تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تفسير روح البيان
المؤلف : إسماعيل حقى
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126)

{ أولا يرون } الهمزة للانكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر اى لا ينظر المنافقون ولا يرون { انهم يفتنون فى كل عام } من الاعوام بالفارسية [ در هر سالى ] { مرة او مرتين } والمراد مجرد التكثير لا بياع الوقوع حسب العدد المزبور اى يبتلون باصناف البليات من المرض والشدة وغير ذلك مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدى رب العزة فيؤدى الى الايمان به تعالى { ثم لا يتوبون } عطف على ما يرون داخل تحت الانكار والتوبيخ { ولا هم يذكرون } والمعنى اولا يرونافتتانهم الموجب لايمانهم ثم لا يتوبون عماهم عليه من النفاق ولا هم يتذكرون بتلك الفتن الموجبة للتذكر والتوبة
قال فى التأويلات النجمية هذه الفتنة موجبة لانتباه القلب الحى وقلوبهم ميتة والقلب الميت لا يرجع الى الله ولا يؤثر فيه نصح الناصحين كما قال { انك لا تسمع الموتى } وقال { لينذر من كان حيا } وفى المثنوى
ورنكوئى عيب خود بارى خمش ... از نمايش وازدغل خودرا مكش
كرتو نقدى يافتى مكشا دهان ... هست درره سنكهاى امتحان
كفت يزدان از ولادت تابحين ... يفتنون كل عام مرتين
امتحان بر امتحانست اى بسر ... هين بكمتر امتحان خود را مر
ماهيانرا بحر نكذارد برون ... خاكيانرا بحر نكذارد درون

(5/206)


وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)

{ واذا ما انزلت سورة } بيان لاحوالهم عند نزولها فى محفل تبليغ الوحى كما ان الاول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه { نظر بعضهم الى بعض } المراد بالنظر النظر المخصوص الدال على الطعن فى تلك السورة والاستهزاء بها اى تغامزوا بالعيون انكارا لها وسخرية { هل يريكم من احد } اى قائلين هل يراكم من احد من المسلمين لينصرفوا من المسجد والمجلس مظهرين انهم لا يضطربون عند استماعها ويغلب عليهم الضحك فيفتضحون { ثم انصرفوا } عطف على نظر بعضهم والتراخى باعتبار وجدان الفرصة والوقوف على عدم رؤية احد من المؤمنين اى انصرفوا جميعا عن محفل الوحى خوفا من الافتضاح . والمعنى يقول بعضهم لبعض هل يراكم من احد من المؤمنين ان قمتم من مجلسكم فان لم يرهم احد خرجوا من المسجد وان علموا ان احدا يراهم اقاموا فيه وثبتوا حتى يفرغ عليه السلام من خطبته ثم انصرفوا { صرف الله قلوبهم } اى عن الايمان حسب انصرافهم عن المجلس والجملة اخبارية او دعائية { بانهم } اى بسبب انهم { قوم لا يفقهون } لسوء الفهم او لعدم التدبر
وفى التأويلات النجمية ليس فقه القلب فان فقه القلب من امارات حياة القلب وهو نور يهتدى به الى الحق كما ان الجهل ظلمة يقيم عندها ولا يدرى ماذا يفعل اللهم اجعلنا من المتدبرين والمتذكرين والمعتبرين
قال بعض العلماء اصحاب القلوب من الانس ثلاثة اصناف . صنف كالبهائم قال الله تعالى { لهم قلوب لا يفقهون بها } وصنف اجسادهم اجساد بنى آدم وارواحهم ارواح الشياطين . وصنف فى ظل الله تعالى يوم لا ظل الا ظله
وعن ابى بكر الوراق رحمه الله انه قال للقلب ستة اشياء حياة وموت وصحة وسقم ويقظة ونوم فحياته الهدى ونومه الضلالة وصحته الصفاء وعلته العلاقة ويقظته الذكر ونومه الغفلة وفى المثنوى
هر صباحى جون سليمان آمدى ... خاضع اندر مسجد اقصى شدى
نوكياهى رسته ديدى اندرو ... بس بكفتى نام ونفع خود بكو
توجه داروئى وجه تامت جه است ... توزيان كه ونفعت بر كيست
بس بكفتى هركيوء هى فعل ونام ... كه من آنرا جانم واين را حمام
بس سليمان ديد اندر كوشه ... نوكياهى رسته همجون خوشه
كفت نامت جيست بركوبى دهان ... كفت خروبست اى شاه جهان
كفت اندر توجه خاصيت بود ... كفت من رستم مكان ويران شود
من كه حروبم خراب منزلم ... هادم بنياداين آب وكلم
بس سليمان آن زمان دانست زود ... كه اجل آمد سفر خواهد نمود
كفت تامن هستم اين مسجد يقين ... در خلل نايد زآفات زمين
بس خراب مسجد ما بيكمان ... نبود الا بعد مرك ما بدان
مسجدست اين دل كه جشمش ساجدست ... يا ربد خروب هرجا مسجد ست
يا ربد جون رست درتو مهراو ... هين ازوبكريزو كم كن كفت وكو
بركن از بيخش كه كر سر برزند ... مرترا ومسجدت را بركند

(5/207)


لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)

{ لقد جاءكم } يحتمل ان يكون الخطاب للعرب والعجم جميعا . فالمعنى بالله قد جاءكم ايها الناس { رسول } اى رسول عظيم الشان والرسول انسان بعثه الله تعالى الىلا الخلق لتبليغ الاحكام { من انفسكم } اى من جنسكم آدمى مثلكم لا من الملائكة ولا من غيرهم وذلك لئلا يتنفروا ويمتنعوا من متابعته ويقولوا لا طاقة لنا بمتابعته لانه ليس من جنسنا يؤيده قوله تعالى { قل انما انا بشر مثلكم } وقوله تعالى { لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم } اذ لفظ المؤمنين عام لكل مؤمن من كل صنف فيكون معنى من انفسهم اى من جنسهم لان الملك وكذا الجن لعدم جنسية ذى جهتين جهة التجرد لتمكن الاستفاضة من جانب القد وجهة التعلق لتمكن الافاضة الى جانب الخلق وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ومنه يظهر انه لكمال لطافته يمكن ان يستفيض منه الجن ايضا لكونهم اجساما لطيفة ولذا دعاهم دعوة البشر
مشعله افروزشب خاكيان ... سمع سرا برده افلا كيان
ويحتمل ان يكون الخطاب للعرب خاصة . فالمعنى بالله قد جاءكم ايتها العرب رسول عربى مثلكم وعلى لغتكم وذلك اقرب الى الالفة وابعد من اللجاجة واسرع الى فهم الحجة فان الارشاد لا يحصل الا بمعرفة اللسان -حكى- ان اربعة نفر عجمى وعربى وتركى ورومى وجدوا فى طريق درهما فاختلفوا فيه ولم يعرف ولم يفهم واحد منهم مراد الآخر فسأل منهم رجل آخر يعرف الالسنة فقال للعربى ايش تريد وللعجمى [ جه ميخواهى ] مثلا وعلم ان مراد الكل ان يأخذوا بذلك الدرهم عنبا فاخذ العارف الدرهم منهم واشترى لهم عنبا فارتفع الخلاف من بينهم . وقرءئ من انفسكم بفتح الفاء اى من اشرفكم وافضلكم من النفاسة وبالفارسية [ عزيز شدن ] وشيء نفيس اى خطير وذلك لان محمدا صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب وفى كلاب يجتمع نسب ابيه وامه لان امه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وبنوا هاشم افضل القبائل الى اسماعيل عليه السلام من جهة الخصال الحميدة وكلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر واجمع النسابون على ان قريشا انما تفرقت عن فهر فهو جماع قريش وانما سمى فهر قريشا لانه كان يقرش اى يفتش عن حاجة المحتاج فيسدها بماله وكان بنوه يقرشون اهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم فسموا بذلك قريشا والرفادة طام الحاج ايام الموسم حتى يتفرقوا فان قريشا كانت على زمن قصى تخرج من اموالها فى كل موسم شيأ فتدفعه الى قصى فيصنع به طعاما للحاج ياكل منه من لم يكن له سعة ولا زاد حتى قام بها ولده عبد مناف ثم بعد عبد مناف ولده هاشم ثم بعد هاشم ولده عبد المطلب ثم ولده ابو طالب وقيل ولده العباس ثم استمر ذلك الى زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء بعده ثم استمر ذلك فى الخلفاء الى ان انقرضت الخلافة من بغداد ثم من مصر وعن انس بن مالك رضى الله عنه

(5/208)


« حب قريش ايمان وبغضهم كفر » وفى الحديث « عالم قريش يملأ طباق الارض علما » وعن الامام احمد رحمه الله هذا العالم هو الشافعى لانه لم ينتشر فى طباق الارض من علم علماء قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الامام الشافعى ويجتمع نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عبد مناف وهو الجد التاسع للشافعى رحمه الله وفى الحديث « انا انفسكم نسبا وصهرا وحسبا ليس فى آبائى من لدن آدم سفاح كلها نكاح » وذلك لأنه لا يجيء من الزنى ولى فكيف بى والاشارة فيه الى نفاسة جوهره فى اصل الخلقة لانه اول جوهر خلقه خلقه الله تعالى وعن ابى هريرة انه عليه السلام سال جبريل عليه السلام فقال « يا جبريل كم عمرك من السنين » فقال يا رسول الله لست اعلم غير ان فى الحجاب الرابع نجما يطلع كل سبعين الف سنة مرة رأيته اثنين وسبعين الف مرة فقال عليه السلام « يا جبريل وعزة ربى انا ذلك الكوكب » ولما خلق الله آدم جعل نور حبيبه فى ظهره فكان يلمع فى جبينه ثم انتقل الى ولده شيث الذى هو وصيه والثالث من ولده وكانت حواء تلد ذكرا وانثى معا لم تلد ولدا منفردا الا شيث الذى هو وصيه والثالث من ولده وكانت حواء تلد ذكرا وانثى معا ولم تلد ولدا منفردا الا شيث كرامة لهذا النور ثم انتقل الى واحد بعد واحد من اولاده الى ان وصل الى عبد المطلب ثم الى ابنه عبد الله ثم الى آمنة وكان عليه السلام علة غائية لوجود كل كون فوجوده الشريف وعنصره اللطيف افضل الموجودات الكونية وروحه المطهر امثل الارواح القدسية وقبيلته افضل القبائل ولسانه خير الالسنة وكتابه خير الكتب والالهية وآله واصحابه خير الآل وخير الاصحاب وزمان ولادته خير الازمان وروضته المنورة اعلى الاماكن مطلقا والماء الذى نبع من اصابعه الشريفة افضل المياه مطلقا ثم بعده الافضل ماء زمزم لانه غسل منه صدره عليه السلام ليلة المعراج ولو كان ماء افضل منه يغشل به صدره عليه السلام . ثم ان فى قوله { لقد جاءكم } اشارة الى انه صلى الله عليه وسلم هدية عظيمة من الله تعالى وتحفة جسيمة ولا يعرض عن هدية الله تعالى الا الكافرون والمنافقون : قال حضرة الشيخ العطار قدس سره

(5/209)


خويشتن راخواجه عرصات كفت ... انما انا رحمة مهداة كفت
{ عزيز عليه ما عنتم } العزيز الغالب الشديد وكلمة ما مصدرية والعنت الوقوع فى امر شاق واشق الامور دخول النار والجملة من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر صفة رسول . والمعنى شديد عليه عنتكم اى ما يلحقكم من المشقة والألم بترم الايمان فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع فى العذاب وهذا من نتائج ما سلف من المجانسة
قال الكاشفى [ وبعضى برلفظ عزيز وقف كرده اند وىنرا صفة رسول دانند ومعنى عليه ما عنتم برين فرود آرندكه براست آنجه بكيند ازكناه يعنى اعتذار آن برويست در روز قيامت بشفاعت تدارك آن خواهد نمود ودرين معنى كفته اند ]
نماند بعصيان كسى دركرو ... كه دارد جنين سيدى بيش رو
اكر دفترت ازكنه باك نيست ... جو او عذر خواهت بودباك نيست
{ حريص عليكم } اى على ايمانكم وصلاح احوالكم اذ من البين انه عليه السلام ليس حريصا على ذواتهم والحرص شدة الطلب للشيء مع اجتهاد فيه كما فى تفسير الحدادى { بالمؤمنين } متعلق بقوله { رؤوف رحيم } قدم الابلغ منهما وهو الرؤف لان الرأفة شدة الرحمة مع ان مقام المدح يقتضى الترقى من الفاضل الى الافضل محافظة على الفواصل وقدم بالمؤمنين على متعلقه وهو رؤف ليفيد الاختصاص اى لا رأفة ولا رحمة الا بالمؤمنين واما الكفار فليس له عليهم رأفة ولا رحمة
قال فى التأويلات النجمية { بالمؤمنين رؤف رحيم } لتربيتهم فى الدين المتين بالرفق كما قال عليه السلام « ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه بالرفق وبالرحمة يعفو عن سيآتهم » كما امره الله تعالى بقوله { فاعف عنهم واصفح } وفى قوله { ان الله بالناس لرؤف رحيم } دقيقة لطيفة شسريفة وهى ان النبى صلى الله عليه وسلم لما كان مخلوقا كانت رأفته ورحمته مخلوقة فصارت مخصوصة بالمؤمنين لضعف الخلقة وان الله تعالى لما كان خالقا كانت رأفته ورحمته قديمة فكانت عامة للناس لقوة خالقيته كما قال { ورحمتى وسعت كل شيء } فمن تداركته الرافة والرحمة الخالقية من الناس قابلا للرأفة والرحمة النبوية لانها كانت من نتائج الرأفة والرحمة الخالقية ما قال { فبما رحمة من الله لنت لهم } انتهى كلام التأويلات
قال بعض الحكماء ان الله تعالى خلق محمدا اى روحه وجعل له صورة روحانية كهيئته فى الدنيا فجعل رأسه من البركة وعينيه من الحياء واذنيه من العبرة ولسانه من الذكر وشفتيه من التسبيح ووجهه من الرضى وصدره من الاخلاص وقلبه من الرحمة وفؤاده من الشفقة وكفيه من السخاوة وشعره من نبات الجنة وريقه من عسل الجنة ألا ترى انه تفل فى بئر رومة فى المدينة وكان ماؤها زعاقا فصار عذبا ولما اكمله بهذه الصفات ارسله الى هذه الامة -روى- انه لما مات ابو طالب ونالت قريش من النبى عليه السلام ما لم تكن نالته منه فى حياته خرج الى الطائف وهو مكروب مشوش الخاطر مما لقى من قريش من قرابته وعترته خصوصا من عمه ابى لهب وزوجته ام جميل حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب يقولون له انت الذى جعلت الآلهة الها واحدا فجعل ابو بكر يضرب هذا ويدفع هذا ويقول أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وكان خروجه فى شوال سنة عشرة من النبوة وحده وقيل معه مولاه زيد بن حارثة رضى الله عنه يلتمس من ثقيف الاسلام رجاء ان يسلموا وان يناصروه على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه وكان ثقيف اخواله عليه السلام فلما انتهى الى الطائف عمد الى اشراف ثقيف وكانوا اخوة ثلاثة فجلس اليهم وكلهم فيما جاءهم به فقال احدهم هو يقطع ثياب الكعبة ولا يسرقها وقال آخر ما وجد الله احدا يرسله غيرك وقال له الثالث والله لا اكلمك ابدا لئن كنت رسولا من عند الله كما تقول لانت اعظم خطرا اى قدرا من ان ارد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى ان اكلمك فقام عليه السلام من عندهم مأيوسا وقال لهم اكتموا على وكره ان يبلغ قومه ذلك فيشتد امرهم عليه وقالوا عليه السلام اخرج من بلدنا وسلطوا عليه سفهاءهم يسبونه ويصيحون ب حتى اجتمع عليه الناس وقعدوا له صفين على طريقه فلما مر عليه السلام بين الصفين دقوا رجليه بالحجارة حتى ادموهما وشجوا رأس زيد فلما خلص ورجلاه يسيلان دما عمد الى بستان فاستظل فى شجرة كرم ودعا بقوله

(5/210)


« اللهم انى اشكو اليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهو انى على الناس يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين وانت ربى الى من تكلنى ان لم يكن لك غضب على فلا ابالى » ثم انطلق عليه السلام وهو مهموم حتى اتى بقرن الثعالب وهو ميقات اهل نجد او اليمن وبينه وبين مكة يوم وليلة فارسل الله تعالى جبريل ومعه ملك الجبال فقال ان شئت اطبقت على ثقيف هذين الجبلين فقال عليه السلام ملك الجبالة انت كما سماك ربك رؤف رحيم : وفى المثنوى
بندكان حق رحيم وبر دبار ... خوى حق دارنددر اصلاح كار
مهربان بى رشوتان يارى كران ... در مقام سخت ودر روز كران
اى سليمان درميان زاغ وباز ... حلم حق شو باهمه مرغان بساز
اى دوصد بلقيس حلمت رازبون ... كه اهد قومى انهم لا يعلمون
صد هزاران كيميا حق آفريد ... كيميا حق آفريد كيميائى همجو صبر آدم نديد
نسأل الله سبحانه ان يلحقنا باهل الحلم والكرم ويزكينا من سوء الاخلاق والشيم

(5/211)


فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)

{ فان تولوا } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى ان اعرضوا عن الايمان بك وقبول نصحك ولم يتبعوك { فقل حسبى الله } كافينى فانه يكفيك معرتهم اى المساءة اتى تلحقك من قبلهم ويعينك عليهم . وفيه اشارة الى ان تبليغ الرسالة من النبى عليه السلام كان موجبا لقربه الى الله وقبوله اياه فلما بلغ رسالته فقد حصل على القبول من الله وقربته ان قبلوا وان اعرضوا { لا اله الا هو } كالدليل على ما قبله
يقول الفقير اصلحه الله القدير هذه الكلمة الطيبة فى حكم لا اله الا الله لان الضمير عائد الى المذكور من لفظ الجلالة وكون هو ضميرا لا ينافى كونه اسما لان المضمرات من قبيل الاسماء فما اشتهر بين الصوفية السالكين من الذكر به بناء على كونه اسما ولما كان وجود الكون موهوما ووجود الحق محققا معلوما صح ان يشار به الى الله تعالى سيما اطلق لعدم المزاحم فى الحقيقة والذكر به مناسب للمبتدئ لكونه فى حال الغيبة فاذا ترقى الترقى الكلى فلا يشار به الا الى بهو الا الى الهوية المطلقة نسأل الله التوفيق للوصول الى مراتب التحقيق { عليه توكلت } اى وثقت فلا ارجو ولا اخاف الا منه والتوكل اعتماد القلب على الله وسكونه وعدم اضطرابه لتعلقه بالله تعالى روهو رب العرش العظيم } ببروردكار عرش بزرك مراد ملك عظيم است يا عرش كه قبله دعا ومطاف ملائكة باشد اشارت بكمال قدرت وحفظ حق تعال راست : يعنى آن خدايى كه عرش رابدان همه عظمت كه هشت هزار ركن دارد وبروايتى سيصد هزار قاعده واز قاعده تاقاعده سيصد هزار سال راه وهمه آن مملو ازخافات وصافات بقدرت كامله نكاه ميدارد قادرست كه ميرانيزاز شر منافقان دربناه آردكه حافظ بندكان وناصر سر افكند كان اوست ]
ازخواه يارى كه يارى ده اوست ... بدو التجا كن كه اينها ازوست
كسى راكه او آورد در بناه ... جه غم دارد از فتنه كينه خواه
قال الحدادى رب العرش العظيم اى خالق السرير العظيم الذى هو اعظم من السموات والارض وانما خص العرش بذلك لانه اذا كان رب العرش العظيم مع عظمته كان رب ما دونه فى العظم . وقيل انما خص العرش تشريفا للعرش وتعظيما لشأنه
واعلم ان العناصر والافلاك مرتبة فالارض ثم الماء ثم الهواء ثم النار ثم فلك القمر ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس ثم فلك المريخ ثم فلك المشترى ثم فلك زحل ثم فلك الثوابت ثم فلك الافلاك ويسمى الفلك الاعظم وهو محيط من الافلاك والعناصر يماس المحاط الذى يليه فى الترتيب المذكور لاستحالة الخلاء وجملة هذه الاجرام من الافلاك والعناصر وما فيها يطلق عليها اسم العالم
قال بعض اهل التحقيق خلق الله العرش لاظهار شرف محمد صلى الله عليه وسلم وهو قوله

(5/212)


{ عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا } وهو مقام تحت العرش ولان العرش معدن كتاب الابرار لقوله تعالى { ان كتاب الابرار لفى عليين } وايضا العرش مرآة الملائكة يرون الآدميين واحوالهم منه كى يشهدوا عليهم يوم القيامة فان عالم المثال والتمثال فى العرض كالاطلس فى الكرسى
قال حضرة شيخنا قدس سره فى الرسالة العرفيانية التى صنفها فى سنة تسع وثمانين بعد الالف العرش العظيم هو الانسان الكبير والعرش الكريم هو الانسان الصغير فظاهر العرش العظيم والانسان الكبير والعرش الكريم هو الانسان الصغير فظاهر العرش العظيم والانسان الكبير على التبدل والتغير وظاهرهما على الدوام والثبات انتهى اجمالا
يقول الفقير المباهى بالانتساب الى ذلك السيد الخطير لعل مراده رضى الله عنه ان باطن العرش العظيم هو العرش المحيط الذى يقال له الملكوت وظاهره ما تحته من الاجرام ويقال له عالم الكون والفساد فظاهر العرش لكونه عالم الكون والفساد على التبدل والتغير وباطنه وهو العرش نفسه على حاله بخلاف العرش الكريم الذى هو الانسان فان ظاهره من اول عمره الى آخره على الثبات وباطنه على التغير لان قلبه لا يخلو عن الافكار والتقلبات والله تعالى رب العرش العظيم ورب العرش الكريم فى الظاهر والباطن والاول والآخر هذا وقد ذكر فى فضائل هاتين الآيتين اللتين احداهما { لقد جاءكم } الآية والاخرى { فان تولوا } الآية -روى- ان ابا بكر بن مجاهد المقرى رحمه الله اتى اليه ابو بكر الشبلى قدس سره فدخل عليه فى مسجده فقام اليه فتحدث اصحاب بن مجاهد بحديثهما وقالوا انت لم تقم لعلى بن عيسى الوزير وتقوم للشبلى فقال الا اقوم لمن يعظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال لى يا ابا بكر اذا كان فى غد فسيدخل عليك رجل من اهل الجنة فاذا دخل فاكرمه قال ابن مجاهد قلما كان بعد ذلك بليلتين رأيت النبى عليه السلام فقال لى يا ابا بكر اكرمك الله كما اكرمت رجلا من اهل الجنة قلت يا رسول الله بم استحق الشبلى هذا منك فقال هذا رجل يصلى خمس صلوات يذكرنى اثر كل صلاة ويقرأ { لقد جاءكم رسول من انفسكم } الى آخر السورة وذلك منذ ثمانين سنة أفلا اكرم من فعل كذا فى عقد الدرر واللآلئ
وفيه ايضات حكى عن بعض الصالحين انه حصل له ضيق شديد فرأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال له يا فلان لا تغتم ولا تحزن اذا كان الغد ادخل على على بن عيسى الوزير فاقرئه منى السلام وقل له بعلامة انك صليت على عند قبرى اربعة آلاف مرة يدفع لك مائة دينار عينا فلما اصبح ذهب اليه وقص عليه الرؤيا فاغر ورقت عينا علىّ بن عيسى بالجموع وقال صدق الله ورسوله وصدقت انت يا رحل هذا شيء ما كان به علم الا الله ورسوله يا غلام هات الكيس فاحضره وبين يديه فاخرج منه ثلاثمائة دينار وقال هذه المائة التى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه المائة الاخرى بشارة وهذه المائة الاخرى هدية لك فخرج الرجل من عنده ومعه ثلاثمائة دينار وقد زال همه وغمه ومن الله على الوزير المذكور فترك الوزارة وعلو الرياسة وظلم السلطنة وعظمة الجبابرة وذهب الى مكة وجاور فيها بركة ذكر النبى صلى الله عليه وسلم وتخصيصه بارسال ذلك الرجل لما سبق له فى علم الله تعالى بما يؤول امره اليه من الخير وحسن الخاتمة

(5/213)


خدايا بحق بنى فاطمه ... كه برقول ايمان كنم خاتمه
وعن ابىّ رضى الله عنه « ان آخر ما نزل هاتان الآيتان »
وعن النبى صلى الله عليه وسلم « ما نزل القرآن علىّ الا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة وسورة قل هو الله احد فانهما انزلتا علىّ ومعهما سبعون الف صف من الملائكة »
واعلم ان الاحاديث التى ذكرها صاحب الكشاف فى اواخر السورة وتبعه القاضى البيضاوى والمولى ابو السعود رحمهم الله من اجله المفسرين قد اكثر العلماء القول فيها فمن مثبت ومن ناف بناء على زعم وضعها كالامام الضغانى وغيره واللائح لهذا العبج الفقير سامحه الله القدير ان تلك الاحاديث لا تخلو اما ان تكون صحيحة قوية او سقيمة ضعيفة او مكذوبة موضوعة فان كانت صحيحة قوية فلا كلام فيها وان كانت ضعيفة الاسانيد فقد اتفق المحدثون على ان الحديث الضعيف يجوز العمل به فى الترغيب والترهيب فقط كما فى الاذكار للنووى وانسان العيون لعلى بن برهان الدين الحلبى والاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومى وغيرها وان كانت موضوعة فقد ذكر الحاكم وغيره ان رجلا من الزهاد انتدب فى وضع الاحاديث فى فضل القرآن وسوره فقيل له فلم فعلت هذا فقال رأيت الناس زهدوا فى القرآن فاحببت ان ارغبهم فيه فقيل له ان النبى صلى الله عليه وسلم قال « من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » اى فليتخذ يقال تبوأ الدار اتخذها مباءة اى مسكنا ومنزلا ولفظه امر ومعناه خبر يعنى فان الله بوأه مقعده اى موضع قعوده منها فقال انا ما كذبت عليه انما كذبت له كما فى شرح الترغيب والترهيب المسمى بفتح القريب اراد ان الكذب عليه يؤدى الى هدم قواعد الاسلام وافساد الشريعة والاحكام وليس كذلك الكذب له فانه للحث على اتباع شريعته واقتفاء اثره فى طريقته
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الكلام وسيلة الى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل اليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب حرام فان امكن التوصل اليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ان كان تحصيل ذلك المقصود مباحا وواجب ان كان ذلك المقصود واجبا فهذا ضابطه انتهى : قال الشيخ سعدى

(5/214)


خردمندان كفته اند دروغ ... مصلحت آميز به ازراست فتنه انكيز
وقال اللطيفى
دروغى كه جان ودلت خوش كند ... به ازراستى كان مشوش كند
وبالجملة المرء مخير فى هذا الباب فان شاء عمل بتلك الاحاديث بناء على حسن الظن بالاكابر حيث اثبتوها فى كتبهم خصوصا فى صحف التفاسير الجليلة وظاهر انهمة لا يصنعون حرفا الا بعد التصفح الكثير وان شاء ترك العمل بها وحرم من منافع جمة ولا محاجة معه وربما يتفق المحدثون على صحة بعض الاحاديث ولا صحة له فى نفس الامر فان الانسان مركب من السهو والنسيان وحقيقة العلم عند الله الملك المنان ولذا قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر قد يظهر من الخليفة الآخذ الحكم من الله ما يخالف حديثا ما فى الحكم فيتحيل انه من الاجتهاد وليس كذلك وانما هذا الامام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم ولو ثبت الحكم به وان كان طريق الاسناد العدل عن العدل فالعدل ليس بمعصوم من الوهم الذى هو مبدأ السهو والنسيان ولا من النقل على المعنى الذى هو مبدأ التأويلات والتحريفات فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم انتهى
فهذ كلام حق بلا مريه وليس وراء عبادان قريه
بقى ههنا شيء وهو ان بعض المتقدمين جعل القرآن اثلاثا فالثلث الاول ينتهى عند قوله فى سورة التوبة { وقعد الذين كذبوا ورسوله } والثلث الثانى عند قوله فى سورة العنكبوت { الا بالتى هى احسن } وعند العامة لثلث الاول ينتهى عند قوله تعالى { وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون } وهو منتهى الجزء العاشر ولعل الاول قوله تحقيقى والثانى تقريبى والله اعلم بالصواب

(5/215)


الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)

{ بسم الله الرحمن الرحيم * الر } الظاهران { الر } اسم للسورة وانه في محل الرفع على انه مبتدأ حف خبره او خبر مبتدأ محذوف اى الر هذه السورة او هذه السورة او هذه السورة الر اى مسماة بهذا الاسم ولله ان يسمى السور بما اراد ورجحه المولى رحمه الله حيث قال وهو اظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية بعد فحقها الاخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه علىعلم المخاطب بالانتساب والاشارة اليها قبل جريان ذكرها لما انها باعتبار كونها على جناح الذكر وبصدده صارت في حكم الحاضر كما يقال هذا من اشترى فلان انتهى يقول الفقير اعلم ان الحروف اجزاء الكلمات وهي اجزاء الجمل وهي اجزاء الآيات وهي اجزاء السور وهي اجزاء القرآن فالقرآن ينحل الى السور وه الى الآيات وهى الى الجمل وهى الى الكلمات وهى الى الحروف وهي الى النقاط كما ان البحر يأول الى الانهار والجداول وهى الى القطرات فاصل الكل نقطة واحدة وانما جاء الكثرة من انبساط تلك النقطة وتفصلها وقول اهل الظاهر في { الر } وامثاله تعديد على طريق التحدي لا يخلو عن ضعف اذ هذه الحروف المقطعة لها مدلولات صحيحة وهى زبدة علوم الصوفية المحققين وقد ثبت ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اوتي علوم الاولين والآخرين . فمن علوم آدم وادريس عليهما السلام علم الحروف وانما ذمت الطائفة الحروفية لاخذهم بالاشارة ورفضهم العبارة وهتكهم حرمة الشريعة التي هي لباس الحقيقة كما ان اللفظ لباس المعنى والعبارة ظرف الاشارة والوجود مرآة الشهود وكل منهما منوط بالآخر والمنفرد باحدهما خارج عن دائرة المعرفة الآلهية فعلم هذه الحروف بلوازمها وحقائقها مفوض في الحقيقة الى الله والرسول وكمل الورثة ومنهم من ذهب الى جانب التأويل وقال كل حرف من الحروف المقطعة مأخوذ من اسم من اسمائه تعالى والاكتفاء ببعض الكلمة معهود في العربية كما قال الشاعر
قلت لها قفى فقالت ق ... اى وقفت ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما معنى { الر } انا الله ارى . وعنه انه من حروف الرحمن وذلك انه اذا جمعت الروحم ون انتظم حروف الرحمن
وقال في التأويلات النجمية ان في قوله { الر } اشارتين . اشارة من الحق للحق والى عبده المصطفى وحبيبه المجتبى . واشارة من الحق لنبيه واليه عليه السلام فالاولى قسم منه تعالى يقول بآلائي عليك في الازل وانت في العدم وبلطفي معك في الوجود ورحمتي ورأفتي لك من الازل الى الابد والثانية قسم منه يقول بانسك معي حين خلقت روحك أول شيء خلقته فلم يكن معنا ثالث وبلبيك الذي اجبتنى به في العدم حين دعوتك للخروج منه فخاطبتك وقلت ياسين اى ياسيد قلت لبيك وسعديك .

(5/216)


والخير كله بيديك . وبرجوعك منك الى حين قلت لنفسك ارجعي الى ربك { تلك } محله الرفع على انه مبتدأ خبره ما بعده وعلى تقدير كون الر مبتدأ فهو مبتدأ ثان وهي اشارة الى ما تضمنته هذه السورة من الآيات { آيات الكتاب الحكيم } اي آيات القرآن المشتمل على الحكم على ان يكون الحكيم بناء النسبة بمعنى ذى الحكم وذلك لان الله تعالى اودع فيه الحكم كلها فلا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين -حكى- ان الامام محمدا رحمه الله غلب عليه الفقر مرة فجاء الى فقاعى يوما فقال ان اعطيتني شربة اعلمك مسألتين من الفقه فقال الفقاعي لا حاجة الى المسألة
قيمت در كرانمايه جه داندد عوام ... حافظا كوهر يكد انه مده جز بخواص
فاتفق انه حلف ان لم يعط بنته جميع ما في الدنيا من الجهاز فامرأته طالق ثلاثا فرجع الى العلماء فافتوا بحنثه لما انه لا يمكن ذلك فجاء الى الامام محم فقال الامام لما طلبت منك شربة كان في عزيمتى ان علمك هذه المسألة ومسألة اخرى فالآن لا اعلمها الا بعد اخذ الف دينار تعظما لشان المسألة فدفعه اليه فقال لو دفعت الى البنت مصحفا كنت بارا في يمينك فسأله علماء عصره عن وجهه فاجاب بان الله تعالى قال { ولا رطب ولا يابس الى في كتاب مبين } فوقع هذا الجواب عندهم في حيز القبول
علم دريست نيك باقيمت ... جهل درديست سخت بى درمان
وفي التأويلات هذه الآيات المنزلة عليك آيات الكتاب الحكيم الذي وعدتك في الازل واورثتهلك ولامتك وقلت { ثم اوردنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا } فاختص هذا الكتاب بان يكون حكيما من سائر الكتب اى حاكما يحكم على الكتب كلها بتبديل الشرائع والنسخ ولا يحكم عليه كتاب ابدا واختص هذه الامة بالاصطفاء من سائر الامم واورثهم هذا الكتاب ومعنى الوراثة انه يكون باقيا في هذه الامة يرثه بعضهم من بعض ولا ينسخه كتاب كما نسخ هو جميع الكتب .

(5/217)


أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)

{ أكان للناس عجبا } الهمزة لانكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لكونه في غير محله والمراد بالناس كفار مكة قال ابو البقاء للناس حال من عجبا لان التقدير أكان عجبا للناس وعجبا خبر كان واسمه قوله { ان اوحينا الى رجل منهم } اي بشر من جنسهم فانهم كانوا يتعجبون من ارسال البشر ولم يتعجبوا من ان يكون الاله صنما من حجر او ذهب او خشب او نحاس او ممن لا يعرف بكونه ذا جاه ومال ورياسة ونحو ذلك مما يعدونه من اسباب العز والعظمة فانهم كانوا يقولون العجب ان الله تعالى لم يجد رسولا يرسله الى الناس الا يتيم ابي طالب وهو من فرط حماقتهم وقصر نظرهم على الامور العاجلة وجهلهم بحقيقة الوحى والنبوة فانه عليه السلام لم يكن يقصر عن عظمائهم في النسب والحسب والشرف وكل ما يعتبر في الرياسة من كرم الخصال الا في المال ولا مدخل له في شرف النفس ونجابة جوهرها الا انهم لعظم الغنى في اعينهم تعجبوا من اصطفائه للرسالة { وقالوا لولا انزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } قال الحافظ قدس سره
تاج شاهى طلبى كوهر ذاتى بنماى ... درخود از كوهر جمشيد فريدون باشى
وقال السعدى قدس سره
هنر بايد وفضل ودين ... كه كاه ازكوهر جمشيد فريدون باشى
قال في التأويلات النجمية يشير إلى انهم يتعجبون من ايحائنا الى محمد عليه السلام لانه كان رجلا منهم وفيه راينا رجوليته قبل الوحي وتبليغ الرسالة من بينهم ولهذا السر ما اوحي الى امرأة بالنبوة قط انتهى . والرجولية هي صدق اللسان ودفع الاذى عن الجيران والمواساة مع الاخوان هذا في الظاهر واما في الحقيقة فالتنزه عن جميع ما سوى الله تعالى . وفي حديث المعراج ( ان الله تعالى نظر الى قلوب الخلق فلم يجد اعشق من قلب محمد عليه السلام فلذا اكرمه بالرؤية ) فالعبرة لحال الباطن لا لحال الظاهر واعلم ان حال الولاية كحال النبوة ولو رأيت اكثر اهل الولاية في كل قرن وعصر لوجدتهم ممن لا يعرف بجاه ومن عجب من ذلك القى في ورطة الانكار وحجب بذلك الستر عن رؤية الاخيار { ان } مفسرة للمفعول المقدر اي اوحينا اليه شيأهو { انذر الناس } اي جميع الناس كافة لا ما اريد بالاول عمم الانذار لانه ينفع جميع المكلفين من الكفار وعوام المؤمنين وخواصهم فالبعض ينذر بنار الجحيم والبعض الآخر بانحطاط الدرجات في دار النعيم والبعض الثالث بنار الحجاب عن مطالعة جمال الرب الكريم وقدم الانذار على التبشير لان ازالة ما لا ينبغي متقدمة في الرتبة على فعل ما ينبغي وهو لا يفيد ما دامت النفس ملوثة بالكفر والمعاصى فان تطبيب البيت بالبخور انما يكون بعد الكنس وازالة القاذورات ألا ترى ان الطبيب الذي يباشر معالجة مرض القلب لا بد له ان يبدأ اولا بتنقيته من العقائد الزائغة والاخلاق الردئية والاعمال القبيحة المكدرة للقلب بان يسقيه شربة التبشير بحسن عاقبة الاعمال الصالحات ولهذا اقتصر على ذكر الانذار في مبدأ امر النبوة حيث قال

(5/218)


{ يا ايها المدثر قم فانذر } { وبشر الذين آمنوا } دون الذين كفروا اذ ليس لهم ما يبشرون به من الجنة والرحمة ما داموا على كفرهم { ان لهم } اى بان لهم { قدم صدق عند ربهم } اي اعمالا صالحة سابقة قدموها ذخرا لآخرتهم ومنزلة رفيعة يقدمون عليها سميت قدما على طريق تسمية الشيء باسم آلته لان السبق والقدوم يمون بالقدم كما سميت النعمة يدا لانها تعطى باليد واضافة قدم الى الصدق من قبيل اضافة الموصوف الى صفته للمبالغة في صدقها وتحقيقها كأنها في صدقها وتحققها مطبوعة منه واذا قصد تبيينها لا تبيين الا به وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال { قدم صدق } شفاعة نبيهم لهم هو امامهم الى الجنة وهو بالاثر
همجو استورى كه بكر يزد زبار ... او سر خود كيرد اندر كوهسار
صاحبش از بي دوران كاى خيره سر ... هو طرف كركيست اندر قصد خر
استخوانت را بخايد جون شكر ... كه نبينى زندكانى را دكر
هي بمكريز از صرف كردنم ... وزكراني بار جون جانت منم
تو ستورى هم كه نفست غالبست حكم غالب را بود اى خود برست ... مير آخر بود حق را مصطفا
بهر استوران نفس بر جفا ... لا جرم اغلب بلا بر انبيا ست
كه رياضت دادن خامان بلاست ... قال عيسى عليه السلام للحواريين اين تنبت الحبة قالوا في الارض فقال كذلك الحكمة لا تنبت الا في القلب مثل الارض يشير الى التواضع والى هذه الاشارة بقول سيد البشر « من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » والينابيع لا تكون الا في الارض وهو موضع نبع الماء فظهر ان الكفار لم ينزلوا انفسهم الى مرتبة التواضع والعبودية . ولم يقبلوا الانذار بحسن النية . حرموا من الورود الى المنهل العذب الذي هو القرآن . فبقوا عطشى الاكباد في زوايا الهجران . واين المتكبرون المتصدعون الى جوَ هواهم . من الشرب من ينبوع الهدى الذي اجراه من لسان حبيبه مولاهم . وكما ان الكفار بالكفر الجلى ادعوا كون القرآن سحرا وانكروا مثل ذلك الخارق لعاداتهم . فكذا المشركون بالشرك الخفي انكروا الكرامات المخالفة لمعاملاتهم قال الام اليافعي رحمه الله ثم ان كثيرا من المنكرين لو رأوا الاولياء والصالحين يطيرون في الهواء لقالوا هذا سحر وهؤلاء شياطين ولا شك ان من حرم التوفيق وكذب بالحق غيبا وحدسا كذب به عيانا وحسا فواعجبا كيف نسب السحر وفعل الشياطين الى الانبياء العظام والاولياء الكرام نسأل الله العفو والعافية سرا وجهارا . وان يحفظنا من العقائد الزائغة والاعمال الموجبة بوارا

(5/219)


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3)

{ ان ربكم الله الذي } خطاب لكفار مكة اى مربيكم ومدبر اموركم { خلق السموات والارض } التي هي اصول الممكنات وجسام الاجسام فان قيل الموصولات موضوعة لان يشار بها الى ما يعرفه المخاطب باتصافه بمضمون الصلة والعرب لا يعلمون كونه تعالى خالق السموات والارض اجيب بان ذلك امر معلوم مشهور عند اهل الكتاب والعرب كانوا يتخالطون معهم فالظاهر انهم سمعوه منهم فحسن هذا التعريف لذلك قال في ربيع الابرار تفكروا ان الله خلق السموات سبعا والارضين وثخانة كل ارض خمسمائة عام وثخانة كل سماء خمسمائة عام وما بين كل سماء خمسمائة عام وفي السماء السابعة بحر عمقه مثل ذلك كله فيه ملك لم يتجاوز الماء كعبه { في ستة ايام } اي في ستة اوقات فان اصل الايام هو يوم الآن المشار اليه بقوله تعالى { كل يوم هو في شأن } وهو الزمن الفرد الغير المنقسم وسمى يوما لان الشان يحدث فيه فبالآن تتقدر الدقائق وبالدقائق تتقدر الدرج وبالدرج تتقدر الساعات وبالساعات يتقدر اليوم فاذا انبسط الآن سمى اليوم واذا انبسط اليوم سمى اسابيع وشهورا وسنين ادوارا فيوم كالآن وهو ادنى ما يطلق عليه الزمان ومنه يمتد الكل ويوم كالف سنة وهو يوم الآخرة ويوم كخمسين الف سنة وهو يوم القيامة اي ادنى مقدار ستة ايام لان اليوم عبارة عن زمان مقدر مبدأه طلوع الشمس ومنتهاه غروبها فكيف تكون حين لا شمس ولا نهار لخلقها في اقل من لحظة لكنه اشار الى التأني في الامور فلا يحسن التعجيل الا في التوبة وقضاء الدين وقرى الضيف وتزويج البكر ودفن الميت والغسل من الجنابة : وفي المثنوى
مكر شيطانست تعجيل وشتاب ... خوى رحمانست صبر واحتساب
با تأنى كشت موجود از خدا ... تابشش روز اين زمين وجرخها
ورنه قادر بود كز كن فيكون ... صد زمين وجرخ آوردى برون
اين تأنى از بى تعليم تست ... طلب ىهسته بايد بى شكست
وقد جاء في الصحيح ( ان الله خلق التربة ) يعني الارض ( يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الاحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر الى الليل ) فان قيل القرآن يدل على ان خلق الاشياء في ستة ايام والحديث الصحيح المذكور على انها سبعة فالجواب ان السموات والارض وما بينهما خلق في ستة ايام وخلق آدم من الارض فالارض خلقت في ستة ايام وآدم كالفرع من بعضها كما في فتح القريب والحكمة في تأخير خلق آدم ليكون خليفة في الارض لان الاشياء قبله بمنزلة الرعية في مملكة الكون ولا يكون خلفة الا بالجنود والرعية فتقدم الرعية على الخليفة تشريف وتكريم للخلافة واعلم ان اول فلك دار بالزمان قلب الميزان وفيه حدثت الايام دون الليل والنهار فكان اول حركته بالزمان واما حدوث الليل والنهار فبحدوث الشمس في السماء الرابعة ودورانها على طريقة واحدة من الشرق الى الغرب كذا في عقله المتوفز واول المخلوقات من الايام هو يوم الاحد فالأحد فيه بمعنى الاول فلما اوجد الله الثاني سمى الاثنين لانه ثاني يوم الاحد واول الايام التي خلق فيها الخلق السبت وآخر الايام الستة اذا الخميس فالجمعة سابع والسبت بمعنى الراحة زعم اليهود انه اليوم السابع الذي استراح فيه الحق من خلق السموات والارض وما فيهن وكذبوا لقوله تعالى

(5/220)


{ وما مسنا من لغوب } اي اعياء فيكون اول الاسبوع عندهم يوم الاحد وكذا عند النصارى ولذا اختاروه وقد سئل عليه السلام عن يوم السبت فقال « يوم مكر وخديعة » لان قريشا مكرت فيه في دار الندوة ولا يقطع فيه اللباس يوم السبت والاحد والثلاثاء قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره الملابس اذا فصلت وخيطت في وقت رديئ اتصل بها خواص رديئ وكذا الامر في باب المآكل والمشارب وكذلك ما ورد التنبيه عليه في الشريعة من شئوم المرأة والفرس والدار وشهدت بصحته التجارب المكررة فان لجميع هذه في بواطن اكثر الناس بل وفي ظواهرهم ايضا خواص مضرة تتغذى من بدن المغتذى والمباشر والمصاحب الى نفسه واخلاقه وصفاته فيحدث بسببها للقلوب والارواح تلويثات هي من اقسام النجاسات وقد نبهت الشريعة على كراهتها دون الحكم عليها بالحرمة وسئل حضرة مولانا قدس سره عما ورد ( بارك الله في السبت والخميس ) فقال بركتهما لوقوعهما جارين ليوم الجمعة وسئل عليه السلام عن يوم الاحد فقال « يوم غرس وعمارة » لان الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا وعمارتها وفي رواية ( بنيت الجنة فيه وغرست ) وسئل عن يوم الاثنين فقال « يوم سفر وتجارة » لان فيه سافر شعيب فربح في تجارته وسئل عن يوم الثلاثاء فقال « يوم دم » لان فيه خاضت حواء وقتل ابن آدم اخاه وقتل فيه جرجيس وزكريا ويحيى ولده وسحرة فرعون وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وبقرة بني اسرائيل ونهى النبي عليه السلام عن الحجامة يوم الثلاثاء اشد النهى وقال « فيه ساعة لا يرقأ فيها الدم » اي لا ينقطع اذا احتجم او فصد وربما يهلك الانسان بعد انقطاع الدم ( وفيه نزل ابليس الى الارض وفيه خلقت جهنم وفيه سلط الله ملك الموت علىرواح بني آدم وفيه ابتلى ايوب ) وقال بعضهم ابتلى يوم الاربعاء .

(5/221)


قيل كان الرسم في زمن ابي حنيفة رحمه الله ان يوم البطالة يوم السبت في القراءة لا يقرا في يوم السبت ثم في زمن الخصاف كان مترددا بين الاثنين والثلاثاء ومات الخصاف ببغداد سنة احدى وستين ومائتين يقول الفقير ثم صار يوم البطالة يوم الثلاثاء والجمعة واستمر الى يومنا هذا في اكثر البلاد وكان شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة يعد الدرس فيهما افراطا ويقول يعرض للانسان من الاشتغال فتور وانقباض فلا بد من يوم البطالة ليصل نشاط وانبساط لئلا ينقطع الطالب عن تحصيل المطلوب ومن هنا ابيح ورخص التفرج والتبسط احيانا لول للسالك وسئل عن يوم الاربعاء قال ( يوم نحس ) لان فيه اغرق فرعون وقومه واهلك فيه عاد وثمود وقوم صالح ونهى فيه عن قص الاظفار لانه يورث البرص وكره بعضهم عيادة المريض يوم الاربعاء وفي منهاج الحليمي ان الدعاء مستجاب يوم الاربعاء بعد الزوال قبل وقت العصر لانه عليه السلام استجيب له الدعاء على الاحزاب في ذلك اليوم في ذلك الوقت قيل يحمد فيه الاستحمام وذكر انه ما بدئ شيء يوم الاربعاء الا وقد تم فينبغي البداءة بنحو التدريس فيه وكان صاحب الهداية يتوقف في ابتداء الامور على الاربعاء ويروي هذا الحديث ويقول هكذا كان يفعل ابي ويرويه عن شيخه احمد بن عبد الرشيد وسئل عليه السلام عن يوم الخميس ( فقال يوم قضاء الحوائج والدخول على السلطان ) لان فيه دخل ابراهيم عليه السلام على ملك صر فقضى حاجته واهدى اليه هاجر وسئل عن يوم الجمعة فقال ( يوم نكاح ) نكح فيه آدم وحواء ويوسف زليخا وموسى بنت شعيب وسليمان بلقيس ونكح عليه السلام خديجة وعائشة رضي الله عنهما وعن ابن مسعود رضي الله عنه من قلم اظفاره يوم الجمعة اخرج الله من داء وادخل فيه الشفاء { ثم استوى على العرش } قال في التبيان ثم في كتاب الله تعالى على خمسة اوجه . الوجه الاول اتت عاطفة مرتبة وهو قوله { ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا } والوجه الثاني بمعنى قبل وهو قوله { ثم استوى على العرش } معناه قبل ذلك استوى على العرش لان قوله تعالى وكان عرشه على الماء يدل على ان وجود العرش سابق على تخليق السموات والارض ومثله ( ثم ان مرجعهم لالى الجحيم ) معناه قبل ذلك مرجعهم ومثله قول الشاعر
قل لمن ساد ثم ساد ابوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
والوجه الثالث بمعنى الواو وهو قوله { ثم كان من الذين آمنوا } معناه ومع ذلك كان من الذين آمنوا . والرابع بمعنى الابتداء وهو قوله { الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } معناه تعجبوا منهم كيف يفكرون بربهم انتهى بزيادة يقول الفقير ثم ههنا لتفخيم شان منزلة العرش وتفضيله على السموات والارض لا التراخى في الوقت كما ذهبوا اليه عند قوله تعالى

(5/222)


{ ثم استوى الى السماء } في اوائل سورة البقرة فلا حاجة الى التأويل واعلم ان الافلاك تسع طبقات بعضها فوق بعض والفلك المحيط وهو العرش محيط بها كلها وكذلك جسم الانسان خلق من تسعة جواهر بعضها فوق بعض ليكون جسم الانسان مشاكلا للافلاك بالكمية والكيفية وهي اي الجواهر المخ والعظام ولعصب والعروق وفيها الدم واللحم والجلد والشعر والظفر وهو اي العرش اول الموجود الجسماني كما ان روح نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم اول الموجود الروحاني وهو من ياقوتة حمراء ولف الف شرفة وفي كل شرفة الف عام مثل ما في الدنيا باسرها قال ابن الشيخ ومعنى الاستواء عليه الاستيلاء عليه بالقهر ونفاذ التصرف فيه وخص العرش بالاخبار عن الاستواء عليه لكونه اعظم المخلوقات فيفيد انه استولى على ما دونه قال الحد الادنى ودخلت ثم على الاستواء وهي في المعنى داخلة على التدبير كاه قال ثم { يدبر الامر } وهو مستو على العرش فان تدبير الامور كلها ينزل من عند العرش ولذا ترفع الايدي في دعاء الحوائج نحو العرش قال القاضي يدبر الامر اي يقدر امر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيئ بتحريكه اسبابها وينزلها منه والتدبير والنظر في ادبار الامور لتجيئ محمود العاقبة وعن عمرو بن مرة يدبر امر الدنيا بامر الله اربعة . جبرائيل وميكائيل وملك الموت واسرافيل . اما جبرائيل فعلى الرياح والجنود . واما ميكائيل فعلى القطر والنبات . واما ملك الموت فعلى الانفس . واما اسرافيل فينزل عليهم ما يؤمرون بهم قال في التأويلات النجمية { خلق السموات والارض } في عالم الصورة وهو العالم الاكبر { في ستة ايام } من انواع ستة وهي الافلاك والكواكب والعناصر والحيوان والنبات والجماد { ثم استوى على العرش } والعرش جسماني روحاني ذو جهتين جهة منه تلى العالم الروحاني وجهة منه تلى العالم الجسماني { يدبر الامر } لفيضان فيض رحمانية على العرش فانه اول قابض لفيض الرحمانية وهذا احد تفاسير الرحمن على العرش استوى ثم من العرش ينقسم الفيض فانه مقسم الفيض فيجري في مجاري جعلها الله من العرش الى ما دونه من المكونات وانواع المخلوقات فبذلك الفيض تدور الافلاك كما تدور الرحى بالماء به تؤثر الكواكب وبه تولد العناصر وتظهر خواصه وبه يتولد الحيوان ذا حس وحركة وبه ينبت النبات ذا حركة بلا حس وبه تغير المعادن بلا حس ولا حركة وفيه اشارة اخرى { ان ربكم الله الذي } يربيكم هو الذي { خلق السموات } سموات ارواحكم { والارض } ارض نفوسكم في عالم المعنى وهو العالم الاصغر { في ستة ايام } اي من ستة انواع وهي الروح والقلب والعقل والنفس التي هي الروح الحيواني والنفس النباتية التي هي النامية وخواص المعادن وهي في الانسان قوة قابلة لتغير الاحوال والاوصاف والالوان { ثم استوى على العرش } على عرش القلب { يدبر الامر } امر السعادة والشقاوة ويهيء اسبابهما من الاخلاق والاحوال والاعمال والافعال والاقوال والحركات والسكنات والى هذا يشير قوله ( قلوب العباد بيدى الله يقلبها كيف يشاء ) { ما من شفيع } يشفع لاحد في وقت من الاوقات { الا من بعد اذنه } المبنى على الحكمة الباهرة وهو جواب قول الكفار ان الاصنام شفعاؤنا عند الله فبين الله تعالى انه ما من ملك مقرب ولا نبى مرسل يشفع لاحد الا من بعد ان يأذن الله بمن يشاء ويرضى فكيف تشفع الاصنام التي ليس لها عقل ولا تمييز وفيه اثبات الشفاعة لمن اذن له { ذلكم } اى ذلك التعظيم الشان المنعوت بما ذكر من نعوت الكمال والاشارة محمولة على التجوز لاستحالة تعلق الاحساس بالله تعالى قال في البهجة واما نحو تلك الجنة فذلك لصيرورتها كالمشاهد بمعرفة اوصافها { الله } خبر ذلكم ويجوز ان يكون صفة على ان الخبر ما بعده كما قال الكاشفي [ آن خداوئدى كه موصوف است بصفات خلق وتدبير واستيلاء { ربكم } [ بروردكار شماست نه غيراو ] اذ لا يشاركه احد في شيء من ذلك قال المولى ابو السعود رحمه الله ربكم بيان له او بدل منه او خبر ثان لاسم الاشارة { فاعبدوه } وحده ولا تشركوا بعض خلقه من ملك او انسان فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع { افلا تذكرون } تتفكرون فان ادنى التفكر والنظر ينبهكم علىنه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه

(5/223)


إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)

{ اليه مرجعكم جميعا } بالموت والنشور لا الى غيره فاستعدوا للقائه . وانتصب جميعا على انه حال من الضمير المجرور لكونه فاعلا في المعنى اى اليه رجوعكم مجتمعين وفي التأويلات النجمية رجوع المقبول والمردود الى حضرته . فما المقبول فرجوعه اليه بجذبات العناية التي صورتها خطاب { ارجعي الى ربك } وحقيقتها انجذاب القلب الى الله تعالى نتيجتها غروب النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها وانزعاج القلب مما سوى الله واستغراق الروح في بحر الشوق والمحبة والتبرى مما سوى الله وهيمان السر وحيرته في شهود الحق ورجوعه من الخلق . واما المردود فرجوعه بغير اختياره مغلولا بالسلاسل والاغلال يسحبون في النار على وجوههم وهي صورة صفة قهر الله ومن نتائج قهر الله تعلقاته بالدنيا وما فيها واستيلاء صفات النفس عليه من الحرص والبخل والامل والكبر والغضب والشهوة والحسد والحقد والعداوة والشره فان كل واحدة منها حلقة فمن تلك السلاسل وغل من تلك الاغلال بها يسحبون الى النار { وعد الله } البعث بعد الموت وعدا { حقا } كائنا لا شك فيه فوعد الله مصدر مؤكد لنفسه لان قوله اليه مرجعكم وعد من الله بالبعث والاعادة لا محتمل له غير كونه وعدا وقوله حقا مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه وعد الله لان لهذه الجملة محتملا غير الحقية نظرا الى نفس مفهومها اى حق ذلك حقا { انه } اى الله تعالى { يبدأ الخلق } يقال بدأ الله الخلق اي خلقهم كما في القاموس { ثم يعيده } اي يبدأ الخلق اولا في الدنيا ليكلفهم ويأمرهم بالعبادة ثم يميتهم عند انقضاء آجالهم ثم يبعثهم بعد الموت وهذا استئناف بمعنى التعليل لوجوب الرجوع اليه { ليجزي الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } متعلق بيعيده اى يثبتهم بما يليق بلطفه وكرمه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { بالقسط } متعلق بيجزى اى بالعدل فلا ينقص من ثواب محسن ولا يزيد على عقاب مسيئ بل يجازي كلا على قدر عمله كما قال تعالى { جزاء وفاقا } { والذين كفروا لهم شراب من حميم } اى من ماء حار قد انتهت حرارته [ جون بخورنداحشا وامعاى ايشان باره كردد ] { وعذاب اليم } وجيع يخلص وجعه الى قلوبهم { بما كانوا يكفرون } وهو في موضع رفع صفة اخرى لعذاب ويجوز ان يكون خبر مبتدأ محذوف اى ذلك المذكور من الشراب والعذاب حاصل لهم بسبب كفرهم بالله ورسوله وغير النظم ولم يقل وليجزي الكافرين بشراب الخ تنبيها على ان المقصود بالذات من الابداء والاعادة هو الاثابة والعقاب وارقع بالعرض واعلم ان الدنيا مزرعة الآخرة فالله تعالى بقدرته يعيد الخلق بعد الموت ليحصدوا فيها ما زرعوه في الدنيا فمن زرع الخير يحصد السلامة ومن زرع الشر يحصد الندامة

(5/224)


جمله داندد اين اكر تونكروى ... هرجه مى كاريش روزي بدروى
وانما آخر الجزاء الى دار الآخرة لان الدنيا لا تسعه ولله تعالى في كل شيء حكمة فاذا عرفت الحال فخف من الله المتعال فانه غيور لا يرضى اقامة عبده على مخالفته وخروجه من دائرة طاعته وعن وهب بن منسه كان يسرج في بيت المقدس الف قنديل بن منبه كان يسرج في بيت المقدس الف قنديل فكان يخرج من طور سيناء زيت مثل عنق البعير صاف يجري حتى ينصب في القناديل من غير ان تمسه الايدي وكانت تنحدر نار من السماء بيضاء تسرج بها القناديل وكان القربان والسرج في ابنى هارون شبر وشبير فامرا ان لا يسرجا بنار الدنيا فاستعجلا يوما فاسرجا بنار الدنيا فوقعت النار فاكلت ابنى هارون فصرخ الصارخ الى موسى عليه السلام فجاء يدعو ويقول يا رب ان ابنى هارون اخى قد عرفت مكانهما منى فاوحى الل اليه يا ابن عمران هكذا افعل باولائى اذا عصوني فكيف باعدائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما لو ان قطرة من الزقوم قطرات في الارض لامرت على اهل الارض معيشتهم فكيف بمن هو طعامه من زقوم وشرابه من حميم . ومن تذكر المبدأ والمعاد وتفكر ان الرجوع الى رب العباد تاب من الخطايا والسيات وصار من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وفي الحديث « اذا بلغ العبد اربعين سنة ولم يغلب خيره شره قبل الشيطان بين عينيه وق فديت وجها لا يفلح ابدا » فان من الله عليه وتاب واستخرجه من عمرات الجهالة واستنقذه من ورطات الضلالة يقول الشيطان واويلاه قطع عمره في الضلالة واقر عينى في المعاصى ثم اخرجه الله بالتوبة من ظلمة المعصية الة نور الطاعة : وفي المثنوى
مرداول بستة خواب وخورست ... آخر الامر ازملائك بر ترست
دربناه ينبه وكريتها ... شعلة نورش برآيد برسها
يعني ان الشرارة تصير نارا عظيمة بمعونة القطن والكبريت فكذا الانسان في اول حاله كالشرارة فاذا قارن المربى اورباه الله من غير وساطة احد من الناس يرقى الى حيث يعظم قدره عند الله ويصير بين اقرائه كالمسك بين الدماء نسأل الله العناية التوفيق

(5/225)


هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)

{ هو الذي } [ اوست آن خداونديكه بقدرت ] { جعل الشمس ضياء } اى صيرها ذات ضياء واصله ضواء قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها والشمس مأخوذ من شمسة القلادة وهي اعظم جواهرها جرما وانفسها قيمة وهي التي يقال لها بالفارسية [ ميكانكين ] وانما سميت بذلك لتوسطها بين الكواكب كذا في شرح التقويم { والقمر } سمي بذلك لكونه بياضا في صفرة يقال حمار اقمر اذا كان ابيض في صفرة { نورا } اى ذا نور بالليل والضياء اقوى بحكم الوضع والاستعمال ولذا نسب الضياء الى الشمس والنور الى القمر . وعند الحكماء الضياء ما يكون بالذات كما للشمس في نفسه جرم مظلم صقيل يقبل النور فعند المقابلة يمتلئ نورا من الشمس بطريق الانعكاس فيقع ذلك الشعاع على وجه الارض
نورهستى جملة ذرات عالم تا ابد ميكنند ... از مغربي جون ماه از مهر اقتباس
قال في اسئلة الحكم هذا مدفوع بالخبر الوارد ان الله تعالى خلق شمسين نيرين قبل خلق الافلاك فالشمس والقمر خلقهما من نور عرشه وكان في سابق علمه ان يطمس نور القمر كما روى ان الله خلق نور القمر سبعين جزأ وكذا نور الشمس ثم امر جبريل فمسحه بجناحيه فمحا من القمر تسعة وستين جزأ فحولها الى الشمس فاذهب عنه الضوء وابقى فيه النور والشمس مثل الارض مائة وستا وستين مرة وربعا ثم جرم الارض والقمر حزء من تسعة وثلاثين وربع على ما في الواقع وفي الخبر ان وجوههما الى العرش وظهورهما الى الارض تضيئ وجوههما لاهل السموات السبع وظهورهما لاهل الارضين السبع والمشهور انه اذا كان على وجه الارض نهار يكون فيما تحت تحت الارض ليل وبالعكس كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ان في الارض الثانية خلقا وجوههم وابدانهم وايديهم كوجوه بني آدم وابدانهم وايديهم وافواههم كافواه الكلاب وارجلهم وآذانهم كارجل البقر واذانها وشعورهم كصوف الضأن لا يعصون الله طرفة عين ليلنا نهارهم ونهارنا ليلهم كما في ربيع الابرار . وبعضهم فضل القمر على الشمس لان القمر مذكر والشمس مؤنث والتذكير اصل والتانيث فرع فالفضل للاصل على الفرع وهو الاصح الاشهر وتقدم الشمس في الذكر لا يوجب الافضلية اذ قد يتأخر الاشرف في القرآن كقوله تعالى { فمنكم كافر ومنكم مؤمن . وجعل الظلمات والنور } كما في اسئلة الحكم يقول الفقير الكلام في التذكير والتأنيث الحقيقى دون اللفظي وكون القمر مذكرا لفظا لا يوجب الفضل على ما هو مؤنث لفظا وقد يسمى الرجل بطلحة وهو مؤنث لفظي مع ان الرجل افضل من المرأة : ونعم ما قيل
ولا التانيث عار لاسم شمس ... ولا التذكير فخر للهلال
وجعل الله للشمس سلطانا على جميع الطبائع النباتية والمعدنية والحيوانية ما نبت زرع ولا خرجت فاكهة ولا يكون في العالم طعم ولذة الا والشمس تربيها بامر الواحد القهار ويقال الثمرة ينضجها الشمس ويلونها القمر ويعطي طعمها الكواكب قيل اوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام ان كن للناس في الحلم كالارض تحتهم وفي السخاء كالماء الجاري وفي الرحمة كالشمس والقمر فانهما يطلعان على البر والفاجر : قال الحافظ قدس سره

(5/226)


نظر كردن بدويشان منافئ بزركى نيست ... سليمان با جنان حشمت نظرها بودبامورش
قال في التأويلات النجمية ان الله تعالى خلق الروح نورانيا له ضياء كالشمس وخلق القلب صافيا كالقمر قابلا للنور والظلمة وخلق النفس ظلمانية كالارض فمهما وقع قمر القلب في مواجهة شمس الروح يتنور بضيائها ومهما وقع في مقابلة ارض النفس تنعكس فيه ظلمتها ويسمى لقلب قلبا لمعنيين . احدهما انه خلق بين الروح والنفس فهو قلبهما . والثاني لتقلب احواله تارة يكون نورانيا لقبول فيض الروح وتارة يكون ظلمانيا لقبول النفس انتهى قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة في بعض تحريراته نحن بين النورين نور شمس الحقيقة ونور قمر الشريعة فاذا جاء نهار الحقيقة نستضيء بنور شمسها واذا جاء ليل الشريعة نستضيء بنور قمرها ونحن ارباب النورين من النور الى النور نسير وبالنور الى النور نطير وحالنا بين التجلى والاستتار فعند تجلي النور الالهي لقلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا هذا النور ولا حاجة الى غيره وعند استتاره عن قلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا هذا النور ولا حاجة الى غيره وعند استتاره عن قلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا هذا النور ولا حاجة الى غيره وعند استتاره عن قلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا بدله وهو نور قمر الشريعة ولا حاجة الى غيره انتهى يا جمال { وقدره منازل } اي وهيا لكل من الشمس والقمر منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها فحذف حرف الجر ومنازل الشمس هي البروج الاثنا عشر ثلاثة بروج منها بروج الربيع . وهي الجمل والثور والجوزاء . فهذه الثلاثة ربيعية شمالية والشمال يسار القبلة وانما سميت بهذه الاسامي لان الكواكب المركوزة في الفلك مشكلة في كل برج بشكل مسماه وقت التسمية وثلاثة منها بروج الصيف . وهي السرطان والاسد والسنبلة . وابتداء السرطان من نقطة الانقلاب الصيفي فهذه الثلاثة صيفية شمالية وثلاثة منها بروج الخريف . وهي الميزان والعقرب والقوس . وابتداء الميزان من نقطة الاعتدال الخريفي فهذه الثلاثة خريفية جنوبية وثلاثة منها بروج الشتاء . وهي الجدى والدلو والحوت . وابتداء الجدى من الانقلاب الشتوي فهذه الثلاثة شتوية جنوبية والجنوب يمين القبلة ويجمعها هذان البيتان في نصاب الصبيان
برجها دائم كه ازمشرق بر آورند سر ... جملة در تسبيح ودر تهليل حي لا يموت
جون حمل جون ثور جون جوزا وسرطان واسد ... سنبلة ميزان وعقرب قوس وجدى ودلو وحوت

(5/227)


تسير الشمس في كل واحد من هذه البروج شهرا وتنقضى السنة بانقضائها ويعلم مدة سكون الشمس في كل بزج حتما : قال في النصاب ايضا
خور بجوزاست سى ودر ويكبيست ... حمل وثور وشير يابس وبيش
دلو وميزان وحوت وعقرب سى ... بيست نه قوس وجدى بى كم وبيش
فتكون السنة الشمسية وهي مدة وصول الشمس الى النقطة التي فارقتها من ذلك البرج ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع على ما في صدر الشريعة ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة وهذه المنازل مقسومة على البروج الاثني عشر لكل برج منزلتان وثلث فينزل القمر كل ليلة منهما منزلة فاذا كان في آخر منازله دق واستوقس ويستتر ليلتين ان كان الشهر ثلاثين وليلة واحدة ان كان الشهر تسعة وعشرين ويكون مقام الشمس في كل منزلة منها ثلاثة عشر يوما وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت البها العرب الانواء المستمطرة وستاتي عند قوله { واذا اذقنا الناس } الآية واول هذه المنازل السرطان والثاني البطين كزبير وهي ثلاثة كواكب صغار كأنها اثافى وهو بطن الحمل والثالث الثريا بالضم وفتح الراء والياء المشددة وهي ستة كواكب وقع كل اثنين منها في مقابلة الآخر والرابع الدبران محرّكة والخامس الهقعة وهي ثلاثة كواكب بين منكبي الجوزاء كالاثافي اذا طلعت مع الفجر اشتد حر الصيف والسادس الهنعة منكب الجوزاء الايسر وهي خمسة انجم مصطفة ينزلها القمر والسابع الذراع وهي ذراع الاسد المبسوطة وللاسد ذراعان مبسوطة ومقبوضة وهي تلي الشام والقمر ينزل بها والمبسوطة تلي اليمن وهي ارفع من السماك وامدّ من الاخرى وربما عدل القمر فنزل بها تطلع لاربع يخلون من تموز وتسقط لاربع يخلون من كانون الاول والثامن النثرة وهي كوكبان بينهما مقدار شبر وفوقهما شيء من بياض كأنه قطعة سحاب ويقال لهما ايضا عند اهل النجوم انف الاسد والتاسع الطرف من القوس ما بين السية والانهران او قريب من عظم الذراع من كبدها والانهران العواء والسماك لكثرة مائهما والعاشر الجبهة وهي اربعة كواكب ثلاثة منها مثلثة كالاثافي وواحد منفرد والحادي عشر الزبرة بالضم كوكبان نيران بكاهل الاسد ينزلهما القمر والثاني عشر العواء وهي خمسة كواكب او اربعة كأنها كتابة الف والرابع عشر السماك ككتاب نجمان نيران والخامس عشر الغفر وهي ثلاثة انجم صغار والسادس عشر الزباني بالضم كوكبان نيران في قرني العقرب والسابع عشر الاكليل بالكسر اربعة انجم مصطفة والثامن عشر القلب وهو نجم من المنازل والتاسع عشر الشولة وهي كوكيان نيران ينزلهما القمر يقال لها ذنب العقرب والعشرون النعائم بالفتح اربعة كواكب نيرة والحادى والعشرون البلدة بالضم ستة كواكب صغار تكون في برج القوس وتنزلها الشمس في اقصر ايام السنة . قال في القاموس البلدة رقعة من السماء لا كواكب بها بين النعائم وبين سعد الذابح ينزلها القمر وربما عدل عنها فنزل بالقلادة وهي ستة كواكب مستديرة تشبه القوس اه والثاني والعشرون سعد الذابح كوكبان نيران بينهما قيد ذراع وفي نحر احدهما كوكب صغيري لقربه منه كأنه يذبحه والثالث والعشرون سعد بلع كزفر معرفة منزل للقمر طلع لما قال الله تعالى

(5/228)


{ يا ارض ابلعي ماءك } وهو كوكبان مستويان في المجرى احدهما خفى والآخر مضيئ يسمى بلع كأنه بلع الآخر وطلوعه لليلة تمضى من آب والرابع والعشرون سعد السعود والخامس والعشرون سعد الاخبية وهي كواكب مستديرة . قال في القاموس سعود النجوم عشرة سعد بلع وسعد الاخبية وسعد الذبائح وسعد السعود وهذه الاربعة من منازل القمر وسعد ناشرة وسعد الملك وسعد البهام وسعد الهمام وسعد البارع وسعد مطر وهذه الستة لبست من المنازل كل منها كوكبان بينها في المنظر نحو ذراع والسادس والعشرون فرغ الدلو المقدم والسابع والعشرون فرغ الدلو المؤخر . قال في القاموس في الغين المعجمة فرغ الدلو المقدم والمؤخر منزلان للقمر كل واحد كوكبان كل كوكبين في المرأى قدر رمح والثامن والعشرون الرشاء ويقال له ايضا بطن الحوت وهي كواكب صغار مجتمعة في صورة الحوت وفي سرتها نجم نير والسنة القمرية عبارة عن اجتماع القمر من الشمس اثنتى عشر مرة وزمان هذه يتم في ثلاثمائة واربعة وخمسين يوما وكسر وهو ثمان ساعات وثمان واربعون دقيقة قال في شرح التقويم ارباب هذه الصناعة ما وجدوا زمان شهر واحد اقل من تسعة وعشرين يوما او اكثر من ثلاثين وكذا ما وجدوا زمان سنة واحدة اقل من ثلاثمائة واربعة وخمسين يوما او اكثر من ثلاثمائة وخمسة وخمسين فعدد ايام كل سنة اما ثلاثمائة واربعة وخمسون يوما او ثلاثمائة وخمسة وخمسون واعلم ان الله تعالى جعل الدورة المحمدية دورة قمرية كما قال ( ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) تنبيها منه تعالى للعارفين من عباده ان آية القمر ممحوّة عن العالم الظاهر لمن اعتبر وتدبر في قوله { لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر } اي في علو المرتبة والشرف فكان ذلك تقوية لكتم آياتهم التي اعطاها للمحدثين العربيين واجراها واخفاها فيهم كذا في عقله المستوفز لحضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة في كتاب اللائحات البرقيات له مرتبة الالوهية وفي المراتب الكونية الآفاقية مرتبة القمر اشارة الى مرتبة الكرسى واللوح ومرتبة الشمس اشارة الى مرتبة العرش والقلم وفي المراتب الكونية الانفسية مرتبة القمر اشارة الى مرتبة الروح ومرتبة الشمس اشارة الى مرتبة السر انتهى يا جمال ثم لحروف ظاهر النفس الرحمانى منازل عدد منازل القمر ويقال لها التعينات وهي العقل الاول ثم النفس الكلية ثم الطبيعية الكلية ثم الهباء ثم الشكل الكلى ثم العرش ثم الكرسي ثم الفلك الاطلس ثم المنازل ثم سماء كيوان ثم سماء المشتري ثم سماء المريخ ثم سماء الشمس ثم سماء الزهرة ثم سماء عطارد ثم سماء القمر ثم عنصر النار ثم عنصر الهواء ثم عنصر الماء ثم عنصر التراب ثم المعدن ثم النبات ثم الحيوان ثم الملك ثم الجن ثم الانسان ثم المرتبة وفي مقابلتها على الترتيب حروف باطن النفس الرحماني وهي الاسم البديع ثم الباعث ثم الباطن ثم الآخر ثم الظاهر ثم الحكيم ثم المحيط ثم الشكور ثم الغنى ثم المقتدر ثم الرب ثم العليم ثم القاهر ثم النور ثم المصور ثم المحصى ثم المبين ثم القابض ثم المحيى ثم المميت ثم العزيز ثم الرزاق ثم المذل ثم القوي ثم اللطيف ثم الجامع ثم الرفيع ولو تفطنت حروف التهجى وجدتها على هذا الترتيب كما رتب اهل الاراء وهي الهمزة ثم الهاء ثم العين ثم الحاء المهملة ثم الغين المعجمة ثم القاف ثم الكاف ثم الجيم ثم الشين المنقوطة ثم الياء المثناة ثم الضاد المعجمة ثم اللام ثم النون ثم الراء المغفلة ثم الطاء المهملة ثم الدال المهملة ثم التاء المثناة من فوق ثم الزاى ثم السين المهملة ثم الصاد المهملة ثم الظاء المعجمة ثم الثاء المثلثة ثم الذال المنقوطة ثم الفاء ثم الباء الموحدة ثم الميم ثم الواو فسبحان من اظهر بالنفس الرحمانى هذه المنازل في الانفس والآفاق ارادة كمال الوفاق { لتعلموا عدد السنين والحساب } اي حساب الاوقات من الاشهر والايام والليالى والساعات لصلاح معاشكم ودينكم من فرض الحج والصوم والفطر والصلاة وغيرها من الفروض { ما خلق الله ذلك } المذكور من الشمس والقمر على ما حكى بحال ما من الاحوال { الا } ملتبسا { بالحق } مراعيا لمقتضى الحكمة البالغة وهو ما اشير اليه اجمالا من العلم باحوال السنين والاوقات المنوط به امور معاملاتهم وعباداتهم فليس في خلقه عبث باطل اصلا -حكى- ان رجلا رأى خنفساء فقال ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه أحسن شكلها ام طيب ريحها فابتلاه الله بقرحة عجز عنها الاطباء حتى ترك علاجها فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادى في الدرب فقال هاتو ، حتى ينظر فى امرى فقالوا ما تصنع بطرقى وقد عجز عنك حذاق الاطباء فقال لا بدّ لي منه فلما احضروه ورأى القرحة استدعى بخفساء فضحك الحاضرون فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال احضروا ما طلب فان الرجل على بصيرة فاحرقها ووضع رمادها على قرحته فبرئت باذن الله تعالى فقال للحاضرين ان الله تعالى اراد ان يعرفنى ان اخس المخلوقات اعز الادوية وان في خلقه حكمة { يفصل الآيات } التكوينية المذكورة الدالة على وحدانيته وقدرته ويذكر بعضها عقيب بعض مع مزيد الشرح والبيان { لقوم يعلمون } الحكمة في ابداع الكائنات فيستدلون بذلك على شئون مبدعها وخص العلماء بالذكر لانهم المنتفعون بالتأمل فيها

(5/229)


إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)

{ ان في اختلاف الليل والنهار } اي في اختلاف الوانهما بالنور والظلمة او فى اختلافهما بذهاب الليل ومجيئ النهار وبالعكس واختلف في ايهما افضل قال الامام النيسابوري الليل افضل لانه راحة والراحة من الجنة والنهار تعب والتعب من النار فالليل حظ الفراش والوصال والنهار حظ اللباس والفراق . وقيل النهار افضل لانه محل النور والليل محل الظلام يقول الفقير الليل اشارة الى عالم الذات وله الرتبة العليا والنهار اشارة الى عالم الصفات وله الفضيلة العظمى ويختلفان بان من ولد في الليل يصير اهل فناء في الله ومن ولد في النهار يصير اهل بقاء بالله ففيهما سر دار الجلال ودار الجمال وسر اهلهما { وما خلق الله في السموات } من انواع الكائنات كالشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح { والارض } من انواعها ايضا كالجبال والبحار والاشجار والانهار والدواب والنبات { لآيات } عظيمة او كثيرة دالة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته { لقوم يتقون } خص المتقين لانهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر الى النظر والتدبر وعن على رضى الله عنه من اقتبس علما من النجوم من حملة القرآن ازداد به ايمانا ويقينا ثم تلا { ان في اختلاف الليل والنهار } الى { لآيات } يقول الفقير اصلحه الله القدير هذا بالنسبة الى ما ابيح من تعلم النجوم وتوسل به الى معرفة الآيات السماوية واما قوله عليه السلام « من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر » اى قطعة منه فقد قال الحافظ المنهى عنه من علم النجوم هو ما يدعيه اهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيئ المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الاسعار ونحو ذلك ويزعمون انهم يدركون ذلك بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها في بعض الازمان دون بعض وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه احد غيره فاما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقى فانه غير داخل في النهى انتهى -وسمع- ذو النون المصرى شخصا قائما على الجبل وسط البحر يقول سيدى سيدى انا خلف البحور والجزائر وانت الملك الفرد بلا حاجب ولا زائر من ذا الذي انس بك فاستوحش من ذا الذي نظر الى آيات قدرتك فلم يدهش اما في نصبك السموات الطرائق ونظمك الفلك فوق رؤس الخلائق ورفعك العرش المحيط بلا عوائق واجرائك الماء بلا سائق وارسالك الريح بلا عائق ما يدل على فرد انيتك اما السموات فتدل على منعتك واما الفلك فيدل على حسن صنعتك واما الرياح فتنشر من نسيم بركاتك واما الرعد فيصوت بعظيم آياتك واما الارض فتدل على تمام حكمتك واما الانهار فتتفجر بعذوبة كلمتك واما الاشجار فتخبر بجميل صنائعك واما الشمس فتدل على تمام بدائعك : قال الشيخ المغربى قدس سره
جمله نقش تعينات ويند ... هرجه هستتد در زمين وسما
وله
مغربى زان ميكند ميلى بكلشن كاندرو ... هرجه رارنكى وبوبى هست رتك وبوى اوست

(5/230)


إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7)

{ ان الذين لا يرجون لقاءنا } المراد بلقائه تعالى اما الرجوع اليه بالبعث او لقاء الحساب كما في قوله { انى ظننت انى ملاق حسابيه } وبعدم الرجاء عجم اعتقاد الوقوع المنتظم لعدم الامل وعدم الخوف فان عدمهما لا يستدعى عدم اعتقاد وقوع المأمول والمخوف اى لا يتوقعون الرجوع الينا او لقاء حسابنا المؤدى اما الى حسن الثواب او الى سوء العذاب فلا يأملون الاول واليه اشير بقوله { ورضوا بالحياة الدنيا } فانه منبئ عن ايثار الادنى الخسيس على الاعلى النفيس ولا يخافون الثانى واليه اشير بقوله { واطمأنوا بها } كما في الارشاد { ورضوا بالحياة الدنيا } من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي { واطمأنوا بها } وسكنوا اليها قاصرين هممهم على لذائذها وزخارفها او سكنوا فيها سكون من لايزعج عنها فبنوا شديدا واملوا بعيدا : يعنى [ دردنيا ساكن كستند بر وجهى كه كوييا هركز ايشانرا ازآنجا رحلت نخواهدبودوند انستندكه لحظه بلحظة دست اجل طبل رحيل فروخوا هدكوفت ]
آن كيست كه دل نهاد وفارغ بنشست ... بنداشت كه مهلتى وتأخيرى هست
كو خيمه مزن كه ميخ مى بايد كند ... كو رخت منه كه بار مى بايد بست
-روى- ان الله تعالى قال « عجبت من ثلاثة . ممن آمن بالنار ويعلم أنها وراءه كيف يضحك وممن اطمأنت نفسه بالدنيا وهو يعلم انه يفارقها كيف يسكن اليها . وممن هو غافل وليس بمغفول عنه كيف يلهو » ونزل النعمان بن المنذر تحت شجرة ليلهو فقال عدى ايها الملك أتدرى ما تقول هذه الشجرة ثم انشأ يقول
رب ركب قد اناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال
ثم اضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال
فتنغص على النعمان يومه كذا في ربيع الابرار { والذين هم عن آياتنا } عن آيات القرآن فيكون المراد الآيات التشريعية او عن دلائل الصنع فيكون المراد الآيات التكوينية { غافلون } لا يتفكرون فيها لانهما كهم فيما يضادها والعطف لتغاير الوصفين اى للجمع بين الوصفين المتغايرين الانهماك فى لذات الدنيا وزخارفها والذهول عن آيات الله ودلائل المعرفة او لتغاير الذاتين كما قل في التأويلات النجمية ان الذين لا يعتقدون السير الينا والوصول بنا لدناءة همتهم ورضوا بالتمتعات الدنيوية وركنوا الى مالها وجاهها وشهواتها والذين هم عن آياتنا غافلون وان لم يركنوا الى الدنيا وتمتعاتها وكانوا اصحاب الرياضات والمجاهدات من اهل الاديان والملل وهم البراهمة والفسلاسفة والاباحية لكن كانوا معرضين عن متابعة النبى صلى الله عليه وسلم او كانوا من اهل الاهواء والبدع

(5/231)


أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)

{ اولئك } الموصوفون بما ذكر من صفات السوء { مأويهم } اي مسكنهم ومقرهم الذى لا براح لهم منه { النار } نار جهنم او نار العبد والطرد والحسرة لا ما اطمأنوا بها من الحياة الدنيا ونعيمها { بما كانوا يكسبون } اى جوزوا بما واظبوا عليه وتمرنوا به من الاعمال القلبية المعدودة وما يستتبعه من اصناف المعاصى والسيآت

(5/232)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)

{ ان الذين آمنوا } فعلوا الايمان او آمنوا بما تشهد به الآيات التى غفل عنها الغافلون { وعملوا الصالحات } اى الاعمال الصالحة في انفسها اللائقة بالايمان وهى ما كان لوجه الله تعالى ورضاه وانما ترك ذكر الموصوف لجريانها مجرى الاسماء { يهديهم ربهم } في الآخرة { بايمانهم } اى بسبب ايمانهم وبنوره الى مأواهم ومقصدهم وهى الجنة وفى الحديث « ان المؤمن اذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول انا عملك فيكون له نورا وقائدا الى الجنة والكافر اذا خرج من قبره صورة سيئة فيقول له انا عملك فينطلق به حتى يدخله النار » ويحتمل ان تكون الهداية الى سلوك سبيل يؤدي الى ادراك الحقائق الكونية والآلهية وهى هداية خاصة يلقاها الخواص واليه الاشارة بقوله « من عمل بم علم ورثه الله علم ما لم يعلم » فالعلم الاول هو علم المعاملة الذى يكون بطريق الدراسة والعلم الثانى هو علم المكاشفة الذى يكون بطريق الوراثة وهو اعلى واجل من الاول لان الاول منه بمنزلة القشر من اللب نسأل الله الفيض الخاص الذى ذاقه اهل الاختصاص { تجرى من تحتهم } سررهم المرفوعة الموضوعة في البساتين والرياض { الانهار } الاربعة { فى جنات النعيم } متعلق بتجرى اى فى جنات يتنعمون فيها ويترفهون قال الكاشفى { فى جنات النعيم } [ در بوستانها با نعيم وبا نعمت ] والنعيم النعمة والخفض والدعة كما في القاموس وسميت جنة لاستتاراضها باشجارها ومنه سمى الجن لاستتارهم عن الابصار ومنه سمى المجن للتستر به

