب عليهم ين يبحثوا ويميزوا بين المحقق الحقيق بالاتباع وبين المبطل .
جشم باز وكوش باز ودام بيش ... سوى دامى مى برد باير خويش
{ ألا ساء ما يزرون } ساء فى حكم بئس والضمير الذى فيه يجب ان يكون مهما يفسره ما يزرون والمخصوص بالذم محذوف اى بئس شيأ يزرونه اى يحملونه فعلهم . وبالفارسية [ بدانيد كه بدركاريست آن بارى كه ايشان مى كشند ] . واعلم انه لا يحمل احدورر احد اذ كل نفس تحمل ما كسبت هى لا ما كسبت غيرها اذ ليس ذلك من مقتضى الحكمة الالهية واما حمل وزر الضلال فهو حمل وزر نفسه لانه مضاف اليه لا الى غيره . فعلى العاقل ان يجتنب من الضلال والاضلال فى مرتبة الرشيعة والحقيقة فمن حمل القرآن على الاساطير ودعا النسا الى القول بها فقد ضل واضل وكذا من حل إشارات القرآن على الاباطيل لا على الحقائق فانه ضل بالانكار واضل طلاب الحق عن طريق الاقرار فحمل حجاب الضلال وحجاب الاضلال وكلما تكاثف الحجب وتضاعف الاستار بعد المرؤ عن درك الحق ورؤية الآثار والمراد بالاشاراة الصحيحة المشهود لحقيتها بالكتاب ولاسنة وهى الاشارات الملهمة الى اهل الوصول لا الاشاراتن التى تدعيها الملاحدة وجهلة المتصوفة مما يوافق هواهم فانها ليست من الاشارات فى شئ كما قال فى المثنوى .
بر هوا تأويل قرآن ميكنى بست ... وكز شد از تزمعنئ سنى (7/9)
آن مكس بر برك كاه وبول خر ... همجو كشتيبان همى افراشت سر
كفت من دريا وكشتى خوانده ام ... مدتى درفكر آن مى ما نده ام
اينك اين دريا واين كشتى ومن ... مرد كشتيبان واهل ورأى زن
بر سر دريا همى راند او عمد ... مى نمودش آن قدر بيرون زحد
صاحب تأويل باطل جون مكس ... وهم ابو بول خر وتصوير خس
كرمكس تأويل بكذارد براى ... آن مكس را بخت كرداند هماى
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)
{ وقد مكر الذين من قبلهم } المكر الخديعة يعنى قد مكر اهل مكة كما مكر الذين من قبلهم وصار المكر سببا لهلاكهم لا لهلاك غيرهم لان من حفر لاخيه جبار وقع فيه منكبا . قال فى المدارك الجمهور على ان المراد نمرود بن كنعان حين بنى الصريح ببال وكان قصرا عظيما طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه فرسخان ليقاتل عليه من فى السماء بزعمه ويطلع على اله ابراهيم عليه السلام { فاتى الله بنيانهم من القواعد } البنيان البناء والجمع ابنية والقواعد جمع قاعدة وقواعدي البيت اساسه او اساطينه اى قصد الله تخريب بنائهم من جهة اصوله واساسه واتاه امره وحكمه وبأسه او من جهة الاساطين التى بنوا عليها بان ضعفت { فخر } اى سقط { عليهم السقف } اى سقف بنائهم { من فوقهم } يعنى [ اول بام برايشان فرود آمد بس ديوارها ] اذ لا يتصور البناء بعد هدم القواعد وجاء بفوقهم وعليهم للايذان بانهم كانوا نحته فان العرب لا تقول سقط علينا البيت وليسوا تحته - روى - انه هبت عليه ريح هائلة فالقت رأسه فى البحر وخر الباقى عليهم ولما سقط الصرح تبلبلت الالسن من الفزع يومئذ : يعنى [ بهم بر آمد وسخن ايشان مختلف كشت هرقومى بزبانى سخن كفتن آغاز كردند وهبج يك زبان آن ديكر ندانست ] فتكلموا ثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت ببابل وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية { واتيهم العذاب } اى الهلاك بالريح { من حيث لا يشعرون } باتيانه منه بل يتوقعون اتيان مقابله مما يريدون ويشتهون . والمعنى ان هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم اساطير الاولين سيأتيهم فى الدنيا من العذاب مثل ما اتاهم وهم لا يحتسبون [ دمياطى آورده كه مراد ازين عذاب بعوضه است كه برلشكر نمرود مسلط شد . درلباب فرموده كه خداى تعالى نمرودرا مبتلاكردانيد به بشه كه در بينى اورفته بود ودردماغ وى جاى كرفته وبزرك شد وجهار صدسال درانجا بماند ودرين مدت بيوسته مطرقه برسر او ميزدند تا فى الجمله آرام يافت . شيخ فريد الدين عطار قدس سريه در منطق الطير آورده (7/10)
نيم بشه برسر دشمن كما شت ... درسراو جارصد سالش بداشت
جون دهدحكمش ضعيفى رامدد ... سبلت خصم قوى را بر كند
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27)
{ ثم يوم القيامة } اى هذا العذاب جزاؤهم فى الدنيا ويوم القيامة { يخزيهم } [ رسواى كرداند ايشانرا ] اى يذل اولئك المفترين والماكرين الذين من قبلهم جميعا بعذاب الخزى على رؤس الاشهاد واصل الخزى ذل يستحيى منه وثم لتفاوت ما بين الجزاءين { ويقول } لهم تفضيحا وتوبيخا فهو الى آخره بيان للاخزاء { اين شركائى } بزعمكم { الذين كنتم تشاقون } اصله تشاققون اى تخاصمون الانبياء والمؤمنين { فيهم } اى في شأنهم بانهم شركاء احقاء حين بينوا لكم بطلانها . والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة او المدافعة على طريق الاستهزاء والتبكيت والاستفسار عن مكانهم لا يوجب غيبتهم حقيقة بل يكفى فى ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذى كانوا يزعمون انهم متصفون به من عنوان الالهية فليس هناك شركاء ولا اما كنها { قال الذين اوتوا العلم } من اهل الموقف وهم الانبياء والمؤمنون الذين اوتوا علما بدلائل التوحيد وكانوا يدعونهم فى الدنيا الى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم اى يقولون توبيخا لهم واظهار اللشماته بهم { ان الخزى } اى الفضيحة والذل والهوان وبالفارسية [ خوارى ورسوايى ] { اليوم } متعلق بالخزى وايراده للاشعار بانهم كانوا قبل ذلك فى عزة وشقاق { والسوء } اى العذاب { على الكافرين } بالله تعالى وبآياته ورسله وهو قصر للجنس الادعائى كأن ما يكون من الذل وهو العذاب لعصاة المؤمنين لعدم بقائه ليس من ذلك الجنس . (7/11)
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
{ الذين تتوفيهم الملائكة } فى محل الجر على انه نعت للكافرين وفائدة تخصيص الخزى والسوء بمن استمر كفره الى حين الموت دون من آمن منهم ولو فى آخر عمره اى على الكافرين المستمرين على الكفر الى ان تتوفاهم الملائكة اى يقبض ارواحهم ملك الموت واعوانه { ظالمى انفسهم } اى حال كونهم مستمرين على الكفر والاستكبار فانه ظلم منهم على انفسهم وأى ظلم حيث عرضوها للعذاب المخلد بوضعها بالاستكبار على الملك الجبار غير موضعها وبدلوا فطرة الله تبديلا { فالقوا السلم } عطف على قوله تعالى { ويقول اين شركائى } والسلم بالتحريك الاستسلام اى فيلقون الاستسلام والانقياد فى الآخرة حين عاينوا العذاب ويتركون المشاقة وينزلون عما كانوا عليه فى الدنيا من التكبر والعلو وشدة الشكيمة قائلين { ما كنا نعمل } فى الدنيا { من سوء } اى من شرك قالوه منكرين لصدوره عنهم قصدا لتخليص نفوسهم من العذاب { بلى } رد عليهم من قبل اولى العلم واثبات لما نفوه اى بلى كنتم تعملون ما تعملون { ان الله بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه وهذا اوانه فلا يفيد انكاركم وكذبكم على انفسكم . (7/12)
فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)
{ فادخلوا } الفاء للتعقيب { ابواب جهنم } اى كل صنف بابه المعدّ له { خالدين فيها } ان اريد بالدخول حدوثه فالحال مقدّرة وان اريد مطلق الكون فيهما فمقارنة { فلبئس مثوى المتكبرين } الفاء عطف على فاء التعقيب واللام للتأكيد تجرى مجرى القسم والمثوى المنزل والمقام والمخصوص بالذم محذوف وهو جهنم : والمعنى بالفارسية [ بس هر آينه بد مقامى وبد آرامكاهيست متكبرانرا جهنم } وذكره بعنوان التكبر للاشعار بعليته لثوآئهم فيها اى اقامتهم والمراد المتكبر عن التوحيد او كل متكبر من المشركين والمسلمين . قال حضرة الشيخ على السمرقندى قدس سره فى تفسيره المسمى بيجر العلوم التكبر ينقسم على ثلاثة اقسام . التكبر على الله وهو اخبث انواع الكبر واقبحها وما منشأه الا الجهل المحض . ثم التكبر على الرسل من تعزز النفس وترفعها عن الانقياد لبشر مثل سائر الناس وهذا كالتكبر على الله تعالى فى القيامة واستحقاق العذاب السرمدى . والثالث التكبر على العباد وهو بان يستعظم نفسه ويستحقر غيره فيأبى عن الانقياد لهم ويدعوه الى الرفع عليهم فيزدريهم ويستصغرهم ويستنكف عن مساواتهم وهو ايضا قبيح وصاحبه جاهل كبير يستأهل سخطا عظيما لو لم يتب وان كان دون الاولين للدخول تحت عموم قوله { مثوى المتكبرين } وايضا من تكبر على احد من عباد الله فقد نازع الله فى ردائه وفى صفة من صفاته . قال ابو صالح حمدان ابن أحمد القصار رحمة الله عليه من ظن ان نفسه خير من نفس فرعون فقد اظهر الكبر : وفى المثنوى . (7/13)
آنجه درفرعون بوداندر توهست ... ليك اردرهات محبوس جهست
آتشت را هيزم فرعون نيست ... زانكة جون فرعون اوراعوننيست
وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ان نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة دعا نبيه فقال انى آمركما باثنين وانها كما عن اثنين آمر كما بلا اله الا الله فلو ان السموات السبع والارضين السبع وضعن فى كفة ولا اله الله فى كفة لرجحت بهن ولوان السموات السبع والارضين السبع حلقة مبهمة لقصمتهن لا اله الا الله وآمركما بسبحان الله وبحمد فانها صلاة كل نبى بها يرزق الخلق وانها كما عن الكفر والكبر »
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30)
وقيل - روى - ان احياء العرب كانوا ييعثون ايام موسم الحج من يأتيهم بخبر النبى صلى الله عليه وسلم فاذا جاء الوافد كفه المقتسمون الذين اقتسموا طرق مكة وامروه بالانصراف وقالوا ان لم تلقه كان خيرا لك فانه ساحر كاهن كذاب مجنون فيقول اناشر وافد ان رجعت الى قومى دون ان استطلع امر محمد واراه فيلقى اصحاب النبى عليه لسلام فيخبرونه بصدقه فذلك قوله وقيل اى من طرق الوافدين { للذين اتقوا } عن الكفر والشرك وهم المؤمنون المخلصون { ماذا } اى أى شئ فهو مفعول قوله { انزل ربكم } على محمد { قالوا } فى جوابه انزل { خيراً } وفى تطبيق الجواب بالسؤال اشارة الى ان الانزال واقع وانه نبى حق . قال الكاشفى [ مراد ازخير قرآنست كجامع جميع خيرات ومستجمع مجموع حسنات وبركات اوست ونيكوهاى دينى ودنياوى وخوبيهاى صورى ومعنوى ناشى ازو ] { للذين احسنوا } اعمالهم وقالوا لا اله الا الله محمد رسول الله فانه احسن الحسنات وهو كلام مستأنف جيئ به لمدح المتقين { فى هذه } الدار { الدنيا حسنة } اى مثوبة حسنة مكافا فيها باحسانهم وهى عصمة الدماء والاموال واستحقاق المدح والثناء والظفر على الاعداء وفتح ابواب المكاشفات والمشاهدات الذى من اوتيه فقد فاز بالقدح المعلى . (7/14)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من احسن اعماله بالصالحات واخلاقه بالحميدات واحواله بالانقلاب عن الخلق الى الحق فله حسنة من الله وهو ان ينزله منازل الواصلين الكاملين فى الدنيا { ولدار الآخرة } اى ولثوابهم فيها { خير } مما اوتوا فى الدنيا من المثوبة او دار الآخرة خير من الدنيا على الاطلاق فان الآخرة كالجوهر والدنيا كالخزف وقيمة الجوهر ارفع من قيمة الخزف بل لا مناسبة بينهما اصلا { ولنعم دار المتقين } [ ونيكو سرابيست مر بر هيزكارانرا سراى آخرت ] .
قال الحسن دار المتقين الدنيا لانهم منها يتزودون للآخرة . يقال الفقير فيه مدح للدنيا باعتبار انها متاع بلاغ فانها باعتبار انها متاع الغرور مذمومة كما قال فى المثنوى
جيست دنيا ازخدا غافل شدن ... نى قماش ونقره وميزان وزن
مال را كز بهر دين باشى خمول ... نعم مال صالح خواندش رسول
آب در كشتى هلاك كشتى است ... آب اندر زير كشتى بشتى است
جونكه مال وملك را ازدل براند ... زان سليمان خويش جز مسكين نخواند
كوزه سربسته اندر آب رفت ... از دل برباد فوق آب رفت
باد درويشى جودر باطن بود ... بر سر آب جهان ساكن بود
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان للاتقيان الواصلين دارا غير دار الدنيا ودار الآخرة فدارهم مقعد الصدق فى مقام العندية ونعم الدار .
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)
{ جنات عدن } عدن علم اى لهم بساتين عدن حال كونهم { يدخلونها } حال كونها { تجرى من تحتها الانهار } اى من تحت منازلها الانهار الاربعة على ان يكون المنبع فيها بشهادة من { لهم } خبر مقدم { فيها } اى فى تلك الجنات حال من المبتدأ المؤخر وهو قوله { ما يشؤن } ويحبون من انواع المشتهيات . قال البيضاوى فى تقديم الظرف تنبيه على ان الانسان لا يجد جميع ما يريده الا فى الجنة . يقول الفقير ان قلت هل يجوز للمرء ان يشتهى فى الجنة اللواطة وقد ذهب اليه من لا وقوف له على جلية الحال فالجواب ان الاشتهاء المذكور مخالف لحكمة الرب الغفور ولو جاز نكاح الامهات فيها على تقدير الاشتهاء وانه مما لا يستريب عاقل فى بطلان ألا ترى ان الذكور وكذا الزنى واللواطة والكذب ونحوها كان حراما مؤبدا فى الدنيا فى جميع الاديان لكونه مما لا تقتضى الحكمة حله بخلاف الخمر ونحوها ولذا كانت هى احد الانهار الجارية فيها فنسأل الله تعالى ان يجعلنا ممن لا يستطيب ما استخبثته الطباع السليمة . قال الكاشفى [ ودرجواب كسى كه كويد شايد بهشتى خواهد كه بدرجات انبيا ومنازل اولياء ومراتب شهدا برسد وكفته اند دربهشت غيظ وحسد كه موجب تمناها باشد نيست با آنكه هريك ازبهشتيان بآنجه دارند راضى اند ] . (7/15)
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من الاتقياء من مشيئته الجنة ونعيمها ومن مشيئته العبور على الجنة والخروج الى مقعد الصدق فى مقام العندية فلهم ما يختارون من الجنة ومقعد الصدق { كذلك } اى مثل ذلك الجزاء الاوفى { جيزى الله المتقين } اى كل من يتقى عن الشرك والمعاصى .
