خطة ماليزية للتحول لدولة متقدمة       المكتبة الشاملة لدار الايمان       موقع مرئيات دار الإيمان       جديد .. موقع دار الإيمان بحلته الجديدة .. انقر هنا      
ما هو رأيك في الموقع بحلته الجديدة؟
رائع  
جيد  
مقبول  
ضعيف  

عرض النتائج
عرض كل التصويتات

الباب الخامس: منهج الطريقة في العمل
أركان الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
 
أركان الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية

 

 للطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية أركان سبعة، تحدث عنها بالإجمال شيخنا العارف بالله الشيخ خير الدين الشريف كمنهج تربوي يومي للسالك. وفي التزام هذه الأركان اعتقاداً وتطبيقاً تتحقق السالك مراتب النفس التي تحدثنا عنها. ونقول في تفصيل هذه الأركان وبالله التوفيق:

 الركن الأول: الحب:

اختار أشياخنا الحب ليكون الركن الأول من أركان الطريق، لأن أي مقام يُدرَك، ما هو إلا ثمرة من ثمار الحب، كمقام الشوق والرضا والتسليم. وأي مقام يسبق الحب ما هو إلا مقدمة من مقدماته، كمقام الإيمان والتوبة والتحمل والزهد. ونعني الحب الإلهي، الذي من ثماره ينبثق الحب النبوي، وحب أنبياء الله وأوليائه وأحبابه.

 ومن أدرك مقام الحب أدرك حقيقة الإيمان لقوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (165 البقرة). وأبلغ ما يقال في تعريف الحب ما قاله الإمام الجنيد رحمه الله عندما سئل عن علامات المحبة، فكان جوابه: "فيضان الدموع من عينيه وخفقان القلب بالهيام والشوق".

 وقد افترى بعض المغرضين من الكفرة والملاحدة فريةً مفادها أن العلاقة بين الخالق والمخلوق تقوم على الرهبة والبطش والعنف والتخويف. وأترك الجواب على هذه الفرية لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيهما من الأدلة في الرد على ذلك، وإثبات حقيقة الحب وفضله: قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (54 المائدة).

قال تعالى {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (165 البقرة).

قال تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} (31 آل عمران).

قال تعالى {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (76 آل عمران)

قال تعالى {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (146 آل عمران).

قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (42 المائدة).

قال تعالى {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (93 المائدة).

قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (159 آل عمران).

قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (222 البقرة). 

 أما الفرية التي افتراها من لا خلاق لهم، فهي على أمثالهم من الزنادقة والملاحدة، لا على المؤمنين الصادقين. ودليله:

قوله تعالى {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} (205 البقرة).

قوله تعالى {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (77 القصص).

قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(32 الحديد).

قوله تعالى {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (141 الأنعام).

قوله تعالى {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (57 آل عمران).

 وقبل أن نورد الأحاديث النبوية المتعلقة بالحب، لا بد من الإشارة إلى لامعة لطيفة وهي أن علاقة الحب بين العبد وربه أمرٌ لا يكون إلا بمحبـة رسـول الله صلى الله عليه وسـلم، ومحبة أوليائه. وهي شرط من شرائط الإيمان. ودليل ذلك في الأحاديث التالية:

 أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاثٌ من كُن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار).

   وروى البخاري، ومسلم في صحيحيهما في كتاب الإيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).

 وروى البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به  ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه).

وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة  عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا أحب الله العبد نادى جبريل أن الله يحب فلاناً فأحبه،  فيحبه جبريل. فينادي جبريل في أهل السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض).

 وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة الله ومحبة رسوله بوضوح، وبأمرٍ جازمٍ حيث قال فيما رواه الترمذي في كتاب المناقب (أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا آل بيتي بحبي).

 ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وعد المحبين بالحشر مع من أحبوا، فيما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، ومسلم في كتاب البر، عن أنس رضي الله عنه قال (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله؟ قال ما أعددت لها؟ قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت. قال أنس: فقلنا ونحن كذلك؟ قال: نعم. ففرحنا بها فرحاً شديداً). والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

فيا أيها السالك، إذا أردت أن تحظى بشرف الحب الإلهي وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب أوليائه، وشعرت أن هذا الحب لم يتمكن في قلبك  فأكثر من تلاوة القرآن الكريم، وتدبر معانيه، وأكثر من ذكر الله تعالى بكل أنواعه، وتقرب إلى مولاك بالنوافل وليكن هواك تبعاً لما جاء به رسول الله صلى اله عليه وسلم، وتأمل في صفات الله تعالى وأسمائه، وراقب آلاء الله ونعمه عليك، وليكن التواضع قرينك، وقم الليل بجد واجتهاد، واستغفر الله في الأسحار، وجالس الصالحين الصادقين من عباده وإياك ثم إياك أن تدعي المحبة ادعاءً ظاهراً، وإذا حصل لك أُنْس فاكتم حبك إجلالاً لمولاك، وتحول عن القواطع التي تبعدك عن كل ذلك. فإذا فعلت ذلك وجدت لهذه المحبة حلاوة في قلبك تغنيك عن ملذات الدنيا وشهواتها.