(5/233)


دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)

{ دعويهم فيها } اى داؤهم فى تلك الجنات { سبحانك اللهم } اى يا الله نسبحك تسبيحا وننزهك عن الخلف فى الوعد والكذب فى القول فقد وجدنا ما وعدتنا { وتحيتهم فيها } التحية التكرمة بالحالة الجليلة اصلها احياك الله حياة طيبة وهى من اضافة المصدر الى فاعله اى تحية بعضهم لبعض فى الجنة { سلام } اى سلامة من كل مكروه او من اضافته الى المفعول اى تحية الملائكة اياهم كما قال تعالى { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } او تحية الله اياهم كما قال { سلام قولا من رب رحيم }
سلام دوست شنيدن سعاد تست سلامت ... بوصل يار رسيدن فيضلتست وكرامت
{ وآخر دعويهم } اى خاتمة دعائهم { ان الحمد لله رب العالمين } اى ان يقولوا ذلك نعتاله تعالى بصفات الاكرام اثر نعته بصفات الجلال اى دعاؤهم منحصر فيما ذكر اذ ليس لهم مطلب مترقب حتى ينظموه في سلك الدعاء وان هى المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف والجملة الاسمية التى بعدها فى محل الرفع على انها خبر لها وان مع اسمها وخبرها في محل الرفع خبر للمبتدأ الاول -روى- ان اهل الجنة اذا اشتهوا شيأ قالوا الحمد لله رب العالمين واعلم انه لا تكليف فى الجنة ولا عبادة وما عبادة اهل الجنة الا ان يسبحوا الله ويحمدوه وذلك ليس بعبادة وانما يلهمونه فينطقون به تلذذا بلا كلفة [ وهى آيينه لذت تسبيح وتحميد ايشسانرا ازجميع لذاتهاى بهشت خو بترآيد ]
ذوق نامش عاشق مشتاقرا ... از بهشت جاوداني خوشتراست
كرجه درفردوس نعمتها بسى ست ... وصل او ازهرجه دانى خوشترست
وفيه اشارة الى ان اللسان انما خلق للذكر والدعاء لا لكلام الدنيا والغيبة والبهتان
زبان آمد از بهر شكرو سباس ... بغيبت نكرداندش حق شناس
وقد كان اول كلام تكلم به ابونا آدم عليه السلام حين عطس الحمد لله وىخر الدعاء ايضا كان ذلك . ففيه اشارة الى ان العبد غريق فى بحر نعم الله اولا وآخرا فعليه استغراق اوقاته بالحمد ونعم الله فى الدنيا متناهية وفى الآخرة غير متناهية فالحمد لا نهاية له ابد الآباد وهو منتهى مراكب السالكين : وفى المثنوى
حمد كلشن از بهار ... صد نشاني دارد وصد كير ودار
بر بهارش جشمه ونخل وكياه ... وان كلستان ونكارستان كواه
توملاف از مشك كان بوى بياز ... از دم تو ميكند مكشوف راز
كلشكر خوردم همى كوئي وبوى ... مى زند از سيركه ياوه مكوى
يعنى ان لحمد العارف علامة فانه يشهد لحمده كل اعضائه بخلاف حمد غيره فلا بد من تحقيق الدعوى بالحجة والبرهان فان الدعوى المجردة لا تنفع كما لا يخفى عن اهل الايقان نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من الحامدين فى السراء والضراء بلسان الجهر والاخفاء

(5/234)


وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)

{ ولو يعجل الله } [ واكر تعجيل كند خداى تعالى ] { للناس الشر استعجالهم بالخير } التعجيل تقديم الشيء قبل وقته والاستعجال طلب العجلة والمراد بالشر العذاب وسمى به لانه اذى مكروه فى حق المعاقب -روى- ان النضر بن الحارث قال منكوا لنبوته عليه السلام اللهم ان كان محمدا حقا في ادعاء الرسالة فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم وكانوا يستعجلون العذاب المتوعد به من لسان النبوة فقال تعالى { ولو يعجل الله للناس الشر } والعذاب حيث استعجلوه استعجالا مثل { استعجالهم بالخير } والرحمة والعافية { لقضى اليهم اجلهم } لادى اليهم الاجل الذى عين لعذابهم واميتوا واهلكوا بالمرة وما امهلوا طرفة عين لان تركيبهم فى الدنيا لا يحتمل ما استعجلوه من العذاب ولكن لا نعجل ولا نقضى { فنذر الذين } اى نترك فالفاء للعطف على مقدر لا على يعجل اذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذى يقتضيه لو وليس كذلك لان التعجيل لم يقع وتركهم في طغيانهم يقع كما في تفسير ابى البقاء { لا يرحون لقاءنا } لا يتوقعون جزاءنا في الآخرة التى هى محل اللقاء لانكارهم البعث { فى طغيانهم } الذى هو عدم رجاء اللقاء وانكار البعث والجزاء وهو متعلق بنذر او بقوله { يعمهون } اى حال كونهم متحيرين ومترددين وذلك لانه لا صلاح ولا حكمة فى اماتتهم واهلاكهم عاحلا اذر بما آمنوا بعد ذلك

(5/235)


وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)

{ ولقد اهلكنا القرون } يعنى الامم الماضية مثل قوم نوح وعاد { من قبلكم } متعلق باهلكنا وليس بحال من القرون لانه زمان اى اهلكناهم من قبل زمانكم يا اهل مكة { لما ظلموا } حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لاعلى ما ينبغى { وجاءتهم } اى والحال انهم قد جاءتهم { رسلهم بالبينات } اى بالحجج الدالة على صدقهم { وما كانوا ليؤمنوا } وما استقام لهم ان يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بانهم يموتون على كفرهم وهو عطف على ظلموا كأنه قيل لما ظلموا واصروا على الكفر بحيث لم يبق فائدة في امهالهم اهلكناهم { كذلك } اى مثل ذلك الجزاء وهو اهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل واصرارهم عليه بحيث تحقق انه لا فائدة في امهالهم { نجزي القوم المجرمين } نجزى كل مجرم { ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم } استخلفناكم فيها بعد القرون التى اهلكناها استخلاف من يختبر لان الله تعالى لا يحتاج فى العلم باحوال الانسان الى الاختبار والامتحان فى الحقيقة ولكن يعامل معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه { لننظر } النظر في اللغة عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئى طلبا لرؤيته وهو في حقه تعالى مستعار للعلم المحقق الذى لا يتطرق اليه شك ولا شبهة بان يشبه هذا العلم بنظر الناظر وادراكه عين المرئى على سبيل المعاينة والمشاهدة ويطلق عليه لفظ النظر والرؤية على سبيل الاستعارة التصريحية ثم تسرى الاستعارة الى الفعل تبعا قال الكاشفى [ تابه بينيم در صورت شهادت بعد ازانكه دانستيم در غيب شما كه ] { كيف تعملون } [ جه كونه عمل خواهيد كرد ازخير وشرتا باشما بمقتضاى اعمال شما معامله كنيم ان خيرا فخير وان شرا فشر ]
جرا آبينة فعلست كويى ... كه دروى هرجه كردى مينمايد
اكر كردى نكوئي نيك بينى ... وكربد كرده بد بيشت آيد
وكيف معمول تعملون فان معنى الاستفهام يحجب ان يعمل فيه ما قبله وفائدته الدلالة على ان المعتبر في الجزاء جهات الافعال وكيفياتها لا من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح اخرى وفى الحديث ( ان الدنيا حلوة خضرة ) يعنى حسنة في المنظر ( تعجب الناظر ) والمراد من الدنيا صورها ومتاعها وانما وصفها بالخضرة لان العرب تسمى الثئ الناعم خضراء ولتشبيهها بالخضراوات فى سرعة زوالها وفيه بيان كونها غرارة يفتتن الناس بحسنها : قال الحافظ
خوش عروسست جهان ازره صورت ليكن ... هر كه بيوست بدو عمر خودش كابين داد
قال في فتح القريب حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة فان النفس تطلبها طلبا حثيثا فكذلك الدنيا وهى فى الحال حلوة خضراء وفى المآل مرة كدرة نعمت المرضعة ويئست الفاطمة ( وان الله مستخلفكم فيها ) اى جاعلكم خلفاء فى الدنيا يعنى ان اموالكم ليست فى الحقيقة لكم وانما هى لله جعلكم فى التصرف فيها بمنزلة الوكلاء ( فناظر كيف تعملون ) اى تتصرفون قيل معناه جاعلكم خلفا ممن قبلكم واعطى ما بايديهم اياكم فناظر هل تعتبرون بحالهم وتتدبرون فى مآلهم قال قتادة ذكر لنا عمر رضى الله عنه قال صدق ربنا جعلنا خلفاء ارض لينظر الى اعمالنا فاروه من اعمالكم خيرا بالليل والنهار والسر والعلانية وفى الآية وعيد لاهل مكة على اجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليرتدعوا عن انكار النبوة واستعجال الشر حذرا من ان ينزل بهم عذاب الاستئصال كما نزل بمن قبلهم من المكذبين وهذا الوعيد والتهديد لا يختص بهم فان اهل كل قون خليفة لمن قبله الى قيام الساعة فعلى العاقل ان يعتبر بمن مضى ويتدارك حاله قبل نزول القضاء قال فى التأويلات النجمية ان لهذه الامة اختصاصا باستحقاق الخلافة الحقيقية التى اودعها الله فى آدم عليه السلام بقوله

(5/236)


{ انى جاعل في الارض خليفة } ولهذا السر ما كان في امة من الامم من الخلفاء ما كان فى هذه الامة بالصورة والمعنى وللخلافة صورة ومعنى فكما ان صورة الخلافة مبنية على الحكم بين الرعية الصورية بالعدل والتسوية على قانون الشرع والاجناب عن متابعة الهوى والطبع كذلك معنى الخلافة مبنى على الحكم بين الرعية المعنوية وهى الجوارح والاعضاء والقلب والروح والسر والنفس وصفاتها واخلاقها والحواس الخمس والقوى النفسانية بالحق كما كان سيرة الانبياء وخواص الاولياء فى طلب الحق ومجانبة الباطل وترك ما سوى الله والوصول الى الله

(5/237)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)

{ واذا تتلى عليهم } اى على المشركين مكة { آياتنا } القرآنية الدالة على حقيقة التوحيد وبطلان الشرك حال كونها { بينات } واضحات الدلالة على ذلك { قال الذين لا يرجون لقاءنا } : يعنى [ اميد ندار ند ديدار مارا وسيدن بما ] وهو عبارة عن كونهم مكذبين للحشر قال في التأويلات النجمية فيه اشارة الى انه ليس لهم شوق لى الله وطلبه اذا الشوق من شان القلب احى وقلوبهم ميتة ونفوسهم حية فلما فى القرآن مما يوافق القلوب ويخالف النفوس ما قبله ارباب النفوس { ائت بقرآن غير هذا } القرآن المنزل بان لا يكون على ترتيب هذا ونظمه وبان يكون خاليا عما نستبعده من امر البعث والجزاء وعما نكرهه من ذم آلهتنا وتحقيرها { أو بدله } بان يكون هذا القرآن المنزل باقيا على نظمه وترتيبه لكن يوضع مكان الآيات الدالة على ما نستبعده وتستكرهه آيات اخر موافقة لطريقتنا كما بدل احبار اليهود التوراة ورهبان النصارى الانجيل بما كان موافقا لهواهم ولعلهم سألوا ذلك طمعا في ان يسعفهم الى اتيانه من قبل نفسه فيلزموه بان يقولوا قد تبين لنا اتك كاذب فى دعوى ان ما تقرأه علينا كلام الهى وكتاب سماوى اوحى اليك بوساطة الملك وانك تقوله من عند نفسك وتفترى على الله كذبا { قل ما يكون لي } اى ما يصح لى ولا يمكننى اصلا { ان ابدله من تلقاء نفسي } اى من قبل نفسى وانما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الاتيان بقرآن آخر كذا قال البيضاوى وهو اولى مما في الكشاف . والبيان ان التبديل داخل تحت قدرة الانسان واما الاتيان بقرآن آخر فغير مقدور عليه للانسان وذلك لان التبديل ربما يحتاج الى تغيير سورة او مقدارها واعجاز القرىن يمنع من ذلك كما لا يخفى وهو اللائح بالبال { ان اتبع الا ما يوحى الى } تعليل لما يكون فان المتبع لغيره فى امر لم يستبد بالتصرف فيه بوجه اى ما اتبع فى شيء الا ما يوحى الى من غير تغيير له فى شيء اصلا عن معنى قصر حاله عليه السلام على اتباع ما اليه لاقصر اتباعه على ما يوحى اليه كما هو المتبادر من ظاهرة العبارة كأنه قيل ما افعل الا اتباع ما يوحى الىّ وقد مر تحقيق المقام فى سورة الانعام { انى اخاف ان عصيت ربى } اى بالتبديل { عذاب يوم عظيم } هو يوم القيامة وفيه اشارة الى التبديل اذا كان عصيانا مستوجبا للعذاب يكون اقتراحه كذلك لانه نتيجته والنتيجة مبنية على المقدمة فعلم منه ان المؤدى الى المكروه او الحرام مكروه او حرام الا ترى ان بعض الكيوف التى يستعملها ارباب الشهوات فى هذا الزمان مؤد الى استقثال الوم الفرض واستقثال امر الله تعالى ليس من علامات الايمان نسأل الله تعالى ان يجذب عناننا من الوقوع فى مواقع الهلاك

(5/238)


قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16)

{ قل لو شاء الله } ان لا اتلو عليكم ما اوحى الى من القرىن { ما تلوته عليكم } لنى امى وليس التلاوة والقرآن من شأنى كما كان حالي مع جبريل اول ما نزل فقال « اقرأ قلت لست بقارئ فغطنى جبريل ثم ارسلني فقال اقرأ باسم ربك الذى خلق فقراته لما جعلني قارئا ولو شاء الله ان لا اقرأه ما كنت قاردا على قرائته عليكم » -حكى- ان واحدا من المشايخ الاميين استدعى منه بعض المنكرين الوعظ بطريق التعصب والعناد زعما منهم انه لا يقدر عليه فيفتضح لأنه كان كرديا لا يعرف لسان العرب ولا يحسن الوعظ والتذكير فنام بالغم فاذن له صلى الله عليه وسلم فى المنام بذلك فلما اصبح جلس مجلس الوعظ والتذكير وقرر من كل تأويل وتفسير وقال « أمسيت كرديا واصبحت عربيا » وذلك من فضل الله وهو على كل شيء قدير : قال الحافظ
فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد ... ديكران هم بكنند ىنجه مسيحا ميكر
{ ولا ادريكم به } ماض من دريت الشيء ورديت به اى علمته وادرانية غيرى اى اعلمنيه والمعنى ولا اعلمكم الله القرآن على لسانى ولا اشعركم به اصلا رفقد لبثت فيكم } اى مكثت بين ظهرانيكم { عمرا } يضمتين الحياة والجمع اعمار كما في القاموس قال ابو البقاء ينصب نصب الظروف اى مقدار عمر او مدة عمر قال ابن الشيخ اى مدة متطاولة وهى اربعون سنة { من قبل القرآن لا اتلوه ولا اعلمه وكان عليه السلام لبث فيهم قبل الوحي اربعين سنة ثم اوحى اليه فاقام بمكة بعد الوحى ثلاث عشرة سنة ثم هاجر الى المدينة فاقام بها عشر سنين وتوفي ابن ثلاث وستين سنة فمن عاش بين اظهرهم اربعين سنة لم يمارس فيها علما ولم يشاهد عالما ولم ينشئ قريضا ولا خطبة ثم قرا عليهم كتابا بزت فصاحته فصاحة كل منطيق وعلى كل منثور ومنظوم واحتوى على قواعد علمى الاصول والفروع واعرب عن اقاصيص الاولين واحاديث الآخرين على ما هى عليه انه معلم به من عند الله وأن ما قرأه عليه معجز خارق للعادة
امئ دانا كه بعلم فزون ... راندرقم برورق كاف ونون
بى خط وقرطاس زعلم ازل ... مشكل لوح وقلمش كشت حل

(5/239)


فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)

{ افلا تعقلون } افلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا انه ليس الا من الله { فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا } احتراز مما اضافوه اليه عليه السلام كناية وهوانه عليه السلام نظم هذا القرآن من عند نفسه ثم قال انه من عند الله افتراء عليه فان قولهم ائت بقرآن غير هذا او بدله كناية عنه فقوله عليه السلام فمن اظلم ممن افترى كناية عن نفسه كأنه قيل لو لم يكن هذا القرىن من عند الله كما زعمتم لما كان احد في الدنيا اظلم على نفسه من حيث افتريته على الله لكن الامر ليس كذلك بل هو وحى الهى { او كذب بآياته } فكفر بها { انه لا يفلح المجرمون } لا ينجون من محذور ولا يظفرون بمطلوب وفي التأويلات النجمية اى لا يتخلص الكذابون والمكذبون من قيد الكفر وحجب الهوى وعذاب البعد وجحيم النفس انتهى وذلك لان الطريق طريق الصدق والاخلاص لا طريق الكذب والرياء فمن سلك سبيل الصدق افلح ونجا وصل ومن سلك سبيل الكذب خاب وهلك وضل وعن ابى القاسم الفقيه انه قال اجمع العلماء على ثلاث خصال انها اذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها الا ببعض الاسلام الخالص من الظلم وطيب الغذاء والصدق لله فى الاعمال وفى الحديث « ان من اعظم الفرية ثلاثا ان يفتى الرجل على عينيه يقول رأيت ولم ير » يعنى فى المنام « او يفترى على والديه فيدعي الى غير ابيه او يفترى على يقول سمعت من رسول الله وبم يسمع منى » يقول الفقير فاذا لم يصح هذا الواحد من امته فكيف يصح لرسول الله عليه الصلاة والسلام والانبياء عليهم السلام امناء الله على ما اوحى اليهم لا يزيدون فيه ولا ينقصون ولا يبدلون فكذا الاولياء قدس الله اسرارهم امناء الله على ألهم اليهم يبلغونه الى من هو اهل له من غير زيادة ولا نقصان ومن انكر كون الامى وليافلينكر كونه نبيافان ذلك مغض الى ذلك ومستلزم له قال الامام السخاوى قوله ( ما تخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه ) ليس بثابت ولكن معناه صحيح والمراد بقوله ولو اتخذه وليا لعلمه ثم اتخذه وليا انتهى وقال الامام الغزالى فى شرح الاسم الحكيم من الاسماء الحسنى ومن عرف الله تعالى فهو حكيم وان كان ضعيف المنة فى سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها انتهى فظهر ان العلم الزائد على ما يقال له علم الحال ليس بشرط فى ولاية الولى وان الله تعالى اذا اراد بعبده خيرا يفقهه فى الدين ويعلمه من لدنه علم اليقين قال عمر رضى الله عنه يا نبى الله مالك افصحنا فقال عليه السلام

(5/240)


« جاءنى جبريل فلقتنى لغة ابى اسماعيل وان الله ادبنى فاحسن تأديبى ثم امرنى بمكارم الاخلاق فقال خذ العفو وائمر بالعرف » الآية فقد استبان الحق والله اعلم حيث يجعل رسالته فاياك ان تنكر ولاية مثل يونس وغيره من الاميين فان شواهدهم تنادى على صحة دعواهم بل واياك ان تطلق لسانك بالطعن على لحنهم فان سين بلال احل الى الله من شين غيره في اشهد : وفي المثنوى قدس سره
كرحديثت كزبود معنيت راست ... آن كزئ لفظ مقبول خداست
وذلك لان خطأ الاحباب اولى من صواب الاغيار كما فى المثنوى وعن ابى الدرداء رضى الله عنه انه قال ( ان لله عبادا يقال لهم الابدال لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتمتع وحسن الحلية وانما بلغوا بصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدور والرحمة لجميع المسلمين اصطفاهم الله بعلمه واستخلصهم لنفسه وهم اربعون رجلا على مثل قلب ابراهيم عليه السلام لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد انشأ من يخلفه واعلم انهم لا يسبون شيأ ولا يلعنونه ولا يؤذون من تحتهم ولا يحقرونه ولا يحسدون من فوقهم اطيب الناس خبرا والينهم عريكة واسخاهم نفسا لا تدركهم لخيل المجراة ولا الرياح لعواصف فيما بينهم وبين ربهم انما قلوبهم تصعد فى السقوف العلى ارتياحا الى الله فى استباق الخيرات اولئك حزب الله هم المفلحون ) كذا فى روض الرياحين للامام اليافعى : وفى المثنوى فى وصف الاولياء
مردهاست ازخودشده زنده برب ... زان بوداسرار حقش دردولب

(5/241)


وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)

{ ويعبدون } اى كفار مكة { من دون الله } حال من الفاعل اى متجاوزين الله بمعنى ترك عبادته بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاء بها وجعلها قريبا لعبادة الاصنام { ما لا يضرهم ولا ينفعهم } اى الاصنام التى لا قدرة لها على ايصال الضرر اليهم ان تركوا عبادتها ولا على ايصال المنفعة ان عبدوها لان الجماد بمعزل عن ذلك والمعبود ينبغي ان يكون مثيبا ومعاقبا حتى تعود عبادته بجلب نفع او دفع ضر { ويقولون هؤلاء } الاصنام { شفعاؤنا عند الله } تشفع لنا فيما يهمنا من امور الدنيا لانهم كانوا لا يقرون بالمعاد او فى الآخرة ان يكن بعث كما قال الكاشفى [ يا اكر فرضا حشر ونشر باشد جنانجه معتقد مؤمنانست مارا ازخداى درخواست ميكنند وازعذاب ميرهانند ] واعلم ان اول ما حدثت عبادة الاصنام فى قوم نوح عليه السلام وذلك ان آدم كان له خمسة اولاد صلحاء وهم ودّ ويغوث ويعوق ونسر . فمات ودّ فحزن الناسعليه حزنا شديدا فاجتمعوا حول قبره لا يكادون يفارقونه وذلك بارض بابل فلما رأى ابليس ذلك جاء اليهم فى صورة انسان وقال لهم هل لكم ان اصور لكم صورة اذا نظرتم اليها ذكرتموه قالوا نعم فصور لهم صورته ثم صار كلما مات منهم واحد صور صورته وسموا تلك الصور باسمائهم ثم لما تقادم لزمن وتناست الآباء والابناء وابناء الابناء قال لمن حدث بعدهم ان الذي كانوا قبلكم يعبدون هذه الصور فعبدوها فارسل الله اليهم نوحا فنهاهم عن عبادتها فلم يجيبوه لذلك وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق ثم ان تلك الصور دفنها الطوفان فى ساحل جده فاخرجها اللعين واول من نصب الاوثان فى العرب عمرو بن لحى من خزاعة وذلك انه خرج من مكة الى الشام في بعض اموره فرأى بأرض البلقاء العماليق ولد عملاق بن لاود بن سام ابن نوح وهم يعبدون الاصنام فقال لهم ما هذه قالوا هذه اصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال لهم أفلا تعطونني منها صنما فاسير به الى ارض العرب فاعطوه صنما يقال له هبل من العقيق على صورة انسان فقدم به مكة فنصبه فى بطن الكعبة على يسراها وامر الناس بعبادته وتعظيمه فكان الرجل اذا قدم من سفره بدابه قبل اهله بعد كوافه بالبيت وحلق رأسه عنده كذا فى انسان العيون وكان اهل الطائف يعبدون اللات واهل مكة العزى ومناة وهبل واسافا { قل اتنبئون الله } اتخبرونه { بما لا يعلم } اى بالذى لا يعلمه كائنا { فى السموات ولا فى الارض } فما عبارة عن ان له شريكا والظرف حال من العائد المحذوف وفى الاستفهام الانكارى تقريع لهم وتهكم بهم حيث نزلوا منزلة من يخبر علام الغيوب بما ادعوه من المحال الذى هو وجود الشركاء وشفاعتهم عند الله .

(5/242)


وفى الظرف تنبيه على ان ما يعبدونه من جون الله اما سماوى . كالملائكة والنجوم واما ارضى كالاصنام المنحوتة من الشجر والحجر لا شيء من الموجودات . فيهما الا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق ان يشرك به سبحانه قال الكاشفى [ انتفاء علم بجهت معلومست يعنى شما ميكوبيد كه خدايرا شريك هست . واثبات بشفاعت بتان ميكنيد وخداوئدكه عالمست بجميع معلومات اين رانمي دانديس معلوم شدكه شريك نيست وشفاعت نخواهدبود ] كما قال ابن الشيخ فان شيأ من ذلك لو كان موجودا لعلمه الله وما لا يعلمه الله استحال وجوده { سبحانه } [ يا كست ] { وتعالى } [ برترست ] { عما يشركون } لما كان المنزه للذات الجليلة هو نفس الذات آل التنزيه الى معنى التبرى اى تبرأ وجل عن اشراكهم
راحداندر ملك اورايارنى ... بندكانش را جزا وسالا رنى

(5/243)


وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19)

{ وما كان الناس الا امة واحدة } اى على ملة واحدة فى عهد آدم عليه السلام الى ان قتل قابيل هابيل اوفى زمن نوح بعد الطوفان حين لم يبق على وجه الارض من الكافرين ديارا فان الناس كانوا متفقين على الدين الحق { فاختلفوا } اى تفرقوا الى مؤمن وكافر { ولولا كلمة سبقت من ربك } اى لولا الحكم الازلى بتأخير العذاب الفاصل بينهم الى يوم القيامة فانه يوم الفصل والجزاء { لقضى بينهم } عاجلا { فيما يختلفون } باهلاك المبطل وابقاءالمحق قال الكاشفى [ هر آينه حكم كرده شدى ميان ايشان ران جنرى كه ايشان دران اختلاف ميكنند عذاب بيامدى ومبطل هلاك شدى ومحق بماندى ] ويحتمل ان يكون المعنى ان الناس كانوا امة واحدة فى بدء الخلقة موجودين على اصل الفطرة التى فطر الناس عليها فاختلفوا بحسب تربية الوالدين كما قال عليه السلام « كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » ثم اختلفوا بعد البلوغ بحسب المعاملات الطبيعية والشرعية ثم هذا الاختلاف كما كان بين الامم السالفة كذلك كان بين هذه الامة فمن مؤمن ومن كافر ومن مبتدع وفى اختلافهم فائدة جليلة وحكمة عظيمة حيث ان الكمال الالهى انما يظهر بمظاهر جماله وجلاله لكن ينبغي للناس ان يكونوا على التآلف والتوافق دون التباغض والتفرق لان يد الله مع الجماعة وانما يأكل الذئب الشاة المنفردة -واوصى حكيم- اولاده عند موته وكانوا جماعة فقال لهم ائتونى بعصى فجمعها وقال اكسروها وهى مجموعة فلم يقدروا على ذلك ثم فرقها وقال لهم خذوا واحدة واحدة فاكسروها فكسروها فقال لهم هكذا انتم بعدى لن تغلبوا ما اجتمعتم فاذا تفرقتم تمكن منكم عدوكم فاهلككم وفى الحديث « اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمر عليكم عبد وانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ » والمراد بالخلفاء ابو بكر وعمر وعثمان وعلى رضوان الله عليهم اجمعين . والراشدون جمع راشد اسم فاعل وهو الذى اتى بالرشد واتصف به وهو ضد الغى فالراشد ضد الغاوى والغاوى من عرف الحق وعمل بخلافه . والنواجذ آخر الاسنان والمعنى واظبوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كما يفعل العاض على الشيء بنواجذه خوفا من ذهابه وتفلته وقد وقع هذا الاختلاف وسيقع الى ان يقوم المهدى وينزل عيسى عليه السلام : قال الحافظ
تو عمر خواه وصبورى كه جرخ شعبده باز ... هزار بازى ازين طرفه تر برانكيزد
وقال
روزى اكر غمى رسدت تنك دل مباش ... روشكر كن مباد كه ازبد بتر شود
قال بعض العلماء فى هذه الامة فرقة مختلفة تبغض العلماء وتعادى الفقهاء ولم يكن ذلك فيمن تقدم قبلنا من الامم بل كانوا منقادين لهم محبين كما وصفهم الله تعالى فى كتابه

(5/244)


{ اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله } والفقيه اذا كان مبغوضا بين الناس فما ظنك بالعالم بالله الا تراهم اذا وجدوا الرجل كاملا في العلوم الظاهرة والباطنة متفردا فى فنه متميزا من جنسه متفوقا على اقرانه فمن قائل فى حقه انه زنديق ومن قائل انه مبتدع وقلما تسمع من يقول انه صديق فانظر الى غيرة الله تعالى كيف ستره عن الاغيار واخفى سره عن الاشرار : قال الحافظ
معشوق عيان ميكذرد برتو وليكن ... اغيار همى بيند ازان بسته نقابست
قال رويم من المشايخ الكرام لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا فاذا اصلحوا هلكوا وذلك لانه لو قبل بعضهم بعضا ابقى بعضهم مع بعض وسكن بعضهم الى بعض والسكون الى غير الله تعالى عند الخواص من قبيل عبادة الاصنام عند العوام وهذا التبرى بين الصوفية المحققين ليس كالتبري بين اليهود والنصارى لان تبريهم فى الحق للحق وتبرى هؤلاء فى الباطل للباطل والحاصل ان من الخلاف ما كان مذموما وما كان ممدوحا فالمذموم هو ما كان في العقائد واصول الدين والممدوح هو ما كان فى الاعمال وفروع الدين كما قال عليه السلام « اختلاف الائمة رحمة » وعن علي كرم الله وجهه قال له يهودي ما دفنتم نبيكم حتى اختلفاختلفتم فقال انما اختلفنا عنه لا فيه ولكنكم ما جفت ارجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا آلها كما لهم وهذا من الاجوبة المسكتة والله يقول الحق وهو يهدى السبيل

(5/245)


وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)

{ ويقولون } اى كفار مكة { لولا } للتحضيض مثل هلا { انزل عليه } على محمد عليه الصلاة والسلام { آية } معجزة { من ربه } كانوا يقولون ان القرآن يمكن معارضته كما دل عليه قولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا ويقترحون اشياء اخرى سوى القرآن لتكون معجزة مثل اليد والعصا وتفجير الانهار وغيرها
كفت اكر آسان ثمايد اين بتو ... انجنين يك سورة اى سخت رو
{ فقل } لهم فى الجواب { انما الغيبة لله } اللام للاختصاص العلمى دون التكوينى فان الغيب والشهادة فى ذلك الاختصاص سيان . والمعنى ان ما اقترحتموه وزعمتم انه من لوازم النبوة وعلقتم عليه ايمانكم من الغيوب المختصة بالله سبحانه لا وقوف لى عليه ولو علم الصلاح فى زيادة الآيات لا نزل وفى التأويلات النجمية الغيب هو عالم الملكوت الذى ينزل منه الآيات ويظهر منه المعجزات بانزال الله تعالى واظهاره فهو لله وبحكمه ينزل الآيات منه متى شاء كما شاء { فانتظروا } لتزول ما اقترحتموه { انى معكم من المنتظرين } لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل عليّ من الآيات العظام واقتراحكم غيره وقد امهلهم الله سبحانه ليأخذ الظالم منهم اخذ عزيز مقتدر وقد يعجل عقوبة من يشاء [ آورده اندكه سهسا لارى بود ظالم وباتباع خود بخانه يكى از مشايخ كبار فرود آمد خداوندخانه كفت من منشورى دارم بخانه من فرود ميا كفت منشورى بنماى شيخ در خانه رفت ومصحفى عزيز داشت ودربيش بيا ورد وباز كرد اين آيت برآمد كه { يا ايها الذين منوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها } سهسالار كفت من بنداشتم كه منشورا اميردارى بدان التفات نكرد ودرخانه شيخ فرود آمد آن شب قولنجش بكرفت وهلاك شد ] وفيه اشارة الى ان حضرة القرآن ليس كسائر الآيات فمن رده واستحقره فقد تعرض لسخط الله تعالى اشد التعرض كما ان من قبله وعظمه صورة بالرفع والمس على الطهارة ونحو ذلك ومعنى بالعمل بما فيه والتخلق باخلاقه نال من الله كل ما يتمناه -حكى- انعثمان الغازى جد السلاطين العثمانية انما وصل الى ما وصل برعاية كلام الله تعالى وذلك انه كان من اسخياء زمانه يبذل النعم للمترددين فثقل ذلك على اهل قريته ونغصوا عليه فذهب ليشتكى من اهل القرية الى الحاج بكتاش او غيره من الرجال فنزل بيت رجل قد علق فيه مصحف فسأل عنه فقالوا هو كلام الله تعالى فقال ليس من الادب ان نقعد عند كلام الله تعالى فقام وعقد يديه مستقبلا اليه فلم يزل قائما الى الصبح فلما اصبح ذهب الى طريقه فاستقبله رجل وقال انا مطلبك ثم قال له ان الله تعالى عظمك واعطاك وذريتك السلطنة بسبب تعظيمك لمكلامه ثم امر بقطع شجرة وربط برأسها منديلا وقال ليكن ذلك لواء ثم اجتمع عنده جماعة فجعل اول غزوته بلاجك وفتح بعناية الله تعالى ثم اذن له السلطان علاء الدين فى الظاهر ايضا فصار سلطانا ثم بعد ارتحاله صار ولده اورخان سلطانا ففتح هو بروسة المحروسة بالعون الآلى فمن ذلك الوقت الى هذا الآن الدولة العثمانية على الازدياد بسبب تعظيمه كتاب الله وكلامه القديم كذا فى الواقعات المحمودية فليلازم العاقل تعظيم القرآن العظيم ليزداد جاهه ورتبته وليحذر من تحقيره لئلا ينتقص شأنه وهيبته ألا ترى ان السلطان محمد الرابع واعوانه لما رفضوا العمل بالقرآن واخذوا بالظلم والعدوان سلط الله عليهم وعلى الناس بسببهم القحط والخوف فخرج من ايديهم اكثر القلاع المعمورية الرومية واستولى الكفار الى ان طمعوا فى القسطنطينية واشتد الخوف الى ان قال الناس اين المفر وكل ذلك وقع من القرناء السوء فانهم كانوا يحثون السلطان على الجريان بخلاف الشرع

(5/246)


اى فغان از يار ناجنس اى فغان ... همنشين نيك جوييد اى مهان
اى بسا مهتر بجه از شور وشر ... شد زفعل زشت خود تنك بدر
اللهم اجعلنا من المعتبرين واجعلنا من المتبصرين

(5/247)


وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)

{ واذا اذقنا الناس } اى اهل مكة { رحمة } صحة وسعة { من بعد ضراء } كقحط ومرض { مستهم } اصابتهم وخالطتهم حتى احسوا بسوء اثرها فيهم واسناد المساس الى الضراء بعد اسناد الاذاقة الى ضمير الجلالة من الآداب القرآنية كما فى قوله تعالى { واذا مرضت فهو يشفين } ونظائره واذا للشرط وجوابه قوله { اذا } للمفاجأة { لهم مكر فى آياتنا } فى فاجأوا فى وقت اذاقة الرحمة وقوع المكر منهم بالطعن فى الآيات والاحتيال فى دفعها وسارعوا اليه قبل ان ينفضوا عن رؤوسهم غبار الضراء قيل قحط اهل مكة سبع سنين حت كادوا يهلكون ثم رحمهم الله وانزل الغيث على اراضيهم فطفقوا يقدحون فى آيات الله ويكيدون رسوله قال مقاتل لا يقولون هذا رزق الله وانما يقولون سقينا بنوء كذا وكانت العرب تضيف الامطار والرياح والحر والبرد الى الساقط من الانواء جمع نوء وهى ثمانية وعشرون مزل ينزل القمر كل ليلة فى منزل منها ويسقط فى المغرب نجم واحد من تلك المنازل الثمانية والعشرين فى كل ثلاثة عشر يوما مع طلوع الفجر ويطلع رقيبه من المشرق فى ساعته فى مقابلة ذلك الساقط وهذا فى غير الجبهة فان لها اربعة عشر يوما فينقضى الجميع بانقضاء السنة اى مع انقضاء ثلاثمائة وخمسة وستين يوما لان ثلاثة عشر فى ثمانى وعشرين مرة تبلغ هذا القدر من العدد وانما سمى النجم نوأ لانه اذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالمشرق ينوء اى ينهض ويطلع فلما انجاهم الله من القحط لبسوا الامر على اتباعهم واضافوا ذلك المطر الى الانواء لا الى الله لئلا يشكروا الله ولا يؤمنوا بآياته فقيل هذا هو المراد بمكرهم فى آيات الله ومن لا يرى الامطار الا من الانواء كان كافرا بخلاف من يرى انها بخلق الله والانواء وسائط وامارات بجعله تعالى كما قال فى الروضة المؤثر هو الله تعالى والكواكب اسباب عادية : قال الحافظ
كررنج بيشت آيد وكرراحت اى حكيم ... نسبت مكن بغير كه اينها خذا كند
{ قل الله اسرع مكرا } اى اعجل عقوبة اى عقابه اسرع وصولا اليكم مما يأتى منكم في دفع الحق وتسمية العقوبة بالمكر لوقوعها فى مقابلة مكرهم وجودا فيكون من باب تسمية الشئ باسم سببه او ذكرا فيكون من باب المشاكلة -روى- عن مقاتل انه تعالى قتلهم يوم بدر وجازى مكرهم فى آياته بعقاب ذلك اليوم فكان اسرع فى اهلاكهم من كيدهم فى اهلاكه عليه السلام وابطال آياته والمكر اخفاء لكيد وارادة الله خفية عليهم وارادتهم ظاهرة
توكل على الرحمن واحتمل الردى ... ولا نخش مما قد يكيد بك العدى
{ ان رسلنا } الذين يحفظون اعمالكم وهم الكرام الكاتبون وفيه التفاوت اذ لو جرى على اسلوب قوله

(5/248)


{ قل الله } لقيل ان رسله { يكتبون ما تمكرون } اى مكركم او ما تمكرونه وهو تحقيق للانتقام وتنبيه على ان ما دبروا اخفاءه لم يخف على الحفظة فضلا عن ان يخفى على الله وفيه تصريح بان للكفار حفظة فان قيل فالذي يكتب عن يمينه اى شيء يكتب ولم يكن لهم حسنة يقال ان الذي عن شماله يكتب باذن صاحبه ويكون شاهدا على ذلك وان لم يكتب كما فى البستان واختلفوا فى عددهم فقال عبد الله بن المبارك هم خمسة اثنان بالنهار واثنان بالليل واحد لا يفارقه ليلا ولا نهارا فثبت بهذا ان افعال الناس واقوالهم سواء كانوا مؤمنين او كافرين مضبوطة مكتوبة للالزام عليهم يوم القيامة وان المكر والحيلة لا مدخل له فى تخليص الانسان من مكروه بل قد قالوا اذا ادبر الامر كان العطب فى الحيلة فمن ظن نجاته فى المكر كان كثعلب ظن نجاته فى تحريك ذنبه وانما المنجى هو القدم وهو ههنا العمل الصالح بعد الايمان لكامل والعاقل يتدارك حاله قبل وقوع القضاء [ علاج واقعه بيش ازوقوع بايد كرد ] قال زياد وليس العاقل الذى يحتال للامر اذا وقع فيه ولكن العاقل الذى يحتال للامور حذرا ان يقع فيها : قال السعدى قدس سره
توبيش ازعقوبت درعفو كوب ... كه سودى نداردفغان
كنون كرد بايد عمل را حساب ... نه روزى كه منشور كردد كتاب
والاشارة فى الآية { واذا اذقنا الناس رحمة } اى اذقناهم ذوق توبة او انابة او صدق طلب او وصول الى بعض المقامات او ذوق كشف وشهود { من بعد ضراء مستهم } وهو الفسق والفجور والاخلاق الذميمة وحجب اوصاف البشرية وصفات الروحانية { اذا لهم مكر فى آياتنا } باظهارها مع غير اهلها للشرف بين الناس وطلب الجاه والقبول عند الخلق واستتباعهم والرياسة عليهم وجذب المنافع منهم { قل الله اسرع مكرا } اى اسرع فى ايصال مجازاة مكرهم اليهم باستدراجهم من تلك المقامات والمكرمات الى دركات العبد وتراكم الحجب من حيث لا يعلمن { ان رسلن يكتبون ما تمكرون } اى غير خاف علينا قدر مراتب مكرهم فنجازيهم على حسب ما يمكرون كما فى التأويلات النجمية وقد رؤى من اهل هذه الطريقة كثر ممن مشى على الماء والهواء وطويت له الارض ثم رد الى حاله الاولى وقد يمشى المستدرج على الماء والهواء وتزوى له الارض وليس عند الله بمكان لانه ليست عنده هذه المراتب نتائج مقامات محمودة وانما هى نتائج مقامات مذمومة قامت به ارادة الحق سبحانه ان يمكر به فى ذلك الفعل الخارق للعادة وجعله فتنة عليه وتخيل انه انما اوصله اليها ذلك الفعل الذى هو معصية شرعا وانه ما وقف على حقيقة ما اتفق له وغفل المسكين عن موازنة نفسه بالشريعة نسأل الله تعالى ان لا يجعلنا ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فيستمر على ذلك الفعل كذا في مواقع النجوم : قال الحافظ قدس سره
زاهد ايمن مشواز بازئ غيرت زنهار ... كه ده از صومعة تادير مغان اين همه نيست
وقال من تخلص من العقبات ألا ترى ان الواصل قليل بالنسبة الى المنقطع ولا بد فى قطعها من مرشد كامل ومؤدب حاذق : وفى المنثوى
دربناه شيركم نايد كباب ... روبها توسوى جيفهكم شتاب
جون كرفتى بيرهن تسليم شو ... همجو موسى زير حكم خضررو

(5/249)


هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)

{ هو } اى الله تعالى { الذي يسيركم } من التسيير والتضعيف فيه للتعدية يقال سار الرجل وسيرته انا وهو بالفارسية [ برفتن آوردن ] والمعنى [ مى رائد وقدرت مى دهد قطع مسافت شمارا ] { فى البر } على الاقدام وظهر الدواب من الخيل والبغال والحمير والابل { والبحر } علىلسفن الكبيرة والصغيرة المعبر عنها بالفارسية [ كشتى وزورق ] وفيه اشارة الى ان المسير فى الحقيقة هو الله تعالى لا الريح فان الريح لا يتحرك بنفسه بل له محرك الى ان ينتهى الى المحرك الاول الذى لا محرك له ولا يتحرك هو فى نفسه ايضا بل هو منزه عن ذلك وعما يضاهيه سبحانه وتعالى ومن عرف ذلك وقطع الاعتماد على الريح فى استواء السفينة وسيرها تحقق بحقائق توحيد الافعال والا بقى فى الشرك الخفى : قال السعدى قدس سره
قضا كشتى آنجا كه خواهد برد ... وكر ناخذا جامه برتن درد
وقال الحافظ قدس سره
من از بيكانكان ديكر ننالم ... كه بامن هرجه كرد آن آشنا كرد
{ حتى اذا كنتم فى الفلك } غاية لقوله يسيركم فى البحر فان قيل غاية الشيء تكون بعده والحال ان السير فى البحر يكون بعد الكون فى الفلك قلنا ليس الغاية مجرد الكون فى الفلك بل هى الكون فى الفلك مع ما عطف عليه من قوله { وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها } فان هذا المجموع بعد السير فى البحر { وجرين } اى الفلك لانه جمع مكسر بمعنى السفن وتغييره تقديري بناء علىن ضمته كضمة اسد جمع اسد وضمة مفرده كضمة قفل { بهم } اى بالذين فيها والالتفات فى بهم للمبالغة فى التقبيح والانكار عليهم كانه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويحملهم على الانكار والتقبيح { بريح طيبة } لينة الهبوب موافقة لمقصدهم { وفرحوا بها } بتلك الريح لطيبها وموافقتها { جاءتها } اى تلقت الريح الطيبة واستولت عليها من طرف مخالف لها فان الهبوب على وفقها لا يسمى مجيئا لريح اخرى عادة بل هو اشتداد للريح الاولى { ريح عاصف } يقال عصفت الريح اى اشتدت فهى ريح عاصفة اى شديدة الهبوب ولم يقل عاصفة لاختصاص الريح بالعصوف فلا حاجة الى الفارق { وجاءهم الموج } وهو ما ارتفع من الماء { من كل مكان } اى من امكنة مجيء الموج عادة ولا بعد فى مجيئه من جميع الجوانب ايضا اذ لا يجب ان يكون مجيئه من جهة هبوب الريح فقط بل قد يكون من غيرها بحسب اسباب تتفق واليه مال الكاشفي حيث قال : يعنى [ ازجب وراست وبيش وبس ] { وظنوا انهم احيط بهم } اى هلكوا فان ذلك فى الهلاك واصلة احاطة العدو بالحى { دعوا الله } بدل من ظنوا بدل اشتمال لان دعاءهم ملابس لظنهم الهلاك ملابسة الملزوم { مخلصين له الدين } من غير ان يشركوا به شيئا من آلهتهم فان اخلاص الدين والطاعة له تعالى عبارة عن ترك الشرك وهذا الاخلاص ليس مبنيا على الايمان بل جار مجرى الايمان الاضطرارى وقيل المراد بذلك الدعاء قولهم اهيا شراهيا فان تفسيره يا حى يا قيوم وهذا الاسمان من اوراد البحر كما سبق فى تفسير آية الكرسى { لئن أنجيتنا } اللام موطئة للقسم على ارادة القول اى دعوا حال كونهم قائلين والله لئن انجيتنا { من هذه } الورطة { لنكونن } البتة بعد ذلك ابدا { من الشاكرين } لنعمك التى من جملتها هذه النعمة المسئولة وهى نعمة الانجاء وذلك باتباع اوامرك والاجتناب عن مساخطك لا نكفر نعمتك بعبادة غيرك

(5/250)


فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)

{ فلما انجيناهم مما غشيهم من الكربة اجابة لدعائهم والفساد للدلالة على سرعة الاجابة { اذا هم يبغون فى الارض } اى فاجأوا الفساد فيها وسارعوا الى ما كانوا عليه من التكذيب والشرك والجراءة على الله تعالى وزيادة فى الارض للدلالة على شمول بغيهم لاقطارها { بغير الحق } اى حال كونهم ملتبسين بغير الحق قال الكاشفى [ تأكيدست يعنى فساد ايشان بغير حق است هم باعتقاد ايشان جه ميدانندكه دران عمل مبطلند ] فيكون كما فى قوله تعالى { ويقتلون النبيين بغير الحق } وقد سبق فى سورة البقرة { يا ايها الناس } الباغون { انما بغيكم } الذى تتعاطونه وهو مبتدأ خبره قوله تعالى { على انفسكم } او وباله راجع عليكم وجزاؤه لاحق بكم لا على الذين تبغون عليهم وان ظن كذلك { متاع الحيوة الدنيا } نصب على انه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف اى تتمتعون متاع الحياة الدنيا اياما قلائل فتفنى الحياة وما يتبعها من اللذات وتبقى العقوبات على اصحاب السيئات هركه اوبد ميكند بى شبهة باخود ميكند { ثم الينا مرجعكم } فى يوم القيامة لا الى غيرنا { فننبئكم بما كنتم تعملون } فى الدنيا على الاستمرار من البغى وهو وعيد بالجزاء كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت عبر عن اظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم وفى الآية الكريمة اشارات . منها ان الفلك نعمة من الله تعالى اذ قد يحتاج الناس الى عبور البحر به ولذا امتن الله عليهم بالتسيير فى البحر قال فى انوار المشارق يجوز ركوب البحر للرجال والنساء كذا قاله الجمهور وكره ركوبه للناء لان الستر فيه لا يمكنهن غالبا ولا غض البصر من المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن فى تصرفتهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن الى قضاء الحاجة بحضرة الرجال انتهى وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يرفعه الى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم « لا تركب البحر الا حاجا او معتمرا او غازيا فى سبيل الله فان تحت البحر نارا او تحت النار بحرا » قوله فان تحت البحر نارا اشارة الى ان راكبه متعرض للآفات المهلكة كالنار . وقوله وتحت النار بحرا اراد به تهويل امر البحر وخوف الهلاك منه كما يخاف من ملامسة النار وان اختيار ذلك لغرض من الاغراض الفانية سفه وجها لان فيه تلف النفس وبذل النفس لا يجمل ا فيما يقرب العبد الى الله وهذا الحديث يدل على وجوب ركوب البحر للحج والجهاد اذا لم يجد طريقا آخر ومن ركب البحر واصابه نصب ومشقة كدوران الرأس وغثيان المعدة وغير ذلك فله اجر شهيد ان كان يمشى الى طاعة الله كالغزو والحج وطلب العلم وزيادة الاقارب واما التجار فان لم يكن طريق سوى البحر وكانوا يتجرون للقوت لا لجمع المال فهم داخلون فى هذا الاجر .

(5/251)


والغريق له اجر شهيدين . احدهما لقصد ما فيه طاعة . وثانيهما للاغراق وفى الحديث « حجة لمن يحج خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج وغزوة فى البحر خير من عشر غزوات فى البر ومن فاته الغزو معى فليغز فى البحر » يقول الفقير واما الصوم فعلى عكس ذلك والله اعلم لان الصوم فى البحر سهل حيث لا يشتهى الطبع الطعام لاجل الدوران والغثيان بخلافه فى البر وقوة الاجر بكثرة التعب وكذا الغزو فى البر سهل بالنسبة الى البحر لسعة الارض وامكان التحفظ من العدو وقوة المزاج ولم يكن ذلك فى البحر قيل لبحار ما اعجب ما رأيت من عجائب البحر قال سلامتى منه ونعم ما قيل
بدريارد منافع بى شمارست ... اكرخواهى سلامت در كنار ست
قال السعدى قدس سره
سود دريانيك بودى كرنبودى بيم موج ... صحبت كل خوش بدى كرنيستى تشويش خار
-لطيفة- ركب نحو سفينة فقال للملاح اتعرف النحو قال لا قال ذهب نصف عمرك فهاجت الريح واضطربت السفينة فقال الملاح اتعرف السباحة قال لا قال ذهب كل عمرك وفى المثنوى
محو مى بايد نه نحو اينجابدان ... كرتو محوى بى خطر درآب ران
آب دريا مرده را برسر نهد ... وربود زنده زدريا كى رهد
جون بمردى توز اوصاف بشر ... بحر اسرارات نهد بر فرق سر
اى كه خلقان راتوخر مى خواندة ... اين زمان جون خربرين يخ ماندة
ومنها ان البغى والفساد والتعصب والعناد وكفران نعمة رب العباد انما هو من نسيان العهد مع الله ذى الامداد ونتيجة النسيان والاصرار على الآثام المؤاخذة والانتقام وفى الحديث « ثنتان يعجلهما الله فى الدنيا البغى وعقوق الوالدين » وفى الحديث « لا تمكر ولا تغن ماكرا ولا تبغ ولا تعن باغيا ولا تنكث ولا تعن ناكثا » فالبغاة من القضاة والولاة لا يجوز اعانتهم فى امر من الامور فى اجراءالاحكام الشرعية فقد ورد ( من اعان ظالما سلط الله عليه ) وفى الحديث طما من عبد ولاه الله امر رعيته فغشهم ولم ينصح لهم ولم يشفق عليهم الا جرم الله عليه الجنة « قال السعدى قدس سره
رعيت جوبينجند سلطان درخت ... درخت اى بسرباشد ازبيح سخت
مكن تاتوانى دل خلق ريش ... وكر ميكنى ميكنى بيخ خويش
كرانصاف برسى بداختر كسست ... كه در راحتش رنج ديكر كسست
ثماند ستمكار بد روز كار ... بماند بر ولعنت بإيدار
ومنها ان لكل عمل صورة حقيقية بها يظهر فى النشأة الآخرة فان كان خيرا فعلى صورة حسنة وان كان شرا فعلى صورة قبيحة وهذه الصورة المختلفة برزت فى هذه النشأة على خلاف ما هى عليه فى الآخرة ولذا استحسن العصاة المعاصى واستحلوها وان كانت سموما قاتلة واستكرهوا الطاعات ووجدوها مرة المذاق وان كانت معاجين نافعة فالبغى برز فى هذه الدار بصورة مشتهاة عند البغاة لتمتعهم به من حيث اخذ المال والتشفى من الاعداء ونحو ذلك وسينبئهم الله باعمالهم اى يظهرها لهم على صورها الحقيقية فيرون ان الامر على خلاف ما ظنوا

(5/252)


إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)

{ انما مثل الحيوة الدنيا } اى حالهم العديبة وسميت الحال العجيبة مثلا تشبيها لها بالمثل السائر فى الغرابة { كما انزلنا من السماء فاختلط به من نبات الارض } اى اختلط بسبب المطر نبات الارض واشتبك بعضه فى بعض وكثف { مما يأكل الناس } حال من النبات اى كائنا مما يأكل الناس من الزروع والبقول { والانعام } من الحشيش { حتى } غاية للاختلاط باعتبار الجزاء الذي هو اتيان الامر الالهى { اذا اخذت الارض زخرفها } زينتها وحسنها { وازينت } باصناف النبات واشكالها والوانها المختلفة كعروس اخذت من الوان الثياب والزين فتزينت بها فالارض استعارة بالكناية حيث شبهت بالعروس واثبت لها ما يلائم العروس وهو اخذ الزينة وهو قرينة الاستعارة بالكناية . وقوله ازينت ترشيح واصله تزينت فادغمت التاء فى الزاى فاجتلبت عمزة الوصل لضرورة تسكين الزاى عند الادغام { وظن اهلها } اى اهل تلك الارض { انهم قادمون عليها } متمكنون من حصدها ورفع غلتها { اتيها امرنا } جواب اذا قال الكاشفى [ ن كاه آمد بدان زمين عذاب ما يعنى فرمان ما بخرابى آن زمين دررسيد ] { ليلا او نهارا فجعلناها } اى زروع تلك الارض وسائر ما عليها فالمضاف محذوف للمبالغة { حصيدا } شبيها بما حصد من اصله { كان لم تغن } زروعها اى لم تنبت { بالامس } وهو مثل فى الزمان القريب وليس المراد امس يومه كأنه قيل لم تغن آنفا ويقال للشيء اذا فنى كان لم يغن لالامس اى كأن لم يكن وهو من باب علم يقال غنى بالمكان اذا قام به والجملة حال من مفعول جعلناها { كذلك } الكاف صفة مصدر محذوف اى مثل ذلك التفصيل البديع { نفصل الآيات } القرآنية التى من جملتها هذه الآيات المنبهة على احوال الحياة اى نوضحها ونبينها { لقوم يتفكرون } فى تضاعيفها ويقفون على معانيها وتخصيص تفصيلها بهم لانهم المنتفعون بها واعلم ان التشبيه الواقع فى هذه الآية تشبيه مركب وان دخل الكاف على المفرد وهو الماء لانه شبهت الهيئة المنتزعة من اجتماع الحياة وبهائها وسرعة انقضائها بعد اغترار الناس بها بلهيئة المنتزعة من اجتماع خضرة الارض ونضارتها وانعدامها عقيبها بآفة سماوية ومشيئة آلهية
بنكر بآنكه روى زمين فصل نوبهار ... مانند نقش خامه ما نى مزينست
وقت خزان ببرك رياحين جوبنكرى ... منصف شوى كه لائق برباددادنست
وقال بعضهم مثلت الحياة الدنيا بالماء لان الماء يتغير بالمكث فكذا المال بالامساك اى يصير مذموما عند البخل : كما قال فى المثنوى
ما جون آبست وتاباشد روال ... فيضها يابند ازواهل جهان
جندروزى جون كنديكجادرنك ... كنده وبيحاصلست وتيره رنك
يقول الفقير من البخل ايضا حبس الكتب ممن يطلبها الانتفاع بها لا سيما مع عدم التعدد لنسخها الذى هو اعظم اسباب المنع والوعيد المذكور فى قوله عليه السلام

(5/253)


« من كتم علما يعلمه الجم يوم القيامة بلجام من نار » يشمل ما ذكرنا كما فى المقاصد الحسنة . وقدرأينا فى زماننا من يمنع الكتب عن المستحقين ويحبس بعض الثياب فى الصندوق الى ان يبلى ويفنى لا يلبس ولا يبيع ولا يهب ولو قلت فيه لقال انى ورثته من ابى او امى فاحفظه تبركا فانظر الى هذا الجهل الذى لا يغنى عنه شيأ وقال بعضهم فى وجه المماثلة المطر اذا نزل بقدر الحاجة نفع واذا جاوز حد الاعتدال ضر فكان المال اذا كان قدر ما يندفع به الضرورة ويحصل به مقاصد الدين والدنيا كان نافعا واذا كان زائدا على قدر الحاجة صار موجبا لارتكاب المعاصى ووسيلة للتفاخر على الادانى والاقاصى قال الله تعالى { ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى }
توانكرى كشدت سوى عجب ونخوت وناز ... خوشست فقر كه دارد هزار سوز ونياز
وقال بعضهم [ جون باران بنهال كل رسد لطافت وطراوت اوبيفزايد وجون بخاربن كذرد حدت وشوكت او زيادت كند مال دنيا نيز جون بمصلح صلاح اوبيفزايد ] ( كما فى الحديث نعم المال الصالح للرجل الصالح ) [ واكر بدست مفسد افتدمايه فساد وعناد اوروى بازدياد نهد ] كما ان العلم النافع سيف قاطع لصاحبه فى قتل الهوى والعلم الغير النافع سبب لقطع طريق صاحبه عن الحق فما احسن الاول وما اقبح الثاني وقال بعضهم [ جون آب باران بزمين رسد قرار نكيرد وبلكه باطراف وجوانب روان كردد مال دنيا نيزيكجا قرار نكيرد بلكه هرروز دردست ديكرى باشد وهو شب بايكى عقد مواصلت بندد نه عهد اورا وفايى ونه وفاى اورا بقايى ]
كنج امان نيست درين خاكدان ... مغز وفانيست درين استخوان
كهنه سراييست بصد جاكرو ... كهنه واندر كرو نوبنو
وسئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الدنيا فقال « دنياك ما يشغلك عن ربك » اقول ان الدنيا كلامّ تربى الناس كالاولاد فمن اشتغل بلام كالطفل عن المعلم بقى جاهلا وصار كأنه اتخذها صنما لنفسه يعبده ومن اشتغل بالمعلم عن الام صار عالما وتخلص من عبادة الهوى ووصل الى المقصود . فذم الدنيا انما هو بحسب اشتغاله عن الله تعالى لا بحسب نفسها . قيل حد الدنيا من القاف الى القاف وقال اهل التحقيق حدها فى الحقيقة من مقعر الكرسى الى تحت الثرى فما يتعلق بعالم الكون والفساد فمن حد الدنيا فالسموات والارضون وما فيهما من عالم الكون والفساد يدخل فى حد الدنيا واما العرش والكرسى وما يتعلق بهما من الاعمال الصالحة والارواح الطيبة والجنة وما فيها فمن حدة الآخرة عصمنا الله واياكم من التعلق بغيره ايا كان وشرفنا بالتجرد التام عن عالم الامكان

(5/254)


وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)

{ والله } اسم للذات الاحدية جامع لجميع الاسماء والصفات ومن ثمه توسل به بعضهم الى دخةل عالم الحقيقة وقال رجل للشبلى قدس سره لم تقول الله ولا تقول لا اله الا الله فقال اخشى ان اوخذ فى وحشة الجحد { يدعو } الناس جميعا على لسان رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى السنة ورثته الكمل الذين اتبعوه قولا وفعلا وحالا من الدار التى اولها البكاء واوسطها العناء وآخرها الفناء { الى دار السلام } اى الى دار السلامة من كل مكروه وآفة وهى الجنة اولها العطاء واوسطها الرضاء وآخرها اللقاء -حكى- ان بعض ملوك الامم السالفة بنى مدينة وتأنق وتغالى فى حسنها وزينتها ثم صنع طعاما ودعا الناس اليه واجلس اناسا على ابوابها يسألون كل من خرج هل رأيتم عيبا فيقولون لا حتى جاء اناس فى آخر الناس عليهم اكسية فسألوهم هل رأيتم عيبا فقالوا عيبين اثنين فحبسوهم ودخلوا على الملك فاخبروه بما قالوا فقال ما كنت ارضى بعيب واحد فائتونى بهم فادخلوهم عليه فسألهم عن العيبين ما هما فقالوا تخرب ويموت صاحبها فقال أفتعلمون دارا لا تخرب ولا يموت صاحبها قالوا نعم فذكروا له الجنة ونعيمها وشوقوه اليها وذكروا النار وعذابها وخوفوه منها ودعوه الى عبادة الله تعالى فاجابهم الى ذلك وخرج من ملكه هاربا تائبا الى الله تعالى
والله يدعو آمده آزادئ زندانيان ... زندانيان غمكين شده كويى بزندان ميكشى
شاهان سفيهانرا همه دربند زنداد ميكشند ... توازجه اززندان شان سوى كلستان ميكثى
وفى الحديث « ما من يوم تطلع فيه الشمس الا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلق الا الثقلين ايها الناس هلموا الى ربكم والله يدعو الى دار السلام » والمقصود الى العمل المؤدى الى دخول الجنة ولذا قال بعض المشايخ اوجب الله عليك وجود طاعته فى ظاهر الامر وما اوجب عليك بالحقيقة الا دخول جنته اذ لامر آيل اليها والاسباب عدمية وانما احتاجوا الى الدعوة والايجاب اذ لس فى اكثرهم من المروءة ما يردهم اليه بلا علة بخلاف اهل المروءة والمحبة والوفاء فانه لو لم يكن وجوب لقاموا للحق بحق العبودية وراعوا ما يجب ان يراعى ن حرمة الربوبية ويجوز ان يكون المعنى الى دار الله تعالى فان السلام اسم من اسمائه سبحانه والاضافة للتشريف كبيت الله ومعنى السلام فى حقه تعالى انه اسلم ذاته من العيب وصفاته من النقص وافعاله من الشر وفى حق العبد انه سلم من الغش والحقد والحسد وارادة الشر قلبه وسلم من الآثام والمحظورات جوارحه ولن يوصف بالسلام والاسلام الا من سلم المسلمون من لسانه ويده . او المعنى الى دار يسلم الله تعالى والملائكة على من يدخلها او يسلم بعضهم على بعضهم يقول الفقير دار السلام اشارة الى دار القلب السليم الذى سلم من التعلق بغير الله تعالى ومن دخلها كان آمنا من التكدر مطلقا بشيء من الامور المكروهة صورة وصارت النار عليه نورا وقد قيل جنة معجلة وهى جنة المعارف والعلوم وجنة مؤجلة وهى الموعودة فى دار القرار والجنة مطلقا دار السلامة لاولياء الله تعالى { ويهدى من يشاء } هدايته منهم { الى صراط مستقيم } موصل اليها وهو الاسلام والتزود بالتقوى عم بالدعوة لاظهار الحجة وخص بالهداية لاستغنائه عن الخلق وهذا العموم والخصوص فى سماع الدعوة وقبولها بالنسبة الى من كان له سمع كالعموم والخصوص فى رؤية المسك وشمعه بالاضافة الى من كان له بصر فرب رائى مزكوم ليس له الا الرؤية وكذا رب سامع ليس له من القبول شيء فمن تعلقت بهدايته ارادة الحق تعالى يسرت اسبابه وطوى له الطريق وحمل على الجادة فالداعى اولا وبالذات هو الله تعالى وثانيا وبالعرض هو الانبياء ومن اتبعهم على الحق اتباعا كاملا والمدعو هو الناس والمدعو اليه هو الجنة وكذا الهادى هو الله والمهدة بالهداية الخاصة هو الخواص والمهدى اليه هو الصراط المستقيم ومشيئته تعالى ارادته وهي صفة قديمة اتصفت بها ذاته تعالى كعلمه وقدرته وكلامه وسائر صفاته ويسمى متعلقها المراد المعبر عنه بالعناية فمن سأل بلسان الاستعداد كونه مظهرا للجلال امسك فى هذه النشأة عن اجابة الدعوة ومن سأل كونه مظهرا للجمال اسرع للاجابة والله تعالى يعطى كل شيء ما يستعده وهذه المشيئة والسؤال لا بد فى توفيقهما من قوة الحال : قال الحافظ

(5/255)


درين جمن نكتم سرزنش بخود رويى ... جنانكه برورشم مى دهند مى رويم
واعلم ان قبول الدعوة لا بد فيه من علامة وهى التزهد فى الدنيا والسلوك الى طريق الفردوس الاعلى والتوجه الى الحضرة العليا ألا ترى الى ابن ادهم خرج يوما يصطاد فاثار ثعلبا او ارنبا فبينما هو فى طلبه هتف به هاتف ألهذا خلقت ام بهذا امرت ثم هتف به من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت فنزل عن مركوبه وصادف راعيا لابيه فاخذ جبة الراعى وهى من صوف فرسه وما معه ثم دخل البادية وكان من شانه ما كان
در راه عشق وسوسه اهر من بسيست ... هش دار وكوش دل بييام سروش كن
والانتباه الصورى اى من المنام مثال لالانتباه القلبى اىمن الغفلة فالقاعدون فى مقامات طبائعهم ونفوسهم كمن بقى فى النوم ابدا واليه الاشارة بقوله تعالى { فيمسك التى قضى عليها الموت } والسالكون هم المنتبهون من رقدة هذه الغفلة واليه الاشارة بقوله تعالى { ويرسل الاخرى الى اجل مسمى } وهو اللائح بالبال والله اعلم بحقيقة الحال قال فى التأويلات النجمية { والله يدعو الى دار السلام } يدعو الله ازلا وابدا عباده الى دار السلام وهى العدم صورة ظاهرا وعلم الله وصفته معنى وحقيقة وانما سمى العدم والعلم دار السلام لان العدم كان دارا قد سلكم المعدوم فيها من ىفة الاثنينية والشركة مع الله فى الوجود وهى دار الوحدانية وايضا لان السلام هو الله تبارك وتعالى والعلم صفته القائمة بذاته فالله تعالى بفضله وكرمه يدعو عباده ازلا من العدم الى الوجود ومن العلم وهو الصفة الى الفعل وهو الخلق ويدعوهم ابدا من الوجود الى العدم ومن الفعل الى العلم يدعوهم الى الوجود بالنفخة وهى قوله تعالى

(5/256)


{ ونفخت فيه من روحى } ويدعوهم من الوجود الى العدم والعلم بالجذبة وهى قوله تعالى { ارجعى الى ربك } ولما دعى النبي صلى الله عليه وسلم بالجذبة الى علم الله الازلى الابدى قال « قد علمت ما كان وما سيكون » وذلك لانه صار عالما يعلم الله تعالى لا بعلم نفسه وهو سر قوله تعالى { علمك ما لم تكن تعلم } وانما علمه حين قال { فاعلم انه لا اله الا الله } اى فاعلم بعلم الله الذى دعيت بالجذبة اليه ان لا اله فى الوجود الا الله فان العلم الآلهى محيط بالوجود كله قال { قد احاط بكل شيء علما } فانت بعلمه محيط بالوجود كله فتعلم حقيقة ان ليس فى الوجود اله غير الله انتهى
يقول الفقير المتلقف من فم حضرة الشيخ سلمه الله تعالى ان الانتباه الصورى اشارة الى يقظة القلب ثم الحركة الى الوضوء اشارة الى التوبة والانابة ثم التكبيرة الاولى اشارة الى التوجه الالهى فحاله من الانتباه لى هنا اشار الى عبوره من عالم الملك وهو الناسوت والدخول فى عالم الملكوت ثم الانتقال الى الركوع اشارة الى عبوره من عالم الملكوت الى عالم الجبروت ثم الانتقال الى السجدة اشارة الىعبوره من عالم الجبروت والوصول الى عالم اللاهوت وهو نقام الفناء الكلى وعند ذلك يحصل الصعود الى وطنه الاصلى العلوى فالانتقالات تصعد فى صورة التنزل ثم القيام من السجدة اشارة الى حالة البقاء فانه رجوع الى القهقري وفيه تنزل فى صورة التصعد والركوع مقام قاب قوسين وهو مقام الصفات اى الذات الواحدية والسجدة مقام او ادنى وهو مقام الذات الاحدية ومن هذا التفصيل عرفت ما في التأويلات من الصعود والهبوط مرة بالدعوة من العلم الى الوجود ومرة بالدعوة من الوجود الى العلم فاذا لم يقطع السالك عقبات لعروج والنزول فهو ناقص فى برزخ بالنسبة لى من قطعها كلها وتلك العقبات هى تعينات الاجسام والارواح والعلم والعين على حسب تفصيل المراتب فيها فانظر الى قوله تعالى { لا يمسه الا المطهرون } تجد الاشارة الى ان الهوية الذاتية لا يمسها الالمطهرون من دنس تعلق كل تعين روحانيا كان او جسمانيا والله المعين
قال فى التأويلات { ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم } فلما جعل الله دعوة الخلق من العلم الى الفعل ومن الوجود الى العدم ولعلم عامة جعل الهداية بالمشيئة الى العلم وهى الصراط المستقيم خاصة يعنى هو يهديهم بلجذبة الكاملة الى علمه القديم بمشيئته الازلية خاصة وهذا مقام السير فى الله بالله انتهى كلامه

(5/257)


لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)

{ للذين احسنوا } اعمالهم اى عملوها على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفى المستلزم لحسنها الذاتى وقد فسره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله « ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك » يقول الفقير العبادة على وجه رؤية الله تعالى وشهوده والحضور معه لا تكون الا بعد غيبوبة الغير عن القلب وارتفاع ملاحظته جدا فيأول المعنى الى قولنا للذين اخلصوا اعمالهم عن الرياء وقلوبهم عن غير الله تعالى { الحسنى } اى المثوبة الحسنى وهى فى اللغة تأنيث الاحسن والعرب تطلق هذا اللفظ على الخصلة المرغوب فيها { وزيادة } اى وما يزيد على تلك المثوبة تفضلا لقوله تعالى { ويزيدهم من فضله } فالمثوبة ما اعطاه الله فى مقابلة الاعمال والزيادة ما اعطاه الله لا فى مقابلتها والكل فضل عندنا وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر امثالها الى سبعمائة ضعف واكثر جمهور المحققين على ان الحسنى الجنة والزيادة اللقاء والنظر الى وجه الله الكريم وفى الحديث « اذا دخل اهل الجنة الجنة يقول الله تعالى تريدون شيئا ازيدكم فيقولون الم تبيض وجوهنا الم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف لهم الحجاب فما اعطوا شيأ احب اليهم من النظر الى ربهم ثم تلا هذه الآية للذين احسنوا الحسنى وزيادة » رواه مسلم والترمذى والنسائى فان قيل لم سمى الله الرؤية زيادة والجنة الحسنى والنظر الى وجهه اكبر من الجنة والزيادة فى الدنيا تكون اقل من رأس المال قيل المراد بالزيادة فى الآية الزيادة الموعودة والموعودة الجنة فالزيادة ههنا ليست من جنس المزيد عليه وهى الجنة ودرجاتها فالزيادة من العزيز الاكبر اكبر واعز كما ان الرضوان من الكريم الاجود اكبر واجل وفي الخبر ( ان اهل الجنة اذا رأوا الحق نسوا نعيم الجنة ) وهذه الرؤية بعين الرأس واما فى الدنيا فبعين العين لغير نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم كما سبق عند قوله تعالى { لا تدركه الابصار } الآية وانما تحصل بارتفاع الموانع وهى حجب التعينات جسمانية او روحانية : قال الحافظ
جمال يار ندارد نقاب وبرده ولى ... غبار ره بنشان تا نظر توانى كرد
وذلك لان اللهتعالى ليس بمحجوب لانه لو حجبه لستره وهو ليس فى جهة ولا مكان وانما المحجوب انت ولو ازال لحق الحجاب عنا وشاهدناه نسينا الكون وما فيه كما ينسى اهل الجنة نعيمها عند التجلى فكان يفوت آن التعبد الشرعى ولذا لا نشاهد الحق فى دار الدنيا لانها مقام التكليف { ولا يرهق وجوههم } اى لا يغشاها . وبالفارسية [ بوشيدة نكر داند رويها بهشتيانرا ] { قتر } غبرة فيها سواد والقتر اشد من الغبار { ولا ذلة } اى اثر هوان وكسوف بال والغرض من نفى هاتين الصفتين نفى اسباب الخوف والحزن والذل عنهم ليعلم ان نعيمهم الذى ذكره الله خالص لا يشوبه شيء من المكروهات وانه لا يتطرق اليهم ما اذا حصل بغير صفحة لوجه ويزيل ما فيها من النضارة والحسن .

(5/258)


والجملة مستأنفة لبيان امنهم من المكاره اثر بيان فوزهم بالمطالب والثانى وان اقتضى الاول الا انه ذكر اذكارا بما ينقذهم الله منه برحمته وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام ببيان ان المصون من الرهق اشرف اعضائهم { اولئك } [ آن كروه محسنان ] { اصحاب الجنة هم فيها خالدون } بلا زوال دائمون بلا انتقال
وفى التأويلات النجمية { للذين احسنوا الحسنى وزيادة } اى للذين عاملوا الله على مشاهدته فان الاحسان ان تعبد الله كانك تراه الحسنى وهى شواهد الحق والنظر اليه وزيادة والزيادة ما زاد على النظر بالوصول الى العلم الازلى مجذوبا من انانيته الى هويته بافناء الناسوتية فى اللاهوتية { ولا يرهق وجوههم قتر } اى لا يصيبهم غبار الحجاب { ولا ذلة } وجود يقتضى الاثنينية { اولئك اصحاب الجنة } جنة السير فى الله { هم فيها خالدون } دائمون فى السير بجذبات العناية

(5/259)


وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)

{ والذين كسبوا السيآت } اى ارتكبوا الشرك والمعاصى وهو مبتدأ بتقدير المضاف خبره قوله تعالى { جزاء سيئة بمثلها } والجزاء مصدر من المبنى للمفعول والباء فى بمثلها متعلقة بجزاء . والمعنى وجزاء الذين كسبوا السيآت ان يجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها الا يزاد عليها كما يزداد فى الحسنة
قال فى الكشاف فى هذا دليل على ان المراد بالزيادة الفضل لانه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله ودل ثمة باثبات الزيادة على المثوبة على فضله انتهى
يقول الفقير تبعه على هذا جمهور المفسرين ولكن تفسير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما سبق احق بان يتبع ويرجح ويقدم على الكل ولا مانع من ان يراد بالزيادة الفضل واللقاء فان اللقاء الذى هو افضل الكرامات اذا حصل فلأن يحصل ما هو دونه من الفضل ولتضعيف اظهر { وترهقهم } [ وببوشد ايشانرا ] اذا عاينوا النار { ذلة } [ خوارى ورسوايى يعنى آثار مذلت برايشان هويدا كردد ] وفى اسناد الرهق الى انفسهم دون وجوههم ايذان بانها محيطة بهم غاشية لهم جميعا { ما لهم من الله من عاصم } اى لا يعصمهم احد من سخطه تعالى وعذابه ولا يمنعه { كأنما اغشيت } البست . وبالفارسية [ كوبيا بوشيده شده است ] { وجوههم قطعا من الليل } لفرط سوادها وظلمتها { مظلما } : يعنى [ سياه كردد رويهاى ايشان ازغم واندوه جون شب تيره ] وقطعا بفتح الطاء جمع قطعة مفعول ثان لأغشيت وقرئ قطعا بسكون الطاء وهو اسم مفرد للشيء المقطوع فحينئذ يصح ان يكون مظلما صفة له لتطابقهما فى الافراد والتذكير { اولئك } [ آن كروه كه كاسب سيآتند ] يعنى مشركان ومنافقان { اصحاب النار هم فيها خالدون } اعلم ان دخول الجنة برحمة الله تعالى وقسمة الدرجات بالاعمال والخلود بالنيات فهذه ثلاثة مقامات وكذلك فى دار الشقاوة دخول اهلها فيها بعدل الله وطبقات عذابها بالاعمال وخلودهم بالنيات . يعنى ان المؤمن لما كانت نيته فى الدنيا ان يعبد الله ابدا ما عاش وكذا الكافر لما كانت نيته عبادة الاصنام ابدا ما عاش جوزى كل احد بتأبيد النية واصل ما استوجبوا به هذا العذاب المؤبد المخالفة كما كانت فى السعادة الموافقة وكذلك من دخل من العاصين النار لولا المخالفة ما عذبهم الله شرعا نسال الله لنا ولك وللمسلمين ان يستعملنا بصالح الاعمال ويرزقنا الحياء منه تعالى
قال ابو العباس الاقليشى لم اجد فى مقدار بقاء العصاة فى النار حدا فى صحيح الآثار غير ان الغزالى ذكر فى الاحياء حال عصاة الموحدين فقال ان بقاء العاصى فى النار لحظة واكثره سبعة آلاف عام لما ورد به الاخبار انتهى يقول الفقير لعل الحكمة فى ذلك كون تلك المدة عمر النوع الانسانى فاقتضى التشديد فى التربية بقاءه فى النار تلك المدة فالظاهر ان تلك السنين انما هى باعتبار سنى الآخرة التى كل يوم منها الف سنة كما فى حق الكفرة الا ان يتفضل الله تعالى على المؤمنين والله اعلم .