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)
{ الذين تتوفيهم الملائكة } نعت للمتقين اى يقبض ملك الموت واعوانه ارواحهم حال كونهم { طيبين } اى طاهرين عن دنس الظلم لانفسهم بتبديل فطرة الله . وفائدته الايذان بان ملاك الامر فى التقوى هو الطهارة عما ذكر الى وقت توفيهم . ففيه حث للمؤمنين على ذلك ولغيرهم على تحصيله . وقيل طيبين بفبض ارواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية الى جناب القدس جعلنا اللهواياكم منهم : وفى المثنوى (7/16)
همجنين باد اجل باعارفان نرم ... وخوش همجون نسيم يوسفان
وفى التأويلات النجمية اى طيبى الاعمال عن دنس الشهوات والمخالفات . وطيبى الاخلاق عن المذمومات الملوثة بالطبيعات دون الشريعات . وطيبى الاحوال عن وصمة ملاحظات الكونين { يقولون } حال من الملائكة اى قائلين لهم على وجه التعظيم والتبشير { سلام عليكم } لا يخيفكم بعد مكروه . قال القرطبى اذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك الموت فقال السلام عليك يا ولى الله الهل يقرئك السلام وبشره بالجنة { ادخلوا الجنة } اى جنات عدن فانها معدة لكم فاللام للعهد والمراد دخولهم لها فى وقته كما قال الكاشفى [ بعد ازسلام كويند فردا كه مبعوث شويد در آييد دربهشت كه براى شما آماده است ] القبر روضة من رياض الجنة ومقدمة لنعيمها ومن دخله على حسن الحال والاعمال فكأنه دخل جنته ووجد نعيما لا يزول ولا يزال { بما كنتم تعملون } بسب بثباتكم على التقوى والطاعة والعمل وان لم يكن موجبا للجنة لان الدخول فيها محض فضل من الله الا ان الباء دلت على ان الدرجات انما تنال بالاعمال وصد الاحوال فان المراد من دخول الجنة انما هو اقتسام المنازل بحسب الاعمال [ وكفته اند ] زرع يومك حصا غدك
بكوش امروز تاتخمى بباشى ... كه فردا بر جوى قادر نباشى
كر انيجا كشت كردن را نورزى ... دران خرمن به از ارزن نيرزى
وفى التأويلات النجمية يشير الى ان دخول الجنة للاتقياء جزاء لاصلاح اعمالهم والعبور عليها جزاء لاصلاح اخلاقهم والخروج الى مقعد الصدق جزاء لاصلاح احوالهم فلكل متق مقام بحسب معاملته مع الله تعالى وفى الحديث « عدن دار الله التى لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى طوبى لمن دخلك »
قال فى بحر العلوم المراد بالصديق كل من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين احد منهم بدليل قوله تعالى { والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون } ويدل عليه ايضا الآية التى نحن فيها كما لا يخفى ويعضده قول النبى عليه السلام « الله تعالى بنى جنات عدن بيد قدرته وجعل ملاطها المسك وترابها وحصباءها اللؤلؤ لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها بيد قدرته وقال لها تكلمى قالت قد افلح المؤمنون فقال طولى لك منزل الملوك »
وفى قولها قد افلح المؤمنون تنبيه على ان سكانها اهل الايمان بالله ورسوله انتهى . (7/17)
يقول الفقير لا شك ان اهل الايمان كلهم يدخلون الجنة لكن بحسب تفاوت درجاتهم فى مراتب اليامان تتفاوت منازلهم الجنانية فالفردوس وعدن للخواص ومن يلحق بهم وغيرهما للعوام وكمال الايمان انما يحصل بمكاشفة اسرار الملكوت ومشاهدة انوار الجبروت وصاحبه الصديق الاكبر والدليل على ما قلنا قوله تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } فانهم قد قالوا فى التفسير ان اهلها هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وهو الوصف الزائد على مطلق الايمان ولذا وعدوا بتلك الجنان اذ من كان ارفع مرتبة فى الدنيا بحسب العلوم النافعة والاخلاق الفاضلة كان اعلى درجة فى الجنة .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33)
{ هل ينظرون } [ ايا انتظار ميبرند كفار مكة ] اى ما ينتظرون { الا ان تأتيهم الملائكة } اى ملك الموت واعوانه لقبض ارواحهم بالعذاب لمواظبتهم على الاسباب الموجبة له المؤدية اليه فكأنهم يقصدون اتيانه ويترصدون لوروده { او يأتى امر ربك } اى العذاب الدنيوى وقد اتى يوم بدر { كذلك } مثل فعل هؤلاء من الشرك والظلم والتكذيب والاستهزاء { فعل الذين } خلوا { من قبلهم } من الامم { وما ظلمهم الله } بما سيتلى من عذابهم { ولكن كانوا انفسهم يظلمون } بالكفر والمعاصى المؤدية اليه . (7/18)
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34)
{ فاصابهم } عطف على قوله فعل الذين من قبلهم . والمعنى بالفارسية [ رسيد ايشانرا بحكم عدل ] { سيآت ما عملوا } اى اجزية اعمالهم السيئة على طريقة تسمية المسبب باسم سببه ايذانا بفظاعته لا على حذف المضاف فانه يوهم ان لهم اعمالا غير سيآتهم { وحاق بهم } اى احاط بهم ونزل من الحيق الذى هو احاطة الشرك كما فى القاموس الحيق ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله { ما كانوا به يستهزئون } من العذاب الموعود . (7/19)
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)
{ وقال الذين اشركوا } اى اهل مكة { لو شاء الله } عدم عبادتنا لشئ غيره { ما عبدنا من دونه } [ بجز خداى تعالى ] { من شئ } يعني تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . ومذهب اهل السنة ان الكفر والمعاصى وسائر افعال العباد بمشيئة الله وخلقه والكفار وان قالوا ان الشرك وغيره بمشيئة الله لكنهم يستدلون بذلك على اباحة تحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من المعاصى ويزعمون ان الشرك والمعاصى اذا كان بمشيئة الله تعالى ليست معصية ولا عليها عذاب فهذا كلام حق اريد به الباطل فصار باطلا . وفى المداك هذا الكلام صدر منهم استهزاء ولو قالوه اعتقادا لكان صوابا انتهى [ حسين بن فضل كفته كه اكر كفار اين سخن از روى تعظيم واجلال ومعرفت الهى كفتندى حق سبحانه وتعالى ايشانرا بدان عيب نكردى ] : قال الحافظ (7/20)
درين حمين نكنم سرزنش بخود رويى ... جنانكه برورشم ميد هند ميرويم
وقال
نقش مستورى ورندى نه بدست من وتست ... آنجه سلطان ازل كفت بكن آن كردم
يقول الفقير فرق بين الجاهل الغافل المجحوب وبين العارف المتيقظ الواصل الى المطلوب والادب اسناد المقابح الى النفس والمحاسن الى الله تعالى فانه توحيد أي توحيد { كذلك } اى مثل ذلك الفعل الشنيع { فعل الذين من قبلهم } من الامم اى اشكروا بالله وحرموا حله وعصوا رسله وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ وهدوهم الى الحق { فهل على الرسل } [ بس هست برفرستاد كان يعنى نيست برايشان ] { الا البلاغ المبين } اى ليست وظيفتهم الا تبليغ الرسالة تبليغا واشحا واطلاع الخلق على بطلان الشرك وقبحه لا الجاءهم الى قبول الحق وتنفيذ قولهم عليهم شاؤوا او ابوا .
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)
{ ولقد بعثنا فى كل امة } من الامم . وبالفارسية [ درميان هز كروهى ] { رسولاً } خاصا بهم كما بعثناك { ان اعبدوا الله } ان مفسرة لبعثنا اى قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله وحده { واجتنبوا الطاغوت } هو الشيطان وكل ما يدعوا الى الضلال وذلك لالزام الحجة وقطع المعذرة مع علمه ان منهم من لا يأتمر بالاوامر ولا يؤمن . والطاغوت فعلوت من الطغيان كالجبروت والملكوت من الجبر والملك واصله طغيوت فقدم اللام على العين وتاؤه زائدة دون التأنيث { فمنهم } اى من تلك الامم والفاء فصيحة اى فبلغوا ما بعثوا به من الامر بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت فتفرقوا فمنهم { من هدى الله } خلق فيه الاهتداء الى الحق الذى هو عبادته واجتناب الطاغوت بعد صرف قدرتهم واختيارهم الجزئى الى تحصليه { ومنهم من حقت عليه الضلالة } [ كمراهى بسبب خذلان الهى ] اى وجبت وثبتت الى حين الموت فعناده واصراره عليها وعدم صرف قدرته فلم يخلق فيه الاهتداء ولم يرد ان يطهر قلبه { فسيروا } سافروا يا معشر قريش اذ الكلام معهم { فى الارض فانظروا } فى اكنافها وفى الفاء الموضوعة للتعقيل اشارة الى وجوب المبادرة الى النظر والاستدلال المؤديين الى الاقلاع عن الضلال { كيف كان عاقبة المكذبين } من عاد وثمون ومن سار بسيرتهم ممن حقت عليه الضلالة لعلكم تعتبرون حين تشاهدون من منازلهم وديارهم آثار الهلاك والعذاب . (7/21)
إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)
{ ان تحرص } يا محمد { على هديهم } اى ان تطلب منازلهم وديارهم بجهدك . وبالفارسية [ اكرسخت كوشى وحرص ورزى ] { فان الله لا يهدى من يضل } اى فاعلم ان الله لا لخلق الهداية جبرا وقهرا فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره { وما لهم من ناصرين } من ينصرهم برفع العذاب عنهم ويصغة الجمع فى الناصرين باعتبار الانبياء في الضمير فان مقابلة الجمع بالجمع تقتضى انقسام الآحاد الى الآحاد . واعلم ان سرّ بعثة الانبياء عليهم السلام الى الخلق ان يأمروهم بعبادة الله واجتناب طاغوت الهوى وما يعبدون من دون الله ويعلموهم كيفية العبادة الخالصة من الشوائب وكيفية الاجتناب عما سوى الله ليصلوا بهذين القدمين الى حضرة الجلال كما قال بعضهم خطوتان وقد حصلت . فالخطوة الاولى عبادة الله بالتوحيد وهو التوجه الى الله تعالى بالكلية طلبا وشوقا ومحبة . والثانية الخروج عما سوى الله بالكلية صدقا واجتهادا بليغا لينالوا ما نال من قال لربه - كلى بكلك مشغول فقال كلى لكلك مبذول - كما فى التأويلات النجمية . فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق العبودية وهى رفض المشيئة لان العبد لا مشيئة له لانه لا يملك ضرا ولا نفعا - وحكى - ان ابراهيم بن ادهم رحمه الله اشترى عبد ا فقال له أى شئ تأكل قال ما تطعمنى قال أى شئ تعمل قال ما تستعملنى قال أى شئ لك ارادة قال واين تبقى ارادة العبد فى جنب ارادة سيده ثم راجع ابراهيم نفسه وقال يا مسكين ما كنت لله فى عمرك ساعة مثل ما كان هذا لك فى هذه الحالة ان قلت الطاعة راجحة ام ترك المخالفة . قلت الاحتماء غالب على المعالجة بالادوية كما يفعله اهل الهند فانهم يداوون مرضاهم بترك الاكل اياما . وقد قال ابو القاسم لا تطلبوا الآخرة بالبذل والايثار وطلوبا بالترك والكف . وهذا عكس ما عليه اهل الزمان فان عبادهم يأتون ما امكن لهم من الطاعات وهم غرقى فى بحر المخالفات اذ ليس مبالاة فى باب التروك فلو انهم اقتصروا على الفرائض والواجبات واجتهدوا فى باب الكف عن الرزائل والمخالفات لكان خيرا لهم ولذا قال فيى المثنوى (7/22)
بهر اين بعض صحابه از رسول ... ملتمس بودند مكر نفس غول
كوجه آميزدز اغراض تهان ... در عبادتها و درا خلاص جان
فضل طاعت را نجستتدى ازو ... عيب ظاهر را نجستندى كه كو
مو بمو و ذره ذره مك رنفس ... مى شناسيدناجون كل از كرفس
نسأل الله تعالى ان يهدينا الى حق اليقين ويعصمنا من اعمال من قال فى حقهم ومالهم من ناصرين .
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38)
{ واقسموا بالله } الاقسام [ سوكندخوردن ] والقسم محركة اليمين بالله . والمعنى بالفارسية [ سوكندخوردند بخدى تعالى ] . (7/23)
عن ابى العالية كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فاتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به والذى ارجوه بعد الموت انه لكذا : يعنى { دراثنا مكالمه كفت بدان خدى كه بعد ازمرك بلقاء اواميد وارم ] فقال المشرك انك لتزعم انك تبعث بعد الموت [ اى كفت تواميد وارى كه بعد ازمرك زنده شوى مسلمان كفت آرى آن كافر بايمان غلاظ وشدادكه دركيش او مقرر بود سوكند ياد كردكه هيجكس بعد ازمرك زنده نشود ] فانزل الله تعالى هذه الآية { جهد ايمانهم } [ سخترين سوكند ايشان يعنى جهد كردند در تغليظ سوكند ] . يقال جهد الرجل فى كذا كمنع جد فيه وبالغة واجتهد . قال الحال اى جاهدين فى ايمانهم اى حلفوا بالله مبالغين فى ايمانهم حتى بلغوا غاية شدتها ووكادتها . وفى تفسير ابى الليث كل من حلف بالله فهو جهد اليمين لانهم كانوا يحلفون بالاصنام وبآبئهم ويسمون اليمين بالله جهد ايمانهم { لا يبعث الله من يموت } مقسم عليه { بلى } اثبات لما بعد النفى اى بلى يبعثهم { وعدا } اى وعد بذلك وعدا ثابتا { عليه } انجازه لامتناع الخلف فى وعد الله تعالى { حقا } اى حق حقا { ولكن اكثر الناس لا يعلمون } انهم يبعثون والقول بعدمه لجهلهم بشؤن الله تعالى من العلم و القدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز عليه ولما لا يجوز وعدم وقوفهم على سر التكوين والغاية القصوى منه .
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39)
{ ليبين لهم } عبارة عن اظهار ما كان مبهما قبل ذلك اى يبعث الله كل من يموت مؤمنا كان او كافرا ليبن لهم الشان { الذى يختلفون } مع المؤمنين { فيه } من الحق المنتظم للبعث والجزاء وجميع ما خالفوه مما جاء به الشرع المبين والمؤمنون وان كانوا عالمين بذلك عند معاينة حقيقة الحال يتضح الامر فيصل علمهم الى مرتبة عين اليقين لانه يحصل لهم مشاهدة الاحوال حقيقة الحال يتضح الامر فيصل علمهم الى مرتبة عين اليقين لانه يحصل لهم مشاهدة الاحوال كما هى ومعاينتها بصورها الحقيقية { وليعلم الذين كفروا } بالله تعالى بالاشراك وانكار البعث وتكيب وعده الحق عندما خرجوا من قبورهم { انهم كانوا كاذبين } فى قولهم لا يبعث الله من يموت ونحوه وهو اشارة الى السبب الداعى الى البعث المتقضى له من حيث الحكمة وهو التمييز بين الحق والباطل والمحق والمطبل بالثواب والعقاب . (7/24)
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)
{ انما } ما كافة { قولنا } مبتدأ { لشئ } اى أي شئ كان مما عزوها متعلق بقولنا على ان اللام للتبليغ كهى فى قولنا قلت له قم فقام . (7/25)
فان قلت فيه دليل على ان المعدوم شئ لانه سماه قبل كونه . قلت التعبير عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلق مشئيته تعالى لانه كان شيأ قبل ذلك .
وفى التأويلات النجمية فى الآية دلالة على ان المعدوم الذى فى علم الله ايجاده قبل ايجاده شئ بخلاف المعدوم الذى فى علم الله عدمه ابدا { اذا ارادناه } ظرف لقولنا اى وقت ارادتنا لوجوده { ان نقول له كن } خبر للمبتدأ اى احدث لانه من كان التامة بمعنى الحدوث التام { فيكون } عطف على مقدر اى فنقول ذلك فيكون او جواب لشرط محذوف اى فاذا قلنا ذلك فهو يكون ويحدث عقيب ذلك وهذا الكلام مجاز عن سرعة الايجاد وسهولته على الله وتمثيل الغائب وهو تأثير قدرته فى المراد بالشاهد وهو امرا لمطاع للمطيع فى حصول المأمور به من غير امتناع وتوقف ولا افتقار الى مزاولة عمل واستعمال آلة وليس هناك قول ولا مقول له ولا آمر ولا مأمور حتى يقال انه يلزم احد المحالين اما خطاب المعدوم او تحصيل الحاصل . والمعنى ان ايجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذى هو من بعض المقدورات
آنكه بيش ازوجود جان بخشد ... هم تواند كه بعد ازان بخشد
جون جر آورد ازعدم بوجود ... جه عجب بازا كر كند موجود
وذهب فخر الاسلام وغيره الى ان حقيقة الكلام مرادة بان اجرى الله سنته فى تكوين الاشياء ان يكوّنها بهذه الكلمة اذ لم يمتنع تكوينها بغيرها . والمعنى يقول له احدث فيحدث عقيب هذا القول لكن المراد هو الكلام النفسى المنزه عن الحروف والاصوات لا الكلام اللفظى المركب منهما لانه حادث يستحيل قيامه بذاته تعالى .
يقول الفقير افادنى شيخى وسندى روح الله روحه فى قوله عليه السلام « ان الله فرد يحب الفرد » ان مقام الفردية يقتضى التثليث فهو ذات وصفة وفعل وامر الايجاد يبنى على ذلك واليه الاشارة بقوله تعالى { انما قولنا لشئ اذا اردناه ان نقول له كن فيكون } فهو ذات وارادة وقول والقول مقلوبه بعد الاعلال اللقا فليس عند الحقيقة هناك قول وانما هو لقاء الموجد اسم فاعل بالموجد اسم مفعول وسيريان هويته اليه وظهور صفته وفعله فيه فافهم هذه الدقيقة . قال الروح ينزل بالمطروله تعين فى كل نشأة بما يناسب حاله فعند تمام الخلقة فى الرحم ينفخ الله تعالى الروح وهو عبارة عن تعين الروح وظهوره كظهور النار من غير ايقاد ولكن عبر عنه بالنفخ تفخيما لان العقل قاصر عن دركه ولذا قال العلماء لا يبحث عن ذات البارى تعالى وكيفية تعلق القدرة بالمعدومات وكيفية العذاب بعد الموت .
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
{ والذين هاجروا فى الله } اى فى شأن الله ورضاه وفى حقه والتمكين من طاعته ولوجهه { من بعد ما ظلموا } هم الين ظلمهم اهل مكة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واخرجوهم من ديارهم فهاجروا الى الحبشة ثم الى المدينة فجمعوا بين الهجرتين . لا المهاجرون مطلقا فان السورة مكية - روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما نزل بالمسلمين من توالى الاذى عليهم من كفار قريش قال لهم « تفرقوا فى الارض فان الله سيجمعكم » قالوا الى اين نذهب قال « اخرجوا الى ارض الحبشة فان بها ملكا عظيما لا يظلم عنده احد وهى ارض صدق حى يجعل الله لكم فرجا مما انتم فيه » فهاجر اليها ناس ذو عدد قال بعضهم كانوا فوق ثمانين مخافة الفتنة فرار الى الله تعالى بدينهم منهم من هاجر الى الله باهله كعثمان بن عفان رضى الله عنه هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبى صلى الله عليه وسلم وكان اول خارج ومنهم من هاجر بنفسه وفى الحديث « من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الارض استوجب له الجنة وكان رفيق ابيه خليل الله ابراهيم ونبيه محمد عليهما السلام » { لنبوئنهم } لننزلنهم { فى الدنيا حسنة } اى مباءة حسنة وهى المدينة المنورة حيث آواهم اهلها ونصروهم . يقال بوأه منزلا انزله والمباءة المنزل فهى منصوبة على الظرفية او على انها مفعول ثان ان كان لنبوئنهم فى معنى لنعطينهم { ولا جر الآخرة } المعد لهم فى مقابلة الهجرة { اكبر } مما يعجل لهم فى الدنيا . فى المدارك الوقف لاز عليه لان جواب قوله { لو كانوا يعلمون } محذوف والضمير للكفار اى لو علموا ان الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لو افقوهم فى الدين ويجوز ان يعود الى المؤمنين المهاجرين فانهم لو علموا علم المشاهدة لازدادوا فى المجاهدة والصبر واحبوا الموت وليس الخبر كالمعاينة . (7/26)
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)
{ الذين } اى المهاجرون هم الذين { صبروا } على مفارقة الوطن اللذى هو حرم الله المحبوب فى كل قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤسهم - روى - ان النبى صلى الله عليه وسلم لما توجه مهاجرا الى المدينة وقف ونظر الى مكة وبكى وقال « والله انى لا خرج منك واتى لا علم انك احب بلاد الله الى الله تعالى واكرمها على الله ولولا ان اهلك اخرجونى منك ما خرجت » قال الهمام (7/27)
مشتاب ساربان كه مرا باى دركلست ... دركردنم زحلقه زلفش سلاسلست
تعجيل ميكنى تو وبايم نمى رود ... بيرون شدن زمنزل اصحاب مشكلشت
جون عاقبت زصحبت يا ران بريد نيست ... بيوند باكسى نكند هركه عاقلست
وكذا صبروا على مفارقة الاهل والشدائد من اذية الكفار وبذل الارواح ونحو ذلك { وعلى ربهم } خاصة { يتوكلون } منقطعين اليه معرضين عما سواه مفوضين اليه الامر كله والمعنى على المضى والتعبير بصيغة المضارع لاستحاضر صورة توكلهم البديعة .
والاشارة { والذين هاجروا فى الله } بالابدان عما نهى الله عنه بالشريعة وهاجروا بالله بالقلوب عن الحظوظ الاخروية برعاية الطريقة وهاجروا الى الله بالارواح عن مقامات القربة ورؤية الكرامات بجذبات الحقيقة بل هاجروا عن الوجود المجازى مستهلكا فى بحر الوجود الحقيقى حتى لم يبق لهم فى الوجود سوى لاله من بعدما ردوا الى اسفل السافلين لننزلنهم على اقرب القرب فى حال حياتهم ولاجر الآخرة اى بعد الخروج من الدنيا والخلاص من حبس اوصاف البشرية وتلوثها بها اكبر اى اعظم واجل واصفى واهنى وامرى مما كان لهم من حسنات الدنيا وكانوا يعلمون قدره ويؤدون شكره الذين صبروا على الاثتمار بالاوامر وعلى الانتهاء عن النواهى بل صبروا على المجاهدات والمكابدات لنيل المشاهدات والمواصلات { وعلى ربهم يتوكلون } صبروا بالله فى طلبه وتوكلوا على الله فى وجدانه فبالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم فى الله حاروا حيرة لا نهاية لها الى الابد كما فى التأويلات النجمية .
اعلم ان من توكل على الله وانقطع اليه كفاه الله لك مؤونة ومن انقطع الى الدنيا واهلها لا يتم امره فان اهل الدنيا لا تقدر على النفع وايصال الخير ما لم يرد الله . قال ابو سعيد الخراز قدس سره اقمنا بمكة ثلاثة ايام لم نأكل شيأ وكان بحذائنا فقير معه ركوة مغطاة بحشيش وربما اراه يأكل خبزا حوارى فقلت له نحن ضيفك فقال نعم فلما كان وقت العشاء مسح يده على سارية فناولنى درهمين فاشترينا خبزا فقلت بما وصلت الى ذلك فقال يا ابا سعيد بحرف واحد تخرج قدر الخلق من قلبك تصل الى حاجتك .
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)
{ وما ارسلناك } وذلك ان مشركى قريش لما بلغهم النبى صلى الله عليه وسلم الرسالة ودعاهم الى عبادة الله تعالى انكروا ذلك وقالوا الله اعظم من ان يكون رسوله بشرا ولو اراد ان يبعث الينا رسولا لبعث من الملائكة الذين عنده فنزل قوله تعالى وما ارسلنا { من قبلك } اى الامم الماضية { الا رجالا } آدميين لا ملكا وقوله تعالى { جاعل الملائكة رسلا } اى الى الملائكة الى الانبياء ولا امرأة اذ مبنى حالها على الستر والنبوة تقتضى الظهور ولا صبيا ونبوة عيسى فى المهد لا تنافيه اذ الرسالة اخص . قال ابن الجوزى اشتراط الاربعين في حق الانبياء ليس بشئ { نوحى اليهم } على ألسنة الملائكة فى الغلب واكثر الامر وفيه اشارة الى ان الرسالة والنبوة والولاية لا تسكن الا فى قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله . (7/28)
نه هركس سزاوار باشد بصدر ... كرامت بفضلست ورتبت بقدر
{ فاسألوا } اى فان سككتم فى ذلك فاسألوا يا معشر قريش { اهل الذكر } علماء اهل الكتاب ليخبروكم ان الله تعالى لم يبعث الى الامم السالفة الا بشرا وكانوا يشارونهم فى بعض الامور ولذلك احالهم الى هؤلاء للالزام { ان كنتم لا تعلمون } ذلك . وفى الآية اشارة الى وجوب المراجعة الى العلماء فيما لا يعلم . وسئل الامام الغزالى رحمه الله نم اين حصل لك الاحاطة بالعلوم اصولها وفروعها فتلا هذه الآية اى افاد ان ذلك العلم الكلى انما حصل باستعلام المجهول من العماء وترك العار وقد ورد « الحكمة ضالة المؤمن اينما وجدها اخذها » يعنى ينبغى للمؤمن ان يطلب الحكمة كما يطلب ضالته .
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)
{ بالبينات والزبر } بالمعجزات والكتب بينة وهى الواضحة . والزبر جمع زبور وهو الكتاب بمعنى المزبور اى الكتوب { وانزلنا اليك الذكر } اى القرآن انما سمى به لا نه تذكير وتنبيه للغافلين . يعنى انه سبب الذكر فاطلق عليه المسبب { لنبين للناس } كافة العرب والعجم { وما نزل اليهم } فى ذلك الذكر من الاحكام والشرائع وغير ذلك من احوال القرون المهلكة بافانين العذاب حسب اعمالهم الموجبة لذلك على وجه التفصيل بيانا شافيا كما ينبئ عنه صيغة التفعيل فى الفعلين { ولعلهم يتفكرون } التفكر تصرف القلب فى معانى الاشياء لدرك المطلوب اى وارادة ان يجيلوا فيه افكارهم فيتنبهوا للحقائق وما فيه من العبر ويحترزون عما يؤدى الى مثل ما اصاب الاولين من العذاب . (7/29)
وفى التأويلات النجمية ولعلهم اى وفى انزال الذكر اليك حكمة اخى وهى لعل الناس يتفكرون فيما يسمعون من بيان القرآن والاحكام منك على انك امى ما قرأت الكتب المنزلة ولا تعلمت العلوم وانما تبين لهم من نور الذكر فيلازمون الذكر ويواظبون عليه ليصلوا الى مقام المذكورين فى متابعتك ورعاية سنتك . ولما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن جلاء القلب قال « ذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة علىّ » ولا شك ان خير الاذكار كلمة التوحيد . قال ابراهيم الخواص رحمه الله دواء القلب خمسة . قراءة القرآن بالتدبر . وخلاء البطن . وقيام الليل . والتضرع الى الله عند السحر . ومجالسة الصالحين .
وفى ابكار الافكار افضل اذكر قراءة القرآن فانها افضل من الدعوة الغير المأثورة . واما المأثورة فقيل انها افضل منها وقيل القراءة افضل انتهى .
وفى نفائس المجالس مما يجب فيه التدبر والتذكر قوله تعالى { يا ايها الذين آمنوا آمنوا } فالله تعالى امر المؤمنين بالايمان اى بتكرار عقد القلب وتجديده كما ورد { جددوا ايمانكم بقول لا اله الا الله } قال بعض الكبار قد علم بحديث التجيد ان الايمان يقبل البلى وذلك بزوال الحب وتجديده بالتوحيد وكلمة التوحيد مركبة من النفى والاثبات فبنفى ما سوى المعبود واثبات ما هو المقصود يصل الموحد الى كمال الشهود وحصول ذلك بنور التلقين والكينونة التامة مع الصادقين كما قال تعالى { وكونوا مع الصادقين } والكينونة صورية وهى بملازمة اهل الصدق ومجالستهم ومعنوية وهى باتخاذ الاسرار وتحصيل المناسبة المعنوية فلا بد من الارتباط بواحد من الصادقين
زمن اى دوس اين يك بندبيذير ... برو فتراك صاحب دولتى كير
كه قطره تاصدف را درنيايد ... نكردد كوهر وروشن نتابد
واعلم ان التبيين حق اهل الدعوة والارشاد اذ ليس عليهم الا البلاغ المبين والعمل بموجب الدعوة على العباد اذ ليس عليهم الاقبول ما جاء من طرف النبى الامين فاذا قبلوا ذلك ورجعوا فى المشكلات اليه او الى وارث من ورثته الكمل علموا ما لم يعلموا ووصلوا الى كمال العلم والعمل وحصلوا عند المقصود من نزول القرآن فطوبى لهم فلهم درجات الجنان ورؤية المنان .
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45)
{ أفأمن الذين مكروا السيآت } هم اهل امكة الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صدّ اصحابه عن الايمان واحتالوا فى ابطال الاسلام والفاء عطف على مقدر والانكار موجه الى المعطوفين معا . والسيآت نعت لمصدر محذوف اى ألم يتفكروا فامن الذين مكروا السيآت وعملوا الكفر والمعاصى { ان يخسف الله بهم الارض } مفعول لا من اى ان يغوّ ربهم الارض حتى يدخلوا فيها الى الارض السفلى كما فعل بقارون واصحابه . وبالفارسية [ از آنكه فرو برد خداى تعالى ايشانرا درزمين ] ذكر الحافظ ان الكركى لا يطأ الارض بقدميه بل باحدهما فاذا وطئها لم يعتمد عليها خوفا ان تخسف الارض فاذا لم يأمن الطير من الخسف فما بال الانسان العاقل يمشى على الارض وهو غافل { او يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } باتيانه اى فى حال غفلتهم . (7/30)
ديدى آن قهقه كبك خرامان حافظ ... كه زسر نيجه شاهين قضا غافل بود
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46)
{ او يأخذهم فى تقلبهم } التقلب [ بركشتن ] وفى القاموس تقلب فى الامور تصرف كيف شاء انتهى . (7/31)
اى فى حالتي تقلبهم فى مسايرتهم ومتاجرهم واسباب دنياهم . وقال سعدى المفتى الظاهر ان المراد من قوله او يأتيهم حال يقظتهم وتصرفهم كقوله تعالى { فجاءهم باسنا بياتا اوهم قائلون } { فما هم بمعجزين } بناجين من عذاب الله القهار سابقين قضاءه بالهرب والفرار على ما يوهمه التقلب والسير فى الديار وفى الحديث « ان الله ليملى للظالم حتى اذا اخذه لم يفلته » اى ليمهل ويطول عمره حتى يكثر منه الظلم ثم يأخذه اخذ شديدا فاذا اخذه لم يتركه ولم يخلصه احد من الله وفى الحديث « تسلية للمظلوم ووعيد للظالم لئلا يغتر بامهاله » قال الشيخ سعدى قدس سره
مهما زور مندى مكن بر كهان ... كه بريك نمط مى نماند جهان
نمى ترسى اى كرك ناقص خرد ... كه روزى بلنكيت برهم درد
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)
{ او يأخذهم على تخوف } قال فى القاموس تخوف الشئ تنقصه ومنه او يأخذهم على تخوف انتهى . (7/32)
ولقى رجل اعرابيا فقال يا فلان ما فعل دينك فقال تخوفته يعنى تنقصته كما فى تفسير ابى الليث . والمعنى او يأخذهم على ان ينقصهم شيأ بعد شئ فى انفسهم واموالهم حتى يهلكوا ولا يهلكهم فى حالة واحدة فيكون المراد مما قبلها عذاب الاستئصال ومنها الاخذ شيأ فشيأ والمراد بذكر الاحوال الثلاث بيان قدرة الله على اهلاكهم بأى وجه كان لا الحصر فيها { فان ربكم لرؤوف رحيم } حيث لا يعالجكم بالعقوبة ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها والمعنى انه اذا لم يأخذكم مع ما فيه فانما أفته تقيكم ورحمته تحميكم .
وفى التأويلات النجمية رؤف بالعباد اذا عطاهم حسن الاستعداد رحيم عليهم عند افساد اتسعدادهم بالمعاصى بان لا يأخذهم فى الحال ويتوب عليهم فى المآل ويقبل توبتهم بالفضل والنوال ومن المعاصى التقلب من اعمال الدنيا الى اعمال الآخرة بالرياء او من اعمال الآخرة الى اعمال الدنيا بالهوى وعذاب الرد من حرم القبول والرجع من درجات الوصول .
فعلى العقال التيفظ فى الامور وترك السيآت والشرور فانه لا يشعر من اين يأتى العذاب من قبل الاعمال الدنيوية او من قبل الاعمال الاخروية ومن جه لالمريد بنفسه وبحق ربه ان يسيء الادب باظهار دعوى مثلا فتؤخر العقوبة عند امهالا له فيظنه اهمالا فيقول لو كان هذا سوء ادب لقطع الامداد واوجب الابعدا اعتبارا بظاهر الامر وما ذلك الا لفقد نور بصيرته او ضعف نورها والا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن أنه متوفر فى عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد الامنع المزيد لكان قطعا لان من لم يكن فى زيادة فهو فى نقصان . قال بعضهم الزم الادب ظاهرا وباطنا فما اساء احد الادب فى الظاهر الا عوقب ظاهرا ولا اساء احد الادب فى الباطن الا عوقب باطنا من ضيع الادب فهو بعيد من حث يظن القرب ومردود من حيث يظن القبول . وقال رويم لابن خفيف اجعل عملك ملحا وادبك دقيقا : وفى المثنوى
ازخدا جوبيم توفيق وادب ... بى ادب محروم كشت ازلطف رب
بى ادب تنها نه خودرا داشت بد ... بلكه آتش درهمه آفاق زد
هركه نامردى كندرراه دوست ... رهزن مردان شدونا مرد اوست
اللهم اجعلنا من المتأدبين بآداب حبيبك واصحابه الى يوم السؤال وجوابه .
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)
{ أو لم يروا } الهمزة للانكار وهى داخلة فى الحقيقة على النفى وانكار النفى نفى له ونفى النفى اثبات . والرؤية هى البصيرة المؤدية الى التفكر والضمير لكفار مكة اى ألم ينظروا ولم يروا { الى ما خلق الله } اى قدر رأوا امثال هذه الصنائع فما لهم لم يتفكروا فيه ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافون منه { من شئ } بيان لما الموصولة اى من كل شئ { يتفيؤا ظلاله } اى ترجع شيأ فشيأ من جانب الى جانب وتدور من موضع الى موضع حسبما تقتضيه ارادة الخالق فان التفئ مطاوع الافاءة . قال فى تهذيب المصادر النفئ [ باز آمدن سايه بعد ازانتصاف النهار ] ولا يكون التفيئ الا بالعشى قال الله تعالى { يتفيؤا ظلاله } انتهى . (7/33)
والظلال جمع الظل وهو بالفارسية [ سايه ] والجملة صفة لشئ . قال فى الارشاد ولعل المراد بالموصول الجمادات من الجبال والاشجار والاحجار التى لا يظهر لظلالها اثر سوى التفيء بارتفاع الشمس وانحدارها واما الحيوان فظله يتحرك بتحركه . وفى التبيان يريد الشجر والنبات وكل جسم قائم له ظل { عن اليمين والشمائل } متعلق بيتفيء . والشمائل جمع شمال . وضد اليمين وبالفتح الريح التى مهبها بين مطلع الشمس وبنات نعش او من مطلع النعش الى مسقط النسر الطائر كما فى القاموس اى ألم يروا الاشياء التى لها ظلال متفيئة عن ايمانها وشمائلها اى عن جانبي كل واحد منها وشقيه . وفى التبيان اى فى اول النهار عن اليمين وفى آخره عن الشمال يعنى من جانب الى جانب اذا كنت متوجها الى القبلة استعارة من يمين الانسان وشماله بجانبى الشئ وتوحيد اليمين وجمع الشمائل لان مذهب العرب اذا اجتمعت علامتان فى شىء واحد ان يلغى واحد ويكتفى باحدهما كقوله تعالى { وعلى سمعهم وعلى ابصارهم } وقوله تعالى { يخرجهم من الظلمات الى النور } كذا فى الاسئلة المقحمة .