(5/260)


وعذاب كل عاص كيفية وكمية انما هو على حسب حجابه كيفية وكمية ألا ترى الى قوله تعالى { كأنما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } فانه باعتبار توجههم الى السفليات وهى الصفات الحيوانية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض نسال الله تعالى ان يجعلنا من الذين انتقلوا من معادنهم الطينية وخرجوا من رعونة البشرية والتحقوا بالعالم الاعلى وكل من صفت جوهرته ولطف معناه يكون هكذا بخلاف من انكدرت جوهرته وكثف معناه فلا بد لك من ان تضرم على النفس نار المجاهدة وتلقيها فى ابواط الرياضة فان الرجال الانجاد رضى الله عنهم ما اشتغلوا بتدبير جسومهم من حيث الشهوات وانما اشتغلوا بنفوسهم ان يخلصوها من رعونة الطبع حتى يلحقوها بعالمها ألا ترى سهلا التسترى وهو من رؤساء هذا الطريق وساداته لما قيل له ما القوت فقال ذكر الحى الذى لا يموت قيل له هذا قوت الارواح فما قوت الاشباح فقال دع الديار لى بانيها ان شاء عمرها وان شاء خربها فما احرم عبدا لم يوفقه الله لتخليص جوهرته نعوذ بالله من الحرمان : وفى المثنوى
اين رياضتها درويشان جراست ... كان بلا برتن بقاى جانهاست
مردن تن دررياضت زند كيست ... رنج اين تن روحرا بايند كيست
بس رياضت رابجان شو مشترى ... جون سبردى تن بخدمت جان برى

(5/261)


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)

{ ويوم نحشرهم } يوم منصوب على المفعولية بفعل مضمر الا انذرهم او ذكرهم وضمير نحشرهم لكلا الفريقين الذين احسنوا والذين كسبوا السيآت لانه المتبادر من قوله { جميعا } حال من الضمير اى مجتمعين لا يشذ منهم فريق { ثم نقول للذين اشركوا } اى نقول للمشركين من بينهم { مكانكم } نصب على انه فى الاصل ظرف لفعل اقيم مقامه لا على انه اسم فعل وحركته حركة بناء كما هو رأى الفارسى اى الزموا مكانكم حتى تنظروا ما يفعل بكم { أنتم } تأكيد للضمير المنتقل اليه من عامله لسده مسده { وشركاؤكم } عطف عليه { فزيلنا } من زلت الشيء عن مكانه ازيله اى ازالته والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية لان ثلاثيه متعد بنفسه وهذا التزييل وان كان مما سيكون يوم القيامة الا انه لتحقق وقوعه صار كالكائن الآن فلذلك جاء بلفظ الماضي بعد قوله نحشر ونقول اى ففرقتا { بينهم } وبين الآلهة التى كانوا يعبدونها وقطعنا العلائق والوصل التى كانت بينهم فى الدنيا فخابت اعمالهم وانصرمت عرى اطماعهم وحصل لهم اليأس الكلى من حصول ما كانوا يرجونه من جهتهم والحال وان كانت معلومة لهم ن حين الموت والابتلاء بالعذاب لكن هذه المرتبة من اليقين انما حصلت عند المشاهدة والمشافهة { وقال شركاؤهم } التى كانوا يعبدونها ويثبتون الشركة لها وهم الملائكة وعزير والمسيح وغيرهم ممن عبدوه من اولى العلم . وقبل الاصنام ينطقها الله الذى انطق كل شيء { ما كنتم ايانا تعبدون } مجاز من براءة الشركاء من عبادة المشركين حيث لم تكن تلك العبادة بامر الشركاء وارادتهم وانما الامر بها هو اهواؤهم والشياطين فالمشركون انما عبدوا فى الحقيقة اهواءهم وشياطينهم الذين اغووهم

(5/262)


فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29)

{ فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } فانه العالم بكنه الحال { ان } مخففة من ان واللام فارقة { كنا عن عبادتكم } لنا { لغافلين } والغفلة عبارة عن عدم الارتضاء والا فعدم شعور لملائكة بعبادتهم لهم غير ظاهر وهذا يقطع احتمال كون المراد بالشركاء الشياطين كما قيل فان ارتضاءهم باشراكم مما لا ريب فيه وان لم يكونوا مجبرين لهم على ذلك كذا فى الارشاد وهذا بالنسبة لى كون المراد بالشركاء ذوى العلم واما ان كان المراد الاصنام فمن اعظم اسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور البتة

(5/263)


هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)

{ هنالك } ظرف مكان اى فى ذلك المقام الدهش او فى ذلك الوقت على استعارة ظرف المكان للزمان { تبلو } من البلوى والاختبار . فى الفارسية [ بيازمودن ] اى تختبر وتذوق { كل نفس } مؤمنة كانت او كافرة سعيدة او شقية { ما اسلفت } اى قدمت من العمل فتعاين نفعه وضره واما ما عملت من حالها من حين الموت والابتلاء بالعذاب فى البرزخ فامر مجمل { وردوا } الضمير للذين اشركوا على انه معطوف على زيلنا وما عطف عليه وقوله تعالى { هنالك تبلو } الخ اعتراض فى اثناء المقرر لمضمونها { الى الله } اى جزائه وعقابه فان الرجوع الى ذاته تعالى مما لا يتصور { موليهم } ربهم { الحق } اى المتحقق الصادق ربوبيته لا ما اتخذوه ربا باطلا
قال اشليخ فى تفسيره مولاهم الحق الذى يتولى ويملك امرهم حقيقة ولا يشكل بقوله ( وان الكافرين لا مولى لهم ) لان المعنى فيه المولى الناصر وفى الاول المالك { وضل عنهم } وضاع اى ظهر ضياعه وضلاله الا انه كان قبل ذلك غير ضال او ضل فى اعتقادهم الجازم ايضا { ما كانوا يفترون } من ان ىلهتهم تشفع لهم اوما كانوا يدعون انهم شركاء الله
واعلم ان اكثر ما اعتمد عليه اهل الايمان يتلاشى ويضمحل عند ظهور حقيقة الامر يوم القيامة فكيف ما استند اليه الشرك والعصيان -كما حكى- ان الجنيد قدس سره رؤى فى المنام بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال طاحت تلك الاشارات وفنيت تلك العبارات وابيدت تلك الرسوم وغابت تلك العلوم وما نفعنا الا ركيعات كنا نركعها فى السحر
هر كنج سعادت كه خداداد بحافظ ... ازيمن دعاى شب وورد سحرى بود
ثم ان الآية الشريفة اشارت الى ان النفس انما تعبد الهوى ولا محراب لها فى توجهها الا ما سوى المولى
قال بعض السادة رحمه الله تحت الجبال بالاظافر ايسر من زوال الهوى اذا تمكن وكما لا يحب الله العمل المشترك بالالتفات لغيره نفسا كان او غيرها كذا لا يحب القلب المشترك بمحبة غيره من شهوة او غيرها قال محمد بن حسان رحمه الله بينانادور فى جبل لبنان اذ خرج على شاب قد احرقته السموم والرياح فلما رآنى ولى هاربا فتبعته وقلت عظنى بكلمة انتفع بها قال احذره فانه غيور لا يحب ان يرى فى قلب عبده سواه
قال ابن نجيد رحمه الله لا يصفو لاحد قدم فى العبودية حتى يكون افعاله كلها عنده رياء واحواله كلها عنده دعاوى وانما يفتضح المدعون بزوال الاحوال : وفى المثنوى
جون بباطن بنكرى دعوى كجاست ... اوودعوى بيش آن سلطان فناست
وقال الحافظ قدس سره
حديث مدعيان وخيال همكاران ... همان حكايت زردوز وبوريافست

(5/264)


فعلى العبد ان يفنى عن جميع الاوصاف ويغتسل عن كل الاوساخ وينقطع عن التشبث بكل حجر وشجر فان الظفر انما هو بعناية الله خالق القوى والقدر ونعم ما قال بعضهم استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون
وفى التأويلات النجمية { ويوم نحشرهم جميعا } اى اجتماع ارواح الانسان وحقائق الاشياء التى يعبدون من دون الله مثل الدنيا والهوى والاصنام { ثم نقول للذين اشركوا مكانكم } اى نخاطب ارواح المشركين بان قفوا مكانكم الذى اخترتم بالجهل بعد ان كنتم فى علو المكان { انتم وشركاؤكم } اى انزلوا انتم وشركاؤكم الى المكان السفل وهو مكان شركائكم اذا تعلقتم بهم { فزيلنا بينهم } اى فرقنا بين المشركين وشركائهم بان تعذب المشركين بعذاب البعد والطرد عن الحضرة والم المفارقة وحسرة ابطال استعداد المواصلة ولا نعذب لشركاء بهذه العقوبات لعدم استعدادهم فى قبول كمال القرب { وقال شركاؤكم ما كنتم ايانا تعبدون } بل كنتم تعبدون هواكم لانه ما عبد فى الارض اله ابغض الا بالهوى فلهذا فال عليه الصلاة والسلام « ما عبد فى الارض اله ابغص على الله من الهوى » وقال تعالى { أرأيت من اتحذ الهه هواه } { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } فيما شاهد { ان كنا عن عبادتكم لغافلين } اى كنا فى غفلة عن ذوق عبادتكم ايانا وحفظها ومشربها بل كان الحظ والمشرب والذوق لهواكم فى استيفاء اللذات والشهوات والتمتعات الدنيوية والاخروية عند عبادتنا بلا شعور منا بخلاف عبادة الله فان فى عبادة الله رضاه وشعوره بها ومنه المدد والتوفيق وعليه الجزاء والثواب { هنالك تبلو كل نفس ما اسلفت } اى فى ذلك الحال تبتلى كل نفس ما قدمت من التعلقات بالاشياء والتمسكات بها { وردوا الى الله } فى الحكم والقرب والبعد واللذة والالم { مولاهم الحق } اى متوليهم فى ذلك هو الله اى فى اذاقة اللذات من القرب والالم من البعد لا غيره من الشركاء

(5/265)


قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)

{ وضل عنهم ما كانوا يفترون } ان للشركاء اثرا فى القربة والشفاعة انتهى
ما فى التأويلات النجمية { قل } للمشركين احتجاجا على حقيقة التوحيد وبطلان الشرك { من يرزقكم } [ كيست كه شمارا روزى ميدهد ] { من السماء } [ از آسمانكه باران مى باراند ] { والارض } [ واز زمين كه كياه مى روياند ] { أم من } ام منقطعة لانه لم يتقدمها همزة استفهام ولا همزة تسوية وتقدر هنا ببل وحده دون الهمزة بعدها كما فى سائر المواضع لانها وقع باسمها اسم استفهام صريح وهو من فلا حاجة الى الهمزة بعدها كما فى سائر المواضع لانها وقع بعدها اسم استفهام صريح وهو من فلا حاجة الى الهمزة وبل اضراب انتقال من الاستفهام الاول الى استفهام آخر لا اضراب ابطال اذ ليس فى القرآن ذلك . والمعنى بالفارسية [ آيا كيست كه ] { يملك السمع والابصار } اى يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة او من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من ادنى شيء يصيبهما . وكان على على رضى الله عنه يقول سبحان من بصر بشحم واسمع بعظم وانطق بلحم ولما كانت حاجة الانسان الى السمع والبصر اكثر من حاجته الى الكلام خلق الله له اذنين وعينين ولسانا واحدا { ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى } اى من ينشئ الحيوان من النطفة من الحيوان وكذا من يخرج الطائر من البيضة ويخرج البيضة من الطائر { ومن يدبر الامر } اى امر جميع العالم علويا كان او سفليا روحانيا او جسمانيا { فسيقولون } بلا تأخير { الله } يفعل ما ذكر من الافاعيل لا غيره اذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحه { فقل } عند ذلك تبكيتا لهم { أفلا تتقون } اى أتعلمون ذلك فلا تتقون عقابه باشراككم به الاصنام

(5/266)


فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)

{ فذلكم الله } الذى يفعل هذه الاشياء هو { ربكم الحق } اى الثابت ربوبيته لا ما اشركتم معه . فقوله فذلكم مبتدأ والجلالة صفته وربكم الحق خبره ويجوز ان يكون الجلالة خبره وربكم بدل منه والاشارة محمولة على التجوز لاستحالة تعلق الاحساس به تعالى { فما ذا } يجوز ان يكون الكل اسما واحدا قد غلب فيه الاستفهام على اسم الاشارة وان يكون موصولا بمعنى الذى اى ما الذى { بعد الحق } اى غيره بطريق الاستعارة اى ليس غيرالتوحيد وعبادة الله تعالى { الا الضلال } الذى لا يختاره احد وهو عبادة الاصنام وانما سميت ضلالا مع كونها من اعمال الخوارج باعتبار ابتنائها على ما هو ضلال من الاعتقاد والرأى { فأنى تصرفون } استفهام انكارى بمعنى انكار الوقوع واستبعاده والتعجب اى كيف تصرفون من التوحيد وعبادة الله تعالى الى الاشراك وعبادة الاصنام الذ هو ضلال عن الطريق الواضح : قال السعدى قدس بره
ترسم نرسى بكعبه اى اعرابى ... كين ره كه توميروى بتر كستانست
فقد نبه الله على ضلالهم على لسان رسوله عليه السلام وهو الهادى الى طريق الحق والصواب والفارق بين اهمل التصديق والارتياب : قال الصائب
اقف نميشوندكه كم كرده اند راه ... تار هروان برهنمايى نمى رسند

(5/267)


كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)

{ كذلك } الكاف فى محل النصب على انه صفة مصدر محذوف والاشارة بذلك الى المصدر المفهوم من الحق فى قوله ربكم الحق اى كما حقت الربوبية لله تعالى { حقت كلمة ربك } حكمه وقضاؤه . يعنى [ واجب شد عذاب الهى ] { على الذين فسقوا } اى تمردوا فى كفرهم وخرجوا عن حد الاستصلاح { انهم } تعليل لحقية تلك الكلمة والاصل لانهم { لا يؤمنون } فالكفر اذ اهمل الى العذاب فان كل نتيجة مبنية على المقدمات والاسباب . والقمح لا ينبت من الزوان ولا يثمر الثمر ام غيلان

(5/268)


قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)

{ قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده } البد بالفارسية [ ابتداكردن ] اى يخلق على الخلق اولا ثم يعيده بعد الموت ولما كانوا مقرين بالبدء ومنكرين للاعادة نادا ومكابرة امر صلى الله تعالى عليه وسلم بان يبين لهم من يفعل ذلك فقيل له { قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده } اى هو يفعلهما لا غير كائنا من كان فأنى تؤفكون } اى كيف تصرفون وتقلبون عن قصد السبيل والاستفهام انكارى

(5/269)


قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)

{ قل هل من شركائكم من يهدى } غيره { الى الحق } ولو كانت الهداية بوجه من الوجوه فان ادنى مراتب العبودية هداية المعبود لعبدته الى ما فيه صلاح امرهم وهدى كما يستعمل بكلمة الى لتدل على انتها ما قبلها الى مدخولها كذلك يستعمل باللام التعليلية لتدل على ان الهداية لا تتوجه نحو ما دخل عليه اللام الا لاجل ان تؤدى اليه ويترتب هو عليها كما هو شأن العلة والمعلل بها وقد جمع بين التعديتين فى هذه الآية { قل الله يهدى } من يشاء { للحق } دون غيره بنصب الادلة وارسال الرسل وانزال الكتب والتوفيق للظر الصحيح والتدبر الصائب فان العقول مضطربة والافكار مختلطة وتعيين الحق صعب ولا يسلم من الغلط الا الاقل من القليل فالاهتداء لادراك الحقائق لا يكون الا باعانة الله وهدايته وارشاده { أفمن يهدى } غير { الى الحق } هو الله تعالى { أحق ان } اى بان { يتبع } والمفضل عليه محذوف اى ممن لا يهدى { ام من لا يهدى } بكسر الهاء وتشديد الدال اصله لا يهتدى وادغم وكسر الهاء لالتقاء الساكنين اى لا يهتدى فى حال من الاحوال { الا ان يهدى } الا فى حال هدايته تعالى له الى الاهتداء
فان قلت الاصنام جمادات لا تقبل الهداية فكيف يصح ان يقال فى حقها الا ان يهدى وايضا كلمة من تستعمل فى ذوى العقول دون الجمادات فلا يليق ان يقال فى حقها ام من لا يهدى
قلت هذا انتفاء الاهتداء ا ان يهدى حال اشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام فهذا بيان لفساد مذهب من يتخذ العقلاء الذين يقبلون الهداية اربابا بعد ما بين فساد مذهب مطلق اهل الشرك من عبدة الاوثان وغيرها بقوله { قل هل من شركائكم من يبدا الخلق } الآية فانك لا شك ان المراد بالشركاء فيه ما يتناول الاصنام وغيرها
وقل فى التبيان الصنم لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء فى نفسه الا ان يهدى يعنى يدخل ويخرج وينق ويتصرف فيه الله تعالى جل عن ذلك وظاهر هذا الكلام يدل على ان الاصنام ان هديت اهتدت وليس كذلك لانها حجارة لا تهدتى الا انهم ما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمل يعقل ويفعل { كيف تحكمون } بما يقضى صريح العقل ببطلانه وهو انكار لحكمهم الباطل حيث سوّوا بين من يحتاجون هم اليه وهو الله تعالى وبين من يحتاج هو اليهم وهو ما عبدوه من دون الله من الاصنام ولا مساواة بين القادر والعاجز جدا
عجر وقدرت كه هر دو ضدانند ... عقل كركويدت كه يكسانند
عجز بر خلق مى دراند بوست ... قادرى بركمال حضرت اوست

(5/270)


وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)

{ وما يتبع اكثرهم } فيما يعتقدون من ان الاصنام آلهة { الا ظنا } من غير تحقيق وانما قلدوا فى ذلك آباءهم . وفيه اشعار بان بعضهم قد يتبعون العلم فيقفون على حقية التوحيد وبطلان الشرك لكن لا يقبلونه مكارة وعنادا { ان الظن لا يع\غنى } بى نياز نكر داندكسى را ] { من الحق } [ از علم واعتقاد درست يعنى ظن وتخمين بجاى حق ويقين نتواند ] { شيأ } من الاغناء فيكون مفعولا مطلقا ويجوز ان يكون مفعولا به ومن الحق حالا منه فمعنى لا يغنى حينئذ لا ينوب
وقال بعضهم ان الظن بان الاصنام شفعاء لا يدفع عنهم العذاب فقولهم بانها شفعاء باطل محض مبنى على خيال فاسد وظن واه { ان الله عليم بما يفعلون } وعيد على اتباعهم للظن واعراضهم عن البرهان . وفى الآية دلالة على وجوب العلم فى الاصول وعدم جواز الاكتفاء بالتقليد : وفى المنثوى
وهم افتد در خطا ودر غلط ... عقل باشد در اصابتها فقط
كشتئ بى لنكر آمد مرد شر ... كه زباد كزنيابد او حذر
لنكر عقلست عاقل را امان ... لنكرى دريوزه كن ازعاقلان
وقد نادى قوله تعالى { فما لكم كيف تحكمون } على كونهم محرومين من كمال العقل فان العاقل بالعقل الكامل لا يتبع الباطل والجهل بل الحق والعلم وكون الآباء على صفة الشرك لا ينهض حجة فان الله تعالى قد خلق الناس وهداهم الى تمييز الخير والشر بتركيب لعقل فيهم فالاتباع ليس الا الى الهدى وكما ان المشركين ضلوا عن طريق الشريعة بتقليد الجهلة فكذا السالكون ضلوا عن طريق الحقيقة بتقليد الغفلة
قال بعض الكبار اوصيكم بوصية لا يعرفها الا من عقل وجرب ولا يهملها الا من غفل فحجب وهو ان لا تأخذوا فى هذا العلم مع متكبر ولا صاحب بدعة ولا مقلد . اما الكبر فانه عقال عن فهم الآية والعبر . واما البدعة فتوقع صاحبها فى البلايا الكبار . واما التقليد فعقال يمنع من الظفر وبلوغ الوطر ثم ان ما وصل المرء اليه بنور العقل والبرهان فالعلم المكسوب بالعقل بمنزلة الظن والتخمين عند ارباب اليقين والحق الذى لا غاية واءه وراء طور العقل وما يلى ظاهر القلب هو الايمان وما يلى باطنه هو الايقان
قال بعض العارفين اذا كان الايمان فى ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة والدنيا وكان مرة مع الله ومرة مع نفسه فاذا دخل لايمان باطن القلب ابغض العبد دنياه وهجر هواه والوصول الى هذه المرتبة لا يكون الا بجذبة آلهية وبصحبة مرشد كامل : قال الحافظ
من بسر منزل عنقا نه بخود بردم راه ... قطع اين مرحله بامرغ سليمان كردم
ومن شرائطه الاحتراز عن صحبة خلاف الجنس فانها مؤثرة وما ضاع من ضاع الا بمساعدة الهوى والقعود مع اهل الانكار فقد ظهر الحق وحقيقة الحال وماذا بعد الحق الا الضلال نسأل الله المتعال ان يوفقنا للاجتهاد الى وقت الارتحال

(5/271)


وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37)

{ وما كان هذا القرآن } مع ما فيه من دلائل الاعجاز من حسن نظمه ومعانيه الدقيقة وحقائقه الجامعة { ان يفترى } فى محل لنصب على انه خبر كان اى افتراء اى مفترى يفترى به على الله وسمى بالمصدر مبالغة والافتراء فى الاصل افتعال من فريت الاديم اذا قدرته للقطع ثم استعمل فى الكذب { من دون الله } خبر آن اى صادرا من دون الله لانه لا يتكلم بمثله الا الله { ولكن } كان { تصديق الذى بين يديه } اى مصدقا لما تقدمه من الكتب الالهية بسبب كون مضمونه مطابقا لمضمون تلك الكتب فيما اخبر به م اصول الدين وقصص الاولين ظهر فى يد من لم يمارس شيأ من العلوم ويجالس علماء تلك الكتب فاذا كان ما جاء به مطابا لها يعلم انه ليس افتراء بل من الله تعالى { وتفصيل الكتاب } من كتب بمعنى فرض وقدره وحكم اى وتفضيل ما حقق واثبت من الحقائق والشرائع
وفى التأويلات النجمية اى تفصيل الجملة التى هى المقدر المكتوبة فى الكتاب الذى عنده لا يتطرق اليه المحو والاثبات لانه ازلى ابدى كما قال { يمحو الله ما يشاء ويثبت } يعنى فى اللوح المحفوظ وهو مخلوق قابل التغير { وعنده ام الكتاب } يعنى الاصل لذى لا يقبل التغير وهو علمه القائم بذاته القديم { لا ريب فيه } خبر ثالث داخل فى حكم الاستدراك اى منتفيا عنه الريب . يعنى [ از ظهور حجت ووضوح دلالت بمثابه ايست كه هركه درو ادنى تاملى كند زريب استد وداندكه بشبه درومجال نيست ] { من رب العالمين } خبر آخر تقديره كائنا من رب العالمين فهو وحى نازل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عنده تعالى

(5/272)


أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)

{ ام يقولون افتراه } ام منقطة مقدرة ببل والهمزة . والمعنى بل أيقولون كفار مكة افتراه محمد والهمزة لانكار الواقع واستبعاد وجوز الزمخشرى ان تكون للتقدير لالزام الحجة { قل } لهم ان كان الامر كما تقولون { فائتوا } انتم على وجه الافتراء والامر من باب التعجيز والقام الحجر { بسورة مثله } فى البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى فانكم مثلى فى العربية والفصاحة { وادعوا من استطعتم } دعاءه والاستعانة به ليعاونكم على اتيان مثله لم يف عقل الواحد والاثنين منكم فى استخراج ما يعارض القرآن { من دون الله } متعلق بادعوا ودون جار مجرى اداة الاستثناء اى ادعوا متجاوزين الله اى سواه تعالى من استطعتم من خلفه فانه لا يقدر عليه احد { ان كنتم صادقين } فى انى افتريته فان ما افتراه احد من المخلوقين يفتريه غيره لانه فوق كل ذى علم عليم فاذا عرفتم عجزكم حال الاجتماع وحال الانفراد عن هذه المعارضة فحينئذ يظهر ان نظمه وتنزيله ليس الا من قبل الله تعالى
واعلم ان اعجاز القرىن اى جعله الغير عاجزا كونه فى غاية البلاغة ونهاية الفصاحة بحيث يصرف الناس عن قدره معارضته لا عن نفس المعارضة مع القدرة بان عقد الله لسان البيان من بلغاء الزمان لطفا منه بنبيه وفضلا عليه كما توهمه البعض كذا فى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى

(5/273)


بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)

{ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } اى سارعوا الى تكذيب القرآن قبل فهمه فان تكذيب الكلام قبل الاحاطة بمعانيه مسارعة اليه فى اول وهلة ومعنى الاضطراب فى بل ذمهم على التقليد وترك النظر كأنه قيل دع تحديهم والزامهم فانهم لا يستأهلون الخطاب لانهم مقلدون متهافتون فى الامر لا عن خبر وتعقل ولو كان لهم وقوف على ما فى تضاعيف القرآن من شواهد الاعجاز لعلموا انه ليس ما يمكن ان يكون له نظير يقدر عليه المخلوق { ولم يأتهم تأويله } عطف على الصلة او حال من الموصول اى لم يجئهم ما يأول اليه الامر . والمعنى ان القرآن معجز من جهة النظم والمعنى ومن جهة الاخبار بالغيب وهم قد جأوا تكذيبه قبل ان يتدبروا نظمه وينتظروا وقوع ما اخبره به من الامور المستقبلة التى يزهر بعضها فى الدنيا ويظهر بعضها فى الآخرة ليستدلوا بذلك على صحة القرآن وصدق قول النبي عيله السلام ونفى اتيان التأويل بكلمة لما الدالة على التوقيع بعد نفى الاحاطة بعلمه بكلمة لما الدالة على التوقع بعد نفى الاحاطة بعلمه بكلمة لم لتأكيد الذم وتشديد التشنيع فان الشناعة فى تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع اتيانه افحش منها فى تكذيبه قبل علمه مطلقا والمعنى انه كان يجب عليهم ان يتوقفوا الى زمان وقوع المتوقع فلم يفعلوا { كذلك } اى مثل ذلك التكذيب الواقع من قومك { كذب الذين من قبلهم } انبيائهم { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم وانما وصفهم بالظلم لانهم وضعوا التكذيب فى موضع التصديق فكان مآل امرهم الى ما اخبر به الكتب والانبياء من العذاب والهلاك

(5/274)


وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40)

{ ومنهم } اى من المكذبين { من يؤمن به } من يصدق بالقرآن فى نفسه ويعلم انه حق ولكنه يعاند { ومنهم من لا يؤمن به } فى نفسه كما لا يؤمن به ظاهرا لفرط غباوته وقلة تدبره او منهم من سيؤمن به ويتوب عن كفره لكونه مستعدا لقبول الايمان ومنهم من لا يؤمن فيما يستقبل بل يموت على كفره لعدم استعداده لقبوله { وربك اعلم بالمفسدين } بالمعاندين او المبصرين وانما وصفهم بالافساد لانهم افسدوا استعدادهم الفطرى بالاعمال الفاسدة

(5/275)


وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)

{ وان كذبوك } وان اصروا على تكذيبك بعد الزام الحجة { فقل لى عملى ولكم عملكم } فتبرأ منهم فقج اعذرت اى بالغت فى العذر كقوله تعالى { فان عصوك فقل انى بريء } والمعنى لى جزاء عملى ولكم جزاء عملكم حقا كان او باطلا وتوحيد العمل المضاف اليهم باعتبار الاتحاد لنوعى ولمراعاة كمال المقابلة { انتم بريئون مما اعمل وانا بريء مما تعملون } تأكيد لما افاده لام الاختصاص من عدم تعدى جزاء العمل الى غير عامله اى لا تؤاخذون بعملى ولا اؤاخذ بعملكم وعمله صرف الاستعداد الفطرى فى استعمال العبودية لقبول فيض الربوبية وجزاؤه الجنة والوصلة وعملهم افساد الاستعداد فى استيفاء اللذات والشهوات النفسانية وابطال القلب عن قبول الفيض الالهى وجزاؤه النار والقطيعة واضا عمل التصديق والاقرار وعملهم والتكذيب والانكار وكل بريئ من صاحبه فى الدنيا والآخرة لا يجتمعان ابدا لا يجتمع الضب والنون فان الضب غذاؤه الهواء والنون غذاؤه الماء ولاحدهما وهو لضب القبض واليبوسة لانه برى ومن طبع التراب ذلك ولالآخر وهو النون البسط والرطوبة لانه بحرى ومن طبع الماء ذلك : وفى المثنوى
طوطيان خاص را قنديست زرف ... طوطيان عام ازين خود بسته طرف
كى جشددرويش صورت زان نكات ... معنى است آن نى فعولن فاعلات
از خر عيسى دريغش نيست قند ... ليك خر آمد بخلقت كه بسند
بال بازان را سوى سلطان برد ... بال زاغان را بكورستان برد

(5/276)


وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42)

{ ومنهم } اى من المكذبين { من } اى ناس { يستمعون اليك } عند قراءتك القرآن وتعليمك للشرائع بسمع الظاهر وفى سمع قلوبهم صمم من محبة الدنيا وشهواتها فان حب الشيء يعمى ويصم عن غيره { أفانت تسمع الصم } الهمزة الاستفهامية انكارية والفاء للعطف على مقدر والتقدير أيستمعون اليك فانت تسمعهم اى تقدر على اسماعهم وقد اصمهم الله بسوء اعمالهم والمنكر هو وقوع الاسماع لا الاستماع فانه امر محقق { ولو كانوا لا يعقلون } اى لو انضم الى صممهم عدم تعلقهم لان الاصم العاقل ربما تفرس اذا وصل الى صماخه صوت واما اذا اجتمع فقدان السمع والعقل جميعا فقد تم الامر

(5/277)


وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)

{ ومنهم من ينظر اليك } بنظر الحس ويعائن دلائل نبوتك الواضحة وفى بصيرته عمى { أفانت تهدى العمى } جمع الاعمى اى عقيب ذلك انت تهديهم { ولو كانوا لا يبصرون } اى لو انضم الى عدم البصر عدم البصيرة فان المقصود من الابصار هو الاعتبار والاستبصار والعمدة فى ذلك البصيررة ولذلك يحدس الاعمى المستبصر ويتفطن لما يدركه البصير الاحمق فحيث اجتمع فيهم الحمق والعمى فقد انسد عليهم باب الهدى فقد شبه الله المكذبين الذين اصروا على التكذيب بالاصم والاعمى من حيث ان شدة بغضهم وكما نفرتهم عن رسول الله منعهم عن ادراك محاسن كلامه ومشاهدة دلائل نبوته كما يمنع الصمم فى الاذن عن ادراك محاسن الكلام ويمنع العمى فى العين عن مشاهدة محاسن الصورة وقرن عدم العقل بعدم السمع وبعدم البصر عدم الادراك تفضيلا لحكم الباطن على الظاهر فلما بلغوا فى معرض العقل الى حيث لا يقبلون الفلاح والطبيب اذا رأى مريضا لا يقبل العلاج اعرض عنه ولا يستوحش من عدم قبوله للفلاح فقد اوجب التبرى منهم وعدم الانفعال من اصرارهم على التكذيب
قال يونان وزير كسرى خمسة اشياء ضائعة . المطر فى الارض السبخة . والسراج المشتعل فى ضوء الشمس . والمرأة الحسنة الصورة عند الرجل الاعمى . والطعام الطيب عند المريض . والرجل العاقل عند من لا يعرف قدره

(5/278)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)

{ ان الله لا يظلم الناس شيأ } [ الله ظلم نكند بر مردمان هيج جيز يعنى سلب نكند حواس وعقول ايشانرا ] { ولكن الناس انفسهم يظلمون } [ ستم كنند بر نفسهاى خود وحس وعقل كه آلت ادراك آيات قدرتست درملاهى استعمال نمايند ومنافع وفوائد ىن بدركات از ايشان فائت كردد ]
جثم از براى ديدن آيات قدرتست ... كوش از بى شنيدن اخبار حضر تست
هركهكه حق نبيند وحق نشنود كسى ... كور وكرست بلكه ازان هم بتر بسى
وفى التأويلات النجمية { ان الله لا يظلم شيأ } بان لا يعطيهم استعدادا لهداية وقبلو فيض الايمان ثم يجبرهم على الهداية وقبول الايمان بل اعطاهم استعداد الهداية وقبول الايمان بفطرة الله التى فطر الناس عليها { ولكن الناس انفسهم يظلمون } بافساد الاستعداد الفطرى فى مخالفات الاوامر والنواهى الشرعية انتهى .
وفيه دليل على ان للعبد كسبا وانه ليس مسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت الجبرية وان كل ما ابتلى به فانما اتى من جانبه : وفى المثنوى
عاشق بودهاست درايام بيش ... باسبان عهد اندرعهد خويش
سالها دربند وصل ماه خود ... شاه مات ومات شاهنشاه خود
عاقبت جويندة يابنده بود ... كه فرج از صبر زاينده بود
كفت روزى يار او كامشب بيا ... كه به يختم ازبى تولوبيا
درفلان حجره نشين نانيم شب ... تابيايم نيمشب من بى طلب
مردقربان كر دونانهابخش كرد ... جون بديد آمد مهش اززيركرد
شب دران حجره نشست آن كرم دار ... بر اميد وعده آن يار غار
بعد نصف الليل آمد يار او ... صادق الوعدانه آن دلدار او
عاشق ودرا فتاده خفته ديد ... اند كى از آستين اودريد
كرد كانى جندش اندر جيب كرد ... كه توطفلى كيراين مى باز نرد
جون سحراز خواب عاشق برجهيد ... آستين وكردكانهارا بديد
كفت شاه ماهمه صدق ... ووفاست آنجه برمامى رسدآن هم زملست
خوابرا بكذار امشب اى بدر ... يك شى بركوى بى خوابان كذر
بنكر اينهارا كه مجنون كشته اند ... همجو بروانه بوصلت كشته اند
ايقظنا الله واياكم ونور محيانا ومحياكم ولا يجعلنا من الغافلين الضالين آمين آمين

(5/279)


وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)

{ ويوم يحشرهم } يوم منصوب بفعل مقدر والضمير لكفار مكة اى اذكر لهم يا محمد او انذرهم يوم يحشرهم الله ويجمعهم وهو يوم القيامة { كأن } مخففة اسمها محذوف اى كانهم { لم يلبثوا } لم يمكثوا فى الدنيا او فى القبور { الا ساعة من النهار } اى شيأ قليلا منه فانها مثل فى غاية القلة وتخصيصها بالنهار لان ساعاته اعرف حالا من ساعات اليل والجملة التشبيهية حال من ضمير المفعول اى يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث الا ساعة استقصروا المدة لهول ما رأوا والانسان اذا عظم خوفه ينسى الامور الظاهرة [ در تفسير زاهدى اورده كه معتزله در نفى عذاب قبر بدين ىيت استدلال نموده كويندا اكر كفار در قبر معذب بودندى مدتى بدين درازى ايشانرا ساعتى نه نمودى وجواب ميكويندكه اين صورت بسبب صعوبت اهوال وشدت احةال قيامتست كه مدت عذاب قبر درجنب آن يكساعت نمايد ]
يقول الفقير استقلوا مدة اللبث فى الدنيا لانهم كانوا فى النعيم صورة وايامه تمضى كالرياح واستقلوا مدة المكث فى القبور لان عذابهم فيها كان على النصف بالنسبة الى عذاب الآخرة اذا التنعم البرزخي وكذا لتألم على الروح والبدن البرزخى بخلاف التنعم والتألم الحشريين فافهم هداك الله
قال فى التأويلات النجمية تشير الآية الى الخروج من مضيق عالم الاجسام الذى هو عالم الكون والفساد والتناهى الى متسع عالم الارواح الذى هو عالم الكون بلا فساد وتناه فان مدة عمر الدنيا الفانية بالنسبة الى الآخرة الباقية ترى كساعة من نهار بل اقل من لحظة
ثم اعلم ان الحشر يكون عاما وخاصا واخص فالعام هو خروج الاجساد من القبور الى المحشر يوم النشور والحشر الخاص هو خروج ارواحهم الاخروية من قبور اجسامهم الدنيوية بالسير والسلوك فى حال حياتهم الى عالم الروحانية لانهم ماتوا بالارادة عن صفات النفسانية قبل ان يموتوا بالموت عن صورة الحيوانية والحشر الاخص هو اخروج من قبور الانانية الروحانية الى هويته الربانية كما قال تعالى { يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا } { يتعارفون بينهم } يعرف بعضهم بعضا كما كانوا يعرفون فى الدنيا فكأنهم لم يتفارقوا بسبب الموت الا مدة قليلة لا تؤثر فى زوال ذلك التعارف اول ما خرجوا من القبور ثم ينقطع التعارف اذا عاينوا العذاب ويتبرأ بعضهم من بعضهم وهو حال اخرى مقدرة لان التعارف بعد الحشر يكون { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } شهادة من الله على خسرانهم وتعجب منه اى قد غبن المكذبون بالحساب والجزاء { وما كانوا مهتدين } فى تجارتهم اذا باعوا الايمان بلكفر والتصديق بالتكذيب فلم يكونوا على نفع وقد مضى الوقت
جه خوش كفت با كودك آموزكار ... كه كارى نكرديم وشد روزكار

(5/280)


وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)

{ واما نرينك } اصله ان نترك وما مزيدة لتاكيد معنى الشرط اى ان نبصر نك بان تظهر { بعض الذى نعدهم } من العذاب ونعجله فى حياتك كما اراه ببدر والجواب محذوف لظهوره اى فذاك هو المأمول وانا عليهم مقتدرون { او نتوفينك } قبل ان نريك { فالينا مرجعهم } اى رجوعهم رجوعا اضطراريا فنريكه فى الآخرة وانا منهم منتقمون وهو جواب نتوفينك لان الرجوع انما يكون فى الآخرة بعد الموت فهو لا يصلح ان يكون جوابا للشرط وما عطف عليه ولان قوله تعالى فى حم الزخرف { فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون او نرينك الي وعدناهم فانا عليهم مقتدرون } يدل على ما ذكرنا والقرىن يفسر بعضه بعضا هكذا لاح ببال الفقير اصلحه الله القدير { ثم الله شهيد على ما يفعلون } اى مجاز على افعالهم السيئة . ذكر الشهادة واراد نتيجتها ومقتضاها ولذلك رتبها على الرجوع بثم الدالة على التراخى ولو كان المراد من الشهادة نفسها لم يصح الترتيب المذكور لانه تعالى شهيد على ما يفعلونه من التكذيب والمحاربة حال رجوعهم اليه تعالى وقبله
وقال فى الكواشى ثم بمعنى الواو او لترتيب الاخبار نحو زيد قائم ثم هو كريم وليس التأخير عجزا بل للايذان بانه تعالى قادر عليهم فى كل آن .

(5/281)


وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47)

{ ولكل امة } من الامم الماضية { رسول } يبعث اليهم بشريعة خاصة مناسبة لاحوالهم ليدعوهم الى الحق { فاذا جاء رسولهم } بالبينات فكذبوه { قضى بينهم } اى بين كل امة ورسولها { بالقسط } بالعدل وحكم بنجاة الرسول وللمؤمنين به وهلاك المكذبين { وهم لا يظلمون } فى ذلك القضاء المستوجب لتعذيبهم لانه من نتائج اعمالهم
يقول الفقير ان قلت يرد على ظاهرة الآية زمان الفترة فانها بظاهرها ناطقة بانه لم يهمل امة قط ولم يبعث لاهل الفترة رسول كما يشهد عليه قوله تعالى { لتنذروا قوما ما انذر آباؤهم } قلت مساق الآية الكريمة على ان كل امة قضى لها بالهلاك قد انذروا اولا على لسان رسول من الرسل ولم يعذب اهل الفترة لان العرب لم يرسل اليهم رسول بعد اسماعيل غير رسول الله عليهما الصلاة والسلام فعذب اعقابهم ببدر وغيره لتكذيبهم رسول الله كما دل عليه قوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقد انتهت رسالة اسماعيل بموته كبقية الرسل لان ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا عليه السلام كما فى انسان العيون
وبهذا ظهر بطلان قول ابن الشيخ فى حواشيه ان عموم الآية لا يقتضى ان يكون الرسول حاضرا مع كل واحدة منهم لان تقدم الرسول على بعض منهم لا يمنع من كونه رسولا الى ذلك لبعض كما لا يمنع تقدم رسولنا عليه السلام من كونه مبعوثا الينا الى آخر الابد انتهى
واما كون اهل الفترة معذبين فى الآخرة ام لا فقد سبق فى اواخر سورة التوبة
ثم ان الرسول يأتى بالوحى الظاهر والباطن ووارث الرسول يأتى بالوحى الباطن وهو الالهام الالهى وكل ما جاز وقوعه للانبياء من المعجزات جاز للاولياء مثله من الكرامات والله تعالى لا يحكم بين العباد الا بعد مجيء رسولهم بالظاهر والباطن فان صدقوه قضى بينهم بالسعادة على قدر تصديقهم وان كذبوه قضى بينهم بالشقاوة على قدر تكذيبهم
هركسى ازهمت والاى خويش ... سوددارد درخور كالاى خويش
فعليك بالصدق والتصديق فى حق الانبياء والاولياء واتباع ما جاؤا به من الوحى والالهام لتظفر بكل مرام

(5/282)


وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48)

{ ويقولون } استبعادا واستهزاء [ آورده اندكه بعد از نزول وامانرينك الآية كفارل مكة استعجال عذاب موعود نمودند اين آيت نازل شد ] { متى هذا الوعد } بالعذاب فليأتنا عجلة { ان كنتم } اى انت واتباعك { صادقين } فانه يأتينا

(5/283)


قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)

{ قل لا املك } لا اقدر لان الملك يلزمه القدرة { لنفسى ضرا } بان ادفعه { ولا نفعا } بان اجلبه فكيف املك لكم فاستعجل فى جلب العذاب اليكم { الا ما شاء الله } استثناء منقطع اى لكن ما شاء الله كائن فالله هوالمالك للضر والنفع وهو لم يعين لوعده زماننا ثم اخلف فاذا حضر الوقت فانه لا بد وان يقع الموعود كما قال { لكل امة } ممن قضى بينهم وبين رسولهم { اجل } معين خاص بهم لا يتعدى الى امة اخرى مضروب لعذابهم جزاء على تكذيبهم رسلهم يحل بهم عند حلوله { اذا جاء اجلهم } اى زمانهم الخاص المعين { فلا يستأخرون } اى لا يتأخرون عن ذلك الاجل وصيغة الاستقبال للاشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له { ساعة } اى شيأ قليلا من الزمان { ولا يستقدمون } اى لا يتقدمن عليه فلا يستعجلون فسيحين وقتكم وينجز وعدكم وهو عطف على يستأخرون لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع امكانه فى نفسه كالتأخر بل للمبالغة فى انتفاء التاخر بنظمه فى سلك المستحيل عقلا

(5/284)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50)

{ قل ارأيتم } اى اخبرونى لان الرؤية سبب للاخبار { ان اتيكم عذابه } الذى تستعجلون به { بياتا } اى وقت بيات واشتغال بالنوم { او نهارا } حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم { ماذا يستعجل منه المجرمون } جواب للشرط بحذف الفاء فان جواب الشرط اذا كان استفهاما لا بد فيه من الفاء الا فى الضرورة اى أى شيء ونوع من العذاب يستعجلونه وليس شيء من لعذاب يستعجل به لمرارته وشدة اصابته فهو مقتص لنفور الطبع منه او أى شيء يستعجلون منه سبحانه والشيء لا يمكن استعجاله بعد اتيانه والمراد به المبالغة فى انكار استعجاله باخراجه عن حيز الامكان وتنزيله فى الاستحالة منزلة استعجاله بعد اتيانه بناء على تنزيل تقرر اتيانه ودنوه منزلة اتيانه حقيقة والمجرمون موضوع موضع المضمر لتأكيد الانكار ببيان مباينة حالهم للاستعجال فان حق المجرم ان يهلك فزعا من اتيان العذاب فضلا عن استعجاله

(5/285)


أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51)

{ أثم اذا ما وقع آمنتم به } دخول حرف الاستفهام على ثم لانكار التأخر وما مزيدة . اى قل لهم ابعد ما وقع العذاب وحل بكم حقيقة آمنتم به حين لا ينفعكم الايمان { آلآن } بابدل الهمزة الثانية الفا مع المد اللازم واصله أالان على ان تكون الاولى استفهامية وهو منصوب آمنتم المقدر دون المذكور لان ما قبل لاستفهام لا يعمل فيما بعده كالعكس وهو استئناف من جهته تعالى غير داخل تحت القول الملقن اى قيل لهم عند ايمانهم بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به انكارا لتأخير { وقد منتم به تستعجلون } اى تكذيبا واستهزاء

(5/286)


ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52)

{ ثم قيل } عطف على ما قدر قبل آلآن { للذين ظلموا } اى وضعوا التكذيب موضع التصديق والكفر موضع الايمان { ذوقوا اعذاب الخلد } [ عذاب جاويدى كه آن دائم بود ] وذلك انهم يعذبون فى قبورهم ثم يصيرون الى جهنم فيعذبون فيها ابدا
نبندارى كه بدكو رفت وجان برد ... حسابش باكرام الكاتبين است
{ هل تجزون } اليوم يعنى لا تجزون { الا بما كنتم تكسبون } فى الدنيا من الكفر والمعاصى وفيه تنبيه على ان العذاب لم يصدر منه تعالى ابتداء فانه لم يخلق عباده الا ليرحمهم بل هو نتيج عملهم الباطل بمنزلة الهلاك المترتب على تناول السم
جراز غير شكايت كنم كه همجو حباب ... هميشة خانه خراب هواى خويشتنم

(5/287)


وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)

{ ويستنبئونك } اى يستخبرونك فيقولون على طريق الاستهزاء والانكار { أحق هو } والهمزة للاستفهام وحق خبر قدم على المبتدأ الذى هو الضمير والجملة فى موضع النصب بيستنبئونك لان انبأ بمعنى اخبر يتعدى الى اثنين بنفسه والاشهر ان يتعدى الى الثانى بكلمة عن بان يقال استنبأت زيدا عن عمرو اى طلبت منه ان يخبرنى عن عمرو { قل } لهم غير ملتفت الى استهزائهم بانيا للامر على اساس الحكمة { اى وربى } اى بكسرة الهمزة وسكون الياء من حروف الايجاب بمعنى نعم فى القسم خاصة كما ان هل بمعمنى قد فى الاستفهام خاصة فالواو للقسم . والمعنى بالفارسية [ ىرى بحق برود كارمن ] { انه } اى العذاب الموهود { لحق } ثابتة البتة { وما انتم بمعجزين } ربكم حيث اراد تعذيبكم حتى يفوتكم العذاب بالهرب فهو لا حق بكم لا محالة
وفى الآية اشارة الى ان اهل الغفلة لاحتجاب بصائرهم بحجب التعلقات الكونية ليس الامور الاخروية عندهم بمنزلة المحسوس واما اهل اليقظة فلتنورهم بنور الله تعالى يشاهدون بعين القلب الآخرة واهوالها كما تشاهد عين القالب الدنيا واحوالها فهى عندهم بمنزلة المحسوس بل النبى عليه السلام قد عبر ليلة المعراج على الجنة والنار فشاهد من شاهد بعين الرأس وكشف حقائق الاشياء ولذا حكم على الموعود بالحقية

(5/288)


وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)

{ ولو ان لكل نفس ظلمت } اشركت صفة نفس { ما فى الارض } اى فى الدنيا من خزائنها واموالها { لافتدت به } اى جعلته فدية لها من العذاب وبذلته مقابلة نجاتها من افتداه بمعى فداه اى اعطى فداءه { واسروا } اى النفوس المدلول عليها بكل نفس وايثار صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص او لتغليب ذكور مدلوله على انائه { الندامة } على ما فعلوا من الظلم { لما رأوا العذاب } والمعنى اخفوها ولم يظهروها عند معاينة العذاب عجزا عن النطق لكمال الحيرة كمن يذهب به ليصلب فانه يبقى مبهوتا لا ينطق بكلمة
وفى الكواشى { واسروا الندامة } اظهروها لانه ليس بيوم تصبر
قال فى التبيان الاسرار من الاضداد { وقضى بينهم } اى اوقع القضاء والحكم بين الظالمين ن المشركين وغيرهم من اصناف اهل الظلم بان اظهر الحق سواء كان من حقوق الله او من حقوق العباد من الباطل وعومل اهل كل منهما بما يليق به { بالقسط } بالعدل { وهم } اى الظالمون { لا يظلمون } فيما فعل بهم من العذاب بل هو من مقتضيات ظلمهم ولوازمه الضرورية كذا فى الارشاد
وقال القاضى ليس تكريرا لان الاول قضاء بين الانبياء ومكذبيهم والثانى مجازاة للمشركين على الشرك

(5/289)


أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55)

{ ألا } قال الامام كلمة ألا انما تذكر لتنبيه الغافلين واهل هذا العالم مشغولون بالنظر الى الاسباب الظاهرة فيضيفون الاشياء الى ملاكها الظاهرة المجازية فيقولون مستغرقين فى نوم الجهلة والغفلة حيث يظنون صحة تلك الاضافات فلذلك نادى الحق هؤلاء النائمين بقوله ألا { ان لله ما فى السموات والارض } لانه قد ثبت ان جميع ما سواه تعالى ممكن لذاته وان الممكن لذاته مستند الى الواجب لذاته اما ابتداء او بواسطة فثبت ان جميع ما سواه مملوك له تعالى يتصرف فيه كيفما يشاء ايجادا واعداما واثابة وعقابا وكلمة ما لتغلب غير العقلاء على العقلاء { الا ان وعد الله حق } اى ما وعده من الثواب والعقاب كائن لا خلف فيه فالوعد بمعنى الموعود والحق بمعنى الثابت والواقع ويجوز ان يكون بمعناه المصدرى والحق بمعنى المطابق للواقع اى وعده بما ذكر مطابق للواقع { ولكن اكثرهم } لقصور عقلهم واستيلاء الغفلة عليهم والفهم بالافعال المحسوسة المعتادة { لا يعلمون } ذلك وانما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون
مانده در تنكناى اين مجلس ... غير دنيانديده ديده حس
جشم دل كوكه بردها بدرد ... جانب ملك آخرت نكرد
مرغ او در قفس زبون باشد ... جه شناسد كه باغ جون باشد

(5/290)


هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)

{ هو يحيى ويميت } فى الدنيا من غير دخل لا حد فى ذلك { واليه ترجعون } فى الآخرة بالبعث والحشر
وفى التأويلات النجمية { هو يحيى } من العدم بالايجاد { ويميت } من الوجود بالاعدام { واليه ترجعون } وجودا وعدما انتهى
وفى الآية اشارة الى انه لا بد من الرجوع وان كان اضطراريا ونعم ما قيل اذا جاء الموت لا ينفع العلم كما لم ينفع آدم ولا الخلة كما لم تنفع ابراهيم ولا القربة كما لم تنفع موسى ولا الملك كما لم ينفع داورد وسليمان وذا القرنين ولا المحبة كما لم تنفع محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ولا المال كما لم ينفع قارون ولا الجنود كما لك تنفع نمر ودولا الجمال كما لم ينفع يوسف
قيل فى الموت ستمائة الف واربعة وعشرون الف غم كل غم لو وضع على اهل الدنيا لماتوا منه وبعد الموت ثلاثمائة وستون هولا كل هول اشد من الموت فمن عرف هذا بطريق اليقين جاهد الى ان تجد كل ذرة منه الم الموت فحينئذ لا يبق للام حيث الفوت مجال اصلا لانه مات بالاختبار قبل الموت بالاضطرار ورجع الى المولى بنفسه وفنى عن جملة القيود والاضافات وبقى ببقاء الله تعالى فهذا يقال له موت النفس وحياة القلب احيانا الله تعالى واياكم . والموت بالاختيار حال الاحرار والموت بالاضطرار حال اهل الدناءة والاغيار والاول رجوع بوصال والثانى رجوع بفراق : وفى المثنوى
اى برادر صبركن بردرد نيش تارع\هى از نيش نفس كبر خويش ... هركه مرد اندرتن او نفس كبر
مردرا فرمان برد خرشيدوابر ... نى بكفتست آن سراج امتان
اين جهان وآن جهان جون ضرتان ... بس وصال اين فراق آن بود
صحت اين تن سقام جان بود ... سخت مى آيد فراق اين مقر
بس فراق آن مقر دان سخت تر ... حون فراق آن نقش سخت أيدترا
تاز سخت آيد زنقاش جدا ...

(5/291)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)

الناس } نداء عام كما فى تفسير الكاشفى وخصصه فى الارشاد بكفار مكة { وقد جاءتكم موعظة } هى التذكير بالعواقب سواء كان بالزجر والترهيب او بالاستمالة والترغيب اى كتاب مبين لما يجب لكم وعليكم مرغب فى الاعمال الحسنة منفر عن الافعال السيئة وهو القرآن { من ربكم } متعلق بجاءتكم { وشفاء لما فى الصدور } ودواء من امراض القلوب كالجهل والشك والشرك والنفاق وغيرها من العقائد الفاسدة { وهدى } الى طريق الحق واليقين بالارشاد الى الاستدلال بالدلائل المنصوبة فى الآفاق والانفس { ورحمة للمؤمنين } حيث نجوا بمجيء القرآن من ظلمات الكفر والضلال وهذه المصادر وصف بها القرآن للمبالغة كأنه عينها
زهى كلام تو محض هدايت وحكمت ... زهى بيام تو عين عنايت ورحمت
كشد كمند كلام تو اهل عرفانرا ... زشورة زار خساست بكلشن همت
يقال القرآن موعظة للنفوس وشفاء للصدور وهدى للارواح . ويقال الموعظة للعوام والشفاء للخواص والهدى للاخص والرحمة للكل حيث اوصلهم الى مراتبهم

(5/292)


قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)

{ قل } يا محمد للناس { بفضل الله وبرحمته } عبارتان عن انزال القرآن والباء متعلقة بمحذوف واصل الكرم ليفرحوا بفضل الله وبرحمته وتكرير الباء فى رحمته للايذان باستقلالها فى استيجاب الفرح ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لافادة القصر ثم ادخل عليه الفاء لافادة معنى السبية فصار بفضله وبرحمته فليفرحوا ثم قيل { فبذلك فليفرحوا } للتأكيد والتقرير ثم حذف الفعل الاول لدلالة الثانى عليه والفاء الاولى جزائية والثانية للدلالى على السبية والاصل ان فرحوا بشيء فبذلك ليفرحوا الا بشيء آخر ثم ادخل الفاء للدلالة على السبية ثم حذف الشرط واشير بذلك الى اثنين اما لاتحادهما بالذات او بالتأويل المشهور فى اسماء الاشارة { هو } اى ما ذكر من فضل الله ورحمته { خير مما يجمعون } من الاموال الفانية
قال بعض الكبار فضل الله ايصال احسانه اليك ورحمته ما سبق منه من الهداية لم تك شيأ فكأن الله تعالى يقول عبدى لا تعتمد على طاعتك وخدمتك واعتمد على فضلى ورحمتى فان رأس المال ذلك [ هركسى راسرمايه ايست وسرمايه مؤمنان فضل من وهركسى راخزانة ايست وخزانة مؤمنان رحمت من ]
كر شاه را خزانه نهادن بود هوس
درويش را خزانه همين لطف دوست بس ولو كان فى جمع حطام الدنيا منفعة لا تنفع قارون
قال مالك بن دينار منت فى سفين مع جماعة فنبه العشار ان يخرج احد فخرجت فقال ما اخرجك نقلت ليس مع شيء فقال اذهب فقلت فى نفسى هكذا امر الآخرة فالعلائق قيد والتجرد وراحة : قال الحافظ
غلام همت آنم كه زير جرخ كبود ... رجه رنك تعلق بذيرد آزادست
اشار بهذا البيت الى الحرية عن جميع ما سوى الله تعالى فان العالم جسما او روحا عينا او علما مما يقبل التعلق لكن لما كان الف الناس بالمحسوس اكثر خص ما تحت الفلك الارزق بالذكر
اعلم ان الاتعاظ بالموعظة القرآنية يوصل العبد الى السعادة الباقية ويخلصه من الحظوظ النفسانية -حكى- ان ابراهيم بن ادهم سر ذات يوم بمملكته ونعمته ثم نام فرأى رجلا اعطاه كتابا فاذا فيه مكتوب لا توءثر الفانى ولا تغتر بملكك فانت الذى انت فيه جسيم لولا انه عديم فسارع الى امر الله فانه يقول { سارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة } فانتبه فزعا قال هذا تنبيه من الله وموعظة فتاب الى الله واشتغل بالطاعة
ثم فى عبارة { جاءتكم } اشارة الى ان حضرة القرآن تحفة من الله تعالى جسيمة وهدية منه عظيمة وصلت الينا فلم يبق الا القبول وقبوله الائتمار باوامره والانتهاء عن نواهيه
قال بعض القراء قرأت القرآن على شيخ لى ثم رجعت لاقرأ ثانيا فانتهزنى وقال جهلت القراءة على عملا اذهب فاقرأ على غيرى فانظر ماذا يأمرك وينهاك وماذا يفهمك كذا فى الاحياء : ونعم ما قيل :

(5/293)


نقد عمرش زفكرت معوج ... خرج شد در رعايت مخرج
صرف كردش همه حيات سره ... در قراآت سبع وعشره
والمقصود من البيت انه يلزم بعد تحصيل قدر ما يتحصل به تصحيح الحروف ورعاية المخرج صرف باقى العمر الى الاهم وهو معرفة الله تعالى وهو متعلق القلب الذى هو اشرف من اللسان وسائر الاعضاء ومعرفة الله انما تحصل غالبا بالذكر ثم الفكر بانكشاف حقائق الاشياء وحقائق القرآن فكما ان الله تعالى ايد النبى عليه السلام بجبريل فكذا ايد الولى بالقرآن وهو جبريل وعلم الشريعة يبقى هنا لان متعلقه على الفناء وانما يذهب الى الآخرة ثوابه بحسب العمل بالخلوص . واما علم الحقيقة فيذهب الى الآخرة لانه على البقاء وهو ازلى ابدى لا زوال له فى كل موطن ومقام كما افاده لى حضرة شيخى وسندى قدس الله نفسه الزاكية ونفعنى واياكم بعلومه النافعة

(5/294)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)

{ قل أرأيتم } اخبرونى ايها المشركون { ما انزل الله لكم من رزق } ما استفهامية منصوبة المحل سادة مسد المفعولين لأرأيتم جعل الرزق منزلا من السماء مع ان الارزاق انما تخرج من الارض اما لانه مقدر فى السماء كما قال تعالى { وفى السماء رزقكم } ولا يخرج من الارض الا على حسب ما قدر فيها فصار بذلك كأنه منزل منها او لانه انما يخرج من الارض باسباب متعلقة بالسماء كالمطر والشمس والقمر فان المطر سبب الانبات والشمس سبب النضج والقمر سبب اللون واللام للمنفعة فدلت على ان المراد منه ما حل { فجعلتم منه } اى جعلتم بعضه { حراما } اى حكمتم بانه حرام { وحلالا } اى وجعلتم بعضه حلالا اى حكمتم بحله مع كون كله حلالا . والمعنى أى شيء انزل الله من رزق فبعضتموه والمقصود والانكار لتجزئتهم الرزق وذلك قولهم { هذه انعام وحرث حجر } وقولهم { ما فى بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا } وهى البحيرة والسائبة والوصيلة والحام { قل } لهم { آلله } [ ايخادا ] { اذن لكم } فى ذلك الجعل فانتم فيه ممتثلون لأمره قائلون بالتحريم والتحليل بحكمه { ام الى الله تفترون } فة نسبة ذلك اليك
وفى الكواشى هذه الآية من ابلغ الزواجر عن التجوز فيما يسأل عنه من الحكم وباعثة على الاحتياط فيه ومن لم يحتط فى الحكم فهو مفتر انتهى
قال على كرم الله وجهه « من افتى الناس بغير علم لعنته السماء والارض »
وسألت بنت على البلخى اباها عن القيئ اذا خرج الى الحلق فقال يجب اعادة الوضوء فرأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لا يا على حتى يكون ملء الفم فقال عبمت ان الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا
وفى الآية اشارة الى انه لا يجوز للمرء ان يعتقد ويقول ان الرزق المعنوى من الواردات الالهية والشواهد الربانية حرام على ارباب النفوس وحلال على اصحاب القلوب وان تحصيل السعادات ونيل هذه الكرامات ليس من شأننا وانما هو من شان الاخيار لكبراء وخواص الانبياء والاولياء فان هذا افتراء على الله فان الله تعالى ما خص قوة بالدعوة الى الدرجات والمقامات العلية بل جعل الدعوة عامة لقوله { والله يدعو الى دار السلام } وقوله { يدعوكم ليغفر لكم } فتحريمه هذا الرزق على نفسه من خساسة نفسه وركاكة عقله ودناءة همته والا فالله تعالى لم يسد عليه هذا الباب بل هو الفياض الوهاب : قال الحافظ
عاشق كه شد كه يار بخالش نظر نكرد ... اى خواجه دردنيست وكرنه طبيب هست
وقال
طالب لعل وكهرنيست وكرنه خورشيد ... همجنان در عمل معدن وكانست كه بود
وفى المثنوى
كر كران وكر شتابنده بود ... عاقبت جوينده با بنده بود
وفى الحكم العطائية وشرحها من استغرب ان ينقذه الله من شهوته التى اعتقلته عن الخيرات وان يخرجه من وجود غفلته التى شملته فى جميع الحالات فقد استعجز القدرة الالهية ومن استعجزها فقد كفر او كاد ودليل ذلك ان الله تعالى يقول { وكان الله على كل شيء مقتدرا } أبان سبحانه ان قدرته شاملة صالحة لكل شيء وهذا امس الاشياء وان اردت الاستعانة على تقوية رجائك فى ذلك فانظر لحال من كان مثلى ثم انقذه الله وخصه بعنايته كابراهيم بن ادهم وفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وذى النون ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمى البداية

(5/295)


وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60)

{ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } ما استفهامية فى محل الرفع على الابتداء وظن خبرها ومفعولاه محذوفان وزيادة الكذب مع ان الافتراء لا يكون الا كذبا لاظهار كمال قبح ما افتعلوه وكونه كذبا فى اعتقادهم ايضا { يوم القيمة } ظرف لنفس الظن اى أى شيء ظنهم فى ذلك اليوم يوم عرض الافعال والاقوال والمجازاة عليها مثقالا بمثقال والمراد تهويله وت وتفظيعه بهول ما يتعلق به ما يصنع بهم يومئذ { ان الفضل لذو فضل } عظيم { على الناس } جميعا حيث انعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح ورحمهم بانزال الكتب وارسال الرسل { ولكن اكثرهم لا يشكرون } تلك النعمة الجليلة فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم الى ما خلقت له ولا يتبعون دليل العقل فما يستبد به ولا دليل الشرع فيما لا يدرك الا به

(5/296)


وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)

{ وما } نافية { تكون } يا محمد { فى شأن } اى فى امر والجمع شؤون من قولك شانت شأنه قصدت قصده مصدر بمعنى المفعول ويكون الشأن بمعنى الحال ايضا يقال ما شأن فلان بمعنى حاله { وما تتلو منه } الضمير للشأن والظرف صفة لمصدر محذوف اى تلاوة كائنة من الشأن لان تلاوة القرآن معظم شأن الرسول { من قرآن } من مزيدة لتأكيد النفى وقرآن مفعول تتلو { ولا تعملون } [ اى آدميان ] { من عمل } من الاعمال تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ولذلك ذكر حيث خص ما فيه فخامة وذكر حيث عم ما يتناول الجليل والحقير
قال ابن الشيخ الخطاب وان خص به عليه السلام اولا بحسب الظاهر الا ان الامة داخلون فيه لان رئيس القوم اذا خوطب دخل قومه فى ذلك الخطاب كما فى قوله تعالى { يا ايها النبى اذا طلقتم النساء } { الا كنا عليكم شهودا } استثناء مفرغ من اعم احوال المخاطبين بالافعال الثلاثة اى ما تلابسون بشيء منها فى حال من الاحوال الا حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له { اذ تفيضون فيه } ظرف لشهودا اذ تخلص المضارع لمعنى الماضى والافاضة الدخول فى العمل يقال افاض القوم فى العمل اذا اندفعوا فيه اى تخوصون وتندفعون فيه { وما يعزب عن ربك } اى لا يعبد ولا يغيب عن عمله الشامل { من مثقال ذرة } من مزيدة لتأكيد النفى اى ما يساوى فى الثقل نملة صغيرة او هباء { فى الارض ولا فى السماء } اى فى دائرة الوجود والامكان { ولا } لنفى الجنس { اصغر } الذرة { ولا اكبر الا فى كتاب مبين } خبرها وهو اللوح المحفوظ فاذا كان كل شيء مكتوبا فى اللوح فكيف يغيب عن علمه شيء وكيف يخفى عيله امر فلا يظن انه لا يجازى على اقواله وافعاله خيرا كانت او شرا
وفيه اشارة الى طريق المراقبة وحث على المحافظة فان المرء اذا علم يقينا اطلاع الله عليه فى كل آن وحافظ على اوقاته سلم من الخلاف وعامل بالانصاف -حكى- عن عمر البنانى رحمه الله قال مررت براهب فى مقبرة فى كفه اليمنى حصى ابيض وفى كفه اليسرى حصى اسود فقلت يا راهب ما تصنع ههنا قال اذا فقدت قلبى اتيت المقابر فاتبرت بمن فيها فقلت ما هذا الحصى الذى فى كفك فقال اما الحصى الابيض اذا عملت حسنة القيت واحدة منها فى الاسود واذا عملت سيئة واحدة من هذا الاسود فى الابيض فاذا كان الليل فنظرت فان فضلت الحسنات على السيآت افطرت وقمت الى وردى وان فضلت السيآت على الحسنات لم آكل طعاما ولم اشرب شرابا فى تلك الليلة هذه حالتى والسلام عليك
وعن بعض الكبار من علامة موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من المراقبات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات لان الحياة تقتضى الاحساس والعكس صفة الميت وكل معصية من الغفلة والنسيان فذاكر الحق سالم فى الدنيا والآخرة -حكى- ان وليسا اشتاق الى رؤية حبيب من احباء الله فقيل له اذهب الى القصبة الفلانية حبيبى فجاء اليها ورأى رجلا يذكر الله واسدا فاذا تغافل يختطفه الاسد حتى يقطع قطعة لحم من اعضائه فلما قرب اليه وسأل عن حاله قال اردت ان لا اتغافل عن ذكر الله فاذا وقعت الغفلة سلط على كلبا من كلاب الدنيا فانا الازمه مخافة ان يسلط كلبا من كلاب الآخرة على للغفلة
يقول الفقير فى هذه القصة اشارات .

(5/297)


منها ان فضوح الدنيا اه9ون من فضوح الآخرة وان مقاساة شدائد طريق الحق فى هذه النشأة أسهل من المؤاخذات الاخروية فعلى المرء ملازمة الطاعة والعبادة وان كانت شاقة عليه : وفى المثنوى
اندرين ره مى تراش ومى خراش ... تا آخر دمى فارغ مباش
ومنها انه لابد من المراقبة فان عجز بنفسه عنها استعان عليها من خارج فانه لا بد للنائم من محركوموقظ اذ النوم طويل والنفس كسلى ولذا جعلوا من شرط الصحبة ان لا يصطحب الا من فوقه : وفى البستان
زخزد بهترىئ جوى وفرصت شمار ... كه باجون خودى كم كنى روزكار
ومنها ان الاسد الذى سلطه الله عليه انما سلطه فى الحقيقة على نفسه ليفترسها فان لم يمت نفسه فى هذا الدار سلطها الله عليه فى دار البوار

(5/298)


أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

{ الا } تنبهوا واعلموا { ان اولياء الله } اى احباء الله واعداء نفوسهم فان الولاية هى معروفة الله ومعرفة نفوسهم فمعرفة الله رؤيته بنظر المحبة ومعرفة النفس رؤيتها بنظر العداوة وعند كشف العداوة عند كشف غطاء احوالها واوصافها فاذا عرفتها حق المعرفة وعلمت انها عدوة الله لك وعالجتها بالمعاندة والمكابدة أمنت مكرها وكيدها وما نظرت اليها بنظر الشفقة والرحمة كما فى التأويلات النجمية
قال المولى ابو السعود رحمه الله الولى لغة القريب والمراد باولياء الل خلص المؤمنين لقربهم الروحانى منه سبحانه انتهى لانهم يتولونه تعالى بالطاعة اى يتقربون اليه بطاعته والاستغراق فى معرفته بحيث رأوا رأوا دلائل قدرته وان سمعوا آياته وان نطقوا بالثناء عليه وان تحركوا تحركوا فى خدمته وان اجتهد واجتهدوا فى طاعته { لا خوف عليهم } فى الدارين من لحوق مكروه والخوف انما يكون من حدوث شيء من المكاره فى المستقبل { ولا هم يحزنون } من فوات مطلوب والحون انما يكون من تحقق شيء مما كرهه فى الماضى او من فوات شيء احبه فيه اى لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا انه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا انه لا يعتريهم خوف وحرن بل يستمرون على النشاط والسرور كيف ولا استشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله وهيبته واستقصارا للجد والسعى فى اقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين
ولذا قال فى الكواشى { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فى الآخرة والا فهم اشد خوفا وحزنا فى الدنيا من غيرهم انتهى
وانكا يعتريهم ذلك لان مقصدهم ليس الا طاعة الله ونيل رضوانه انه المستتبع للكرامة والزلفى وذلك مما لا ريب فى حصوله ولا احتماله لفواته بموجب الوعد بالنسبة اليه تعالى واما ما عدا ذلك من الامور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات فهى بمعزل من الانتظام فى سلك مقصدهم وجودا وعدما حتى يخافوا من حصول ضارها او يحزنوا بفوات نافعها كما فى الارشاد . والتحقيق انهم لفنائهم فى عين الهوية الاحدية لم يبق فيهم بقية ولا غاية ما وراء ما بلغوا حتى يخافوا ويحزنوا كما فى نفائس المجالس لحضرة الهدائى قدس سره

(5/299)


الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)

{ الذين آمنوا وكانوا يتقون } استئناف مبنى على السؤال ومحل الموصول لرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف كأنه قيل من اولئك وما سبب فوزهم بتلك الكرامة فقيل هم الذين جمعوا بين الايمان بكل ما جاء من عند الله والتقوى المفضيين الى كل خير المنحيين عن كل شر
قل شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة وكانوا يتقون الله تعالى من صدور سيآت الاعمال والاخلاق فى مرتبة الشريعة والطريقة ومن ظهور الغفلات والتلوينات فى مرتبة المعرفة والحقيقة لانهم يصلحون طبائعهم بالشريعة وانفسهم بالطريقة وقلوبهم بالمعرفة وارواحهم واسرارهم بالحقيقة فلا جلام انهم يتقون من جميع ما سوى الله انتهى
يقول الفقير يشير رضى الله عنه بذلك الى ان المراد بالتقوى المرتبة الثالثة منها وهو تنزه الانسان عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل اليه بالكلية وهذه المرتبة جامعة لما تحتها من مرتبة التوقى عن الشرك التى يفيدها الايمان ايضا ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك وللاولياء فى شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسب تفاوت درجات استعدادهم اقصاها ما انتهى اليه همم الانبياء عليهم السلام جمعوا بين رياستى النبوة والولاية وما عاقبهم التعلق بعلم الاشباح عن العروج الى عالم الارواح ولم يصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق فى شؤون الحق لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة القدسية ومن هنا فضل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على عيسى عليه السلام اذ ليس عروجه الى الرابعة ببديع بالنسبة الى عروج رسولنا عليه السلام الى العرش وما فوقه اذ كان تعلقه بذه النشأة من جهة الام فقط وتعلق رسول الله من جهة الابوين ومع ذلك ما عاقه التعلق حتى انتهى فى عروجه الى ما انتهى من نهايات العنصريات وغايات الطبيعيات ودوام الاتصال بالانوار العالية ممكن كما يحكى عن بعض المتألهين وان لم يكن فيجعل هذه الحالة ملكة له فيصير بدنه كقميص يلبسه تارة ويخلعه اخرى ألا ترى ان من قدر على النفقة فهو متى جاع فبيده الشبع يأكل ما شاء فقس عليه الرزق المعنوى والعروج الى مبدأه بل هو اولى من ذلك لانه مستغن عن آلة وسبب وليس الطالب والمطلوب مسافة : وفى المثنوى
اين دراز وكوتهى مرجسم راست ... جه دراز وكوته آنجا كه خداست
جون خدا مرجسم را تبديل كرد ... رفنتش بى فرسخ وبى ميل كردفاذا عرفت
فاذا عرفت ان اولياء الله تعالى هم المؤمنون المتقون بالتقوى الحقيقية فاعرف ايضا انه جاء فى الاولياء اوصاف اخر بعضها متقارب وبعضها باعتبار البداية وبعضها باعتبار النهاية الى غير ذلك
مما روى على كرم الله وجهه هم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الطوى يبس الشفاه من الذوى

(5/300)


وعن سعيد بن جبير ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من اولياء الله فقال ( هم الذى يذكر الله برؤيتهم } اى بسمتهم واخباتهم وسكينتهم نحو سيماهم فى وجوههم
وقال بعض علامة الاولياء أن همومهم مع الله وشغلهم بالله وفرارهم اليه فنوا فى احوالهم بقائهم فى مشاهدة مالكهم فتوالت عليهم انوار الولاية فلم يكن لهم عن نفوسهم اخبار ولا مع واحد غير الله قرار وهم المتحابون فى الله قال صلى الله تعالى عليه وسلم « ان لله عبادا ليسوا بانبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله » قيل يا رسول الله من هم وما اعمالهم فلعلنا نحبهم قال « هم قوم تحابوا فى الله غير ارحام منهم ولا اموال يتعاطونها فوالله ان وجوههم لنور وانهم لعلى منابر من ثور لا يخافون اذا خاف الناس ولا يحزنون اذا حزن الناس » قوله يغبطهم الانبياء تصوير لحسن حالهم على طريقة التمثيل
قال الكواشى وهذا مبالغة والمعنى لو فرض قوم بهذه الصفة لكانوا هؤلاء والا فلا خلاف ان احدا من غير الانبياء لا يبلغ منزلة الانبياء
وفى تفسير الفاتحة للفنارى ان النبيين يفزعون على اممهم للشفقة التى جبلهم الله عليها للخلق فيقولون يوم القيامة اللهم سلم سلم ويخافون اشد الخوف على اممهم والامم يخافون على انفسهم واما الآمنون على انفسهم فيغبطهم النبيون فى الذى هم عليه من الامن لما هم اى النبيون عليه من الخوف على اممهم وان كانوا آمنين على انفسهم
يقول الفقير وحين الانتهاء فى التحرير الى هذا المحل ظهر لى وجه آخر وهو ان الحديث المذكور ناطق عن المحبة فى الله والمحبة مقام اختص به عليه السلام من بين الانبياء والرسل وهو لا ينافى تحقق الكمل من ورثته بحقائقه اذ كمال التابع تابع لكمال متبوعة فمن الجائز ان يحصل لهم من ذلك المقام وآثاره ما به يغبطهم بعض الانبياء
وقد ورد « علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل » ولا يلزم م ذلك بلوغهم منزلة الانبياء ورجحانهم عليهم مطلقا وقد تقرر ان الافضل قد يكون مفضولا من وجه وبالعكس ألا ترى قوله عليه السلام « انتم اعلم بامور دنياكم » ودرجات المعرفة لا نهاية لها والى الله المنتهى
وقال ابو يزيد قدس سره اولياء الله تعالى عرائس ولا يرى العرائس الا من كان محرما لهم واما غيرهم فلا وهم مخدرون عنده فى حجاب الانس لا يراهم احد فى الدنيا ولا فى الآخرة
وقال سهل اولياء الله تعالى لا يعرفهم الا اشكالهم او من اراد ان ينفعه بهم ولو عرفهم حتى يعرفهم الناس لكانوا حجة عليهم فمن خالف بعد علمه بهم كفر ومن قعد عنهم خرج

(5/301)


وقال الشيخ ابة العباس معرفة الولى اصعب من معرفة الله فان الله معروف بكماله وجماله ومتى يعرف مخلوق مخلوقا مثله يأكل كما يأكل ويشرب كما يشرب وهم ظاهرهم مزين باحكام الشرع وباطنهم مستغل بانوار الفقر : وفي المثنوى
رهر وراه طريقت اين بود ... كاو باحكام شريعت ميرود
قال الكاشفى فى وصف الاولياء
رخش زميدان ازل تاخته ... كوى بجو كان ابد باخته
معتكفان حرم كبريا ... شسته دل از صورت كبرويا
راه ثوردان شكست قدم ... راز كشايان فروبسته دم
وقال السعدى
اسيرش نخواند رهايى زبند ... شكارش نجويد خلاص ازكمند
دلارام در بر ل دلارى جوى ... لب ازتشنكى خشك بر طرف جوى

(5/302)


لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)

{ لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة } بيان لما اولاهم من خيرات الدارين بعد بيان انجائهم من شرورهما ومكارههما . ولجملة مستأنفة كأنه قيل هل لهم وراء ذلك من نعمة وكرامة فقيل لهم ما يسرهم فى الدارين وتقديم الاول لما ان التخلية سابقة عن التحلية . والبشرى مصدر اريد به من الخيرات العاجلة كالنصر والفتح والغنيمة وغير ذلك والآجلة الغنية عن البيان والظرفان فى موقع الحال منه والعامل ما فى الخبر من معنى الاستقرار اى لهم البشرى حال كونها فى الحياة الدنيا وحال كونها فى الآخرة اى عاجلة وآجلة او من الضمير المجرور اى حال كونهم فى الحياة لخ ومن البشرى العاجلة الثناء الحسن والذكر الجميل ومحبة الناس هذا ما اختاره المولى ابو السعود بناء على انها بشارة ناجزة مقصودة بالذات . وقيل البشرى مصدر والظرفان متعلقان به اما البشرى فى الدنيا فهى البشارات الواقعة للمؤمنين المتقين فى غير موضع من الكتاب المبين وعن النبي عليه السلام « هى الرؤيا الصالحة يراها المؤمن او ترى له » اى يراها مسلم لاجل مسلم آخر ولا يخفى ان كون الرؤيا الصالحة مبشرة للمؤمنين يمنع ان تكون بنبوة فتكون بوجه آخر من صلاح وتنبيه غفلة وفرح وغيرها كما فى شرح المشارق لابن الملك وهذه البشارة لا تحصل الا لاولياء الله لانهم مستغرقوا القلب والروح فى ذكر الله ومعرفة الله فمنامهم كاليقظة لا يفيد الا الحق واليقين واما من يكون متوزع الخاطر على احوال هذا العالم الكدر المظلم فانه لا اعتماد على رؤياه
وفى التأويلات النجمية لهم المبشرات التى هى تلو النبوة من الوقائع التى يرون بين النوم واليقظة والالهامات والكشوف وما يرده عليهم من المواهب والمشاهدات كما قال عليه السلام « لم يبق من النبوة الا المبشرات » انتهى
وفى الحديث « الرؤيا الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة واربعين جزأ من النبوة » ومعناه ان النبي عليه السلام حين بعث اقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين فمدة الوحى اليه فى اليقظة ثلاث وعشرون سنة ومدة الوحى فى المنام ستة اشهر من ثلاث وعشرين سنة فهى جزء من ستة واربعين جزأ وانما ابتدئ رسول الله بالرؤيا لئلا يفجأه الملك بالرسالة فلا تتحملها القوى البشرية فكانت الرؤيا تأنيسا له
وقال بعضهم لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة . واما البشرى فى الآخرة فتلقى الملائكة اياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم واعطاء الصحف بايمانهم وما يقرأون منها وغير ذلك من البشارات فى كل موطن من المواطن الاخروية فتكون هذه بشارة بما سيقع من البشارات العاجلة والآجلة المطلوبة لغاياتها لا لذواتها
[ سلمى فرموده كه بشارات دنيا وعده لقاست ومرده آخرت تحقيق آن وعده .

(5/303)


وشيخ الاسلام فرموده كه ولى را دوبشارتست دردنيا شناخت ودرعقبى نواخت . درين سراى سرور مجاهد ودران سراى نور مشاهده . اينجا صفا ووفا وآنجار ضاولقا ]
وفى التأويلات النجمية بشراهم فى الآخرة بكشف القناع من جمال العزة عن سطوات نور القدم وزهق ظلمة الحدوث وبلقاء الحق رحمة منه كما قال { يبشرهم ربهم برحمة } وفى حديث « الرؤية فى النشأة الكثيبية يقول الله تعالى لهم بعد التجلى هل بقى لكم شيء بعد ها فيقولون يا ربنا وأى شيء بقى وقد نجينا من النار وادخلتنا دار رضوانك وانزلتنا بجوارك وخلعت علينا ملابس كرمك واريتنا وجهك فيقول الحق جل جلاله بقى لكم فيقولون يا ربنا وما ذاك الذى بقى فيقول دوام رضاى عليكم فلا اسخط عليكم ابدا » فما احلاها من كلمة وما الذها من بشرى فبدأ سبحانه بالكلام خلقنا فقال كن فاول شيء كان لنا منه السماع فختم ما به بدأ فقال هذه المقالة فختم بالسماع وهو هذه البشرى { لا تبديل لكلمات الله } اى لمواعيده الواردة فى حقهم اذ لا خلف لمواعيده اصلا
ةفى التأويلات النجمية لا يتغير احكامه الازلية حيث قال للولى كن وليا وللعدو وكن عدوا وكانوا كما اراد للحكمة البالغة فلا تغير لكلمة الولى وكلمة العدو { ذلك } التبشير { هو الفوز العظيم } الذى لا يصل الى كهنه العقول وكيف لا وفيه سعادة الدارين
اعلم ان الولاية على قسمين عامة وهى مشتركة بين جميع المؤمنين كما قال الله تعالى { الله ولى الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات الى النور } وخاصة وهى مختصة بلواصلين الى الله من اهل السلوك والولاية عبارة عن فناء العبد فى الحق والبقاء به ولا يشترط فى الولاية الكرامات الكونية فانها توجد فى غير الملة الاسلامية لكن يشترط فيها الكرامات الكونية فانها توجد فى غير الملة الاسلامية لكن يشترط فيها الكرامات القلبية كالعلوم الالهية والمعارف الربانية فهاتان الكرامتان قد تجتمعان كما اجتمعتا فى الشيخ عبد القادر الكيلانى والشيخ ابن مدين المغربى قدس الله سرهما فانه لم يأت من اهل الشرق مثل عبد القادر فى الخوارق ومن اهل الغرب مثل ابن مدين مع مالهما من العلوم والمعارف الكلية وقد تفترقان فتوجد الثانية من دون الاولى كما فى اكثر الكمل من اهل الفناء . واما الكرامات الكونية كالمشى على الماء والطيران فى الهواء وقطع المسافة البعيدة فى المدة القليلة وغيرها فقد صدرت من الرهابنة والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون كما سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة او اشد قسوة } الآية . والنبوة والرسالة كالسلطنة اختصاص الهى لا مدخل لكسب العبد فيها . واما الولاية كالوزارة فلكسب العبد مدخل فيها فكما يمكن الوزارة بالكسب كذلك يمكن الولاية بالكسب وفى الحقيقة كل منهما اختصاص عطائى غير كسبى حاصل للعين الثابتة من الفيض الا قدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه واسبابه يوهم المحجوب فيظن انه كسبى بالتعمل فاول الولاية انتهاء السفر الاول الذى هو السفر من الخلق الى الحق التعشق عن المظاهر والاغيار والخلاص من القيود والاستار والعبور على المنازل والمقامات والحصول على المراتب والدرجات وبمجرد العلم اليقينى للشخص لا يلحق باهل المقام لانه انما يتجلى الحق لمن انمحى رسمه وزال عنه اسمه ولكا كانت المراتب متميزة قسم ارباب هذه الطريقة المقامات الكلية الى عالم اليقين وعين اليقين وحق اليقين
فعلم اليقين متصور الامر على ما هو عليه
وعين اليقين بشهوده كما هو
وحق اليقين بالفناء فى الحق والبقاء علما وشهودا وحالا لا علما فقط ولا نهاية لكمال الولاية فمراتب الاولياء غير متناهية والطريق التوحيد وتزكية النفس عن الاخلاق الذميمة وتطهيرها من الاغراض الدنيئة فمن جاهد فى طريق الحق فقد سعى فى الحلق نفسه بزمرة الاولياء ومن اتبع الهوى فقد اجتهد فى الالتحاق بفرقة الاعداء والسلوك الارادة لاجل الفناء فان المريد من يفن ارادته فى ارادة الشيخ فمن عمل برأيه امرا فهو ليس بمريد : وفى المثنوى

(5/304)


مكسل از بيغمبر ايام خويش ... تكيه كم كن برفن وبركام خويش
كرجه شيرى جون روى ره بيدليل ... همجور وبه ودر ضلالى وذليل
هين مبرالا كه بابر هاى شيخ ... تابه بينى عون ولشكر هاى شيخ
وينبغى للمؤمن ان يجتهد فى تحصيل سير اولياء الله واقل الامر ان لا يقصر فى حبهم فان المرء مع من احب ان يحشر معه فلا بد من الجهة الجامعة من وجه خاص

(5/305)


وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65)

{ ولا يحزنك قولهم } هو فى الحقيقة نهى له عليه السلام عن الحزن كأنه قيل لا تحزن بقولهم ولا تبال بتكذيبهم وتشاورهم فى تدبير هلاكك وابطال امرك وسائر ما يتفوهون به فى شأنك مما لا خير فيه وانما وجه النبى الى قولهم للمبالغة فى نهيه عليه السلام عن الحزن لما ان النهى عن التأثير نهى عن التأثر باصله
قال الكواشفى يتم الوقف هنا ويختار الاستئناف بان العزة كأنه قيل فمالى لا احزن فقيل { ان العزة } اى الغلبة والقهر { لله جميعا } اى فى مملكته وسلطانه لا يملك احد شيأ منهما اصلا لا هم ولا غيرهم ويعصمك منهم وينصرك عليهم { هو السميع العليم } يسمع ما يقولون فى حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك
وفى التأويلات النجمية { ان العزة لله جميعا } فى الدنيا والآخرة يعز من يشاء فى الدنيا دون الآخرة ويعز من يشاء فى الآخرة دون الدنيا ويعز فى الدنيا والآخرة جميعا فلا يضره هواجس النفس ووساوس الشيطان فى احتظاظه بشهوات الدنيا ونعيمها والتزين بزينتها ولا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة كما قال تعالى { قل من حرم زينة الحياة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق } فيكون من خواص عباده لين آتاهم الله فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة بل يكون لبعضهم نعيم الدنيا معينا على تحصيل نعيم الآخرة كما جاء فى الحديث الربانى « وان من عبادى من لا يصلحه الا الغنى فان افقرته يفسده ذلك »

(5/306)


أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)

{ الا ان لله من فى السموات ومن فى الارض } اى العقلاء من الملائكة والثقلين واذا كان هؤلاء الذين هم اشرف الممكنات عبيد اله سبحانه مقهورين تحت قدرته وملكيته فما عداهم من الموجودات اولى بذلك فهو قادر على نصرك عليهم ونقل اموالهم وديارهم اليك { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } ما نافية وشركاء مفعول يتبع ومفعول يدعون محذوف لظهوره والتقدير وما يتبع الذين يدعون آلهة من دون الله شركاء فى الحقيقة وان سموها شركاء لان شركة الله تعالى فى الربوبية محال { ان يتبعون الا الظن } اى ما يتبعون الا ظنهم انها شركاء { وان هم } اى ما هم { الا يخرصون } يكذبون فيما ينسبونه الى الله سبحانه يقال خرص يخرص خرصا اى كذب وهو من باب نصر والخراص الكذاب . ثم نبه على تفرده بالقدرة الكاملة والنعمة الشاملة ليدلهم على توحده باستحقاق العبادة

(5/307)


هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67)

{ هو الذى جعل لكم الليل } مظلما { لتسكنوا فيه } وتستريحوا من تعب الطلب { والنهار مبصرا } لتتحركوا فيه لتحصيل اسباب معاشكم فحذف مظلما لدلالة مبصرا عليه وحذف لتتحركوا لدلالة لتسكنوا عليه . واسناد الابصار الى النهار مجازى والمراد يبصر فيه كقوله نهاره صائم وليله قائم اى صام فى نهارهو قام فى ليله
وفيه اشارة الى ان الله تعالى جعل بعض الاوقات للاستراحة من نصب المجاهدات وتعب الطاعات لنزول ملالة النفوس وكلالة القلوب ويستجد الشوق الى جانب المطلوب ومن ثمة جعل اهل التدريس يوم التعطيل ليحصل النشاط الجديد للتحصيل كما قال ابن خيام
زمانى بحث ودرس وقيل وقالى ... كه انسانرا بود كسب كمالى
زمانى شعر وشطرنج وحكايات ... كه خاطررا شود دفع ملالى
ففى الانتقال من اسلوب الى اسلوب تجديد كتقلب اهل الكهف من اليمين الى الياسر من عهد يعيده : قال الحافظ
از قال وقيل مدرسه حال دلم كرفت ... ايك جند نيز خدمت معشوق ومى كنم
لك } اى جعل كل منهما كما وصفت { لآيات } عجيبة كثيرة { لقوم يسمعون } اى سماع تدبر واعتبار لمواعظ القرآن وتخصيص الآيات بهم مع انها منصوبة لمصلحة الكل لما انهم المنتفعون بها

(5/308)


قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68)

{ قالوا } اى بنوا مدلج كما فى الكاشفى { اتخذ الله ولدا } اى تبناه
وفى التبيان قالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله وقالت قريش الملائكة بنات الله { سبحانه } تنزيه وتقديس له عما نسبوا اليه من الولد وتعجب لكلمتهم الحمقاء اما انه تنزيه فلان تقديره اسبحه تسبيحا اى انزه تنزيها واما انه تعجب فلانه يقال فى مقام التعجب سبحان الله واستعمال اللفظ فى الاول حقيقى وفى الثانى مجازى
فان قلت لفظ واحد فى معنيين حقيقى ومجازى ممنوع
قلت لا يلزم ان يكون استفادة معنى التعجب منه باستعمال اللفظ فيه بل هى من المعانى الثوانى كما فى حواشى سعدى حلبى
ورد فى الاذكار لكل اعجوبة سبحان الله ووجه اطلاق هذه الكلمة عند تعجب هو ان الانسان عند مشاهدة الامر العجيب الخارج عن حد امثاله يستبعد وقوعه وتنفعل نفسه منه كأنه استقصر قدرة الله فلذلك خطر على قلبه ان يقول قدر عليه واوجده ثم تدارك انه فى هذا الزعم مخطئ فقال سبحان الله تنزيها لله تعالى عن العجز عن خبق امر عجيب يستبعد وقوعه لتيقنه بانه تعالى على كل شيء قدير كذا فى حواشى ابن الشيخ فى سورة النصر { هو الغنى } عن كل شيء وهو علة لتنزهه سبحانه فان اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة فيتخذه الضعيف ليتقوى به والفقير ليستعين به والذليل ايتعزز به والحقير ليشتهر به وكل ذلك علامة الاحتياج { له ما فى السماوات وما فى الارض } اى من العقلاء وغيرهم وهو تقرير لغناه وتحقيق لمالكيته تعالى لكل ما سواه { ان عندكم من سلطان بهذا } اى ما عندكم حجة وبرهان بهذا القول الباطل الذى صدر منكم فان نافية ومن زائدة لتأكيد النفى وسلطان مبتدأ والظرف المتقدم خبره متعلق بسلطان { اتقولون على الله ما لا تعلمون } توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم . وفيه تنبيه على ان كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وان العقائد لا بد لها من برهان قطعى وان التقليد فيها غير جائز

(5/309)


قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69)

{ قل ان الذين يفترون على الله الكذب } باتخاذ الولد واضافة الشريك اليه { لا يفلحون } لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب اصلا

(5/310)


مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

{ متاع فى الدنيا } حواب سؤال كان قائلا قال كيف لا يفلحون وهم فى الدنيا بانواع ما يتلذذون به متمتعون فقيل ذلك متاع يسير فى الدنيا زائل لا بقاء له وليس بفوز بالمطلوب { ثم الينا مرجعهم } اى بالموت { ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } فيبقون فى الشقاء المؤبد بسبب كفرهم المستمر فى الدنيا فاين هم من الفلاح
قال فى التأويلات النجمية فى الدنيا ما ذاقوا الم العذاب لانهم كانوا نياما والنائم لا يجد الم شيء من الجراحات والناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا
مردمان غافلند از عقبى همه كويى بخفتكان مانند ... ضرر غفلتى كه مى وزرند
جون بميرد آنكهى دانند ... وفى الآيات نهى عن الشرك والذب وفى الحديث « ألا اخبركم بشيء امر به نوح عليه السلام ابنه فقال يا بنى آمرك بامرين وانهاك عن امرين آمرك ان تقول لا اله الا الله وحده لا شريك له فان السماء والارض لو جعلتا فى كفة ولا اله الا الله فى كفة لرجح لا اله الا الله وآمرك ان تقول سبحان الله وبحمده فانها صلاة الملائكة ودعاء الخلق وبها يرزق الخلق وانهاك ان لا تشرك بالله شيأ فان من اشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وانهاك عن الكبر فان احدا لا يدخل الجنة وفى قلبه مثقال حبة من خردل اى ان الله اذا اراد ان يدخله الجنة نزع ما فى قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر او لا يدخلها دون مجازاة ان جازاه واو لا يدخلها مع المتقين اول وهلة
يقول الفقير الظاهر انه زجر بطريق التشديد وليس المراد كبر لكفر لانه جاء فى مقابلته . والحاصل ان الكبر وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم من لكبائر التى تقرب من الكفر فى الجزاء ومثله ترك الصلاة كما جاء ( من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ) وفى الحديث » بر الوالدين يزيد فى العمر والكذب ينقص الرزق والدعاء يرد القضاء « رواه الاصبهانى . اما الاول فوارد على طريق الفرض وحث على البر بطريق المبالغة بان له من الاثر فى الخير ما لو امكن ان يبسط فى عمر البار لكان ذلك ويجوز فرض المحال اذا تعلق بذلك حكمة قال تعالى { قل ان كان للرحمن ولد } واما الثانى فمعناه ان الكذب يمحق بركة الكذاب فيكون فى حكم الناقص ويجوز على فرض المحال اى لو كان شيء ينقص الرزق لكان هو الكذب واما الثالث فالمراد ان الدعاء يرد القضاء المعلق الذى توقف رده على اسباب وشروط لا القضاء المبرم الذى لا يقبل التغير اصلا
فعلى العاقل ان يجتهد فى تحصيل التوحيد الحقانى برعاية الاوامر الشرعية والانتهاء عما نهى الله تعالى عنه من المحرمات القولية والفعلية والاجتناب عن المشاغل القلبية والاحتراز عن الميل الى ما سوى الحضرة الاحدية فان الرجوع الى تلك الحضرة لا الى غيرها والتوحيد تحفة مقبولة ولا يقبل الله احدا الا به والشرك سبب لعذابه كما قال تعالى { ثم نذيقهم العذاب الشديد } وفيه اشارة الى ان عذاب الدنيا بالنسبة الى عذاب الآخرة كلا عذاب اذ كلما انتقل المرء من طور الى طور وجد الامر على الشدة وهو كذلك مبدأ ومعادا الا من تداركه الله تعالى بعنايته وخصه بتوفيق من حضرته

(5/311)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71)

{ واتل عليهم } اى على المشركين من اهل مكة { نبأ نوح } خبره مع قومه لينزجروا بذلك عما هم عليه من الكفر والعناد
وقال فى البستان كان اسم نوح شاكرا وانما يسمى نوحا لكثرة نوحه وبكائه من خوف الله وهو اول من امر بنسخ الاحكام وامر بالشرائع وكان قبله نكاح الاخت حلالا فحرم ذلك على عهده وبعثه الله نبيا وهو يومئذ ابن اربعمائة وثمانين سنة { اذ قال } معمول لنبأ لا لقوله اتل لانه مستقبل واذا ماض والمراد بعض نبأه عليه السلام لا كل ما جرى بينه وبين قومه { لقومه } اللام للتبليغ { يا قوم } [ اى كروه من ] { ان كان كبر عليكم } اى اعظم وشق { مقامى } اى نفسى كما يقال فعلته لمكان فلان اى لفلان ومنه قوله تعالى { ولمن خاف مقام ربه } اى خاف ربه او قيامى ومكثى بين ظهرانيكم مدة طويلة وهو الف سنة الا خمسين عاما او قيامى { وتذكيرى } [ بند دادن من شمارا ] { بآيات الله } [ بعلامتهاى روشن بروحدانيت خدا ] فانهم كانوا اذا وعظوا الجماعة يقومون على ارجلهم لكون ذلك ادخل فى الاسماع كما يحكى عن عيسى عليه السلام انه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود . فيحتمل ان يستثقلوا ذلك وكان سحبان وهو رجل بليغ من العرب يقوم ويتكئ على عصاه ويسرد الالفاظ وكراسى الوعاظ اليوم بدل من القيام وكان عليه السلام يخطب على منبر من طين قبل ان يتخذ المنبر الذى هو من الشجر وكان له ثلاث درجات ولم يزل على حاله حتى زاد مروان فى خلافة معاوية ست درجات من اسفله { فعلى الله توكلت } جواب للشرط اى دمت على تخصيص التوكل به وتفويض الامور اليه فانه معينى وناصرى فيما اردتم بى من القتل والاذى وانما حمل على الدوام التوكل واستمراره لئلا يرد انه عليه السلام متوكل على الله دائما كبر عليهم مقامه او لم يكبر
وقال ابن الشيخ الاظهر ان يقال الجواب محذوف اى فافعلوا ما شئتم والمذكور تعليل لعدم مبالاته بهم { فاجمعوا امركم } بقطع الهمزة من الاجماع وهو العزم يقال اجمعت على الامر اذا عزمت عليه فهو يتعدى بعلى الا ان حرف الجر حذف فى الآية واوصل الفعل الى المجرور بنفسه
وقل ابن الهيثم اجمع امره جعله مجموعا بعد ما كان متفرقا وتفرقه انه يقول مرة افعل كذا واخرى كذا واخرى كذا واذا عزم على امر واحد فقد اجمعه اى جعله جميعا . والمعنى فاعزموا على امركم الذى تريدون بى من السعى فى اهلاكى { وشركائكم } بالنصب على ان الواو بمعنى مع اى مع آلهتكم التى تزعمون ان حالكم تقوى بالتقرب اليها واجتمعوا فيه على اى وجه يمكنكم
قل الكاشفى [ ملخص آيت آنكه شما همه بقصد من اتفاق كنيد ] { ثم } للتراخى فى الرتبة { لا يكن امركم } ذلك { عليكم غمة } اى مستورا من غمه ستره واجعلوه ظاهرا مكشوفا تجاهروننى به فان الستر انما يصار اليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب او نحوه فحيث استحال ذلك فى حقى لم يكن للستر وجه { ثم اقضوا الىّ } اى ادوا الى واوصلوا ذلك الامر الذى تريدون بى وامضوا ما فى انفسكم او ادوا الى ما هو حق عليكم عندكم من اهلاكى كما يقضى الرجل غريمه { ولا تنظرون } ولا تمهلونى بل عجلوا ذلك باشد ما تقدرون عليه من غير انتظار وانما خاطبهم بذلك اظهار لعدم المبالاة بهم وانهم لن يجدوا اليه سبيلا وثقة بالله سبحانه وبما وعده من عصمته وحفظه

(5/312)


فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)

{ فان توليتم } اى ان اعرضتم عن نصيحتى وتذكيري ودمتم عليه وجواب الشرط محذوف اى فلا باعث لكم على التولى ولا موجب وقوله تعالى { فما سألتكم } بمقابلة وعظى وتذكيرى علة له { من اجر } اى شيء من حطام الدنيا تؤدونه الى حتى يؤدى ذلك الى توليكم اما لثقله عليكم او لكونه سببا لاتهامكم اياى بان تقولوا انما يعظنا ويذكرنا طمعا لنيل الاجر والمال قبلنا { ان اجرى الا على الله } اى ما ثوابى على العظة والتذكير الا عليه يثيبنى به آمنتم او توليتم { وامرت ان اكون من المسليمن } ممن اسلم وجهه لله فلا يأخذ على تعليم الدين شيأ . وايضا ان المتعين لخدمة لا يجوز له ان يأخذ عليها اجرة والانبياء والاولياء متعينون لخدمة الارشاد ومن علم بالحسبة ولم يأخذ له عوضا فقد عمل عمل الانبياء عليهم السلام . وقد جوز المتأخرون اخذ الاجرة على التعليم والتأذين والامامة والخطابة وغير ذلك لكن ينبغى للآخذ اخلاص النية فى عمله والا فقد جاء الوعيد : قال السعدى
زيان ميكند مرد تفسير دان ... كه علم وادب ميفروشدبنان
بدين اى فرومايه دينى مخر ... جوخر بانجيل عيسى مخر
واعلم ان المعلم الناصح اذا رغب فى اصلاحك واصلاح غيرك حتى يودّ لو ان الناس كلهم صلحوا على يديه فانما يرغب فى ذلك ليكثر اتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لما سمعه يقول « انى مكاثر بكم الامم » وهذا مقام رفيع لغناه عن عظة فى ارشاده وانما غرضه اقامة جاه محمد وتعظيمه كما يحكى ان رابعة العدوية كانت تصلى فى اليوم والليلة الف ركعة وتقول ما اريد بها ثوابا ولكن ليسر بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويقول للانبياء انظروا الى امرأة من امتى هذا عملها فى اليوم والليلة فاذا تعلقت نية المعلم والعامل بهذا يجازيهما الله على ذلك من حيث المقام

(5/313)


فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)

{ فكذبوه } عطف على قوله قال لقومه اى اتل عليهم نبأ نوح اذ قال لقومه كذا وكذا فاصروا على تكذيبه تمردا وعنادا فتولوا عن تذكيره فحقت عليهم كلمة العذاب فاغرقوا { فنجيناه } من الغرق والفاء فصيحة تفصح عن كون الكلام شتملا على الحذف والتقدير كما قدرنا { ومن } استقر { معه فى الفلك } وكانوا ثمانين اربعين رجلا واربعين ارمأة كما فى البستان . او فنجيناهم فى هذا المكان فان انجاءهم وقع فى الفلك فعلى هذا يتعلق فى الفلك بنجيناه وعلى الاول يتعلق باستقرار الذى تعلق به معه { وجعلناهم خلائف } اى سكان الارض وخلفا ممن غرق وهلك
قال فى البستان لما خرجوا من السفينة ما تواكلهم الا اولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم كما قال تعالى { وجعلنا ذريته هم الباقين } فتوالدوا حتى كثروا فالعرب والعجم والفرس والروم كلهم من ولد سام والحبش والسند والهند من اولاد حام ويأجوج ومأجوج والصقلاب والترك من اولاد يافث { واغرقنا لذين كذبوا بآياتنا } بالطوفان
قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افتدى تأثير طوفان نوح يظهر فى كل ثلاثين سنة مرة لكن على الخفة فيقع مطر كثير ويغرق بعض القرى والبيوت من السبيل { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } وهم قوم نوح وفيه تحذير لمن كذب الرسول وتسلية له
محالست جون دوست داردترا ... كه دردست دشمن كذارد ترا

(5/314)


ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)

{ ثم بعثنا } اى ارسلنا { من بعده } اى بعد نوح { رسلا } التكثير للتفخيم ذاتا ووصفا اى رسلا كراما ذوى عدد كثير { الى قومهم } كل رسول الى قومه خاصة كما ستفاد من اضافة القوم الايكة واهل مدين وغير ذلك ممن قص منهم ومن لم يقص { فجاؤهم } اى جاء كل رسول قومه المخصوصين به { بالبينات } بالمعجزات الواضحة مثبتة لدعواهم والباء اما متعلقة بالفعل المذكور على انها للتعدية او بمحذوف وقع حالا من ضمير جاؤا اى ملتبسين بالبينات . والمراد جاء كل رسول بالبينات الكثيرة فان مراعاة انقسام الآحاد الى الآحاد انما هى فيما بين ضميرى جاؤهم { فما كانوا ليؤمنوا } اى فما صح وما استقام لقوم من اولئك الاقوام فى وقت من الاوقات ان يؤمنوا بل كان ذلك ممتنعا منهم لشدة شكيمتهم فى الكفر والعناد { بما كذبوا به من قبل } ما موصولة عبارة عن جميع الشرائع التى جاء بها كل رسول اصولها وفروعها والمراد بيان استمرار تكذيبهم من حين مجيء الرسل الى زمان الاصرار والعناد فان المحكى آخر حال كل قوم او عبارة عن اصول الشرائع التى اجمعت عليها الرسل قاطبة . والمراد بيان استمرار تكذيبهم بيان استمرار تكذيبهم من قبل مجيء الرسل الى زمان مجيئهم الى آخره فالمحكى جميع احوال كل قوم ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء انهم ما كانوا فى زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا بكلمة التوحيد قط بل كان كل قوم من اولئك الاقوام يتسامعون بها من بقايا من قبلهم كثمود من بقايا عاد وعاد من بقايا قوم نوح فيكذبونها ثم كاتنت حالتهم بعد مجيئهم الرسل كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث اليهم احد . وفيه اشارة الى ان اهل الفترة مؤاخذون من جهة الاصول { كذلك } الكاف نعت مصدر محذوف اى مثل ذلك الطبع والختم المحكم الممتنع زواله { نطبع } [ مهرمى نهيم ] { على قلوب المعتدين } المتجاوزين باختيار الاصرار على الكفر
اعلم ان الله تعالى قد دعا الكل الى التوحيد يوم الميثاق ثم لما وقع التنزل الى هذه النشأة الجسمانية لم يزل الروح الانسانى داعيا الى قبول تلك الدعوة الالهية والعمل بمقتضاها لكن من كان شقيا بالشقاوة الاصلية الازلية لما لم يقبلها فى ذلك اليوم استمر على ذلك فلم يؤمن بدعوة الانبياء ومعجزاتهم فتكذيب الانبياء مسبب عن تكذيب الروح وتكذيبه مسبب عن تكذيب الله تعالى يوم الميثاق وهم وان كانوا ممن قال بلى لكن كان ذلك من وراء الحجب حيث سمعوا نداء الست بربكم من ورائها فلم يفهموا حقيقته واجابوا بما اجاب به غيرهم لكن تقليدا لا تحقيقا وكما ان الله تعالى طبع على قلوب المكذبين للرسل بسوء اختيارهم وانهماكهم فى الغى والضلال كذلك طبع على قلوب المنكرين للاولياء بسوء معاملاتهم وتهالكهم على لتقليد فما دخل فى قلوبهم الاعتقاد وما جرى على السنتهم الاقرار كما لم يدخل فى قلوب الاولين التصديق ولم يصدر من ألسنتهم ما يستدل به على التوفيق ثم هم مع كثرتهم قد جاءوا وذهبوا ولم يبق منهم اثر ولا اسم وسيلحق بهم الموجودون ومن يليهم الى آخر الزمان : وفى المنثوى

(5/315)


منبرى كوكه بر ىنجا مخبرى ... ياد آرد روزكار منكرى
سكه شاهان همى كردد دكر ... سكه احمد ببين تا مستقر
برزخ نقره وياروى زرى ... وانما برسكه نام منكرى
نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من اهل التوحيد ويخلصنا واياكم من ورطة التقليد

(5/316)


ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75)

{ ثم بعثنا من بعدهم } من بعد هؤلاء الرسل { موسى } ابن عمران { وهرون } وهو اخو موسى اكبر منه بثلاث سنين { الى فرعون } [ بسوى وليد بن مصعب باقابوس كه فرعون آن زمان بود ] { وملائه } اى اشراف قومه وهو اكتفاء بذكر الجل عن الكل { بآياتنا } بالآيات التسع وهى العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس وفلق البحر واضافتها الى نفسه تنبيها على خروجها عن حيز استطاعة العبد { فاستكبروا } عن اتباعهما وذلك قول اللعين لموسى عليه السلام { ألم نر ربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } { وما كانوا مجرمين } اى كانوا معتادين لارتكاب الذنوب العظام فان الاجرام مؤذن بعظم الذنب ومنه الجرم اى الجثة فلذلك استهانوا برسالة الله تعالى عز وجل

(5/317)


فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76)

{ فلما جاءهم احق من عندنا } المراد بالحق الآيات التسع التى هى حق ظاهر من عند الله بخلقه وايجاده لا تخييل وتمويه كصنعتهم { قالوا ان هذا } [ اين كه توآورده ومعجزه نام كرده ] { لسحر مبين } ظاهر كونه سحرا

(5/318)


قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77)

{ قال موسى } على طريقة الاستفهام الانكارى التوبيخى وهو استئناف بيانى { أتقولون للحق } الذى هو ابعد شيء من السحر لذى هو الباطل البحت { لما جاءكم } اى حين مجيئه اياكم ووقوفكم عليه او من اول الامر من غير تأمل وتدبر وكلا الحالين مما ينافى القول المذكور والمقول محذوف لدلالة ما قبله عليه اى أتقولون له انه لسحر وهو مما لا يمكن ان يقوله قائل ويتكبم به متكلم ويجوز ان يكون القول بمعنى العيب والطعن من قولهم فلان يخاف القالة اى العيب وبين الناس تقاول اذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه ونظيره الذكر فى قوله تعالى { سمعنا فتى يذكرهم } اى يعيبهم فيستغنى عن المفعول اى { أتعيبونه } وتطعنون فيه { أسحر هذا } الذى امره واضح مكشوف وشأنه مشاهد معروف بحيث لا يرتاب فيه احد ممن له عين مبصرة وهو انكار مستأنف من جهة موسى لكونه سحرا وتقديم الخبر للايذان بانه مصب الانكار { ولا يفلح الساحرون } جملة حالية من ضمير المخاطبين اى أتقولون انه سحر والحال انه لا يفلح فاعله اى لا يظفر بمطلوب ولا ينجو من مكروه فكيف يمكن صدوره من مثلى من المؤيدين من عند الله الفائزين بكل مطلب لناجين من كل محذور

(5/319)


قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)

{ قالوا } استئناف بيانى كأنه قيل فما ذا قال فرعون واصحابه لموسى عند ما قال لهم ما قال فقيل قالوا عاجزين عن المحاجة { أجئتنا } خطاب لموسى وحده لانه هو الذى ظهرت على يده معجزة لعصا واليد البيضاء { لتلفتنا } اى لتصرفنا واللام متعلقة بالكجيء اى أجئتنا لهذا الغرض { عما وجدنا عليه ىباءنا } اى من عبادة الاصنام
وقال سعدى المفتى الظاهر من عبادة غير الله تعالى فانهم كانوا يعبدون فرعون { وتكون لكما الكبرياء } اى الملك لان الملوك موصوفون بالكبر والتعظم { فى الارض } اى ارض مصر فلا نؤثر رياستكما على رياسة انفسنا فلما بينوا ان سبب اعراضهم عن قبول دعوتهما هذان الامران صرحوا بالحكم المتفرع عليهما فقالوا { وما نحن لكما بمؤمنين } اى بمصدقين فيما جئتما به

(5/320)


وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79)

{ وقال فرعونؤ لملائه يأمرهم بترتب مبادئ الزامهما عليهما السلام بالفعل بعد اليأس عن الزامهما بالقول { ائتونى بكل ساحر عليم } بفنون السحر حاذق ماهر فيه ليعارض موسى

(5/321)


فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)

{ فلما جاء السحرة } الفاء فصيحة اى فاتوا به فلما جاؤا فى مقابلة موسى { قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون } اى ملقون له كائنا ما كان من اصناف السحر . وفى ابهام ما انتم تخسيس له وتقليل واعلام انه لا شيء يلتفت اليه
فان قيل كيف امرهم بالسحر والعمل بلسحر كفر والامر بالكفر كفر
فالجواب ان امرهم بالقاء الحبال والعصى ليظهر للخلق ان ما اتوا به عمل فاسد وسعى باطل الا انه امرهم بالسحر

(5/322)


فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)

{ فلما القوا } ما القوا من العصى والحبال واسترهبوا الناس وجاؤا بسحر عظيم { قال } لهم { موسى } غير مكترث بهم وبما صنعوا { ما جئتم به السحر } اى الذى جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحرا من آيات الله سبحانه فما موصولة وقعت مبتدأة والسحر خبرها والحصر مستفاد من تعريف لخبر { ان الله سيبطله } اى سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدى من المعجزة فلا يبقى له اثر اصلا او سيظهر بطلانه للناس والسين للتأكيد
اذا جاء موسى والقى العصا فقد بطل السحر والساحر ... سحر با معجزة بهلو نزند ايمن باش { ان الله لا يصلح عمل المفسدين } اى لا يثبته ولا يكمله ولا يديمه بل يمحقه ويهلكه ويسلط عليه الدمار
قال القاضى وفيه دليل على ان السحر افساد وتمويه لا حقيقة له انتهى . وفيه بحث فانه عند اهل الحق ثابت حقيقة ليس مجرد اراءة وتمويه وكون اثره هو التخييل لا يدل على انه لا حقيقة له اصلا

(5/323)


وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)

{ ويحق الله الحق } [ ىنجه من آورده ام ] اى يثبته ويقويه { بكلماته } باوامره وقضاياه { ولو كره المجرمون } ذلك والمراد بهم كل من اتصف بالاجرام من السحرة وغيرهم
قال الكاشفى [ يعنى حق سبحانه وتعالى بوعده نصرت وفاكند وازخشم وكراهت دشمنان باك ندارد ودر مثنوى معنوى اشارتى بدين معنى هست ]
حق تعالى ازغم وخشم خصام ... كى كذارد اوليار درعوام
مه فشاند نوروسك وع وع كند ... سك زنور ماه كى مرتع كند
خس خسانه ميرود برروى آب ... آب صافى يرود بى اضطراب
مصطفى مه ميشكافد نيمشب ... زاز مى خايد زكينه بولهب
آن مسيحا مرده زنده ميكند ... وآن جهود از خشم سبلت ميكند
وفى الآيات اشارة الى موسى القلب وهارون السر وفرعون النفس وصفاتها وما يجرى بينهما من الدعوة وعدم القبول فان موسى القلب وهارون السر يدعو ان النفس الى كلمة التوحيد وعبادة الله تعالى والنفس تدعى الربوبية ولا تثبت آلها غير هواها وتمتنع ان تكون لسلطنة والتصرف لهما فى ارضها والله تعالى يحق الحق بكلمة لا اله الا الله ولو كره المجرمون من اهل الهوى من النفوس المتمردة الامارة بالسوء : قال الحافظ :
اسم اعظم بكند كارخود اى دل خوش باش ... كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود
-يحكى- ان الشيخ لجنيد العجمى اجتهد اربعين سنة لينال السلطنة فلم يتيسر ثم جاء من اولاده سلاطين روافض كشاه اسماعيل وشاه عباس وشاه طهماس فهزمهم الله تعالى على ايدى الملوك العثمانية فاندفع شرهم وارتفعت فتنتهم من الارض فقد ظهر ان الحق من اهل الحق فهم موسى وهارون واهل الباطل كفرعون وقد ثبت ان لكل فرعون موسى وذلك فى كل عصر الى ان ينزل عيسى عليه السلام يقتل الدجال
فان قلت ما الحكمة فى تسليط الظلمة على اهل الارض وقد استعبد فرعون بنى اسرائيل سنين كثيرة
قلت تحصيل جوهرهم مما اصابهم من غش الآثام ان كانوا اهلا لذلك والا فهو عذاب عاجل -يحكى- ان عمر رضى الله عنه لما بلغه ان اهل العراق حصبوا اميرهم اى رموه بالحجارة خرج غضبان فصلى فسها فى صلاته فلما سلم قال اللهم انهم لبسوا على فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفى يحكم فيه بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئتهم وكان ذلك قبل ان يولد الحجاج فلما ولد كان من امره ما كان وفى الحديث « يلحد بمكة تيس من قريش اسمه عبد الله عليه مثل اوزار الناس »
قال صاحب انسان العيون هو عبد الله بن الحجاج ولا مانع من ان يكون الحجاج من قريش
وفة حياة الحيوان ان العرب اذا ارادوا مدح الانسان قالوا كبش واذا ارادوا ذمه قالوا تيس ومن ثمة قال صلى الله تعالى عليه وسلم فى المحلل « التيس المستعار »

(5/324)


فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)

{ فمن آمن لموسى } فى مبدأ امره قبل القاء العصا واما ايمان السحرة فقد وقع بعده فلا ينافى الحصر المذكور هنا { الاذرية من قومه } اى الا اولاد من اولاد قومه بنى اسرائيل حيث دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون واجابته طائفة من شبانهم وذلك ان لفظ لذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير لا سبيل لحمله على التحقير والاهانة ههنا فوجب حمله على التصغير بمعنى قبلة العدد او حداثة السن { على خوف } اى كائنين على خوف عظيم { من فرعون وملائهم } اى ملأ الذرية ولو يؤنث لان الذرية قوم فذكر على المعنى . تلخيصه آمنوا وهم يخافون من فرعون ومن اشراف بنى اسرائيل لانهم كانوا يمنعون اعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى انفسهم ويجوز ان يكون الضمير لفرعون على ان المراد بفرعون آله كثمود اسم قبيلة { ان يفتنهم } ان يعذبهم فرعون او يرجع آباؤهم الى فرعون ليردهم الى الكفر وهو بدل اشتمال تقديره على خوف من فرعون فتنته كقولك اعجبنى زيد علمه واسناد الفعل الى فرعون خاصة لانه الآمر بالتعذيب
قال فى التأويلات النجمية فما آمن لموسى القلب الاذرية من قومه وهى صفاته ويجوز ان تكون الهاء فى قومه راجعة الى فرعون النفس اى ما آمن لموسى القلب الا بعض صفات فرعون النفس فانه يمكن تبديل اخلاقها الذميمة بالاخلاق الحميدة القلبية على خوف من فرعون وملائهم يعنى على خوف من فرعون النفس والهوى والدنيا وشهواتها بان يبدلوها باخلاقها الطبيعية التى جبلت النفس عليها وبهذا يشير الى ان النفس وان تبدلت صفاتها الا مارية الى المطمئنة لا يؤمن مكرها وتبدلها من المطمئنة الا الامالاية كما كان حال بلعام وبرصيصا ان يفتنهم بالدنيا وشهواتها ويرجع النفس قهقرى الى اماريتها انتهى
قال ضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى مواقع النجوم وعلامة المدعى فى الوصول رجوعه الى رعونة النفس واعراضها ولهذا قال ابو سليمان الدارانى من رؤساء المشايخ لو وصلوا ما رجعوا وانما حرموا الوصول لتضييعهم الاصول فمن لم يتخلق وعلامة من صح وصوله الخروج عن الطبع والادب مع الشرع واتباعه حيث سلك انتهى
{ وان فرعون لعال فى الارض } لغالب فى ارض مصر ومتكبر وطاغ { وانه لمن المسرفين } فى الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء او فى الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق اسباط الانبياء وهم بنوا اسرائيل فانهم من فروع يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليه السلام

(5/325)


وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84)

{ وقال موسى } لما رأى تخوف المؤمنين منه { يا قوم } [ اى كروه من ] { ان كنتم آمنتم بالله } اى صدقتم به وبآياته وعلمتم ان ايصال المنافع ودفع المضار بقبضة اقتداره { فعليه توكلوا } وثقوا به واعتمدوا عليه ولا تخافوا احدا غيره
قال بعضهم وصف نوح عليه السلام نفسه بالتوكل على وجه يفيد الحصر فقال { فعلى الله توكلت } وموسى عليه السلام امر قومه بذلك فظاهر ان هذه الدرجة فوق درجة نوح انتهى
يقول الفقير كان الكلام فى القصة الاولى مع نوح وفى الثانية مع قوم موسى ولذا اقتصر نوح فى تخصيص التوكل بالله تعالى على نفسه وموس امره بذلك وذا لا يدل على رجحان درجته على درجة نوح فى هذا الباب لتغاير الجهتين كما لا يخفى الى اولى الالباب { ان كنتم مسلمين } مستسلمين لقضاء الله مخلصين له وليس هذا من تعليق لحكم الذ هو وجوب التوكل بشرطين مختلفين هما الايمان بالله والاسلام والا لزم ان لا يجب التوكل بمجرد الايمان بالله بل هما حكمان علق كل واحد منهما بشرط على حدة علق وجوب التوكل على الايمان بالله فانه المقتضى له وعلق حصول التوكل ووجوده على الاسلام فان الاسلام لا يتحقق مع التخليط ونظيره ان احسن اليك زيد فاحسن اليه ان قدرت

(5/326)


فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)

{ فقالوا } مجيبين له من غير تلعثم فى ذلك { على الله توكلنا } لانهم كانوا مؤمنين مخلصين ولذلك اجيبت دعوتهم ثم دعوا ربهم قائلين { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } اى موضع عذاب لهم بان تسلطهم علينا فيعذبونا ويفتنونا عن ديننا { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } من كيدهم وشؤم مشاهدتهم وسوء جوارهم : قال المتنبى
ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى ... عدوا له ما من صداقته بد
وفى تقديم التوكل على الدعاء تنبيه ان الداعى ينبغى ان يتوكل اولا لتجاب دعوته وحقيقة التوكل اسقاط الخوف والرجاء عما سوى الله تعالى والاستغراق فى بحر شهود المسبب والانقطاع عن ملاحظة الاسباب
وقال بعضهم التزكل تعلق القلب بمحبة القادر المطلق ونسيان غيره يعنى لم يثبت لنفسه ولا لغيره قوة وتأثيرا بل كان منقادا للحكم الازلى بمثابة الميت فى يد الغسال
هركه در بحر توكل غرقه كشت ... همتش از ما سوى الله در كذشت
اي توكل كرجه دارد رنجها ... فهو حسبه بخشد ازوى كنجها
ولما آمن هؤلاء الذرية بموسى واشتغلوا بعبادة الله تعالى لزمهم ان يبنوا مساجد للاجتماع فيها للعبادة فان فرعون كان قد خرب مساجد بنى اسرائيل حيث ظهر عليهم لكن لم يقدروا على اظهار شعائر دينهم خوفا من اذى فرعون امروا باخاذ المساجد فى بيوتهم كما كان المؤمنون فى اول الاسلام يعبدون ربهم سرا فى دار الارقم بمكة

(5/327)


وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)

قوله تعالى { واوحينا الى موسى واخيه } هارون { ان } مفسرة للمفعول المقدر اى اوحينا اليهما شيأهو تبوآ لقومكما بمصر بيوتا } يقال تبوأ المكان اذا اتخذ مباءة ومنزلا . والمعنى اجعلا بمصر المعروفة او الاسكندرية كما فى الكواشفى بيوتا من بيوته مباءة لقومكما ومرجعا يرجعون اليها للسكنى والعبادة { واجعلوا } انتما وقومكما { بيوتكم } تلك { قبلة } مساجد متوجهة نحو القبلة وهى الكعبة فان موسى عليه السلام كان يصلى اليها { واقيموا الصلاة } فيها وهذا ينبئ ان الصلاة كانت مفروضة عليهم دون الزكاة ولعل ذلك لفقرهم { وبشر } يا موسى لان بشارة الامة وظيفة صاحب الشريعة { المؤمنين } بالنصرة فى الدنيا اجابة لدعوتهم والجنة فى العقبى
وفى الآية اشارة الى ان السلاك ينبغى ان لا يتخذوا المنازل فى عالم النفس السفلية بل يتخذوا المقامات فى مصر عالم الروحانية ويقيموا لصلاة اى يديموا العروج من المقامات الروحانية الى القربات والمواصلات الربانية فان سير الممكنات متناه وذوقها منقطع واماسير الواجب فغير متناه وذوقه دائم فى الدنيا والآخرة وذرة من سيره وذوقه لا يساويها لذة الجنان الثمان وجميع ذوق الرجال بانواع الكرامات لا يعادل محنة اهل الفناء عند الله وان تألموا هنا ولكن ذلك ليس بألم بل اشد والالم فيما اذا رأى اهل الذوق مراتب اهل الفناء فوقهم واقله التألم من تقدمهم . وغبطة موسى عليه السلام ليلة المعراج بنبينا عليه السلام من هذا القبيل ثم هذا بالنسبة الى كل من كان فى التنزل والارشاد واما من بقى فى الوصلة فلا تألم له من شيء ولا مفخر فوق الحقيقة كما فى الواقعات المحمودية . ثم ان الابتلاء ماض الى يوم القيامة
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اعلم انه لا بد لجميع بنى آدم من العقوبة والا لم شيأ بعد شيء الى دخولهم الجنة لانه اذ نقل الى البرزخ فلا بد له من الالم وادناه سؤال منكر ونكير فاذا بعث فلا بد من الم الخوف على نفسه او غيره واول الالم فى الدنيا استهلال المولودين حين ولادته صارخا لما يجده من مفارقة الرحم وسخونته فيضر به الهواء عند خروجه من الرحم فيحس بالم البرد فيببكى فان مات فقد اخذ حظه من البلاء انتهى كلامه
وكان امية بن خلف يعذب بلالا رضى الله عنه لاسلامه فيطرحه على ظهره فى الرمضاء اى الرمل اذا اشتدت حرارته لو وضعت فيه قطعة لحم لنضجت ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدر وهو يقول احد احد اى الله فيمزج مرارة العذاب بحلاوة الايمان وقد وضع له رضى الله عنه انه لما احتضر وسم امرأته تقول واحزناه صار يقول واطرباه

(5/328)


نلقى غذا الاحبه ... محمدا وحزبه
فكان يمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وقد اشير الى هذه القصة فى المثنوى
كفت جفت امشب غريبى ميروى ... از تبار خويش غائب ميشوى
كفت نى نى بلكه امشب جان من ... ميرسد خود از غريبى در وطن
كفت رويت را كجا بينيم ما ... كفت اندر حلقه خاص خدا
كفت ويران كشت اين خانه دريغ ... كفت اندر مه نكر منكر بميغ
كرد ويران تا كند معمور تر ... قومم انبه بود وخانه مختصر
من كدا بودم درين خانه جو ... جاه شاه كشتم قصر بايد بهر شاه
قصرها خود مر شهانرا مأنس است ... مرده اخانه ومكان كورى بس است
انبيا را تنك آمد اين جهان ... جون شهان رفتند اندر لا مكان
مرد كان را اين جهان بنمود فر ... ظاهرش زفت وبمعنى تنك تر
كر نبودى تنك ابن افغان زجيست ... جون دوتاشد هركه دروى بيش زيست
در زمان خواب جون آزاد شد ... زان زمكان بنكر كه جان جون شادشد
وحاصله ان الله تعالى خلق العوالم على التفاوت وجعل بعضها اوسع من بعض واضيق الكل الدنيا واوسعه عالم الامر والشان ولكون الانبياء وكمل الاولياء اصحاب السلوك والعروج كانوا باجسادهم فى الدنيا وارواحهم عند الحضرة العليا فلا جرم ان كل العوالم بالنسبة اليهم على السواد فلذا يتأذون بشيء اصلا ولا يخافون غير الله تعالى واما غيرهم فليسوا بهذه المرتبة فلهذا اختلفت احوالهم فى السر والعلانية وغفلوا عن التوجه وحسن النية ومن الله العصمة والتوفيق

(5/329)


وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)

{ وقال موسى ربنا انك آتيت فرعون وملأه زينة } اى ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوهما { واموالا فى الحيوة الدنيا } وانواعا كثيرة من المال كالنقود والمتاع الضياع [ ابن عباس فرموده كه ازفسطاط مصر تازمين حبشه كوهها كه دراو معادن ذهب وفضه وزر برجد بود همه تعلق بفرعون داشت وفرمان او درين مواضع بود بدين سبب مال بسيار بتصرف قبط درآمد ومتمول ومتجمل شدند وسبب ضلال واضلال شد ] كما قال { ربنا } تكرير للاول اى آتيته وملأه هذه الزينة والاموال { ليضلوا عن سبيلك } اى ليكون عاقبة امرهم ان يضلوا عبادك عن طريق الايمان فاللام للعاقبة كما فى قوله
اموالنا لذوى الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها
او لاجل ان يضلوا عن سبيلك فاللام للتعليل لا حقيقة بل مجازا لان الله تعالى آتاهم ذلك ليؤمنوا ويشكروا نعمته فتوسلوا به الى مزيد البغى والكفر فاشبهت هذه الحالة حال من اعطى المال لاجل الاضلال فورد الكلام بلفظ التعليل بناء على هذه المشابهة
وفى الآية بيان ان حطام الدنيا سبب للضلال والاضلال فان الانسان ليطغى ان رىه استغنى ومن رأى لتغير فى زينة ورفاهية حال يتمنى ان يكون له مثل ذلك كما قالوا يا ليت لنا مثل ما اوتى قارون لما خرج فى زينته ولذا حذر عن صحبة الاغنياء وابناء الملوك وفى الحديث « لا تجالسوا الموتى » يعنى الاغنياء وعن ابى الدرداء رضى الله عنه لان اقع من فوق قصر فانحطم اى انكسر احب لى من مجالسة الغنى وذلك لان مجالسته سارية وصحبته مؤثرة
باد جون بر فضاى بد كذرد ... بوى بد كيرد از هواى خبيث
وقال ابو بكر رضى الله عنه اللهم ابسط لى الدنيا وزهدنى فيها ولا تزوها عنى وترغبنى فيها { ربنا اطمس على اموالهم } دعاء عليهم بعد الانذار وعلمه ان لا سبيل الى ايمانهم وانما عرض اضلالهم ولا ليكون تقدمة لهذا الدعاء وانهم مستحقون له بسببه . واصل الطمس المحو وازالة الاثر
والمعنى اذهب منفعتها وامسخها وغيرها على هيئتها لانهم يستعينون بنعمتك على معاصيك وانما امرتهم بان يستعينوا بها على طاعتك وسلوك سبيلك قالوا صارت دراهمهم ودنانيرهم وطعامهم من الجوز والفول والعدس وغيرها كلها حجارة مصورة منقوشة على هيئتها وكذل البيض والمقانى وسائر اموالهم وهذه احدى الآيات التسع { واشدد على قلوبهم } اصل الشد الايثاق : والمعنى اجعلها قاسية واختم عليها لئلا يدخلها الايمان { فلا يؤمنوا } جواب للدعاء { حتى يروا } اى ليروا او الى ان يروا { العذاب الاليم } اى يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ينفعهم ذلك او ذاك وكان كذلك فانهم لم يؤمنوا الى الغرق وكان ذلك ايمان يأس فلم يقبل

(5/330)


قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)

{ قال } الله تعالى { قد اجبت دعوتكما } يعنى موسى وهارون لانه كان يؤمن والتأمين دعاء ايضا لان معناه استجب { فاستقيما } فاثبتا على ما انتما عليه من الدعوة والزام لحجة ولا تستعجلا فان ما طلبتماه كائن فى وقته لا محالة
وفى الكواشى الاستقامة فى الدعاء لا يرى الاجابة مكرا واستدارجا وتأخيرها طردا وابعادا رولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } اى بعادات الله تعالى فى تعليق الامور بالحكم والمصالح او سبيل الجهلة فى الاستعجال كارها موقوف آيد نكهداريد وقت -روى- ان موسى عليه السلا م او فرعون وهو الاولى كما فى حواشى سعدى المفتى مكث فيهم بعد الدعاء اربعين سنة قال على رضى الله عنه جعل فى يديك مفاتيح خزائنه بما اذن لك فيه من مسألته فما شئت استفتحت بالدعاء ابواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته فلا يقطنك ابطاء اجابته فان العطية على قدر النية وربما اخرت عنك الاجابة ليكون ذلك اعظم لاجر السائل واجزل لعطاء الآمل وفى الحديث « ما من داع يدعو الا استجاب الله له دعوته او صرف عنه مثلها سوأ او حط من ذنوبه بقدرها ما لم يدع باثم او قطعة رحم » اى لم يدع حال مقارنة اثم او قطيعة رحم كما فى شرح العقائد لرمضان : وفى المثنوى
جزتوبيش كه بر بنده دست ... هم دعا وهم اجابت از تو است
هم زاول دهى ميل دعا ... تو دهى آخر دعاهارا جزا
وفيه ايضا
داد مر فرعونرا صد ملك ومال ... تا بكرد او دعوى عز وجلال
در همه عمرش نديد او درد سر ... تا ننالد سوى حق آن بد كهر
درد آمد بهتر از ملك جهان ... تا بخوانى مر خدارا در نهان
ومن شرائط الدعاء الذلة فان الاجابة مترتبة عليها كالنصر كما قال تعالى { ولقد نصركم الله بدر وانتم اذلة } وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره انه قال كابدت العبادة ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول لى يا ابا يزيد خزائنه مملوءة من العبادة ان اردت الوصول اليه فعليك بالذلة والافتقار كما قال الحافظ
فقير وخسته بدر كاهت آمدم رحمى ... كه جزدعاى توام نيست هيج دست آويز
وفى الآية بيان جواز الدعاء لسوء عند مساس الحاجة اليه وقد صدر من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ايضا حيث دعا على مضر حيث بالغوا فى الاذية له عليه السلام فقال « اللهم اشدد وطاتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف » يعنى خذهم اخذا شديدا وعنى بسنى يوسف السبع الشداد فاستجاب الله دعاءه عليه السلام فاصابتهم سنة اكلوا فيها الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر والدم اى يخلط الدم باوبار الابل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع
ثم ان العذاب الاليم للنفس فطامها عن شواتها ومألوفاتها فهى لا تؤمن بالآخرة على الحقيقة ولا تسلك سبيل الطلب حتى تذوق الم ذلك العذاب فان ذلك موت لها معنى ولا ينتبه الناس الا بعد الموت ايقظنا الله واياكم من رقدة الغفلات

(5/331)


وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)

{ وجاوزنا بنى اسرائيل البحر } هو من جاوز المكان اذا تخطاه وخلفه والباء للتعدية اى جعلناهم مجاوزين البحر بان جعلناه يبسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط
قال الكاشفى [ جون عذاب آن قوم رسيد وحى آمد بموسى عليه السلام باقود خود از مصر برون روكه قبطيان را هنكام عذاب رسيد موسى عليه السلام يا جماعت بنى اسرائيل متوجه شام شدند وبكناره درياى قلزم رسيده دريا شكافته شد وبنى اسرائيل بسلامت آن دريارا بكذشتند جنانجه حق سبحانه وتعالى ميفر مايد { وجاوزنا ببنى اسرائيل البحر } وبكذرانيديم فرزندان يعقوب را ازدرياى قلزم بسلامت ] { فاتبعهم } يقال تبعته حتى اتبعته اذا كان سبقك فلحقته اى ادركهم ولحقهم { فرعون وجنوده } حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان { بغيا وعدوا } اى حال كونهم باغين فى القول ومعتدين فى الفعل او للبغى والعدوان على انهما مفعولان من اجلهما كما قال الكاشفى [ بغيا براى ستم كردن بنى اسرائيل وعدوا ازجهت وازحد بيرون بردن ازجفاى ايشان ] وذلك ان موسى عليه السلام خرج ببنى اسرائيل على حين غفلة من فرعون فلما سمع به تبعهم حتى لحقهم ووصل الى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله يبسا فسلكه بجنوده اجمعين
قال الكاشفى [ بس جون بكنار دريا رسيدند واسب فرعون بسبب بوى باديان كه جبريل سوار بودبدريا در آمد ولشكر متابعت نموده همه خودرا دردريا افكندند وفرعون نمى خواست كه بدر يا در آمد اما مركب اورا مى برد ] فلما دخل آخرهم وهم اولهم بالخروج غشيهم من اليم ما غشيهم { حتى اذا ادركه الغرق } اى لحقه والجمه واحاط به { قال } فرعون { آمنت به } اى بانه والضمير للشان { لا اله } [ نيست معبودى مستحق عبادت ] { الا الذى } [ مكر آن خدايى كه بدعوت موسى عليه السلام ] { آمنت به بنو اسرائيل } لم يقل كما قاله السحرة { آمنا برب العالمين رب وسى وهارون } بل عبر عنه بالموصول وجعل صلته ايمان بنى اسرائيل به للاشعار برجوعه عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعا فى القبول والانتظام معهم فى سلك النجاة كذا فى الارشاد
يقول الفقير بل فى قول ذلك المخذول رائحة التقليد ولذا لم يقبل ولو نمسك بحبل التحقيق لقال آمنت بالله الذى اله الا هو { وانا من المسلمين } اى الذين اسلموا نفوسهم لله اى جعلوها سالمة خالصة له تعالى

(5/332)


آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)

{ آلآن } مقول لقول مقدر معطوف على قال اى فقيل آلآن تؤمن حين يئست من الحياة وايقنت بالممات { وقد عصيت قبل } حال من فاعل الفعل المقدر اى والحال قد عصيت قبل ذلك مدة عمرك { وكنت من المفسدين } اى الغالين فى الضلال والاضلال عن الايمان فالاول عبارة عن عصيانه الخاص به والثانى عن فساده الراجع الى نفسه والسارى الى غيره من الظلم والتعدى وصد بنى اسرائيل عن الايمان
جاء فى الاخبار عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال غار النيل على عهد فرعون فاتاه اهل مملكته فقالوا ايها الملك اجر لنا النيل فقال انى لست براض عنكم حتى قالوا ذلك ثلاث مرات فذهبوا فأتوه فقالوا ايها الملك ماتت البهائم وهلكت الصبيان والابكار فان لم تجر لنا لنيل اتخذنا الها غيرك فقال لهم اخرجوا الى الصعيد فخرجوا فتنحى عنهم بحيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه والصق خده بالارض واشار بالسبابة فقال اللهم انى خرجت اليك خروج العبد الذليل الى سيده وانى اعلم انه لا يقدر على اجرائه غيرك فاجره فقام فجرى النيل جريا فاتاهم فقال لهم انى اجريت لكم النيل فقال خروا له سجدا
يقول الفقير هذا لا يدل على ايمان فرعون وذلك لان الايمان وان كان عبارة عن التصديق والاقرار وصاحبه ينبغى ان لا يكون كافرا بشيء من افعال الكفر ولفاظه ما لم يتحقق منه التكذيب والانكار الا ان من المعاصى ما جعله الشارع امارة التكذيب ومنه دعوة فرعون الى عبادة نفسه ورضاه عن سجود قومه له ونحو ذلك فمع ذلك لا يكون مؤمنا البته قالوا عرض له جبريل يوما فقال ايها الملك ان عبدا ملكته على عبيدى واعطيته مفاتيح خزائنى وعادانى واحب من عاديته وعادى من احببته فقال له فرعون لو كان لى ذلك العبد لغرقته فى بحر القلزم فقال جبريل ايها الملك اكتب لى بذلك كتابا قال فدعا بدواة وقلم وقرطاس فكتب فرعون فيه يقول ابو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه ان يغرق فى البحر فلما الجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه فقال جبريل هذا ما حكمت به على نفسك قالوا نكب عن الايمان اى عدل واعرض عنه او ان بقاء التكليف والاختيار وبالغ فيه حين لا يقبل حرصا على القبول حيث كرر المعنى الواحد ثلاث مرات بثلاث عبارات حيث قل ولا آمنت وقل ثانيا لا اله الا الذى آمنت به بنوا اسرائيل وقال ثالثا وانا من المسلمين وكانت المرة الواحدة كافية حيث بقاء التكليف والاختيار وايمان اليأس وقوف من جهة الرد والقبول وان كان من مقام الاحتضار فمردود والا فلا والاحتضار لا يكون الا فى النفسين من الداخل والخارج كما فى اسئلة الحكم وهو مقبول عند الامام مالك حكما بالظاهر كالمؤمن عند سل السيف والمؤمن عند اقامة الحد عليه يقبل ايمانه وعلى هذا بنى كلامه حضرة الشيخ الاكبر المالكى فى الفصوص ذهب الى ايمان فرعون ثم فوض

(5/333)


فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)

{ فاليوم ننجيك } اى نبعدك ونخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا او نلقيك على نجوة من الارض ليراك بنوا اسرائيل ويتحققوا بهلاكك . والنجوة المكان المرتفع الذى تظن انه نجاؤك لا يعلو السيل { ببدنك } الباء للمصاحبة كما فى قولك خرج زيد بعشيرته وهذه الباء يصلح فى موضعها مع وهى مع مدخولها فى موضع الحال من ضمير المخاطب اى ننجيك ملابسا ببدنك فقط لا مع روحك كما هو مطلوبك فهو قطع لطمعه بالكلية او كاملا سويا من غير نقص لئلا يبقى شبهة فى انه بدنك او عريانا من غير لباس او بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها والعرب تطلق البدن على الدرع قال الليث البدن الدرع لذى يكون قصير الكمين { لتكون لمن خلفك آية } لمن وراءك علامة وهم بنوا اسرائيل اذ كان فى نفوسهم من عظمته ما خيل اليهم انه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السلام حيث اخبرهم بغرقه الى ان عاينوه مطروحا على ممرهم من الساحل قصيرا احمر كأنه ثور اذ يروى ان قامته كانت سبعة اشبار ولحيته ثمانية اشبار او لمن يأتى بعدك من الامم اذا سمعوا مآل ارمك ممن شاهدك آية عبرة ونكالا على الطغيان او حجة تدلهم على الانسان وان بلغ الغاية القصوى من عظم الشان وعلو الكبرياء وقوة السلطان فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية
[ بنده كه خودرا زغرقه شدن در كرداب فنانر هاندجرا صداى انا ربكم الاعلى بسمع جهانيان ساند
عاجز اى كواسير خواب وخورست ... لاف قدرت زند جه بيخبرست
آنكه در نفس خود زبون باشد ... صاحب اقتدار جون باشد
ثم قوله تعالى { آلآن } الى قوله { آية } من كلام جبريل كما قال الكاشفى [ بعد ازانكه فرعون اين سخن كفت حق تعالى بجبريل در جواب اوفر موده ] آلآن الخ
وقال فى الكواشى وخاطبه كخطاب النبى صل الله تعالى عليه وسلم اهل القليب انتهى وذلك ان الله تعالى لما هزم المشركين يوم بدر امر صلى الله تعالى عليه وسلم ان يطرح قتلاهم فى القليب ثم جاء بعد ثلاثة ايام حتى وقف على شفير القليب
وجعل يقول « يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فانى وجد ما وعدنى الله حقا بئس عشيرة النبى كنتم كذبتمونى وصدقنى الناس واخرجتمونى وآوانى الناس وقاتلمتمونى ونصرنى الله » فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله كيف تكلم اجسادا لا ارواح فيها فقال عليه السلام « ما انتم باسمع لما اقول منهم » وفى رواية « لقد سمعوا ما قلت غير انهم لا يستطيعون ان يردوا شيأ » «

(5/334)


وعن قتادة احياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله توبيخا لهم وتصغيرا ونقمة وحسرة والمراد باحيائهم شدة تعلق ارواحهم باجسادهم حتى صاروا كالاحياء فى الدنيا للغرض المذكور لان الروح بعد مفارقة جسدها يصير لها تعلق به او بما يبقى منه ولو عجب الذنب فانه لا يفنى وان اضمحل الجسم باكل التراب او باكل لسباع او الطير او النار وبواسطة ذلك التعلق يعرف الميت من يزوره ويانس به ويرد سلامه اذا سلم عليه كما ثبت فى الاحاديث والغالب ان هذا التعلق لا يصير به الميت حيا فى الدنيا بل يصير كالمتوسط بين الحى والميت الذى لا تعلق لروحه بجسده وقد يقوى ذلك حتى يصير كالحى فى الدنيا ولعله مع ذلك لا يكون فيه القدرة على الافعال الاختيارية . فلا يخالف ما حكى عن السعد اتفقوا على انه تعالى لم يخلق فى الميت القدرة والافعال ، الاختيارية هذا كلامه والكلام فى غير الانبياء وشهداء المعركة واما هما فتعلق ارواحهم باجسادهم تصير به اجسادهم حية كحياتها فى الدنيا وتصير لهم القدرة والافعال الاختيارية كذا فى انسان العيون { وان كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها : وفى المثنوى
نى ترا ازروى ظاهر طاعتى ... نى ترا درسر وباطن نيتى
نى ترا شبها مناجات وقيام ... نى ترا روزان برهيز وصيام
نى ترا حفظ زبان زآزار كس ... نى نظر كردن بعبرت بيش وبس
بيش جه بودياد مرك ونزع خويش ... بس جه باشد مردن باران بيش
قالوا فرعون مع شدة شكيمته وفرط عناده آمن ولو حال اليأس واما فرعون هذه الامة فقد قتله الله يوم بدر اشد قتلة غيظه وغضبه فى حق رسول الله وفى حق المؤمنين لى ان خرج روحه لعنه الله فصار اشد من فرعون فليعتبر العاقل بهذا وليقس عليه كل من سلك مسلكه فى الكفر والظلم والعناد فنعوذ بالله رب العباد من كل شر وفساد
ثم ان الله تعالى اهلك العدو وانجبى بنى اسرائيل وذلك لصدق ايمانهم وبركة يقينهم -كما يحكى- انه صاح رجل فى مجلس الشبلى قدس سره فطرحه فى دجلة فقال ان صدق ينجه صدق كما نجا موسى وان كذب غرق كما غرق فرعون كما فى ربيع الابرار . فدل على ان النجاة فى الايمان والعدل والصدق . والهلاك فى الكفر والظلم والكذب ولما كذب فرعون فى دعوى الربوبية واستمر على اضلال الناس دعا عليه موسى كما سبق فاستجاب الله دعاءه ولا كلام فى تأثير الدعاء مطلقا -يحكى- ان معاوية استجاب الله دعاء فى حق ابنه يزيد وذلك انه ليم على عهده الى يزيد فخطب وقال اللهم ان كنت انما عهدت ليزيد لما رأيت من فعله فبلغه ما املته واعنه وان كنت انما حملنى حب الوالد لولده وانه ليس لما صنعت به اهلا فاقبضه قبل ان يبلغ ذلك فكان كذلك لان ولايته كانت سنة ستين ومات سنة اربع وستين كما فى الصواعق لابن حجر . والحاصل ان الآفاق والانفس مملوءة بالآيات والعبر فمن له عين مبصرة واذن واعية يرى الآثار لمختلفة ويسمع الاخبار المتواترة فيعتبر اعتبارا الى ان يأتى اليقين ويسلم من آثار القهر المتين ولا كون عبرة للغير بما اقترفه كل حين

(5/335)


وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)

{ ولقد بوأنا بنى اسرائيل } اى اسكناهم وانزلناهم بعد ما انجيناهم واهلكنا اعداءهم فرعون اعداءهم فرعون وقومه { مبوأ صدق } منزلا صالحا مرضيا ومكانا محمودا وهو الشام ومصر فصاروا ملوكا بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا فى نواحيها . ومبوأ اسم مكان وصف بالصدق مد حاله فان عادة العرب اذا مدحت شيأ اضافته الى الصدق تقول رجل صدق قال الله تعالى { رب ادخلنى مدخل صدق واخرجنى مخرج صدق } { ورزقناهم من الطيبات } اى اللذ آئذ من الثمار وغيرها من المن والسلوى كما فى التبيان { فما اختلفوا } فى امور دينهم { حتى جاءهم العلم } اى الا من بعد ما قرأ والتوراة وعلموا احكامهم وما هو الحق فى امر الدين ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة فيه يعنى انهم تشبعوا فى كثير من امور دينهم بالتأويل طلبا للرياسة وبغيا من بعضهم على بعضهم حتى اداهم ذلك الى القتال كما وقع مثله بين علماء هذه الامة حيث افترقوا على الفرق المختلفة واولوا القرآن على مقتضى اهوائهم كالمعتزلة وغيرها من اهل الاهواء وفيهم من يقول بالظاهر : وفى المثنوى
كرده تأويل حرف بكررا ... خويش را تأويل كن نى ذكررا
بر هوا تأويل قرآن ميكنى ... بست وكزشد ازتو معنى سنى
او المراد ببنى اسرائيل معاصروا النبى عليه السلام كقريظة والنضير وبنى قينقاع انزلهم الله ما بين المدينة والشام من ارض يثرب ورزقهم من النخل وما فيها من الرطب والتمر الذى لا يوجد مثله فى البلاد فما اختلفوا فى امر محمد عليه السلام الا من بعد ما علموا صدق نبوته وتظاهر معجزاته فىمن من به بعضهم كعبد الله بن سلام واصحابه وكفر آخرون
وقال ابن عباس رضى الله عنهما المراد بالعلم القرىن العظيم وسمى القرآن علما لكونه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز شهور { ان ربك يقضى بينهم } [ حكم كند ميان ايشان ] { يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } فيميز المحق من المبطل بالاثابة والتعذيب واما فى الدنيا فيجرزن على الستر والامهال فانها ليست بدار جزاء الاعمال . وفيه تهديد بيوم القيامة الذى هو يوم الامتحان
جون محك ديدى سيه كشتى جو قلب ... نقش شبرى رفت وبيدا كشت كلب

(5/336)


فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)

{ فان كنت فى شك } اى فى شك ما يسير على الفرض والتقدير فان مضمون الشرطية انما هو تعليق شيء بشيء من غير تعرض لا مكان شيء منهما كيف لا وقد يكون كلاهما ممتنعا كقوله تعالى { قل ان كان للرحمن ولد فنا اول العابدين } { مما انزلنا اليك } من القصص التى من جملتها قصة فرعون وقومه واخبار بنى اسرائيل { فاسال الذين يقرأون الكتاب من قبلك } فان ذلك محقق عندهم ثابت فى كتبهم على نحو ما القينا اليك والمراد اظهار نبوته عليه السلام بشهادة لاحبار حسبما هو المسطور فى كتبهم وان لم يكن لليه حاجة اصلا او وصف اهل الكتاب بالرسوخ فى العلم بصحة نبوته او تهييجه عليه السلام وزيادة تثبيته على ما هو عليه من اليقين لا تجويز صدور الشك منه عليه السلام ولذلك قال عليه السلام « لا اشك ولا اسأل » [ ودرزاد المسير آورده كه ان بمعنى ماى نافيه است يعنى تودر شك نيستى اما براى زيادتى بصيرت سؤال كن ازاهل كتاب ]
وقيل الخطاب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمراد امته فانه محفوظ ومعصوم من الشكوك والشبهات فيما انزل وعادة السلطان الكبير اذا كان له امير وكان تحت راية ذلك الامير جمع فاراد السلطان ان يامر الرعية امر مخصوص بهم فانه لا يوجه خطابه لهم بل يوجه ذلك الخطاب لذلك الامير الذى جعله اميرا عليهم ليكون اقوى تاثيرا فى قلوبهم او الخطاب لكل من يسمع اى ان كنت ايها السامع فى شم مما انزلنا اليك على لسان نبينا وفيه تنبيه على ان من خالجه شبهة فى الدين ينبغى ان يسارع الى حلها بالرجوع الى اهل العلم
جون جنين وسواس ديدى زودزود ... باخدا كردودرا اندر سجود
سجده كه را تركن ازاشك روان ... كاى خدا ياوارهانم زين كمان
كوندانستى مراد حق ازين فاسال اهل العلم حتى تطمئن ... { لقد جاءك الحق } الذى لا ريب في حقيقته { من ربك } وظهر ذلك بالآيات القاطعة { فلا تكونن من الممترين } بالتزلزل عما انت عليه من الجزم واليقين ودم على ذلك كما كنت من قبل والامتراء التوقف فى الشيء والشك فيه وامره اسهل من امر المكذب فبدأ به اولا ونهى عنه واتبع به ذكر المكذب ونهى ان يكون منهم

(5/337)


وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)

{ ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله } من باب التهييج والالهاب والمراد به اعلام ان التكذيب من القبح والمحذورية بحيث ينبغى ان ينهى عنه من لا يتصور امكان صدوره عنه فكيف بمن يمكن اتصافه به وفيه قطع لاطماع الكفرة { فتكون } بذلك { من الخاسرين } انفسا واعمالا
واعلم ان تصديق الآيات سواء كانت آيات الوحى كالقرآن وآيات الالهام كالمعارف الآلهية من اربح المتاجر الدينية وتكذيبها من اخسر المكاسب الانسانية ولذا قال بعض العرفين من لم يكن له نصيب من هذا العالم اى العلم اى العلم الوهبى الكشفى اخاف عليه سوء الخاتمة وادنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لاهله واقل عقوبة من ينكره ان لا يرزق منه سيأ وهو علم الصديقين والمقربين كذا فى احياء العلوم
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر علم النبوة والولاية وراء طور العقل ليس للعقل دخول فيه بفكره ولكن له القبول خاصة عند سليم العقل لذى لم يغلب عليه شبهة خيالية فما لنا الا ما نص عليه الشرع فانك تعلم ان دليل الاشعرى شبهة عند المعتزلى وبالعكس والناظر بفكره لا يبقى على طور واحد فيخرج من امر الى نقيضه كما فى الفتوحات : وفى المثنوى
تنكتر آمد خيالات ازعدم ... زان سبب باشد خيال اسباب غم
فلا بد من التصديق وكثرة الاجتهاد فى طريق التوحيد ليتخلص المريد من الشك والشبهة والتقليد ويصل باقراره الى ما لم يصل اليه العنيد

(5/338)


إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96)

{ ان الذين حقت عليهم } ثبتت وجبت { كلمة ربك } وهى قوله ( هؤلاء فى النار ولا ابالى ) اى وجبت عليهم النار بسبق هذه الكلمة كما فى التأويلات النجمية . او حكمه وقضاؤه بانهم يموتون على الكفر ويخلدون فى النار كقوله تعالى { ولكن حق القول منى لأملان جهنم } الخ كما فى الارشاد
وقال الكاشفى [ يعنى قولى كه درلوح محفوظ نوشته كه ايشان بر كفر ميرند وملائكه را بران خبر داده ] فهذه ثلاثة اقوال { لا يؤمنون } ابدا اذلا كذب لكلامه ولا انتقاض لقضائه اى لا يؤمنون ايمانا نافعا واقعا فى اوانه فيندرج فيهم المؤمنون عند معاينة العذاب مثل فرعون باقيا عند الموت فيدخل فيهم المرتدون

(5/339)


وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)

{ ولو جاءتهم كل آية } سالوها واقترحوها وانث فعل كل لاضافته الى مؤنث وذلك ان سبب ايمانهم وهو تعلق ارادة الله به مفقود لكن فقدانه ليس لمنع منه سبحانه استحقاقه له بل لسوء اختيارهم المتفرع على عدم استعدادهم لذلك { حتى يروا العذاب الاليم } الى ان يروه وحينئذ لا ينفعهم كما لم ينفع فرعون

(5/340)


فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)

{ فلولا } حرف لولا تحضيض بمعنى هلا وحرف التحضيض اذا دخل على الماضى يكون للتوبيخ على ترك الفعل { كانت } تامة { قرية } من لقرى المهلكة والمراد اهاليها { آمنت } قبل معاينة العذاب ولم تؤخر ايمانها الى حين معاينته كما اخر فرعون وقومه وهو صفة لقرية { فنفعها ايمانها } بان يقبله الله منها ويكشف بسببه العذاب عنها { الا قوم يونس } لكن قوم يونس بن متى ولم ينصرف يونس لعجمته وتعريفه وان قيل باشتقاقه فلتعريفه ووزن الفعل المختص ومتى بالتشديد اسم ابيه وقال بعضهم اسم امه ولم يشتهر باسم امه غير عيسى ويونس عليهما السلام { لما آمنوا } اول ما ارادوا امارة العذاب ولم يؤخروا الى حلوله { كشفنا عنهم } رفعنا وازلنا { عذاب الخزى } اى الذل والهوان الذى يفضح صاحبه وهو لا يدل على حصولهم فى العذاب بل يقع ذلك على اشراف العذاب عليهم كما قال تعالى { وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها } كان الاتقاذ منها حالة الاشراف عليها الا الحصول فيها كما فى التيسير { فى الحيوة الدنيا } فنفعهم ايمانهم لوقوعه فى وقت الاختيار وبقاء للتكليف لا حال اليأس { ومتعناهم } بمتاع الدنيا بعد كشف العذاب عنهم { الى حين } مقدر لهم فى علم الله سبحانه : والمعنى بالفارسية [ جرا اهل قرى ايمان نياوردند قبل از معاينة عذاب وتعجيل نكردند بيش از حلول آن تانفع كردى ايشانرا ايمان ايشان ليكن قوم يونس جون امارات عذاب مشاهده نمودند تأخير نكردند ايمان خودرا تابوقت حلول وايمان آوردند ] فالاستثناء على هذا منقطع ويجوز ان يكون متصلا والجملة فى معنى النفى لتضمن حرف التحضيض معناه يعنى ان لولا كلمة التحضيض فى الاصل استعملت هذا للنفى لان فى الاستفهام ضربا من الجحد كأنه قيل اآمنت اهل قرية من القرى المشرفة على الهلاك فنفعهم ايمانهم الا قوم يونس فيكون قوله تعالى لما آمنوا استئنافا لبيان نفع ايمانهم وفيه دلالة على ان الايمان المقبول هو الايمان بالقلب : وفى المثنوى
بندكى درغيب آمد خوب وكش ... حفظ غيب آيددراتبعاد خوش
طاعت وايمان كنون محمود شد ... بعد مرك اندرعيان مردودشد
-روى- ان يونس عليه السلام بعث الى نينوى من ارض الموصل وهو بكسر النون الاولى وفتح الثانية وقيل بضمها قرية على شاطئ دجلة فى ارض الموصل وهو بفتح الميم وكسر الصاد المهملة اسم بلدة فدعاهم الى الله تعالى مدة فكذبوه واصروا عليه فضاق صدره فقال اللهم ان القوم كذبونى فانزل عليهم نقمتك وذلك انه كان فى خلقه ضيق فلما حملت عليها ثقل النبوة تفسخ تحتها وقد قالوا لا يستطيع حمل اثقال النبوة الا اولوا العزم من الرسل
وهم نوح وهود وابراهيم ومحمد عليهما السلام .

(5/341)


اما نوح فلقوله { يا قوم ان كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله } الآية وقد سبق . واما هود فلقوله { اى اشهد الله واشهدوا انى بريئ مما تشركون من دونه } الآية . واما ابراهيم فلقوله { هو والذين آمنوا معه انا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله } واما محمد فلقول الله تعالى له { فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل } فصبر فقيل له اخبرهم ان العذاب مصبحهم بعد ثلاث او بعد اربعين
قال الكاشفى [ يونس ايشانرا خبر داد ازميان قوم يونس بيرون رفته درشكاف كوهى ينهان شدجون زمان موعود نزديك رسيد حق الل بمالك دوزخ طاب كركده بمقدار شعيره از سموم دوزخ باين قوم فرست مالك فرمان الهى بجا أورد وآن سموم بصورت ابرسياه بادود غليظ وشراره آتش بيامده كردمدينه نينوى رافرا كرفت اهل آن شهر دانستندكه يونس راست كفته روى بملك خود آوردندواو مرد عاقل بودفر مودكه يونس را طلب كنيد جندانكه طلبيد ندنيا فتند ملك كفت اكر يونس برفت خدائى كه مارا بدودعوت ميكرد باقيست ودانا وشنوا كنون هيج جاره نيسست الا آنكه عجز وشكستكى وتضرع بدركاه او بريم بس ملك سر وبابرهنه بلاسى دربوشيد ورعايا بهمين صورت روى بصحر انهادند مردوزن وخرد وبزرك خروش وفرياد دركرفتند كودكانرا ازمادران جدا كردند ] قال فى الكواشى فحنّ بعضهم الى بعض وعجوا وتضرعوا واختلطت اصواتهم وفعلوا ذلك ليكون ارق لقلوبهم واخلص للدعاء واقرب الى الاجابة وترادوا المظالم حتى كان الرجل يقلع الحجر قد وضع عليه بنيانه فيرده فقالوا جملة بالنية الخالصة آمنا بما جاء به يونس او قالوا يا حى حين لا حى محيى الموتى ويا حى لا اله الا انت او قلوا اللهم اذ ذنوبنا قد عظمت وجلت وانت اعظم منها واجل
من اميد وارم زلطف كريم ... كه خوانم كنه بيش عفو عظيم
افعل بنا ما انت اهله ولا تفعل بنا ما نحن اهله [ واز اول ذى الحجة تا عاشر محرم بيرن وجه مى ناليدندو درين جها روزه از افغان وناله نيا سوده در ماندكى وبيجاركى بموقف عرض ميرسانيدند ]
جاره ماسازكه بى باوريم ... كر توبرانى كه رو آوريم
بى طريم ازهمه سازنده ... جز تونداريم نوازنده
بيش توكربى سروبا آمديم ... هم باميد توخدا آمديم
[ قومى ميكفتند خداوندا يونس مارا كفته بودكه خداى من كفته بندكان بخريد وآزتد كنيد مابندكان توايم توبكرم خودمارا از عذاب آزادكن . جماعتى ديكرمى ناليدندكه الهنامارا يونس خبر دادكه توخداوند فرموده كه بيجاركان ودرماند كانرا دستكيرى مابجاره ودرمانده ايم بفضل خود مارا دستكير بعض ديكر بعرض مير سانيندندكه اى برورد مار ما يونس از قول توميفر مودكه هركه برشما ستم كند ازو دركذرانيد خدايا مابكناه برخود ستم كرد ايم ازما عفوكن برخى ديكر بدين كونه اداميكردندكه خذايا يونس ماراى كفت كه بروردكار من كفته است كه سالا نرا رد مكنيد ما سائلان روى بدر كاه كرمت أورده ايم مارا رد مكن

(5/342)


ما تهى دستان بر آورديم دستى دردعا ... نقد فيضى نه برين دست كنهكاران همه
قاضى حاجات درويشان ومحتاجان توئى ... بس رواكن ازكرم حاجات بسيار همه
القصة روز جهلم كه آذينه بود وعاشورا اثر مناجات دسلوز ايشان ظهور نموده برات نجات ازديوان رحمت نوشته شد وظلمت سحاب مرتفع كشته ابر رحمت سايه رأفت برمفارق ايشان افكنده يونس بعد از جهل روز متوجه نينوى كشته ميخواست كه ازحال قوم خبر كيرد جون بنزديك شهر رسيد وبرصورت واقعه مطلع شد ملال بسيار برو علبه كرده باخود كفت من ايشانرا بعذاب ترسانيدم وعذاب بررحمت مبدل شد اكر من بدين شهر روم مرا بكذب نسبت دهند ] فذهب مغاضبا ونزل السفينة فلم تسر فقال لهم ان معكم عبدا ىبقا من ربه وانها لا تسير حتى تلقوه فى البحر واشار الى نفسه فقالوا لا نلقيك يا نبى الله ابدا فاقترعوا فخرجت القرعة عليه ثلاث مرات فالقوه فالتقمه الحوت وقيل قائل ذلك بعض الملاحين وحين خرجت القرعة عليه ثلاثا ألقى نفسه فى البحر
قال الشعبى التقمه الحوت ضحوة يوم عاشوراء ونبذه عشية ذلك اليوم اى بعد العصر وقاربت الشمس الغروب وفيه بيان فضيلة يوم عاشوراء فانه الذى كشف الله العذاب فيه عن قوم يونس واخرج يونس من بطن الحوت وازال عنه ذلك الابتلاء -حكى- انه هرب اسير من الكفار يوم عاشوراء فركبوا فى طلبه فلما رأى الفرسان خلفه وعلم انه ماخوذ رفع رأسه الى السماء وقال اللهم بحق هذا اليوم المبارك اسألك ان تنجينى منهم فأعمى الله ابصارهم جميعا حتى تخلص منهم فصام ذلك اليوم فلم يجد شيأ يفطر ويتعشى به فنام فاطعم وسقى في المنام فعاش بعد ذلك عشرين سنة لم يكن له حاجة الى الطعام والشراب كما فى روضة العلماء . ومن صامه اعطاه الله ثواب عشرة آلاف ملك وثواب عشرة آلاف حاج ومعتمر وثواب عشرة آلاف شهيد كما فى تنبيه الغافلين
ذكر ان الله عز وجل يخرق ليلة عاشوراء زمزم الى سائر المياه فمن اغتسل يومئذ امن من المرض فى جميع السنة كما فى الروض الفائق . والمستحب فى ذلك اليوم فعل الخيرات من الصدقة والصوم والذكر وغيرها ولا يجعل ذلك اليوم عيدا ويوم ماتم كالشيعة والروافض والناصبة كما فى عقد الدرر . والاكتحال ونحوه وان كان له اصل صحيح لكن لما كان شعارا لاهل البدعة صار تركه سنة كالتختم باليمين فانه لما كان شعار اهل البدعة صار السنة ان يجعل فى خنصر اليد اليسرى فى زماننا كما فى شرح القهستانى

(5/343)


وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)

{ ولو شاء ربك } ايمان من فى الارض من الثقلين { لآمن من فى الارض كلهم } بحيث لا يشذ منهم احد { جميعا } مجتمعين على الايمان لا يختلفون لكنه لا يشاؤه لكونه مخالفا للحكمة التى عليها بنى اساس التكوين والتشريع فشاء ان يؤمن به من علم منه انه لا يختار الكفر وان لا يؤمن به من علم منه انه لا يؤمن به تكميلا لحكم القبضتين وتحصيلا لأهل النشأتين وجعل الكل مستعدا ليصح التكليف عليهم وكان عليه السلام حريصا على ايمان الكل ومغفرته -كما حكى- ان موسى عليه السلام حين قصد الى الطور لقى فى الطريق وليا من اولياء الله تعالى فسلم عليه فلم يرد سلاما فلما وصل الى محل المناجاة قال الهى سلمت على عبد من عبادك فلم يرد على سلامى قال الله تعالى يا موسى ان هذا العبد لا يكلمنى منذ ستة ايام قال موسى لم يا رب قال لانه كان يسال منى ان اغفر لجميع المذنبين واعتق العصاة من عذاب جهنم اجمعين فما اجبت لسؤاله فلما كلمنى منذ ستة ايام كذا فى الواقعات المحمودية
والحاصل ان الله تعالى لما رأى من حبيبه عليه السلام ذلك الحرص انزل هذه الآية وعلق ايمان قومه على مشيئته وقال له { أفأنت } اى أربك لا يشاء ذلك فانت { تكره الناس } على ما لم يشا الله منهم { حتى يكونوا مؤمنين } ليس ذلك اليك كما فى الكواشى فيكون الانكار متوجها الى ترتيب الاكراه المذكور على عدم مشيئته تعالى كا فى الارشاد . وفى ايلاء الاسم حرف الاستفهام ايذان بان اصل الفعل وهو الاكراه امر ممكن مقدور لكن الشان فى المكره من هو وما هو الا هو وحده لا يشارك فيه لانه القادر على ان يفعل فى قلوبهم ما يضطرهم الى الايمان وذلك غير مستطاع للبشر
وقال السيد الشريف فى شرح المفتاح المقصود من قوله { أفانت تكره الناس } انكار صدور الفعل من المخاطب لا انكار كونه هو الفاعل مع تقرر اصل الفعل انتهى والتقديم لتقوية حكم الانكار كما فى حواشى سعدى المفتى
قال الكاشفى [ اين آيت منسوخ است بآيت قتال ]
وقال فى التبيان والصحيح انه لا نسخ لان الاكراه على الايمان لا يصح لانه عمل القلب

(5/344)


وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)

{ وما كان } اى وما صح وما استقام { لنفس } من النفوس التى علم الله انها تؤمن { ان تؤمن } فى حال من احوالها { الا باذن الله } اى الا حال كونها ملابسة باذنه تعالى وتسهيله وتوفيه فلا تجهد نفسك فى هدادا فنه الى الله : قال الحافظ
رضا بداده بده وزجبين كره بكشاى كه برمن وتودر اختيار نكشادست
{ ويجعل الرجس } اى الكفر بقرينه ما قبله عبر عنه بالرجس الذى هو عبارة عن القبيح المستقذر المستكره لكونه علما فى القبح والاستكراه اى يجعل الكفر ويبقيه { على الذين لا يعقلون } لا يستعملون عقولهم بالنظر فى الحجج والآيات فلا يحصل لهم الهداية التة عبر عنها بالاذن فيبقون مغمورين بقبائح الكفر والضلال
وفى التأويلات النجمية { ويجعل الرجس } اى عذاب الحجاب { على الذين لا يعقلون } سنة الله فى الهداية والخذلان فان سنته ان تهتدى العقول المؤيدة بنور الايمان الى توحيد الله ومعرفته ولا تهتدى العقول المجردة عن نور الايمان الى ذلك وهذا رد على الفلاسفة فانهم يحسبون ان للعقول المجردة عن الايمان سبيلا الى التوحيد والمعرفة انتهى : قال الحافظ
اى كه دفتر عقل آيت عشق آموزى ... ترسيم اين نكته تحقيق ندانى دانست

(5/345)


قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)

{ قل انظروا } تفكروا يا اهل مكة { ماذا } مرفوع المحل على الابتداء { فى السموات والارض } خبره اى أى شيء بديع فيهما من عجائب صنعه الدالة على وحدته وكمال قدرته فماذا جعل بالتركيب اسما واحدا مغلبا فيه الاستفهام على اسم الاشارة ويجوز ان يكون اسمين بمعنى ما الذى على ان تكون ما استفهامية مرفوعة على الابتداء والظرف صلة الذى والجملة خبر للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبر فى محل النصب باسقاط للخافض وفعل النظر معلق بالاستفهام { وما } نافية { تغنى الآيات والنذر } جمع نذير على انه فعيل بمعنى منذر او على انه مصدر اى لا تنفع الآيات الا نفسية والآفاقية الدالة على الوحدانية والرسل والمنذرون او الانذارات شيأ { عن قوم لا يؤمنون } فى علم الله تعالى وحكمه

(5/346)


فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102)

{ فهل ينتظرون } اى فما ينتظر كفار مكة واضرابهم { الا مثل ايام الذى خلوا } اى الا مثل ايام الذين مضوا { من قبلهم } من مشركى الامم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود واصحاب الايكة واهل المؤتفكة اى مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم اذ لا يستحقون غيره وعم ما كانوا منتظرين لذلك ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظر والعرب تسمى العذاب والنعيم اياما وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو ايام { قل } تهديدا لهم { فانتظروا } ما هو عاقبتكم من العذاب { انى معكم من المنظرين } لذلك او فانتظروا اهلاكى انى معكم من المنظرين لهلاككم فان العاقبة للمتقين على ما هى السنة القديمة الالهية

(5/347)


ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)

{ ثم ننجى رسلنا والذين آمنو } عطف على محذوف دل عليه قوله مثل ايام الذين خلوا كانه قيل نهلك الامم ثم ننجى رسلنا ومن آمن بهم عند نزول العذاب على حكاية الحال الماضية فان المراد اهلكنا ونجينا { كذلك } اى مثل ذلك الانجاء { حقا علينا } لعتراض بين الفعل ومعموله ونصبه بفعله المقدر اى حق ذلك علينا { ننجى المؤمنين } من كل شدة وعذاب ولم يذكر انجاء الرسل ايذانا بعدم الحاجة اليه
وفيه تنبيه على ان مدار النجاة هو الايمان وهذه سنة الله تعالى فى جميع الامم فان الله تعالى كما انجى الرسل المتقدمين ومن ىمن بهم وانجز وما عدلهم كذلك انجى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من اصحابه وحقق لهم ما وعد لهم وسينجى الى قيام الساعة جميع المؤمنين من ايدى لكفرة وشرورهم ما دام الشرع باقيا والعمل به قائما : قال السعدى قدس سره
محالست جون دوست دارد ترا ... دردست دشمن كذارد ترا
واقل النجاة الموت فان الموت تحفة المؤمن ألا ترا الى قوله عليه السلام حين مرّ بجنازة مستريح او مستراح منه فالاول هو الرجل الصالح يتخلص من تعب الدنيا ويستريح فى البرزخ بالثواب الروحانى وهو نصف النعيم والثانى هو الرجل الفاسق يستريح بموته الخلق ويتخلصون بموته من اذاه ويصل هو الى العذاب الروحانى البرزخى وهو نصف الجحيم نعوذ بالله تعالى منه
والحديث المناسب لآية الانتظار والانجاء قوله صلى الله تعالى عليه وسلم « افضل العبادة انتظار الفرج » وذلك لان فيه استرارة القلب وثواب الصبر اذ المؤمن المبتلى يعتقد ان المبتلى هو الله تعالى وانه لا كاشف له الا هو وذلك يخفف ألم البلاء عنه ويهون عليه الصبر فيرفع الجزع ويجد الاستراحة فى قلبه بخلاف حال الجاهل الذى لا يخطر بباله ان ما يجرى عليه انما هو بقضاء الله وان الله لطيف بعباده اذ ربما يعتقد انه لا يتخلص من بلائه فينسب العجز الى الله تعالى من حيث لا يحتسب ويتقلب فى الم البلاء صباحا ومساء فتعوذ بالله منه : قال الحافظ
اى دل صبور باش مخور غم كه عاقبت ... اين شام صبح كردد واين شب سحر شود
وفى الحديث « اشتدى ازمة تنفرجى » خاطب عليه السلام السنة المجدبة فقال ابلغى فى الشدة والمشتقة الغاية تنكشفى وفيه تنبيه على ان لا بقاء للمحنة فى دار الدنيا كما لا بقاء للنعمة . والازمة القحط والشدة وقيل ازمة امرأة وقعت فى الطلق عليه السلام اى ازمة اشتدى يعنى ابلغنى فى الشدة الغاية تنفرجى حتى تجدى الفرج عن قريب بالوضع والعرب تقول اذا تناهت الشدة انفرجت . وقد عمل ابو الفضل يوسف بن محمد الانصارى المعروف بان النجوى لفظ الحديث مطلع قصيدة فى الفرج بديعة فى معناها كذا فى المقاصد الحسنة لخاتمة الحافظ والمحدثين الامام السخاوى رحمه الله سبحانه

(5/348)


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104)

{ قل يا ايها الناس } خطاب لاهل مكة { ان كنتم فى شك من دينى } الذى اتعبد الله به وادعوكم اليه ولم تعلموا ما هو وما صفته { فلا اعبد } اى فانا لا اعبد والا لا نجزم { الذين تعبدون من دون الله } فى وقت من الاوقات { ولكن اعبد الله الذى يتوفيكم } يقبض ارواحكم بوساطة الملك ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب اى فاعلموا تخصيص العبادة به تعالى ورفض عبادة ما سواه من الاصنام وغيرها مما تعبدونه جهلا وذلك لان شكهم ليس سببا لعدم عبادة الاوثان وعبادة الله بل سبب للاعلام والاخبار بان الدين كذا ومثله وما بكم من نعمة فمن الله فان استقرار النعمة فى المخاطبين ليس سببا لحصولها من الله تعالى بل الامر بالعكس وانما هو سبب للاخبار بحصولها من الله تعالى { وامرت ان } اى بان { اكون من المؤمنين } وفى الانتقال من العبادة لتى هى جنس من اعمال الجوارح الى الايمان والمعرفة دلالة على انه ما لم يصر الظاهر مزينا بالاعمال الصالحة لا يستقر فى القلب نور الايمان والمعرفة فان الله تعالى جعل احكام الشريعة اساس المعرفة فاذا زال الاساس زال ما بنى عليه وايضا العمل لباس المعرفة فاذا انسلخت المعرفة عن هذا اللباس صارت كسراج على وجه الريح
علم آبست وعمل سد جون سبو ... جون سبو بشكست ريزد آب ازو

(5/349)


وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105)

{ وان اقم وجهك للدين } عطف على ان اكون وان مصدرية اى موصول حرفى وصلته لا تجب ان تكون خبرية بخلاف الموصول الاسمى . والمعنى وامرت بالاستقامة فى الدين والاشتداد فيه باداء الفرائض والانتهاء عن القبائح كما فى تفسير القاضى
قال ابن الشيخ فى حواشيه وفيه اشارة الى ان اقامة الوجه للدين كناية عن توجيه النفس بالكلية الى عبادة الله تعالى والاعراض عما سواه فان من اراد ان ينظر الى شيء نظرا بالاستقصاء فانه يقيم وجهه فى مقابلته بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا فانه لو التفت الى جهة بطلت تلك المقابلة واختل النظر المراد ولذلك كنى باقامة الوجه عن صرف القوى بالكلية الى الدين انتهى
قال فى الكواشى والمعنى كن مؤمنا واخلص عملك لله
عبادت باخلاص نت نكوست ... وكرنه جه آيد زبى مغز بوست
{ حنيفا حال من الدين اى مائلا عن الاديان الباطلة مستقيما لا اعوجاج فيه بوجه ما { ولا تكونن من المشركين } اعتقادا وعملا عطف على اقم داخل تحت الامر
قال الامام من عرف مولاه لو التفت بعد ذلك الى غيره كان ذلك شركا وهذا هو الذى تسميه اصحاب القلوب بالشرك الخفى : قال المغربى
اكر بغير توكردم نكاه درهمه عمر ... بياد جرم غرامت زديده ام بستان