والاشارة ان المخلوقات على نوعين . منها ما خلق من شئ كعالم الخلق وهو عالم الجسام . ومنها ما خلق من غير شئ كعالم الامر وهو عالم الارواح كما قال تعالى { ألا له الخلق والامر } وانما سمى عالم الارواح الامر لانه خلقه بامر كن من غير شئ بلازمان كما قال تعالى { خلقتك من قبل ولم تك شيأ } يعنى خلقت روحك من قبل خلق جسدك ومنه قوله عليه السلام « ان الله خلق الارواح قبل الاجساد بالفى الف عام » كذا فى التأويلات النجمية { سجدا لله } اى حال كون تلك الظلال ساجدين لله دائرين على مراد الله فى الامتداد والتقلص وغيرهما غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيء { وهم داخرون } يقال دخر كمنع وفرع دخورا ودخر صغر وذلك وادخره كما فى القاموس وهو حال من الضمير فى ظلاله والجمع باعتبار المعنى اذا المراد ظلال كل شئ وايراد صيغة الخاصة بالعقلاء لان الدخور من خصائصهم او لان من جملة ذلك من يعقل فغلب .
والمعنى ترجع الظلال من جانب الى جانب بارتفاع الشمس وانحدارها منقادة لما قدر لها من التفيء والحال من اصحابها من الاجرام داخرة اى صاغرة منقادة لحكمه تعالى ووصفها بالدخور مغن عن الوصف ظلالها به وبعد ما بين سجود الظلال من الاجرام السفلية الثابة في احيازها ودخورها له سبحانه شرع فى بيان سجود الملخوقات المتحركة بالارادة سواء كانت لها ظلال ام لا فقيل { ولله يسجد } اى له تعالى وحده ويخضع وينقاد لا لشيء غيره استقلالا واشتراكا فالقصر ينتظم القلب والافراد { ما فى السموات } من العلويات قاطبة ودخل فيه الشمش والقمر والنجوم { وما فى الارض } كائنا ما كان { من دابة } بيان لما فى الارض فان قوله تعالى { والله خلق كل دابة من ماء } يدل على اختصاب الدابة فما فى الارض لان ما فى السماء لا يخلق بطريق التولد وليس لهم دبيب بل لهم اجنحة يطيرون بها . بقول الفقير الظاهر ان الطيران لا ينفى الدبيب وقد نقل ان فى السماء خلقا يدبون ودبيبه لا يستلزم كونه مخلوقا من الماء المعهود اذ من الماء كل شئ حى فيكون من دابة بيانا لما فى السماء والارض وما عام للعقلاء وغيرهم . وفى الاسئلة المقحمة ان ما لا يعقل اكثر عددا ممن يعقل فغلب جانب ما لا يعقل لانه اكثر عددا { والملائكة } عطف على ما فى السموات عطف جبريل على الملائكة عظيما واجلالا { وهم } اى والحال ان الملائكة مع علو شأنهم { لا يستكبرون } لا يتعظمون عن عبادته والسجود له بتذللون فكل شئ بين يدى صانعه ساجد بسجود يلائم حاله كما ان كل شئ يسبح بحمده تسبيحا يلائم حاله فتسبيح بعضهم بلسان القال وتسبيح بعضهم بلسان الحال والله يعلم لسان حالهم كما يعلم لسان قالهم : وفى المتنوى (7/34)
جون مسبح كرده هر جيزرا ... ذات بى تمييز وبا تمييز را
هر يكى تسبيح بر نوع دكر كويد ... او ازحال آن اين بى خبر
آدمى منكر زتسبيح جماد ... وان جماد اندر عبادت او ستاد
واعلم ان الله تعالى اعطى لكل شئ من اصناف المخلوقات من الحيوات الى الجمادات سمعا وبصرا ولسانا وفهما به يسمع كلام الحق ويبصر شواهد الحق ويكلم الحق ويفهم اشارة الحق كما اخبر الله تعالى عن حال السموات والارض وهما فى العدم اعطاهما سمعا به سمعنا قوله ائتيا طوعا او كرها واعطاهما فهما به فهمتا كلامه واعطاهما لسانا به قالتا اتينا طائعين فكل شئ يسبح الله بذلك اللسان ويسجد له بذلك اطوع . فمن هذا اللسان الملكوتى معجزة النبى عليه السلام كانت الحصى تسبح فى يده . وكذلك الاحجار الثلاثة كلمت داود عليه السلام واوّبت الجبال معه ولما قال الله تعالى { وان من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } فلا يبعد ان يسجد لله كل شئ وان لم نفقه سجوده .
قال الكاشفى [ درين آيت سجدة بايد كرد واين سجده سوم است از سجدهاى قرآنى . وحضرت شيخ قدس سره در فتوحات اين را سجود عالم بالا وادنا خوانده كه در مقام ذلت وخوف حق را سجده مى كنند بس بنده بايدكه درين محل بدين صفت موسوم شود خودرا بزمره ساجدان كنجايش دهد ] .
يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)
{ يخافون ربهم } اى مالك امرهم والجملة حال من الضمير فى لا يستكبرون { من فوقهم } اى يخافونه تعالى خوف هيبة واجلال وهو فوقهم بالقهر لقوله تعالى { وهو القاهر فوق عباده } فهو حال من ربهم . قال فى التبيان عند قوله { وهو القاهر فوق عباده } يعنى الغالب عباده فوق صلته انتهى . (7/35)
او يخافون ان يرسل عليهم عذابا من فوقهم فهو متعلق بيخافون .
قال فى التأويلات النجمية معنى { يخافون ربهم } اى يأتيهم العذاب { من فوقهم } ان عصوه { ويفعلون ما يؤمرون } اى ما يأمرهم الخالق من الطاعات والتدبيرات من غير تناقل عنه وتوان فيه وفه ان الملائكة مكلفون مدارون على الامر والنهى والوعد والوعيد وبين الخوف والرجاء وفى الحديث « ان لله ملائكة فيى السماء السابعة سجد منذ خلقهم الله الى يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافة الله فاذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم وقالوا ما عبدناك حق عبادك » كذلك فى تفسير ابى الليث . ويقال من لسان الاشارة ان الامطار والمياه دموع الملائكة والارض فهم يخافون الله تعالى بقدر ما وسعهم من معرفة جلاله فما بال الانسان يمشى آمنا ضاحكا مع سوء حاله والله الهادى
وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)
{ وقال الله } لجميع المكلفين { لا تتخذوا الهين اثنين } تأكيد { انما هو اله واحدؤ لا شريك له ولا شبيه (7/36)
از همه در صفات ذات خدا ... ليس شئ كمثله ابدا
{ فاياى } لا غيرى { فارهبون } خافون .
وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52)
{ وله } وحده خلقا وملكا { ما فى السموات } من الملائكة { والارض } من الجين والانس { وله الدين } اى لاطاعة والانقياد من كل شئ فى السموات والارض وما بينهما { واصبا } حال من الدين اى واجبا ثابتا لا زوال له لانه الاله وحده الواجب ان يرهب منه يقال وصب يصب وصوبا اى دام وثبت { أفغير الله تتقون } الهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر اى أبعد العلم بما ذكر من التوحيد واختصاص الكل به خلقا وملكا غير الله تطيعون فتتقون . (7/37)
وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)
{ وما بكم } اى أى شئ يلابسكم ويصاحبكم { من نعمة } أى نعمة كانت كالغنى وصحة الجسم والخصب ونحوها { فمن الله } فهى من قبل الله فما شرطية او موصولة متضمنة لمعنى الشرط باعتبار الاخبار دون الحصول فان ملابسة النعمة بهم سبب للاخبار بانها منه تعالى لا لحصولها منه { ثم اذا مسكم الضر } اى الفقر والبلاء فى جسدكم والقحط ونحوها مساسا يسيرا { فاليه تجأرون } تتضعرون فى كشفه لا الى غيره . والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة . (7/38)
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)
{ ثم اذا كشف الضر عنكم اذا } [ ناكاه ] { فريق منكم } وهم كفاركم { بربهم يشركون } { ليكفروا } بعبادة غيره { بما آيتناهم } من نعمة الكفش عنهم كأنهم جعلوا غرضهم فى الشرك كفران النعمة ففى اللام استعارة تبعية وقوله ليكفروا من الكفران وقيل اللام لام العاقبة { فتمتعوا } بقية آجالكم اى فعيشوا وانتفعوا بمتاع الحياة الدنيا اياما قليلة وهو امر تهديد { فسوف تعلمون } عاقبة امركم وما ينزل بكم من العذاب . (7/39)
وفى الآيات اشارات . منها ان اكثر الخلق اتخذوا مع الله الها آخر وهو الهوى وهو ما يميل اليه الطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند مقبول ودليل معقول قال تعالى { أفرأيت من اتخذ الهه هواه } فلهذا قال { الهين } وما قال آلهة لانه ما عبد الها آخر الا بالهوى ولذلك قال صلى الله عليه وسلم « ما عبد اله ابغض على الله من الهوى » فقال { انما هو اله واحد } اى الذى خلق الهوى وسائر الآلة { فاياى فارهبون } فانى انا الذى يستحق ان يرغب اليه ويرهب منه لا الهوى والالهة فانهم لا يقدرون على نفع ولا شر . وعن بعضهم قال انكسرت بنا السفينة وبقيت انا وامرأتى على لوح وقد ولدت فى تلك الحالة صبية فصاحت بى وقالت يقتلنى العطش فقلت هوذا يرى حالنا فرفعت راسى فاذا رجل فى الهواء جالس وفى يده سلسلة من ذهب فيها كوز من يقاوت احمر فقال هاك اشربا فاخذت الكوز وشربنا منه فاذا هو اطيب رائحة من المسك وابرد من الثلج واحلى من العسل فقلت من انت يرحمك الله فقال عبد لمولاك فقلت بم وصلت الى هذا قال تركت الهوى لمرضاته فاجلسنى على الهوى ثم غاب عنى فلم اره رضى الله عنه .
ومن الاشارات ان كاشف الضر هو الله تعالى فمن اراد كشفه عن الاسباب لا عن المسبب فقد اشرك ألا ترى ان وكيل السلطان اذا قضى لك حاجة فانت وان كنت شاكرا فعله ولكن انما تدعو فى الحقيقة للسلطان حيث قلد العمل لمثل هذا فحاجتك انما قضيت فى الحقيقة من قبل السلطان من حيث ان فعل هذا خلف حجاب الاسباب لا بالاسباب فافهم . ومنها ان الكفران سبب لزوال النعمة : وفى المثنوى
باشد آن كفران نعمت درمثال ... كه كنى با محسن خود توجدال
كه نمى آيد مرا اين نيكوئى ... من برنجم زين جه رنجه ميشوى
لطف كن اين نيكو ئى رادور كن ... من نخواهم عاقبت رنجور كن
نسأل الله العصمة من الكفار وعذابه .
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56)
{ ويجعلون } اى كفار مكة { لما لا يعلمون } اى للصنام التى لا يعلم الكفار حقيقتها وقدرها الخسيس ويعقتدون فيها انما تضرو وتنفع وتشفع عند الله تعالى { نصيبا } [ بهره ] { مما رزقناهم } من الزرع والانعام وغيرهما تقربا اليها فقالوا هذا لله . بزعمهم وهذا لشركائنا وهو مذكور فى الانعام ويحتمل ان يعود ضمير لا يعلمون الى الاصنام وصيغة جمع العقلاء لكون ما عبارة عن آلهتهم التى وصفوها بصفات العقلاء اى الاشياء التى غير موصوفة بالعلم ولا تشعر أجعلوا لها نصيبا وحظا فى انعامهم وزروعهم ام لا { تالله لتسألن } سؤال توبيخ وتقريع { عما كنتم تفترون } فى الدنيا انها آلهة حقيقة بان يتقرب اليها . (7/40)
وفيه اسارة الى ان اصحاب النفوس والاهواء يجعلون مما رزقهم الله من الطاعات نصيبا بالرياء لمن لا علم لهم باحوالهم ليحسنوا فى حقهم ظنا ويكتسبوا عندهم منزلة وهم غافلون فارغون عن توهمهم وافترائهم فى نفوسهم عليهم
بروى ريا خرقه سهلست دوخت ... كرش باخدا درتوانى فروخت
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)
{ ويجعلون لله البنات } هم خزاعة وكنانة كانوا يقولون الملائكة بنات الله [ وسخن بعضى از كفار اين بود كه حق تعالى باجن مصاهرت كرد وملائكة متولد شد نعوذ بالله ] { سبحانه } [ باكست خداى از قول ايشان كه ميكويند خداى تعالى دختران دارد ] { ولهم ما يشتهون } من البنين اى يختارون لانفسهم الاولا الذكور ما مرفوعة المحل على انها مبتدأ والظرف المقدم خبره والجملة حالية ثم وصف كراهتهم البنات لانفسم فقال { واذا بشر احدهم بالاثنى } البشارة بمعنى الاخبار على الوضع الاصلى والمضاف مقدر اى اخبر بولادتها [ يعنى جون كسى را از كافران خبر دهند كه ترا دخترى متولد شده ] { ظل وجهه } اى صار من الظلول بمعنى الصيرورة كما يستعمل اكثر الافعال الناقصة بمعناها او هو بمعناه يقال ظل يفعل كذا اذا فعله نهارا اى دام النهار كله لان اكثر الوضع يتفق بالليل ويتأخر اخبار المولود الى النهار وخصوصا بالانثى فيظل نهاره { مسودا } [ سياه ازاندوه وغم وشر مندكى درميان قوم ] واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير وهو بالفارسية [ خجل كردن ] يقال شور به فعل به فعلا يستحيى منه فتشور { وهو كظيم } مملوء غضبا على المرأة لاجل ولادتها الانثى . ومن هنا اخذ المعبرون من رأى اورؤى له ان وجهه اسود فان امرأته تلد انثى . (7/41)
يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)
{ يتوارى } يستخفى { من القوم } [ از كروه آشنايان وخويشان ] { من سوء ما بشر به } اى من اجل سوء المبشر به ومن اجل تعييرهم والتعبير عنها بما لاسقاطها عن درجة العقلاء { أيمسكه } التذكير باعتبار ما اى مترددا فى امره ومحدثا نفسه فى شأنه أيمسك ذلك المولود ويتركه { على هون } ذل وهوان للعمل والاستقاء والخدمة فهو حال من المفعول اى يمسكها مهانة ذليلة ويحتمل ان يكون حالا من الفاعل اى يمسكها مع رضاه بهوان نفسه { ام يدسه } يخفيه { فى التراب } بالوأد : يعنى [ زنده دركور كند جنانجهبنو تميم وبنو مضر ميكردند ] ولقد بلغ بهم المقت الى ان يهجر بعضهم البيت الذى فيه المرأة اذا ولدت انثى { ألا ساء } [ بدانيده بدست ] { ما يحكمون } [ آنجه حكم ميكنند مشركان يعنى دخترانرا كه بيش ايشان قدر وحرمت ندادند بخدى نسبت ميدهند ] ويختارون لانفسهم البنين فمدار الخطأ جعلهم ذلك لله مع ابائهم اياه . (7/42)
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)
{ للذين لا يؤمنون بالآخرة } ممن ذكرت قبائحهم { مثل السوء } صفة السوء الذى هو كالمثل فى القبح وهى الحاجة الى الولد ليقوم مقامهم عند موتهم وايثار الذكور للاستظهار بهم ووأد البنات لدفع العار وخشية الاملاق مع احتياجهم اليهن طلب النكاح المنادى كل ذلك بالعجز والقصور والشح البالغ المنفور { ولله المثل الاعلى } اى الصفة العجيبة الشأن التى هى مثل فى العلو مطلقا وهو الوجوب الذاتى والغنى المطلق والوجود الواسع والنزاهة عن صفات المخلوقين { وهو العزيز } المنفرد بكمال القدرة لا سيما على مؤاذختهم { الحكيم } الذى يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة ومن حكمته ان خلق الذكور والاناث . فعلى العاقل ان يستسلم لامر الله تعالى وينقاد لحكمه فان كل ظهور انما هو منه تعالى وبارادته والله تعالى اذا اراد شيأ فليس للعبد أن يريد خلافه فانه لا يكون ابدا : قال الحافظ (7/43)
بدرد وصاف ترانيست حكم دم دركش ... كه هرجه ساقئ ما كرد عين الطافست
وفى الشرع ويزداد فحاء بالبنات مخالفة لاهل الجاهلية وفى الحديث « من بركة المرأة تبكيرها بالبنات » اى يكون اول ولدها بنتا ألم تسمع قوله تعالى { يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور } حين بدأ بالاناث وفى الحديث « من ابتلى من هذه البنات بشئ فاحسن اليهن كن له سترا من النار » والابتلاء هو الامتحان لكن اكثر استعمال الابتلاء فى المحن والبنات قد تعد منها لان غالب هوى الخلق فى الذكور . وفسر بعض شراح المصابيح الاسحان اليهن بالتزويج بالاكتفاء لكن الاوجه ان يعمم قال بعض الفقهاء لا يزوج بنته معتزليا فان اختلاف الاعتقاد بين السنى والبدعى كاختلاف الدين وشأن التقوى الاحتراز عن صحبة غير المجالس ومصاهرته
آن بكى را صحبت اخيار يار ... لا جرم شد بهلوى فجار جار
وقال صلى الله عليه وسلم « سألت الله ان يرزقنى ولدا بلا مؤونة فرزقنى البنات » وقال « لا تكرهوا البنات فانى ابو البنات »
ومن لطائف الروضة سأل الحجاج بعض جلسائه عن ارق الصوت عندهم فقال احدهم ما سمعت سوتا ارق من صوت قارئ حسن الصوت يقرأ كتاب الله فى جوف الليل قال ذلك الحسن وقال آخر ما سمت صوتا اعجب من ان اترك امرأتى ما خصنا واتوجه الى المسجد بكيرا فيأتينى آت فيبشرنى بغلام فقال واحسناه فقال سعبة بن علمة التميمى لا والله ما سمعت قط اعجب الى من ان اكون جائعا فاسمع خفخفة الخوان فقال الحجاج ابيتم يا بنى تميم الا الزاد .