(5/350)


وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)

{ ولا تدع } عطف على قوله تعالى { قل يا ايها الناس } غير داخل تحت الامر { من دون الله } استقلالا ولا اشتراكا { ما لا ينفعك } اذا دعوته بدفع مكروه او جلب محبوب { ولا يضرك } اذا تركته بسلب المحبوب دافعا او رفعا او بايقاع المكروه { فان فعلت } اى ما نهيت عنه من دعاء ما لا ينفع ولا يضر { فانك اذ من الظالمين } الضارين بانفسهم فانه اذا كان ما سوى الحق معزولا عن التصرف الى ما سوى الحق وضعا للشيء فى غير موضعه فيكون ظلما فلا نافع ولا ضار الا الحق وكل شيء هالك الا وجهه
خيل جمله جهانرا بنور جشم يقين ... بجنب بحر حقيقت سراب مى بينم

(5/351)


وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)

{ وان يمسسك الله بضر } [ واكر برساند خداى بتو مرضى ياشدتى يا فقرى ] { فلا كاشف له } عنك { الا هو } وحده { وان يردك بخير } [ واكر خواهد بتوصحت وراحت وغنا ] { فلا راد } فلا دافع { لفضله } من جملة ما ارادك به من الخير كائنا من كان فيدخل فيه الاصنام . وفيه ايذان بان فيضان لخير منه تعلاى بطريق التفضل من غير استحقاق عليه سبحانه ولعل ذكر الارادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الامرين للايذان بان الخير مراد بالذات وان الضر انما يمس من يمسه لما يوجبه من الدواعى الخارجية لا بالقصد الاولى ولم يستثن مع الارادة كما استثنى مع المس بان يقول الا هو لانه قد فرض ان تعلق الخير به واقع بارادة الله تعالى فصحة الاستثناء تكون بارادة ضده فى ذلك الوقت وهو محال اذ لا يتعلق الارادتان للضدين فى وقت واحد بخلاف مس الضر فان ارادة كشفه لا تستلزم المحال { يصيب به } [ ميرساند فضل خودرا ] اى بفضله الشامل لما ارادك به من الخير ولغيره { من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم } فتعرضوا لرحمته بالطاعة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية
وفى التأويلات النجمية { وهو الغفور } يستر بنور وجهه ظلمة وجود الصديقين { الرحيم } يتقرب برحمته الى الطالبين الصادقين وهم الذين دينهم عبادة الله وطاعته ومحبته وطلبه لا عبادة الهوى والدنيا وطاعتها ومحبتها
وقال فى المفاتيح معنى الغفور يستر القبائح والذنوب باسبال الستر عليها فى الدنيا وترك المؤاخذة والعقاب عليها فى الآخرة
وخط العارف من هذا الاسم ان يستر من اخيه ما يجب ان يستر من اخيه ما يحب ان يستر منه وقد قال عليه السلام « من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة » والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الاساءة بمعزل عن هذا الوصف وانما المتصف به من لا يفشى من خلق الله الا احسن ما فيه -يروى- ان عيسى عليه السلام مع الحواريين بكلب ميت قد غلب نتنه فقالوا ما انتن هذه الجيفة فقال عيسى عليه السلام ما احسن بياض اسنانها تنبيها على ان الذى ينبغى ان يذكر من كل شيء ما هو احسن كما فى شرح الاسماء الحسنى للامام الغزالى : وقال فى المثنوى فى الاسم الرحيم
بند كان حق رحيم وبردبار ... خوى حق دارند در اصلاح كار
مهربان بى رشوتان يارى كران ... در مقام سخت ودر روز كران
نسال الله تعالى ان يفيض علينا سجال رحمته ويديم دوران كاسات فضله ومغفرته

(5/352)


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)

{ قل } لكفار مكة { يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم } وهو القرىن العظيم واطلعتم على ما فى تضاعيفه من البينات والهدى لم يبق لكم عذر ولا عليه تعالى حجة { فمن اهتدى } بالايمان به والعمل بما فى مطاويه { فانما يهتجى لنفسه } اى منفعة اهتدائه لها خاصة ومن ضل بالكفر به والاعراض عنه { فانما يضل } اى فوبال الضلال مقصور عليها . والمراد تنزيه ساحة الرسول عن شائبة غرض عائد اليه عليه السلام من جلب نفع او دفع ضر كما يلوح به اسناد الكجيء الى الحق من غير اشعار يكون ذلك بواسطة { وما انا عليكم بوكيل } بحفيظ موكول الى امركم وانما انا بشير ونذير
وفى التأويلات النجمية { قد جاءكم الحق من ربكم } القرآن وهو الحبل المتين { فمن اهتدى } الى الاعتصام به { فانما يهتدى لنفسه } بان يخلصها من اسفل السافلين ويعيدها الى اعلى عليين مقاما { ومن ضل } عن الاعتصام به { فانما يضل عليها } لانها تبقى فى اسفل الدنيا بعيدة عن الل معذبة بعذاب البعد وألم الفراق { وما انا عليكم بوكيل } فاوصلك الى تلك المقامات والدرجات واخلصكم من هذه السفليات والدركات بغير اختياركم وانما انا مأمور بتبليغ الوحى والرسالة والتذكير والموعظة

(5/353)


وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)

{ واتبع } اعتقادا وعملا وتبليغا { ما يوحى اليك } على نهج التجدد والاستمرار من الحق المذكور المتأكد يوما فيوما { واصبر } على دعوتهم وتحمل اذيتهم { حتى يحكم الله } يقضى لك بالنصر واظهار دينك { وهو خير الحاكمين } اذ لا يمكن الخطأ فى حكمه لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر
از سبيدى تاسياهى كيرو تالوح وقلم ... يك رقم ازخط حكمش وهو خير الحاكمين
قال فى التأويلات النجمية { وهو خير الحاكمين } فيما حكم بقبول الدعوة والقرآن والاحكام والعمل بها لمن سبقت له العناية الازلية وبرد الدعوة والقرآن والاحكام والعمل بها لمن ادركته الشقاوة الازلية
وقال فى المفاتيح ومرجع الاسم الحاكم اما الى القول الفاصل بين الحق والباطل والبر والفاجر والمبين لكل نفس جزاء ما عملت من خير او شر واما الى التمييز من السعيد ولشقى بالاثابة والعقاب . وحظ العبد منه ان يستسلم لحكمه وينقاد لامره فان لم يرض بقضائه اختيار امضى فيه اجبارا ومن رضى به طوعا عاش راضيا مرضيا ويكفى لنا موعظة حال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فانه رضى بقضاء الله وصبر على بلائه فعاش حميدا وصار عاقبة امره الى النصرة : وفى المثنوى
صد هزاران كيميا حق آفريد ... كيميايى همجو صبر آدم نديد
جونكه قبض آمد تو دروى بسط بين ... تازه باش وجين ميفكن برجبين
جشم كودك همجو خر درآخرست ... جشم عاقل درحساب آخرست
اودر آخر جرب مى بيند علف ... وين زقصاب آخرش بيند تلف
آن علف تلخست كين قصاب داد ... بهر لحم ماترا زويى نهاد
صبر مى بيند زبرده اجتهاد ... روى جون كلنار وزلفين مراد
ومما وقع له صلى الله تعالى عليه وسلم من الاذية ما حدث به عبد الله رضى الله عنه قال كنا مع رسول الله فى المسجد وهو يصلى وقد نحر جزور وبقى فرثه اى روثه فى كرشه فقال ابو جهل ايكم يقوم الى هذا القذر ويلقيه على محمد فقام عقبة بن ابى معيط وجاء بذلك الفرث فالقاه على النبى عليه السلام وهو ساجد فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك فهممنا اى خففنا ان نلقيه عنه حتى جاءت فاطمة رضى الله عنها فالقته عنه واقبلت عليهم تشتمهم وكان بجواره صلى الله تعالى عليه وسلم جماعة منهم ابو لهب والحكم بن العاص ابن امية وعقبة بن ابى معيط وكانوا يطرحون عليه الاذى فاذا طرحوه عليه اخذه عليه السلام وخرج به ووقف على بابه ويقول يا ابن عبد مناف اى جوار هذا لم يلقيه فى الطريق وقال عليه عليه السلام مرة فيمن التزم اذية له من رؤساء قريش مخاطبا لاصحابه

(5/354)


« ابشروا فان الله تعالى مظهر دينه ومتمم كلمته وناصر نبيه ان هؤلاء الذين ترون مما يذبح على ايديكم عاجلا » فوقع كما قال حيث ذبحهم الاصحاب بايديهم يوم بدر وهذه الاذية لا يظن ظان انها منقصة له عليه السلام بل هى رفعة له ودليل على فخامة قدره وعلو مرتبته وعظيم رفعته ومكانته عند ربه لكثرة صبره عليه السلام وحلمه واحتماله مع علمه باستجابة دعائه ونفوذ كلمته عند الله تعالى وقد قال « اشد الناس بلاء الانبياء » عليهم السلام فالانبياء كالذهب والشدائد التى تصيبهم كالنار التى يعرض عليها الذهب فان ذلك يزيد الذهب الا حسنا فكذا الشدآئد لا تزيد الانبياء الا رفعة : فى المثنوى
طبع را كشتند در حمل وبدى ... تاحمولى كربود هست ايزدى
اى سليمان درميان زاغ وباز ... حلم حق شو باهمه مرغان بساز
اى دوصد بلقيس حلمت را زبون ... كه اهد قومى انهم لا يعلمون
نسال الله تعالى ان يثبتنا على الحق المبين ويحكم لنا بالنصر على نفوسنا وهو خير الحاكمين تمت سورة يونس بالامداد الرحمانى والتاييد الربانى فى اليوم الحاجى عشر يوم الاثنين فى ذى القعدة الشريفة من سنة اثنتين ومائة والف ويتلوها سورة هود

(5/355)


الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)

{ الر } اى هذه السورة الر اى مسماه بهذا الاسم فيكون خبره مبتدا محذوف او لا محل له من الاعراب مسرود على نمط تعديد الحروف للتحدى والاعجاز وهو الظاهر فى هذ السورة الشريفة اذ على الوجه الاول يكون كتاب خبرا بعد خبر فيؤدى الى ان يقال هذه السورة كتاب وليس ذاك بل هى آيات الكتاب الحكيم كما فى سورة يونس وحمل الكتاب على المكتوب او على البعض تكلف وهو اللائح بالبال قالوا الله اعلم بمراده من الحروف المقطعة فانها من الاسرار المكتومة كما قال الشعبى حين سئل عنها سر الله فلا تطلبوه والله تعالى لا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول او وارث رسول . وفى الحديث « ان من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا العلماء بالله فاذا نطقوا به لا ينكره الا اهل الغرة بالله » رواه ابو منصور لديلمى وابو عبد الرحمن السلمى كما فى الترغيب
قال الرقاشى هى اسرار الله يبديها الى امناء اوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهى من الاسرار التى لم يطلع عليها الا الخواص كما فى فتح القريب
وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال حفظت من رسول الله وعائين فاما احدهما فبثثته فيكم واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم
قال البخارى البلعوم مجرى الطعام كما فى شرح الكردى على الطريقة المحمدية
وقال سلطان المفسرين والمؤولين ابن عباس رضى الله عنهما معنى الر انا الله ارى [ منم خداى كه مى بينم طاعت مطيعانرا ومعصيت عاصيانرا وهركس را مناسب عمل اجزا خواهم داد بس ايت كمله مشتمل است بروعد ووعيد كما فى تفسير الكاشفى ] ويقال الالف آلاؤه واللام لطفه والراء ربوبيته كما فى تفسير ابى الليث وسياتى فى التأويلات غير هذا { كتاب } اى هذا القرآن كتاب كما ذهب اليه غير واحد من المفسرين { احكمت آياته } نظمت نظما محكما لا يعتريه نقض ولا حلل لفظا ومعنى كالبناء المحكم المرصف او منعت من النسخ بمعنى التغيير مطلقا : وفى المثنوى
مصطفى را وعده كرد الطاف حق ... كربميرى تونميرد اين سبق
كس نتاند بيش وكم كردن درو ... تو به ازمن حافظى ديكر مجو
هست قرآن مرترا همجون عصا ... كفر هارا دركشد جون ازدها
تو اكر درزير حاكى خفته ... جون عصايش دان توآنجه كفته
قاصدا انرا برعصايت دست نى ... توبخسب اى شه مبارك خفتنى
{ ثم فصلت } يقال عقد مفصل اذا جعل بين كل لؤلؤتين خرزة . والمعنى زينت آياته بالفوائد كما تزين القلائد بالفرائد اى ميزت وجعلت تفاصيل فى مقاصد مختلفة ومعان متميزة من العقائد والاحكام والمواعظ والامثال وغير ذلك وثم للتفاوت فى الحكم اى الرتبة لا للتراخى فى الوجود والوقوع فى الزمان او للتراخى فى الاخبار لا فى الوقت فان الشائع فى الجمل ان يراد بها نفس مفهومها الا انه قد يراد بها الاخبار .

(5/356)


بمفهومها كما تقول فلان كريم الاصل ثم كريم الفعل لوالمراد بالتراخى مجرد الترتيب مجازا لظهور ان حقيقة للتراخى منتفية بين الاخبارين ضرورة ان الاخبار بالتفصيل وقع عقيب الاخبار بالاحكام او يقال بوجود التراخى باعتبار ابتداء الخبر الاول وانتهاء الثانى والفعلان من قبيل قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل يعنى انه لم يكن البعوض كبيرا اولا ثم جعله الله صغيرا لكنه كان ممكنا فنزل هذا الامكان منزلة الوجود كما فى شرح الهندى على الكافية { من لدن حكيم خبير } صفة ثانية للكتاب صفة ثانية للكتاب وصف اولا بجلالة الشان من حيث الذات ثم وصف من حيث الاضافة . ولدن بمعنى عند لكنها مختصة باقرب مكان وعند للبعيد والقريب ولهذا تقول عندى كذا لما تملكه حضرك او غاب عنك ولا تقول لدى كذا الا لما هو بحضرتك . والحكيم الخبير هو الله تعالى حكيم فيما انزل خبير بمن اقبل على امره واعرض عنه

(5/357)


أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)

{ ان لا تعبدوا الا الله } مفعول له حذف منه اللام مع فقدان الشرط اعنى كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل بناء على القياس المطرد فى حذف حر الجر مع ان المصدرية كأنه قيل كتاب احكمت آياته ثم فصلت لاجل ان لا تعبدوا الا الله اى تتركوا يا اهل مكة عبادة غير الله وتتمخصوا فى عبادته دل على ان لا مقصود من هذا الكتاب لشريف الا هذا الحر الواحد فكل من صرف عمره الى سائر المطالب فقد خاب وخسر { انى لكم منه نذير وبشير } كلام على لسان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله منه اما حال من نذير وبشير اى كائنا من جهة الله تعالى او متعلق بنذير اى أنذركم من عذابه ان كفرتم اى بقيتم على الكفر وعبادة غير الله تعالى وابشركم بثوابه ان امنتم وتقديم النذير لان التخويف هو الاهم اذ التخلية قبل التحلية

(5/358)


وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)

{ وان استغفروا ربكم } عطف على الا تعبدوا سواء كان نهيا او نفيا وان مصدرية وسوغ سيبويه ان توصل ان بالامر والنهى لان الامر والنهى دالان على المصدر دلالة غيرهما من الافعال والاستغفار طلب المغفرة وهي ان يستر على العبد ذنوبه فى الدنيا ويتجاوز عن عقوبته فى العقبى { ثم توبوا اليه } ثم اخلصوا التوبة واستقيموا عليها كما فى بحر العلوم للسمرقندى
وقال فى الارشاد المعنى فعل ما فعل من الاحكام والتفصيل لتخصوا الله بالعبادة وتطلبوا منه ستر ما فرط منكم من الشرك ثم ترجعوا اليه بالطاعة انتهى فثم ايضا على بابها فى الدلالة على التراخى الزمانى ويجوز ان يكون ثم لثفاوت ما بين الامرين وبعد المنزلة بينهما من غير اعتبار تعقيب وتراح فان بين التوبة وهى انقطاع العبد اليه بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيدا كذا ذكره الرضى
قال الفراء ثم ههنا بعد الواو لان الاستغفار توبة انتهى
يقول الفقير فرقوا بينهما كما قال الحدادى عند قوله تعالى { ومن يعمل سوأ او يظلم ثم يستغفر الله } اى بالتوبة الصادقة وشرطت التوبة لان الاستغفار لا يكون توبة بالاجماع ما لم يقل معه تبت واسات ولا اعود ليه ابدا فاغفر لى يا رب { يمتعكم متاعا حسنا } انتصابه على انه مصدر بمعنى تمتيعا حذف منه الزوائد . والتمتيع جعل الشخص متمتعا منتفعا بشيء . والمعنى يعيشكم عيشا مرضيا لا يفوتكم فيه شيء مما تشتهون ولا ينغصه شيء من المكدرات { الى اجل مسمى } الى آخر الاعمار المقدرة وتموتوا على فرشكم -كما حكى- ان الله تعالى اوحى الى موسى عليه السلام قل لفرعون ان آمنت بالله وحده عمرك فى ملكك وردك شابا طريا فمنعه هامان وقال انا اردك شابا طريا فاتاه بالوسمة فخضب لحيته وهو اول من خضب بالسواد جراما
وقال العتبى اصل الا متاع الا طالة فيقال جبل ماتع وقد متع النهار اذا طال . والمعنى لا يهلككم بعذاب الاستئصال الى آخر ايام الدنيا
وههنا سؤالان . الاول ان قوله عليه السلام « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » وقوله « وخص البلاء بالانبياء ثم الاولياء ثم الامثل فالامثل » ونحوهما يدل على ان نصيب المطيع عدم الراحة فى الدنيا فكيف يكون فى امن وسعة الى حين الموت . والجواب ان من ربط قلبه بالله ورضى بما قضاه الله فى حقه حيى حياة طيبة ولذا قال بعضهم ( متاعا حسنا [ رضاست برانجه هست ازنعمت وصبر برانجه رونمايد ازسخت ] ومن ربط قلبه بالاسباب كان ايدا فى الم الخوف من فوات محبوبه فيتغص عيشه ويضطرب قلبه وكون الدنيا سجنا انما هو بالاضافة الى ما اعد للمؤمن من نعيم الآخرة وهو لا ينافى لراحة فى الجملة -كما حكى- انه كان قاض من اهل بغداد مارا بزقاق كلخان مع خدمه وحشمه كالوزير فطلع الكلخانى فى صورة جهنمى رث الهيئة كان القطران ان يقطر من جوانبه فاخذ بلجام بغلة القاضى فقال ايد الله القاضى ما معنى قول نبيكم

(5/359)


« الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » اما ترى فى الدنيا جنة لك وانت مؤمن محمدى والدنيا سجن لى وانا كافر يهودى فقال القاضى الدنيا وما ترى من زينتها وحشمتها سجن للمؤمنين بالنسبة الى الجنة وما اعد لهم فيها من الدرجات وجنة للكافرين بالنسبة الى جهنم وما اعد لهم فيها من الدركات فعقل اليهودى فاسلم واخلص . والثانى ان قوله تعالى { الى اجل مسمى } يدل على ان للعبد اجلين كما قال الكعبى ان للمقتول اجلين اجل القتل واجل الموت وان المقتول لو لم يقتل لعاش الى اجله الذى هو اجل الموت وكما قال الفلاسفة ان للحيوان اجلا طبيعيا هو وقت موته لتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزتين واجلا اختراميا بحسب الآفات والامراض . والجواب ان الاجل واحد عند اهل السنة والجماعة فان الارزاق والاعمار وان كانت متعلقة بالاعمال كالاستغفار والتوبة فى هذ الآية وكالصلة فى قوله « صلة الرحم تزيد العمر » لكنها مسماة بالاضافة فى كل احد بناء على علم الله باشتغاله بما يزيد فى العمر من القرب فلا يثبت تعدد الاجل { ويؤت كل ذى فضل } فى الاعمال والاخلاق والكمالات { فضله } والضمير راجع الى كل اى جزاء فضله من الثواب والدرجات العالية ولا يبخس منه
قال سعيد بن جبير فى هذه الآية من عمل حسنة كتب له عشر حسنات ومن عمل سيئة كتب عليه سيئة واحدة فان لم يعاقب بها فى الدنيا اخذ من العشرة واحدة وبقيت له تسع حسنات [ وجورجانى كفته كه ذو فضل آنست كه دردريوان ازل بنام اونشان فضل نوشته باشند وهر آينه بعد از وجود بدان شرف خواهد رسيد أنراكه بدادندا زو بازنكيرند { وان تولوا } اى تتولوا او تعرضوا عما القى اليكم من التوحيد والاستغفار والتوبة وتستمروا على الاعراض وانما اخر عن البشارة جريا على سنن تقدم الرحمة على اغضب { فانى اخاف عليكم } بموجب الشفقة والرحمة او اتوقع { عذاب يوم كبير } شاق وهو يوم القيامة قال فى التبيان وهو بكير لما فيه من الاهوال فوصف بوصف ما يكون فيه

(5/360)


إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)

{ الى الله مرجعكم } اى رجوعكم بالموت ثم بالبعث للجزاء فى مثل ذلك اليوم لا الى غيره وهو شاذ عن القياس لان المصدر الميمى من باب ضرب قياسه ان يجيئ بفتح اعين وهو لا يمنع الفصاحة نحو ويابى الله { وهو على كل شيء قدير } فيقدر على تعذيبكم اذ من جملة مقدوراته العذاب والثواب
واعلم ان الآية تدل على فضل التوحيد وشرف الاستغفار الا يرى ان الموحد المستغفر كيف ينال العيش الطيب فى الدنيا والدرجات العالية فى العقبى فهما مفتاح سعادة الدارين وفى الحديث « لا اله الا الله ثمن الجنة » وخبر آخر « مفتاح الجنة » وفى الخبر « قال آدم يا رب انك سلطت على ابليس ولا استطيع ان امتنع منه الا بك قال الله تعالى لا يولد لك ولد الا وكلت عليه من يحفظه من مكر ابليس ومن قرناء السوء قال يا رب زندى قال الحسنة عشر وازيد والسيئة واحدة وامحوها قال يا رب زدنى قال التوبة مقبولة مادام الروح فى الجسد قال يا رب زندى قال الله تعالى قل يا عبادى الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم » ثم الاستغفار لا يختص بكونه من الذنوب بل يكون من العبادة التى لا يؤتى بها على الوجه اللائق كما قال بعضهم ان الصحابة كانوا يستغفرون من عبادتهم استقلالا لها وما يقع فيها : قال العرفى
مالب آلوده بهر توبه بكشاييم ليك ... بانك عصيان ميزند ناقوس استغفارا ما
وفى التأويلات النجمية قوله { الر } يشير بالالف الى الله وباللام الى جبريل وبالراء الى الرسول { كتاب احكمت آياته } يعنى القرآن والحكمة هى الحقائق والمعانى والاسرار التى ادرجت فى آياته { ثم فصلت } اى بينت لقلوب العارفين تلك الحقائق والحكم { من لدن حكيم } اودع فيها الحكمة البالغة التى لا يقدر غيره على ايداعها فيها وهذا سر من اسرار اعجاز القرآن { خبير } على تعليمها من لدنه لمن يشاء من عباده كقوله { فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما } يشير الى ان للقرآن ظهرا يطلع عليه اهل اللغة وبطنا لا يطلع عليه الا ارباب القلوب الذين اكرمهم الله بالعلم اللدنى ورأس الحكمة وسرها ان تقول يا محمد لامتك امرتم { ان لا تعبدوا الا الله } اى لا تعبدوا الشيطان ولا الدنيا ولا الهوى ولا ما سوى الله تعالى { اننى لكم منه نذير } انذركم بالقطيعة من الله تعالى ان تعبدوا وتطيعوا وتحبوا غيره وعذاب العبد فى الجحيم { وبشير } ابشركم ان تعبدوه وتطيعوه وتحبوه بالوصول ونعم الوصال فى دار الجلال وكان النبى عليه السلام مخصوصا بالدعوة الى الله من بين الانبياء والمرسلين يدل على قوله { يا ايها النبى انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه }

(5/361)


فيما فرطتم من ايام عمركم فى طلب غير الله وترك طلبه وتحصيل الحجب وابطال الاستعداد الفطرى ليكون الاستغفار تزكية لنفوسكم وتصفية لقلوبكم { ثم توبوا اليه } ارجعوا بقدم السلوك الى الله تعالى لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار وهى قوله { يمتعكم متاعا حسنا } وهو الترقى فى المقامات من السفليات الى العلويات الى حضرة العلى الكبير { الى اجل مسمى } وهو انقضاء مقامات السلوك وابتداء درجات الوصول { ويؤت كل ذى فضل } ذى صدق واجتهاد فى الطلب { فضله } فى درجات الوصول فان المشاهدات بقدر المجاهدات { وان تولوا } تعرضوا عن الطلب والسير الى الله { ف } قل { انى اخاف عليكم عذاب يوم كبير } عذاب يوم الانقطاع عن الله الكبير فانه اكبر الكبائر وعذابه اعظم المصائب { الى الله مرجعكم } طوعا او كرها فان كان بالطوع يتقرب اليكم بجذبات العنايات كما قال { من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا } وان كان بالكره تسحبون فى النار على وجوهكم { وهو على كل شيء } من اللطف والقهر { قدير }

(5/362)


أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)

{ ألا } اى تنبهوا ايها المؤمنون { انهم } اى مشتركى مكة { يثنون صدورهم } من ثنى يثنى اى عطف وصرف . والمعنى يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والاعراص عن الحق وعداوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحيث يكون ذلك مخفيا مستورا فيها كما تعطف الثياب على ما فيها من الاشياء المستورة { ليستخفوا منه } الاستخفاء الاستتار اى ليختفوا ويستتروا من الله تعالى لجهلهم بما لا يجوز على الله تعالى -روى- عن ابن عباس رضى الله عنهما انها نزلت فى اخنس بن شريق الزهرى وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق للحديث يظهر لنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المحبة ويضمر فى قلبه ما يضادها
وقال ابن شداد انها نزلت فى بعض المنافقين كان اذا مر برسول الله ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يراه النبى عليه السلام فكأنه انما كان يصنع ما يصنع لانه لو راه النبى عليه السلام لم يمكنه التخلف عن حضور مجلسه والمصاحبة معه وربما يؤدى ذلك الى ظهور ما فى قلبه من الكفر والنفاق
فان قلت الآية مكية والنفاق حدث بالمدينة
قلت لك ان تمنع ذلك بل ظهوره انما كان فيها ولو سلم فليكن هذا من باب الاخبار عن الغيب وهو من جملة المعجزات { الا حين يستغشون } ثيابهم } اى يتغطون بها للاستخفاء على ما نقل عن ابن شداد وحين ياوون الى فراشهم ويتدثرون ثيابهم وكان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخى ستره ويحنى ظهره ويتغشى ثوبه ويقول هل يعلم الله ما فى قلبى
قال فى الكواشى حين توقيت للتغطى لا للعلم انتهى
اى لئلا يلزم تقييد علمه تعالى بسرهم وعلنهم بهذا الوقت الخاص وهو تعالى عالم بذلك فى كل وقت . والجواب انه تعالى اذا علم سرهم وعلنهم فى وقت التغشية الذى يخفى فيه السر فاولى ان يعلم ذلك فى غيره وهذا بحسب العادة والا فالله تعالى لا يتفاوت علمه بتفاوت احوال الخلق { يعلم ما يسرون } اى يضمرون فى قلوبهم { وما يعلنون } بافواههم وما مصدرية اى اسرارهم واعلانهم او بمعنى الذى والعائد محذوف وقدم السر على العلن لان مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن اذ ما من شيء يعلن لا وهو او مباديه قبل ذلك مضمر فى القلب فتعلق علمه سبحانه بحالته الاولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية { انه } اى الله تعالى { عليم بذات الصدور } مبالغ فى الاحاطة بمضمرات جميع الناس واسرارهم الخفية المستكنة فى صدورهم بحيث لا تفارقها اصلا فكيف يخفى على ما يسرون وما يعلنون
اى كه دردل نهان كنى سرى ... آنكه دل آفريد ميداند
ومعنى الآية ان الذين اضمروا الكفر والعداوة لا يخفون علينا وسنجازيهم على ما ابطنوا من سوء اعمالهم حق جزائهم فحقه ان يتقى ويحذر ولا يجترئ على شيء مما يخالف رضاه

(5/363)


صورت ظاهر ندارد اعتبار ... باطنى بايد مبرا از غبار
واعلم ان اصلاح القلب اهم من كل شيء اذ هو كالملك المطاع فى اقليم البدن لنافذ الحكم وظاهر الاعضاء كالرعية والخدم له والنفاق صفة من صفاته المذمومة وهو عدم موافقة الظاهر للباطن والقول للفعل
وقل ناس لابن عمر انا لندخل الى سلطاننا وامرائنا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم اذا خرجنا من عندهم فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
وقال حذيفة ان المنافقين اليوم شر منهم على عهد رسول الله قالوا وكيف ذلك قال كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون
هركه سازد نفاق بيشه خويش ... خوار كردد بنزد خالق وخلق
ومن آفات القلب العداوة
وعن على رضى الله عنه انه قال العداوة شغل
هركه بيشه كند عداوت خلق ... از همه خيرهاجدا كردد
كه دلش خسته عنا باشد ... كه تنش بسته بلا كردد
وفى هذا المعنى قال حضرة الشيخ السعدى قدس سره
دلم خانه مهر يارست وبس ... ازان جانكنجد درو كين كس
وفى الآية اشارة الى حال اهل الانكار فان كفار الشريعة كانوا يتغطون بثيابهم لئلا يسمعوا القرآن وكلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكذا كفار الحقيقة لا يصغون الى ذكر الصوفية بالجهر ولا يقبلون على استماع اسرار المشايخ وحقائق القرآن بل يثنون صدورهم ويظنون ان الله تعالى لا يعلم سرهم ونجواهم ولا يجازيهم على اعراضهم عن الحق وعداوتهم لاهله
تم الجزء الحادى عشر فى الثامن عشر من ذى القعدة من سنة اثنتين ومائة الف

(5/364)


وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)

{ وما } نافية { من } صلة { دابة } عام لكل حيوان يحتاج الى الرزق صغيرا كان او كبيرا ذكرا او انثى سليما او معيبا طائرا او غيره لان الطير يدب اى يتحرك على رجليه فى بعض حالاته { فى الارض } متعلق بمحذوف هو صفة لدابة اى ما فرد من افراد الدواب يستقر فى قطر من اقطار الارض { الا على الله رزقها } غذاؤها ومعاشها اللائق لتكفله اياه تفضلا ورحمة
قال فى التبيان هو ايجاب كرم لا وجوب حق انتهى لانه لا حق للمخلوق على الخالق ولذا قال فى الجامع الصغير يكره ان يقول الرجل فى دعائه بحق نبيك او بيتك او عرشك او نحوه الا ان يحمل على معنى الحرمة كما فى شرح الطريقة
وقال فى بحر العلوم انما قال علىلله بلفظ الوجوب دلالة على ان التفضل رجع واجبا كنذور العباد وقال غيره اتى بلفظ الوجوب مع ان الله تعالى لا يجب عليه شيء عند اهل السنة والجماعة اعتبارا لسبق الوعد وتحقيقا لوصوله اليها البتة وحملا للمكلفين على الثقة به تعالى فى شان الرزق والاعراض عن اتعاب النفس فى طلبه ففى كلمة على هنا استعارة تبعية شبه ايصال الله رزق كل حيوان اليه تفضلا واحسانا على ما وعده بايصال من يوصله وجوبا فى انتفاء التخلف فاستعملت كلمة على [ وكفته اند بمعى من است يعنى روزى همه از خداست يا بمعنى الى يعنى روزى مفوض بخذاى تعالى است اكر خواهد بسط كند واكر اراده نمايد قبض كند ] { ويعلم مستقرها ومستودعها } يحتمل وجوها
الاول ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان مساقرها المكان الذى تاوى ليه ليلا او نهارا او تستقر فيه وتستكن ومستودعها الموضع الذى تدفن فيه اذا ماتت بلا اختيار منها كالشيء المستودع قال عبد الله اذا كان مدفن الرجل بارض ادته الحاجة اليها حتى اذا كان عند انقضاء امره قبض فتقول الارض يوم القيامة هذا ما استودعتنى
والثانى مستقرها محل قرارها فى اصلاب الآباء ومستودعها موضعها فى الارحام وما يجرى مجراها من البيض ونحوه وسميت الارحام مستودعا لانها يوضع فيها من قبل شخص خر بخلاف وضعها فى الاصلاب فان النطفة بالنسبة الى الاصلاب فى حيزها الطبيعى ومنشأها الخلقى
والثالث مستقرها مكانها من الارض حين وجودها بالفعل ومستودعها حيث تكون مودعة فيه قبل وجودها بالفعل من صلب او رحم او بيضة ولعل تقديم محلها باعتبار حالتها الاخيرة لرعاية المناسبة بينها وبين عنوان كونها دابة فى الارض
والرابع مستقرها فى العدم يعلم انه كيف قدرها مستعدة لقبول تلك الصورة المختصة بها ومستودعها لغرض تؤول اليه عند استكمال صورتها .

(5/365)


وايضا يعلم مستقر روح الانسان خاصة فى عالم الارواح لانهم كانوا فى اربعة صفوف كما فى الصف الاول ارواح الانبياء وارواح خواص الاولياء وفى الصف الثانى ارواح الاولياء وارواح خواص المؤمنين وفى الصف الثالث ارواح المؤمنين والمسلمين وفى الصف الرابع ارواح الكفار والمنافقين ويعلم مستودع روحه عند استكمال مرتبة كل نفس منهم من دركات النيران ودرجات الجنان الى مقعد صدق عند مليكة مقتدر { كل } اى كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها { فى كتاب مبين } اى مثبت فى اللوح المحفوظ البين لمن ينظر فيه من الملائكة او المظهر لما ثبت فيه للناظرين
وفى التأويلات النجمية { فى كتاب مبين } اى عنده فى ام الكتاب الذى لا تغير فيه من المحو والاثبات انتهى
وقد اتفقوا علىن اربعة اشياء لا تقبل التغير اصلا وهى العمر والرزق والاجل او الشقاوة
فعلى العاقل ان لا يهتم لاجل رزقه ويتوكل على الله فانه حسبه
مكن سعديا ديده بردست كس ... كه بخشنده بروردكارست وبس
اكر حق برستى زدرها بست ... كه كروى براند نخواند كست
-روى- ان موسى عليه السلام عند نزول الوحى عليه بالذهاب الى فرعون للدعوة الى الايمان تعلق قلبه باحوال اهله قائلا يا رب من يقوم بامر عيالى فامره الله تعالى ان يضرب بعصاه صخرة فضربها فانشقت وخرجت منها صخرة ثالثة ثم ضربها بعصاه فخرجت منها دودة وفى فمها شيء يجرى مجرى الغذاء لها ورفع الحجاب عن سمع موسى فسمع الدودة تقول سبحان من يرانى ويسمع كلامى ويعرف مكانى ويذكرنى ولا ينسانى
وعن انس رضى الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما الى المفازة فى حاجة لنا فرأينا طيرا يلحن بصوت جهورى فقال عليه السلام « أتدرى ما يقول هذا الطير يا انس » قلت الله ورسوله اعلم بذلك قال « انه يقول يا رب اذهب بصرى وخلقتنى اعمى فارزقنى فانى جائع » قال انس فبينما نحن ننظر اليه اذا جاء طائر آخر هو الجراد ودخل فى فم الطائر فابتلعه ثم رفع الطائر صوته وجعل يلحن فقال عليه السلام « أتدرى ما يقول الطير يا انس » قلت الله ورسوله اعلم قال « انه يقول الحمد لله الذى لم ينس من ذكره » وفى رواية « من توكل على الله كفاه » كما فى انسان العيون
قيل كان مكتوبا على سيف الحسين بن عى رضى الله عنه اربع كلمات . الرزق مقسوم . والحريص محروم . والبخيل مذموم . والحاسد مغموم وفى الحديث « من جاع واحتاج وكتمه عن الناس وافضى به الى الله تعالى كان حقا على الله ان يفتح له رزق سنة » كما فى روضة العلماء . وحقيقة التوكل فى الرزق وغيره عند المشايخ الانقطاع عن الاسباب بالكلية ثقة بالله تعالى .
وهذا لاهل الخصوص فاما اهل العموم فلا بد لهم من التسبب : كما قال فى المثنوى
كر توكل مكنى در كار كن ... كسب كن بس تكيه برجبار كن
ثم رزق الانسان يعد جسده وغذاء روحه : وفى المثنوى
اين دوهان بستى دهانى باز شد ... كو خورنده لقمهاى راز شد
كرز شيرديو تن را وا برى ... درفطام او بسى نعمت خورى

(5/366)


وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

{ وهو الذى خلق السموات } السبع . السماء الدنيا وهو فلك القمر من الموج المكفوف المجتمع وهو مقر ارواح المؤمنين . والسماء الثانية وهو فلك عطارد من درة بيضاء وهو مقر ارواع العباد . والسماء الثالثة وهو فلك الزهرة من الحديد وهو مقر ارواح الزهاد . والسماء الرابعة وهو فلك الشمس من الصفر وهو مقام ارواح اهل المعرفة . والسماء الخامسة وهو فلك المريخ من النحاس وهو مقام ارواح الانبياء . وهو فلك المشترى من الفضة وهو مقام ارواح الانبياء . والسابعة وهو فلك زحل من الذهب وهو مقام ارواح الرسل وفوق هذه السموات الفلك الثامن وهو فلك الثوابت ويقال له الكرسى وهو مقام ارواح اولى العزم من الرسل وفوقه عرش الرحمن وهو مقام روح خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وجمع السموات لاختلاف العلويات اصلا كما ذكرنا وذاتا لانها سبع طبقات بين كل اثنين منها مسيرة خمسمائة على ما ورد فى الخبر وكذا ما بين السابعة والكرسى وبين الكرسى والعرش على ما نقل عن ابن مسعود رضى الله عنهما قدم السموات لانها منشاة احكامه تعالى ومصدر قضاياه ومتنزل اوامره ونواهيه وارزاقه ووعده ووعيده فان يؤمرون به وينهون عنه وما يرزقونه فى الدنيا وما يوعدونه فى العقبى كله مقدر مكتوب فى السماء ولانها وما فيها من الآثار العلويات اظهر دلالة على القدرة الباهرة وابين شهادة على الكبرياء والعظمة { والارض } اى الارضين السبع بدليل قوله السموات وافردت فان السفليات واحدة بالاصل والذات وقوله تعالى { ومن الارض مثلهن } اول بالاقاليم السبعة كما فى حواشى سعدى المفتى وبين المشرق والمغرب خمسمائة عام كما بين السماء والارض واكثر الارض مفازة وجبل وبحار والقليل منها العمران ثم اكثر العمران اهل الكفر والقليل منها اهل الايمان والاسلام واكثر اهل الاسلام اهل البدع والاهواء وكلها على الضلالة والباطل والقليل منهم على الحق وهم اهل السنة والجماعة وحول الدنيا ظلمة ثم وراء الظلمة جبل قاف وهو جبل محيط بالدنيا من زمردة خضراء واطراف السماء ملتصقة به ووسط الارض كلها عامرها وخرابها قبة الارض وهو مكان تعتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ويستوى فيه الليل والنهار ابدا لا يزيد احدهما على الآخر ولا ينقص واما الكعبة فهى وسط الارض المسكونة وارفع الارضين كلها الى السماء مهبط آدم عليه السلام بارض الهند وهو جبل عال يراه البحريون من مسافة ايام وفيه اثر قدم ىدم مغموسة فى الحجر ويرى علىهذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد له فى كل يوم من مطر يغسل قدمى آدم وذروة هذا الجبل اقرب ذرى جبال الارض الى السماء كما فى انسان العيون { فى ستة ايام } السموات فى يومين والارض فى يومين وما عليها من انواع الحيوان والنباتات وغير ذلك فى يومين حسبما قيل فى سورة حم السجدة ولم يذكر خلق ما فى الارض لكونه من تتمات خلقها .

(5/367)


والمراد فى ستة اوقات على ان يكون المراد باليوم يوم الشان وهو الآن وهو الزمان الفرد الغير المنقسم وقد مر تحقيقه او فى مقدار ستة ايام من الدنيا اولها يوم الاحد وآخرها يوم الجمعة فان الايام فى المتعارف زمان كون الشمس فوق الارض ولا يتصور ذلك حين لا ارض ولا سماء او من ايام الآخرة كل يوم كالف سنة مما تعدون على ما نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما وفى خلقها على التدريج مع انه لو شاء لكان ذلك فى اقل من لمح البصر حث على التأنى فى الامور ولعل تخصيص ذلك بالعدد المعين باعتبار صناف الخلق من الجماد والمعدن والنبات والحيوان والانسان والارواح { وكان عرشه } العرش فى اصل اللغة السرير والعرش المضاف اليه تعالى عبارة عن مخلوق عظيم موجود هو اعظم المخلوقات
قال مقاتل جعل الله تعالى للعرش اربعة اركان بين كل ركن وركن وجوه لا يعلم عددها الا الله تعالى اكثر من نجوم السماء وتراب الارض وورق الشجر ليس لطوله وعرضه منتهى لا يعلمه احد الا الله تعالى
فان قيل لم خلق الله تعالى العرش وهو سبحانه لا حاجة له به
اجيب بوجوده احدهما موضع خدمة ملائكته لقوله تعالى { وترى الملائكة حافين من حول العرش } وثانيها انه اراد اظهار قدرته وعظمته كما قال مقاتل السموات والارض فى عظم الكرسى كحلقة فى فلاة والكرسى مع السموات والارض فى عظم العرش كحلقة فى فلاة وكلها فى جنب عظمة الله تعالى كذرة فى جنب الدنيا فخلقه كذلك ليعلم ان خالقه اعظم منه . وثالثها انه خلق العرش ارشادا لعباده الى طريق دعوته ليدعوه من الفوق لقوله تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } ورابعها انه خلقه لاظهار شرف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهو قوله تعالى { عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا } وهو مقام تحت العرش . وخامسها انه جعله معدن كتاب الابرار لقوله تعالى { ان كتاب الابرار لفى عليين } وفيه تعظيم لهم ولكتابهم . وسادسها انه جعله مرآة الملائكة يرون الآدميين واحوالهم كى يشهجوا عليهم يوم القيامة لان عالم المثال والتمثال فى العرش كالاطلس فى الكرسى . وسابعها انه جعله مستوى الاسم الرحمن اى محل الفيض والتجلى والايجاد الاحدى كما جعل الشرع الذى هو مقلوبه مستوى الامر التكليفى الارشادى لا مستوى نفسه تعالى عن ذلك { على الماء } اى العذب كما فى انسان العيون
قال كعب الاحبار اصله ياقوتة خضراء فنظر اليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى فلذلك يرتعد الماء الى الآن وان كان ساكنا ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها اى ظهرها ثم وضع العرش على الماء وليس ذلك على معنى كون احدهما على الآخر ملتصقا بالآخر بل ممسك بقدرته كما فى فتح القريب
قال الاصم هذا كقولهم السماء على الارض وليس ذلك على سبيل كون احداهما ملتصقة بالاخرى فالمعنى وكان عرشه تعالى قبل خلق السموات والارض على الماء لم يكن حائل محسوس بينهما وانما فلنا محسوس فان بين السماء والارض حائلا هو الهواء لكن ما لم يكن محسوسا لم يعد حائلا
وفيه دليل على ان العرش والماء خلقا قبل السموات والارض والجمهور على ان اول ما خلق الله من الاجسام هو العرش ومن الارواح الروح المحمدى الذى يقال له العقل الاول والفلك الاعلى ايضا .

(5/368)


وفيه دليل ايضا على امكان الخلاء فان الخلاء هو الفراغ الكائن بين الجسمين اللذين لا يتماسان وليس بينهما ما يماسهما فاذا لم يكن بين العرش والماء حائل يثبت الخلاء والحكماء ذاهبون الى امتناع الخلاء والمتكلمون الى امكانه
قال فى كتب الهيئة مقعر سطح الفلك الاعظم يماس محدب فلك الثوابت ومحدبه لا يماس شيأ اذ ليس وراءه شيء لاخلاء ولا ملاء بل عنده ينقطع امتدادات العالم كلها . وقيل من ورائه افلاك من انوار غير متناهية ولا قائل بالخلاء فيما تحت الفلك الاعظم بل هو الملاء
وقال المولى ابو السعود رحمه الله وكان عرشه قبل خلقهما على الماء ليس تحته شيء غير سواه كان بينهما فرجة او كان موضوعا على متنه كما ورد فى الاثر فلا دلالة فيه على امكان الخلاء كيف لا ولو دل لدل على وجوده لا على امكانه فقط ولا على كون الماء اول ما حدث فى العالم بعد العرش وانما يدل على ان خلقهما اقدم من خلق السموات والارض من غير تعرض للنسبة بينهما انتهى
قال الكاشفى [ دروقوف عرش برآب واستقرار آب برباد اعتبار عظيم است مر اهل تفكررا از عباد ] { ليبلوكم } متعلق بخلق واللام العلة عقلا ولام الحكمة والمصلحة شرعا بمعنى ان الله تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من يراعى المصالح لم يفعله الا لتلك المصلحة اى خلق السموات والارض وما فيهما من المخلوقات التى من جملتها انتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجون اليه من مبادى وجودكم واسباب معايشكم واودع فى تضاعيفهما من اعاجيب الصنائع والعبر وما تستدلون به على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يبتليكم ويمتحنكم { ايكم احسن عملا } فيجازيكم بالثواب والعقاب بعد ما تبين المحسن من المسيء
فان قلت الاختبار يعلق بجميع العباد . محسنين كانوا او مسيئين واحسن عملا يخصصه بالمحسنين منهم لان العمل الاحسن يخص بالمحسنين ولا يتحقق فى اهل القبائح فيلزم ان يعتبر عموم الابتلاء وخصوصه معا وهما متنافيان
قلت الابتلاء وان كان يعم الفرق المكلفين الا ان المراد خصوصه بالمحسنين تنبيها على ان المقصود الاقصى من خلق المخلوقات ان يتوسلوا باحسن الاعمال الى اجل المثوبات وتحريضا لهم على ترك القبائح والمنكرات والمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك فسره عليه السلام بقوله

(5/369)


« ايكم احسن عقلا واورع عن محارم الله واسرع فى طاعة الله » فان لكل من القلب والقالب عملا مخصوصا به فكما ان الاول اشرف من الثانى فكذ الحال فى عمله فكيف لا ولا عمل بدون معرفة الله تعالى الواجبة على العباد وانما طريقها النظرى التفكر فى عجائب صنعه ولا طاعة بدون فهم الاوامر والنواهى . وقد روى عن النبى عليه السلام انه قال « لا تفضلونى على يونس بن متى فانه كان يرفع له كل يوم مثل عمل اهل الارض » قالوا وانما كان ذلك التفكر فى امر الله تعالى الذى هو عمل القلب لان احدا لا يقدر على ان يعمل فى اليوم بجوارحه مثل عمل اهل الارض واما ذات الله تعالى فلا يسعها التفكر : وفى المثنوى
بى تعلق نيست مخلوقى بدو ... آن تعلق هست بيجون اى عمو
اين تعلق را خرد جون ره برد ... بسته فصلست ووصلست اين خرد
زين وصيت كرد مارا مصطفى ... بحث كم جوئيد در ذات خدا
آنكه درذاتش تفكر كرد نيست ... در حقيقت آن نظر در ذات نيست
هست آن بندار او وزيرا براه ... صد هزاران برده آمد تاله
وفى التأويلات النجمية الابتلاء على قسمين . قسم للسعداء وهو بلاء حسن وذلك ان السعيد لا يجعل المكونات مطلبه ومقصده الاصلى بل يجعل ذلك حضرة المولى والرفيق الاعلى ويجعل ما سوى المولى باذن مولاه وامره ونهيه وسيلة الى القربات وتحصيل الكمالات فهو احسن عملا . وقسم للاشقياء وهو بلاء سيء وذلك ان الشقى يجعل المكونات مطلبه ومقصده الاصلى ويتقيد بشهواتها ولذاتها ولم يتخلص من نار الحرص عليها والحسرة على فواتها ويجعل ما انعم الله عليه من الطاعات والعلوم التى هى ذريعة الى الدرجات والقربات وسيلة الى نيل مقاصده الفانية واستيفاء شهواته النفسانية فهو اسوء عملا انتهى
قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فى بعض تحريراته نية الانسان لا تخلو اما ان يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الدنيا فهو سيء نية وعملا واما ان يكون متعلقها فى لسانه هو الآخرة وفى جنانه هو الدنيا فهو اسوأ نية وعملا واما ان يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الآخرة فهو حسن نية وعملا واما ان يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو وجه الله تعالى فهو احسن نية وعملا فالاول حال الكفار والثانى حال المنافقين والثالث حال الابرار والرابع حال المقربين وقد اشار الحق سبحانه الى احوال المقربين عبارة والى احوال غيرهم اشارة فى قوله تعالى

(5/370)


{ انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم ايهم احسن عملا } انتهى باجمال : قال الحافظ
صحبت خورنخواهم بودعين قصور ... باخيال تو اكر باد كرى بر دازم
اللهم اجعلنا من الفارين اليك والحاضرين لديك { ولئن قلت } يا محمد لقومك وهم اهل مكة واللام لام التوطئة للقسم انكم } ايها المكلفون { مبعوثون من بعد الموت } يعنى يوم القيامة { ليقولن الذين كفروا } منهم وهو جواب القسم وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه { ان هذا } ما هذا القرآن الناطق بالبعث { الا سحر مبين } اى مثله فى البطلان فان السحر لا شك تمويه وتخييل باطل اذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته انكار ما فيه من البعث وغيره

(5/371)


وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)

{ ولئن اخرنا عنهم العذاب } الموعود { الى امة معدودة } الى طائفة من الايام قليلة لان ما يحصره العد قليل { ليقولن } اى الكفار { ما يحبسه } اى أى شيء يمنع العذاب من المجيئ والنزول فكأنه يريد فيمنعه مانع وانما كانوا يقولونه بطريق الاستعجال استهزاء ومرادهم انكار المجيء والحبس رأسا لا الاعتراف به والاستفسار عن حابسه { ألا } [ بدانيد ] { يوم يأتيهم } العذاب كيوم بدر { ليس مصروفا عنهم } اى مدفوعا عنهم يعنى لا يدفعه عنكم دافع بل هو واقع بكم . ويوم منصوب بخبر ليس وهو دليل على جواز تقديم خبر ليس على ليس فانه اذا جاز تقديم معمول خبرها عليها كان ذلك دليلا على جواز تقديم خبرها اذ المعمول تابع للعامل فلا يقع الا حيث يقع العامل { وحاق بهم } ونزل بهم واحاط وهو بمعنى يحيق فعبر عن المستقبل بلفظ الناضى تنبيها على تحقق وقوعه { وما كانوا به يستهزئون } اى العذاب الذ كانوا يستعجلون به استهزاء
واعلم ان السبب الموجب للعذاب كان الاستهزاء والباعث على الاستهزاء كان الانكار التكذيب والناس صنفان فى طريق الآخرة صنف مبتاع نفسه من عذاب الله تعالى بالايمان والاعمال الصالحة وصنف مهلكها باتباع الهوى وترك الاعمال الصالحة والكفار امنوا من عذاب الله تعالى وسخطه فوقعوا فيما وقعوا من العذاب العاجل والآجل وفى الحديث القدسى « وعزتى لا اجمع على عبدى خوفين وامنين اذا خافنى فى الدنيا آمنته يوم القيامة واذا أمننى فى الدنيا اخفته يوم القيامة » ولشدة الامر قال الفضيل بن عياض انى لا اغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرس ولا عبدا صالحا اليس هؤلاء يعاينون القيامة واهوالها وانما اغبط من لم يخبق لانه لا يرى احوال القيامة وشدائدها
وعن السرى السقطى اشتهى ان اموت ببلدة غير بغداد مخافة ان لا يبقى قبرى فافتضح عندهم
فعلى العاقل ان يتدارك امره قبل حلول الاجل كما قيل علاج واقعه بيش از وقوع بايد كرد ويخاف من ربه ويستغفر من ذنبه ويحترز عن الاصرار وفى الحديث « المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه » والله تعالى يريد من ك جزء من اجزاء الانسان ما خلقه له فمن القلب المعرفة والتوحيد ومن اللسان الشهادة والتلاوة وترك الاذية بالاستهزاء وغيره فمن ترك الوفاء بما تعهد له من استعمال كل عضو فيما خلق هو لأجله فقد تعرض لسخط الله تعالى وعذابه وقد استهزأ ابو جهل بالنبى عليه السلام فى بعض الاوقات حيث سار خلفه عليه السلام فجعل يخلج انفه وفمه يسخر به فاطلع عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له « كن كذلك » فكان كذلك الى ان مات لعنه الله واستهزأ به عليه السلام عتبة بن ابى معيط بصق فى وجهه فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا ومر عليه السلام بجماعة من كفار اهل مكة فجعلوا يغمزون فى قفاه ويقولون هذا يزعم انه نبى وكان معه عليه السلام جبريل فغمز جبريل باصبعه فى اجسادهم فصاروا جروحا وانتنت فلم يستطع احد ان يدنو منهم حتى ماتوا وقس عليه التعرض لاهل الحق بشيء مكروه كما يفعله اهل الانكار فى حق سادات الصوفية ولا يدرون انه يوجب المقت وربما يبتلى احدهم بمرض هائل فى بدنه وهو غافل عن سببه وجهة نزوله به وكل عمل لا بد وان يصل جزاؤه الى عامله فى الحال ولكن لا يرى فى الدنيا بعين اليقين وانما يرى فى الآخرة اذا قيل له فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديدا ألا ترى ان عذاب البعد الواقع لاهل الغفلة الحجاب ولكن ما ذاقوا ألمه لانهم نيام فاذا ماتوا انتبهوا وذاقوا ذلك حسا ولئن قلت للاشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فان الحياة الحقيقة تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ليقولن الذى ستروا حسن استعدادهم الفطرى بتعلق المكونات ومحبتها وهم الاشقياء ان هذا الا كلام مموه لا اصل له كما فى التأويلات النجمية : قال السعدى

(5/372)


بكوى آنجه دانى سخن سودمند ... وكر هيج كس رانيا يد بسند
كه فردا بشيمان بر آرد خروش ... كه آوخ جرا حق نكردم بكوش
وفى المثنوى
منقبض كردند بعضى زين قصص ... زانكه هرمرغى جدا دارد قفص
كود كان كرجه بيك مكتب درند ... در سبق هريك زيك بالاترند
مرك بيش ازمرك اينست اى فتى ... اين جنين فرمود مارا مصطفى
كفت وتوا كلكم من قبل ان ... يأتى الموت تموتوا بالفتن

(5/373)


وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)

{ ولئن } اللام موطئة للقسم { اذقنا الانسان منا رحمة } اى اعطيناه نعمة من صحة وامن وجدة وغيرها واوصلناها اليه بحيث يجد لذتها والمراد مطلق الانسان وجنسه الشامل للمؤمن والكافر بدلالة الاستثناء الآتى . وقوله منا حال من رحمة اى لا باستحقاق منه { ثم نزعناها منه } اى سلبنا تلك النعمة منه وأزلناها عنه وايراد النزع للاشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليها
قال سعدى المفتى الظاهر ان من صلة نزعناها اى قلعناها منه ولا يبعد ان يقال والله اعلم ان من التعليل يعنى ان منشأ النزع شؤم نفسه بارتكاب معصية الله { انه ليئوس } شديد اليأس من ان يعود اليه مثل تلك النعمة المسلوبة قطوع رجاءه من فضل الله تعالى لقلة صبره وتسليمه لقضائه وعدم ثقته به وهو جواب القسم ساد مسد جواب الشرط { كفور } عظيم الكفران لما سلف له من النعم نساءله : قال السعدى فى سره
سكى را لقمه كردادى فراموش ... نكردد كرزنى صد نوبتش سنك
وكر عمرى نوازى سفله را ... بكمتر تندى آيد باتو درجنك
ومعنى الكفر ان انكار النعمة والمعروف وستره وترك شكره وحمده وعدم الثناء على فاعله ومعطيه
وفيه اشارة الى ان النزع انما كان بسبب كفرانهم

(5/374)


وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)

{ ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته } كصحة بعد سقم وجدة بعد عدم وفرج بعد شدة اضاف سبحانه وتعالى اذاقة النعماء لى ذاته الكريمة ومس الضراء اليها لا الى ذاته الجليلة تنبيها على ان القصد الاول ايصال الخبر الى العباد تفضلا منه تعالى ورحمة ومساس الشر ليس الا لشؤم نفسه وفساد حاله مجازاة وانتقاما قال الله تعالى { ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك } وهذا هو المراد من قول البيضاوى وفى اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى وفى التعبير عن ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق الذى هو ادراك الطعم وعن ملابسة الضراء بالمس الذى هو مبدأ الوصول كانما يلاصق البشرة من يغر تأثير تنبيه على ان ما يجده الانسان فى الدنيا من النعم والمحن كالانموذج لما يجده فى الآخرة { ليقولن } الانسان { ذهب السيآت عنى } اى المكاره والمصائب التى ساءتنى اى فعلت بى ما اكره ولن يعترينى بعد امثالها فان الترقب لو ورد امثالها مما يكدر السرور وينغص العيش { انه لفرح } [ شادمانست مغروريان ] وهو اسم فاعل من فعل اللازم . والفرح اذا اطلق فى القرآن كان للذم واذا كان للمدح ياتى مقيدا بما فيه خير كقوله تعالى { فرحين بما آتيهم الله من فضله } كذا فى حواشى شعدى المفتى
يقول الفقير يرده قوله تعالى { اذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة } والظاهر ان كونه للمدح او للذم انما هو بحسب المقام والقرائن
واعلم ان الفرح بالنعمة ونسيان المنعم فرح الغافلين والعطب الى هذا اقرب من السلامة والاهانة او فى من الكرامة
قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فى بعض تحريراته هو المحبوب لذاته لا لعطائه وعطاؤه محبوب لكونه محبوبا لا لنفسه ونحبه ونحب عطاءه لحبه انتهى باجمال يشير قدس سره الى الفرح بالله تعلاى على كل حال { فخور } على الناس بما اوتى من النعم مشغول بذلك عن القيام بحقها : قال السعدى قدس سره
جو منعم كند سفله رآ روزكار ... نهد بردل تنك درويش بار
جوبام بلندش بودخودبرست ... كندبول وخاشاك بربام بست
وقال
كه اندر نعمتى مغرور وغافل ... كهى از تنك دستى خسته وريش
جو درسرا وضرا حالت اينست ... ندانم كى بحق بردازى از خويش
[ يعنى كى فارغ شوى از خود وبحق مشغول شوى ]

(5/375)


إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)

{ الا الذين } [ مكر آنان كه ] والاستثناء متصل { صبروا } على الضراء ايمانا بقضاء الله وقدره وفى الحديث « ثلاثة لا تمسهم فتنة الدنيا والآخرة المقر بالقدر والى لا ينظر بالنجوم والمتمسك بسنتى » ومعنى الايمان بالقدر ان يعتقد ان الله تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق وان جميع الكائنات بقضائه وقدره وهو مريد لها واما النظر فى النجوم فقد كان حقا فى زمن ادريس عليهى السلام يدل عليه قوله تعالى خبرا عن ابراهيم عليه السلام { فنظر نظرة فى النجوم فقال انى سقيم } استدل بالنظر فى النجوم على انه سيسقم ثم نسخ فى زمن سليمان عليه السلام كما فى بحر الكلام
وفى كتاب تعليم المتعلم على النجوم بمنزلة المرض فتعلمه حرام لانه يضر ولا ينفع والهرب من قضاء الله تعالى وقدره غير ممكن انتهى
فينبغى ان لا يصدق اهل النجوم فيما زعموا ان الاجتماعات والاتصالات الفلكية تدل على حوادث معينة وكوائن مخصوصة فى هذا العالم
قال العماد الكاتب اجمع المنجمون فى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة فى جميع البلاد على خراب اعالم فى شعبان عند اجتماع الكواكب الستة فى الميزان بطوفان الريح وخوفوا بذلك ملوك الاعاجم والروم فشرعوا فى حفر مغارات ونقلوا اليها الماء والازواد وتهيئوا فلما كانت الليلة التى عينها المنجمون للخراب بمثل ريح عاد كنا جلوسا عند السلطان والشموع تتوقد فلا تتحرك ولم نر ليلة مثلها فى ركودها ذكره الامام اليافعى وقال فى انسان لعيون اول من استخرج علم النجوم ادريس عليه السلام اى علم الحوادث التى تكون فى الارض باقتران الكواكب
قال الشيخ محيى الدين بن العربى قدس سره وهو علم صحيح لا يخطئ فى نفسه وانما الناظر فى ذلك هو الذى يخطئ لعدم استيفائه النظر انتهى
{ وعملوا الصالحات } شكرا لنعمائه الظاهرة والباطنة او السالفة والانفة والعمل الصالح هو ما كان لوجه الله تعالى
وعن عمر رضى الله عنه الشكر والصبر مطيتان ما باليت ايهما اركب يشير رضى الله عنه الى ان كل واحد من طريق الصبر والشكر موصل الى الله تعالى { اولئك } الموصوفون بتلك الصفات الحميدة { لهم مغفرة } عظيمة لذنوبهم وان جمت { واجر } ثواب لاعمالهم الحسن { كبير } اقله الجنة كما فى تفسير البيضاوى وهو الجنة كما فى الكواشى
قال سعدى المفتى وصف الاجر بقوله كبير لما احتوى عليه من النعيم السر مدى ورفع التكاليف والأ من من العذاب ورضى الله عنهم والنظر الى وجهه الكريم انتهى
يقول الفقير الظاهر ان المراد بالاجر الكبير هو الجنة لان نعم الله تعالى ادناه متاع الدنيا واعلاها رضوان الله لقوله { ورضوان من الله اكبر } واوسطها لجنة ونعيمها فاذا وصف الرضى بالاكبرية لزم ان توصف الجنة بالكبيرية

(5/376)


قال الكاشفى [ شيخ الاسلام فرموده كه درجنت نعمتى هست كه همه نعيم بهشتى در جنب آن محقر ومختصر باشد يعنى مشاهده انوار لقاى خدا ]
مارا بهشت بهر لقاى تودر خورست ... بى برتو جمال توجنت محقرست
وفى الآيتين اشارتان . الاولى ان من ذاق طعم بعض المقامات الالهية وشهد بعض المشاهد الربانية ثم نزع ذلك منه بشئوم خطاياه وسوء ادبه ينبغى ان لا ييأس من روح الله ولا يكفر بنعمته كأبليس بل اذا ابتلى بسدل الحجاب ورد الباب كان من شرط عبوديته ان يرج الى ربه معترفا بظلمه على نفسه كآدم عليه السلام ليجتبيه ربه فيتوب عليه ويهديه فان من رحمة الله ونعمته على عبده انه اذا اسرف على نفسه ثم تاب ورجع الى ربه وجده غفورا رحيما . والثانية ان من ذاق برد العفو وحلاوة الطاعة ينبغى ان لا يقول صرت معصوما مطهرا مرفوع الحجاب فتعجبه نفسه فينظر اليها بنظر الاعجاب وينظر الى غيره بنظر الحقارة ويامن مكر الله فهو فى كلتا الحالتين مذموم فى حالة اليأس وكفران النعمة وفى حالة الاعجاب بنفسه وامنه من مكر الله : قال الحافظ
زاهد غرور داشت سلامت نبرد راه ... رند ازره نياز بدار السلام رفت
وقال
زاهد ايمن مشوى ازبازى غيرت زنهار ... كه ره از صومعه تادير مغان اين همه نيست
فالايتان تناديان على النفس الامارة بصفاتها الرذيلة فلا بد من معالجتها واصلاحها بما امكن من المجاهدات اصلحها الله سبحانه وتعالى

(5/377)


فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)

{ فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك } -روى- ان مشركى مكة لما قالوا ائت بقرآن غير هذا ليس فيه سب آلهتنا ولا مخالفة ابنائنا همّ النبى عليه السلام ان يدع سب آلهتهم ظاهرا فانزل الله تعالى هذه الآية ولعل اما للترجى ومعناه توقع امر مرجو لا وثوق بحصوله كقوله تعالى { لعلكم تفلحون } واما للاشفاق وهو توقع امر مخوف كقوله تعالى { لعل الساعة قريب } والرجاء والاشفاق يتعلقان بالمخاطبين دون الله سبحانه والمراد هنا اما الاول فالمعنى لعظم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم انهم يزيلونك عن بعض ما انت عليه من تبليغ ما اوحى اليك ولا يلزم من توقع الشيء وجود ما يدعو اليه ووقوعه لجواز ان يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل عن الخيانة فى الوحى والثقة فى التبليغ ههنا واما الثانى فالمعنى اشفق على نفسك ان تترك تبليغ ما يوحى اليك وهو ما يخالف رأى المشركين مخافة ردهم له واستهزائهم وهو اوجه من الاول كما فى بحر العلوم للسمرقندى
قال الكاشفى { فلعلك تارك } [ بس شايد كه توترك كننده باشى . امام ما تريدى رحمة الله ميكويد استفهام بمعنى نهى است : يعنى ترك مكن ] { وضائق به صدرك } اى عارض لك ضيق صدر بتلاوته عليهم وتبليغه اليهم فى اثناء الدعوة والمحاجة وضمير به يعود الى بعض ما يوحى وعدل عن ضيق الى ضائق ليدل على انه ضيقا عارضا غير ثابت لان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان افسح الناس صدرا ونحوه فلان سائد لمن عرضه له السودد وسيد لمن هو عريق فيه { ان يقولوا } اى مخافة ان يقولوا مكذبين { لولا انزل عليه } هلا القى عليه { كنز } مال من السماء يستعين به فى اموره وينفقه فى الاستتباع كالملوك
قال ابن الشيخ كنز اى مال كثير من شأنه ان يجعل كنزا اى مالا مدفونا فان الكنز اسم للمال المدفون فهو لا ينزل فوجب ان يكون المراد به ههنا ما يكنز وقد جرت العادة بان يسمى المال الكثير بهذا الاسم { او جاء معه ملك } يشهد له على صدق قوله ويعينه على تحصيل مقصوده فتزول الشبهة عن امره كما قال رؤساء مكة يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا ان كنت رسولا وقال آخرون ائتنا بالملائكة ليشهدوا بنبوتك { انما انت نذير } ليس عليك الا الانذار بما اوحى اليك ولا عليك ردوا او تهكموا او اقترحوا فما بالك يضيق به صدرك { والله على كل شيء وكيل } فتوكل عليه فانه الم بحالهم وفاعل بهم جزاء اقوالهم وافعالهم
قال الكواشى تلخيصه ادّ الرسالة غير ملتفت اليهم فانى حافظك وناصرك عليهم
در شبى مهتاب مه را برسماك ... ازسكان وعوعو ايشان جه باك
قال فى المفاتيح الوكيل القائم بامور العباد وتحصيل ما يحتاجون اليه . وقيل الموكول اليه تدبير البرية وحظ العبد منه ان يكل اليه ويتوكل عليه ويلقى بالاستعانة اليه

(5/378)


أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)

{ ام يقولون افتريه } الضمير راجع الى ما يوحى اليك وام منقطعة مقدرة ببل والهمزة ومعنى الهمزة فيه التوبيخ والانكار والتعجب اما التوبيخ فكأنه قيل ايتها الكون ان ينسبوا مثله الى الافتراء ثم لى الاقتدار على الذى هو اعظم الفرى وافحشها اذ يقوله ويفتريه على الله ولو قدر عليه دون عامة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة واذ كانت معجزة كان تصديقا من الله له والعليم الحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفتريا . والمعنى بل أيقولون افتراه وليس من عند الله { قل } ان كان الامر كما تقولون { فائتوا } انتم ايضا { بعشر سور مثله } فى البلاغة وحسن النظم قال هنا بعشر وفى يونس والبقرة بسورة لان نزول هذه السورة الكريمة مقدم عليهما لانهم تحدوا اولا بالاتيان بعشر فلم عجزوا تحدوا بسورة واحدة . وقوله مثل نعت لسوراى امثال وتوحيده باعتبار كل واحد
وقال سعدى المفتى ولا يبعد ان يقال انه صفة للمضاف المقدر فان المراد بقدر عشر سور مثله والله اعلم { مفتريات } صفة اخرى لسور . المعنى فائتوا بعشر سور مماثلة له فى البلاغة مختلقات من عند انفسكم ان صح انى اختلقته من عند نفسى فانكم فصحاء مثلى تقدرون على ما اقدر عليه بل انتم اقدر لتعلمكم القصص والاشعار وتعودكم النثر والنظم
وفى الآية دلالة قاطعة على ان الله تعالى لا يشبهه شيء فى صفة الكلام وهو القرآن كما لا يشبهه بحسب ذاته { وادعوا } للاستظهار فى المعارضة { من استطعتم } دعاءه والاستعانة به من آلهتكم لتى تزعمون انها ممدة لكم ومدارهكم التى تلجأون الى آرائهم في الملمات ليسعجوكم فيها { من دون الله } اى حال كونكم متجاوزين الله تعالى { ان كنتم صادقين } فى انى افتريته فان ما افترى انسان يقدر انسان آخر ان يفترى مثله

(5/379)


فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)

{ فان لم يستجيبوا لكم } الضمير فى لكم للرسول عليه السلام وجمع للتعظيم اوله وللمؤمنين لانهم اتباع له عليه السلام فى الامر بالتحدى وفيه تنبيه لطيف على ان حقهم ان لا ينفكوا عنه وينصابوا معه لمعارضة المعاندين كما كانوا يفعلونه فى الجهاد
قال سعدى المفتى اختلف فى تناول خطاب النبى عليه السلام لامته فقال الشافعية لا وقال الحنفية الحنابلة نعم الا ما دل الدليل فيه على الفرق انتهى . والمعنى فان لم يستجب هؤلاء المشركون لكم يا محمد ويا اصحاب محمد عليه السلام اى ما دعوتموهم اليه من معارضة القرآن واتيان عشر سور مثله وتبيين عجزهم عنه بعد الاستعانة بمن استطاعوا بالاستعانة منه من دون الله تعالى { فاعلموا انما انزل بعلم الله } ما فى انما كافة وضمير انزل يرجع الى ما يوحى وبعلم حال اى ملتبسا بما لا يعلمه الا الله تعالى من المزايا والخواص والكيفيات
وقال الكاشفى [ يعنى ملتبس بعلمى كه خاصه اوست وآن علمست بمصالح عباد وآنجه ايشانرا بكار آيد در معاش ودر معاد ]
وقال فى التأويلات النجمية { بعلم الله } لا بعلم الخلق فان فيه الاخبار عما سيأتى وهو بعد فى الغيب ولا يعلم الغيب الا الله انتهى والمراد الدوام والثبات على العلم اى فدوموا ايها المؤمنون واثبتوا على العلم الذى انتم عليه لتزدادوا يقينا وبات قدم على انه منزل من عند الله وانه من جملة المعجزات الدالة على صدقه عليه السلام فى دعوى الرسالة { وان لا اله الا هو } اى ودوموا على هذا العلم ايضا يعنى هو ينزل الوحى غيره لانه لا اله ولا اله غيره { فهل انتم مسلمون } ثابتون على الاسلام راسخون فيه اى فاثبتوا عليه فى زيادة الاخلاص
وفى الآيات امور . منها ان الوحى على ثلاثة انواع نوع امر عليه السلام بكتمانه اذ لا يقدر على حمله غيره ونوع خير فيه ونوع امر بتبليغه الى العام والخاص من الانس والجن وما يتعلق بمصالح العباد من معاشهم ومعادهم فلا يجوز تركه وان ترتب عليه مضرة وضاق به الصدر سبيل تبليغ الرسالة هو اللسان فلا رخصة فى الترك وان خاف
قال صاحب التيسير فهذا دليل قولنا فى المكره على الطلاق والعتاق ان تكلم به نفذ لان تعلق ذلك باللسان لا بالقلب والاكراه لا يمنع فعل اللسان فلا يمنع النفاذ انتهى
وفى الحديث « ان الله بعثنى برسالته فضقت بها ذرعا فاوحى الله تعالى الى ان لم تبلغ رسالتى عذبتك وضمن لى العصمة فقويت » ويدخل فيه العلماء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فانهم اذا عملوا بما علموا وتصدوا للتبليغ وخافوا الله دون غيره فان الله تعالى يحفظهم من كيد الاعداء -حكى- ان زاهدا كسر خوابى الخمر لسليمان بن عبد الملك الخليفة فاتى به يعاقبه وكان للخليفة بغلة تقتل من ظفرت به واتفق رأى وزرائه ان يلقى الزاهد بين يدي البغلة فالقى بين يديها فخضعت له فلم تقتله فلما اصبحوا نظروا اليه فاذا هو صحيح فعلموا ان الله تعالى حفظه فاعتذروا اليه وخلوا سبيله

(5/380)


كرت نهى منكر برآيد زدست ... نشايد جوبى دست وبابان نشست
ومنها ان المؤمنين ينبغى ان يعاونوا أئمتهم ومن اقتدى بهم فى تنفيذ الحق واجرائه والزام الخصم واسكاته كما كان الاصحاب رضى الله عنهم يفعلون ذلك برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الجهاد وغيره من الامور الدينية وفى الحديث « المؤمن للمؤمن كبنيان يشد بعضه بعضا » يعنى المؤمن لا يتقوى فى امر دينه ودنياه الا بمعونة اخيه كما ان بعض البناء يقوى ببعضه وفيه حث على التعاضد فى غير الاثم كذا فى شرح المشارق لابن الملك وكان النبى صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا فى المسجد فيقوم عليه يهجو من كان يهجو رسول الله صلة الله عليه وسلم ويدفع عنى المسلمين ويقويهم على المشركين وكان روح القدس اى جبريل يمده بالجواب ويلهمه الصواب
هجا كفتن ارجه بسنديده نيست ... مبادا كسى كآلت آن ندارد
جه آن شاعرى كوهجا كونباشد ... جوشيرى كه جنكال ودندان ندارد
ومنها لزوم الثبات على التوحيد ومن علاماته التكرير باللسان جهرا واخفاء جميعة وانفرادا وفى الحديث « جددوا ايمانكم » والمراد الانتقال من مرتبة الى مرتبة فان اصل الايمان قديم بالاول كما فى الواقعات المحمودية : قال المولى الجامى قدس سره
دلت آيينه خداى نماست ... روى آيينه توتيره جراست
صيقلى دار صيقلى ميزن ... باشد آيينه ات شود روشن
صيقل آن اكرنه آكاه ... نيست جز لا اله الا الله
وفى الحديث « من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار ومن مات يعلم انه لا اله الا الله دخل الجنة »
واعلم ان كلمة هو فى قوله تعالى { لا اله الا هو } اسم تام بمنزلة لفظة الجلالة ولذا جعلها الصوفية قدس الله اسرارهم وردّ الهم فى بعض اوقاتهم
قال فى فتح القريب من خواص اسم الله انك اذا حذفت من خطه حرفا بقى دالا على الله تعالى فان حذفت الالف بقى لله وان حذفت اللام الاولى وابقيت الالف بقى اله وان حذفتهما معا بقى له ملك السموات والارض وان حذفت الثلاثة بقى هو الله الحى القيوم لا اله الا هو انتهى

(5/381)


مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)

{ من كان } [ هركه باشدكه ازدنائت همت ] وكان صلة اى زائدة كما فى التبيان
وقال فى الارشاد للدلالة على الاستمرار { يريد } بما عمله من اعمال البر والاحسان { الحيوة الدنيا وزينتها } اى ما يزينها ويحسنها من الصحة والامن والسعة فى الرزق وكثرة الاولاد والرياسة وغير ذلك لا وجه الله تعالى والمراد بالارادة ما يحصل عند مباشرة لاعمال لا مجرد الارادة القلبية لقلوه تعالى { نوف اليهم اعمالهم فيها } اى نوصل اليهم ثمرات اعمالهم فى الحياة الدنيا كاملة وليس المراد باعمالهم اعمال كلهم فانه لا يجد كل متمن ما تمناه فان ذلك منوط بالمشيئة الالهية كما قال تعالى { من كان يريد لعاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } ولا كل اعمالهم بل بعضها الذى يترتب عليه الاجر والجزاء { وهم فيها } اى فى الحياة الدنيا { لا يبخسون } لا ينقصون شيأ من اجورهم

(5/382)


أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)

{ اولئك } المريدون للحياة الدنيا وزينتها الموفون فيها ثمرات اعمالهم من غير بخس { الذين ليس لهم فى الآخرة الا النار } لان هممهم كانت مصروفة الى الدنيا واعمالهم مقصورة على تحصيلها فقد اجتنبوا ثمراتها فلم يبق فى الآخرة الا العذاب المخلد { وحبط ما صنعوا فيها } يعنى بطل ثواب اعمالهم التى صنعوها فى الدنيا لانها لم تكن لوجه الله تعالى والعمدة فى اقتضاء ثواب الآخرة هو الاخلاص { وباطل } [ وناجيزاست ] فى نفس الامر { ما كانوا يعملون } رياء وسمعة . فقوله باطل خبر مقدم وما كانوا يعملون مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها
والآية فى حق الكفار كما يفصح عنه الحصر فى كينونة النار لهم
واعلم ان حسنات الكفار من البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعى فى دفع الشرور واجراء الانهار ونحو ذلك مقبولة بعد اسلامهم يعنى يحسب ثوابها ولا يضيع واما قبل الاسلام فانعقد الاجماع على انهم لا يثابون على اعمالهم بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن يكون بعضهم اشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم
وذكر الامام الفقيه ابو بكر البيهقى انه يجوز ان يراد بما فى الآيات والاخبار من بطلان خيرات الكفار انهم لا يتخلصون بها من النار وكن يخفف عنهم ما يستوجبونه بجنايات ارتكبوها سوى الكفر ووافقه المازرى كما فى شرح المشارق لابن الملك
وقال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت هذه الآية فى اهل الرياء من اهل القبلة فمعنى قوله تعالى { ليس لهم فى الآخرة الا النار } ليس يليق لهم الا النار ولا يستحقون بسبب الاعمال الريائية الا اياها كقوله تعالى { فجزاؤهم جهنم } وجائز ان يتغمدهم الله برحمته فليس فى الآية دلالة على الخلود والعذاب البتة والظاهر ان الآية عامة لاهل الرياء مؤمنا كان او كافرا او منافقا كما فى زاد المسير والرياء مشتق من الرؤية واصله طلب المنزلة فى قلوب الناس برؤيتهم خصال الخير كما فى فتح القريب
وفى الحديث « ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر » قالوا وما الشرك الاصغر يا رسول الله قال « الرياء يقول الله عز وجل اذا جزى الناس باعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء »
مرايى هر كسى معبود سازد ... مرايى را ازان كفتند مشرك
قال فى شرح الترغيب المشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ومجوسى ويهودى ونصرانى ومرتد وزنديق وعلى المرائى وهو الشرك الاصغر والشرك الخفى يقال للقراء من اهل الرياء اردت ان يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك ولمن وصل الرحم وتصدق فعلت حتى يقال فقيل ولمن قاتل فقتل قاتلت حتى يقال فلان جريئ فقد قيل ذلك فهؤلاء الثلاثة اول خلق بسعر بهم النار كما فى الحديث

(5/383)


« ويصعد الحفظة بعمل العبد الى السماء السابعة من صلاة وصوم ونفقة واجتهاد وورع فيقول لهم الملك الموكل بها اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه فانه اراد بعمله غير الله تعالى ويصعد الحفظة بعمله من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر الله ويشيعه ملائكة السموات حتى يقطعون الحجب كلها فيقول لهم الله تعالى اراد به غيرى فعليه لعنتى فيقول الملائكة كلها عليه لعنتك ولعنتنا يلعنه السموات السبع ومن فيهن » كما ورد فى الحديث : قال الحافظ
كوييا باور نمى دارند روزداورى ... كين همه قلب ودغل دركاردورميكنند
قال الفضيل ترك العمل لاجل الناس رياء والعمل لاجل الناس شرك والاخلاص الخلاص من هذين معنى كلامه ان من عزم على عبادة الله تعالى ثم تركها مخافة ان يطلع الناس عليه فهو مرائ لانه لو كان عمله لله تعالى لم يضره اطلاع الناس عليه ومن عمل لاجل ان يراه الناس فقد اشرك فى الطاعة ويستثنى من كلامه مسألة لا يكون ترك العمل فيها لاجل الناس رياء وهى اذا كان الشخص يعلم انه متى فعل الطاعة بحضرة الناس آذوه واغتابوه فان الترك من اجلهم لا يكون رياء بل شفقة عليه ورحمة كما فى فتح القريب
وقال فى شرح الطريقة من مكايد الشيطان ان الرجل قد يكون ذا ورد كصلاة الضحى والتهجد وتلاوة القرآن والادعية الماثورة فيقع فى قوم لا يفعلونه فيتركه خوفا من الرياء وهذا غلط منه اذ مداومته السابقة دليل الاخلاص فوقوع خاطر الرياء فى قلبه بلا اختيار ولا قبول لا يضر ولا يخل بالاخلاص فترك العمل لاجله موافقة للشيطان وتحصيل لغرضه نعم عليه ان لا يزيد على معتاده ان لم يجد باعثا وقد يترك لا خوفا من الرياء بل خوفا من ان ينسب اليه ويقال انه مرائ وهذا عين الرياء لانه تركه خوفا من سقوط منزلته عند الناس وفيه ايضا سوء الظن بالمسلمين وقد يقع فى خاطره ان تركه لاجل صيانتهم من الغيبة لا لاجل الفرار من المذمة وسقوط المنزلة وهذا ايضا سوء الظن بهم اذ صيانة اغير من المعصية انما يكون فى ترك المباحات دون السنن والمستحبات انتهى كلامه
قال فى التأويلات النجمية { وحبط ما صنعوا } من اعمال الخير { فيها } فى الدنيا للدنيا { وباطل ما كانوا يعملون } من الاعمال وان كانت حقا لانهم عملوها لغير وجه الله وهو باطل وبه يشير الى ان كل من يعمل عملا يطلب به غير الله فان عمله ومطلوبه باطل كما قال صلى الله عليه وسلم « ان اصدق كلمة قالها العرب ألا كل شيء ما خلا الله باطل »
قال حضرة الشيخ الاكبر قدسنا الله بسره الاطهر اعلم ان الموجودات كلها وان وصفت بالباطل فهى حق من حيث الوجود ولكن سلطان المقام اذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث انه ليس له وجود من ذاته فحكمه حكم العدم وهذا معنى قولهم قوله باطل اى كالباطل لان العالم قائم بالله لا بنفسه فهو من هذا الوجه باطل والعارف اذا وصل الى مقامات القرب فى بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجبت عن شهودها بشهود الخلق لانها زالت من الوجود بالكلية ثم اذا كمل عرفانه شهد الحق تعالى والخلق معا فى آن واحد وما كل احد يصل الى هذا المقام فان غالب الناس ان شهد الخلق لم يشهد الحق وان شهد الحق لم يشهد الخلق ولا يدرك الوحدة الا من ادرك اجتماع الضدين ولعل من المشهد الاول قول الاستاذ الشيخ ابى الحسن البكرى قدس سره استغفر الله مما سوى الله تعالى لان الباطل يستغفر من اثبات وجوده لذاته كذا فى انسان العيون فى سيرة الامين المأمون : قال الشيخ المغربى

(5/384)


سايه هستى مو نمايد ليك اندراصل نيست نيست ... را ازهست اربشنا ختى يابى نجات
وقال ايضا
بيدار شواز خواب كه اين جمله خيالات ... اندر نظر ديده بيدار جو خوابيست
نسأل الله سبحانه ان يكشف القناع عن وجه المقصود ويتجل لنا بجماله فى وجه كل مظهر وموجود وهو الرحيم الودود ذو الفضل والفيض والجود

(5/385)


أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)

{ أفمن كان على بينة من ربه } الهمزة للانكار والبينة الحجة والبرهان وعلى للاستعلاء المجازى وهو الاستيلاء والاقتدار على اقامتها والاستدلال بها ومن شرطية او موصولة مبتدأ حذف خبره والتقدير افمن كان على برهان ثابت من ربه يدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره وهو كل مؤمن مخلص كمن ليس على بينة يعنى سواء بل الاول على السعادة وحسن العاقبة والثانى على الشقاوة وسوء الخاتمة { ويتلوه } من التلو وهو التبع ذلك البرهان الذى هو دليل العقل فتذكير الضمير الراجع الى البينة انما هو بتأويل { شاهد منه } اى شاهد من الله تعالى يشهد بصحته وهو القرآن { ومن قبله } اى ومن قبل لقرآن الشاهد { كتاب موسى } وهو التوراة فانها ايضا تتلو ذلك البرهان فى التصديق { اماما } كتابا مؤتما به فى الدين ومقتدى وانتصابه على الحال { ورحمة } اى نعمة عظيمة على من انزل اليهم ومن بعدهم الى يوم القيامة باعتبار احكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم
قال فى انسان العيون التوراة اول كتاب اشتمل على الاحكام والشرائع بخلاف ما قبله من الكتب فانها لم تشتمل على ذلك وانما كانت مشتملة على الايمان بالله وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز انتهى
{ اولئك } اشارة الى من كان على بينة { يؤمنون به } اى يصدقون بالقرآن { ومن يكفر به } [ وهوكه كافر شود بقرآن ] { من الاحزاب } من اهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال تحزبوا عليه اى اجتمعوا { فالنار موعده } اى مكان وعده الذى يصير اليه وفى جعلها موعد اشعار بان له فيها ما يوصف من افانين العذاب { فلا تك فى مرية منه } اى فى شك من امر القرآن وكونه من عند الله { انه الحق من ربك } الذي يربيك فى دينك ودنياك { ولكن اكثر الناس لا يؤمنون } بان ذلك حق لا شبهة فيه اما القصور انظارهم واختلال افكارهم واما لعنادهم واستكبارهم هذا ما اختاره البيضاوى وتبعه فى ذلك اكثر المفسرين وقال المولى ابو السعود فى الارشاد ما حاصله ان المراد بالبينة البرهان الدال على حقيقة الاسلام وهو القرآن والكون على بينة من الله عبارة عن التمسك بها ويتلوه اى يتبعه شاهد من القرآن شهيد بكونه من عند الله وهو اعجازه وما وقع فيه من الاخبار بالغيب او شاهد من الله تعالى كالمعجزات الظاهرة على يديه عليه السلام ولما كان المراد بتلو الشاهد للبرهان اقامة الشهادة بصحته وكونه من عند الله تعالى تابعا له بحيث لا يفارقه فى مشهد من المشاهد فان القرآن بينة باقية على وجه الدهر مع شاهدها الذى يشهد بامرها الى يوم القيامة عند كل مؤمن وجاحد

(5/386)


عطف كتاب موسى فى قوله تعالى { ومن قبله كتاب موسى } على فاعله مع كونه مقدما عليه فى النزول فكأنه قيل أفمن كان على بينة من ربه ويشهد به شاهد آخر من قبل هو كتاب موسى
وقال فى التأويلات النجمية وحمل الآية فى الظاهر على النبى صلى الله عليه وسلم وابى بكر اولى واحرى فانه عليه السلام كما كان على بينة من ربه كان ابو بكر شاهدا يتلوه بالايمان والتصديق يدل عليه قوله { والذى جاء بالصدق } يعنى النبى عليه السلام وصدق به يعنى ابا بكر رضى الله عنه وهو الذى كان ثانيه فى الغار وتاليه فى الامامة فى مرضه عليه السلام حين قال « مر ابا بكر فليصل بالناس » وكان تاليه بالخلافة باجماع الصحابة وكان منه حيث قال صلى الله عليه وسلم لابى بكر وعمر رضى الله عنهما « انهما منى بمنزلة السمع والبصر » { ومن قبله } اى من قبل ابى بكر وشهادته بالنبوة كان { كتاب موسى } وهو التوراة { اماما } يأتم به قومه بعده وفى ايام محمد صلى الله عليه وسلم كما ائتم به عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما من احبار اليهود ولانه كان فيه ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة { ورحمة } اى الكتاب كان رحمة لاهل الرحمة وهى الذين يؤمنون بالكتاب وبما فيه كما قال { اولئك الذين يؤمنون به } يعنى اهل الرحمة { ومن يكفر به } اى بالكتاب وبما فيه { من الاحزاب } اى حزب اهل الكتاب وحزبالكفار وحزب المنافقين وان زعموا انهم مسلمون لان الاسلام بدعوى اللسان فحسب وانما يحتاج مع دعوى اللسان الى صدق الجنان وعمل الاركان { فلا تك فى مرية منه } اى من ان يكون الكافر بك وبما جئت به من اهل النار لان الايمان بك ايمان بى وان طاعتك طاعتى فلا يخطرن ببالك انى من سعة رحمتى لعلى ارحم من كفر بك كائنا من كان فانى لا ارحمهم لانهم مظاهر قهرى { انه الحق من ربك } اى يكون له مظاهر صفات القهر كما يكون له مظاهر صفات اللطف { ولكن اكثر الناس لا يؤمنون } بصفات لطفه لرجائهم المذموم ولغرورهم المشئوم بكرم الله فانه غرهم بالله وكرمه الشيطان الغرور انتهى : قال الحافظ
دركارخانه عشق از كفرنا كزيرست ... آتش كرابسوز دكر بولهب نباشد
واعلم ان حضرة القرآن انما نزل لتمييز اهل اللطف واهل القهر فهو البرهان النير العظيم الشان وبه يعلم اهل الطاعة من اهل العصيان ولما كان الكلام صفة من الصفات القديمة له تعالى قال اهل التأويل فى اشارة قوله { أفمن كان على بينة من ربه } اى كشف بيان من تجلى صفة من صفات ربه { ويتلو شاهد منه } اى ويتبع الكشف شاهد من شواهد الحق فان الكشف يكون مع الشهود ويكون بلا شهود . والمعنى أفمن كان على بينة من كشوف الحق وشواهده كما كان على بينة من العقل والنقل مع احتمال السهو والغلط فيها ولذا : قال الحافظ
غشق ميورزم واميدكه اين فن شريف ... جون هنر هاى دكر موجب حرمان نشود
وقال الصائب
طريق عقل را بر عشق رجحان مى دهد زاهد ... عصايى بهتر ازصد شمع كافورست اعمى را
وقال
جمعى كه بشت كرم بعشق ازل نيند ... نازسمور ومنت سنجاب ميكشند
جعلنا الله واياكم من المستبصرين لشواهد الحق واوصلنا واياكم الى شهود النور المطلق وحشرنا واياكم تحت لواء الفريق الاسبق

(5/387)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)

{ ومن اظلم } اى لا احد يظلم { ممن افترى على الله كذبا } بان نسب اليه ما لا يليق به كقولهم للملائكة بنات الله وقولهم لآلهتهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله { اولئك } المفترون { يعرضون على ربهم } المراد عرضهم على الموقف المعد للحساب والسؤال وحبسهم فيه الى ان يقضى الله تعالى بين العباد لانه تعالى ليس فى مكان حتى يعرضون عليه واسند العرض اليهم والمقصود عرض اعمالهم لان عرض العامل بعمله وهو الافتراء هنا افظع من عض عمله مع غيبته { ويقول الاشهاد } عند العرض وهم الملائكة والنبيون والمؤمنون جمع شاهد او شهيد كاصحاب واشراف { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } المحسن اليهم والمالك لنواصيهم بالافتراء عليه وهؤلاء اشارة الى تحقيرهم واصغارهم بسوء صنيعهم { ألا لعنة الله } عذابه وغضبه { على الظالمين } بالافتراء المذكور وفى الحديث « ان الله تعالى يدنى المؤمن يوم القيامة فيسرته من الناس فيقول اى عبدى اتعرف ذنب كذا وكذا فيقول نعم يا رب فاذا قرره بذنوبه قل فانى قد سترتها عليك فى الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته واما الكفار والمنافقون فيقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم الا لعنة الله على الظالمين يفضحونهم بما كانوا عيله فى الدنيا ويبينون انهم ملعونون عند الله بسبب ظلمهم » وفى الحديث « من سمع سمع الله به » اى من اظهر عمله للناس رياء اظهر الله نيته الفاسدة فى عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الاشهاد وهم الملائكة الحفظة . وقيل عموم الملائكة . وقيل عموم الاخلاق اجمعين ثم وصفهم بالصد

(5/388)


الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

{ الذين يصدون } اى يمنعون كل من يقدرون على منعه بالتحريف وادخال الشبه { عن سبيل الله } عن دين الله وطريق طاعته { ويبغونها عوجا } السبيل مؤنث سماعى فلذلك انت ضمير يبغونها يقال بغيت الشيء طلبته وبغيتك خيرا او شرا اى طلبت لك اى ويصفونها بالانحراف عن الحق والصواب فيكون من قبيل اطلاق اسم السبب على المسبب
قال فى الارشاد وهذا شامل لتكذيبهم بالقرآن وقولهم انه ليس من عند الله { وهم بالآخرة هم كافرون } اى يصفونها بالعوج والحال انهم كافرون بها لا انهم مؤمنون بها ويزعمون ان لها سبيلا سويا يهدن الناس اليه وتكرير ضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به كأن كفر غيرهم ليس بشيء عند كفرهم

(5/389)


أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)

{ اولئك } الكاذبون { لم يكونوا معجزين } الله تعالى ان يعاقبهم لو اراد عقابهم { فى الارض } مع سعتها وان هربوا منا كل مهرب { وما كان لهم من دون الله من اولياء } ينصرونهم ويمنعونهم من العقاب ولكن آخر ذلك الى اليوم تحقيقا للامهال كما قال تعالى { امهلهم رويدا } والجمع باعتبار افراد الكفرة كان قيل وما كان لاحد منهم من ولى { يضاعف لهم العذاب } استئناف كانه قيل هؤلاء الذين شأنهم ذلك ما مصير امرهم وعقبى حالهم فقيل يضاعف لهم عذاب الابد ضعفين { ما كانوا يستطيعون السمع } النافع { وما كانوا يبصرون } الحق والآيات المصنوبة فى الانفس والآفاق وهو استئناف وقع تعليلا لمضاعفة العذاب وليس المراد بالمضاعفة الزيادة بمرتبة واحدة لشمولها الزيادة بمراتب كما فى الحواشى السعدية ولما كان قبح حالهم فى عدم اذعانهم للقرآن الذى طريق تلقيه لشمع اشد منه فى عدم قبولهم لسائر الآيات المنوطة بالابصار بالغ فى نفى الاول حيث نفى عنهم الاستطاعة واكتفى فى الثانى بنفى الابصار

(5/390)


أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21)

{ اولئك الذين خسروا انفسهم } باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فى البحر انه على حذف مضاف اى راحة او سعادة انفسهم والا فانفسهم باقية معذبة انتهى
ولعل الابقاء على حاله انسب لمرام المقام وان البقاء معذبا كلابقاء اذ المقصود من البقاع انتفاع به { وضل } بطل وضاع { عنهم ما كانوا يفترون } من الهية الآلهة وشفاعتها

(5/391)


لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)

{ لا جرم } فيه ثلاثة اوجه . الاول ان لا نافية لما سبق وجرم فعل بمعنى حق وان مع ما فى خبره فاعبه . والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعل اى حق { انهم فى الآخرة هم الاخسرون } وهذا مذهب سيبويه . والثانى ان جرم بمعنى كسب وما بعده مفعوله وفاعله ما دل عليه الكلام اى كسب ذلك خسرانهم فالمعنى ما حصل ومن ذلك الا ظهور خسرانهم . والثالث ان لا جرم بمعنى لا بد انهم فى الآخرة هم الاخسرون واياما كان فمعناه انهم اخسر من كل خاسر
قال الكاشفى [ بى شك وشبهه ايشان دران سراى ايشان زيانكارتر زهمه زيانكاران جه برستش بتانرا بيرستش خداى تعالى خريده اندو متاع دنياى فانى را بر نعيم عقباى باقى اختيار كرده ودرين سود اغبن فاحش است ]
مايه اين را بدنيا دادن ازدون همتيست ... زانكى دنيا جملكى رنج اسن ودين آسايش است
نعمت فانى ستانى دولت باقى دهى ... اندرين سودا خردداندكه غبن فاحش است
-وروى- ابن ابى الدنيا عن الضحاك انه قال اتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله من ازهد الناس قال « من لم ينس القبر والبلى وترك زينة الدنيا واثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غذا من ايامه وعدنفسه من الموتى » وفى الحديث « بادروا بالاعمال فان بين ايديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا » ومن البائع دينه بالدنيا المدعى مع الله رتبة طلبا للرياسة واستجلاب حظوظ النفس بطريق التزهد والشيخوخة وهو ملعون على ألسنة الاولياء الذين هم شهداء الله فى الارض لانه نزل نفسه منزلة السادة الكبراء فظلم واستحق اللعنة : وفى المثنوى
توملاف ازمشك كان بوى بياز ... ازدم توميكند مكشوف راز
كلشكر خوردم همى كوئى وبوى ... ميزند از سيركه ياوه مكوى
ومن اوصاف المدعين انهم بادعائهم الشيخوخة يقطعون سبيل الله على طالبيه بالدعوة الى انفسهم ويمنعونهم ان يتمسكوا بذيل ارادة صاحب ولاية يهديهم الى الحق ووهم بالآخرة هم كافرون على الحقيقة لان من يؤمن بالآخرة ولقاء الله والحساب والجزاء على الاعمال لا يجرى مع الله بمثل هذه المعاملات ولهم عذاب الضلال عن سبيل الله بطلب الدنيا والقدوة فيها وعذاب اضلال اهل الارادة عن طريق الحق باستتباعهم وهم مؤاخذون بخسرانهم وخسران اتباعهم وبحسبان انهم يحسنون صنعا فهم الاخسرون
ترسم نرسى بكعبه اى اعرابى ... كين ره كه توميروى بتركشتانست

(5/392)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)

{ ان الذين آمنوا } اى بكل ما يجب ان يؤمن به { وعملوا الصالحات } فيما بينهم وبين ربهم { وأخبتوا الى ربهم } الاخبات الخضوع والخشوع ويستعمل باللام يقال اخبت لله واستعماله بالى فى الاية لتضمينه معنى الاطمئنان والانقطاع . والمعنى اطمانوا وسكنوا اليه وانقطعوا الى عبادته بالخشوع والتواضع { اولئك } المنعوتون بتلك النعوت { اصحاب الجنة هم فيها خالدون } دائمون لم يأت هنا ضمير الفصل للاشارة والله اعلم الى ان الخلود فيها ليس بمختص بهؤلاء الموصوفين فان المؤمن وان لم يعمل الصالحات مآله الخلود فى الجنة على ما هو مذهب اهل السنة كذا فى حواشى سعدى المفتى
وقال فى التأويلات النجمية { ان الذين آمنوا } بطلب الله وطلبوه على اقدام المعاملات الصالحات للطلب المفيدات للوصول الى المطلوب وانابوا الى ربهم بالكلية ولم يطلبوا منه الا هو واطمانوا به { اولئك اصحاب الجنة } اى ارباب الجنة كما يقال رب الدار لصائب الدار وهم مطلوبوا الجنة لا طلابها وانما هم طلاب الله هم فيها خالدون طلابا

(5/393)


مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)

{ مثل الفريقين } الكافر والمؤمن اى حالهما العجيب لان المثل لا يطلق الا على ما فيه غرابة من الاحوال والصفات
قال ابن الشيخ لفظ المثل حقيقة عرفية فى القول السائر المشبه مضر به بمورده ثم يستعار للصفة العجيبة والحال الغريبة تشبيها لهما بالقول المذكور فى الغرابة فانه لا يضرب الا ما فيه غرابة { كالاعمى والاصم والبصير والسميع } اى كهؤلاء فيكون ذواتهم كذواتهم فان تشبيه حال الشيء بحال شيء آخر يستلزم تشبيه الشيء الاول بالثانى فالاعمى والاصم هم الكافرون والبصير والسميع هم المؤمنون . والواو فى والاصم والسميع لعطف الصفة على الصفة كقولك هو الجواد والشجاع فان الادخل فى المبالغة ان يشبه الكافر بالذى جمع بين العمى والصمم كالموتى وذلك ان الكفرة حين لا ينظرون الى ما خلق الله نظر اعتبار ولا يسمعون ما يتلى عليهم من ىيات الله سماع تدبر كان بصرهم كلا بصر وسماعهم كلا سماع فكان حالهم لانتفاء جدوى البصر والسماع كجال الموتى الذى فقدوا مصحح البصر والسمع
قال ابن الشيخ الاعمى اذا سمع شيا ربما يهتدى الى الطريق والاصم ربما ينتفع بالاشارة ومن جميع بينهما فلا حيلة له وقس عليه الشخص الذى جمع بين الوصفين الشريفين اللذين هما البصر والسمع فانه يكون بذلك على احسن حال . وقدم الاعمى لكونه اظهر واشهر فى سوء الحال من الاصم { هل يستويان } يعنى الفريقين المذكورين والاستفهام انكارى { مثلا } اى حالا وصفة وهو تمييز من فاعل يستويان منفقول من الفاعلية والاصل هل يستوى مثلهما { افلا تذكرون } اى أتشكون فى عدم الاستواء وما بينهما من التباين او أتغفلون عنه فلا تتذكرن بالتأمل فيما ضرب لكم من المثل فيكون الانكار واردا على المعطوفين معا او أتسمعون هذا فلا تتذكرون فيكون راجعا الى عدم لتذكر بعد تحقق ما يوجب وجوده وهو المثل المضروب
وفى التأويلان النجمية الاعمى الذين لا يبصر الحق حقا والباطل باطلا بل يبصر الباطل حقا والحق باطلا . والاصم من لا يسمع الحق حقا والباطل باطلا بل يسمع الباطل حقا والحق باطلا . والبصير الذى يرى الحق حقا ويتبعه ويرى الباطل باطلا ويجتنبه . والسميع الذى من كان الله سمعه فيسمع به ومن ابصر بالله لا يبصر غير الله ومن سمع بالله لا يسمع الا من الله انتهى
يعنى يسمع من الحق تعالى ولا يرى ان احدا فى الوجود يخاطبه غير الله تعالى فهو متمثل لكل ما يؤمر به -حكى- ان خير النساج لقيه انسان فقال له انت عبدى واسمك خير فسمع ذلك من الحق سبحانه واستعمله الرجل فى النسج اعواما ثم بعد ذلك قال له ما انت عبدى ولا اسمك خير

(5/394)


كوشى كه بحق بازبود درهمه بازبود درهمه جاى ... ازهيج سخن نشنود ا زخداى
وان ديده كزو نور بذيرد اورا ... هرذره بود آبينه دوست نماى
وفى كل من مقام الرؤية والسماع ابتلاء والطالب الصادق يقف عند الحد الذى حد له فلا ينظر الى الحرام ولا يرتكب المحذور كشرب الخمر وان قيل له من لسان واحد اشرب هذه الخمر لان هذا القول ابتلاء من الله تعالى هل يقف عند حده اولا فلا بد من التحقق والتبعية انما يكون ويحصل بالاجتهاد والتشبث بذيل واحد من اهل الارشاد : وفى المثنوى
آن سواريكه سبه راشد ظفر ... اهل دين راكيست سلطان بصر
با عصا كوران اكرره ديده اند ... دربناه خلق روشن ديده اند
كرنه بينايان بدندى وشهان ... جملة كوران مرده اندى درجهان
نى زكوران كشت آيد نى درود ... نى عمارت نى تجارتها وسود

(5/395)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25)

{ ولقد ارسلنا نوحا الى قومه } الواو ابتدائية واللام جواب قسم محذوف وحرفه الباء لا الواو كما فى سورة الاعراف لئلا يجتمع واوان اى بالله لقد بعثنا نوحا وهو ابن ملك ابن متوشلخ بن ادريس عليهما السلام وهو اول نبى بعث بعده قال ابن عباس رضى الله عنهما بعث نوح على راس اربعين من عمره ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره الفا وخمسين سنة وقيل غير ذلك ولد نوح بعد الف وستمائة واثنتين واربعين سنة من هبوط آدم عليه السلام وكانت دمشق داره ودفن فى الكوفة
وقال بعضهم فى الكرك وقال بعضهم فى مغارة ابراهيم عليه السلام فى القدس ويقال كان اسما شاكرا وسمى نوحا لكثرة نياحته على نفسه
واختلفوا فى سبب نياحته على ثلاثة اوجه . الاول قلة رحمته حين قال { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } فلم يرض الله ذلك منه . والثانى انه مر بكلب فقال ما اقبحك من خلق فعاتبه الله على ذلك أعبتنى ام عبت الكلب فقام وناح على نفسه وذهب فى البرارى والجبال . والثالث الميل والهوى الى ولده ومراجعته الى ربه حيث قال { ان ابنى من اهلى } فقال الله { انه ليس من اهلك } فقام وناح على نفسه او شفقة على الولد وخوفا لى نفسه كذا فى التبيان
يقول الفقير عامله الله بلطف الخطير ان بعض الزلات وان كان سببا للنباحة كما وقع ايضا لداود عليه السلام وغيره الا ان نياحة الانبياء والاولياء انما هى من جلال الله تعالى وهيبته الآخذة بقلوبهم فهى من صفات العاشقين وسمات العارفين الا ترى الى يحيى عليه السلام لم ير اكثر نوحا وبكاء منه فى زمانه مع انه لم يهم بذنب قط وبكاء يعقوب عليه السلام لم يكن لمجرد فراق يوسف عليه السلام بل كان فراقه سببا صوريا ظاهريا له والله تعالى اذا اراد بكاء عبده وحنينه الى جنابه ابتلاء بالفراق او بالجوع او بغيرهما كما لا يخفى على اهل القلوب وفى ذلك ترقيات له عجيبة وتجليات له غريبة قد شاهدت هذه الحال من بعض اهل الكمال
وههنا سؤال وهو انه كيف يستقيم الاخبار فى الازل عن ارسال نوح عليه السلام بلفظ الماضى ونوح وقومه لم يجد بعد
والجواب ان هذا الاخبار بالنسبة الى الازل لا يتصف بشيء من الازمنة اذ لا ماضى ولا مستقبل ولا حال بالنسبة الى الله تعالى واتصافه به انما هو بالنسبة الى توجه الخطاب له كان ماضيا وان كان معه او بعده فالحال او الاستقبال { انى } اى فقال لقومه انى { لكم نذير } مخوف { مبين } مظهر وذلك الانذار على اكمل طرقه اى ابين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه بيانا ظاهرا لا شبهة فيه ولم يقل وبشير لان البشارة انما تكون لمن آمن ولم يكن احد آمن كما اقتصر على الانذار فى قوله تعالى { قم فانذر } تقديما للتخلية على التحلية

(5/396)


أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)

{ ان لا تعبدوا الا الله } اى بان لا تعبدوا على انّ ان مصدرية والباء نتعلقة بارسلنا ولا ناهية اى ارسلناه ملتبسا بنهيهم عن الشرك
قال فى التأويلات النجمية قال نوح الروح لقومه القلب والنفس والبدن ان لا تعبدوا الدنيا وشهواتها والآخرة ودجاتها فان عبادة الله مهما كانت معلولة بشيء من الدنيا والآخرة فانه عبد ذلك الشيء لا الله على الحقيقة انتهى
ولذا قالوا الرغبة فى الايمان والطاعة لا تنفع الا اذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه لكونه ايمانا وطاعة واما الرغبة فيه لطلب الثواب وللخوف من العقاب فغير مفيدة : قال الشيخ المغربى قدس سره
درجنت ديدار تماشاى جمالت ... باشدز قصورا بودم ميل بجورى
{ انى اخاف عليكم عذاب يوم اليم } يوم القيامة او يوم الطوفان . واليم يجوز ان يكون صفة يوم وصفة عذاب على ان يكون جره للجوار ووصفه بالاليم على الاسناد المجازى للمبالغة يعنى ان اسناد الاليم الى اليوم اسناد الى الظرف كقولك نهاره صائم واسناده الة العذاب اسناد الى الوصف كقولك جد جده والمتألم حقيقة هو الشخص المعذب المدرك لا وصفه ولا زمانه واذا وصفنا بالتالم دل على ان الشخص بلغ فى تألمه الى حيث سرى ما به من التالم الى ما يلابسه من الزمان والاوصاف فالاليم بمعنى المؤلم علىنه اسم مفعول من الايلام ويجوز ان يكون بمعنى المؤلم على انه اسم فاعل وهو صفة الله تعالى فى الحقيقة اذ هو الخالق للألم -روى- ان الله تعالى ارسل نوحا الى قومه فجاءهم يوم عيد لهم وكانوا يعبدون الاصنام ويشربون الخمور ويواقعون النساء كالبهائم من غير ستر فنادهم بصوت عال ودعاهم الى التوحيد ففزعوا ثم نسبوه الى الجنون وضربوه وكذبوه كما قال تعالى

(5/397)


فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

{ فقال الملأ الذين كفروا من قومه } اى الاشراف منهم الذين ملأوا القلوب هيبة والمجالس ابهة ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من اول الامر لا لان بعض اشرافهم ليسوا بكفرة { وما نريك الا بشرا مثلنا } لا مزية لك علينا نخصك من دوننا بالنبوة ووجوب الطاعة ولو كان كذلك لرأيناه فالرؤية بصرية وا بشرا حال من المفعول ويجوز ان تكون قلبية وهو الظاهر فالا بشرا مفعول ثان وتعلق الرأى بالمثلية لا بالبشرية فقط
قال الكاشفى [ ايشان هياكل بشر ديدند وازدرك حقائق اشيا غافل ماندند ] : مثنوى
همسرى بانبيا بر داشتند ... اوليارا همجو خود بنداشتند
كفت اينك ما بشر ايشان بشر ... ماوايشان بسته خوابيم وخور
اين ندانستند ايشان ازعمى ... هست فرقى درميان بى منتهى
هردوكون ونبور خوردند از محل ... ليك شد زان نيش وزاين ديكر عسل
هر دوكون آهوكيا خوردند وآب ... زاين يكى سركين شد وزان مشكناب
هر دو نى خوردند از يك آبخور ... اين يكى خالى وآن براز شكر
والاشارة ان النفس سفلية وطبعها سفلى ونظرها سفلى والروح علوى وله طبع علوى ونظر علوى فالروح العلوى من خصائصه دعوة غيره الى عالمه لانه بنظره العلوى يرى شرف العبادات وعزتها ويرى السفليات وخستها وذلتها فمن طبعه العلوى يدعو السفلى الى العلويات والنفس السفلية بنظرها السفلى لا ترى العلويات ولا تميل بطبعها السفلى الى العلويات بل تميل الى السفليات وترى بنظرها السفلى كل شيء سفليا فتدعو غيرها الى عالمها فمن هنا ترى الروح العلوى بنظر المثلية فكذلك صاحب هذه النفس يرى صاحب هذه الروح العلوى بنظر المثلية فيقول ما نراك الا بشرا مثلنا فلهذا ينظرون الى الانبياء ولا يرونهم بنظر النبوة بل يرونهم بنظر الكذب والسحر والجنون ويرون اتباع الانبياء بنظر الحقارة كما قالوا { وما نريك اتبعك } الرؤية ان كانت بصرية يكون اتبعك حالا من المفعول بتقدير قد وان كالت قلبية يكون مفعولا ثانيا { الا الذين هم اراذلنا بادى الرأى } اخساؤنا وادانينا كالحاكة والاساكفة واهل الصنائع الخسيسة ولو كنت صادقا لاتبعك الاكياس والاشراف من الناس . فالاراذل جمع اسم تفضيل اى ارذل كقوله « اكابر مجرميها واحاسنكم اخلاقا » جمع اكبر واحسن
فان قلت يلزم الاشتراك اذا بين الاشراف وبينهم فى ماخذ الاشتقاق الذى هو الرذالة
قلت هو للزيادة المطلقة والاضافة للتوضيح فلا يلزم ما ذكرت وانتصاب بادى الرأى على الظرفية على حذف المضاف اى اتبعك وقت حدوث بادى الرأى وظاهره او فى اول الوهلة من غير تعمق وتدقيق تفكر من البدو او من البدء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها وانما استرذلوهم مع كونهم اولى الالباب الراجحة لفقرهم وكان الاشراف عندهم من له جاه ومال كما ترى اكثر زمانك يعتقدون ذلك ويبنون عليه اكرامهم واهانتهم

(5/398)


فلك بمردم نادان دهد زمام مراد ... تواهل فضلى ودانش همين كناهت بس
وما اعجب شان اهل الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر ولا اتباعه وقد رضوا للالهية بحجر وعبادته
قال فى التأويلات النجمية اما الاراذل من اتباع الروح البدن وجوارحه الظاهرة فان الغالب على الحق ان البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالاعمال الشرعية ولكن النفس الامارة بالسوء تكون على كفرها ولا تخلى البدن يستعمل بالاعمال الشرعية الدينية الا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لاكثر الخلق { وما نرى لكم } اى لك ولمتسبيك فغلب المخاطب على الغائبين { علينا من فضل } من زيادة شرف فى الملك والمال تؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة واتباعهم لك لا يدل على نبوتك ولا نجد بكم فضيلة تستبع اتباعنا لكم
قال فى الكواشى وما نرى لكم علينا من فضل لانكم بشر تأكلون وتشربون مثلنا { بل نظنكم كاذبين { جميعا لكون كلامكم واحدا ودعوا كم واحدة

(5/399)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)

{ قال } نوح { يا قوم } [ اى كروه من ] { أرأيتم } اى اخبرونى فان الرؤية سبب للاخبار { ان كنت على بينة } برهان ظاهر { من ربى } وشاهد يشهد بصحة دعواى { وآتيتنى رحمة من عنده } هى النبوة { فعميت عليكم } اى اخفيت تلك البينة عليكم { انلزمكموها } اى نلزمكم قبول تلك البينة ونوجبها عليكم ونجبركم على الاهتداء بها . وهذا استفهام معناه الانكار يقول لا نقدر ان نلزمكم من ذات انفسنا وهو جواب ارأيتم وساد مسد جواب الشرط { وانتم لها كارهون } والحال انكم لا تختارونها ولا تتاملون فيها ومحصول الجواب اخبرونى ان كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة الدعوى الا انها خافية عليكم غير مسلمة عندكم أيمكننا ان نكرهكم على قبولها وانتم معرضون عنها غير متدبرين فيها اى لا يكون ذلك
قال سعدى المفتى المراد الزام جبر بالقتل ونحوه فاما الزام الايجاب فهو حاصل
قال قتادة لو قدر الانبياء ان يلزموا قومهم الايمان لالزموهم ولكن لم يقدروا
يكى را بخوانى كه مقبول ماست ... يكى را برانى كه مخذول ماست
بدونيك امر ترا بنده اند ... بتسليم حكمت سر افكنده اند

(5/400)


وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)

{ ويا قوم لا اسألكم عليه } على تبليغ الرسالة وهو ان لم يذكر فمعلوم من قوله انى لكم نذير مبين ان لا تعبدوا الا الله { مالا } تؤدونه الى بعد ايمانكم واتباعكم لى فيكون ذلك اجرا لى فى مقابلة اهتدائكم { ان اجرى الا على الله } وهو الثواب الذى يثيبنى فى الآخرة اى ما بلغتكم من رسالة الله الا لوجه الله لا لغرض من اغراض الدنيا { وما انا بطارد الذين آمنوا } لانهم طلبوا منه ان يطرد من عنده من الفقراء والضعفاء حتى يجالسوه كما طلب رؤس قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لملازمين لمجلسه الشريف استنكافا منهم ان ينتظموا معهم فى سلك واحد : قال الحافظ
آنجه زر ميشود از برتو آن قلب سياه ... كيميا ييست كه در صحبت درويشا نست
وقال
نظر كردن بدرويشان منافئ بزركى نيست ... سليمان با جنان حشمت نظرها بودبا مورش
قيل ان الله تعالى اختار الفقر لرسول الله صلى الله عليه وسلم نظرا الفقراء حتى يتسلى الفقير بفقره كما يتسلى الغنى بماله وليدل على هو ان الدنيا عند الله تعالى { انهم ملاقوا ربهم } يوم القيامة فيقتص لهم ممن ظلمهم كما فى الكواشى او انهم فائزون فى الآخرة بلقاء الله تعالى وحسن جزائه كأنه قيل لا اطردهم ولا ابعدهم عن مجلسى لانهم مقربون فى حضرة القدس وكيف اذل من اعزه الله تعالى { ولكنى اريكم قوما تجهلون } ما امرتكم به وما جئتكم به قال ابو الليث
وقال فى الارشاد تجهلون بكل ما ينبغى ان يعلم ويدخل فيه جهلهم بلقائه تعالى وبمنزلتهم عنده وباستيجاب طردهم لغضب الله تعالى

(5/401)


وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30)

{ ويا قوم من ينصرنى من الله } يدفع عنى غضب الله تعالى ويمنعنى من انتقامه { ان طردتهم } وهم بتلك الصفة والمثابة من الكرامة والزلفى { افلا تذكرون } اى أتستمرون على ما انتم عليه من الجهل المذكور فلا تتذكرون ما ذكر من حالهم حتى تعرفوا ان ما تأتون بمعزل من الصواب وفى الحديث « حب الفقراء والمساكين من اخلاق الانبياء والمرسلين وبغض مجالستهم من اخلاق المنافقين » «
والاشارة يقول نوح الروح للنفس من يمنعك من عذاب الله تعالى وقهره ان منعت البدن من الطاعة والعبودية واقتصر على مجرد ايمان النفس وتخلقها باخلاق الروح كما هو معتقد اهل الفلسفة واهل العناد فانهم يقولون ان اصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلة بالاخلاق الحميدة فلا عبرة للاعمال البدنية كذبوا والله كذبوا الله ورسوله فضلوا كثيرا والقول ما قال المشايخ رحمهم الله الظاهر عنوان الباطن وقال النبى صلى الله عليه وسلم » لا يستقيم ايمان احدكم حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم اعماله « يعنى اركان الشريعة تسرى الى الباطن عند استعماله الشريعة فى الظاهر وان الله تعالى اودع النور فى الشرع والظلمة فى الطبع وانما بعث الانبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع الى نور الشرع

(5/402)


وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)

{ ولا اقول لكم } حين ادعى النبوة { عندى خزائن الله } اى عندى رزق الله وامواله حتى تستدلوا بعدمها على كذبى بقولكم وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين فان النبوة اعز من ان تنال باسباب دنيوية ودعواها بمعزل عن ادعاء المال والجاه
قال سعدى المفتى يعنى لا ادعى وجوب اتباعى بكثرة المال والجاه حتى تنكروا فضلى وانما ادعى وجوبه لانى رسول من الله وقد جئت بينة تشهد على ذلك { ولا اعلم الغيب } اى لا ادعى فى قولى انى لكم نذير مبين انى اخاف عليكم عذاب يوم اليم العلم على الغيب حتى تسارعوا لى الانكار والاستبعاد
وقال سعدى المفتى الظاهر انهم حين ادعى النبوة سألوه عن المغيبات وقالوا ان كنت صادقا فى دعواك فاخبرنا عن كذا وكذا فقال انا ادعى النبوة وقد جئتكم بآية من ربى ولا اعلم الغيب الا باعلامه ولا يلزم من ان يكون سؤالهم مذكورا فى النظم ان سؤال طردهم كذلك { ولا اقول } لكم { انى ملك } حتى تقولوا ما نراك الا بشرا مثلنا فان البشرية ليست من موانع بالنبوة بل من مباديها . يعنى انكم اتخذتم فقدان هذه الامور الثلاثة ذريعة الى تكذيبى والحال انى لا ادعى شيأ من ذلك ولا الذى ادعيه يتعلق بشيء منها وانما يتعلق بالفضائل النفسانية التى تتفاوت مقادير البشر { ولا اقول } مساعدة لكم كما تقولون { للذين تزدرى اعينكم } زراه اذا عابه واستصغره اى لاجل المؤمنين الذين تزدريهم اعينكم لفقرهم وفى شانهم ولو كانت اللام للتبليغ لكان القياس لن يؤتيكم بكاف الخطاب واسناد الازدراء الى الاعين للمبالغة والتنبيه على انهم استرذلوهم بادى الرؤية من غير روية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل فى معانيهم وكمالاتهم : قال السعدى
معانيست درزير حرف سباه ... جودر برده معشوق ودرميغ ماه
بسنديده ونغز بايد خصال ... كه كاه آيد وكه رود جاه ومال
يقول الفقير الظاهر ان اسناد الازدراء الى الاعين انما هو بالنسبة الى ظهوره فيها كما يقال فلان نظر الى فلان يعين التحقير دون عين التعظيم وهذا لا ينافى كونه من صفات القلب فى الحقيقة { لن يؤتيهم الله خيرا } فى الدنيا او فى الآخرة فعسى الله ان يؤتيهم خير الدارين وقد وقع كما قال فى نطق الانبياء عليهم السلام انما هو من الوحى والالهام حيث اورثهم الله ارضهم وديارهم بعد عزتهم { الله اعلم بما فى انفسهم } من الايمان والمعرفة ورسوخهم فيه { انى اذا } اى اذ قلت ذلك { لمن الظالمين } لهم بحط مرتبتهم ونقص حقوقهم او من الظالمين لانفسهم بذلك فان وباله راجع الى انفسهم . وفيه تعريض بانهم ظالمون فى ازدرائهم واسترذالهم
وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { المسلم اخو المسلم } المراد اخوة الاسلام { لا يظلمه } بنقصه حقه او بمنعه اياه { ولا يخذله } بترك الاعانة والنصرة اذا استعان به فى دفع ظالم ونحوه { ولا يحقره } اى لا يحتقره ولا يستكبر عليه .

(5/403)


والاحتقار بالفارسية [ خوارداشتن ] ( التقوى ههنا التقوى ههنا التقوى ههنا ) ويشير الى صدره واصل التقوى الاجتناب والمراد ههنا اجتناب المعاصى وكان المتقى يتخذ له وقاية من عذاب الله تعالى بترك المخالفة . وقوله ههنا اشارة الى ان الاعمال الظاهرة لا تحصل بها التقوى وانما تحصل بما يقع من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته فمن كانت التقوى فى قلبه فلا ينظر الى احد بعين الحقارة ( بحسب امرئ من الشر ان يحقر اخاه المسلم ) يعنى يكفيه من الشر احتقاره اخاه المسلم ( كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله ) العرض موضع المدح والذم من الانسان كما فى فتح القريب
وقال ابن الملك عرض الرجل جانبه الذى يصونه

(5/404)


قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)

{ قالوا يا نوح قد جادلتنا } خاصمتنا { فاكثرت جدالنا } اى اطلته . والمجادلة روم احد الخصمين اسقاط كلام صاحبه وهو من الجدل وهو شدة الفتل { فائتنا بما تعدنا } اى تعدنا من العذاب المعجل { ان كنت من الصادقين } فى الدعوى والوعيد فان مناظرتك تؤثر فينا

(5/405)


قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33)

{ قال انما يأتيكم به الله ان شاء } عاجلا او آجلا وليس موكولا الىّ ولا مما يدخل تحت قدرتى . وفيه اسارة الى وقوع العذاب بمشيئة الله لا بالاعمال الموجبة للوقوع { وما انتم بمعجزين } بالهرب او بالمدافعة كما تدافعون فى الكلام
قال الامام فان احدا لا يعجزه اى يمنعه مما اراد يفعله والمعجز هو الذى يفعل ما عنده فيتعذر به مراد الغير فيوصف بانه اعجزه فقوله تعالى { وما انتم بمعجزين } اى لا سبيل لكم الى ان تفعلوا ما عندكم فيمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب ان اراد انزاله بكم

(5/406)


وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

{ ولا ينفعكم نصحى } النصح كلمة جامعة لكل ما يدور عليه الخير من فعل او قول وحقيقته الخاصة ارادة الخير والدلالة عليه ونقيضه الغش وقيل هو اعلام موضع الغى ليتقى وموضع الرشد ليقتفى { ان اردت ان انصح لكم } شرط حذف جوابه للدلالة ما سبق عليه والتقدير ان اردت ان انصح لكم ينفعكم نصحى وهذه الجملة دالة على ما حذف من جواب قوله تعالى { ان كان الله يريد ان يغويكم } والتقدير ان كان الله يريد ان يغويكم فان اردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحى . وفيه اشارة الى ان نصح الانبياء ودعوتهم لا تفيد الهداية مع ارادة الله الغواية والكل بيد الله تعالى : قال الحافظ
مكن بجشم حقارت نكاه برمن مست ... كه نيست معصيت وزهدبى مشيت او
يقول الفقير قد سبق ان نوحا عليه السلام وصفهم بالجهل والجاهل لا ينفع فيه النصح والوعظ كما فى المثنوى
بند كفتن باجهول خوابناك ... تخم افكندن بود درشوره خاك
جاك حمق وجهل نبذبرد رفو ... تخم حكمت كم دهش اى بندكو
{ هو ربكم } خالقكم والمتصرف فيكم وفق ارادته { واليه ترجعون } فيجازيكم على اعمالكم لا محالة

(5/407)


أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)

{ ام يقولون } قوم نوح { افتريه } الضمير المستتر المرفوع لنوح عليه السلام والبارز للوحى الذى بلغه اليهم { قل } يا نوح { ان افتريته } بالفرض البحث فهو لا يدل على انه كان شاكا بل هو قول يقال على وجه الانكار عند اليأس من القبول { فعلىّ اجرامى } اى وبال اجرامى وهو كسب الذنب فالمضاف محذوف وان كنت صادقا فكذبتمونى فعليكم عقاب ذلك التكذيب فحذف لدلالة قوله تعالى { وانا بريئ مما تجرمون } عليه اى من اجرامكم فى اسناد الافتراء الىّ فلا وجه لاعراضكم عنى ومعاداتكم لى . وفيه اشارة الى ان ذنوب النفس لا تنافى صفاء الروح ولا يتدكر الروح بها ما دام متبرئا منها لكن كل من القوى يتكدر بما قارفه من ذنوب نفسه فالجهل يكدر الروح والميل الى ما سوى الله تعالى يكدر القلب والهوى يكدر النفس والشهوة تكدر الطبيعة
فعلى العاقل تجلية هذه المرائى وتصقيلها له تعالى والتوجه الى الحضرة العلياء والعمل على وفق الهدى وترك المشتهيات
قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة الانسان . وهم الذين غلب عليهم اوصاف النفس واحوال الشيطنة . واما ملكى وهم الذين غلب عليهم اوصاف الطبيعة والنفس ووصف الملكية والروح . واما رحمانى وهم الذين غلب عليهم وصف السر وحاله ثم الثلاثة الاول من يخرج منهم بالايمان من الدنيا فهم يدخلون الجنة بالفضل او بعد اقامة العدل وهم اصحاب اليمين وارباب الجمال ومن يخرج من الدنيا بلا ايمان فيدخلون الجحيم بالعدل وهم اصحاب الشمال وارباب الجلال والرابع من يخرج منهم بالايمان فهم اهل الاعراف والخامس هم ارباب الكمال السابقون المقربون وما منا الاله مقام معلوم ورزق مقسوم ثم الحيوانيون بعدما خرجوا من الدنيا يحشرون مع الشياطين والملكيون يحشرون مع الملائكة واصحاب الجانبين يحشرون بين الطرفين والرحمانيون يحشرون مع قرب الرحمن قال عليه السلام « تموتون كما تعيشون وتحشرون كما تموتون » انتهى كلامه
قال يحيى بن معاذ الرازى الناس ثلاثة اصناف . رجل شغله معاده عن معاشه . ورجل شغله معاشه عن معاده . ورجل مشتغل بهما جميعا فالاول درجة الفائزين والثانى درجة الهالكين والثالث درجة المخاطرين وفى الحديث « ان خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا عقل الناس » قالوا يا رسول الله كيف كانوا اعقل الناس قال « كان نهمتهم المسابقة الى ربهم والمسارعة الى ما يرضيه وزهدوا فى الدنيا وفى رياستها وفى فضولها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا »
ناكى غم دنياى جنى اى دل دانا ... حيفست زخزبى كه شود عاشق زشتى

(5/408)


وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)

{ واوحى الى نوح انه لن يؤمن من قومك } اى المصيرين على الكفر وهو اقناط عليه السلام من ايمانهم واعلام لكونه كالمحال الذى لا يصح توقعه { الا من قد آمن } الا من قد وجد منه ما كان يتوقع من ايمانه وقد للتوقع وقد اصابت محزها
وقال المولى ابو السعود رحمه الله هذا الاستثناء على طريقة قوله تعالى { الا ما قد سلف } وقد سبق فى اواخر سورة النساء
وقال سعدى المفتى ان قيل من قد آمن لا يحدث الايمان بل يستمر عليه فكيف صح اتصال الاستثناء قلنا قد تقرر ان لدوام الامور المستمرة حكم الابتداء ولهذا لو حلف لا البس هذا الثوب وهو لابسه فلم ينزعه فى الحال يحنث ومبنى الايمان على العرف
وقال القطب العلامة { الا من قد آمن } قد استعد للايمان وتوقع منه ولا يراد الايمان بالفعل والا لكان التقدير الا من قد آمن فانه يؤمن { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } هو تفتعل من البؤس ومعناه الحزن فى استكانة وهى الخضوع اى لا تحزن حزن بائس مستكين ولا تغتم بما كانوا يتعاطون من التكذيب والايذاء فى هذه المدة الطويلة فقد انتهى افعالهم وحان وقت الانتقام منهم وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال « ان نوحا كان اذا جادل قومه ضربوه حتى يغشى عليه فاذا افاق قال اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون » انتهى
ولما حاء هذا الوحى من عند الله تعالى دعا عليهم فقال { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } وفى المثنوى
ناحمولى انبيارا از امردان ... ورنه حمالست بدرا حلمشان
طبع را كشتند اندر حمل بد ... ناحمولى كركند ازحق بود
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اول ما يتخلق المتخلق بعدم التأذى باذى الانام باحتماله صبرا ووساطته ان لا يجدهم مؤذين لانه موحد فيستوى عنده المسيئ والمحسن فى حقه وخاتمته ان يرى المسيء محسنا اليه فانه عالم بالحقائق متحقق بالتجلى الالهى وهى بداية التحقيق
والاشارة فى الآية ان نوح الروح لا يؤمن من قومه الا القلب والسر والبدن وجوارحه فاما النفس فانها لا تؤمن ابدا اللهم الا نفوس الانبياء وخواص الاولياء فانها تسلم احيانا دون الايمان وحال النفوس كاحوال الاعراب كقوله تعالى { قالت الاغراب ىمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم } قال معدن الايمان القلوب ومظهر الاسلام النفوس لان الاسلام الحقيقى الذى قال تعالى فيه { أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه } هو ضوء قد انعكس من مرآة القلب المنور بنور الايمان فاما اسلام الاعراب اذ قال تعالى لهم ولما يدخل الايمان فى قلوبكم لم يكن ضوأ منعكسا من مرآة القلب المنور ولكن هو ضوء منعكس من النور المودع فى كلمة التوحيد والاعمال الصالحة عند اتيانها بالصدق علم ان ايمان الخواص ينزل من الحق تعالى بنظر عنايته على القلوب القابلة للفيض الآلهى بلا واسطة وايمان العوام يدخل فى قلوبهم من طريق الاقرار باللسان والعمل بالاركان { فلا تبتئس } على نفوس السعداء { بما كانوا يفعلون } من اعمال الشر فانها لهم كالجسد للاكسير ينقلب ذهبا مقبولا عند طرح الروح فلذلك تنقلب اعمال الشر خيرا عند طرح التوبة عليها كما قال تعالى

(5/409)


{ اولئك يبدله الله سيآتهم حسنات } { ولا تبتئس } على نفوس الاشقياء { بما كانوا يفعلون } لانها حجة الله على شقاوتهم وبتلك السلاسل يسحبون فى النار على وجوههم كذا فى التأويلات النجمية

(5/410)


وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)

{ واصنع الفلك } [ جون فائده دعوت ازايشان منقطع كشته زمان نزول عذاب دررسيد حكم شد كه اى نوح ميان اجتهاد دربندوبساز كستى را ] والامر للوجوب اذ لا سبيل الى صيانة الروح من الغرق الا به فيجب كوجوبها . واللام اما للعهد بان يحمل على ان هذا مسبوق بالوحى اليه انه سيهلككم بالغرق وينجيه ومن معه بشيئ سيصنعه بامره تعالى ووحيه من شانه كيت وكيت واسمه كذا واما للجنس والصنعة بالفارسية [ كاركردن ] والمراد ههنا نجرا الخشب اى نحته ليتحصل منه صورة السفينة { باعيننا } العين ليست من الآلات التى يستعان بها على مباشرة العمل بل هى سبب لحفظ الشيء فعبر عنه مجازا وجمع العين لجمع الضمير والمبالغة والكثرة اسباب الحفظ والرعاية فالاعين فى معنى محفوظا على انه حال من فاعل اصنع اى اصنعه محفوظا من ان يمنعك احد من اعدائك عن ذلك العمل واتمامه ومن ان تزيغ فى صنعته عن الصواب
وقال الكاشفى [ باعيننا بنكاه داشتن ما يا با عين ملائكة كه مدد كار وموكل تواند ] يقول الفقير الاول انسب لما فى سورة الطور من قوله تعالى { واصبر لحكم ربك فانك باعيننا } اى فى حفظنا وحمايتنا بحيث نراقبك ونكلؤك واتحاد القضية ليس بشرط { ووحينا اليك كيف نصنعها وتعليمنا والهامنا اى موحى اليك كيفية صنعها
قال ابن عباس رضى الله عنهما لم يعلم كيف صنعة الفلك فاوحى الله اليه ان يصنعها مثل جؤجؤ الطائر بالفارسية [ جون سينه مرغ وبراو ] فاخذ القدوم وجعل يضرب ولا يخطئ [ ود اخبار آمده كه نوح عليه السلام جوب كشتى بطلبيد فرمان برسيد تادرخت ساج بكاشت ودرمدت بيست سال كه درخت برسيد مطلقا هيج فرزند متولد نشد تا اطفال قوم بالغ شدند وايشان نيز متابعت آبا كرده از قبول دعوت نوح ابا كردند بس نوح بساختن كشتى اشتغال فرمود ] ونحتها في سنتين واستأجر اجراء ينحتون معه وقيل فى اربعمائة سنة
ومن الغرائب ما فى الحيوان من ان اول من اتخذ الكلب للحراسة نوح عليه السلام قال يا رب امرتنى ان اصنع الفلك وانا فى صناعته اصنع اياما فيجيئون بالليل فيفسدون كل ما عملت فمتى يلتئم لى ما امرتنى به قد طال علىّ امرى فاوحى الله تعالى اليه يا نوح اتخذ كلبا يحرسك فاتخذ نوح كلبا وكان يعمل بالنهار وينام بالليل فاذا جاء قومه ليفسدوا بالليل ينبحهم الكلب فينتبه نوح عليه السلام فيأخذ الهراوة ويثب اليهم فينهزمون منه فالتأم ما اراد وفعل السفينة برشاد : وفى المثنوى
قابل تعليم وفهمست اين خرد ... ليك صاحب وحى تعليمش دهد
جملة حرفتها يقين از وحى بود ... اول او ليك عقل آنرا فزود
هيج حرفت را ببين كين عقل ما ... ماند او آموختن بى اوستا
كرجه اندر فكرموى اشكاف بد ... هيج بيشه رام بى اوستا نشد

(5/411)


وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع والذراع الى المنكب وعرضها خمسين ذراعا وسمكها اى رتفاعها فى الهواء ثلاثين ذراعا وبابها فى عرضها او كان طولها الفا ومائتى ذراع وعرضها ستمائة ذراع كما قيل ان الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى الى كثيب من تراب فاخذ كفا من ذلك التراب فقال أتدرون من هذا قالوا الله ورسوله اعلم قال هذا كعب بن حام فضرب بعصاه وقال قم باذن الله فاذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى أهكذا هلكت قال لا مت وانا شاب ولكنى ظننت انها الساعة ثمن ثم شبت فقال حدثنا عن سفينة نوح قال كان طولها الفا ومائتى ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات طبقة للدواب والوحش وطبقة للاتس وطبقة للطير ثم قال عد باذن الله تعالى كما كنت فعاد ترابا
قال فى الكواشى وطلاها بالقار فلما اتمها انطقها الله فقالت لا اله الا الله فى الاولين والآخرين انا السفينة التى من ركبنى نجا ومن تخلف عنى هلك ولا يدخلنى الا اهل الايمان والاخلاص فقال قومه يا نوح هذا قليل من سحرك { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا } اى لا تراجعنى فيهم ولا تدعنى فى استدفاع العذاب عنهم . وفى وضع المظهر موضع المضمر تسجيل عليهم بالظلم ودلالة على انه انما نهى عن الدعاء لهم بالنجاة لتصميمهم على الظلم وان العذاب انما لحقهم لذلك { انهم مغرقون } محكوم عليهم بالاغراق قد مضى به القضاء وجف القلم فلا سبيل الى كفه ولزمتهم الحجة فلا يبق الا ان يجعلوا عبرة للمعتبرين ومثلا للآخرين
ويقال للذين ظلموا يعنى ابنه كنعان كما فى تفسير ابى الليث وزاد فى التبيان امرأنه والعة او واعلة بالعين المهملة وهى ام كنعان
يقول الفقير لعله هو الاصوب لانه روى ان الارض صاحت وقال يا رب ما احلمك على هؤلاء الكفرة يمشون على ظهرى ويأكلون رزقك ويعبدون غيرك ثم نطقت السباع كذلك فلما اشتد الامر وعلم نوح انه لا يؤمن من قومه احد بعد دعا عليهم بالهلاك فكيف يخاطب الله فيهم وفى نجاتهم . واما كنعان وامه فهما وان كانا كافرين لكن لا يسوى بينهما وبينهم من حيث ان الشفقة على الاهل والاولاد اشد وكان من شأنه المخاطبة فى حقهم ولذلك نهى عنها وسيجيء زيادة البيان فى ذلك
قال فى التأويلات النجمية { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا } اى النفوس فان الظلم من شيمتها انه كان ظلوما جهولا لانها تضع الاشياء فى غير موضعها تضع عبادة الحق فى هواها والدنيا وشهواتها وفى هذا الخطاب حسم مادة الطمع عن ايمان النفوس وفيه حكم يطول شرحها منها ترقى اهل الكمالات لى الابد فافهم جدا وان النفس مكمن مكر الحق حتى لا تأمن منها ومن صفاتها انهم مغرقون فى طوفان الفتن الا من سلمه الله منه والسلامة فى ركوب سفينة الشريعة فان نوح الروح ان لم يركبها كان من المغرقين انتهى .

(5/412)


وفى الحديث « مثلة ومثل امتى كمثل سفينة نوح من تمسك بها نجا ومن تخلف عنها غرق » وفى المثنوى
بهر اين فرمود بيغمبر كه من ... همجو كشتى ام بطوفان زمن
ماواصحابيم جون كشتئ نوح ... هركه دست اندر زند يابد فتوح
جونكه باشيخى تودور از زشتئ ... روز وشب سيارى ودر كشتئ
مكسل از بيغمبر ايام خويش ... تكيه كم كن برفن وبركام خويش
كرجه شيرى جون روى ره بى دليل ... خويش روبه در ضلاى وذليل

(5/413)


وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)

{ ويصنع الفلك } ينجرها وهى حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة { وكلما } اى يصنعها والحال انه كلما { مر عليه ملأ } اشراف ورؤساء { من قومه سخروا منه } استهزؤا به لعمله السفينة اما لانهم ما كانوا يعرفونها ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فقالوا يا نوح ما تصنع قال اصنع بيتا يمشى على الماء لتعجبوا من قوله وسخروا منه واما لانه كان يصنعها فى برية بهماء فى ابعد موضع من الماء فى وقت عزته عزة شديدة وكانوا يتضاحكون ويقولون يا نوح صرت نجارا بعدما كنت نبيا ويقولون أتجعل للماء اكافا فاين الماء او لانه كان ينذرهم الغرق فلما طال مكثه فيهم ولم يشاهدوا منه عينا ولا اثرا عدوه من باب المحال ثم لما رأوا اشتغاله باسباب الخلاص من ذلك فعلوا ما فعلوا ومدار الجميع انكار ان يكون لعمله عاقبة حميدة مع ما فيه من تحمل المشاق العظيمة
من اكرنيكم وبدتو برو وخودرا باش ... هر كسى ىن درود عاقبت كاركه كشت
قوله كلما ظرف وما مصدرية ظرفية تقديره وفى كل وقت مرور سخروا منه والعامل سخروا منه { قال } استئناف كأن سائلا سال فقال فما صنع نوح عند بلوغ اذاهم الغاية فقيل قال { ان تسخروا منا } [ اكر سخريه وافسوس ميكنيد باما ] { فانا نسخر منكم كما تسخرون } سخرية مثل سخريتكم اذا وقع عليكم الغرق فى الدنيا والحرق فى الآخرة
قال المولى ابو السعود رحمه الله اى نعاملكم معاملة من يفعل ذلك لان نفس السخرية مما لا يكاد يليق بمنصب النبوة انتهى
يقول الفقير المقصود من هذه السخرية اصابة جزاء السخرية وكل احد انما يجازى من جنس عمله لا من خلاف جنسه الا ترى الى قوله تعالى فى حق الصائمين { كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم فى الايام الخالية } فانه يقال لهم يوم القيامة كلوا يا من جوعوا بطونهم واشربوا يا من عطشوا اكبادهم ولا يقال كلوا يا من قطعوا الليل واشربوا يا من ثبتوا يوم الزحف اذ ليس فيه المناسبة بين العمل وجزائه فالآية نظير قوله تعالى { ان الذين اجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون } الا ترى الى ما قال فى الجزاء { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ثم تمم بقوله { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } وفى الآية اشارة الى ان اهل النفس وتابعى هواها يستهزئون بمن يستعمل اركان الشريعة الظاهرة ويضحكون منهم فى اتعابهم بها نفوسهم اذهم بمعزل عن اسرارها وانوارها فان سخروا منهم بجهلهم لفائدة هذه السفينة فسوف يسخر بهم من ركبها اذ نجوا وهلكوا
قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فكما ان العالم الغير العامل والجاهل الغير العامل سواء فى كونهما مطروحين عن باب الله تعالى فكذلك العارف الغير العامل والغافل الغير العامل سواء فى كونهما مردودين عن باب الله تعالى لان مجرد العلم والمعرفة ليس سبب القبول والفلاح ما لم يقارن العمل بالكتاب والسنة بل كون مجردهما سبب الفلاح مذهب الحكماء الغير الاسلامية فلا بد معهما من العمل حتى يكونا سببا للنجاة كما هو مذهب اهل السنة والحكماء الاسلامية انتهى كلامه المقبول المفيد
كارى كنيم ورنه حجالت برآود ... روزى كه رخت جان بجهان دكركثيم
قال السعدى قدس سره
كنون كوش كآب از كمر دركذشت ... در وقت سيلابت از سر كذشت

(5/414)


فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)

{ فسوف تعلمون من } عبارة عنهم وعى اما استفهامية فى حيز الرفع او موصولة فى محل النصب يتعلمون وما فى حيزها ساد مسد المفعولين
قال سعدى المفتى من موصولة ويعدى تعلمون الى واحد استعمالا لها استعمال عرف فى التعدية الى واحد { يأتيه عذاب } وهو عذاب الغرق { يخزيه } يهنيه ويذله وصف العذاب بالاخزاء لما فى الاستهزاء والسخرية من لحوق الخزى والعار عادة { ويحل عليه } حلول الدسن الذى لا انفكاك عنه ففى الكلام استعارة مكنية حيث شبه العذاب الاخروى الذي قضى الله تعالى به حقهم بالدين المؤجل الواجب الحلول واثبت له الحلول الذى هو من لوازمه { عذاب مقيم } دائم هو عذاب النار

(5/415)


حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)

{ حتى اذا جاء امرنا } للتنور بالفوران او للحساب بالارسال وحتى هى التى يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية وهى مع ذلك غاية لقوله ويصنع فان كونها حرف ابتداء لا ينافى كونها ما بعدها غاية لما قبلها . والمعنى وكان يصنعها لى ان جاء وقت الطوفان { وفار التنور } [ وبجوشيد آب از تنور ] والتنور اسم اعجمى عربته العرب لان اصل بنائه تنر وليس فى كلام العرب ون قبل راء ذكره القرطبى اى نبع منه الماء وارتفع بشدة كما يفور القدر بغليانها . والتنور تنور الخبز لاهله وهو قول المهور -روى- انه قيل لنوح اذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب ومن معك فى السفينة فلما نبع الماء اخبرته امرأته فركب وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصا الى نوح وانما نبع منه وهو ابعد شيئ من الماء على خرق العادة واختلفوا فى مكان التنور ايضا فقيل كان فى الكوفة فى موضع مسجدها عن يمين الداخل مما يلى باب الكنيسة وكان عمل السفينة فى ذلك الموضع وفى القاموس الغارقون مسجد الكوفة لان الغرق كان فيه وفى زاوية له فار التنور وقيل فى الهند وقيل فى موضع بالشام يقال له عين وردة وقيل التنور وجه الارض او اشرف موضع فى الارض اى اعلاه وعن على رضى الله عنه فار التنور طلع الفجر { قلنا } جواب اذا وان جعلت حتى جارة متعلقة بيصنع فاذا ليست بشرطية بل مجرورة بحتى وقلنا استئناف { احمل فيها } الضمير راجع الى الفلك والتأنيث باعتبار السفينة { من كل } اى من كل نوع من الحيوانات لا بد منه فى الارض { زوجين اثنين } فعول احمل واثنين صفة مؤكدة له وزيادة بيان كقوله تعالى { لا تتخذوا آلهين اثنين } والزوجان عبارة عن كل اثنين لا يستغنى احدهما عن الآخر ويقال لكل واحد منهما زوج يقال زوج خف وزوج نعل
قال فى الارشاد الزوج ماله مشاكل من نوعه فالذ كرزوج للانثى كما هى زوج له وقد يطلق على مجموعهما فيقابل الفرد ولازالة ذلك الاحتمال قيل اثنين كل منهما زوج الآخر وقدم ذلك على اهله وسائر المؤمنين لانه انما يحمل بماشرة البشر وهم انما يدخلونها بعد حملهم اياه -روى- ان نوحا قال يا رب كيف احمل من كل زوجين اثنين فحشر اليه السباع والطير فجعل يضرب يديه فى كل جنس فيقع الذكر فى يده اليمنى والانثى فى اليسرى فيجعلهما فى السفينة
قال الحسن لم يحمل فى السفينة الا ما يلد ويبيض واما ما يتولد من التراب كالحشرات والبق والبعوض فلم يحمل منه شيأ
قال الشيخ السمرقندى فى بحر الكلام واول ما حمل نوح الذرة وآخر ما حمله الحمار فلما دخل صدره تعلق ابليس بذنبه فلم يستقل رجلاه نوح يقول ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح ادخل والشيطان معك فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال نوح ما ادخلك علىّ يا عدو الله ألم تقل ادخل والشيطان معك قال اخرج عنى يا عدو الله قال مالك بدّ من ان تحملنى معك وكان فيما يزعمون فى ظهر الفلك انتهى
وقال فى التبيان ابليس اراد ان يدخل السفينة فلم يكن ان يدخل من غير اذن فتعلق بذنب حمار وقت دخوله فى السفينة فلم يدخل الحمار فى السفينة فالح عليه نوح عليه السلام فقال نوح للحمار ادخل يا ملعون فدخل الحمار السفينة ودخل معه ابليس فلما كان بعد ذلك رأى نوح ابليس فى السفينة فقال له دخلت السفينة بغير امرى فقال له ابليس ما دخلت الا بأمرك فقال له فانا ما امرتك فقال امرتنى حين قلت للحمار ادخل يا ملعون ولم يكن ثمة ملعون الا انا فدخلت فتركه وفى الحديث

(5/416)


« اذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا واذا سمعتم صياح الديك فاسألوا الله من فضله فانها رأت ملكا » قالوا صوت كل حيوان تسبيح منه الا الحمار فان صوته من رؤية الشيطان وذلك يدل على ان كمال دناءته فى نفسه ولذا تعلق الشيطان بذنبه وجاء صديقا له واما الديك فهو عدو له لانه يصيح فى اوقات الصلاة عند استماع صوت ديك العرش ولا بعد فى تفاوت الحيوانات العجم كالانسان وقد صح ان البغال كانت اسرع الدواب فى نقل الحطب لنار ابراهيم عليه السلام ولذلك دعا عليها فقطع الله نسلها وان الوزغ كان ينفخ فى ناره ولذا ورد « من قتل وزغة فى اول ضربة كتبت له مائة حسنة »
قال فى حياة الحيوان اذا ذبح الديك الابيض الافرق احد لم يزل ينكب فى اهله وماله
وعن سالم بن عبد الله عن ابيه قال لما ركب نوح عليه السلام فى السفينة رأى فيها شيخا لم يعرفه فقال له نوح ما ادخلك قال لما ركب نوح عليه السلام فى السفينة رأى فيها شيخا لم يعرفه فقال له نوح ما ادخلك قال دخلت لاصيب قلوب اصحابك فيكون قلوبهم معى وابدانهم معك قال نوح اخرج يا عدو الله فقال ابليس خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك باثنتين فاوحى الى نوح انه لا حاجة بك الى الثلاث مره يحدثك بالثنتين قال الحسد وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما والحرص ابيح لآدم الجنة فاصبت حاجتى منه بالحرص : وفى المثنوى
حرص توددكار بدجون آنشست ... اخكر ازرنك خوش آنش خوشست
ىن سياهئ فحم در آتش نهان ... جون شد آتش آن سياهى شد عيان
اخكراز حرص توشد فحم سياه ... حرص جون شد ماند آن فحم تباه
آن زمان آن فحم احكر مينمود ... آن نه حسن كارنار حرص بود
حرص كارت را بيارا ئيده بود ... حرص رفت وماند كار توكبود

(5/417)


وقيل ان الحية والعقرب اتيا نوحا فقالتا احملنا فقال انتما سبب الضرر والبلاء فلا احملكما قالتا احملنا فنحن نضمن لك ان لا نضر احدا فمن قرأ حين خاف مضرتهما { سلام على نوح فى العالمين } ما ضرتاه
وعن وهب بن منبه امر نوح بان يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب كيف اصنع بالاسد والبقرة وبالعناق والذئب وبالحمام والهرة قال يا نوح من القى بينهم العداوة قال انت يا رب قال فانى اؤلف بينهم حتى يتراضوا
وعن ابن عباس رضى الله عنهما اكثر الفار فى السفينة حتى خافوا على حبال السفينة فأوحى الله تعالى الى نوح ان امسح جبهة الاسد فمسحها فعطس فخرج منها سنوران فأكلا الفار وكثرت العذرة فى السفينة فشكوا الى نوح فأوحى الله تعالى ان امسح ذنب الفيل فمسحه فخرج منه خنزيران فاكلا العذرة وفى خبر آخر خنزير واحد ودل خبر وهب على ان الهرة كانت من قبل وهذا الخبر على انها لم تكن من قبل الا ان يقال ان قصة التأليف وعت بعد خروج الهرة من انف الاسد والله اعلم { واهلك } عطف على زوجين والمراد امرأته المؤمنة فانه كان له امرأتان احدهما مؤمنة والاخرى كافرة اهى ام كنعان وبنوه ونساؤهم { الا من سبق عليه القول } بانه من المغرقين بسبب ظلمهم والمراد به ابنه كنعان وامه واعلة فانهما كانا كافرين والاستثناء منقطع ان اريد بالاهل الاهل ايمانا وهو الظاهر لقوله تعالى { انه ليس من اهلك } او متصل ان اريد به الاهل قرابة ويكفى فى صحة الاستثناء المعلومية عند المراجعة الى احوالهم والتفحص عن اعمالهم وجيء بعلى لكون السابق ضارا لهم كما جيء باللام فيما هو نافع لهم فى قوله تعالى { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } وقوله { ان الذين سبقت لهم منا الحسنى } { ومن آمن } عطف على واهلك اى واحمل اهلك والمؤمنين من غيرهم وافراد الاهل منهم للاستثناء المذكور { وما آمن معه الا قليل } [ وايمان نياورده بودند وموافقت نكرده بانوح مكراندكى ازمردمان ] -روى- عن النبى عليه السلام انه قال ثمانية نوح واهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم
قال العتبى قرات فى التوراة ان الله تعالى اوحى اليه ان اصنع الفلك وادخل انت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك ومن كل شيء من الحيوان زوجان اثنان فانى منزل المطر اربعين يوما وليلة فأتلف كل شيء خلقته على وجه الارض
وعن مقاتل كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة واولاد نوح ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء
وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان فى سفينة نوح ثمانون رجلا وامرأة احدهم جرهم يقال ان فى ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك لانهم لما خرجوا من السفينة بنوها فسميت بهم
والاشارة { حتى اذا جاء امرنا } وهو حد البلاغة التى يكون العبد مأمورا بالركوب على سفينة الشريعة { وفار التنور } اى يفور ماء الشهوة من تنور القالب { قلنا احمل فيها } فى سفينة الشريعة { من كل } صفة من صفات النفس { زوجين اثنين } اى كل صفة وزوجها كالشهوة وزوجها العفة .

(5/418)


والحرص وزوجه القناعة . والبخل وزوجه السخاوة والغضب وزوجه الحلم . والحقد وزوجه السلامة . والعداوة وزوجها المحبة . والتكبر وزوجه التواضع والتأنى وزوجه العجلة { واهلك } اى واحمل معك اهلك صفات الروح { الا من سبق عليه القول } من النفس { ومن آمن } اى آمن معك من القلب والسر { وما آمن معه } غالبا { الا قليل } من صفات القلب فيه اشاره الى ان كل ما كان من هذه الصفات وازواجها فى معزل عن سفينة الشريعة فهو غريق فى طوفان الفتن وهذا رد علىلفلاسفة والاباحية فانهم يعتقدون ان من اصلح اخلاقها الذميمة وعالجها بضدها من الاخلاق الحميدة فلا يحتاج الى الركوب فى سفينة الشرع ولا يعلمون ان الاصلاح والعلاج اذا صدرا من طبيعة لا يفيد ان النجاة لان الطبيعة لا تعلم كيفية الاصلاح والعلاج ولا مقدار تزكية النفس وتحليتها وان كانت الطبيعة واقفة على صلاح النفس وفسادها لعالجتها فى ابتداء امرها وما كانت النفس محتاجة الى طبيب عالم بالامراض ومعالجتها وهم الانبياء عليهم السلام حيث قال « هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته » ليعلموا المرض من الصحة والداء من الدواء { ويزكيهم ويعلمهم الكتاب } والحكمة فبالتزكية عن الصفات الطبيعية يستحقون تحلية اخلاق الشريعة الربانية كذا فى التأويلات النجمية

(5/419)


وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)

{ وقال } اى نوح لمن معه من المؤمنين بعد ادخال ما امره بحمله فى الفلك من الازواج
قال الكاشفى [ نوح ايشانرا بنزديك كشتى آورد وسربوشى كه ترتيب داده بود بالاى كشتى بوشيد واز زمين آب عذاب جوشيدن كرفت واز آسمان آب بلا فرود آمدن آغار كرد ] -وروى- انه حمل معه تابوت آدم وجعله معترضا بين الرجال والنساء { اركبوا فيها } اى فى السفينة وهو متعلق باركبوا وعدى بى لتضمنه معنى ادخلوا وصيروا فيها راكبين
قال فى الارشاد الركوب العلو على الشيء المتحرك ويتعدى بنفسه واستعماله هنا بكلمة فى ليس لان المأمور به كونهم فى جوفها لا فوقها كما ظن فان اظهر الروايات انه عليه السلام جعل الوحوش والسباع والهوام فى البطن الاسفل من الطبقات الثلاث للسفينة والانعام والدواب فى الاوسط وركب هو ومن معه ما يحتاجون اليه من الزاد فى الاعلى بل رعاية لجانب المحلية والمكانية فى الفلك والسر فيه ان معنى الركوب العلو على شيء له حركة اما ارادية كالحيوان او قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فاذا استعمل فى الاول يوفر له حظ الاصل فيقال ركبت الفرس وان استعمل فى الثانى يلوح لمحلية المفعول بكلمة فى فيقال ركبت فى السفينة قيل انهم ركبوا السفينة يوم العاشر من رجب وكان يوم الجمعة فاتت السفينة البيت فطافت اسبوعا فسارت بهم مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودى شهرا وكان خروجهم من السفينة يوم عاشوراء من محرم { بسم الله } متعلق باركبوا حال من فاعله اى ركبوا مسمين باسم الله وهو تأويل مسمين الله وقائلين بسم الله وعلى التقديرين فهو حال مقدرة لان وقت الجرى والارساء بعد الركوب { مجريها } بفتح الميم من جرى وبكسر الراء على الامالة نصب على الظرفية اى وقت جريها { ومرسيها } اى وقت ارسائها وحبسها وثبوتها
وقال فى الكواشى بسم الله مجراها خبر ومبتدأ ومرساها عطف عليه اى بسم الله اجراؤها وارساؤها فكان عليه السلام اذا اراد ان تجرى قال بسم الله فجرت وان اراد ان ترسو قال بسم الله فرست ومجراها ضما وفتحا مصدر اجريته وجريت به لغتان بمعنى كاذبته وذهبت به ومرساها بضم الميم من ارست السفينة ترسى وقفت انتهى
{ ان ربى لغفور } للذنوب والخطايا { رحيم } لعباده ولهذا نجاكم من هذه الداهية ولولا ذلك لما فعله
وفيه دلالة على ان نجاتهم ليست بسبب استقاقهم لها بل يمحض فضل الله وغفرانه ورحمت على ما عليه رأى اهل السنة -حكى- ان عجوزا مرت على نوح وهو يصنع السفينة وكانت مؤمنة به فسألته عما يصنعه فقال ان الله تعالى سيهلك بالكفار بالطوفان ويجيء المؤمنين بهذه السفينة فاوصت ان يخبرها نوح اذا جاء وقتها لتركب فى السفينة من المؤمنين فلما جاء ذلك الوقت اشتغل نوح بحمل الخلق فيها ونسى وصية العجوز وكانت بعيدة منه ثم لما وقع ما وقع من اهلاك الكفار ونجاة المؤمنين وخرجوا من السفينة جاءت اليه تلك العجوز فقالت يا نوح انك قلت لى سيقع الطوفان ألم يأن ان يقع قال قد وقع وكان امر الله مفعولا وتعجب من امر العجوز فان الله تعالى قد انجاها فى بيتها من غير ركوب السفينة ولم تر الطوفان قط وهكذا حماية الله تعالى لعباده المؤمنين

(5/420)


وقد صح عن بعض اهل الكشف ان موضع الجامع الكبير فى بلدة بروسه كان بيتا للعجوز المذكورة كما فى الواقعات المحمودية : وفى المثنوى
كاملان از دور نامت بشنوند ... تابقعر باد وبودت درروند
بلكه بيش از زادن توسالها ... ديده باشندت ترا باحالها
هركسى اندازه روشن دلى ... غيب را بيند بقدر صيقلى
والاشارة الى ان السفينة الشريعة معمولة للنجاة لراكبيها من طوفان فتن النفس والدنيا والامر بالركوب فى قوله تعالى { اركبوا فيها } يشير الى كشف سر من اسرار الشريعة وهو ان من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والاستاذين لم ينفعه للنجاة الحقيقية كما ركب المنافقون بالطبع لا بالامر فلم ينفعهم وكما ركب ابليس فى سفينة نوح فلم ينفعه وانما النجاة لمن ركب فيها بالامر وحفظا لادب المقام قال { بسم الله مجريها ومرسيها } اى يكون مجريها من الله ومرساها الى الله كقوله { ان الى ربك المنتهى } { ان ربى لغفور } بالنجاة لمن ركبها { رحيم } لمن ركبها بالامر لا بالطبع كذا فى التأويلات النجمية

(5/421)


وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42)

{ وهى } اى الفلك { تجرى } حكاية حال ماضية { بهم } حال من فاعل تجرى اى وهم فيها ملتبسة بهم ولك ان تجعل الباء للتعدية يقال اجريته وجريت به كأذهبته وذهبت به فالمعنى بالفارسية [ همى برد ايشانرا ] والجملة عطف على محذوف دل عليه الامر بالركوب اى فركبوا فيها مسمين وهى تجرى بهم { فى } خلال { موج } يعنى موج الطوفان والطوفان من كل شيء ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة كالمطر الغالب فى هذا المقام . والموج جمع موجة وهو ما ارتفع من الماء اذا اشتد عليه الريح { كالجبال } شبه كل موجة من ذلك بالجبل فى عظمتها وارتفاعها على الماء وتراكمها وظاهره يدل على ان السفينة تجرى داخل الموج ولكن المراد ان الامواج لما احاطت السفينة من الجوانب شبهت بالتى تجرى فى داخل الامواج
فان قلت ان الماء ملأ ما بين السماء والارض واذا كذلك لم يتصور الموج فيه فما معنى جريها فيه
قلت هذا الجريان كان من قبل ان يغمر الطوفان الجبال ثم كانت السفينة تجرى فى جوف الماء كما تسبح السمكة كما قالوا ولا يلزم الغرق لان الله قادر على امساك الماء على الدخول فى السفينة الا ترى الى الحوت الذى اتخذ سبيله فى البحر سربا [ يعنى هرجاكه ما هى ميرفت اب بالاى ومرتفع ايستاد ] ومثله من الخوارق فلق البحر لموسى عليه السلام وقومه وجعله تعالى فى الماء كوى متعددة { ونادى } [ وآوازداد ] { نوح ابنه } قيل اسم ابنه كنعان وقيل يام واختلفوا ايضا فى انه كان ربيبه او ابنه لظهره فذهب اكثر علماء الرسوم الى الاول لان ولد الرسول المعصوم يستبعد ان يكون كافرا ولقراءة على رضى الله عنه ابنها على ان يكون الضمير لامرأته واعلة بالعين المهملة او والعة كما فى التبيان ولقوله { ان ابنى من اهلى } دون ان يقول منى . وذهب بعضهم وجمهور علماء الحقيقة قجس الله اسراهم الى الثانى لقوله تعالى { ابنه } وقول نوح { يا بنى }
يقول الفقير اما قولهم ولد الرسول يستبعد ان يكون كافرا فمنقوض بابن آدم وهو قابيل والله تعالى يخرج من الميت ويخرج الميت من الحى وعلى هذا تدور حكمته فى مظاهر جلاله وجماله واذا ثبت ان وادلى الرسول ووالد ابراهيم عليهما الصلاة والسلام كانوا كافرين فكيف يبعد ان يكون ولد نوح كافرا . واما قراءة على رضى الله عنه قال فانما اسند فيها الابن الى الام لكونها كافرة مثله عادلة عن طريقة نوح فحق ان ينسب الكافر الى الكافر لا الى المؤمن لا لانه اى عليا اعتبر قوله { انه ليس من اهلك } فانه وهم . واما قوله { ان ابنى من اهلى } فلمواقفة قوله تعالى { واهلك } كما لا يخفى

(5/422)


فان قيل انه عليه السلام لما قال { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } كيف ناداه مع كفره
اجيب بان شفقة الابوة لعلها حملته على ذلك النداء والذى تقدم من قوله { الا من سبق عليه القول } كان كالمجمل فلعله جوز ان لا يكون هو داخلا فيه كذا فى حواشى ابن الشيخ { وكان } ابنه { فى معزل } مكان منقطع عن نوح وعن دينه لكونه كافرا كما فى الكواشى
وقال فى الارشاد اى فى مكان عزل فيه نفسه عن ابيه واخوته وقومه بحيث لم يتناوله الخطاب باركبوا واحتاج الى النداء المذكور وهو فى محل النصب على انه حال من ابنه والحال يأتى من المنادى لانه مفعول به . والمعزل بكسر الزاى اسم لمكان العزل وهو التنحية والابعاد يقال عزله عنه اذا ابعده [ بس ازفرط شفقت كفت ] يا بنى اركب معنا } بادغام الباء فى الميم لتقاربهما فى المخرج [ اى بسرك من سوار شودر كشتى باما تا ايمن شوى ] ولم يقل اركب فى الفلك لتعينها مع اغناء المعية عن ذكرها { ولا تكن مع الكافرين } فتهلك مثلهم اى لا تكن معهم فى المكان وهو وجه الارض خارج الفلك لا فى الدين وان كان ذلك مما يوجبه كما يوجب ركوبه معه كونه معه فى الايمان لانه عليه السلام بصدد التحذير عن المهلكة فلا يلائمه النهى عن الكفر كذا فى الارشاد
يقول الفقير الذى يلوح ان المعنى وكان فى معزل اى بمكان عزل فيه نفسه عن ابيه بناء على ظن ان الجبل يعصمه من الغرق يا بنى اركب معنا بان تؤمن بالله ونعوت جماله وجلاله ولا تكن مع الكافرين اى منهم لانه اذا كان معهم مصاحبا لهم فقد كان منهم وبعضهم كقوله تعالى { وكونوا مع الصادفين } فان قلت قوله تعالى { واوحى الى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن } يقطع رجاء الايمان فكيف نادى نوح ابنه فى ايمانه
قلت ذلك ليس بنص فى حق ابنه مثل قوله { الا من سبق عليه القول } مع ان من شان الكمل انه لا يستحيل عندهم مطلوب الى ان يخبرهمالحق بخبار مخصوص فحينئذ يصدقون ربهم ويحكمون باستحالة حصول ذلك المطلوب كحال موسى عليه السلام فى طلب الرؤية لما اخبر بتعذر ذلك تاب وآمن

(5/423)


قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

{ قال } ابنه { سآوى } اصير والتجئ { الى جبل } من الجبال { يعصمنى } يمنعنى بارتفاعه { من الماء } فلا اغرق ولا اومن ولا اركب السفينة زعما منه ان ذلك كسائر المياه والسيول المعتادة التى ربما يتقى منها بالصعود الى الربى وجهلا بان ذلك انما كان لاهلاك الكفرة ان لا محيص من ذلك سوى الالتجاء الى ملجأ المؤمنين { قال } نوح { لا عاصم } ذاتا وصفة { اليوم } زاد اليوم تنبيها على انه ليس كسائر الايام التى تقع فيها الوقائع التى ربما يخلص من ذلك بالالتجاء الى بعض الاسباب { من امر الله } اى عذابه الذى هو الطوفان
وفيه تنبيه لابنه على خطاه فى تسميته ماء وتوهمه انه كسائر المياه التى يتفصى منها بالهرب الى بعض الامكنة المرتفعة وتمهيد لحصر العصمة فى جنابه عز جاره بالاستثناء كأنه قيل لا عاصم من امر الله الا هو وانما قيل { الا من رحم } اى الا الراحم وهو الله تعالى تفخيما لشأنه الجليل بالابهام ثم التفسير وبالاجمال ثم التفصيل واشعارا بعلية رحمته فى ذلك بموجب سبقها على غضبه فهو استثناء متصل وعاصم على معناه
وقيل بمعنى المعصوم كقوله تعالى { من ماء دافق } او مدفوق وعيشة راضية بمعنى مرضية اى لا معصوم من عذاب الله الا من رحم الله
وقيل لا عاصم بمعنى لاذا عصمة على حذف المضاف على ان يكون بناء النسبة وذو عصمة يطلق على عاصم وعلى معصوم والمراد هنا المعصوم فهو مصدر من عصم المبنى للمفعول ويكون من رحم بمعنى المرحومين والاستثناء متصلا كالاولين لان المرحوم من جنس المعصوم { وحال } [ وحائل شد ] { بينهما الموج } اى بين نوح وبين ابنه فانقطع ما بينهما من المجاوبة { فكان من المغرقين } من المهلكين بالماء
وفيه دلالة على هلاك سائر الكفرة على ابلغ وجه فكان ذلك امرا مقرر الوقوع غير مفتقر الى البيان وفي ايراد كان دون صار مبالغة فى كونه منهم : وفى المثنوى
همجو كنعان كآشنا ميكرد او ... كه نخواهم كشتئ نوح عدو
هين بيا در كشتى بابا نشين ... تانكردى غرق طوفان اى مهين
كفت نى من آشنا آموختم ... من بجز شمع تو شمع افروختم
هيم مكن كين موج طوفان بلاست ... دست وباى آشنا امروز لاست
باد قهرست وبلاى شمع كش ... جزكه شمع حق نمى بايد خمش
كفت مى رفتم بران كوه بلند ... عاصمست آن مرا ازهر كزند
هين مكن كه كوه كاهست اين زمان ... جز حبيب خويش راندهدامان
كفت من كى بند تو بشنوده ام ... كه طمع كردى كه من زين دوده ام
خوش نيامد كفت توهر كزمرا ... من برى ام ازتو درهر دوسرا
اين دم سردتو در كوشم نرفت ... خاصه اكنون كه شدم دانا وزفت
كفت باباجه زيان دارد اكر ... بشنوى يكبار توبند بدر
همجنين مى كفت اوبند لطيف ... همجنان ميكفت او دفع عنيف
تى بدر از نصح كنعان سير شد ... نى دمى دركوش ان ادبير شد
اندرين كفتن بدند وموج تيز ... بر سر كنعان زد وشد ريزريز