ايها المحبوس فى رهن الطعام ... سوف تنجو ان تحملت الفطام
جون ملك تسبيح حق راكن غذا ... تا رهى همجون ملائك از اذى
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)
{ ولو يؤاخذ الله } فاعل هنا بمعنى فعل { الناس } اى الكفار { بظلمهم } بكفرهم ومعاصيهم { ما ترك عليها } اى على الارض المدلول عليها بالناس وبقوله { من دابة } لانها ما يدب على الارض والعرب تقول فلان افضل من عليها وفلان اكرم من تحتها فيردون الكناية الى الارض والسماء من غيره سبق ذكر لظهور الامر بين يديى كل متكلم وسامع ومن هذا القبيل قولهم والذى شقهن خمسا من واحد يعنى الاصابع من اليد ولم يقل على ظهرها احترازا عن الجمع بين الظاءين فى كلام واحد وهو لو وجوابه فانه ثقيل فى كلام العرب . والمعنى ما ترك على وجه الارض من دابة قط بل اهلكها بالكلية بشؤم ظلم الظالمين كقوله تعالى { واتقوا فتنة لا تصيبت الذين ظلموا منكم خاصة } فهلاك الدواب باجلها وهلاك الناس عقوبة . وعن ابى هريرة انه سمع رجلا يقول ان الظالم لا يضر الا نفسه فقال بلى والله حتى ان الحبارى لتموت فى وكرها بظلم الظالم . وعن ابن مسعود ضى الله عنه لو عذب الله الخلائق بذنوب بنى آدم لاصاب العذاب جميع الخلائق حتى الجعلان فى حرها ولامسكت السماء أن احد أذا احق بيته يسرى ذلك الى بيوت الملحة بل البلدة ويحترق بسببه الدواب والهوام (7/44)
بى ادب تنهانه خودرا داشت بد ... بكله آتش درهمه آفاق زد
{ ولكن } لا يؤاخذهم بذلك بل { يؤخرهم } يمهلهم بحلمه { الى اجل مسمى } اى معين لاعمارهم او لعذابهم كى يتوالدوا ويتناسوا او يكثر عذابهم { فاذا جاء } [ بس جون بيايد ] { اجلهم } المسمى { لا يستأخرون } عن ذلك الاجل اى لا يتأخرون . وصيغة الاستفعال للاشعار بعجزهم عنه مع طلبه له .
كه يك لحظه سورت نبندد امان جو بيمانه برشد بدور زمان
{ ساعة } اقصر وقت وهى مثل فى قلة المدة { ولا يستقدمون } اى لا يتقدمون وانما
تعرض لذكره مع انه لا يتصور الاستقدام عند مجيئ الاجل مبالغة فى عدم الاستيخار بنظمه فى سلك ما يمتنع .
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
{ ويجعلون لله } اى يثبتون له سبحانه وينسبون اليه فى زعمهم { ما يكرهون } لانفسهم من البنات ومن الشرك فى الرياسة { و } مع ذلك { تصف } تقول { ألسنتهم الكذب } مفعول تصف وهو { ان لهم الحسنى } بدل الكل من الكذب اى العاقبة الحسنى . عند الله وهى الجنة ان كان البعث حقال كقوله تعالى { ولئن رجعت الى ربى ان لى عنده للحسنى } فلا ينافى قولهم لا يبعث الله من يموت فانه يكفى فى صحته الفرض والتقدير . وعن بعضهم انه قال لرجل من الاغنياء كيف تكون يوم القيامة اذا قال الله هاتوا ما دفع الى السلاطين واعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وانواع الاموال الفاخرة واذا اقل ما دفع الىّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا مؤونة له أما تستحى من ذلك الموقف وقرأ هذه الآية { لا جرم } رد لكلامهم ذلك واثبات لنيته وهو مصدر بمعنى حقا . بالفارسية [ حق حينين است كه فردا قيامت ] { ان لهم } مكان ما املوا من الحسنى { النار } التى ليس وراءها عذاب وهى علم فى السوء { وانهم مفرطون } اى مقدمون الى النار معجلون اليها من افطرته اذا قدمته فى طلب الماء او منسيون متركون فى النار من افرطت فلانا خلفى اذا خلقته ونسيته خلفك ثم سلى رسوله عما يناله من جهالات الكفرة ليصبر على اذاهم فقال { تالله لقد ارسلنا الى امم من قبلك } اى رسلا الى من تقدمك من الامم فدعوهم الى الحق فلم يجيبوا الى ذلك { فزين لهم الشيطان اعمالهم } القبيحة من الكفر والتكذيب بالرسل فعكفوا عليها مصرين { فهو } اى الشيطان { وليهم } اى قرينهم وبئس القرين { اليوم } اى يوم زين لهم الشيطان اعمالهم فيه على طريقة حكاية الحال الماضية او فى الدنيا تولى اضلالهم بالغرور فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا ويوم القيامة وهو عاجز عن نصر فنسه فكيف ينصر غيره فهذا حكاية حال آيتة فى حال كونهم معذبين فى النار والولى بمعنى الناصر . يقول الفقير الظاهر ان المراد باليوم يوم النبى صلى الله عليه وسلم وعصره وبالضمير فى وليهم اعقابهم وانسابهم من الكفرة المعاصرين والله اعلم { ولهم } فى الآخرة { عذاب اليم } هو عذاب النار . (7/45)
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)
{ وما انزلنا عليك الكتاب } اى القرآن لعلة من العلل { الا لتبين لهم } اى للناس { الذين اختلفوا فيه } من التوحيد واحوال المعاد والحلال والحرام والمراد بالمختلفين المؤمنون والكافرون كما فى الكواشى { وهدى ورحمة } معطوفوان على محل لتبين وانتصابهما لانهما فعلا الذى انزل الكتاب بخلاف التبين فانه فعل المخاطب لا فعل المنزل اى وللهداية من الضلالة والرحمة من العذاب { لقوم يؤمنون } وتخصيصهم لانهم المنتفعون بالقرآن . قال سهل بن عبد الله لا يتصل احد بالله حتى يتصل بالقرآن ولا يتصر بالقرآن حتى يتصل بالرسول ولا يتصل بالرسول حتى يتصل بالاركان التى قام بها الاسلام - حكى - عن مالك بم دينار انه قال يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن فى قلوبكم فان القرآن ربيع المؤمن كما ان الغيب ربيع الارض . وعن على بن ابى طالب كرم الله وجهه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « انها ستكون فتنة » قلت ما المخرج منها يا رسول الله قال « كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما كان بعدكم وحكم ما بينكم وهو العلم وهو الفصل ليس بالهزل لا تشبع منه العلماء وهو بحل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به اجر ومن دعا اليه فقد هدى الى صراط مستقيم » ثم ان تبيين احكام القرآن للعامة وحقائقه للخاصة انما هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاصالة والاستقلال ولورثته بعده قرنا بعد قرن بالفرعية والتبعية . فعلماء الظواهر يخلصون الناس من الاختلاف فيما يتعلق بالظواهر بالبيان الصريح . وعلماء البواطن يخلصونهم من الاختلاف فيما يتعلق بالبواطن بالكشف الصحيح ولكل منهم مشرب لا يخيب وارده وهم اساطين الدين وسلاطين المسلمين . واعلم ان الاتعاظ بالمواعظ القرآنية يدخل العبد فيى السعادة الباقية ويخلصه من الحظوظ النفسانية - حكى - ان ابراهيم بن ادهم سر ذات يوم بمملكته ونعمته ثم نام فرأى رجلا اعطاه كتابا فاذا فيه مكتوب لا تؤثر الفانى على الباقى ولا تغتر بملكك فان الذى انت فيه جسيم لولا انه عديم فسارع الى امر الله فانه يقول { وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة } فانتبه فزعا وقال هذا تنبيه من الله تعالى وموعظة وهدى ورحمة فتاب الى الله واشتغل بالطاعة : قال المولى الجامى قدس سره (7/46)
هركه دل برعشوه كيتى نها ... برحذر باش از غرور وجهل او
دامن او كير كزهمت فشاند ... آستين بردنبى وبراهل او
شرفنا الله واياكم بالعصمة عن الهوى وبالتمسك باسباب الهدى { والله انزل من السماء } الى السحاب ومنه الى الارض { ماء } نوعا خاصا من الماء وهو المطر { فاحيا به الارض } اى انبت بسبب المطر فى الارض انواع النباتات { بعد موتها } اى بعد يبسها شبه تهييج القوى النامية فى الارض واحداث نضارتها بانواع النباتات بالاحياء وهو اعطاء الحياة وهى صفة تقتضى الحس والحركة وشبه يبوستها بعد نضارتها بالموت بعد الحياة وما يفيده الفاء من التعقيب العادى لا ينافيه ما بين المعطوفين من المهلة { ان فى ذلك } اى فى انزال الماء من السماء واحياء الارض الميتة به { لآية } دالة على وحدته تعالى وعلمه وقدرته وحكمته الا اذا الصنام وغيرها لا تقدر على شئ { لقوم يسمعون } هذا التذكير ونظائره سماع تفكر وتدبر فكأنه من ليس كذلك اصم لا يسمع : وفى المثنوى
جون سليمان سوى مرغان سبا ... يك صفيرى كرد آن جمله را (7/47)
جز مكر مرغى كه بدبى جان وبر ... باجو ما هى كنك بدازاصل كر
نى غلط كفتم كه كركر سرنهد ... بيش وحى كبريا سمعش دهد
وقال بعضهم { والله انزل من السماء ماء } قرآنا هو سبب حياة المؤمنين فاحيي به قلوب الميتة بالجهل { ان فى ذلك لآية لقوم يسمعون } القرآن بسمع يسمع به كلام الله من الله فان الله تعالى متكلم بكلام ازلى ابدا ولا يسمع كلامه الامن اكرمه الله بسمع يسمع كلامه كقوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم والحق تعالى تارة يتلو عليك الكتاب من الكبير الخارج وتارة يتلو عليك من نفسك فاسمع وتأهب لخطاب مولاك اليك فى أي مقام كنت وتحفظ من الوقر والصمم فالصمم آفة تمنعك عن ادراك تلاوته عليك من الكتاب الكبير وهو الكتاب المعبر عنه الفرقان والوقر آفة تمنعك من ادراك تلاوته عليك من نفسك المختصرة وهو الكتاب المعبر عنه القرآن اذا الانسان محل الجمع لما تفرق فى العالم الكبير وعلامة السامعين المتحققين فى سماعهم انقيادهم إلى كل عمل مقرب الى الله تعالى من جهة سماعه اعنى من التكليف المتوجه على الاذن من امرا ونهى كسماعه للعلم والذكر والثناء على الحق تعالى والموعظة الحسنة والقول الحسن .
ومن علامته ايضا التصامم عن سماع الغيبة والبهتان والسوء من القول والخوض فى آية الله والرفث والجدال وسماع القينات وكل محرم حجر الشارع عليك سماعه قال الله تعالى { واذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره انكم اذا مثلهم } فالكافر الخائض والمنافق الجليس له المستمع لخوضه كذلك من جالس الصديقين والعارفين فى مجالسهم المطهرة وانديتهم المقدسة فانه شريك لهم فى كل خير ينالون من الله تعالى وقد قال النبى صلى عليه الصلاة والسلام فيهم « انهم لقوم لا يشقى بهم جليسهم » افمرؤ مع من جالس فى الدنيا بالطاعة والادب الشرعى وفى الآخرة بالمعاينة والقرب المشهدى نسأل الله تعالى ان يجعلنا مع الصلحاء فى الدنيا والآخرة انه الفياض الوهاب .
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)
{ وان لكم } ايها الناس { فى الانعام } جمع نعم بالتحريم وهى الانواع الاربعة التى هى الابل والبقر والضأن والمعز . والمعنى بالفارسية [ در وجود جهار بايان ] { لعبرة } دلالة يعبر بها من الجهل الى العلم كأنه قيل كيف العبرة فقيل { نسقيكم } [ مى آشامانيم شمارا ] قال الزجاج سقيته واسقيته بمعنى واحد . وفى الاسئلة المقحمة يقال اسقيته اذا جعلت له سقيا دائما وسقيته اذا اعطيته شربه { مما فى بطونه } من للتبعيض لان اللبن بعض ما فى بطونه والضمير يعود الى بعض الانعام وهو الاناث لان اللبن لا يكون للكل او الى المذكور اى فى بطون ما ذكرنا قاله الكسائى . والفرث فضالة العلف فى الكرش وثقله والكرش للحيوان بمنزلة المعدة للانسان { خالصا } صافيا ليس عليه لو الدم ولا رائحة الفرت { سائغا } بالفارسية [ كوارنده ] { للشاربين } ايى هسل المرور فى حلقهم قيل لم يغص احد باللبن قط وليس فى الطعام ولاشراب انفع منه ألا يرى الى قوله عليه السلام « اذا كل احدكم عاما فليقل اللهم بارك لنا فيه واطعمنا خيرا منه واذا شرب للنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فانى لا اعلم شيأ انفع فى الطعام والشراب منه » قال فى الكواشى المعنى خلق الله اللبن فى مكان وسط بين الفرث والدم واعلاء دما وبينه وبينهما حاجز من قدرة الله لا يختلط احدهما بالاخر بلون ولا طعم ولا رائحة مع شدة الاتصال ثم تسلط الكبد على هذه الاصناف الثلاثة تقسمها فتجرى الدم فى العروق واللبن فى الضروع ويبقى الفرث فى الكرش ثم ينحدر . فان قلت ان اللبن والدم لا يتوالدان فى الكرش اذ البهائم اذا بحت لم يوجد فى كشرها لبن ولا دم . قلت المراد كان اسفله مادة الفرث واوسطه مادة اللبن واعلاه مادة الدم فالمحدر الى الضروع مادة اللبن لا مادة الدم وقول بعضهم ان الدم ينحدر الى الضروع فيصير لبنا ببرودة الضرع بدليل ان الضرع اذا كانت فيه آفة يخرج منه الدم مكان اللبن مدفوع بانه يجوزم ان يتلون اللبن بلون الدم بسبب الآفة وهو اللائح بالبال ومن بلاغات الزمخشرى (7/48)
كما يحدث بين الخبيثين ابن لا يؤبن ... الفرث والدم يخرج منهما اللبن
اى كما ان اللبن الطيب الطاهر يخرج من بين الخبيثين اللذيثن هما الفرث والدم بحيث لا يشوبه شئ من اوصافهما مع كمال الاصتال والا كتناف كذلك يخرج الابن الطيب الطاهر الذى لا يعاب بشئ اصلا من بين الابوين الخبيثين بحيث لا يوجد فيه شئ من اوصافهما الخبية
مى زغوره شود شكر ازنى ... عسل ازنحل حاصلست بقى
مكوزنهاراصل عود جوبست ... به بين دودش جه مستثنى وخوبست
- وسئل - شقيق عن الاخلاص فقال تمييزا العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم [ در قوت القلوب فرموده كه تمامى نعمت بخلوص لبن است يعنى اكر دروى يكى از وصفين فرث ودم باشد تمام نعمت نبود وطبع اورا قبول نكند همجنين معامله بندكان باحق بايدكه خالص بود اكر بشوب فرث ريا ودم هوا آميخته كردد از خلوص دور واز نظر قبول مهجور خواهد بود زيرا كه ريا در عمل شرك خفيست وصفاى عمل بسبب شوب هوا منتفى در ريا نظر بردم است ودر هوا برغرض خود وبر هروجه عمل خالى از آلود كى نيست
طاعت آلوده نيايد بكار ... مشك جكر سوده نيايد بكار (7/49)
هركة ز آلود كى افتاد باك ... ييش نظرها نبود تا بناك
وفى الآية اشارة الى اعتبار العاقل فيما سقاه الله مما فى بطون انعام النفوس فانها كالانعام من بين فرث الخواطر الشيطانى ودم الخواطر النفسانى لبنا خالصا من الالهام الربانى جائزا الاهل هذا الشرب على الصراط المستقيم من غير تلعثم كذا فى التأويلات النجمية .