(5/424)


وقيل انه بنى قبة فى اعلى الجبل وسدها عليه حتى لا يدخل فيها ماء فجاءه البول فبال داخل القبة فما برح البول يتزايد حت غرق فيه والكفار غرقوا بالماء -روى- عن ابن عباس انه قال امطرت السماء اربعين يوما وليلة وخرج ماء الارض كذلك وذلك قوله تعالى { ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على امر قد قدر } فارتفع الماء على اطول جبل فى الارض بخمسة عشر ذراعا او بثلاثين او باربعين وطافت بهم السفينة الارض كلها فى خمسة اشهر لا تستقر على شيء حتى انت الحرم فلم تدخله ودارت حول الحرم اسبوعا وقد اعتق الله البيت من الغرق كما فى بحر العلوم
وقال فى تفسير ابى الليث ورفع البيت الذى بناه آدم عليه السلام الى السماء السادسة وهو البيت المعمور واستودع الحجر الاسود ابا قبيس الى زمن ابراهيم عليه السلام وسمى ابا قبيس باسم رجل من جرهم اسمه قبيس هلك فيه كما فى انسان العيون
قال الحكيم خرج قوس قزح بعد الطوفان امانا لاهل الارض من ان يغرقوا جميعا وسمى به لانه اول ما رؤى فى الجاهلية على قزح جبل بالمزدلفة او لان قزح هو الشيطان ومن ثمة قال على رضى الله عنه لا تقل قوس قزح هو الشيطان ولكنها قوس الله هى علامة كانت بين نوح وبين ربه تعالى وهى امان لاهل الارض من الغرق كما فى الصواعق لابن حجر
قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره تأثير طوفان نوح يظهر فى كل ثلاثين سنة مرة واحدة لكن على الخفة فيقع مطر كثير ويغرق بعض القرى والبيوت من السيل وفى الحديث « سالت ربى ثلاثا » اى ثلاث مسائل « فاعطانى اثنتين ومنعنى واحدة سألت ربى ان لا يهلك امتى بالسنة » اى القحط اراد به قحطا يعم امته « فاعطانيها وسالته ان لا يجعل بأسهم بينهم » اراد بها الحرب والفتن « فمنعنيها »
وفى التأويلات النجمية { وهى تجرى } يعنى سفينة الشريعة { بهم } بمن ركبها بالامر { فى موج } اى موج الفتن { كالجبال } من عظمتها { ونادى نوح } الروح { ابنه } كنعان النفس المتولدة بينه وبين القلب { وكان فى معزل } من معرفة الله وطلبه { يا بنى اركب معنا } سفينة الشريعة { ولا تكن مع الكافرين } من الشياطين المتمردة والا بالسنة الملعونة المطرودة { قال } يعنى كنعان النفس { سآوى الى جبل } اى جبل العقل { يعصمنى من الماء } من ماء الفتن { قال لا عاصم اليوم من امر الله } يعنى اذا نبع ماء الشهوات من ارض البشرية ونزول ماء ملاذ الدنيا وفتنها من سماء القضاء لا يتخلص منه بسفينة الشريعة فلا عاصم منه غيرها وذلك قوله { الا من رحم } اى يرحمه الله بالتوفيق للاعتصام بسفينة الشريعة { وحال بينهما الموج } اى بين كنعان النفس المعتصم بجبل العقل وبين العقل موج لشهوات النفسانية الحيوانية وفتن زخارف الدنيا { فكان من المغرقين } يعنى كل نفس لا تعتصم بسفينة الشريعة وتريد ان تعتصم بجبل العقل لتتخلص به من طوفان الفتن المهلكة كما هو حال الفلاسفة لا يتهيأ له متمناه وهو من الهالكين : وفى المثنوى

(5/425)


بس بكوشى وباخر از كلال ... خود بخود كوئى كه العقل عقال همجو آن مرد مفلسف روزمرك
عقل را مى ديدى بس بى بال وبرك ... بى غرض ميكرد آن دم اعتراف
كز زكاوت را ندايم اسب از كزاف ... از غرورى سر كشيديم از رجال
آشنا كريدم در بحر خيال ... آشنا هيجشت اندر بحر روح
نيست آنجا جاره جز كشتئ نوح ... همجو كنعان سوى هركوهى مرو
از نبى لا عاصم اليوم شنو ... مى نمايد بست آن كشتى زبند
مى نمايد كوه فكرت بس بلند ... در بلندى كوه فكرت كم نكر
كه يكى موجش كند زير وزبر ... كرتو كنعانى ندارى باورم
كردو صد جندين نصيحت آورم ... كوش كنعان كى بذيرد اين كلام
كه براو مهر خدايست وختام ... آخر اين اقرار خواهى كرد هين
هم زاول روز آخررا ببين ... هركه آخر بين بود مسعود بود
نبودش هر دم بره رفتن عثور ... كر نخوائى هردمى اين خفت وخيز
كن زخاك باى مردى جشم تيز ... وقال الحافظ
يار مردان خداباش كه در كشتئ نوح ... هست خاكى له بابى نخرد طوفانرا
ومن اللطائف المناسبة لهذا المحل ما قال خسرو دهلوى
زردياى شهادت جون نهنك لابرآردسر ... نيم فرض كردد رادر وقت طوفانش
قوله [ زدرياى شهادت ] هو قول المؤمنين اشهد [ جون نهنك لابر آرد سر ] هو ارتفاع لا والمراد من التميم الضربتان ضربة والا وضربة الله . والمراد من نوح اللسان ومن الفم السفينة وطوفائه تلفظه بان لا اله الا الله واذا قال اشهد ان لا اله الا الله رفع لا رأسه من بحر الشهادة ووقع الطوفان على اللسان فوجب عليه هاتان الضربتان فاذا ضربهما نجا وان لم يضربهما ووقف ساعة غرق فى بحر الطوفان والوقف كفر كذا شرحه حضرة الشيخ بالى الصوفيوى شارح الفصوص قدس سره

(5/426)


وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)

{ وقيل } بنى على المفعول كأخواته لتعين الفاعل وهو الله تعالى اذ لا يقدر احد غيره على مثل هذا القول البدايع والفعل العجيب اى قال الله تعالى بعد مدة الطوفان تنزيلا للارض والسماء منزلة من له صلاحية النداء { يا ارض } قدم امر الارض على امر السماء لابتداء الطوفان منها { ابلعى } اى انشفى فان البلع حقيقة ادخال الطعام فى الحلق بعمل الجاذبة فهو استعارة لغور الماء فى الارض ووجه الشبه الذهاب الى مقرّ خفى يقال نشف الثوب العرق بكسر الشين اى شربه . وفيه دلالة على انه ليس كالنشف المعتاد التدريجى { ماءك } اى ما على وجهك من ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون والانهار وانما لم يقل ابلعى بدون المفعول لئلا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء باسرهن نظرا الى مقام ورود الامر الذى هو مقام عظمة وكبرياء كذا فى المفتاح
يقول الفقير تفسير الارشاد يدل على ان الماء المضاف الى الارض مجموع الماء الذى خرج من بطنها ونزول من السماء والظاهر الذى لا محيص عنه انه ماء الارض بخصوصه فانها لما نشفته صار ما نزل من السماء هذه البحور على ما فى تفسير التيسير ثم رأيت فى بعض الكتب المعتبرة ما يوافق هذا وان الله تعالى لما انزل الطوفان على قوم نوح عليه السلام انزل عليهم المطر من السماء اربعين يوما بمياه كثيرة وامر عيون الارض فانفجرت فكان الماء آن سواء فى اللين غير ان ماء السماء كان مثل الثلج بياضا وبردا وماء الارض مثل الحميم حرارة حتى ارتفع الماء على اعلى جبل فى الدنيا ثمانين ذراعا ثم امر الارض فابتلعت ماءها وبقى ماء السماء لم تبتلعه الارض فهذه البحور التى على وجه الارض منها واما البحر المحيط فغير ذلك بل هو جزر عن الارض حيث خلق الله الارض من زبده انتهى { ويا سماء اقلعى } اى امسكى عن ارسال المطر يقال اقلع الرجل عن عمله اذا كف واقلعت السماء اذا انقطع مطرها فاقلاع يشترك بين الحيوانات والجمادات
قال العلماء قيل مجاز مرسل من الارادة كأنه قيل اريد ان يرتد ما انفجر من الارض الى بطنها وان ينقطع طوفان السماء وذلك بعد اربعين يما وليلة -روى- انه لا ينزل من السماء قطرة من ماء الا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان يوم الطوفان فانزل بغير كيل ووزن . واصل الكلام قيل يا ارض ابلعى ماءك فبلغت ماءها ويا سماء اقلعى عن ارسال الماء فاقلعت عن ارساله وغيض الماء النازل من السماء فغاض وترك ذكره لظهور انفهامه من الكلام { وغيض الماء } اى نقص ما بين السماء والارض من الماء فظهرت الجبال والارض
والغيض النقصان يقال غاض الماء قل ونضب وغاضه الله نقصه يتعدى ويلزم وهو فى الآية من المتعدى لان الفعل لا يبنى للمفعول بغير واسطة حرف الجر الا اذا كان متعديا بنفسه { وقضى الامر } اى انجز الموعود من اهلاك الكافرين وانجاء المؤمنين فالقضاء ههنا بمعنى الفراغ كأنه قيل ثم امرهم وفرغ من اهلاكهم واغراقهم
قال فىلمفتاح قيل الامر دون ان يقال امر نوح لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك
قال السيد امالان اللام بدل من المضاف اليه كما هو مذهب الكوفية واما لانها تغنى غناء الاضافة فى الاشارة الى المعهود { واستوت } واستقرت الفلك واختير استوت على سويت اى اقرت مع كونه انسب باخواته المبنية للمفعول اعتبارا لكون الفعل المقابل للاستقرار اعنى الجريان منسوبا الى السفينة على صيغة المبنى للفاعل فى قوله وهى تجرى بهم مع ان استوت اخصر من سويت { على الجودى } هو جبل بالجزيرة يقرب الموصل او بالشام اوبآمد -وروى- فى الخبر ان الله تعالى اوحى الى الجبل انى انزل السفينة على جبل فتشامخت الجبال وتواضع الجودى لله تعالى فارست عليه السفينة : قال السعدى قدس سره

(5/427)


طريقت جزاين نيست درويش را ... كه افكنده داردتن خويش را
بلنديت بايد تواضع كزين ... كه آن نام را نيست راهى جزاين
والتواضع آخر مقام ينتهى اليه رجال الله تعالى وحقيقته اعلم بعبودية النفس ولا يصح مع العبودية رياسة اصلا لانها ضد لها ولهذا قال المشايخ قدس الله اسرارهم وآخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة ولا تظن ان هذا التواضع الظاهر على اكثر الناس وعلى بعض الصالحين تواضع وانما هو تملق لسبب غاب عنك وكل يتملق على قدر مطلوبه والمطلوب منه فالتواضع سر من اسرار الله تعالى لا يهبه على الكمال الا لنبى او صديق كما فى المواقع
وعن على رضى الله اشد الخلق الجبال الرواسى والحديد اد منها اذ نيحت به الجبل والنار تغلب الحديد والماء يطفى النار والسحاب يحمل الماء والريح تحمل السحاب والانسان يغلب الريح بالبنيان والنوم يغلب الانسان والموت يغلب الكل
وذكر اهل الحكمة ان مجموع ما عرف فى الاقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وسبهون جيلا
وفى زهرة الرياض ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جيلا سوى التلول منها ما طوله عشرون فرسخا ومنها فرسخ الى فرسخ
وفى اسؤلة الحكم جعل الله الجبال كراسى انبيائه كاحد لنبينا والطور لموسى وسرنديب لآدم والجودى لنوح عليهم السلام وكفى بذلك شرفا وانها بمنزلة الرجال فى الاكوان يقال للرجل الكامل جبل
واختلفوا فى ان اى الجبال افضل فقيل ابو قبيس لانه اول جبل وضع على الارض وقيل عرفة وقيل جبل موسى وقيل قاف

(5/428)


وقال السيوطى افضل الجبال جبل واحد وهو جبل من جبال المدينة وسمى بذلك لتوحده وانفراده عن غيره من الجبال التى هى هناك وهذا الجبل يقصد لزيارة سيدنا حمزة رضى الله عنه ومن فيه من الشهداء رضى الله عنهم وهوعلى نحو ميلين او على نحو ثلاثة من المدينة واستدل على افضليته بانه مذكور فى القرآن باسمه فى قراءته من قرأ { اذ تصعدون ولا تلوون على احد } اى بضم الهمزة والحاء بقوله عليه السلام « احد ركن من اركان الجنة » اى جانب عظيم من جوانبها وقوله « الآخر ان احدا هذا جبل يحبنا ونحبه فاذا مررتم فه فكلوا من شجره ولو من عضاهه » وهى كل شجرة عظيمة لها شوك والقصد الحث على عدم اهمال الاكل من شجرة تبركابه ولا مانع ان تكون المحبة من الجبل على حقيقتها وضع الحب فيه كما وضع فى التسبيح فى الجبال مع داود عليه السلام وكما وضعت الخشية فى الحجارة قال الله تعالى { وان منها لما يهبط من خشية الله } كما فى انسان العيون
يقول الفقير للجمادات حياة حقانية عند اهل الله تعالى كما قال فى المثنوى
بادرا بى جشم اكر بينش نداد ... فرق جون ميكررد اندر قوم عاد
كر نبودى نيل را آن نورديد ... ازجه قبطى را زسبطى ميكزيد
كرنه كوه سنك باديدار شد ... بس جرا داور دراو يار شد
اين زمين كرنبودى جشم جان ... ازجه قارونرا فرخوردى جنان
ومن هذا عرفت النداء فى قوله تعالى يا ارض ويا سماء حقيقة عند العلماء بالله وكذا مقاله تعالى المنفعهم من قوله وقيل
وقال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر وكما نقول تجلى الله تعالى فى صورة كما يليق بجلاله كذلك نقول تكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله وكلام الله تعالى عين المتكلم ف مرتبة ومعنى قائم به فى الاخرى كالكلام النفسى ومركب من الحروف ومتعين بها فى عاملى المثالى والحس . بحسبهما كما فى الدرة الفاخرة للمولى الجامى رحمه الله
ثم ان نوحا هبط من السفينة الى الجودى يوم عاشوراء
وعن قتادة استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب وكانت فى الماء خمسين ومائة يوم واستقرت بهم على الجودى شهرا وذلك ستة اشهر وهبطت بهم يوم عاشوراء وسيأتى ما يتعلق بذلك { وقيل بعدا للقوم الظالمين } قولا بعدا مصدر مؤكد لفعله المقدر اى بعدوا بعدا اى هلكوا من قولهم بعدا وبعدا اذا ارادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت . والمعنى الدعاء عليهم بذلك وهو تعليم من الله تعالى لعباده ان يدعوا على الظالمين به اى ليبعد القوم بعدا وليهلكوا وهو بالفارسية [ دورى وهلاكى باد مرقوم ستمكارانرا ] واللام فى للقوم لبيان من دعى عليهم كاللام فى هيت لك وسقيا لك متعلق بالفعل المحذوف او بقوله قيل اى لاجلهم هذا القول والتعرض لوصف الظلم للاشعار بعليته للهلاك وفيه تعريض بان سالكى مسالكهم فى الظلم والتكذيب يستحقون مثل هذا الاهلاك والدعاء عليهم
قال فى المفتاح وختم الكلام وختم اظهار لمكان السخط وجهة استحقاقهم اياه لان لدعاء بالهلاك بعد هلاكهم .

(5/429)


قيل ما نجا من الكفار غير عوج بن عنق كان فى الماء الى حجزته وهو مقعد الازار وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراع وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وقد سبق فى سورة المائدة وكان سبب نجاتع ان نوحا عليه السلام احتاج الى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقلها فحملها عوج اليه من الشام فنجاه الله من الغرق بذلك
وقد ثبت ايضا ان واحدا من آل فرعون كان يلبس قلنسوة مثل قلنسوة موسى عليه السلام وبسخر منه وقد نجاه الله تعالى من الغرق فى بحر القلزم بمجرد تشبهه الصورى ولو تاب من جنايته لنجا من عذاب الدارين
وعن ابى العالية قال لما رست سفينة نوح عليه السلام اذا هو بابليس على كوثل السفينة اى مؤخرتها فقال له نوح ويلك قد غرق اهل الارض من اجلك قد اهلكتهم قال له ابليس فما اصنع قال تتوب قال فسل ربك هل لى من توبة فدعا نوح ربه فاوحى الله تعالى اليه ان توبته ان يسجد لقبر آدم عليه السلام فقال له نوح قد جعلت لك قال وما هى قال تسجد لقبر آدم تركته حا واسجد له ميتا
وفيه اشارة الى ان السجدة لآدم وهو مقبور كالسجدة له وهو غير مقبور اذ الانبياء عليهم السلام احياء هند ربهم وكذا كمل الاولياء قدس الله اسرارهم كما قال الصائب
مشومبرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست
والشيطان الرجيم غفل عن هذا فنكا عن قبول الحق الصريح ومثله من ينكر الاولياء او زيارة قبورهم والاستمداد منهم نسأل الله العصمة ونعوذ به من الخذلان
اعلم ان القرآن بجميع سوره وىياته معجز فى غاية طبقات الفصاحة والبلاغة لكن بين بعض اجزائه تفاوت بحسب الاشتمال على الخواص والمزايا فان بعض المقام لا يتحمل ما تحمله مقام كلام فوقه من اللطائف والخفايا فمن المرتفع شأنه فى الحسن والقبول هذه الاية الكريمة وهى قوله تعلاى { وقيل يا ارض ابلعى } الى آخره ولذا لما سمعها من تبوأ اسرّة الفصاحة القحطانية وركب تن البلاغة فى بدوّ الخطب العدنانية من العرب العرباء ومصاقع الخطباء سجدوا لفصاحتها وتططأوا دون سرادقات احاطتها ونسوا قصائدهم المعلقة ورجعوا عن منشآتهم المقررة المحققة ولقد احسن من نبه على التفاوت المذكور وقال على ما هو المشهود
دربيان ودر فصاحت كى بودى يكسان سخن كرجه كوينده بودجون جاحظ وجون اصمعى
از كلام ايزد بيجون كه وحى منزلست كى بود تبت يدا جون قيل يا ارض ابلعى
ألا ترى ان الله سبحانه وتعالى جعل الانبياء عليهم السلام متساوية الاقدام فة درجة النبوة وجعل استعدادات اممهم مختلفة فاختلافهم انما هو لمعنى فى نفسهم لا لمعنى فى الذى ارسل اليهم فلما كانت الآيات البينات المندرجة فى مصحف القرآن كذلك اذ هو جامع لحقائق جميع النسخ الوجوبية والامكانية موافق لما فصله الكتب العلمية والاعيانية والله درشأن التنزيل فى الاشارة الى المراتب والله الغالب
قال فى التأويلات النجمية { وقيل يا ارض ابلعى ماءك } اى يا ارض البشرية ماء شهواتك ويا سماء القضاء اقلعى عن انزال مطر الآفات { وغيض الماء } ماء الفتن اى نقصت ظلمتها بنور الشرع وسكنت سورتها { وقضى الامر } اى انقضى ما كان مقدرا من كوفان الفتن للابتلاء { واستوت } اى سفينة الشريعة { على الجودى } وهو مقام التمكين يعنى ايام الطوفان كانت من مقامات التلوين فى معرض الآفات والهلاك فلما مضت تلك الايام آل الامر الى مقام التمكين وفيه النجاة والثبات ونيل الدرجات { وقيل بعدا } اى غرقة وهلاكا { للقوم الظالمين } الذين ظلموا انفسهم بالتقاعد عن ركوب سفينة الشريعة انتهى

(5/430)


وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

{ ونادى نوح ربه } [ وبخواند بروردكارمن ] { ان ابنى } كنعان وسمى الابن ابنا لكونه بناء ابيه اى مبنى ابيه { من اهلى } وقد وعدتنى نجاءهم فى ضمن الامر بحملهم فى الفلك ومن تبعيضية لانه كان ابنه من صلبه على ما هو الارجح او كان ربيبا له فهو بعض اهله والاهل يفسر بالازواج والاولاد وبالعبيد والاماء وبالاقارب وبالاصحاب وبالمجموع كما فى شرح المشارق لابن ملك
قال ابن الكمال الكمال الاهل خاصة الشيء وما ينسب اليه ومنه قوله تعالى { ان ابنى من اهلى } { وان وعدك } ذلك والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها { الحق } الثابت الذى لا يتطرق اليه اللف ولا يشك فى انجازه والوفاء به والظاهر ان هذا النداء كان قبل غرق ابنه فان الواو لا تدل على الترتيب والمقصود منه طلب نجاته لا طلب الحكمة فى عدم نجاته حين حال الموج بينهما ولم يعلم بهلاكه اما بتقريبه الى الفلك بتلاطم الامواج او بتقريبها اليه ومجرد حيلولة الموج بينهما لا يستوجب هلاكه فضلا عن العلم به لظهور امكان عصمة الله اياه برحمته والله تعالى على كل شيء قدير زيؤيده ما فى بحر الكلام ان ذكر المسألة اى فى قوله تعالى { فلا تسألن } كما يستاتى دليل على ان النداء كان قبل ان يغرق حتى يخاف عليه { وانت احكم الحاكمين } الا اعلم الحكام واعدلهم اذ لا فضل الحاكم على غيره الا بالعلم والعدل ورب جاهل ظالم من متقلدى الحكومة فى زمانك لقد لقب اقضى القضاة ومعناه احكم الحاكمين فاعتبر واستعبر قال جار الله
قضاة زماننا صاروا لصوصا ... عموما فى القضايا لا خصوصا
خشينا منهمو لو صافحونا ... للصوا من خواتمنا فصوصا
وفى الحديث « القضاة ثلاثة واحد فى الجنة واثنان فى النار فاما الذى فى الجنة فرجل عرف الحق فقضى به واما الآخران فرجل عرف الحق فجار فى الحكم فهو فى النار ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار » اى لا يعرف الحق فيخلط الحلال بالحرام : قال الشيخ السعدى
مها زورمندى مكن بركهان ... كه بريك نمط نماند جهان
لب خشك مظلوم را كوبخند ... كه دندان ظالم بخواند كند

(5/431)


قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)

{ قال } الله تعالى { يا نوح انه } اى ابنك { ليس من اهلك } الذين غمهم الوعد بالانجاء لخروجه منهم بالاستثناء فان مدار الاهليى هو القرابة الدينية ولا علاقة بين المؤمن والكافر
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة انه ابنه غير انه خالفه فى العمل
قال بعض الحكماء الابن اذا لم يفعل ما فعل الاب انقطع عنه والامة اذا لم يفعلوا ما فعل نبيهم اخاف ان ينقطعوا عنه فظهر ان لا فائدة فى نسب من غير علم وعمل وفى فخر بمجرد الآباء : قال السعدى قدس سره
جو كنعانرا طبيعت بى هنر بود ... بميبر زاده كى قدرش نيفزود
هنر بنماى اكر دارى نه كوهر ... كل از خارست وابراهيم از آزر
وفى الحديث « يا بنى هاشم لا يأتينى الناس باعمالهم وتأتونى بانسابكم » والغرض تقبيح الافتخار لديه عليه السلام بالانساب حيث يأتى الناس بالاعمال
وما ينفع الاصل من هاشم ... اذا كانت النفس من باهله
وهي تقبيلة معروفة بالدناءة لانهم كانوا يأكلون نقى العظام الميتة { انه عمل غير صالح } اصله انهما متلازمان للايذان بان النجاة انما كانت بسبب الصلاح
يقول الفقير لاح لى حين المطالعة معنى آخر وهو ان العمل بمعنى الكشب والفعل ولا يبعد ان يكون المعنى انه كسب غير صالح من غير احتياج الى تقدير مضاف وقد ورد فى الحديث تسمية الولد كسبا فى قوله « ان اطيب ما يأكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه » وفى قوله « انت ومالك لابيك »
قيل لحكيم وهو يواقع زوجته ما تعمل قال ان تم فانسانا { فلا تسألن } سمى نداؤه سؤالا لما فيه من السؤال والطلب اى اذا وقفت على جلية الحال فلا تطلب منى { ما ليس لك به علم } اى مطلبا لا تعلم يقينا ان حصوله صواب وموافق للحكمة { انى اعظك } [ بندميدهم ترا ] { ان تكون } اى كراهة ان تكون { من الجاهلين } عبر عن ترك الاولى بالجهل لان استثناء من سبق عليه القول قد دله على الحال واغناء عن السؤال اشغله حب الولد عنه حتى اشتبه الامر عليه فعوتب على ان اشتبه عليه ما يجب ان لا يشتبه

(5/432)


قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)

{ قال } عند ذلك قبلت يا ربى هذا التكليف فلا اعود اليه الا انى لا اقدر على الاحتراز منه الا باعانتك وهدايتك فلهذا بدأ اولا بقوله { رب انى اعوذ بك ان اسألك } اى من اطلب منك من بعده { ما ليس لى به علم } اى مطلوبا لا اعلم ان حصوله مقتضى الحكمة يعنى احفظنى بعد اليوم من المعاودة الى مثل السؤال وكانعلى قدم الاستغفار لى ان توفى وهذه عادة الصالحين انهم اذا وعظوا اتعظوا واذا نبهوا للخطأ استغفروا وتعوذوا وحكى تعالى ما كان من الانبياء عليهم السلام ليقتدى بهم فى الاستغفار وان لا يقطع الرجاء من رحمة الله تعالى وقد قبل الله تعالى توبة نوح عليه السلام كما يدل عليه قوله تعالى { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات } ثم حقيقة التوبة تقتضى امرين احدهما العزم على ترك الفعل فى المستقبل واليه الاشارة بقوله { انى اعوذ بك الخ } والآخر الندم والاستغفار لما مضى واليه الاشارة بقوله { والا } مركب من ان ولا ثم ادغم احدهما فى الآخر { تغفر لى } اى وان لم تغفر لى ما صدر منى من السؤال المذكور { وترحمنى } بقبول توبتى { اكن من الخاسرين } اعمالا بسبب ذلك فان الذهول عن شكر الله لا سيما عند وصول مثل هذه النعمة الجليلة لتى هى النجاة وهلاك الاعداء والاشتغال بما لا يعنى خصوصا بمبادى خلاص من قيل فى شأنه انه غير صالح والتضرع الى الله تعالى فى امره معاملة غير رابحة وخسران مبين
واعلن ان التوبة والاستغفار والالتجاء الى الملك الغفار ورد لا ينقطع الى الموت وفعل يستمر الى زمان الفوت لان المؤمن لا يزل متقلبا بين التنزلات والترقيات والسالك لا يبرح مبتلى بالاستتار والتجليات والكامل لا ينفك يتدرج الى غايات مراتب السير فى عوالم الصفات والذات . وهذا نوح قد سأل ما سأل ثم تاب . وهذا موسى قد طلب ما طلب ثم اناب والكل جار بقضاء الله وقدره فانه اذا جاء يتعطل العبد عن قواه وقدره : وفى المثنوى
اين هم از تأثير حكمست وقدر ... جاء مى بينى ونتوا بى حذر
نيست خودازمرغ يران اين عجب ... كو نبيند دام وافتد در عطب
اين عجب كه دام بيند هم وتد ... كر بخواهد ورنخواهد مى فتد
جشم باز وش باز ودام بيش ... سوى دامى مى برد بابر خويش
ألا ترى الى نوح عليه السلام فانه لما ابتدر الى سؤال ابنه نبه على تركه مرات
والاشارة { ونادى نوح } اى نوح الروح { ربه فقال رب ان ابنى من اهلى } اى النفس المتولدة من ازدواج الروح والقالب من اهلى { وان وعدك الحق } ذلك ان الله تعالى لما اراد حكمته ان ينزل الارواح المقدسة العلوية من اعلى عليين جواره وقربه الى اسفل سافلين القالب قال ارواح الانبياء والاولياء وخواص المؤمنين يا ربنا والهنا تنزلنا ان اعلى مقامات قربك الى اسفل دركات بعدك ومن عالم البقاء الى عالم الفناء ومن جار السرور واللقاء الى دار الحزن والبلاء ومن منزل التجرد والتواصل الى منزل التوالد والتناسل ومن رتبة الاصطفاء والاجتباء الى رتبة الاجتهاد والابتلاء فوعدهم الله من عواطف احسانه بان ينجيهم واهليهم من ورطات الهلاك فكما ان من قضية حكمته ان يكون لنوح اربعة بنين ثلاثة منهم مؤمنون واحد كافر فكذلك حكمته اقتضت ان يكون للروح اربعة بنين ثلاثة منهم مؤمنون وهم القلب والسر والعقل وواحد كافر وهو النفس فكما كان ثلاثة من بنى نوح معه فى السفينة وكان واحد فى معزل منه فكذلك ثلاثة من بنى الروح معه كانوا فى سفينة الشريعة وكان واحد وهو كافر النفس فى معزل منه ومن الدين والشريعة فلما اشرف ولده الكافر على العرق فى بحر الدنيا وطوفان الفتن قال رب ان ابنى من اهلى وان وعدك الحق

(5/433)


{ وانت اكم الحاكمين } يعنى فان انجيته او اغرقته اتت اعدل العادلين فيما تفعله لانك حكيم واحكم الحكماء لا تخلو افعالك من عدل وحكمة انت اعلم بها { قال } اى الرب تعالى للروح { يا نوح انه ليس من اهلك } اى من اهل دينك وملتك والاهلية على نوعين اهلية القرابة والدين وما نفى اهلية القرابة لتولدها من الروح ثم اظهر علة نفى الاهلية الدينية فقال ( انه عمل غير صالح ) اى خلق للامارية بالسوء وهذه سيرتها ابدا ثم دب الروح آداب اهل القربة فقال { فلا تسألن ما ليس لك به علم } اى علم حقيقى بان يجوز اهل القربة على ابساط القرب هذا الانبسا ام لا { لانى اعظك } يا روح القدس { ان تكون } على البساط بهذا الانبساط { من الجاهلين } اى من النفوس الجاهلة الظالمة . وفيه اشارة الى ان الروح العالم العلوى يصير بمتابعة النفس وهواها جاهل سفلىّ الطبع دنئ الهمة { قال } اى الروح { رب انى اعوذ بك ان اسألك ما ليس لى به علم } من التماس نجاة النفس الممتحنة بآفات الدنيا وشهواتها من طوفان الفتن { والا تغفر لى } تؤدينى بانورا المغفرة { وترحمنى } على عجزى عن الاهتداء بغير هداك { اكن من الخاسرين } يشير الى الرحمة هى المانعة للروح من الخسران كذا فى التأويلات النجمية

(5/434)


قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

{ قيل } القائل هو الله تعالى { يا نوح اهبط } هبط لازم ومتعد الا ان مصدر اللازم الهبوط ومصدر المتعدى الهبط كالرجوع والرجع والمراد هنا الاول والهبوط بالفارسية [ فرود آمدن ] اى انزل من الفلك الى جبل الجودى الذى استقرت السفينة عليه شهرا او من الجودى الى الارض المستوية { بسلام } ملتبسا بسلامة من المكاره كائنة { منا } فسلام بمعنى السلامة حال من فاعل اهبط ومناصفة له دالة على تعظيمه وكماله لان ما كان من الله العظيم عظيم او بسلام وتحية منا عليك كما قال { سلام على نوح فى العالمين } فالسلام بمعنى التسليم والاول اوجه لان المقام مقام النجاة من الغرق { وبركات عليك } اى خيرات نامية فى نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من انواع الارزاق { وعلى امم } ناشئة { ممن معك } متشعبة منهم فمن ابتدائية . والمراد الامم المؤمنة المتناسلة ممن معه من اولاده الى يوم القيامة فهو من اطلاق لعام وارادة الخاص هذا على رواية من قال كان معه فى السفينة اولاده وغيرهم مع الاختلاف فى العدد فمات غير الاولاد اى بعد الهبوط ولم ينسل وهو الارجح . واما على وراية من قال ما كان معه فى السفينة اولاده وغيرهم مع الاختلاف فى العدد فمات غير الاولاد اى بعد الهبوط ولم ينسل وهو الارجح . واما على رواية من قال ما كان معه فى السفينة الا اولاده ونساؤهم على ان يكون المجموع ثمانية فلا يحتاج الى التأويل وايا ما كان فنوح ابو الخلق كلهم ولذا سمى آدم الثانى وآدم الاصغر لانه لم يحصل النسل الا من ذريته وقد اخرج الله الكثير من القليل بقدرته كما اخرج من صلب زين العابدين الكثير الطيب وذلك انه قتل مع سلطان الشهداء الحسين رضى الله عنه عامة اهل بيه ولم ينج الا ابنه زين العابدين على انه رضى الله عنه اصغرهم فانمى الله تعالى ذريته السادة
قال فى نفائس المجالس لما ارتفع الطوفان قسم نوح الارض بين اولاده الثلاثة فاما سام فاعطاه بلاد الحجاز واليمن والشام فهو ابو العرب واما حام فاعطاه بلاد السودان فهو ابو السودان واما يافث فاعطاه بلاد المشرق فهو ابو الترك
قل فى اسولة الحكم اما ممالك الاقاليم السبعة التى ضبط عددها فى زمن المأمون فثلاثمائة وثلاث واربعون مملكة منها ثلاثة ايام وهى اضيقها وثلاثة اشهر وهى اوسعها ووجدت مملكة فى خط الاستواء لها ربيعان وصيفان وخريفان وشتا آن فى سنة واحدة وفى بعضها ستة اشهر ليل وستة اشهر نهار وبعضها حر وبعضها برد واما جميع مدائن الاقاليم فهو اربعة آلاف مدينة وخمسمائة وست وخمسون وقيل غير ذلك وما العمران فى الخراب الا كخردلة فى كف احدكم وفى الخبر

(5/435)


« ان لله دابة فى مرج من مروجه رزقها كل يوم بقدر رزق العالم باسره » فانظر الى سعة رحمة الله وبركاته و تغتم لاجل الرزق : وفى المثنوى
جمله را رزاق روزى ميدهد ... قسمت هركس كه بيشش مينهد
سالها خوردى وكم نامد زخور ... ترك مستقبل كن وماضى نكر
{ وامم } مبتدأ { سنمتعهم } صفة والخبر محذوف وهم منهم اى ليس جميع من تشعب منهم مسلما ومباركا عليهم بل منهم امم سنمتعهم فى الدنيا معناه بالفارسية [ زود باشدكه برخوردارى دهيم ايشانرا دردنيا بفراخئ عيش وسعت رزق ] { ثم يمسنا منا } [ بس برسد ايشانرا ازما ] { عذاب اليم } [ عذابى دردناك ] اما فى الآخرة وفى الدنيا ايضا وهم الكفار واهل الضقاوة يشير سبحانه وتعالى لى ان اكون كل الناس سعداء او اشقياء مخالف لحكمته فانه اودع فيهم جماله وجلاله على مقتضى تدبيره فلا بد من ظهور آثار كل منهما كما قال الحافظ
دركار خانه عشق ازكفرنا كزيرست ... آتش كرابسوزد بولهب نباشد
-حكى- فى التفاسير انه لما رست السفينة على الجودى كشف نوح الطبق الذى فيه الطير فبعث الغراب لينظر هل غرقتالبلاد كما فى حياة الحيوان او كم بقى من الماء فيأتيه بخبر الارض كما فى تفسير ابى الليث فابصر جيفة فوقع عليها واشتغل بها فلم يرجع ولذا قالوا فى المثل ابطأ ن غراب نوح ثم ارسل الحمامة فلم تجد موضعا فى الارض فجاءت بورق لزيتون فى منقارها فتعرف نوح ان الماء قد نقص وظهرت الاشجار ثم ارسها فوقعت على الارض فغابت رجلاها فى الطين قدر حمرتهما فجاءت الى نوح وارته فعرف ان الارض قد ظهرت فبارك على الحمامة وطوقها الخضرة التى فى عنقها ودعا لهما بالامان فمن ثم تألف البيوت ودعا الى الغراب بلخوف فلذلك لا يالف البيوت وتشاءم العرب بالغراب واستخرجوا من اسمه الغربة قالوا غراب البين لانه بان عن نوح
واعلم ان نوحا عليه السلام هبط بمن معه فى السفينة يوم عاشوراء فصام وامر من معه بصيامه شكرا لله تعالى وقد فرغت ازوادهم فجاء هذا بكف حنطة وهذا بكف عدس وهذا بكف حمص الى ان بلغت سبعة حبوب فطبخها نوح عليه السلام لهم فامطروا عليها وشبعوا جميعا ببركات نوح وكان اول طعام طبخ على وجه الارض بعد الطوفان هذا فاتخذه الناس سنة يوم عاشوراء وفيه اجر عظيم لمن يفعل ذلك ويطعم الفقراء والمساكين
وذكر ان الله عز وجل يخرق ليلة عاشوراء زمزم الى سائر المياه فاغتسل يومئذ أمن من المرض فى جميع السنة كما فى الروض الفائق ومن وسع فيه على عياله فى النفقة وسع الله له سائر سنته
قال ابن سيرين جربناه ووجدناه كذلك كما فى الاسرار المحمدية
قل فى عقد الدرر واللآلئ المستحب فى ذلك يوم فعل الخيرات من الصدقة الصوم والذكر وغيرها ولا ينبغى للمؤمن ان يتشبه بيزيد الملعون فى بعض الافعال وبالشيعة والروافض والخوارج ايضا يعنى لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد او يوم مأتم فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبه بيزيد الملعون وقومه وان كان للاكتحال فى ذلك اليوم اصل صحيح فان ترك السنة سنة اذا كانت شعارا لاهل البدعة كالتختم بليمن فانه فى الاصل سنة لكنه لما كان شعار اهل البدعة والظلمة صارت السنة ان يجعل الخاتم فى خنصر اليد اليسرى فى زماننا كما فى شرح القهستانى ومثله تقصير الثياب وتطويلها اللهم الا ان يفعل بعض الافعال كالاغتسال وزيارة الاخوان وتوسيع النفقة ونحوها من غير ان يطر بباله التشبيه وعدمه كما اذا خرج بطريق الاتفاق او بمصلحة داعية اليه من غير ان يخطر بقلبه الموافقة فانه لا بأس به

(5/436)


ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل لمحرم مقتل الحسين رضى الله عنه فقد تشبه بالروافض خصوصا اذا كان بالفاظ مخلة بالتعظيم لاجل تخزين السامعين
وفى كراهية القهستانى لو اراد ذكر مقتل الحسين ينبغى ان يذكر اولا مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض انتهى
قال حجة الاسلام الغزالى يحرم على الواعظ وغيره راوية مقتل الحسين وحكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فانه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم اعلام الدين وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة ولعل ذلك لخطأ فى الاجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى
وقال عز الدين بن عبد السلام فى فصل آفات اللسان الخوض فى الباطل هو الكلام فى المعاصى كحكاية احول الوقاع ومجالس الخمور وتجبر الظلمة وكحكاية مذاهب اهل الاهواء وكذا حكاية ما جرى بين الصحابة رضى الله عنهم انتهى
قال فى عقد الدرر ويح قاتل الحسين كيف حاله مع ابويه وجده وانشدوا
لا بد ان ترد القيامة فاطم وقميصها بدم الحسين ملطخ
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه والصور فى يوم القيامة ينفخ
وفى الحديث « قاتل الحسين فى تابوت من نار عيله نصف عذاب اهل الدنيا »
قال فى انسان العيون ارسل اهل الكوفة الى الحسين ان ياتيهم ليبايعوه فاراد الذهاب فنهاه ابن عباس وبين لهم غدرهم وقتلهم لابيه وخذلانهم لاخيه الحسن فأبى الا ان يذهب فبكى ابن عباس رضى الله عنهما وقال واحسيناه ولم يبق بمكة الا من حزن على مسيره وقدم امامه الى الكوفة مسلم بن عقيل فبايعه من اهل الكوفة للحسين اثنا عشر الفا وقيل اكثر من ذلك ولما شارف الكوفة جهز اليه اميرها من جانب يزيد وهو عبد الله بن زياد عشرين الف مقاتل وكان اكثرهم ممن بايع لاجل السحت العاجل على الخير الآجل فلما وصلوا ليه ورأى كثرة الجيوش طلب منهم احدى ثلاث اما ان يرجع من حيث جاء او يذهب الى بعض الثغور او يذهب الى يزيد يفعل فيه ما اراد فابوا وطلبوا منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد فابى فقاتلوه الى ان اثخنته الجراحة فسقط الى الارض فخروا رأسه وذلك يوم عاشوراء عام احدى وستين ووضع ذلك الرأس بين يدى عبد الله بن زياد

(5/437)


قل فى روضة الاخيار قبر الحسين رضى الله عنه بكربلاء وهى من ارض العراق ورأسه بالشام فى مسجد دمشق على رأس اسطوانة وقد رأى النبى صلى الله عليه وسلم بعض الصالحين فى النوم فقال يا رسول الله بابى انت وامى ما ترى فتن امتك فقال زادهم الله فتنة قتلوا الحسين ولم يحفظونى ولم يراعوا حقى فيه
وعن الشعبى مر على ر ضى الله عنه بكربلاء عند مسيره الى صفين فوقف وسأل عن اسم هذه الارض فقيل كربلاء فبكى حتى بل الارض من دموعه ثم قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكى فقال « كان عندى جبريل آنفا واخبرنى ان ولدى الحسين يقتل بشاطئ الفرات بموضع يقال له كربلاء ثم قبض جبريل قبضة من تراب اشمنى اياها فلم املك عينى ان فاضتا » -روى- ان تلك التربة جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قارورة وقال لاسم سلمة رضى الله عنها « ان هذا من تربة الارض التى يقتل بها الحسين فمتى صار دما فاعلمى انه قد قتل » قالت ام سلمة فلما كان ليلة قتل الحسين سمعت قائلا يقول
ايها القاتلون جهلا حسينا ... أبشروا بالعذاب والتذليل
قد لعنتم على لسان ابن داو ... دو موسى وحامل الانجيل
قال فبكيت وفتحت القارورة فاذا التربة قد جرت دما . حكى ان السماء احمرت لقتله
قال ابن سيرين والحمرة التى مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين وحكمته على ما قال ابن الجوزى ان غضبنا يؤثر حمرة الوجه والحق منزه عن الجسمية فاظهر تاثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الافق اظهارا لعظيم الجناية ولم يرفع حجر فى الدنيا يوم قتله الا وجد تحته دم عبيط
واخرج ابو الشيخ ان جمعا تذاكروا انه ما من اعان على قتل الحسين الا اصابه بلاء قبل ان يموت فقال شيخ انا اعنت وما اصابنى شيء فقام ليصلح السراج فاخذته النار فجعل ينادى النار النار وانغمس فى الفرات ومع ذلك لم يزل ذلك به حتى مات . وبعضهم ابتلى بالعطش فكان يشرب راوية ولا يروى . وبعضهم عوقب بالقتل او العمى او سواد الوجه او زوال الملك فى مدة يسيرة وغبر ذلك فاذا عرفت فكن على جانب ممن يعادى اهل البيت ومن صحبتهم فان موالاتهم معاداة لاهل البيت وبغض لهم واحفظ الحرمة يحفظك الله وفى الحديث « ان لله تعالى ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله تعالى دينه ولا دنياه حرمة الاسلام وحرمتى وحرمة رحمى ومن لم يعرف حتى عترتى والانصار والعرب فهو لاحدى ثلاث اما منافق واما لزنية واما حملت به امه فى غير طهر »
دركار دين زمردم بى دين مدد مخواه ... ازماه منخسف مطلب صبحكاه
اللهم احفظنا من الانقطاع عن الوسائل الحقة والحقنا فى الدنيا والآخرة بالطائفة المحقة

(5/438)


تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)

{ تلك } اشارة الى قصة نوح عليه السلام ومحلها الرفع بالابتداء وخبرها قوله { من انباء الغيب } اى بعض اخباره فانه لتقادم عهده لم يبق علمه الا عند الله تعالى { نوحيها } اى تلك القصة بواسطة جبريل خبر ثان { اليك } ليكون لك هداية واسوة فيما لقيه غيرك من الانبياء عليهم السلام { ما كنت تعلمها انت ولا قومك } خبر آخر اى مجهولة عندك تنبيه على انه عليه السلام لم يتعلمه اذ لم يخالط غيرهم وانهم مع كثرتهم لم يسمعوه فكيف يؤخذ منهم
قال سعدى المفتى اعلمناهم بها ليكون لهم مثالا وتحذيرا ان يصيبهم اذا كذبوك ما اصاب اولئك { فاصبر } متفرع على الايحاء اى واذ قد اوحيناها
وفى تفسير ابى الليث يعنى ان لم يصدقوك فاصبر على مشاق تبليغ الرسالة واذية قومك وتكذيبهم كما صبر نوح فى هذه المدة المتطاولة { ان العاقبة } اى آخلا الامر بالظفر فى الدنيا وبالفوز فى الآخرة { للمتقين } اى المؤمنين الموحدين الصابرين كما شاهدته فى نوح وقومه ولك فيه اسوة حسنة . وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين : قال الحافظ
سروش عالم غيبم بشارتى خوش داد ... كه كس هميشة كرفتار غم نخواهد ماند
قال الكاشفى [ بير طريقت فرمودكه صبر كليد همه بستكيها است وشكيبايى علاج همه خستكيها است نتيجه شكيبايى ظفراست وكار بى صبر ازهر روز بترست
صبراست كليد كنج مقصود ... بى صبر درمراد نكشود
كر صبر كنى مراد يابى ... وزباى در افتى از شتابى
-روى- عن خباب بن الارت قال اتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو متوسد بردائه فى ظل الكعبة فشكونا اليه فقلنا يا رسول الله ألا تدعو الله لنا وتستنصرنا فجلس محمارا لونه ثم قال « ان من كان قبلكم ليؤتى بالرجل فيحفر له فى الارض حفرة فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه » وفى الحديث « يؤتى يوم القيامة بانعم اهل الارض فينغمس فى النار غمسة فيخرج اسود محترقا فيقال له هل مر بك نعيم قط او كنت فيه فيقول لا لم ازل فى هذا البلاء منذ خلقنى الله تعالى ويؤتى باشد اهل الدنيا بلاء فينغمس فى الجنة غمسة » يعنى يدخل فيها ساعة « فيخرج كأنه القمر ليلة البدر فيقال له هل مر بك شدة قط فيقول لا لم ازل فى هذا النعيم منذ خلقنى الله تعالى »
يقول الفقير هذا اذا صبر ولم يظفر ببغيته فى الدنيا مع ان من الظفر والنصر الموت على ما قاله بعض العلماء فى قوله تعالى { ألا ان نصر الله قريب } فان الميت اما مستريح او مستراح منه ولكن غالب العادة الالهية انزال النصر للعاجز ولقد شاهدت فى عصرى كثيرا من مواد هذا الباب .

(5/439)


منها انى كنت فى الاسكوب من الديار الرومية انهى عن المنكر فلقبنى من القوم فى مدة ست سنين ما يضيق نطاق البيان عنه حتى آل الامر الى الهجرة من تلك البلدة فاخرجونى من بينهم فانقلب الابتلاء الى مقاساة شدائد الهجرة مع الاهل والاولاد حتى اذا دخلت مدينة بروسة باشارة حضرة الشيخ قدس سره ووجدت فيها الراحة العظمى استولى الكفار على البلاد الرومية واحرقوا الاسكوب وجعل الله من فيها من المستكبرين كأن لم يكن شيأ مذكورا . ومنها ان ابراهيم الوزير فى اواخر دولة السلطان محمد الرابع نفى حضرة شيخنا الاجل الذى جعله الله آية من آيات الدولة القمرية الى بلدة المعروفة بشمنى وكان حين النفى متمكنا فى القسطنطينية فلم يلبث حتى نفاه الله اى الوزير ثم قتل ثم لما آلت الوزارة الى مصطفى المعروف بابن كوبريلى فى دولة السلطان سليمان الثانى اخرج حضرة الشيخ ايضا لغرض فاسد الى جزيرة قبرص فما مضى سنة الا قتل الوزير وجعل عبرة للمعتبرين ومثلا للآخرين وكنت اتحزن فى امر حضرة الشيخ حين كان فى الجزيرة المذكورة فبينما انا فى تفكره يوما اذوردلى كتاب من جنابه مندرج فيه قوله تعالى { ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يؤون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون } فصادف قتل الوزير وهو من كراماته العجيبة حفظه الله سبحانه ومتعنا بعلومه الالهية ووارداته الربانية

(5/440)


وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50)

{ والى عاد } قبيلة من العرب بناحية اليمن فهو امر متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى ارسلنا فى قصة نوح وهو الناصب لقوله { اخاهم } وتقديم المجرور على المنصوب ههذنا للحذار من الاضمار قبل الذكر . والمعنى وارسلنا الى عاد اخاهم اى واحد منهم فى النسب من قولهم ويا اخا العرب يا اخا بنى تميم يريدون يا واحدا منهم { هودا } وكان عليه السلام من جملتهم فانه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عوص بن ارم بن سام بن نوح . وقيل هود بن شالخ بن افخشد بن سام بن نوح ابن عم ابى عاد
قال الكاشفى [ عاد جهارم بدر هودست وعاد بسر عوص بن ارم بن سام بن نوح است وبرين قول از ابناء عم عاد باشد ] قال بعضهم عاد هو اسم القبيلة وهى الفروع المنشعبة من اصل واحد فيكون اسم الاب الكبير فى الحقيقة والتعبير باخص الاوصاف التى هى الاخوة بمعنى انتساب شخصين الى صلب واحد او رحم واحد او الى صلب ورحم معا ككونه كذلك بالنسبة الى اتحاد الاب . وقال بعضهم هو اسم ملكهم وانما جعل واحدا منهم لانهم افهم لقوله واعرف بحاله فى صدقه وامانته وارغب فى اقتفائه
قيل ان هودا مكث فى ديار قومه اربعين سنة يعبد الله ويتجنب اصنامهم فنزل عليه جبريل بالرسالة الى بنى عاد فذهب هود اليهم وهم بالاحقاق متفرقون وهى الرمال والتلال وجعل يدعوهم الى عبادة الله تعالى وترك عبادة الاصنام كما قال تعالى { قال } استئناف بيانى كأنه قيل ماذا قال لهم فقيل قال { يا قوم } [ اى كروه من ] { اعبدوا الله } وحده لانه { ما لكم من اله غيره } فخصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيأ وغيره بالرفع صفة لاله باعتبار محله { ان انتم الا مفترون } اى ما انتم باتخاذكم الاصنام شركاء الا مفترون على الله الكذب
قال فى التأويلات النجمية يشير بهود الى القلب وبعاد الى النفس وصفاتها فان القلب اخو عاد النفس كما ارسلنا نوح الروح الى قومه وبهذا المعنى يشير الى ان القلب قابل لفيض الحق تعالى كما ان الروح قابل لفيضه قال يا قوم اعبدوا الله يشير الى النفس وصفاتها ان يتوجهوا لعبودية الحق وطلبه ما لكم من اله غيره اى شيء دونه لاستحقاق معبوديتكم ومحبوبيتكم ومطلوبيتكم ان انتم الا مفترون فيما تتخذون الهوى والدنيا معبودا ومطلوبا

(5/441)


يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)

{ يا قوم لا اسألكم عليه } اى على تبليغ الرسالة { اجرا } يعنى جعلا ورشوة ومعناه لست بطامع فى اموالكم { ان اجرى الا على الذى فطرنى } خلقنى جعل الصلة فعل الفطرة لكونه اقدم النعم الفائضة من جناب الله تعالى المستوجبة للشكر { أفلا تعقلون } اى أتغفلون عن هذه القصة فلا تعقلونها
واعلم ان المال والجاه وثناه الخلق وغيرها من مشارب النفس عند اله الله تعالى ولذا قالوا ما من رسول الا خاطب قومه بهذا القول ازاحة للتهمة وتمحيضا للنصيحة فانها لا تنجع ولا تنفع الا اذا كانت خالصة غير مشوبة بشيء من المطامع
طمع بند ودفتر زحكمت بشوى ... طمع بكسل وهرجه خواهى بكوى
كما روى عن بعض المشايخ انه كان له سنور وكان يأخذ من قصاب شيأ من الغدد لسنوره فرأى القصاب منكرا فدخل الدار فاخرج السنور اولا ثم جاء واحتسب على القصاب فقال له القصاب لا اعطيك بعد اليوم لسنورك شيأ فقال ما احتسب عليك الا بعد اخراج السنور وقطع الطمع منك والطمع سكون القلب الى منفعة مشكوكة
مكن سعديا ديده بردست كس ... كه بخشنده برورد كارست وبس
طمع آب روى موقر بريخت ... براى دوجو دامن دريخت
وساحة قلوب الانبياء عليهم السلام وكذا الاولياء قدس سرهم مطهرة من دنس التعلق بغير الله فى دعوتهم وارشادهم وانما يريد اهل الارشاد من هذه الامة تعظيم جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكثير اتباعه لا المال والمنافع الدنيوية فان الآخرة خير وابقى . وفى المثل اجهل من داعى ثمانين من الضأن . قال ابن خالويه انه رجل قضى للنبى عليه السلام حاجة فقال ائتنى بالمدينة فاتاه فقال « ايما احب اليك ثمانون من الضأن او ادعو الله ان يجعلك معى فى الجنة » قال بل ثمانون من الضأن قال « اعطوه اياها » ثم قال « ان صاحبة موسى عليه كانت اعقل منك » وذلك ان عجوزا دلته على عظام يوسف عليه السلام فقال لها موسى ايما احب اليك اسأل الله ان تكونى معى فى الجنة او مائة من الغنم قالت الجنة ولكمال المحافظة لم يقبل العلماء المتقدمون اجرة على الوعظ والتعليم والامامة والخطابة والتأذين وغيرها
زيان ميكند مرد تفسير دان ... كه عل وادب ميفروشد بنان

(5/442)


وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)

{ ويا قوم استغفروا ربكم } آمنوا به { ثم توبوا اليه } من عبادة غيره لان التوبة لا تصح الا بعد الايمان كما فى بحر العلوم واللائح للبال ان المعنى اطلبوا مغفرة الله تعالى لذنوبكم السالفة من الشرك والمعاصى بان تؤمنوا به فان الايمان يجب ما قبله اى يقطع ثم ارجعوا اليه بالطاعة فان التحلية بالمهملة بعد للتخلية بالمعجمة فيكون ثم على بابها فى التراخى ايضا { يرسل السماء عليكم } اى المطر { مدرارا } من ابنية مبالغة الفاعل يستوى فيه المذكر والمؤنث واصله من در اللبن درورا وهو كثرة وروده على الحالب يقال سحاب مدرار ومطر مدرار اذا تتابع منه المطر فى اوقات الاحتياج اليه . والمعنى حال كونه متتابعا دائما كلما تحتاجون
وقال الكاشفى [ تابفر ستد از آسمان بارانى بيوسته ] { ويزدكم } [ وبيفزايد وزياده كند ] { قوة } مضافة منضمة { الى قوتكم } اى يضاعفها لكم وانما رغبهم فى الايمان بكثرة المطر وزيادة القوة لانهم كانوا اصحاب زروع وبساتين وعمارات حراصا عليها اشد الحرص فكانوا احوج شيء الى الماء وكانوا مدلين بما اوتوا من شدة القوة والبطش والبأس والنجدة ممنوعين بها من العدو مهيبين فى كل ناحية
وقال الكاشفى [ آورده اندكه عاديان دعوت هود قبول نكردند وحق سبحانه وتعالى بشآ مت آن سه سال باران ازايشان باز كرفت وزنان ايشانرا عاقره وعقيمه ساخت وجون اصحاب زراعت بودند ودشمنان نيزداشتند براى زراعت به باران وبرأى دفع اعادى باولاد محتاج شدند هود عليه السلام فرمودكه { يا قوم استغفروا } الخ فيكون معنى قوله { ويزدكم قوة الى قوتكم } قوتى باقوت شما يعنى فرزندان دهد شمارا تابمدد ايشان بر دفع اعادى قادر شويد ]
وعن الحسن بن على انه وفد على معاوية لما خرج تبعه بعض حجابه فقال انى رجل ذو مال ولا يولد فعلمنى شيأ لعل الله يرزقنى ولدا فقال عليك بالاستغفار فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر فى يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال هلا سألته مم قال ذلك فوفد وفدة اخرى فسأله الرجل فقال ألم تسمع قول هود { ويزدكم قوة الى قوتكم } وقول نوح { ويمددكم باموال وبنين } { ولا تتولوا } ولا تعرضوا عما ادعوكم اليه وارغبكم فيه { مجرمين } اى حال كونكم مصرين على الاجرام والآثام والاجرام كسب الجرم كالاذناب بكسر الهمزة كسب الذنب

(5/443)


قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53)

{ قالوا } استئناف بتقدير سؤال سائل كأنه قيل ما قال له قومه بعد ان امرهم ونهاهم فقيل قالوا { يا هود ما جئتنا ببينة } اى بحجة تدل على صحة دعواك وانما قالوه لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بماء جاءهم من المعجزات كما قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم لولا انزل عليه آياته من ربه مع فوات آيات الحصر { وما نحن بتاركى آلهتنا } اى بتاركى عبادتهم واصله تاركين سقطت النون بالاضافة { عن قولك } حال من الضمير فى تاركى كأنه قيل وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك اى صادرا تركنا عن ذلك باسناد حال الوصف الى الموصوف ومعناه التعليل على ابلع وجه لدلالته على كونه علة فاعلية ولا يفيده الباء واللام
قال السعدى المفتى قد يقال عن للسببية كما فى قوله تعالى { الا عن موعدة وعده اياه } فيتعلق بتاركى اى بقولك المجرد عن حجة { وما نحن لك بمؤمنين } اى بمصدقين فيما تدعونا اليه من التوحيد وترك عبادة الآلهة وهم اقناط له من الاجابة والتصديق

(5/444)


إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)

{ ان نقول الا اعتريك } قوله اعتراك جملة مفسرة لمصدر محذوف تقديره ما نقول فى شأنك الا قولنا اعتراك اى اصابك من عراه يعره اذا اصابه { بعض آلهتنا بسوء } الباء للتعدية . والمعنى بالفارسية [ مكر آنكه رسانيده اند بتو برخى ازخدايان ما رنجى وكزندى وعلتى ] اى بجنون لسبك اياها وصدك عنها وعداوتك مكافاة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء فمن ثم تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين { قال } هود { انى اشهد الله واشهدوا } اى واقول اشهدوا لئلا يلزم عطف الانشاء على الخبر { انى بريئ } تنازع فيه اشهد الله واشهدوا اى على انى بريئ { مما تشركون } اى من اشراككم

(5/445)


مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)

{ من دونه } اى من دون الله او مما تشركون من آلهة غير الله فما موصولة واشهاد الله تعالى حقيقة واشهادهم استهزاء بهم واستهانة اذ لا يقول احد لمن يعاديه اشهدك على انى بريء منك الا وهو يريد عدم المبالاة ببراءته والاستهانة بعداوته
واعلم انهم لما سمعوا اصنامهم آلهة واثبتوا لها الضرر نفى هود بقوله انى اشهد الله الآية كونهم آلهة رأسا ثم نفى الضرر بقوله { فكيدونى } الكيد ارادة مضرة الغير خفية وهو من الخلق الحيلة السيئة ومن الله التدبير بالحق لمجازاة اعمال الخلق اى ان صح ما تفوهتم به من كون آلهتكم مما تقدر على اضرار من يسبها ويصد عن عبادتها فانى بريئ منها فكونوا أنتم وآلهتكم { جميعا } حال من ضمير كيدونى على قصد اهلاكى بكل طريق { ثم لا تنظرون } لا تمهلونى ولا تسامحونى فى ذلك فالفاء لتفريع الامر على زعمهم فى قدرة آلهتهم على ما قالوا وعلى البراءة كليهما كما فى الارشاد
وفيه اشارة الى النفس وصفاتها والشيطان والهوى والدنيا فى كيد القلب على الدوام والقلب المؤيد بالتأييد الربانى لا يناله كيدهم
جملة عالم اكر دريا شود ... جون تو باحق ترنكردد باى تو

(5/446)


إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)

{ انى توكلت علىلله ربى وربكم } يعنى انكم والهتكم لا تقدرون على ضررى فانى متوكل على الله القادر القوى وهو مالكى ومالك كل شيء اذ { ما من دابة } نسمة تدب على الارض { الا هو } اى رب تعالى { آخذ بناصيتها } الناصية عند العرب منبت الشعر فى مقدس الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ايضا ناصية تسمية له باسم منبته والاخذ بناصيته الانسان عبارة عن قهره والغلبة عليه وكونه فى قبضة الآخذ بحيث يقدر على التصرف فيه كيف يشاء والعرب اذا وصفوا انسانا بالذلة والخضوع لرجل قالوا ما ناصيته الا بيد فلان اى انه مطيع له لان كل من اخذت بناصيته فقد قهرته واخذ الله بناصية الخلائق استعارة تمثيلية لنفاذ قدرته فيهم . والمعنى الا وهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها والغرض من هذا الكلام الدلالة على عظمته وجلالة شأنه وكبرياء سلطانه وباهر قدرته وان كل مقدور وان عظم وجل فى قوته وجثته فهو مستصغر الى جنب قدرته مقهور تحت قهره وسلطانه منقاد لتكوينه فيه ما يشاء غير ممتنع عليه { ان ربى على صراط مستقيم } يعنى انه على الحق والعدل فى ملكه لا يفوته ظالم ولا يضيع عنده معتصم به
وفى التأويلات النجمية { ما من دابة } تدب فى طلب الخير والشر { الا هو آخذ بناصيتها } يجرا بها الى الخير والشر وهى فى قبضة قدرته مذللة له { ان ربى على صراط مستقيم } فى اصلاح حال اهل الخير وافساد حال اهل الشر
وفيه اشارة اخرى ان ربى على صراط مستقيم يدل طالبيه به عليه يقول من طلبه فليطلبه على صراط مستقيم الشريعة على اقدام الطريقة فانه يصل اليه بالحقيقة وايضا يعنى الصراط المستقيم هو الذى ينتهى اليه لا الى غيره كقوله { وان الى ربك المنتهى } [ ودر نقد النصوص قدس سر جامعه مذكور است درباب احديث افعال وبيان تأثيرات ومؤثرات كه آن ذات متعاليه كه فى الحقيقة مصدر جميع افعال ومؤثر درتمام منفعلا تست بحكم تربيت هريكى را بحسب قابليات بسوى حضرت خود مى كشاند انيست سر آخذ بناصيتها ان ربى على صراط مستقيم ]
كش كشاند مى كشد كانا اليه راجعون ... جوروى جاى دكر فكر غلط باشد جنون
وازين مقوله ها است قول قائل
جون همه راه اوست ازجب وراست ... توبهرره كه ميرى اوراست
جون از بود ابتداى همه ... هم بدو باشد انتهاى همه

(5/447)


فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)

{ فان تولوا } فان تولوا بحذف احدى التاءين اى وان تستمروا على التولى والاعراض فلا تفريط منى { فقد ابلغتكم ما ارسلت به اليكم } اى لانى قد اديت ما علىّ من الابلاغ والزام الحجة وكنتم محجوجين بان بلغكم الحق فابتم الا التكذيب والجحود فالمذكور دليل الجزاء { ويستخلف ربى قوما غيركم } كلام مستأنف اى ويهلككم الله ويجيئ بقوم آخرين يخلفونكم فى دياركم واموالكم { ولا تضرونه } بتوليكم واعراضكم { شيأ } من ضرر قط لانه لا يجوز عليه المضار والمنافع وانما تضرون انفسكم { ان ربى على كل شيء حفيظ } رقيب فلا يخفى عليه اعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم
واعلم انه بين وجوب التوكل على الله وكونه حفيظا حصينا اولا بان ربوبيته عامة لكل واحد ومن يرب يدبر امر المربوب ويحفظه فلا يحتاج حفظ الغير وثانيا بان كل ذى نفس تحت قهره اسير عن الفعل والتأثير فى غيره فلا حاجة الى الاحتراز منه وثالثا بانه على طريق العدل فى عالم الكثرة الذى هو ظل وحدته فلا يسلط احدا على احد الا عن استحقاق لذلك بسبب ذنب وجرم لا يعاقب احدا من غير زلة ولو صغيرة نعم قد يكون لتزكية ورفع درجة فالمستفاد فى ضمن ذلك كله نفى القدرة عنهم وعن آلهتهم فلا حول ولا قوة الا بالله والله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة وما يرى فى صورة الظلم فمن خفأ سره وحكمته والعارف ينظر الى الاسرار الآلهية ويحمل الوقائع على الحكم -حكى- انه كان رجل سقاء بمدينة بخارى يحمل الماء الى دار صائغ مدة ثلاثين سنة وكان لذلك الصائغ زوجة صالحة فى نهاية الحسن والبهاء فجاء السقاء على عادته يوما واخذ بيدها وعصرها فلما جاء زوجها من السوق قالت ما فعلت اليوم خلاف رضى الله تعالى فقال ما صنعت فالحت فقال جاءت امرأة الى دكانى وكان عندى سوار فوضعته فى ساعدها فاعجبنى بياض يدها فعصرت فقالت الله اكبر هذه حكمة خيانة السقاء اليوم فقال الصائغ ايتها المرأة انى تبت فاجعلينى فى حل فلما كان من الغد جاء السقاء وتاب وقال يا صاحبة المنزل اجعلينى فى حل فان الشيطان قد اضلنى فقالت امض فان الخطأ لم يكن الا من الشيخ الذى فى الدكان فاقتص الله منه فى الدنيا وامثال ذلك من عدل الله تعالى فليكن العباد على العدالة وخصوصا الحكام والسلاطين فان العدل ينفع فى الدنيا والآخرة -حكى- ان ذا القرنين سأل من ارستطا ليس اى شيء أفضل للملوك الشجاعة ام العدل فقال اذا عدل السلطان لم يحتج الى الشجاعة فمن آمن بالملك الديان وخشى من عذابه كل آن فقد عدل واحترز عن الظلم والطغيان وفاز بالدرجات فى اعلىلجنان والا فقد عرض نفسه لعذاب النيران ولعذاب الدنيا ايضا على اشد ما كان ألا ترى الى قوله تعالى حكاية { ويستخلف ربى قوما غيركم } مع ماله من انواع اللعنة : قال السعدى قدس سره
نماند ستمكار بد روزكار ... بماند برو لعنت بإيدار
خنك روز محشر تن دادكر ... كه در سايه عرش داردمقر

(5/448)


وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)

{ ولما } [ آن هنكام كه ] { جاء امرنا } اى عذابنا فيكون واحد الامور اوامرنا بالعذاب فيكون مصدر امر { نجينا هوجا والذين آمنوا معه } وكانوا اربعة آلاف { برحمة } عظيمة كائنة { منا } اى نجيناهم بمجرد رحمة وفضل لا باعمالهم لانه لا ينجو احد ان اجتهد فى الاعمال والعمل الصالح الا برحمة الله تعالى كما هو مذهب اهل السنة { ونجيناهم من ذعاب غليظ } شديد وهو تكرير لبيان ما نجيناهم منه اى كانت تلك التنجية تنجية من عذاب غليظ وهى السموم التى كانتى تدخل انوف الكفرة وتخرج من ادبارهم فتقطعهم اربا اربا وقد سبق تفصيل القصة فى سورة الاعراف فارجع اليها
وفيه اشارة الى ان العذاب نوعان خفيف وغليظ فالخفيف هو عذاب الشقاوة المقدرة قبل خلق الخلق والغليظ هو عاب الشقى بشقاوة معاملات الاشقياء لتى تجرى عليه مع شقامته المقدرة له قبل الوجود كما فىلتأويلات النجمية -روى- ان الله تعالى لما اهلك عادا ونجى هودا والمؤمنين معه اتوا مكة وعبدوا الله تعالى فيها حتى ماتوا
قال فى انسان العيون كل نبى من الانبياء كان اذا كذبه قومه خرج من بين اظهرهم واتى مكة يعبد الله تعالى حتى يموت وجاء ( ما بين الركن اليمانى والركن الاسود روضة من رياض الجنة ) وان قبر هود وشعيب وصالح واسماعيل عليهم السلام فى تلك البقعة وفى فتوح الحرمين
هيج نبى هيج ولى هم نبود ... كونه برين دررخ اميد سود
كعبه بود نوكل مشكين من ... تازه از وباغ دل ودين من

(5/449)


وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)

{ وتلك } القبيلة يا قوم محمد { عاد } قال العلامة الطيبى كأنه تعالى اذن بتصوير تلك القبيلة فى الذهن ثم اشار اليها وجعلها خبرا للمبتدأ لمزيد الابهام فيحسن التفسير بقوله { جحدوا بآيات ربهم } كل الحسن لمزيد الاجمال والتفصيل انتهى
ويجوز ان تكون اشارة الى قبورهم وآثارهم كأنه تعالى قال سيروا فى الارض فانظروا اليها واعتبروا ففى الكلام مجاز حذف اما قبل المبتدأ اى اصحاب تلك واما قبل الخبر اى قبور عاد كفروا بآيات ربهم بعد ما استيقنوها يعنى انهم كانوا يعرفون انها حق لكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة ويستمر على جحوده ولا يرعوى { وعصوا رسله } لانهم عصوا رسولهم ومن عصى رسوله فقد عصى الكل لاتفاق كلمتهم على التوحيد واصول الشرائع . قيل لم يرسل اليهم الا هود وحده وهذا الحجود والعصيان شامل لكل فرد منهم اى لرؤسائهم واسافلهم

(5/450)


وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

{ واتبعوا } اى الاسافل { امر كل جبار } [ فرمان هرسر كشى ] { عنيد } [ ستيزه كاررا ]
قال فى التبيان الجبار المتعظم فى نفسه المتكبر على العباد والعنيد الذى لا يقول الحق ولا يقبله
وقال القاضى اى من كبرائهم الطاغين
قال سعدى المفتى اشار الى ان الجبار بمعنى المتكبر فانه يأتى بمعنى المتكبر الذى لا يرى لاجد عليه حقا ويقال اذا طغى . والمعنى عصوا من دعاهم الى الايمان وما ينجيهم واطاعوا من دعاهم الى الكفر وما يرديهم { واتبعوا } اى التابعون والرؤساء { فى هذه الدنيا لعنة } اى ابعادا عن الرحمة وعن كل خير اى جعلت تابعة لهم ولازمة تكبهم فى الذعاب كمن ياتى خلف شخص فيدفعه من خلفه فيكبه وانما عبر عن لزوم اللعنة لهم بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وان ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حيثما داروا ولوقوعه فى صحبة اتباعهم فى يوم القيامة ايضا لعنة وهى عذاب النار المخلد حذفت لدلالة الاولى عليها { الا ان عادا كفروا ربهم } جحدوه كأنهم كانوا من الدهرية وهم الذين يرون محسوسا ولا يرون معقولا وينسبون كل حادث الى الدهر
قال فى الكواشى كفر يستعل متعديا ولازما كشكرته وشكرت له { ألا بعد العاد } [ بدانديكه دوريست مرعاديانرا يعنى ازرحمت دورند ] كما قال فى التبيان وعاد ارم الحديث وانما كرر ألا ودعاءه عليهم واعاد ذكرهم تهويلا لامرهم وتفظيعا له وحثا على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم : وفى المثنوى
بس سباس اوراكه مارا درجهان كرد بيدا از بس بيشينيان ... تاشنيديم آن سياستهاى حق
بر قرون ماضيه اندر سبق ... استخوان وبشم آن كركان عيان
بنكريد ويند كيريد اى مهان ... عاقل از سر بنهد اين هستى وباد
جون شنيد انجام فرعونان وعاد ... ورنه بنهد ديكران از حال او
عبرتى كيرند از اضلال او ... ثم قوله { ألا بعدا لعاد قوم هود } دعاء عليهم بالهلاك اى ليبعد عاد بعدا وليهلكوا والمراد به الدلالة على انهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكى عنهم وذلك لان الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم ففائدته ما ذكر ثم اللام تدل ايضا على الاستحقاق وعلى البيان كأنه قيل لمن فقيل لعاد
قال سعدى المفتى ويجوز ان يكون دعاء عليهم باللعن
وفى القاموس البعد والبعاد اللعن انتهى
وفى الكفاية شرح الهداية اللعن على ضربين . احدهما الطرد من رحمة الله تعالى وذلك لا يكون الا للكافر . والثانى الابعاد عن درجة الابرار ومقام الصالحين وهو المراد بقوله عليه السلام « المحتكر ملعون » لان اهل السنة والجماعة لا يخرجون احدا من الايمان بارتكاب الكبيرة وجاء فى اللعن العام « لعن الله من لعن والديه ولعن الله لغير الله من آوى محدثا ولعن الله من غير منار الارض »

(5/451)


قوله محدثا بكسر الدال معناه الآتى بالامر المنكر مما نهى عنه وحرم عليه اى من آواه وحماه وذب عنه ولم يكن ينكر عليه ويردعه . ومنار الارض العلامات التى تكون فى الطرق والحد بين الاراضى وفى الحديث « لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده والواشمة والموشومة ومانع الصدقة ولمحلل والمحلل له » الوشم هو الزرقة الحاصلة فى البدن بغرز الابرة فيه وجعل النيلة او الكحل فى موضعه . والواشمة الفاعلة . والموشومة المفعول بما فى ذلك وفى الحديث « لعن الله الراشى والمرتشى والرائش » اى الذى يسعى بينهما وفى الحديث « لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها وللمحمولة ليه واكل ثمنها » ويكره للمسلم ان يؤجر نفسه من كافر لعصر العنب كما فى الاشباه ويجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا لان عين العصير عار من المعصية وانما يلحقه الفساد بعد تغيره بخلاف بيع السلاح فى ايام الفتنة لان عينه آلة بلا تغيير يعنى يكره بيع السلاح ايام الفتنة اذا علم ان المشترى من اهل الفتنة لانه يكون سببا للمعصية واذا باع مسلم خمرا وقبض الثمن وعليه دين كره لرب الدين اخذه منه لان الخمر ليست بمال متقوم فى حق الذمى فملك الثمن فحل الاخذ منه وفى الحديث « لعن المسلم كقتله »
قال ابن الصلاح فى فتاواه قاتل لحسين رضى الله عنه لا يكفر بذلك وانما ارتكب ذنبا عظيما وانما يكفر بلقتل قاتل نب من الانبياء
ثم قال والناس فى يزيد ثلاث فرق . فرقة تتولاه وتحبه . وفرقة تسبه وتلعنه . وفرقة متوسطة فى ذلك لا تتولاه ولا تلعنه وتسلك به مسالك سائر ملوك الاسلام وخلفائهم غير الراشدين فى ذلك وهذه الفرقة هى المصيبة ومذهبها هو اللائق بمن يعرف سير الماضين ويعلم قواعد الشريعة المطهرة انتهى
وقال سعد الدين التفتازانى
اللعن على يزيد فى الشرع يجوز ... واللاعن يجزى حسنات ويفوز
قد صح لدى انه معتل ... واللعن مضاعف وذلك مهموز
وباقى البحث فيه قد سبق فى سورة البقرة ألا لعنة الله على الظالمين
قال فى حياة الحيوان ان الله تعالى لم يجعل الدنيا مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصولة الى ما هو المقصود لنفسه وانه لم يجعلها دار اقامة ولا جزاء وانما جعلها دار رحلة وبلاء وانه ملكها فى الغالب الجهلة والكفرة وحماها الانبياء والاولياء والابدال وحسبك بها هوانا انه سبحانه صغرها وحقرها وابغضها وابغض اهلها ومحبها ولم يرض لعاقل فيها الا بالتزويد للارتحال عنها وفى الحديث « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله ومن والاه وعالما واو متعلما » ولا يفهم من هذا اباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا كما روى ابو موسى الاشعرى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال

(5/452)


« لا تسبوا الدنيا فنعمت مطلية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ان العبد اذا قال لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله من عصى ربه » وهذا يقتضى لمنع من سبب الدنيا ولعنها . ووجه الجمع بينهما ان المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن الله تعالى وشاغلا عنه كما قال السلف كل ما شغلك عن الله سبحانه من مال وولد فهو مشئوم عليك واما ما كان من الدنيا يقرب من الله ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل لسان فمثل هذا لا يسب بل يرغب ويحب واليه الاشارة حيث قال « الا ذكر الله ومن والاه او عالما او متعلما » وهو المصرح به فى قوله « نعمت مطية المؤمن » الخ وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين
واعلم ان حقيقة اللعن هو الطرد عن الحضرة الآلهية الى طلب شهوات الدنيا وتعب وجدانها وتعب فقدانها فهو اللعنة الدنيوية واما اللعنة يوم القيامة فبالبعد والخسران والحرمان وعذاب النيران فلنفس اذا لم تقبل نصيحة هود القلب وتركت مشارب القلب الدينية الباقية من لوامع النورانية وطوامع الروحانية وشواهد الربانية واقبلت على المشارب الدنيوية الفانية من الشهوات والمستلذات الحيوانية وثناء الخلق عندهم وامثال هذا فقد جاء فى حقها ألا بعدا اى طردا وفرقة وقطيعة وحسرة لها عصمنا الله واياكم من مكايد النفس الامارة وشرفنا بصلاح الحال الى آخر الاعمار والآجال

(5/453)


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)

{ والى ثمود } اى وارسلنا الى ثمود وهى قبيلة من العرب سموا باسم ابيهم الاكبر ثموج بن عاد بن ارم بن سام . وقيل انما سموا بذلك لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل . فى تفسير ابى الليث انما لم ينصرف لانه اسم قبيلة وفى الموضع الذي ينصرف جعله اسما للقوم { اخاهم } اى واحدا منهم فى النسب { صالحا } عطف بيان لاخاهم وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خاور ابن ثمود { قال } استئناف بيانى كأن قائلا قال فما قال لهم صالح ارسل اليهم فقيل قال { يا قوم } [ اى قوم من ] { اعبدوا الله } وحده لانه { ما لكم من اله غيره } [ نيست شمارا معبودى جزوى ] { هو } لا غيره لانه فاعل معنوى وتقديمه يدل على القصر { انشأكم } كونكم وخلقكم { من الارض } من لابتداء الغاية اى ابتداء انشاءكم منها فانه خلق آدم من التراب وهو انموذج منطو على جميع ذرياته التى ستوجد الى يوم القيامة انطواء اجماليا لان كل واحد منهم مخلوق من المنى ومن دم الطمث والمنى انما يتولد من الدم والدم انما يتولد من الاغذية وهى اما حيوانية او نباتية والنباتية انما تتولد من الارض والاغذية الحيوانية لا بد ان تنتهى الى الاغذية النباتية المتولدة من الارض فثبت انه تعالى انشأ الكل من الارض { واستعمركم فيها } من العمر يقال عمر الرجل يعمر عمرا بفتح العين وسكون الميم اى عاش زمانا طويلا واستعمره الله اى اطال بقاءه ونظيره بقى الرجل واستبقاه الله من البقاء اى ابقاء الله فبناه استفعل للتعدية . والمعنى عمركم واستبقاكم فى الارض وبالفارسية [ وزند كانى وبقاداد شمارا درزمين . درمدارك مذ كورست كه سال عمر هريك از ثمود از سيصد تاهزار بوده ] ويجوز ان يكون من العمارة بالفارسية [ آبادان كردن ]
قال كعب قوله تعالى { واستعمركم فيها } يدل على وجوب عمارة الارض لان الاستعمار طلب العمارة والطلب المطلق منه تعالى يحمل على الامر والايجاب . والمعنى امركم بالعمارة فيها واقدركم على امارتها كما قال فى الكاشفى [ شما قدرت داد برعمارت زمين تامنازل نزه ساختيد وبر حفر انهار وغرس اشجار اشتغال نموديد ] { فاستغفروه } فاطلبوا مغفرة الله بالايمان يعنى [ ايمان أريد تا شمارا بيامرزد ] فان ما فصل من فنون الاحسان داع الى الاستغفار { ثم توبوا اليه } من عبادة غيره لان التوبة لا تصح الا بعد الايمان وقد سبق تحقيق « ثم » هذه غير مرة { ان ربى قريب } اى قريب الرحمة لقوله تعالى { ان رحمة الله قريب من المحسنين } { مجيب } لمن دعاء وسأله
قال سعدى المفتى والذى يلوح للخاطر ان قوله تعالى قريب ناظر لتوبوا ومجيب لاستغفروا اى ارجعوا الى الله فانه قريب ما هو بعيد واسألوا مه المغفرة فانه مجيب لسائله لا يخيبه

(5/454)


محالست اكر سربرين در نهى ... كه باز آيدت دست حاجت تهى
وحفظ العبد من الاسم المجيب ان يجيب ربه فيما امره ونهاه ويتلقى عباده بلطف الجواب واسعاف السؤال والعبد اذا اجاب ربه فالله تعالى يجيبه كما قال ابو طالب لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما اطوع ربك فقال عليه السلام « وانت يا عم لو اطعنه لاطاعك »
قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر الدعاء يوذن بالبعد وهو تعالى يوذن بالبعد وهو تعالى القريب واذا كان القريب فلم تدعو وان سكت قال لك لم تدعو هل استكبرت فلم تبق الغبطة الا للاخرس وهو البكم صم بكم عمى طوبى لهم وحسن مآب انتهى
وهذا وصف العلماء بالله وهم الذين قيل فيهم من عرف الله كل لسانه
جو بيت المقدس درون بر قباب ... رها كرده ديوار بيرون خراب
بخود سرفروبرده همجون صدف ... ند ماند زدريا بر آورده كف
واعلم ان عمارة الظاهر بافعال الشريعة من اسباب عمارة الباطن باخلاق الربانية . قال العلماء العمارة متنوعة الى واجب ومندوب ومباح وحرام
فالواجب مثل سد الثغور وبناء القناطر على الانهر المهلكة وبناء المسجد الجامع فى المصر وغير ذلك
والمندوب كبناء القناطر على الانهر الصغيرة والمساجد والمدارس والرباطات وحو ذلك تيسيرا للناس والمباح كالزوايا والخانقات والبيوت التى تقى الحر والبرد وربما تكون الاخيرة واجبة
قال فى الاسرار المحمدية الغرض من المسكن دفع المطر والبرد واقل الدرجات فيه معلوم وما زاد عليه فهو من الفضول والاقتصار على الاقل والادنى يمكن فى الديار الحارة واما البلاد البادرة فى غلبة البرد ونفوذه من الجدران الضعيفة حتى كاد يهلك او يمرض فالبناء بالطين واحكامه لا يخرجه عن حد الزاهدين كذا فى ايام لصيف عند اشتداد الحر واستضراره واستضرار اولاده بالبيت الشتوى السفلى لعدم نفوذ الهواء البارد فيه ومن براغيثه فى الليل المزعجات عن النوم وانواع الحشرات فيه فلا يجوز حملهم على الزهد بان يتركهم على هذه الحال بل عليه ان يبنى لهم صيفيا علويا لما روينا عن النبى عليه السلام « من بنى بنيانا فى غير ظلم ولا اعتداء او غرس غرسا فى غير ظلم ولا اعتداء كان له اجرا جاريا ما انتفع به احد من خلق الرحمن » انتهى
والحرام كابنية الجهلة الذين بنوا للمباهاة وابنية الظلمة وغير ذلك مما ليس به حاجة . وفى الخبر « من بنى فوق ما يكفيه جاء يوم القيامة وهو حامله على عنقه » وفى الحديث « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ما كان منا لله تعالى » وكان ملوك فارس قد اكثروا من حفر الانهار وغرس الاشجار وعمروا الاعمار الطوال مع ما كان فيهم من عسف الرعايا فسأل نبى من انبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم غاوحى اليه انهم عمروا بلادى فعاش فيها عبادى

(5/455)


وعن معاوية انه اخذ فى احياء الارض فى آخر امره فقيل له فقال ما حملنى عليه الا قول القائل
ليس الفتى بفتى يستضاء به ولا يكون له فى الارض آثار
والمراد بهذه الآثار ما يتناول العمارة الواجبة والمندوبة : قال سعدى قدس سره
نمرد آنكه ماند بس ازوى بجاى ... بل ومسجد وخان ومهمان سراى
هر آن كو نماند ازبسش ياد كار ... درخت وجودش نياورد بار
وكر رفت آثار خيرش نماند ... نشايد بس از مرك الحمد خواند

(5/456)


قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)