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
{ ومن ثمرات النخيل والاعناب } [ ومى آشامانيم شمارا از كونه ميوهاوى درختان خرما ودرختان انكورها ] ونسقيكم ايها الناس من عصيرها ونطعمكم ثم بين كنه الاسقاء والاطعام وكشفه بقوله { تتخذون منه } اى من عصيرها { سكرا } قال فى القاموس السكر محركة الخمر ونبيذ يتخذ من التمر . فالآية سابقة على تحريم الخمر دالة على كراهتها حيث قوبل السكر بالرزق الحسن ومقابل الحسن لا يكون حسنا { ورزقا حسنا } كالتمر والدبس والزبيب والرب والخل وفى الحديث « خير خلكم خل خمركم » قال فى الروضة خطب المأمون بمرو فسعل الناس فنادى بهم ألامن كان له سعال فليتداو بشرب خل الخمر ففعلوا فانقطع سعالهم . قال بعضهم انظرا الى الاخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن لما كان اللبن لا يحتاج الى معالجة من الناس اخبر عن نفسه بقوله { نسقيكم } ولما كان السكر والرزق الحسن يحتاج الى معالجة قال ( فاخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق الحسن { ان فى ذلك ) الاسقاء { لآية } باهرة { لقوم يعلقون } يستعملون عقولهم فى الآيات بالنظر والتأمر وفى التأويلات النجمية ومن مثرات نخيل الطاعات واعناب المجاهدات تتخذون من ثمرات الطاعت والمجاهدات وهى المكاشفات والمشاهدات ووقائع ارباب الطلب واحوالهم العجيبة سكرا ورزقا حسنا السكر ما يجعل لمنها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران وتارة تظهر رعوناتها بالافعال والاقوال رياء وسمعة وشهرة والرزق الحسن ما يكون منها شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب كما قال بعضهم (7/50)
شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشراب وما رويت
وقالوا
شقانى شربة احيى فؤادى ... بكأس الحب من بحر الوداد
ان فى ذلك الاعتبار لدلالة لقوم يدركون بالعقل اشارات الحق ويفهمونها انتهى
مافى التأويلات قال اهل التحقيق العقل شجرة ثمرها العلم والحلم فشرف الثمر دال على شرف المثمر وصاحب العقل فى قومه كالنبى فى امته . قال بعض العلماء قسم العقل بالفى جزء الف للانبياء والرسل والملائكة وتسعمائة وتسعة وتسعون جزأ لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن الواحد اربعة دوانق للعلماء ودانق لعامة الرجال ونصف دانق للسناء ونصف لأهل القرى والرساتيق . ولادانق بفتح النون وكسرها سدس الدرهم . قال حكيم العمر فى الدنيا قليل والحسرة فى الآخرة طويلة والعبد بعمل نفسه فى الآخرة اما عزيز واما ذليل . فعلى كل عاقل واجب ان يجتهد فى اصلاح نفسه قبل ان يأتيه اليقين ويأخذ اشارة من كل رطب ويابس وغث وسمين ويصحو من سكر الغفلة والهوى ويشرب من مشرب التيقظ والهدى : وفى المثنوى
عقل جزؤى را وزير خود مكير ... عقل كل را ساز اى سلطان وزير
كين هوابر حخرص وحالى بين بود ... عقل انديشه يوم الدين بود
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)
{ واوحى ربك } يا محمد { الى النحل } هو ذباب العسل وزنبوره اى الهمها وقذف فى قلوبها وعلمها بوجه لا يعلمه الا هو مثل قوله { بان ربك اوحى لها } والوحى يقع على كل تنبيه خفى والله تعالى ألم كل حيوان ان يلتمس منافعه ويجتنب مضاره وقد الهم الله الغراب ان يبحث فى الارض ليرى قابيل كيف يوارى سوءة اخيه هابيل : كما فى المثنوى (7/51)
بس بجنكال اززمين انكيخت كرد ... زود زاغ مرده را دركور كرد
دفن كردش بس بيوشيدش بخاك ... زاغ از الهام حق بد علمناك
وكفاها شرفا قول الله تعالى { واوحى ربك الى النحل } وكل ذباب فى النار الا ذباب العسل قال فى عجائب المخلوقات يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة وفي اوحى ربك الى النحل صنعة العسل . قال فى حياة الحيوان يحرم اكل النحل . وان كان العسل حلالا كالآدمية لبنها حلال وحلمها حرام ويكره قتلها واما بيعها فى الكوارة فصحيح ان يشاهد جميعها والا فهو بيع غائب فان باعها وهى ظاهرة . ففى التتمة يصح . وفى التهذيب عكسه . وقال ابو حنيفة لا يصح بيع النحل كالزنبور وسائر الحشرات ويجوز بيع دود القز من الذى يسنع به { ان اتخذى } لنفسك اى بان اتخذى فان مصدرية وصيغة التأنيث لان النحل يذكر ويؤنث { من الجبال } [ ازشكاف كوهها ] { بيوتا } [ خانه هاى مسدس ] اى مساكن تأوى الهيا وسمى ما تبينه لتعسل فيه بيتا تشبيها ببناء الانسان لما فى بيوته المسدسة المتاسوية بلا بركار ومسطر من الحذاقة وحسن الصنعة التى لا يقوى عليها حذاق المهندسين الا بآلات وانظار دقيقة واختارت السمدس لانه اوسع من المثلث والمربع والمخمس ولا يبقى بينهما فرج خالية كما تقى بين المدورات وما سواها من المضلعات ومن للبتعيض لانها لا تبنى فى كل جبل وكذا قوله { ومن الشجر } لانها لا تبنى فى كل شجر . والمعنى بالفارسية [ وازيمان درخاتن نيز خانه كيريد يعنى در بعضى شجر جاى كنيد درجانب كوه وقتى كه مالكى وصاحبى نداشته باشد ] وكذا فى قوله { ومما يعرشون } لانها لا تبنى فى كل ما يعرشه الناس اى يرفعه من الاماكن لتعسل فيها وهذا اذا كان لملاك . وقال بعضهم ومما يعرشون من كرم لو سقف او جدران او غير ذلك ولما كان اهم شئ للحيوان بعد الراحة من هم المقيل الا كل ثنى به ولما كان عاما فى كل ثمر ذكره بحرف التراخى اشارة الى عجيب الصنع فى ذلك وتيسره لها فقال { ثم كلى } واشارة الى كثرة الرزق بقوله { من كل الثمرات } فهو للتكثير كقوله تعالى فهو عام مخصوص بالعادة { فاسلكى } جواب شرط محذوف اى فاذا اكلت الثمار فى المواضع البعيدة من بيوتك فادخلى { سبل ربك } فى الجبال وفى خلال الشجر اى طرق ربك التى الهمك وعرفك الرجوع فيها الى مكانك من الخلية بعد بعدك عنها حال كون السبل { ذللا } جمع ذلول اى موطأة للسلوك مسهلة وذلك انها اذا اجدب عليها حولها سافرت الى المواضع البعيدة فى طلب النجعة ثم ترجع الى بيوتها من غير التباس وانحراف واشارة باسم الرب الى انه لولا عظيم احسانه فى تربيتها لما هدت الى ذلك وهذا كما يقال فى القطا وهو طائر معروف يضرب به المثل فى الهداية ويقال « اهدى من قطاة » وذلك انه يترك فراخه ثم يطلب الماء من مسيرة عشرة ايام واكثر فيرده فيما بعد طلوع الفجر الى طلوع نتيجة ذلك جوابا لمن قال ماذا يكون من هذا كله فقال { يخرج من بطونها } اى بطون النحل بالقيئ { شراب } اى عسل لانه مشروب وذلك ان النحل تأكل الاجزاء اللطيفة الطلية الحلوة الواقعة على اوراق الاشجار والازهار وتمص من الثمرات الرطبة والاشياء العطرة ثم تقيئ فى بيوتها ادخارا للشتاء فينعقد عسلا باذن الله تعالى والى هذا اشار ظهير الفاريانى بقوله
بدان طمع كه دهن خوش كنى زغايت حرص ... نشسته مترصد كه فى كند زنبور (7/52)
واما قول على رضى الله عنه فى تحقير الدنيا اشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دمدة واشرف شرابه رجيع نحلة فوارد على طريق التقبيح وان كان العسل فى نفسه ما يسلتذ ويستطاب على ان اطلاق الرجيع عليه انما هو لكونه مما يحويه البطن . وفى حياة الحيوان قد جمع الله تالى فى النحل السم والعسل دليل على كمال قدرته واخرج منها السعل ممزوجا بالشمع وكذلك عمل المؤمن ممزوج بالخوف والرجاء وهى تأكل من كل الشجرة لا يخرج منها الا حلو اذلا ليغرها اختلاف مآكلها والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه : وفى المثنوى
اين كه كرمناست وبالاميرود ... وحيش از زنبور كى كمتر بود
جونكه اوحى الرب الى النحل آمدست ... خانة وحيش براز حلوا شدست
او بنور وحى حق عز وجل ... كرد عالم را براز شمع وعسل
وللعسل اسماء كثيرة . منها الحافظ الامين لانه يحفظ ما يودع فيه فيحفظ الميت ابدا واللحم ثلاثة أشهر والفاكهة ستة اشهر وكل ما اسرع اليه الفساد اذا وضع فى العسل طالبت مدة مقامه وكان عليه السلام يحب الحلواء والعسل . قال العلماء المراد بالحلواء ههنا كل حلو وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام وفيه جواز اكل لذيذ الاطعمة والطيبات من الرزق وان ذلك لا ينافى الزهد والمراقبة لا سيما اذا حصل انفاق وفى الحديث « اول نعمة ترفع من الارض العسل » وقال على رضى الله عنه انام الدنيا ستة اشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم .
فاشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب . واشرب المشروبات الماء يستوى فيه البر والفاجر واشرب الملبوسات الحرير وهو نسيج دودة . واشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال . واشترف الشمومات المسك وهو دم جيوان . واشرف المنكوحات المرأة وهى مبال فى مبال { مختلف الوانه } من ابيض واخضر واصفر واسود بسبب اختلاف سن النحل فالابيض يلقيه شباب النحل والاصفر كهولها والاحمر شيبها وقد يكون الاختلاف بسبب اخلتلاف لون النور . (7/53)
قال حكيم يونان لتلامذته كونوا كالنحل فى الخلايا وهى بيوتها قالوا وكيف النحل فى خلاياها قال انها لا تترك عندها بطلا الا نفته واقصته عن الخلية لانه يضيق المكان ويفنى العسل وانما يعمل النشيط لا الكسل . وعن ابن عمر رضى الله عنهما مثل المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتصنع طيبا ووجه المشاهبة بينهما حذق النحل وفطنته وقلة اذاه ومنفعته وتنزهه عن الاقذر وطيب اكله وانه لا يأكل من كسب غيره وطاعته لا ميره وان للنحل آفات تقطعه عن عملة ظلمة الغفلة وغيم الشك والربح والدخان والماء والنار وكذلك المؤمن له آفات تغيره عن عمله ظلمة الغفلة وغيم الشك وربح الفتنة ودخان الحرام وماء السفه وانر الجوى { فيه } اى فى الشراب وهو العسل { شفاء للناس } اى شفاء الاوجاع التى يعرف شفاؤها منه يعنى انه من جملة الاشفية المشهورة النافعة لامراض الناس وليس المراد انه شفاء لكل مرض كما قال فى حياة الحيوان . قوله { فيه شفاء للناس } . لا يقتضى العموم لكل علة وفى كل انسان لانه نكرة فى سياق الاثبات بل المراد انه يشفى كما يشفى غيره من الادوية فى حال دون حال وكان ابن مسعود وابن عمر رضى الله عنهم يحملانه على العموم . قال البيضاوى { فيه شفاء للناس } اما بنفسه كما فى الامراض البلغمية او مع غيره كما فى سائر الامراض اذ قلما يكون معجون الا والعسل جزؤ منه واما السكر فمختص به بعض البلاد وهو محدث ولم يكن فيما تقدم من الازمان يجعل فى الاشربة والادوية الا العسل - روى - ان رجلا جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ان اخى قد اشتكى بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه عسلا فما زاده الا استطلاقا فعاد الى النبى عليه الصلاة والسلام فذكر له ذلك فقال اسقه عسلا فسقاه ثانيا فما زاد الا استطلاقا ثم رجع فقال يا رسول الله سقيته فما نفع فقال « اذهب فاسقه عسلا فقد صدق الله وكذب بطن اخيك » فسقاه فشفاه الله فبرئ كانما انشط من عقال وفى الحديث « ان الله جعل الشفاء فى اربعة الحبة السوداء والجحامة والعسل وماء السماء » وجاء رجل الى على بن ابى طالب كرم الله وجهه وشكا له سوء الحفظ فقال أترجع الى اهل قال نعم فقال قل لها تعطيك من مهرها درهمين عن طيب نفس فاشتر بهما لبنا وعسلا واشربهما مع شربة من ماء المطر على الريق ترزق حفظا .
فسئل الحسن بن الفضل عن هذا فقال اخذه من قوله تعالى { وانزلنا من السماء ماء مباركا } وفى اللبن { خالصا سائغا للشاربين } وفى العسل { فيه شفاء للناس } وفى المهر { فكلوه هنيئاً مريئاً } فاذا اجتمعت البركة والشفاء والهنيئ والمريئ والخالص السائغ فلا عجب ان ينفع - روى - عن عوف بن مالك انه مرض فقال ائتونى بماء فان الله تعالى قال { وانزلنا من السماء ماء مباركا } ثم شربه فشفى . وكان بعضهم يكتحل بالعسل ويتداوى به من كل سقم واذا خلط العسل الذى لم يصبه ماء ولا نار ولا دخان بشئ من المسك واكتحل به نفع من نزل الماء فى العين والتلطخ به يقتل القمل . والمطبوخ منه نافع للسموم ولعقه علاج لعضة الكلب . قال امام الاولياء محمد بن على الترمذى قدس سره انما كان العسل شفاء للناس لان النحل ذلت لله مطيعة واكلت من كل الثمرات حلوها ومرها محبوبها ومكروهها اركة لشهواتها فلما ذلت لامر الله صار هذا الا كل كلمة لله فصار ذلك شفاء للاسقام . فكذلك اذاذل لعبدلله مطيعا وترك هواه صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة انتهى . (7/54)
وفى العسل ثلاثة اشياء الشفاء والحلاوة واللبن . وكذلك المؤمن قال الله تعالى { ثم تلين جلودهم وقوبهم الى ذكر الله } ويخرج من الشاب خلاف ما خرج من الكهل والشيخ كذلك حال المقتصد والسابق . وغن ابن مسعود رضى الله عنه العسل شفاء من كل داء اى فى الابدان والقرآن شفاء فما فى الصدور فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل ريح اكر بسيار شد كى غم خورم جون شفاوى جان بيمارم تويى
{ ان فى ذلك } اى فى امر نحل العسل { لآية } حجة ظاهرة دالة على القدرة الربانية { لقوم يتفكرون } اى للذين تفكروا فعلموا ان النحلة على صغر جسمها وضعف خلقتها لا تهتدى لصنعة العسل بنفسها فان ذلك بصانع صنعها خالف بينها وبين غيرها من الحشرات الطائرة فاستدل بذلك على خالق واحد قادر لا شريك له ولا شبيه . قال الكاشفى { لقوم يتفكرون } [ مر كروهى را كه تفكر كنند داراختصاص بصانيع دقيقه وامور رقيقه وهر آينه اينها بوجود نكيرد الاز الهام توانايى ودانايى كه جندين حكمت درجانورى ضعيف وديعت نهد انقيادى دارند كه ازراه فرمان منحرف نشوند امانتى كه مبيؤه تلخ خورند وعسل شيرين بازهند ورعى كه جز باك وبا كيزه نخورند طاعتى كه هركز خلاف فرمان نكنند تمكنى كه فرسنكها بروندوباز با وطن خود رجوع نمايند طهارتى كه هركز برفازورات ننشينند وازان نخورند وصناعتى كه اكر همه بنايان عالم جميع شوند همجو خانهاى مسدس ايشان نتوانند ساخت بس همجنانجه ازعسل ايشان فاى الم ظاهر حاصل شود ازتفكر احوال ايشان شفاء مرض باطن كه جهلست دست دهد ]
فكر دلرانيك وهم نمكين كند ... كام جانرا جون عسل شيرين كند (7/55)
شربت فكر اربكام جان رسد ... جاشنئ آن بماند تابد
قال القشيرى رحمه الله ان الله تعالى اجرى سنته ان يخفى كل عزيز فى شئ حقير جعل البريسم فى الدود وهو اصغر الحيوانات واضعفها والعسل فى النحل وهو اضعف الطيور وجعل الدر فى الصدف وهو اوحش حيوان من حيوانات البحر واودع الذهب والفضة والفيوزنج فى الحجر وكذلك اودع المعرفة والمحبة فى قلوب المؤمنين وفيهم من يخطى وفيهم من يعصى ومنهم من يعرف ومنهم من يجعل امره
كسى راكه نزديك ظنت بداوست ... ندانى كه صاحب ولايت هم اوست
قال فى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى ان تصرف كل حيوان فى الاشياء مع كثرتها واختلاف انواعها انما هو بتعريف الله تعالى اياه والهامه على قانون حكمته وارادته القديمة لا من طبعه وهواه . وانما خص النحل بالوحى وهو الالهام والرشد من بين سائر الحيونات لانها اشبه شئ بالانسان لا سيما باهل السلوك فان من دأبهم وهجيراهم ان يتخذوا من الجبال بيوتا اعتزلا عن الخلق وتبتلا الى الله تعالى كما كان حال النبى صلى الله عليه وسلم حيث كان يتخنث الى حراء اسبوعا واسبوعين وشهرا وان من شأنهم النظافة فى الموضع والملوس والمأكول كذلك النحل من نظافتها تضع ما فى بطنها على الحجر الصافى او على خشب نظيف لئلا يخالطه طين او تراب ولا تقعد على جيفة ولا على نجاسة احترازا عن التلوث كما يحترز الانسان عنه ومثرات البدن الاعمال الصالحة وثمرات النفوس الريضات والمجاهدات ومخالفات الهوى وثمرات القلوب ترك الدنيا وطلب العقبى والتوجه الى حضرة المولى وثمرات الاسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب الى الله فهذه كلها اغذية الارواح والله تعالى قال للنحل { كلى من كل الثمرات } وقال مثله للسالكين { كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } .
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
{ والله } المحيط بكل شئ علما وقردة { خلقكم } اوجدكم واخرجكم من العدم الى الوجود . وبالفارسية { ازظلمت آباد ن بود بصحراى انوار وجود آورد ] { ثم يتوفيكم } اى يقبض ارواحكم على اختلاف الاسنان صبيانا وشبانا وكهولا فلا يقدر الصغير على ان يؤخر ولا الكبير على ان يقدم فمنكم من يموت حال قوته { ومنكم من يرد } قبل توفيه اى يعاد { الى ارذل العمر } اسه واحقره وهو الهرم والخرف الذى يعود فيه كهيئته الاولى فى اوان طفوليته ضعيف البنية ناقص القوة والعقل قليل الفهم وليس له حد معلوم فى الحقيقة لانه رب ابن ستين انتهى الى ارذل العمر ورب ابن مائة لم يرد اليه . وقال قتادة اذا بلغ تسعين سنة يتعطل عن العمل والصترف والاكتساب والحج والغزو ونحوها ولذا دعا محمد بن على الواسطى لنفسه فقال (7/56)
يا ربا لا تحينى الى زمن ... اكون فيه كلا على احد
خذ بيدى قبل ان اقول لمن القاه عند القيام خذ بيدى
وسأل الحجاج شيخا كيف طعمك قال اذا اكلت ثقلت واذا تركت ضعفت فقال كيف نومك قال انام فى المجمع واسهر فى المهجع فقال كيف قيامك وقعودك قال اذا قعدت تباعدت عنى الارض واذا قمت لزمتنى فقال كيف مشيك قال تعقلنى الشعرة وتعثرنى البعرة { لكيلا يعلم بعد علم شيأ } ليصير الى حالة شبيهة بحال الطفولية فى سوء الفهم والنسيان وان يعلم شيأ ثم يسرع فى نسيانه فلا يعلمه ان سئل عنه فمؤدى الكلام لينسى ما عيلم وهو يستلزم ان لا يعلم زيادة علم على علمه لانه اذا كان حاله بحيث ينسى ما علم فكيف يزيد علمه واللام فى لكى هى لا م كى دخلت على كى للتأكيد وهى متعلقة بيرد . وقال بعضهم اللام جارة وكى حرف مصدرى كأن وشيأ مفعول لا يعلم { ان الله عليم } بمقادير اعمالكم .
قال الكاشفى [ داناست وجهل بردانايى او طارى نشود ] { قدير } [ تواناست وعجز برتوانايى اوراه نيايد ] اى قدير على كل شئ يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفانى : قال الشيخ سعدى قدس سره .
اى بسا اسب تيزروكه بماند ... كه خرلنك جان بمنزل برد
بس كه درخاك تن درستانزرا ... دفن كردند وزخم خورده نمرد
وفيه تنبيه على ان تفاوت الآجال ليس الا بتقدير قادر حكيم ركب ابنيتهم وعدل امزجتهم على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ التفاوت هذا المبلغ . قالوا اسنان الانسان سبعة اطوار . طور الفضولية الى سبع سنين . قم الصبى الى اربع عشرة سنة . ثم الشباب الى اثنتين وثلاثين سنة ثم الكهولة . ثم الشيخوخة . ثم الهرم الى منتهى العمر . وفى الارشاد ضبطوا مراتب العمر فى اربع الاولى سن النشو والنماء .
والثانية سن الوقوف وهى سن الشباب . والثالثة سن الانحطاط القليل وهى سن الكهولة . والرابعة سن الانحاط الكثير وهى سن الشيخوخة ولا عمر اسوأ حالا من عمر الهرم الذى يشبه الطفل فى نقصان العقل والقوة وعند اخلاله لا يوجد له شفاء ولا يمنعه دواء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو « اعوذ بك من البخل والكسل وارذل المر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات » قال بعضهم حكم الهرم انما يظهر فى حق الكافر لان المسلم يزداد عقله لصلاحه فى طول عمره كرامة له وفى الحديث « من قرأ القرآن لم يردّ الى ارذل العمر » وكذا من يتدبره ويعمل به كم فى تفسير العيون . يقول الفقير لا شك ان الجنون والعته ونحوهما من صفات النقصان فالله تعالى لا يبتلى كامل الانسان انبياء واولياء فالمراد بقولهم ان العلماء لا يعرض لهم العته وان بلغوا الى ارذل العمر علماء الآخرة والعلماء بالله لا مطلق العلماء كما لا يخفى اذ قد شاهدنا من علماء زماننا من صار حاله الى حال الطفولية ثم ان ارذل العمر وان كان اشد الازمان واعبها لكنه اوان المغفرة ورفعه الدرجة وفى الحديث « اذا بلغ المرء ثمانين سنة انبتت حسناته ومحيت سيآته واذا بلغ تسعين سنة غفر الله ذنبه ما تقدم منه وما تأخر وكان اسير الله فى الارض وشفيعا لاهل بيته يوم القيامة » - روى - ان رجلا قال للنبيى عليه الصلاة والسلام اصابنى فقر فقال « لعلك مشيت امام شيخ » واول من شاب من ولد آدم ابراهيم عليه السلام فقال يا رب ما هذا قال هذا نورى فقال رب زدنى من نورك ووقارك وكان الرجل فى القرون الاولى لا يحتمل حتى يأتى عليه ثمانون سنة . وعن وهب ان اصغر من مات من ولد آدم ابن مائتى سنة . قال بعض المشايخ هذه الامة وان كانت اعمارهم قصار قليلة لكن امدادهم كثيرة وهم ينالون فى زمن قصير ما ناله الاقدمون فى مدة طويلة من المرتبة وهذا فضل من الله تعالى . (7/57)
قال حكيم ان خير نصفى عمر الرجل آخره يذهب جهله ويثوب حلمه ويجتمع رأيه وشر نصفى عمر المرأة آخره يسوء خلقها ويحد لسانها ويعقم رحمها وفى الحديث « خير شبابكم من تشبه بكهولكم وشر كهولكم من تشبه بشبابكم » يقول الفقير هذا يشمل التشبه بانواعه فى الاقوال والاحوال والافعال والقيام والقعود واللباس ونحوها فالصوفى شيخ فى المعنى لان مراده الفناء عن الوصاف كلها فينبغى له ان يلبس لباس الكهول وان كان شابا وفى الحديث « من اتى عليه اربعون سنة لم لم يغلب خيره شره فليتجهز الى النار »
قال يحيى بن معاذ رحمه الله مقدار عمرك فى جنب عيش الآخرة كنفس واحد فاذا ضيعت نفسك فخسرت الابد انك لمن الخاسرين . وفى الية اشارة الى الفناء والبقاء فالمتوفى هو الفانى عن اثبات وجوده والمردود هو الباقى بوجود موجود وجوده وقوله { لكيلا لا يعلم بعد علم شيأ } اى ليكون عاقبة امره ان لا يعلم بعد فناء علمه شيأ بعلمه بل يعلم بربه الاشياء كما هى كما فى التأويلات النجمية .
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)
{ والله } تعالى وحده { فضل بعضكم على بعض فى الرزق } اى جعلكم متفاوتين فيه فمنكم غنى ومنكم فقير ومنكم مالك ومنكم مملوك . والرزق ما يسوقه الله تعالى الى الحيوان من المطعومات والمشروبات . وفيه تبيه على ان غنى المكثير ليس من كياسته ووفور عقله وكثرة سعيه ولا فقر المقل من بلادته ونقصان عقله وقلة سعيه بل من الله تعالى ليس الا (7/58)
كم عاقل عاقل ايعت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
قال الحافظ
سكندر را نمى بخشند آبى ... بزور وزر ميسر نيست اين كار
قال ابن الشيخ وهذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو واقع فى الذكاء والبلادة والرشد والدناءة الحسن والقباحة والصحة والسقامة وغير ذلك .
كنج زر كرنبود كنج قناعت باقيست ... آنكه آن داد بشاهان بكدايان اين داد
وفى التأويلات النجمية فضل الله الارواح على القلوب فى رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد الى البقاء . وفضل القلوب على النفوس فى رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والايمان والتوكل والتسليم والرضى . وفضل النفوس على الابدان فى رزق التزكية ومقاساة شدائد المجاهدات والصبر على المصائب والبلايا وحمل اعباء الشريعة باشارات الطريقة وتبديل الاخلاق الذميمة بالحميدة وفضل ابدان المؤمنين على ابدان الكافرين فى رزق الاعمال التى هى اركان الشريعة وقراءة القرآن والذكر باللسان مشرفة باخلاص بالجنان { فما الذين فضلوا } اى فليس الموالى الذين فضلوا فى الرزق على المماليك { برادى رزقهم } اى بمعطى رزقهم الى رزقهم اياه اصله رادين سقط النون للاضافة { على ما ملكت ايمانهم } على ممالكيهم الذين هم شركاؤهم فى المخلوقين والمرزوقية { فهم } اى الملاك والمماليك { فيه } فى الرزق { سواء } فى الفاء دلالة على ترتب التساوى على الرد اى لا يردون عليهم ردا مستتبعا للمساوى فى التصرف والتشارك فى التدبير وانما يردون عليهم منه شيأ يسيرا والحاصل انهم لا يجعلون ما رزقناهم من الاموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم بحيث لا يرضون بمساواة مماليكهم لانفسهم وهم امثالهم فى البشرية والمخلوقية فما بالهم كيف جعلوا مماليكه تعالى ومخلوقه شركاء له مع كمال علوه فأين التراب ورب الارباب . وهذا كما ترى مثل ضرب لكمال قباحة ما فعله المشركون تقريعا عليهم وكانوا يقولون فى التلبية لبيك لا شريك لك الا شريك هو لك { أفبنعمة الله يجحدون } الفاء للعطف على مقدر وهى داخلة فى المعنى على الفعل والجحود الانكار والباء لتضمينه معنى الكفر . والمعنى أبعد علمهم بان الرزاق هو الله تعالى يشركون به فيجحدون نعمته فان الاشراك يقتضى ان يضيفوا نعم الله الفائضة عليهم الى شركائهم وينكروا كونها من عند الله تعالى فالله تعالى يدعو عباده بهذه الآية الى التوحيد ونفى الشرك حتى يتخلصوا من الشرك والظلمات ويتشرفوا بالتوحيد الخالص والانوار العاليات .
فعلى العبد الطاعة والسعى الى تحصيل الرضوان والعرفان وانما الرزق على المولى الكريم المنان . ومن الكلمات التى نقلها كعب الاحبار عن التوراة « يا بن آدم خلقتك لعبادتى فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفى اكثر منه لا تطمع ومن اقل منه لا تجزع فان انت رضيت بمكا قسمته لك ارحت قلبك وبدنك وكنت عندى محمودا وان كنت لم ترض به وعزتى وجلالى لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش فى البر ولا ينالك منها لا ما قسمته لك وكنت عندى مذوما . يا ابن آدم خلقت لك السموات والارضين لم اعى بخلقهن أبعينى رغيف اسوقه اليك من غير تعب . يا ابن آدم انا لك محب فبحبى عليك كن لى محبا . يا ابن آدم لا تطالبنى برزق غد كما لا اطالبك بعمل غد فانى لم انس من عصانى فكيف من اطاعنى » واعلم ان عباد الله فى باب الرزق على وجوه منهم من جعل رزقه فى الطلب فمن جعل رزقه فى الطلب فعليه بكسب الحلال الطيب كعمل اليد مثلا . ومنهم من جعل رزقه فى القناعة وهى فى اللغة الرضى بالقسمة وفى اصطلاح اهل الحقيقة هى السكون عند عدم المألوفات . ومنهم من جعل رزقه فى التوكل وهو الثقة بما عند الله واليأس مما فى ايدى الناس . ومنهم من جعل رزقه فى المشاهدة والمجاهدة كما قال صلى الله عليه وسلم « ابيت عند ربى يعطمنى ويسقينى » وهو اشارة الى المشاهدة وقال « جعل رزقى تحت ظل رمحى » وهو اشارة الى المجاهدة فعلى العاقل المجاهدة العبادة لله تعالى خالصا لا لأجل تنعم النفس فى الجنة والخلاص من النار فانها معلولة والمعبود فى الحقيقة هو الثواب والعقاب ولذا قال فى المثنوى (7/59)
هشت جنت هفت دوزخ بيس من ... هست بيدا همجوبت بيتس وثن
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)
{ والله } تعالى وحده { جعل لكم من انفسكم } من جنسكم { ازواجا } نساء لتأنسوا بها وتقيموابذلك جميع مصالحكم ويكون اولادكم امثالكم . ومن هنا اخذ بعض العلماء انه يمتنع ان يتزوج المرؤ امرأة من الجن اذ لا مجانسة بينهما فلا منا كحة واكثرهم على امكانه ويدل عيله ان احد ابوى بلقيس كان جنيا . (7/60)
قال ابن الكببى كان ابوها من عظماء الملوك فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانه بينت السكن فولدت له بلقيس وفيه حكايات اخر فى آكام المرجان فان قيل غلبة عنصر النار فى الجن تمنع من ان تتكون النطفة الانسانية فى رحم الجنية فما فيها من الرطوبات فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية وقس عليه نكاح الجنى الانسية . قالت انهم وان خلوقا من نار فليسوا بباقين على عنصرهم النازى بل قد استحالوا عنه بالاكل والشرب والتوالد والتناسل كما استحال بنوا آدم عن عنصرهم الترابى بذلك على ان الذى خلق من نار هو ابو الجن كما خلق آدم ابو الانس من تراب واما كل واحد من الجن عيرا ابيهم فليس مخلوقا من النار كما ان كل واد من بنى آدم ليس مخلوقا من تراب . وذكروا ايضا جواز لمناكحة بين الانسان وانسان الماء كما قال فى حياة الحيوان ان فى بحر الشام فى بعض الاوقات من شكله شكل انسان وله لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر فاذا رآه الناس استبشروا بالخصب - حكى - بعض الملوك حمل اليه انسان ماء فاراد الملك ان يعرف حاله فزوجه امرأة فاتاه منها ولد يفهم كلام ابويه فقيل للولد ما يقول ابوك قال يقول اذناب الحيوان كلها فى اسفلها فما بال هؤلاء اذنابهم فى وجوههم . وذكروا ايضا بنات الماء ومناحكة الانسان اياهن وتولد الاولاد منهن { وجعل لكم من ازواجكم } اى جعل لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره { بينين } [ فرزندان ] { وحفدة } جمع حافد وهو الذى يسرع فى الخدمة والطاعة ومنه قول القانت واليك نسعى ونحفد اى جعل لكم خد ما يسرعون فى خدمتكم وطاعتكم ويعينونكم كاولاد الاولاد ونحوهم .
يقول الفقير حمل الحفدة على البنات كما فعله البعض بناء على انهن يخدمنه فى البيوت اتم خجمة ضعيف لان الخطاب لكون السورة مكية مع المشركين وهم كانوا تسودّ وجوههم حين الاخبار بالبنات فلا يناسب مقام الامتنان حملها عليهن { ورزقكم من الطيبات } من اللذائذ كالعسل ونحوه من للتبعيض لان كل الطيبات فى الجنة وما طيبات الدنيا الا انمود منها . يقال الفقير المقصود الطيبات المفهمه بحسب اعرف وهى طيبات البلدة والناحية والاقليم لا الطيبات المشتملة عليها الدنيا والجنة فكل الطيبات مرزوق بها العباد { أفالباطل يؤمنون } الفاء فى المعنى داخلة على الفعل وهى للعطف على مقدر اى أيكفرون بالهل الذى شأنه هذا فيؤمنون بالباطل وهو ان الاصنام تنفعهم وان البحائر ونحوها حرام { وبنعمة الله هم يكفرون } حيث يضيفونها الى الصنام او المراد بالباطل الاصنام وما يفضى الى لاشرك وبنعمة الله السلام والقرآن وما فيه من التوحيد والاحكام .