{ قالوا } اى قوم صالح بعد دعوتهم الى الله تعالى وعبادته { يا صالح قد كنت فينا } فيما بيننا { مرجوا } مأمولا { قبل هذا } الوقت وهو وقت الدعوة كانت تلوح فيك مخايل الخير وامارات الرشد والسداد فكنا نرجوك ان تكون لنا سيدا ننتفع بك ومستشارا فى الامور ومسترشدا فى التدابير فلما سمعنا منك هذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا ان لا خير فيك كما يقول بعض اهل الانكار لبعض من يسلك طريق الارادة والطلب ان هذا قد فسد بل جن وكان قبل هذا رجلا صالحا عاقلا فلا يرجى منه اليخر : وفى المثنوى
عقل جزوى عشق را منكربود ... كرجه بنمايد كه صاحب سربود
قال الحافظ
مبين حقير كدايان عشق را كين قوم ... شهان بى كمر وخسروان بى كلهند
غلام همت دردى كشان يك رنكيم ... نه زين كروه كه ازرق رداودل سيهند
{ أتنهينا } معنى الهمزة الانكار اى أتمنعنا من { ان نعبد ما يعبد آباؤنا } اى عبدوه والعدل الى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية { واننا } من قال انا اسقط النون الثانية من ان دون كناية المتكلمين ن وهو المختار { لفى شك مما تدعونا اليه } من التوحيد وترك عبادة الاوثان { مريب } موقع فى الريبة اى قلق النفس وانتفاء الطمأنينة : يعنى [ كمانى كه نفس را مرب ميسازد ودل آرام نمى دهد وعقل را شوريده مى كرداند ] من ارابه اى اوقعه فى الريبة واسناد الارابه الى الشك وهو ان يبقى الانسان متوقفا بين النفى والاثبات مجازى لان الريب هو انتفاء ما يرجح احد طرفى النسبة او تعارض الادلة لا نفس الشك
وقال سعدى المفتى يجوز ان يعتقدوا ان الشك يوقع فى القلق والاضطراب فيكون الاسناد حقيقيا وان كان الموقع عند الموحدين هو الله تعالى

(5/457)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)

{ قال } صالح { يا قوم أرأيتم } اى اخبرونى { ان كنت } فى الحقيقة { على بينة } حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة { من ربى } مالكى ومتولى امرى { وآتينى منه } من جهته { رحمة } نبوة وانما اتى بحرف الشك مع انه متيقن انه على بينة وانه نبى لا خطابه للجاحدين وهو على سبيل الفرض والتقدير كأنه قال افرضوا وقدروا انى على بينة من ربى وانى نبى بالحقيقة وانظروا ان تابعتكم وعصيت ربى فيما امرنى { فمن ينصرنى من الله } اى فمن يمنعنى من عذاب الله ففيه تضمين ينصر معنى يمنع وتقدير المضاف قبل اللفظة الجليلة
وقال فى الارشاد فمن ينصرنى منجيا من عذابه تعالى { ان عصيته } فى تبليغ رسالته والنهى عن الاشراك به { فما تزيدوننى } اذا باستتباعكم اياى كما ينبئ عنه قولهم { قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } اى لا تفيدوننى اذ لم يكن فيه اصل الخسران حتى يزيدوه { غير تخسير } اى غير ان تجعلونى خاسرا بابطال اعمالى وتعريضى سخط الله تعالى او فما تزيدوننى بما تقولون لى وتحملوننى عليه غير ان انسبكم الى الخسران واقول لكم انكم لخاسرون فالزيادة على معناها وصيغة التفعيل للنسبة يقال فسقه وفجره اذا نسبه الى الفسق والفجور فكذا خسره اذا نسبه الى الخسران
وفى الآية اشارة الى ان لا رجوع عن الحق بعدما استبان فانه ماذا بعد الحق الا الضلال والخذلان والخسران
قال اوحد لمشايخ فى وقته ابو عبد الله الشيرازى قدس سره رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به احدا من العالمين
وقال الجنيد قدس سره لو اقبل صديق على الله الف سنة ثم اعرض عنه لحظة فان ما فاته اكثر مما ناله
وفى شرح التجليات البيعة لازمة الى ان يلقى الله تعالى ومن نكث الاتباع فحسبه جهنم خالدا فيها لا يكلمه الله ولا ينظر اليه وله عذاب اليم هذا كما قال ابو سليمان الدارانى قدس سره حظه فى الآخرة
واما الدنيا فقد قال ابو يزيد البسطامى قدس سره فى حق تلميذه لما خالفه دعوا من سقط من عين الله فرؤى بعد ذلك مع المخنثين وسرق فقطعت يده هذا لما نكث اين هو ممن وفى بيعته مثل تلميذ الدارانى قيل له الق نفسك فى التنور فالقى نفسه فعاد عليه بردا وسلاما وهذا نتيجة الوفاء
واعلم ان المبايع فى الحقيقة وهو معطى البيعة هو الله تعالى لكن خلق الوسائط والوسائل ليسهل الاخذ والعهد فجعل الانبياء والشيوخ الورثة والسلاطين اللاحقين بالشيوخ مبايعين فهم معصومون محفوظون لا يأمرون بمعصية اصلا ولا يتصور منهم نكث العهد قطعا فبقى الاتباع فمن لزم منهم الباب استسعد بحسن المآب ومن رجع القهقرى ونعوذ بالله الله واخزاه : فى المثنوى

(5/458)


مرسكانرا جون وفا آمد شعار ... روسكانرا ننك بدنامى ميار
بى وفائى جون سكانرا عاربود ... بى وفائى جون روا دارى نمود
فعلى العاقل ان لا يكون فى تردد وشك مما دعا اليه الانبياء والاولياء من التوحيد وحقائقه بل يتبع الحق الى ان يصل لى دقائقه فان التردد والشك من اوصاف الكفرة والقلق والاضطراب من احوال الفجرة
اين تردد عقبه راه حقست ... اى خنك آنراكه بايش مطلقست
بى تردد مى رود برراه راست ... ره نمى دانى بجوكامش كجاست
كام آهورا بكيرو رومعاف ... تارسى ازكام آهو تابناف
كركران وكر شتابنده بود ... عاقبت جوينده يابنده بود
وقد رأينا فى زماننا اشخاصا يطلبون شيوخا ورثة عم على بينة من ربهم فلا يجدونهم لان فى الطلب ضعفا وترددا وفى الاعتقاد والهمة توزعا وتفرقا فاذا لم يكن الطالب على بصيرة من الامر لا يجد اهل البصيرة وان كانوا نصب عينيه بل تزداد خسارته ونعم ما قيل الشمس شمس وان لم يرها الضرير ألا ترى الى طغاة الامم السالفة كيف انكروا الانبياء مع ظهور حججهم وبراهينهم اللهم انا نسألك العصمة والتوفيق

(5/459)


وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64)

{ ويا قوم } -روى- عن النبى عليه السلام انه قال ان صالحا لما دعا قومه الى الله تعالى كذبوه فضاق صدره فسأل ربه ان يأذن له فى الخروج من عندهم فاذن له فخرج وانتهى الى ساحل البحر فاذا رجل يمشى على الماء فقال له صاح ويحك من انت فقال انا من عباد الله كنت فى سفينة قومها كفرة غيرى فاهلكهم الله ونجانى منهم فخرجت الى جزيرة اتعبد هناك فاخرج احيانا واطلب شيأ من رزق الله ثم ارجع الى مكانى فمضى صالح فانتهى الى تل عظيم فرأى رجلا فانتهى اليه وسلم عليه فرد عليه السلام فقال له صالح من انت قال كانت ههنا قرية كان اهلها كفارا غيرى فاهلكهم الله تعالى ونجانى منها فجعلت على نفسى ان اعبد الله تعالى ههنا الى الموت وقد انبت الله لى شجرة رمان واظهر عين ماء آكل من الرمان واشرب من ماء العين واتوضأ منه فذهب ثالح وانتهى الى قرية كان اهلها كفارا كلهم غير اخوين مسلمين يعملان عمل الخوص فضرب النبى عليه السلام مثلا فقال لو ان مؤمنا دخل قرية فيها الف رجل كلهم كفار وفيهم مؤمن واحد فلا يسكن قلبه مع احد حتى يجد المؤمن ولو ان منافقا دخل قرية فيها الف رجل كلهم مؤمنون وفيهم منافق واحد فلا يسكن قلب المنافق مع احد ما لم يجد المنافق فدخل صالح وانتهى الى الاخوين فمكث عندهما اياما وسأل عن حالهما فاخبرا انهما يصبران على اذى المشركين وانهما يعملان عمل الخوص ويمسكان قوتهما ويتصدقان بالفضل فقال صالح الحمد لله الذى ارانى فى الارض من عباده الصالحين الذين صبروا على اذى الكفار فانا ارجع الى قومى واصبر على اذاهم فرجع اليهم وقد كانوا خرجوا الى عيد لهم فدعاهم الى الايمان فسألوه آية فقال أية آية تريدون فاشار سيدهم جندع بن عمرو الى صخرة منفردة يقال لها الكاثبة وقال له اخرج من هذه الصخرة ناقة واسعة الجوف كثيرة الوبر عشراء اى اتت عليها من يوم ارسل لفحل عليها عشرة اشهر فان فعلت صدقناك فاخذ عليهم مواثقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن فقالوا نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانشقت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا فقال يا قوم { هذه ناقة الله } الاضافة للتشريف والتنبيه على انها مفارقة لسائر ما يجانسها من حيث الخلقة ومن حيث الخلق لان الله تعالى خلقها من الصخرة دفعة واحدة من غير ولادة وكانت عظيمة الجثة جدا { لكم آية } معجزة دالة على صدق نبوتى فآمن جندع به فى جماعة وامتنع الباقون وانتصاب آية على الحال من ناقة الله وعاملها ما فى اسم الاشارة من معنى الفعل اى اشير اليها آية ولكم حال من آية متقدمة عليها لكونها نكرة لو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدمت انتصبت حالا { فذروها } اى خلوها وشأنها { تأكل فى ارض الله } ترع نباتها وتشرب ماءها فهو من قبيل الاكتفاء نحو تقيكم الحر والمراد انه عليه السلام رفع عن القوم مؤونتها يعنى [ روزئ اوبر شمانيست ونفع اورا شماراست ] كما روى انها كانت تعى الشجرة وتشرب الماء ثم تفرج بين رجليها فيحلبون ما شاؤا حتى تمتلئ اوانيهم فيشربون ويدخرون وهم تسعمائة اهل بيت ويقال الف وخمسمائة ثم انه عليه السلام لما خاف عليها منهم لما شاهد من اصرارهم على الكفر فان الخصم لا يحب حجة خصمه بل يسعى فى اخفائها وابطالها باقصى ما يمكن من السعى فلهذا احتاط وقال { ولا تمسوها بسوء } [ ومرسانيدبوى آزارى ] فالباء للتعدية بولغ فى النهى عن التعرض لها بما يضرها حيث نهى عن المس الذى هو من مبادئ الاصابة ونكر السوء ليشمل جميع انواع الاذى من ضرب وعقر ذلك اى لا تضربوها ولا تطردوها ولا تقربوها بشيء من الاذى فضلا عن عقرها وقتلها { فيأخذكم عذاب قريب } اى قريب النزول وكانت تصيف بظهر الوادى فتهرب منها انعامهم الى بطنه وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم الى ظهره فشق عليهم ذلك

(5/460)


فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

{ فعقروها } عقرها قدار بامرهم ورضاهم وقسموا لحمها على جميع القرية . والعقر قطع عضو يؤثر فى النفس وقدار كهمام بالدال المهملة اسم رجل وهو قدار بن سالف وتفصيل القصة سبق فى سورة الاعراف
قال الكاشفى [ صالح عليه السلام دران وقت درميان قوم نبود وجون بيامد حال با تقريد كردند ] { فقال } لهم صالح { تمتعوا } اى عيشوا { فى داركم } فى بلدكم ومنازلكم وتسمى البلاد الديار لانه يدار فيها اى تصرف يقال دياربكر لبلادهم وتقول العرب الذين حوالى مكة نحن من عرب لدار يريدون من عرب البلد كما فى بحر العلوم { ثلاثة ايام } الاربعاء والخميس والجمعة فانهم عقروها ليلة الارعاء واهلكوا صبيحة يوم السبت كما فى التبيان قيل قال لهم تصبح وجوهكم غذا مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب وكان كما قال { ذلك } اشارة الى ما يدل عليه الامر بلتمتع ثلاثة ايام من نزول العذاب عقيبها { وعد غير مكذوب } اى غير كذب كالمجلود بمعنى الجلد الذى هو الصلابة والجلادة او غير مكذوب فيه فحذف حرف الجر فاتصل الضمير باسم المفعول باقامته مقام المفعول به توسعا كما يقال شهدناه والاصل عهدنا فيه فاجرى الظرف مجرى المفعول وذلك لان الوعد انما يوصف بكونه غير مكذوب اذا كان من شأنه ان يكون مكذوبا وليس كذلك لان المصدوق والمكذوب من كان مخاطبا بالكلام المطابق للواقع وغير الواقع وقلما يوصف بها الا الانسان الصالح للخطاب
والاشارة ان القوم انما فعلوا ذلك جهلا منهم بحقيقة الامر ولاداء ادوأ من الجهل والدنيا مسكن النفس ومقرها والتمتع فيها ثلاثة ايام اليوم الاول هو يوم الجهل وفيه تصفر الوجوه واليوم الثانى هو يوم الغفلة وفيه تحمر الوجوه واليوم الثالث هو يوم الرين ولختم على القلوب وفيه تسود الوجوه فلا يبقى الا العذاب
فعلى العاقل ان يزيل حجاب الجهل بمعرفة الله تعالى والغفلة بليقظة قبل حصول الرين فانه عند حصوله لا يوجد له العلاج فانه الداء العضال ونعوذ بالله تعالى وكما تتلون الوجوه بنار الجلال كذلك تتلون بنور الجمال كما قال ذو النون المصرى بينما انا فى طريق البصرة اذ سمعت قائلا يقول يا شفيق يا رفيق ارفق بنا فطلبت الصوت فاذا انا بجارية متطلعة من قصر مشرف فقلت اراك مسفرة بغير خمار فقالت ما يصنع بالخمار وجه قد علاه الصفار وقلت ومم الصفار قالت من الخمار قلت يا جارية عساك تناولت من الشراب قالت نعم شربت البارحة بكأس الودّ مسرورة فاصبحت غذاة صباحى هذا من شوقه مخمورة قلت اراك حكيمة فعظينى قالت عليك بالسكوت ولزوم خدمته فى ظلم البيوت حتى يتوهم الناس انك مبهوت وارض من الله بالقوت واستعد ليوم تموت لكى يبنى لك بيت فى الملكوت اساسه من الزبرجد والياقوت : وفى الثنوى
روح همجون صالح وتن ناقه است ... روح تندر وصل وتن در فاقه است
روح صالح قابل آفات نيست ... زخم بر ناقه بود بر ذات نيست
روح صالح قابل آزار نيست ... نوريزدان سغبه كفار نيست
جسم كاخىرا بدو بيوسته جان ... ا بيازارند و بينند امتحان
بى خبر كازار اين آزار اوست ... آب اين خم متصل باآب جوست
ناقه جسم ولى را بنده باش ... تاشوى باروح صالح خواجه تاش

(5/461)


فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)

{ فلما جاء امرنا } [ بس آن هنكام كه آمد فرمان ما بعذاب ايشان ] { نجينا } التنجية [ نجات دادن ] { صالحا والذين آمنوا معه } متعلق بنجينا وبآمنوا وهو الاظهر اذا المراد آمنوا كما آمن صالح واتبعوه فى ذلك لا ان زمان ايمانهم مقارن لزمان ايمانه فان ايمان الرسول مقدم على ايمان من اتبعه من المؤمنين { برحمة } اى ملتبسين بمجرد رحمة عظيمة { منا } وفضل لا باعمالهم كما هو مذهب اهل السنة قال فى التأويلات النجمية هى توفيقاعمال النجاة
وقال فى الارشاد هى بالنسبة الى صالح النبوة والى المؤمنين الايمان { ومن خزى يومئذ } عطف على نجينا اى ونجيناهم من خزى يومئذ اى من زلة ومهانته وفضيحته ولا خزى اعظم من خزى من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه
قال ابن الشيخ كرر نجينا لبيان ما نجاهم منه وهو هلاكهم يومئذ اى يوم اذا جاء امرنا فان اذ مضافة الى جملة محذوفة وعوض عنها التنوين او هو الذل والهوان الذى نزل بهم فى ذلك اليوم ولزمهم بحيث بقى ما لحقهم من العار بسببه مأثورا عنهم ومنسوبا اليهم الى يوم القيامة فان معنى الخزى العيب الذى تظهر فضيحته ويستحيى من مثله
واعلم ان ظرف الزمان اذا اضيف الى مبنى جاز فيه البناء والاعراب فمن قرأ بفتح الميم بناه لاضافته الى مبنى وهو اذ الغير المتمكن ومن قرأ بكسرها اعربه لاضافة الخزى اليه والقراءة الاولى لنافع والكسائى والثانية لغيرهما { ان ربك } يا محمد { هو القوى } القادر على كل شيء { العزيز } الغالب عليه لا غيره
وقال الكاشفى { هو القوى } [ اوست توانا بنجات مؤمنان { العزيز } غالب بردشمان برهلاك ايشان } ولكون الاخبار بتنجية الاولياء لا سيما عند الانباء بحلول العذاب اهم ذكرها اولا ثم اخبر بهلاك الاعداء

(5/462)


وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)

{ واخذ الذين ظلموا } انفسهم { الصيحة } اى صيحة جبرائيل عليه السلام وهو فاعل اخذ والموصول مفعول والصيحة فعلة تدل على المرة من الصياح وهو الصوت الشديد يقال صاح يصيح صياحا اى صوت بقوة وفى سورة الاعراف { فاخذتهم الرجفة } اى الزلزلة ولعلها وقعت عقيب الصيحة المستتبعة لتموج الهواء
قال الكاشفى [ در زاد المسير آورده كه در آن سه روز كه وعده حيات داشتد درخانها خود ساكن شده قبرها كنديدند ومنتظر عذاب مى بودند جون روزجهارم آفتاب طالع شده وعذاب نيامد ازمنازل بيرون آمده يكديكررا مى خواندند واستهزا ميكردندكه تاكاه جبرائيل برصورت اصل خويش بايش برزمين وسر بر آسمان برهاى خويش نشر كرده از مشرق تا مغرب بايهاى وى زرد وبالهايش سبز ودندانهاى سفيد وبراق وبيشانى باجلا ونورانى ورخساى برافروخته وموى سروى سرخ برنك مرجان ظاهر شده واوفق را بيوشيد وقوم ثمود آن حالرا مشاهده نمودند وروى بمساكن نهاده بقبور درآمدند جبرائيل نعره زدكه موتوا عليكم لعنة الله بيكبار همه مردند وزلزله درخانها افتاده سقفها برايشان فرود آمد ] { فاصبحوا } اى صاروا { فى ديارهم } فى بلادهم او فى مساكنهم { جاثمين } خامدين ميتين لا تحركون والمراد كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب بهم من غير اضطراب وحركة كما يكون ذلك عند الموت المعتاد . ولا يخفى ما فيه من الدلالة على شدة الاخذ وسرعته اللهم انا نعوذ بك من حلول غضبك . وجثومهم سقوطهم على وجوههم او الجثوم السكون يقال للطير اذا باتت فى اوكارها جثمت ثم ان العرب اطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموت
قال فى بحر العلوم يقال الناس جثم اى قعود لا حراك بهم ولا ينسبون بهم ولا ينسبون بنسبة ومنه المجثمة التى نهى الشرع عنها وهى البهيمة تربط وتوجمع قوائمها لترمى : وفى المثنوى
شحنة قهر خدا ايشان بجست ... خونبهاى اشترى شهرى درست
جون همه درنا اميدى سرزدند ... همجو اشتر دردو زانو آمدند
در نبى آورد جبريل امين ... شرح اين زانو زدن را جاثمين
زانو آندم زن كه تعليمت كنند ... وز جنين زاتو زدن بيمت كنند

(5/463)


كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)

{ كأن لم يغنوا فيها } اى كأنهم لم يقيموا فى ديارهم ولم يكونوا احياء مترددين متصرفين وهو فى موقع الحال اى اصبحوا جاثمين مماثلين لمن لم يوجد ولم يقم فى مقام قط . والمغنى المنزل والمقام الذى يقيم الحى به يقال غنى الرجل بمكان كذا اى اقام به وغنى اى عاش { ألا } [ بدانيد ] { ان ثمود كفروا ربهم } جحدوا بوحدانية الله تعالى فهذا تنبيه وتخويف لمن بعدهم { الا بعدا } [ دورى وهلاك ] { لثمود } فقوله بعدا مصدر وضع موضع فعله فان معناه بعدوا اى هلكوا واللام لبيان من دعى عليهم وفائدة الدعاء عليهم بعد هلاكهم الدلالة على استحقاقهم عذاب الاستئصال بسبب كفرهم وتكذيبهم وعقرهم ناقة الله تعالى
وعن جابر رضى الله عنه ان رسول الله لما نزل الحجر فى غزوة تبوك قام فخطب الناس فقال « يا ايها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات هؤلاء قوم صالح سالوا نبيهم ان يبعث لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون من لبنها مثل الذى كانوا يشربون من مائها يوم غبها فعتوا عن امر ربهم فقال تمتعوا فى داركم ثلاثة ايام وكان وعدا من الله غير مكذوب ثم جاءتهم الصيحة فاهلك الله من كان فى مشارق الارض ومغاربها منهم الا رجلا كان فى حرم الله فمنعه حرام الله من عذاب الله يقال له ابورغال » قيل له يا رسول الله من ابو رغال قال « ابو ثقيف »
الاشارة فيه انه اشار الى اهلاك النفس وصفاتها بعذاب البعد وصاعقة القهر الا ما كان فى حرم الله تعالى وهو الشريعة يعنى النفس وصفاتها ان لم تكن آمنت ولكن التجأت الى حرم الشريعة ىمنت من عذاب البعد فتكون بقدر التجائها فى القرب وجوار الحق وهو الجنة ولهذا قال تعالى للنفس المطمئنة { فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى } كما فى التأويلات النجمية . والناس فى القرب والبعد والسلوك والترك على طبقات . فمنهم من اختار الله له فى الازل البلوغ اليه بلا كسب ولا تعمل فوقع مفطورا على النظر اليه بلا اجتهاد بدفع غيره عن مقتضى قصده . ومنهم من شغلته الاغيار عن الله زمانا فلم يزل فى علاج وجودها بتوفيق الله تعالى حتى افناها ولم يبق له سواه سبحانه . ومنهم من بقى فى الطريق ولم يصل الى المقصد الاقصى لكون نشأته غير حاملة لما اراده . ومنهم من لم يدر ما الطريق وما الدخول فيها فبقى فى مقامه الطبيعى : قال الحافظ
قومى بجدوجهد خريدند وصل دوست ... قومى دكر حواله بتقدير ميكنند
اما الاول فاخذوا بقوله تعالى { والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا } فالوصل اذا مما للكسب مدخل فيه فيكون كالوزارة الممكن حصولها بالاسباب . واما الثانى فجعلوا الوصل من الاختصاصات الالهية التى ليس للكسب مدخل فيها عند الحقيقة فهو كالسلطنة قال الله تعالى { قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء } وقال { يؤتى الحكمة من يشاء } وقال { وما يمسك فلا مرسل له } هكذا لاح للخاطر والله اعلم بالبواطن والظواهر

(5/464)


وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)

{ ولقد جاءت رسلنا ابراهيم } اى وبالله لقد جاء جبريل وجمع من الملائكة معه فى صورة الغلمان الذين يكونون فى غاية الحسن والبهاء والجمال الى ابراهيم عليه السلام { بالبشرى } اى ملتبسين بالبشارة بالولد من سارة بدليل ذكره فى سورا اخرى ولانه اطلق البشرى هنا وقيد فى قوله { فبشرناها باسحق } والمطلق محمول على المقيد { قالوا } استئناف بيانى { سلاما } اى سلمنا عليك سلاما او نسلم . وبالفارسية [ سلام ميكنيم برتو سلام كردنى ] { قال } ابرهيم عليكم { سلام } حياهم باحسن من تحيتهم لان الجملة الفعلية دالة على التجدد والحدوث والاسمية دالة على الثبات والاستمرار
قال الكافى [ ابراهيم عليه السلام ندانست كه فرشتكانند ايشانرا درمهما نخانه نشانيد ] { فما } نافية { لبث } مكث ابراهيم { ان جاء بعجل } ولد البقرة { حنيذ } يعنى [ بس درنك نكرد تا آنكه آورد كوساله بريان كرده برسنك كرم ] والنيذ هو المشوى فى حفرة من الارض بالحجارة المحماة بغير تنور ومن غير ان تمسه النار كفعل اهل البادية فانهم يشوون فى الاخدود بالحجارة المحماة
وفى الكواشى حنيذ مشوى فى حفيرة يقطر دسما من خذت الفرس اذا وضعت اليه جلاله ليسيل عرقه
وفى التأويلات النجمية { قالوا سلاما } اى نبلغك سلاما قولا من رب رحيم { قال سلام } اى علينا سلام الجليل وهذا كما كان حال الحبيب ليلة اسرى به قال ( السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته ) قال الحبيب « السلام علينا وعلى عبادنا الصالحين » والفرق بين الحبيب والخليل ان سلام الحبيب بلا واسطة وسلام الخليل بواسطة الرسل وفى سلام الحبيب والخليل ان سلام الحبيب بلا واسطة وسلام الخليل بواسطة الرسل وفى سلام الحبيب زيادة رحمة الله وبركاته { فما لبث ان جاء بعجل حنيذ } تكرمه لسلام الخليل واعزازا لرسله انتهى
قاصد دلبر كه آرد يك بيام ... از حبيب من كه أمديك سلام
مزدكانه مال وجانم مى دهم ... هرجه ميدارم براهش مة نهم

(5/465)


فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

{ فلما رأى ايديهم لا تصل اليه } لا يمدون الى العجل ايديهم للاكل { نكرهم } انكر ذلك منهم ولم يعرف سبب عدم تناولهم منه وامتناعهم عنه { واوجس } الايجاس الادراك . وفى التهذيب [ بيم دردل كرفتن ] اى احس وادرك { منهم } من جهتهم { خيفة } لما وقع فى نفسه انهم ملائكة وان نزولهم لامر انكره الله عليه او لتعذيب قومه
قال فى التأويلات النجمية ما كان خوف ابراهيم خوف البشرية بان حاف على نفسه فانه حين رمى بالمنجنيق الى النار ما خاف على نفسه وقال اسلمت لرب العالمين وانما كان خوفه خوف الرحمة والشفقة على قومه يدل عليه { قالوا الا تخف انا ارسلنا } بالعذاب { الى قوم لوط } خاصة ما ارسلنا الى قومك فكن طيب النفس وكان اخا سارة او ابن اخى ابراهيم عليهما السلام

(5/466)


وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)

{ وامرأته } سارة بنت هاران بن ناخور وهى ابنة عمه { قائمة } وراء الستر بحيث تسمع محاوراتهم او على رؤسهم للخدمة وكانت نساؤهم لا تحجب كعادة الاعراب ونازلة البوادى والصحراء ولم يكن التبرج مكروها وكانت عجوزا وخدمة الضيفان مما يعد من مكارم الاخلاق والجملة حال من ضمير قالوا اى قالوا لابراهيم لا تخف فى حال قيام امرأته { فضحكت } سرورا بزوال الخوف { فبشرناها باسحق } اى عقبنا سرورها بسرور اتم منه على ألسنة رسلنا واسحاق بالعبرانية الضحاك { ومن وراء اسحق } الوراء فعال ولامه همزة ولامه همزة عند سيبويه وابى على الفارسى وياء عند العامة وهو من ظروف المكان بمعنى خلف وقدام فهو من الاضداد وقد يستعار للزمان كما فى هذا المكان . ولمعنى وهبنا لها بعد اسحاق { يعقوب } فهو من عطف جملة على جملة ولا يكون يعقوب على هذا مبشرا به
وقال فى التبيان اى بشروها بانها تلد اسحاق وانها تعيش الى ان ترى ولد الولد وهو يعقوب بن اسحاق والاسمان يحتمل وقوعهما فى البشارة كيحيى حيث سمى فى البشارة قال الله تعالى { انا نبشرك بغلام اسمه يحيى } ويحتمل وقوعهما فى احكاية بعد ان ولد فسميا باسحاق ويعقوب وتوجيه البشارة اليها لا اليه مع انه الاصل فى ذلك للدلالة على ان الولد المبشر به يكون منها ولانها كانت عقيمة حريصة على الولد وكان لابراهيم ولده اسماعيل من هاجر لان المرأة اشد فرحا بالولد
وقال ابن عباس ووهب فضحكت تعجبا من ان يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها وعلى هذا تكون الآية من التقديم والتاخير تقديره وامرأة قائمة فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب فضحكت كما فى بحر العلوم وتفسير ابى الليث
وقال فى التأويلات النجمية هذه البشارة لها ما كانت بشارة تتعلق ببشريتها وحيوانيتها وما كان ضحكها للسرور بحصول الابن الذى هو من زينة الدنيا وانما كان ضحكها لسرور نجاة القوم من العذاب زكانت بشارتها بنبوة ابنها اسحاق بعد ابراهيم ومن وراء اسحاق يعقوب اى بعد اسحاق يكون يعقوب نبيا وتكون النبوة فى عقبهم الى عهد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فانه يكون من عقب اسماعيل
قال الكاشفى عند قوله تعالى { بالبشرى } [ در حقايق آورده كه مزده بود بظهور حضرت سيد انبياء از صلب وى بآنكه خاتم بيغمبران وصاحب لواء حمداست وجه بشارت در مقابله اين تواند بودكه بدريرا جنين يسر باشد ]
خوش وقت آن بدركه جنين باشدش بسر ... ساباش ازان صدف كه جنين برورد كهر
آبا ازو مكرم وابنا ازو عزيز ... صلوا عليه ما طلع الشمس والقمر

(5/467)


قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)

{ قالت } كأنه قيل فما ذا قالت اذ بشرت بذلك فقيل قالت { يا ويلتا } اى يا عجبا اصله يا ويلتى فابدل من الياء الالف ومن كسرة التاء الفتحة لان الالف مع الفتحة اخف من الياء مع الكسرة واصل هذه الكلمة فى الشر لان الشخص ينادى ويلته وهى هلكته يقول ها تعالى واحضرى فهذا او ان حضورك ثم اطلق فى كل امر عجب كقولك يا سبحان الله وهو المراد هنا
قال سعدى المفتى اصل الدهاء بالويل ونحوه فى التفجع لشدة مكروه يدهم النفس ثم استعمل فى عجب يدهم النفس { ءالد } [ ايا من بزايم ] { وانا عجوز } بنت تسعين او تسع وتسعين سنة لم الد قط { وهذا } الذى تشاهدونه { بعلى } اى زوجى واصله القائم بالامر { شيخا } ابن مائة سنة او مائة وعشرين ونصبه على الحال والعامل معنى الاشارة
قال فى الكواشى كأنها اشارت الى معروف عندهم اى هذا المعروف بعلى ثم قالت شيخا اى اشير اليه فى حال شيخوخته ولو لم يكن معروفا عندهم لكان يجب ان يكون بعلها مدة شيخوخته ولم يكن بعلها مدة شبيبته ونحوه هذا زيد قائما ان اخبرت من يعرفه صح المعنى وان اخبرت من لا يعرفه لا يصح لانه انما يكون زيدا ما قام فاذا ترك القيام فليس بزيد وقدمت بيان حالها على بيان حال بعلها لان مباينة حالها لما ذكر من الولادة اكثر اذ ربما يولد للشيوخ من الشواب ولا يولد للعجائز من الشبان { ان هذا } اى حصول الولد اكثر اذ ربما يولد للشيوخ من الشواب ولا يولد للعجائز من الشبان { ان هذا } اى حصول الولد من هرمين مثلنا { لشيء عجيب } بالنسبة الى سنة الله المسلوكة فيما بين عباده ومقصدها استعظام نعمة الله عليها فى ضمن الاستعجاب العادى لا استبعاد ذلك بالنسبة الى قدرة الله تعالى لان التعجب من قدرة الله يوجب الكفر لكونه مستلزما للجهل بقدرة الله تعالى

(5/468)


قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

{ قالوا } منكرين عليها { اتعجبين من امر الله } اى من شأن الله تعالى بايجاد الولد من كبيرين
قال الكاشفى [ ازكاوخداى تعالى هيج عجيب نيست كه از صنع آلت واز فضل بى علت ازميان دو بير فرزندى بيرون آرد
قدرتى راكه بركمال بود ... كى جنينها از ومحال بود
قال سعدى المفتى اخذ جبريل عمودا من الارض يابسا فدلكه بين اصبعيه فاذا هى شجرة تهتز فعرفت انه من الله تعالى
وفى التأويلات النجمية { من امر الله } اى من قدرة الله تعالى فان لله تعالى سنة وقدرة فيجرى امر العوام بسنته وامر الخواص اظهارا للآية والاعجاز بقدرته ومثلها امرأة عمران وهى حنة كانت عاقرا لم تلد الى ان عجزت اى صارت عجوزا ثم حملت بمريم وقد سبق فى آل عمران فاذا كان هذا الحمل بقدرة الله تعالى خارقا للعادة لم يحتج الى الحيض ايضا فى كبر السن كما فسر بعض العلماء قوله تعالى { ضحكت } بحاضت قيل لما صلب الحجاج عبد الله بن الزبير جاءته امه اسماء بنت ابى الصديق فلما رأته حاضت مع كبر سنها وقد بلغت مائة سنة وخرج اللبن من ثدييها وقالت حنت اليه مراتعه ودرت عليه مراضعه { رحمة الله } التى وسعت كل شيء واستبقت كل خير { وبركاته } خيراته النامية المتكاثرة فى كل باب التى من جملتها هبة الاولاد حالتان { عليكم } لازمتان لكم لا تفارقاكم يا { اهل البيت } ارادوا ان هذه وامثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالانعام به يا اهل بيت النبوة فليست بمكان عجب . والجملة مستأنفة فقيل خبر وهو الاظهر وقيل دعاء وقيل الرحمة النبوة والبركات الاسباط من نبى اسرائيل لان الانبياء منهم وكلهم من ولد ابراهيم عليه السلام ومثله قصة نوح عليه السلام { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك } وقد سبق { انه } اى الله تعالى { حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده لا سيما فى حقها { مجيد } كثير الخير والاحسان الى عباده خصوصا فى ان جعل بيتها مهبط البركات
وفى التأويلات النجمية { حميد } على ما يجرى من السنة والقدرة { مجيد } فيما ينعم به على العوام والخواص واصل المجد فى كلامهم السعة
قال ابن الشيخ المجد الكرم والمجيد صيغة مبالغة منه
وقال الامام الغزالى رحمه الله المجيد الشريف ذاته الجميل لفعاله الجزيل عطاؤه ونواله فكان شريف الذات اذا قارنه حسن الفعال سمى مجيدا

(5/469)


فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

{ فلما ذهب عن ابراهيم الروع } اى زال الخوف والفزع الذى اصابه لما لم يأكلوا من العجل واطمأن قلبه بعرفانهم بحقيقتهم الملكية وعرفان سبب مجيئهم { وجاءته البشرى } بنجاة قومه كما { قالوا لا تخف انا ارسلنا الى قوم لوط } او بالولد اسحاق كما قال { فبشرناها باسحق } وابراهيم اصل فى التبشير كما قال فى سورة اخرى { وبشرناه بغلام حليم } { يجادلنا } اى جادل وخاصم رسلنا لانه صرح فى سورة العنكبوت بكون المجادلة مع الرسل وجيئ بجواب لما مضارعا مع انه ينبغى ان يكون ماضيا لكونها موضوعة للدلالة على وقوع امر فى الماضى لوقوع غيره فيه على سبيل الحكاية الماضية { فى قوم لوط } فى شانهم وحقهم لرفع العذاب جدال الضعيف مع القوى لا جدال القوى مع الضعيف بل جدال المحتاج الفقير مع الكريم الغنى وجدال الرحمة والمعاطفة وطلب النجاة للضعفاء والمساكين الهالكين وكان لوط ابن اخيه وهو لوط بن آزور بن آزر وابراهيم بن آزر ويقال ابن عمه وسارة كانت اخت لوط فلما سمعا بهلاك قوم لوط اغتما لاجل لوط فطفق ابراهيم يجادل الرسل حين قالوا انا مهلكوا اهل هذه القرية فقال أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا نقول فاربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا لا قال أرأيتم ان كان فيها رجل واحد مسلم اتهلكونها قالوا لا فعند ذلك قال فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجيه واهله

(5/470)


إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)

{ ان ابراهيم لحليم } غير عجول على الانتقام ممن اساء اليه { اواه } كثير التأوه على الذنوب والتأسف على الناس
وفى ربيع الابرار معنى التأوه الدعاء الى الله بلغة توافق النبطية { منيب } راجع الى الله تعالى بما يجب ويرضى اى كان جداله بحلم وتأوه عليهم فان الذى لا يتعجل لفى مكافأة من يؤذيه يتأوه اى يقول أوه وآه اذا شاهد وصول الشدائد الى الغير وانه مع ذلك راجع الى الله فى جميع احواله اى مان بعض احواله مشوبا بعلة راجعة الى حظ نفسه بل كان كله لله فتبين ان رقة القلب حملته على المجادلة فيهم رجاء ان يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والانابة كما حملته على الاستغفار لابيه
يقول الفقير دلت الآية على ان المجادلة وقعت فى قوم لوط ودلت التفاسير على انها وقعت فى لوط نفسه والمؤمنين معه ولا تنافى بينهما فان عموم الرحمة التى حملته عليها نشأة الانبياء عليهم السلام لا يميز بين شخصين وشخص فان الامة بالنسبة الى النبى كالاولاد بالنسبة الى الاب وكفرهم لا يرفع الرحمة فى حقهم ويدل عليه حال نوح مع ابنه كنعان كما وقفت عليه فيما سبق وانما مجيئ البشرى فى حق قومه فقط فبقى الالم فى حق الغير على حاله واتصال القرابة بين ابراهيم ولوط يقتضى ان يكون قوم لوط فى حكم قوم ابراهيم فافهم

(5/471)


يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

{ يا ابراهيم } على ارادة القول اى قالت الملائكة يا ابراهيم { اعرض عن هذا } الجدال بالحلم والرحمة على غير اهل الرحمة { انه } اى الشان رقد جاء امر ربك } قدره بمقتضى قضائه الازلى بعذابهم وهو اعلم بحالهم والقضاء هو الارادة الازلية والعناية الالهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص والقدرة تعلق الارادة بالاشياء فى اوقاتها { وانهم آتيهم عذاب غير مردود } غير مصروف عنهم بجدال ولا بدعاء ولا بغير ذلك وانك مأجور مثاب فيما جادلتنا لنجاتهم وهذا كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول « شفعوا تؤجروا وليقصنّ الله على لسان نبيه ما شاء » قال ابن الملك فى شرح الحديث لا يخفى ان مطلق الشفاعة لا يكون سببا للاجر فيحمل على ان تكون الشفاعة لارباب الحوائج المشروعة كدفع ظلم وعفو عن ذنب ليس فيه حد انتهى
والحد واجب فى اللواطة عند الامامين لانهما الحقاها بالزنى . وعند ابى حنيفة يعزر فى ظاهر الرواية وزاد فى الجامع الصغير ويودع فى السجن حتى يتوب . وروى عنه الحد فى دبر الاجنبية ولو فعل هذا بعبده او امته او منكوحته لا يحد بلا خلاف
وفى الشرح الاكملى والظاهر ان ما ذهب اليه ابو حنيفة انما هو استعظام لذلك الفعل فانه ليس فى القبح بحيث يجازى بما يجازى القتل او الزنى وانما التعزير الفتنة الناجزة كما انه يقول فى اليمين الغموس انه لا يجب فيه الكفارة لانه لعظمه لا يستتر بالكفارة
يقول الفقير الظاهر ان اتيان العذاب الغير المردود لاصرارهم على الكفر والتكذيب بعد استبانة الحق واللواطة من جملة اسباب الاتيان كالعقر لناقة الله بالنسبة الى قوم صالح -روى- ان الرسل الذين بشروا ابراهيم خرجوا بعد هذه المجادلة من عنده وانطلقوا الى قرية لوط سدوم وما بين القريتين اربعة فراسخ فانتهوا اليها نصف النهار فاذاهم بجوار يستقين من الماء فابصرتهم ابنة لوط وهى تستقى الماء فقالت لهم ما شأنكم واين تريدون قالوا اقبلنا من مكان كذا ونريد كذا فاخبرتهم عن حال اهل المدينة وخبثهم فاظهروا الغم من انفسهم فقالوا هل احد يضفنا فى هذه القرية قالت ليس فيها احد يضيفكم الا ذاك الشيخ فاشارت الى ابيها لوط وهو قائم على بابه فاتوا اليه
وقال الكاشفى [ جون نزديك شهر سدوم رسيدندكه لوط در انجا مى بودنكاه كردند ديدندكه وى درزمين كار ميكرد بيش وى رفتند وسلام كردند ] فلما رىهم وهيئتهم ساءه ذلك وهو قوله تعالى

(5/472)


وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)

{ ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم } [ اندوهكين شد بديشان ] وهو فهل مبنى للمفعول والقائم مقام الفاعل ضمير لوط من قولك ساءنى كذا اى حصل لى منه سوء وحزن وغم وبهم متعلق به اى بسببهم . والمعنى ساءه مجيئهم لا لانهم جاؤا مسافرين وهو لا يود الضيف وقراه فحاشى بيت النبوة عن ذلك بل لانهم جاؤا فى صورة غلمان حسان الوجوه فحسب انهم اناس فيخاف عليهم ان يقصدهم قومه فيعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم
وفيه اشارة الى عروض الهمّ والحزن له لهلاك قومه بالعذاب فانظر الى التفاوت بين ابراهيم ولوط وبين قومهما حيث كان مجيئهم لابراهيم للمسرة وللوط للمساءة مع تقديم المسرة لان رحمة الله سابقة على غضبه -وروى- ان الله تعالى قال لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط اربع شهادات فلما اتوا اليه قال لهم أما ابلغكم امر هذه القرية قالوا وما امرها قال اشهد بالله انها لشر قرية فى الارض عملا يقول ذلك اربع مرات فدخلوا منزله ولم يعلم بذلك احد فاذاع خبرهم امرأته الكافرة كما ستقف عليه { وضاق بهم ذرعا } [ وتنك دل شد بجهت ايشان ] وذرعا نصب على التمييز اى ضاق بمكانهم صدره او قلبه او وسعه وطاقته وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة امكروه والاحتيال فيه يقال ضاق ذرع فلان بكذا اذا وقع فى مكروه ولا يطيق الخروج منه . وفى الاخترى ضاق به ذرعا اى طاقة وضاق بالامر اى لم يطقه ولم يقو عليه وكان مد اليه يده فلم تنله . قال الازهرى الذرع يوضع موضع الطاقة والاصل فيه البعير يذرع عن ذلك فضعف ومد عنقه وجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة فيقال مالى به ذرع ولا ذراع اى مالى به طاقة { وقال هذا يوم عصيب } اى شديد علىّ وهو لغة جرهم كما فى ربيع الابرار ثم قال لوط لامرأته ويحك قومى اخبزى ولا تعلمى احدا وكانت امرأته كافرة منافقة فانطلقت لطلب بعض حاجاتها فجعلت لا تدخل على احد الا اخبرته وقالت ان فى بيت لوط رجالا ما رأيت احسن وجوها منهم ولا انظف ثيابا ولا اطيب رائحة فلما علموا بذلك جاؤا الى باب لوط مسرعين

(5/473)


وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)

قوله تعالى { وجاءه } اى لوطا وهو فى بيته مع اضيافه { قومه } والحال انهم { يهرعون اليه } يسرعون اليه كأنما يدفعون دفعا طلبا للفاحشة من اضيافه غافلين عن حالهم جاهلين بمآلهم والاهراع والاسراع
قال فى التهذيب الهرع [ براندن سخت وشتابانيدن ] يقال اهرع القوم وهرعوا { ومن قبل كانوا يعملون السيآت } الجملة ايضا من قومه اى جاؤا مسرعين والحال انهم كانوا من قبل هذا الوقت وهو وقت مجيئهم الى لوط منهمكين فى عمل الفواحش [ عملهاى بد از لواطه وكبوتر بازى وصفير زدن درمجالس وبراى استهزا نشستن برسرراهها ] فتمرنوا بها اى تعودوا واستمروا حتى لم تعب عندهم قباحتها ولذلك لم يستحيوا مما فعلوا من مجيئهم مهرعين مجاهرين
وفى التأويلات النجمية كانوا يعملون السيآت الموجبة للهلاك والعذاب فجاوا مسرعين مستقبلى العذاب وطلبوا من بيت النبوة من اهل الطهارة معاملة ساءتهم بخباثة نفوسهم بذلك كمال الشقاوة وسرعة العذاب انتهى
ودل ما ذكر ان جهار الفسق فوق اخفائه ولذا رد شهادة الفاسق المعلن وفى الحديث « كل تمتى معافى الا المجاهرون » اى لكن المجاهرون بالمعاصى لا يعافون بل يؤخذون فى الدنيا ان كانت مما يتعلق بالحدود واما فى الآخرة فمطلقا : قال السعدى قدس سره
نه هركز شنيدم درين عمر خويش ... كه بد مردرا نيكى آمد بيبش
نه ابليس بدكرد ونيكى نديد ... بر باك نايد زتخم بليد
{ قال يا قوم } [ اى قوم من ] { هؤلاء } مبتدأ خبره قوله { بناتى } الصلبية فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم مشروعيته فان تزويج المسلمات من الكفار كان جائزا فى شريعته وهكذا فى اول الاسلام بدليل انه عله السلام زوج ابنتيه من ابى العاص بن وائل وعتبة بن ابى لهب قبل الوحى وهما كافران ثم نسخ ذلك بقوله تعالى { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } وقيل لهم سيدان مطاعان فاراد ان يزوجهما ابنتيه واياما كان فقد اراد به وقاية ضيفه وذلك غاية فى الكرم { هن } مبتدأ خبره قوله { اطهر لكم } هذا لا يدل على ان اتيان الذكور كان طاهرا كما لا يدل قولك النكاح اطهر من الزنى على كون الزنى طاهرا لانه خبث ليس فى شيء من الطهارة لكن هؤلاء القوم اعتقدوا ذلك طهارة فبنى ذلك على زعمهم الفاسد واعتقادهم الباطل وهو مثل ما قال النبى عليه السلام لعمر رضى الله عنه « الله اجل واعلى » جوابا لابى سفيان حيث قال اعل هبل اعتقد علو صنمه وذلك اعتقاد فاسد لا شبهة فيه
يقول الفقير عرض عليهم اولا بناته لكى يرغبوا فيهن فينسد باب الفتنة ففيه حسن دفع لهم من اول الامر وبناته وان لم تف للجميع لكثير لانه على ما روى كان له بنتان لكنه اذا رضى بهن البعض ممن كان مكاعا انقطع عرق النزاع منالاتباع ولئن سلم انه لم يكن فيهم مطاع فلقد شاهدنا اندفاع شر كثير بخير يسير ثم حكم بكونهن اطهر وهو للزيادة لمطلقة على ما ذهب اليه الرازى فى الكثير تأكيدا فانه اذا كان المحيض اذى وقذرا يجب التجنب عنه مع كون المحل مباح الاصل فلأن يكون الجزاء كذلك اولى مع كون المحل حرام الاصل { فاتقوا الله } بترك الفواحش او بايئارهن عليهم { ولا تحزون } [ مرا رسواى نكنيد ] { فى ضيفى } فى حقهم وشأنهم فان اخزآء ضيف الرجل اخزاؤه كما ان اكرام من يتصل به اكرامه .

(5/474)


والضيف مصدر فى الاصل يكون للقليل والكثير { أليس منكم رجل رشيد } رجل واحد يهتدى الى الحق ويرعوى عن القبيح
وقال الكاشفى [ آيانيست ازشما مردى راه يافته كه شمارا بند دهد واز عملهاى بد باز دارد ]
وفى التأويلات النجمية رجل رشيد يقبل نصحى ويتوب الى الله بالصدق فينجيكم من العذاب ببركته انتهى
وذلك لان الواحد على الحق كالسواد الاعظم وكالاكسير

(5/475)


قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79)

{ قالوا لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق } من حاجة اى لا رغبة لنا فيهن فلا ننكحهن ومقصودهم ان نكاح الاناث ليس من عاداتنا ومذهبنا ولذا قالوا علمت فان لوطا ان يعلم ذلك ولا يعلم عدم رغبتهم فى بناته بخصوصهن ويؤيده قوله { وانت لتعلم ما نريد } وهو اتيان الذكور وهو فى الحقيقة طلب ما اعد الله لهم فى الازل من قهره يعنى الهلاك بالعذاب ولما يئس من ارعوائهم عماهم عليه من الغى

(5/476)


قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

{ قال لو ان لى بكم قوة } لو للتمنى وهو الانسب بمثل هذا المقام فلا يحتاج الى الجواب وبكم حال من قوة اى بطشا والمعنى بالفارسية [ كاشكى مرا باشد بدفع شما قوتى ] { او آوى الى ركن شديد } عطف على ان لى بكم لما فيه من معنى الفعل الركن بسكون الكاف وضمها الناحية من الجبل وغيره اى لو قويت على دفعكم ومقاومتكم بنفسى او التجأت الى ناصر عزيز قوى استند اليه واتمنع به فيحميني منكم شبه بركن الجبل فى الشدة والمنعة
وقال الكاشفى [ يابناه كيرم وباز كردم بركنئ سخت يعنى عشيره وقبيله كه بديشان منع شماتوانم كرد ] وكان لوط رجلا غريبا فيهم ليس له عشيرة وقبيلة يلتجئ اليهم فى الامور الملمة والغريب يعينه احد غالبا فى اكثر البلدان خصوصا فى هذا الزمان : قال الحافظ
تيمار غريبان سبب ذكر جميلست ... جانا مكر اين قاعده درشهر شمانيست
وانما تمنى القوة لان الله تعالى خلق الانسان من ضعف كما قال { خلقكم من ضعف } والعارف ينظر الى هذا الضعف ذوقا وحالا ولذا قيل ان العارف التام المعرفة فى غاية العجز والضعف عن التأثير والتصرف لانقهاره تحت الوحدة الجمعية وقد قال تعالى { فاتخذه وكيلا } والوكيل هو المتصرف فان الهم التصرف بجزم تصرف وان منع امتنع وان خير اختار ترك التصرف الا ان يكون ناقص المعرفة : وفى المثنوى
ماكه باشيم اى تومار جان جان ... تاكه ما باشيم باتو درميان
دست نى تادست جنباند بدفع ... نطق نى تادم زند از ضر ونفع
بيش قدرت خلق جمله باركه ... عاجزان جون بيش سوزن كاركه
وفى الحديث « رحم الله اخى لوطا كان يأوى لى ركن شديد » وهو نصر الله ومعونته
واختلف فى معناه
فقال الكاشفى يعنى [ بخداى بناه كرفت وخداى اورايارى دادكه ملجأ درماندكان جزدركاه اونيست ]
آستانش كه قبله همه است ... دربناهش زماهى تايمه است
هركه دل در حمايتش بستست ... ازغم هردو كون وارستست
وقال ابن الشيخ اى كان يريد ويتمنى ان يأوى الى ركن شديد وفى قوله { رحم الله } اشارة الى ان هذا الكلام عن لوط ليس مما ينبغى من حيث انه يدل على قنوط كلى ويأس شديد من ان يكون له ناصر ينصره والحال انه لا ركن اشد من الركن الذى كان ياوى اليه أليس اله بكاف عبده انتهى
وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما بعث الله نبيا بعد لوط الا فى عز من قومه يعنى استجيب دعوته ضرورة وكان صلى الله عليه وسلم يحميه قبيلته كأبى طالب فانه كان يتعصب للنبى ويذب عنه دائما وانما اضطر الى الهجرة بعد وفاته -روى- ان لوطا اغلق بابه دون اضيافه حين جاؤا واخذ يحاولهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما بلوط من الكرب

(5/477)


قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

{ قالوا يا لوط انا رسل ربك لن يصلوا اليك } بضرر ولا مكروه ولن يخزوك فينا وان ركنك شديد فافتح الباب ودعنا واياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه تعالى فى عقوبتهم فاذن الله فقام فى الصورة لتى يكون فيها فنشر جناحه وله جناحان وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا فضرب بجناحه وجوههم فطمس اعينهم واعمالهم كما قال تعالى { فطمسنا اعينهم } فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون النجاء النجاء قال فى بيت لوط سحرة وهددوا لوطا وقالوا مكانك حتى نصبح { اسر باهلك } الاسراء بالفارسية [ رفتن بشب ] وهو لازم ومتعد وكذا السرى فان معناه [ رفتن بشب ] والمصدر على فعل خص به المعتل كما فى التهذيب والمعنى كما قال الكاشفى [ ببركشان خودرا ] { بقطع من الليل } القطع فى آخر الليل
وقال ابن عباس بطائفة من الليل والمعنى [ ببار شب يعنى بعد از كذشتن برخى ازشب ] فالباء فى باهلك للتعدية ويجوز ان تكون للحال اى مصاحبا بهم وفى قوله بقطع الحال اى مصاحبين بقطع على ان المراد به ظلمة الليل وقيل الباء فيه بمعنى فى اى اخرجوا ليلا لتستبقوا نزول العذاب الذى موعده الصبح { ولا يلتفت منكم احد } منك ومة اهلك اى لا يتخلف ولا ينصرف عنى امتثال المأثور به اولا ينظر الى ورائه فالظاهر على هذا انه كان لهم فى البلد اموال واقمشة واصدقاء فالملائكة امروهم بان يخرجوا ويتركوا تلك الاشياء ويقطعوا تعلق قلوبهم كما قال فى التأويلات النجمية { ولا يلتفت منكم احد } الى ما هم فيه من الدنيا وزينتها ومتاعها اراد به تجرد الباطن عن الدنيا وما فيها فان النجاة من العذاب والهلاك منوط به انتهى وفى الحديث « اللهم امض لاصحابى هجرتهم ولا تردهم على اعقابهم » اى انفذها وتممها لهم ولا تمسهم فى بلدة هاجروا منها لئلا ينتقض الثواب بالركون الى الوطن
قال ابو الليث فى تفسيره جمع لوط اهله وابنتيه ريثا ورعورا فحمل جبريل لوطا وبناته وماله على جناحه الى مدينة زغر وهى احدى مدائن لوط وهى خمس مدائن وهى على اربع فراسخ من سدوم ولم يكونوا على مثل عملهم انتهى ويخالفه الامر بالاسراء كما لا يخفى
وقال فى بحر العلوم وانما نهوا على الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التوقف لان من يلتفت الى ما وراءه لا بدله من ادنى وقفة { الا امرأتك } استثناء من قوله تعلاى { فأسر باهلك } { انه } اى الشان { مصيبها ما اصابهم } من العذاب
بابدن ياركشت همسر لوط ... خاندان نبوتش كم شد
يعنى وقعت اهل بيت نبوته فى الضلالة فهلكت والمراد امرأته فانها مع تشرفها بالاضافة الى بيت النبوة لما اتصلت باهل الضلالة صارت ضالة وادّى ضلالها وكفرها الى الهلاك معهم ففيه تنبيه على ان لصحبة الاغيار ضررا عظيما { ان موعدهم الصبح } اى موعد عذابهم وهلاكهم وهو تعليل للامر بالاسراء والنهى عن الالتفات المشعر بالحث على الاسراع كما فى الارشاد -وروى- انه قال للملائكة متى موعدهم قالوا الصبح فقال اريد اسرع من ذلك فقالوا { أليس الصبح بقريب } [ ىيانيست صبح نزديك نفى نزديكست ] وانما جعل ميقات هلاكهك الصبح لانه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ حلول العذاب حينئذ افظع ولانه انسب بكون ذلك عبرة للناظرين

(5/478)


وفيه ارة الى ان صبح يوم الوفاة قريب لكل احد فاذا ادركه فكأنه لم يلبث فى الدنيا الا ساعة من نهار : قال السعدى قدس سره
جرا دل برى كاروان مى نهيم ... كه ياران برفتند وما بررهم
بس اى خاكساركنه عن قريب ... سفر كرد خواهى بشهر غريب
برين خاك حيندان صبا بكذرد ... كه هرذره از ما بجابى برد

(5/479)


فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82)

{ فلما جاء امرنا } اى وقت عذابنا وموعده وهوالصبح { جعلنا } بقدرتنا الكاملة { عاليها } اى عالى قرى قوم لوط وهى التى عبر عنها بالمؤتفكات وهى اربع مدائن فيها اربعمائة الف او اربعة آلاف
قال الكاشفى [ درهريكى صد هزار مرد شمشيررن ] وهى سدوم وعامورا وكادوما ومذوايم كانت على مسيرة ثلاثة ايام من بيت المقدس { سافلها } اى قلبناها على تلك الهيآت . وبالفارسية [ نكون ساختيم ] -روى- ان جبريل جعل جناحه فى اسفلها فاقتلعها من الماء الاسود ثم رفعا الى السماء حتى سمع اهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة لم يكفأ اناء ولم ينتبه نائم ثم قلبها عليهم فاقبلت تهوى من السماء الى الارض { وامطرنا عليها } على اهل المدائن من فوقهم [ اى بعد از سرنكون شدن ] وكان حقه جعلوا وامطروا اى الملائكة المأمورون به فاسند الى نفسه من حيث انه المسبب تعظيما للامر وتهويلا للخطب { حجارة من سجيل } من طين متحجر كقوله حجارة من طين واصله [ سنك كل ] فعرب { منضود } نضد فى الارسال بتتابع بعضه بعضا كقطار الامطار . والنضد وضع الشيء بعضه على بعض وهو نعت لسجيل

(5/480)


مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

{ مسومة } نعت حجارة اى معلمة لا تشبه حجارة الدنيا او باسم صاحبها الذى تصيبه ويرمى بها { عند ربك } اى جاءت من عند ربك
قال الكاشفى [ آماده كشته درخزائن بروردكار تو يراى عذاب ايشان ] -روى- ان الحجر اتبع شذاذهم اينما كانوا فى البلاد ودخل رجل منهم الحرم وكان الحجر معلقا فى السماء اربعين يوما حتى خرج فاصابه فاهلكه [ در تفسير زاهدى آورده كه سنك كلان اوبرابرخمى بود وخردى مساوى اسبوى ] يقول الفقير لعل الامطار على نلك القرى بعد القلب انما هو لتكميل العقوبة كالرجفة الواقعة بعد الصيحة لقوم صالح ولتحصيل لهلاك لمسافريهم الخارجين من بلادهم لمصالحهم وهو الظاهر والله اعلم { وما هى } اى الحجارة الموصوفة { من الظالمين } من كل ظالم فهو بسبب ظلمهم ستحقون لها ملابسون بها { بعيد } تذكيره على تأويل الحجارة بالحجر . وفيه وعيد لاهل الظلم كافة وعنه عليه السلام انه سأل جبرائيل فقال يعنى ظالمى امتك ما من ظالم الا وهو بعرضة حجر يسقط من ساعة الى ساعة يقال فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه وجعلت فلانا عرضة لكذا اى نصبته فلا تظن الظالمين انهم يتخلصون ويسلمون من هذه الحجارة جل تسقط عليهم وقت وفاتهم وحصولهم الى صباح موتهم ونظيره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعدا مع اصحابه فى المسجد فسمعوا هدّة عظيمة وهى صوت انهدام الحائط فارتاعوا اى خافوا وفزعوا فقال عليه السلام « أتعرفون ما هذ الهدة » قالوا الله ورسوله اعلم قال « حجر القى من اعلى جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل الى قعرها وكان وصوله الى قعرها وسقوطه فيها هذه الهدة » فما فرغ من كلامه الا والصراخ فى دار منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة فلما مات حصل فى قعرها قال الله تعالى { ان المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } فكان سماعهم تلك الهدة التى اسمعهم الله ليعتبروا وفى الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ليلة اسرى بى الى السماء رأيت فى السماء الثالثة حجارة موضوعة فسألت عن ذلك جبريل فقال لا تسأل عنها فلما انصرفت وقفت على تلك الحجارة وقلت اخبرنى عن الحجارة فقال هذه الحجارة فصلت من حجارة قوم لوط خبئت للظالمين من امتك ثم تلا وما هى من الظالمين ببعيد » كذا فى زهرة الرياض
جون عالم ازتمكر ننك دارد ... عجب نبودكه بروى سنك بارد
وفى التبيان والبعيد الذى ليس بكائن ولا يتصور وقوعه وكل ما هو كائن فهو قريب
وعن محمد بن مروان قال صرت الى جزيرة النوبة فى آخر ممرنا فامرت بالمضارب فخرج النوب يتعجبون واقبل ملكهم رجل طويل اصلع حاف عليه كساء فسلم وجلس على الارض فقلت له مالك لا تقعد على البساط قال انا ملك وحق لمن رفعه الله ان يتواضع له اذا رفعه

(5/481)


تواضع زكردن فرازان نكوست ... كدا كرتواضع كند خوى اوست
ثم قال ما بالكم تطاون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم فى دينكم قلت اشياعنا فعلوه بجهلهم قال فما بالكم تلبسون الديباج وتتحلون بالذهب والفضة وهى محرمة عليكم على لسان نبيكم قلت فعل ذلك اعاحم من خدمنا كرهنا الخلاف عليهم فجعل ينظر فى وجهى ويكرر معاذرى على وجه الاستهزاء ثم قال ليس كما تقول يا ابن مروان ولكنكم قوم ملكتكم فظلمتم وتركتم ما امرتم فاذاقكم الله وبال امركم ولله فيكم نعم لم تحص وانى اخشى ان ينزل بك وانت فى ارضى مصيبة فتصيبنى معك فارتحل عنى
واعلم ان الظلم من نتائج القساوة التى تمطر على كل قلب مقدار ما قدره فلا يزال يزداد ظلم المرء بحسب ازدياد قساوة قلبه فاذا احاطت بمرىة قلبه قساوته ابعد من ان يكون مرجوا نجاته وكان من المهلكين بحجر القساوة النازلة من سماء القهر والجلال عصمنا الله واياكم من البغى والفساد وارشدنا الى العدل والصلاح انه ولى الارشاد

(5/482)


وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)

{ والى مدين } هو اسم ابن ابراهيم عليه السلام ثم صار اسما للقبيلة او اسم مدينة بناها مدين فسميت باسمه اى وارسلنا الى قبيلة مدين او ساكنى بلدة مدين { اخاهم } اى واحدا منهم فى النسب { شعيبا } عطف بيان له وهو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين { قال } استئناف بيانى { يا قوك } [ اى كروه من ] { اعبدوا الله } وحده لا تشركوا به شيأ من الاصنام لانه { ما لكم من اله غيره } اى ليس لكم اله سوى الله تعالى وكانت كلمة جميع الانبياء فى التوحيد واحدة فدعوا الى الله الواحد وعبادته فامرهم شعيب بالتوحيد اولا لانه ملاك الامر وقوامه ثم نهاهم عما اعتادوه من النقص فى الكيل والوزن لانه يورث الهلاك فقال { ولا تنقصوا المكيال والميزان } اى آلة الوزن والكيل وكان لهم مكيالان وميزانان احدهما اكبر من الآخر فاذا اكتالوا على الناس يستوفون بالاكبر واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون بالاصغر والمراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات كى تتوسلوا بذلك الى بخس حقوق الناس ويجوز ان يكون من ذكر لمحل وارادة الحال . والمعنى بالفارسية [ مكاهيد وكم مكنيد بيمانه را دريمودن مكيلات وترازورا در سنجيدن موزونات ] وكل من البخسين شائع فى هذا الزمان ايضا كأنه ميراث من الكفرة الخائنين { انى ارايكم بخير } علة للنهى اى ملتبسين بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف . يعنى [ درمانده ومحتاج نيستيدكه داعى باشد شمارا بخيانت بلكه منعم وتوانكريد رسم حق كزارى آنست كه مردم را از مال خود بهره مند كنيد نه آنكه از حقوق ايشان باز كيريد ] { وانى اخاف عليكم } وان لم ترجعوا عن ذلك النقص { عذاب يوم محيط } لا يشذ منه احد منكم . والمراد منه عذاب يوم القيامة او عذاب الاستئصال ووصف اليوم بالاحاطة وهى حال العذاب لاشتماله عليه ففيه اسناد ومجازى واصل العذاب فى كلام العرب من العذب من معاودة مثل جرمه ويمنع غيره من مثل فعله

(5/483)


وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)

{ ويا قوم اوفوا المكيال والميزان } ايفاء الحق اعطاؤه تاما كاملا اى اسعوا فى اعطاء الحق على وجه التمام والكمال بحيث يحصل لكم اليقين بالخروج عن العهدة { بالقسط } حال من فاعل او فوا اى ملتبسين بالعدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان فان الزيادة فى الكيل والوزن وان كانت تفضلا مندوبا اليه لكنها فى الآلة محظورة كالنقص فلعل الزائد للاستعمال عند الاكتيال والناقص للاستعمال وقت الكيل كذا فى الارشاد . وصرح بالايفاء بعد النمهى عن ضده لان النهى عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان والامر بايفاء المكيال والميزان حقهما بان لا ينقص فى الكيل والوزن وهذا الامر بعد مساواة المكيال والميزان للمعهود فلا تكرار فى الآية كما فى حواشى سعدى المفتى { ولا تبخسوا الناس اشياءهم } مطلقا اى سواء كانت من جنس المكيل والموزون او من غيره وسواء كانت جليلة او حقيرة وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيأ كما يفعل السماسرة ويمكنون الناس وينقصون من اثمان ما يشترون من الاشياء { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } العثى اشد الفساد اى ولا تتمادوا فى الفساد فى حال فشادكم لانهم كانوا متمادين فيه فنهوا عن ذلك ومن الفساد نقص الحقوق ومن الافساد قص الدراهم والدنانير وترويج الزيوف ببعض لاسباب وغير ذلك

(5/484)


بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)

{ بقيت الله } اى ما ابقاه الله لكم من الحلال بعد ترك الحرام فهى فعيلة بمعنى المفعول واضافتها للتشريف كما فى بيت الله وناقة الله فان ما بقى بعد ايفاء الكيل والوزن من الرزق الحلال يستحق التشريف { خير لكم } مما تجمعون بالبخس والتطفيف فان ذلك هباء منثور بل شر محض وان زعمتم ان فيه خيرا كما قال تعالى { يمحق الله الربا ويربى الصدقات } قال فى شرح الشرعة ولا يخون احد فى مبايعته بالحيل والتلبيس فان الرزق بل تزول بركته فمن جمع المال بالحبل حبة حبة يهلكه الله جملة قبة قبة وييقى عليه وزره ذرة كرجل كان يحلط اللبن بالماء ليرى كثيرا فجاء السيل وقتل بقره فقالت صبيته يا ابت قد اجتمع المياه التى جعلتها فى اللبن وقتلت البقر { ان كنتم مؤمنين } بشرط ان تؤمنوا وانما شرط الايمان فى خيرية ما بقى بعد الايفاء لان فائدته وهى حصول الثواب والنجاة من العقاب انما تظه مع الايمان فان الكافر مخلد فى عذاب النيران ومحروم من رضوان وثواب الرحمن سواء اوفى الكيل والميزان او سلك سبيل الخوّان ان كنتم مصدقين لى فى مقالتى لكم { وما انا عليكم بحفيظ } اى ما بعثت لاحفظكم عن المعاصى والقبائح وانما بعثت مبلغا ومنبها على الخير وناصحا وقد بلغت
من آنجه شرط بلاغست باتو ميكويم ... توخواه از سخنم بند كير وخواه ملال
اعلم ان العدل ميزان الله فى الارض سواء كان فى الاحكام او فى المعاملات والعدول عنه يؤدى الى مؤاخذة العباد فينبغى ان يجتنب اظلم والمراد بالظلم ان يتضرر به الغير والعدل ان لا يتضرر منه احد بشيء ما قال عكرمة اشهد ان كل كيال ووزان فى النار قيل له فمن اوفى الكيل والميزان قال ليس رجل فى المدينة
يكيل كما يكتال ولا يزن كما يتزن والله تعالى يقول { ويل للمطففين } وقال سعيد بن المسيب اذا اتيت ارضا يوفون المكيال والميزان فاطل المقام فيها واذا اتيت ارضا ينقصون المكيال والميزان فاقل المقام فيها وفى الحديث « ما ظهر الغلول فى قوم الا القى فى قلوبهم الرعب ولا فشا الزنى فى قوم الا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان الا قطع الله عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير حق الافشا فيهم الدم ولا ختر قوم بالعهد الا سلط الله عليهم العدو » قوله ولا ختر اى غدر ونقض العهد كما فى الترغيب
وفى التأويلات النجمية { ولا تنقصوا المكيال والميزان } اى مكيال المحبة وميزان الطلب فان للمحبة مكيالا ووهو عداوة ما سوى الله تعالى كما قال الخليل عند اظهار الخلة فانهم عدولى الارب العالمين فانك ان تحب احدا وشيأ مع الله فقد نقصت فى مكيال محبة الله وان للطلب ميزانا وهو السير على قدمى الشريعة والطريقة كما قيل خطوتان وقد وصلت فان خطوت خطوتين دونهما فقد نقصت من الميزان انتهى

(5/485)


فعلى السالك ان يتأدب بآداب الاولياء والانبياء ويضع القدم فى هذا الطريق الاولى كما امر به وشرط له ولا بد من الامانة والاستقامة وايتاء كل ذى حق حقه قائما بالعدل والقسط القويم وازنا بالقسطاس المستقيم كائلا بالكيل السليم فعند ذلك يتفضل له المولى بالقبول والمدح فى الدنيا والثواب والانعام فى الآخرة فيعيش سعيدا واما اذا غدر وظلم وخان واستكبر واصر يعدل له المولى بالرد والذم فى الدنيا والعقاب والانتقام فى الآخرة ان لم يتداركه الفضل والعفو فيعيش شقيا ويموت شقيا ويحشر شقيل : وفى المثنوى
جون ترازوى توكثر بود ودغا ... راست جون جوئى ترازوى جزا
جونكه باى جب بود درغدر وكاست ... نامه جون آيد ترادر دست راست
جون جزا سايه است اى قد توخم ... سايه توكز فتد در بيش هم

(5/486)


قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)

{ قالوا يا شعيب } [ آورده اندكه انبيا بردوقسم بوده اند بعضى آنكه ايشانرا فرمان حرب بود جون موسى وسليمان عليهم السلام وبرخى آنكه ايشانرا بحرب نفر مودند وشعيب ازان جمله بودكه رخصت حرب نداشت قوم خودرا موعظه ميكفت وخود همه شب نمازمى كرد كفتند قوم اوكه اى شعيب ] { أصلوتك } [ آيانمازتو ] { تأمرك } اسندوا الامر الى صلاته قصدا الى الاستهزاء فمرادهم السخرية لا حقيقة الاستفهام . والمعنى أصلاتك تدعوك الى امرنا { ان نترك ما يعبد آباؤنا } من الاوثان وقد توارثنا عبادتها ابا عن جد اجابوا بذلك امره عليه السلام اياهم بعبادة الله حده المتضمن لنهيهم عن عبادة الاوثان { او ان نفعل فى اموالنا ما نشؤاء } جواب عن امره بايفاء الحقوق ونهيه عن البخس والنقصمعطوف على ما وأو لان ما كلفهم به شعيب هو مجموع الامرين لاحدهما . والمعنى ان نترك ان نفعل فى اموالنا ما نشاء من التصرفات
وقال بعضهم كان ينهاهم عن تقطيع اطراف الدراهم والدنانير وقصها فارادوا به ذلك . والمعنى ما نشاء من تقطيعها
واعلم ان اول من استخرج الحديد والفضة والذهب من الارض « هوشنك » فى عصر ادريس عليه السلام وكان ملكا صالحا داعيا الى الاسلام . واول من وضع السكة على النقدين الضحاك وافساد السكة بأى وجه كل افساد فى الارض
وسئل الحجاج عما يرجو به النجاة فذكر اشياء منها ما افسدت النقود على الناس { انك لانت الحليم الرشيد } الاحمق السفيه بلغة مدين كما فى ربيع الابرار
وقال فى الكواشى تتعاطى الحلم والرشد ولست كذلك اى ما انت بحليم ولا رشيد فيما تأمرنا وترشدنا اليه
وقال اكثر اهل التفسير ارادوا السفيه الضال الغاوى فتهكموا به كما يتهكم بالشحيح فيقال لو ابصرك حاتم لتعلم منك الجود . وبالمستجهل والمستخف فيقال يا عالم يا حليم فهو اذا من قبيل الاستعارة التبعية نزلوا التضاد منزلة التناسب على سبيل الهزؤ فاستعاروا الحلم والرشد للسفه والغواية ثم سرت لاستعارة منهما الى الحليم الرشيد

(5/487)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)

{ قال } شعيب { يا قوم أرأيتم } اخبرونى { ان كنت } ايراد حرف الشك باعتبار حال المخاطبين { على بينة من ربى } اى حجة واضحة وبرهان نير من مالك نير من مالك امرى عبر بهما عمّا اتاه الله تعالى من النبوة والحكمة ردا على مقالتهم الشنعاء فى جعلهم امره ونهيه غير مستند الى سند { ورزقنى منه } اى من لدنه { رزقا حسنا } هو النبوة والحكمة ايضا عبر عنهما بذلك تنبيها على انهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا وذلك مناط الحياة الا بدية له ولامته
وقال بعضهم هو ما روقه الله من المال الحلال من غير شائبة حرام اى من غير بخس وتطفيف وكان كثير المال وجواب الشرط محذوف لان اثباته فى قصة نوح ولوط دل على مكانه ومعنى الكلام ينادى عليه . والمعنى اخبرونى ان كنت على حجة واضحة ويقين من ربى وكنت نبيا على الحقيقة فهل يصح لى ان اتبعكم واشوب الحلال بالحرام ولا آمركم بتوحيد الله وترك عيادة الاصنام والكف عن المعاصى والقيام بالقسط والانبياء لا يبعثون الا لذلك { وما اريد } بنخى اياكم عن التطفيف { ان اخالفكم } حال كونى مائلا { الى ما انهيكم عنه } يقال خالفت زيدا لى كذا اذا قصدته وهو مول عنه وخالفته عنه اذا كان الامر بالعكس اى لا انهى عن شيء وارتكبه من نقصان الكيل والوزن اى اختار لكم ما اختار لنفسى فانه ليس بواعظ من يعظ الناس بلسانه دون عمله
قال فى الاحياء اوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس والا فاستحى منى : قال الحافظ
واعظان كين جلوه در محراب ومنبر ميكنند ... جون بخلوت ميروند آن كار ديكر ميكنند
مشكلى دارم زدانشمند مجلس باز برس ... توبه فرمايان جراخود توبه كمتر ميكنند
{ ان اريد } اى ما اريد بما اباشره من الامر والنهى { الا الاصلاح } الا ان اصلحكم بالنصيحة والموعظة { ما استطعت } اى مقدر ما استطعته من الاصلاح
قال فى بحر العلوم ما مصدرية واقعة موقع الظرف اى مدة استطاعتى الاصلاح وما دمت متمكنا منه لا اترك جهدى فى بيان ما فيه مصلحة لكم : قال السعدى قدس سره
بكوى آنجه دانى سخن سومند ... وكر هيج كس را نيايد بسند
{ وما توفيقى } مصدر من المبنى للمفعول اى كونى موفقا لتحقيق ما اقصده من اصلاحكم { الا بالله } الا بتأييده ومعونته بل الاصلاح من حيث الخلق مستند اليه وانما انا من مباديه الظاهرة . والتوفيق يعدى بنفسه وباللام وبالباء وهو تسهيل سبل الخير واصله موافقة فعل الانسان القدر فى الخير والاتفاق اختصاص العبد بعناية ازلية ورعاية ابدية { عليه توكلت } اعتمدت فى ذلك معرضا عما عداه فانه القادر على كل مقدور وما عداه عاجز محض فى حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار بمعزل عن رتبة الاستمداد به فى الاستظهار { واليه انيب } اى ارجع فيما انا بصدده فى جميع امورى ويجوز ان يكون المراد وما كونى موفقا لاصابة الحق والصوابفى كل ما اتى وما اذر الا بهدايته ومعونته عليه توكلت وهو اشارة الى معرفة المعاد والتوكل على ثلاثة اوجه .

(5/488)


توكل المبتدى وهو ترك الاسباب فى طلب المعاش . وتوكل المتوسط هو ترك طلب المعاش فى طلب العيش مع الله . وتوكل المنتهى وهو استهلاك الوجود فى وجود الله وافناء الاختيار فى اختيار الله ليبقى فى هويته بلا هو متصرفا فى الاسباب وان لا يرى التصرف والاسباب الا لمسبب الا سباب
قال فى التأويلات القاشانية اول مراتب التوحيد توحيد الافعال ثم توحيد الصفات ثم توحيد الذات فان الذات محجوبة بالصفات والصفات بالافعال والافعال بالآثار والاكوان . فمن تجلت عليه الافعال بارتفاع حجب الاكوان توكل . ومن تجلت عليه الصفات بارتفاع حجب الافعال رضى وسلم . ومن تجلت عليه الذات بانكشاف حجب الصفات فهو فى الوحدة فصار موحدا مطلقا انتهى
تاخوانى « لا » و « الا الله » را ... درنيابى منهج اين راه را
عشق آن شعله است كوجون برفروخت ... هرجه جز معشوق باق جملة سوخت
تيغ « لا » در قتل غير حق براند ... درنكر آخر كه بعد از « لا » جه ماند
ماند « الا الله » وباقى جملة رفت ... شادباش اى عشق شركت سوز ورفعت
فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق الحق بالاذكار النافعة والاعماتل الصالحة الى ان يصل الى مقام التوحيد الحقيقى ثم اذا وصل اليه اقتفى باثر الانبياء وكمل الاولياء فى طريق النصح والدعوة ولم يرد الا الاصلاح تكثيرا للاتباع المحمدية وتقويما لاركان العالم بالعدل ونظما للناس فى سلك الرشاد والله ولى الارشاد وهو المبدأ واليه الرجوع والمعاد

(5/489)


وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)

{ ويا قوم } [ اى كروه من ] { لا يجرمنكم } يقال جرم زيد ذنبا اى كسبه وجرمته ذنبا اى كسبه وجرمته ذنبا اى اكسبته اياه فهو يتعدى الى واحد والى اثنين والاول فى الآية الكاف والميم . والمعنى لا يكسبنكم { شقاقى } فاعل لا يجرمن اى شقاقكم وعداوتكم اياى { ان يصيبكم } اى ينالكم وهو الثانى من مفعولى لا يجرمنكم ويقال جرمنى فلان على ان صنعت كذا اى حملنى فيقدر حرف الجر بعد ان . والمعنى لا يحملنكم بغضكم اياى على ان يصيبكم
قال الكاشفى [ شما بران نداد ودشمنى وستيزه كارى بامن كه برسد شمارا ] { مثل } فاعل ان يصيب مضاف الى قوله { ما اصاب قوم نوح } من الغرق { او قوم هود } من الريح { او قوم صالح } من الصيحة { وما قوم لوط } قال الجوهرى الثوم يذكر ويؤنث { منكم ببعيد } يعنى انهم اهلكوا بسبب الكفر والمعاصى فى عهد قريب من عهدكم فهم اقرب الهالكين منكم فان لم تعتبروا بمن قبلهم ن الامم المعدودة فاعتبروا بهم ولا تكونوا مثلهم كيلا يصيبكم مثل ما اصابهم
والاشارة ان فى طبيعة الانسان مركوزا من صفات الشيطنة الاباء والاستكبار ومن طبعه انه حريص على ما منع كما ان آدم عليه السلام لما منع من اكل الشجرة حرص على اكلها فلهاتين الصفتين اذا امر بشيء ابى واستكبر واذا نهى عن كل شيء حرص على اتيانه لا سيما اذا صدر الامر والنهى عن انسان مثله فان طاعة الله هينة القبول بالنسبة الى طاعة المخلوق لان فى الطاعة ذلة ووانا وكسرا للنفس وان ما يحتمل المخلوق من خالقه اكثر مما يحتمله من مخلوق مثله ولهذا السر بعث الله الانبياء وامر الخلق بطاعتهم وقال { اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم } فمن كان موفقا من الله تعالى بالعناية الازلية يأتمر بما امر به وينتهى عما نهى عنه ويطيع الرسل فما جاءوا به اخرجته الطاعة من ظلمات صفاته المخلوقة الى نور صفاته الخالقية ومن سبقته الشقاوة فى الازل تداركه الخذلان ووكل الى نفسه وطبعه فلا يطيع الله ورسوله ويثمرد عن قبول الدعوة ويستكبر على الرسول ويعاديه بمعاداته ما أمره الله فيصيبه قهر الله وعذابه { مثل ما اصاب قوم نوح او قوم هود او قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد } اى وما معاملة قوم لوط من معاملتكم وذنوبكم من ذنوبكم ببعيد لان الكفر كله من جنس واحد وصفات الكفر قريب بعضها من بعض كذا فى التأويلات النجمية : قال فى المثنوى
بس وصيت كرد وتخم وعظ كاشت ... جون زمين شان شوره بدسودى نداشت
كرجه ناصح را بود صد داعيه ... بندرا اذنى ببايد واعيه
توبصد تلطيف وبندش ميدهى ... اوز بندت ميكند بهلوتهى
بك كس ن مستمع زاستيز ورد ... صد كس كوينده را عاجز كند
زانبيا ناصحتر وخوش لهجه تر ... كى بودكه رفت دمشان در حجر
زانجه كوه وسنك دركار آمدند ... مى نشد بدجت را بكشاده بند
آنجنان دلها كه بدشان ما ومن ... تعتشان شد بل اشد قسوة

(5/490)


وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)

{ واستغفروا ربكم } بالايمان { ثم توبوا اليه } مما انتم عليه من المعاصى وعبادة الاوثان لان التوبة لا تصح الا بعد الايمان او استغفروا بالايمان ثم ارجعوا اليه بالطاعة او استغفروا بالاعمال الصالحة وتوبوا بالفناء التام
قال فى التأويلات النجمية واستغفروا من صفات الكفر ومعاملاته كلها وبدلوها بصفات الاسلام ومعاملاته فانها تزكية النفوس عن الصفات الذميمة ثم ارجعوا اليه على قدمى الشريعة والطريقة سائرين منكم اليه ليحليكم تحلية الحقيقة وهى الفناء عنكم والبقاء به { ان ربى رحيم } عظيم الرحمة للمؤمنين والتائبين { ودود } فاعل بهم من اللطف والاحسان كما يفعل البليغ المودة بمن يوده
قال فى المفاتيح الودود مبالغة الواد ومعناه الذى يحب الخير لجميع الخلائق ويحسن اليهم فى الاحوال كلها . وقيل المحب لاوليائه وحاصله يرجع الى ارادة مخصوصة وحظ العبد منه ان يريد للخلق ما يريد لنفسه ويحسن اليهم حسب قدرته ووسعته ويحب الصالحين من عباده واعلى من ذلك من يؤثرهم على نفسه كمن قال منهم اريد ان اكون جسرا على النار يعبر عليه الخلق ولا يتأذون بها كما فى المقصد الاسنى للغزالى
قال الكاشفى فى تفسيره [ قطب الابرار مولانا يعقوب جرخى قدس سره در شرح اسماء الله تعالى معنى الودودرا برين وجه آورده است كه دوست دارنده نيكى بهمه خلق ودوست دردلهاى بحق يعنى اونيك را دوست ميدارد ونيكان اورا دوست ميدارند وفى الحقيقة دوستى ايشان فرع دوستى اوست زيراكه جون بنظر تحقيق درنكر نداصل حسن واحسان كه سبب محبت مى باشد غيراورا ثابت نيست بسرخود خودرا دوست ميداردوازين باب نكتة جنددرآيت { يحبهم ويحبونه } برمنظر عيان جلوه نمود وللوالد الاعز زيدت حقائقه
اى حسن توداده يوسفانرا خوبى ... وز عشق توكرده عاشقان يعقوبى
كرنيك نظر كندكسى غير تونيست ... در مرتبة محبى ومحبوبى
واعلم ان الله تعالى لو لم يكن له ود لما هدى ولما فرح بتوبة عبده المؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم « لا لله افرح بتوبة عبد المؤمن من رجل نزل فى ارض دوية مهلمة معه راحلة عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهب راحلته فطلبها حتىشتد عليه الحر والعطش قال ارجع الى مكانى الذى كنت فيه فانام حتى اموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فاذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه فلا لله اشد فرحا بتوية العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده » فمن اضاع راحلته فى برية الهوى بغلبة الغفلة فعليه الرجوع الى مكانه الاول اعنى الفطرة الاولى بالتسليم واموت الاختيارى حتى يجد ما اضاعه . وفى الحديث اشارة الى الطريق من البداية الى النهاية فبقوله عليه