والباطل عند اهل الحقيقة قسمان باطل حقيقى وهو مالا تحقق ولا وجود ولا ثبوت له بان لم يقع التجلى الالهى فى عالمه اصلا وقسم باطل مجازى وهو التعينت الموجودة كلها اما بطلانه فلكونه عد ما فى نفسه « ألا كل شئ ما خلا الله باطل » واما مجازيته فلكونه مجلى ومرآة للوجود الاضافى والحق المجازى والمؤمن بالباطل مطلقا كافر بالله تعالى . (7/61)
سالك باك رو نخوانندش ... آنكه از ما سوى منزه نيست
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73)
{ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم زقا من السماوات والارض شيأ } الرزق مصدر وشيأ نصب على المفعولية منه والمراد من الموصول الآلهة اى ما لا يقد رعلى ان يرزق منهم شيأ لا من السموات مطر ولا من الارض نباتا { ولا يستطيعون } ان يملكوه اذلا استطاعة لهم اصلا لانهم جماد . (7/62)
فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74)
{ فلا تضربوا لله الامثال } اى فلا تشبهوا الله بشئ من خلقه وتشركوا به فان ضرب المثل تشبيه حال بحال وقصة بقصة والله تعالى واحد حقيقى لا شبه له ازلا وابدا (7/63)
در تصور ذات اورا كنج كو ... تادر آيد در تصور مثل او
الارشاداى لا تشبهوا بشأنه تعالى شأنا من الشؤون واللام مثلها فى قوله تعالى { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح . وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون } لا مثلها فى قوله تعالى { واضرب لهم مثلا اصحاب القرية } ونظائره { ان الله يعلم } كنه ما تفعلون وعظمه وهو معاقبكم عليه بما يوازيه فى العظم { وانتم لا تعلمون } ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فالله تعالى هو العالم بالخطأ والصواب ومن خطأ الانسان عبادته الدنيا والهوى وطلب المقاصد من المخلوقين وجعلهم امثال الله وليس فى الوجود مؤثر الا الله تعالى فهو المقصود ومنه الوصول اليه .
وعن النبى صلى الله عليه وسلم « ان الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الابصار وان الملأ الاعلى يطالبونه كام تطلبونه انتم » وذلك لان الله تعالى ليس له زمان ولا مكان وان كان الزمان والمكان مملوءين من نوره فاهل السماء والارض فى طلبه سواء . وقال موسى عليه السلام أين اجدك يا رب قال يا موسى اذا قصدت الىّ فقد وصلت الىّ اشار تعالى الى ان القاصد واصل بغير زمان ومكان وانما الكلام فى القصد الوجدانى الجمعى والميل الكلى لان من طلب وجدّ وجد ومن قرع البا ولجّ ولج والباب هو باب القلب فان منه يدخل المرؤ بيت المعرفة الالهية ثم يصل الى صدر المشاهدة الربانية فيحصل الانس والحضور والذوق والصفاء ويرتفع الهيبة والحيرة والوحشة والغفلة والكدر والجفاء اللهم اجعلنا من الواصلين آمين .
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)
{ ضرب الله مثلا } ضرب المثل تشبه حال بحال وقصة بقصة اى ذكر واورد شيأ يستدل به على تباين الحال بين جنابه وبين ما اشركوا به وليس المراد حكاية ضرب الماضى بل المراد انشاؤه بما ذكر عقيبه { عبدا مملوكا } بدل من مثلا وتفسير له والمثل فى الحقيقة حالته العارضة له من المملوكية والعجز التام وبحسبها ضرب نفسه مثلا ووصفه بالمملوكية ليخرج عنه الحر لاشتراكهما فى كونهما عبد الله تعالى { لا يقدر على شئ } وصفه بعدم القدرة لتمييزه عن المكاتب والمأذون اللذين لهما تصرف فى الجملة { ومن رزقناه } من موصوفة معطوفة على عبدا كأنه قيل وحرا رزقناه بطريق الملك ليطابق عبد { منا } من جانبنا الكبير المتعال { رزقا حسنا } حلالا طيبا او مستحسنا عند الناس مرضيا . قال الكاشفى [ روزى نيكو يعنى بسيار وبى مزاحك كددرو تصرف تواند كرد ] { فهو } [ بس اين مرزوق ] { ينفق منه } أى من ذلك الرزق الحسن { سرا وجهرا } اى حال السر والجهر وقدم السر على الجهر للايذان بفضله عليه . قال الكاشفى [ بنهان وآشكارا يعنى هر نوع كه يمخواهد خرج ميكند وازكس نميترسد ] { هل يستوون } جمع الضمير للايذان بان المراد ما ذكر من اتصف بالاوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لافردان متعينان منهما . والمعنى بالفارسية [ آيا برابرند يعنى مساوى نباشند بندكان بى اختيار باخواجكان صاحب اقتدار بس جون مملوك عاجز با مالك قادر متصرف برابر نسيت بس بنان كه اعجز مخلوقاتند شريك قادر على الاطلاق جكونه توانند بود ] (7/64)
راه تو بنور لا يزالى ... از شرك وشريك هردو خالى
آن بنده كه عاجزست ومحتاج ... كى راه برد بصاحب تاج
ما للقراب ورب الارباب [ صاحب كشف المحجوب آورده كه روزى بخلوت شيخ ابو العباس شيبانى در آمدم ويرا ديدم كه اين آيت ميخواند ويمريست ونعره مى زدبند اشتم كه ازدنيا بخواهد رفت كفتم اى شيخ اين جه حالتست فرمود كه يازده سال ميكذرد تاورد من اينجار سيده است وازنيجادر نميتوانم كذشت آرى حدوث در قدم نميتواند سيد وممكن ازكنه واجب خبر نتواند داد ]
نيست باهست جون زند بهلو ... قطره بابحر دون كند دعوى
{ الحمدلله } اعتراض اى كل الحمد لله تعالى لانه معطى جميع النعم وان ظهرت على ايدى بعض الوسائط وليس شئ من الحمد للاصنام لعدم استحقاقها اياه فضلا عن العباد { بل اكثرهم } [ بلكه اكثر مشركان . يعنى همه ايشان ] { لا يعلمون } ذلك فيضفون نعمه تعالى الى غيره ويعبدونه لاجلها . وفى الاربشاد نفى العلم عن اكثرهم للاشعار بان بعضه ميعلمون ذلك واما لا يعلمون بموجبه عنادا كقوله تعالى { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها واكثرهم الكفارون } .
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)
{ وضرب الله مثلا } آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على اوضح وجه واظهره { رجلين } . قال فى الكواشى تقديره مثلا مثل رجلين فمثلا الاول مفعول والثانى بدل منه او بيان فحذف الثانى واقيم مقامه رجلين { احدهما ابكم } وهو من ولد اخرس ولا بد ان يكون اصم كما قال الكاشفى [ وبى شبهه كنك ما در زاد نشود ] { لا يقدر على شئ } من الاشايء المتعلقة بنفسه او بغيره بحدس او فراسة لقلة فهمه وسء ادراكه { وهو كل على مولاه } ثقل وعيال على من يعوله ويلى امره وهذا بيان لعدم قدتره على اقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شئ مطلق { اينما يوجهه } اى حيث يرسله مولاه فى امره وكفاية مهم وهو بيان لعدم قدرته على اقامة مصالح مولاه ولو كانت مصلحة يسير { لا يأت بخير } [ باز نيامد به نيكويى يعنى كارى نسازد وكفايتى نكند لا يفهم ولا يفهم ] { هل يستوى هو } [ آيا برابر باشد ابن ابكم ] مع ما فيه من الاوصاف المذكورة { ومن بأمر بالعدل } اى من هو منطيق فهم ذور أى وكفاية ورشد ينفع الناس بحثهم على العدل الجامع لجميع الفضائل والمكارم وهذا كسحبان وباقل فان سحبان كان رجلا فصيحا بليغا متكلما بحيث لا يقطع الكلام ولو سرده يوما وليلة ولا يكرر ولو اقتضى الحال فبعبارة اخرى لا يتنحنح وان باقلا كان رجلا اشترى ظبيا باحد عشر درهما فسئل عن شرائه ففتح كفيه واخرج لسانه يشير الى ثمنه فانفلت الظبى فضرب به المثل فى العى { وهو } فى نفسه مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام { على صراط مستقيم } [ برراهى راستست وسيرتى درست وطريقة بسنديده كه بهر مطلب كه توجه نمايد زود بمقصد ومقصود رسد بس جنانكه بجاهل مساوى اين كامل فاضل نيست بس بتان بى اعتبار را مساوت باحضرت بروردكار جل شانه نباشد ] . (7/65)
وقال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام فيما ابهم من القرآن . ان الابكم هو ابو جهل واسمه عمر و بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . والذي يأمره بالعد لعمار بن ياسر العنسى وعنس بالنون حى من مدلج وكان حليفا لبنى مخزوم رهط ابى جهل وكان ابو جهل يعذبه على السلام ويعذب امه سمية وكانت مولاة لابى جهل وقال لها ذات يوم انما آمنت بمحمد لانك تحبينه لجماله ثم طعنها بالرمح فى فيها فماتت فكانت اول شهيده فى الاسلام .
وفى الآية اشارة الى ان النفس الامارة لا تقدر على شئ من الخير لان من شأنها متابعة هواها ومخالفة مولاها وان الروح من شأنه ان يأمر النفس بطاعة الله وحسن عبوديته كما ان النفس تأمر الوح بمعاصى الله وعبودية هواها فالتوفيق فى جانب الروح واعداء المؤمن ثلاثة النفس والشيطان والدنيا فحارب النفس بالمخالفة وحارب الشيطان بالذكر وحارب الدنيا بالقناعة . وعن حكيم نفسك لصك فاحفظها وهى عدوك فجاهدها كذا فى الخالصة .
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77)
{ ولله } تعالى خاصة لا لاحد غيره استقلالا ولا اشراكا وكان كفار قريش يستعجلون وقوع القيامة استهزاء فانزل الله تعالى فى هذه الآية { غيب السموات والارض } اى علم ما غاب فيهما عن العباد . قال فى الارشاد فيه اشعار بان علمه سبحانه حضورى فان تحقق الغيوب فى انفسها علم بالنسبة اليه تعالى ولذلك لم يقل ولله علم غيب السماوت والارض { وما امر الساعة } الساعة اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساع خيفة يحدث فيها امر عظيم اى وما شأن قيام القيامة التى هى من الغيوب فى سرعة المجيئ { الا كلمح البصر } اللمح النظر بسرعة اى كرجع الطرف من اعلى الحدقة الى اسفلها . يعنى [ آوردن خدى تعالى مر قيامت را آسانترست ازآنكه شما ديده برهم زنيد ] { وهو } اى بل امرها فيما ذكر من السرعة والسهولة { اقرب } من لمح البصر واسرع زمانا . قال الكاشفى { اقرب نزديكتراست جه لمحبصر دو فعل است وضع جفن ورفع آن وايقاع قيامت باحياء موى يك فعل بست ممكن است ووقوع آن درنصف زمان اين حركت ] وأو ليست للشك بل للتخير اى تخيير المخاطبين بين ان يشبهوا امر قيامها بلمح البصر وان يقولوا هو اقرب وانما ضرب به المثل لانه لا يعرف زمان اقل منه { ان الله على كل شيء قدير } فهو يقدر على ان يقيم الساعة ويبعث الخلق لا بعض المقدورات . يعنى لأتواند احياء خلائق دفعة جنانجه قادراست براحياء ايشان برسبيل تدريج بس از ابتداء طهور ايشان خبر داد تا از مبدأ وبر معاد استدلال كنند ] . واعلم انهم قالوا [ كرجه قيامت دير آمد ولى مى آمد ] يعنى هودان عند الله تعالى وان كان بعيدا عندان فلا بد من التهيئ له . وعن انس بن مالك رضى الله عنه ان رجلا قال للنبى صل الله عليه وسلم متى الساعة قال عليه السلام « ما اعددت لها » قال لا شئ الا انى احب الله ورسوله « انت مع من احببت » وشرط كون المرء مع من أحب ان يشترك معه فى الدين ويتحد ومن مقتضاه اتيان المأمورات وترك المحظوارت فان المحبة الكاملة لا تحصل الا به فمن خالف امره الله تعالى وامر نبيه فقد فارقهما فكيف يحبهما مع البينونة : قال الشخي سعدى قدس سره . (7/66)
نظر دوست نادر كند سوى تو ... جودر روى دشمن بودروى تو
ندانى كه كنز نهد دوست باى ... جوبيندكه دشمن بود درسراى
ثم اعلم ان رجوع النس الى ربها يكون باماتتها عن اوصافها واحيائها بصفات الله والامانة تكون بتجلى صفة الجلال والاحياء بتجلى صفة الجمال فاذا تجلى الله لعبد لا يبقى له زمان ولا مكان اذ هو فان عن وجوده باق ببقاء الحق ان الله على كل شئ من المواهب التى يقربها اولياءه قدير وان لم يفهم الاغبياء بعقولهم كيفية تلك المعارف والكمالات بل العقلاء بعقولهم السليمة بمعزل من ادراك تلك الحقائق وذلك لانها خارجة عن طور العقل
سيل ضعيف واصل دريا نميشود ... والتجليات ثلاثة . الاول التجلى العلمى واهله من اصحاب البرازخ لا يصح ان يكون مرشد الا تقليدا . والثانى التجلى العينى . والثالث التجلى الحقى واهلهما من ارباب اليقين والوصول من شأنهم ارشاد الناس فى جميع المراتب اى فى مرتبة الطبيعة والنفس والقلب والروح والطريقة والمعرفة والحقيقة وهم اهل البصيرة الذين اشير اليهم فى قوله تعالى { قل هذه سبيلى ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتعبنى } فعليك بالقتداء بهم دون غيرهم . فان قلت ما الفرق بين اهل التجلى الثاني والثالث . قلت انهما بعد اشتراكهما فى ان كلا منهما قطب ارشاد يتميز الثالث بالقطبية الكبرى التى هى اعلى المناسب . (7/67)
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)
{ والله } تعالى وحده { اخرجكم } من بطون امهاتكم } جمع الام زيدت الهاء فيها كما زيدت فى الاهراق من اراق { لا تعلموا شيأ } اى حال كونكم غير عالمين شأ اصلا من امور الدنيا والآخرة ولا مما كانت ارواحكم تعلم فى عالم الارواح ولا مما كانت ذرياتكم تعلم من فهم خطاب ربكم اذ قال ألست بربكم ولا مما علمت اذ قالت بالجواب بلى ولامما تعلم الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها ومعرفة امها والرجوع اليها والاهتداء الى ضروعها وطريق تحصيل اللبن منها ومشيها خلفها وغير ذلك مما تعلم الحيوانات وتهتدى اليه ولا يعلم الطفل منه شيأ ولا يهتدى اليه قال الشيخ سعدى قدس سره (7/68)
مرغك از بيضه برون آيدوروزى طلبد ... آدمى بجه ندارد خبر وعقل وتميز
{ وجعل لكم السمع } قدمه على البصر لما انه طريق تلقى الوحى ولذا ابتلى بعض الانبياء بالعمى دون الصمم او لان ادراكه اقدم من ادراك البصر ألا ترى ان الوليد يتأخر انفتاح عينيه عن السمع وافراده باعتبار كونه مصدرا فى الاصل { والابصار } جمع بصر وهى محركة حسن العين { والافئدة } جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من القلب كالقلب من الصدر وهو من جموع القلة التى جرت مجرى جموع الكثرة . قال فى بحر العلوم استعملت فى هذه الآية وفى سائر آيات وردت فيها فى الكثرة لان الخطاب فى جعل لكم وانشأ لكم عام . والمعنى جعل لكم هذه الاشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بان تحسوا بمشاعركم جزئيات الاشياء وتدركوها بفائدتكم وتتنهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الاحساس فيحصل لكم علوم بديعيه تتمكنوا بالنظر فيها من تحصل العلوم الكسبية .
والعم ان قوله وجعل عطف على اخرجكم وليس فيه دلالة على تأخر الجعل المذكور عن الاخراج لمان مدلول الواو هو الجمع مطلقا لا الترتيب على ان اثر ذلك الجعل لا يظهر قبل الاخراج كما فى الارشاد . التحقيق ان لله تعالى صفات سبعا مرتبة وهى الحياة والعلم والارادة والقدرة والسمع والبصر والكلام واذا قلب الكلام يصير كمالا فآخر الكمال الكلام كما ان اول الكمال الكلام لان اول التعينات الالهية هى الهوية الذاتية وآخرها الكلام ملطقا وعلى هذا يدور الامر فى المظهر الانسانى ألا ترى ان اول ما يبدو فى الجنين حسن السمع ثم البصر ثم الكلام ولذا حرم تزوج الحبلى من النكاح اتفاقا ومن الزنى اختلافا لما قال عليه السلام « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يسقين ماء رزع غيره » فان قيل فم الرحم منسد بالحبل فكيف يوجد سقى الزرع . قلنا قد جاء فى الخبر ( ان سمع الحمل وبصره يزداد حده بالوطئ ) فظهر ان آخر ما يظهر بعد الولادة هو الكلام ومقتضى مقام الامتنان ان هذه القوى انما تظهر آثارها بعد الاخراج من طبون الامهات وهذا لا ينافى حصولها قبله بالقوة القريبة من الفعل { لعلكم تشكرون } ارادة ان تشكرواهذه الآلات وشكرها استعمالها فيما خلقت لاجله من استماع كلام الله واحاديث رسول الله وحكم اوليائه وما ليس فيه ارتكاب منهى ومن النظر الى آيات الله والاستدلال بها على وجوده ووحدته وعلمه وقدرته فمن استعملها فى غير ما خلقت له فقد كفر جلائل نعم الله تعالى وخان فى اماناته : قال الشسخ السعدى قدس سره
كذر كاه قرآن وبندست كوش ... به بهتان وباطل شنيدن مكوش
دوجثم ازبى صنع بارى نكوست ... زعيب برادر فرو كيرو دوست
وقال اصائب
ترابكوا هردل كردماند امانتدار ... زردزد امانت حق را نكاهد ار مخسب
وفى التأويلات النجمية { وجعل لكم السمع والابصار والافئد