 مراتب الحب:

ذكر العلماء للمحبة مراتب عشراً، ذكرها الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه «حقائق عن التصوف»:

·   أولها: العلاقة: وسميت بذلك لتعلق القلب بالمحبوب.

·   الثانية: الإرادة: وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له.

·   الثالثة: الصبابة: وهي انصباب القلب إلى المحبوب بحيث لا يملكه  صاحبه، كانصباب الماء في المنحدر.

·   الرابعة: الغرام: وهو الحب اللازم للقلب، لا يفارقه بل يلازمه كملازمة الغريـم لغريمـه.

·   الخامسة: الوداد: وهو صفو المحبة وخالصها ولبها.

·   السادسة: الشغف: وهو وصول الحب إلى شغاف القلب.

·   السابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يُخاف على صاحبه منه.

·   الثامنة: التتيم: وهو التعبد والتلذذ. يقال تيّمه الحب أي أذله وعبّده.

·   التاسعة: التعبد: وهو فوق التتيم، فإن العبد لم يـبق له شيء من نفسه.

·   العاشرة: الخلة: انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة  والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه حتى لم يبق موضع لغير المحبوب.

 وأختم الموضوع بلطيفة ذكرت أن أحد الصوفية مر على رجلٍ يبكي على قبر فسأله عن سبب بكائه فقال: إن لي حبيباً قد مات. فقال لقد ظلمت نفسك بحبك لحبيب يموت، فلو أحببت حبيباً لا يموت لما تعذبت بفراقه.

الحب الصادق ينقل المريد إلى الركن الثاني من أركان الطريق وهو:

 الركن الثاني: الامتثال:

فُطر الإنسان على طاعة من يحب. فكيف إذا كان المحبوب هو الله  وكيف إذا كان المحبوب هو حبيب الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فنعني بالامتثال من الناحية الشرعية: إتباع أوامر الله ورسوله وأولياء الأمور. قال تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (59 النساء).

  ذكر ابن كثير في تفسيره، المجلد الأول، صفحة 528 في تفسير هذه الآية قال: "أخرج الشيخان من حديث يحيى القطان قال: قال أبو داود حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن عبد الله حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وفيما كره ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)".  فالأصل هو الشرع. والامتثال له هو الواجب. ولذلك جـاءت صيغة عهـد طريقتنا (أن طاعة الله والرسول تجمعنا، وأن معصية الله والرسول تفرقنا).

 وأخرج الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألاّ ننازع الأمر أهله. قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان). وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).

 وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُم} يعني أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية {وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُم} يعني العلماء. يقول ابن كثير بعد ذلك: "والظاهر والله أعلم أنها عامةٌ في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء". 

 وفي الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصى أميري فقد عصاني). فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ} أي اتبعوا كتابه. {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} أي خذوا سنته. {وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُم} أي فيما أمروكم به من طاعة الله في غير معصية. فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لحديث (إنما الطاعة في المعروف). وقال تعالى  {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (69 النساء). وقال أيضاً {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (52 النور). وفي هذا بشرى من الله لعباده بالفوز بالجنة وصحبة عباده المخلصين {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (71 الأحزاب).

 ثم إن هناك أمراً مباشراً بالطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأنها من طاعة الله تعالى. قال تعالى {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (80 النساء). ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله). وهناك وعيد من الله لعباده المخالفين لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بقوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63 النور). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى!. قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة. ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري.

 إن التحقق الصحيح من معاني هذا الركن (الامتثال) لا يتم إلا بمتابعة شيخ عارف وعهد على الطاعة وصحبة وأخوة. فعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)

وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة إتباع أوامر الشرع الشريف، وإلى تحري الجماعة العاملة بأحكام الشرع، بعيداً عن أدعياء السلوك الذين ابتلي بهم أهل الله.

وفي هذا المعنى أنقل نص «الرسالة الخيرية» لحضرة سيدنا ومرشدنا العارف بالله تعالى الشيخ خير الدين الشريف، حيث قال: "الحمد لله ولي التوفيق، الهادي إلى أقوم طريق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله القائل (تخلقوا بأخلاق الله) وعلى آله وأصحابه ومن والاه، ومن اتبع سنته وعمل بشريعته إلى يوم يلقاه.

 وبعد: فإني أعرض على مسامع إخواني بعض كُليمات لتكون سبباً لنجاحهم وفلاحهم إن شاء الله في الدارين إن قبلوها وعملوا بمقتضاها، وإلا فلا. والسلام على من اتبع الهدى.

 من المعلوم لدى العموم أن سلوك طريقتنا الخلوتية الجامعة الرحمانية التي تلقيناها عن حضرة سيدنا المرشد المتصل سنده الطاهر بحضرة المرشد الأعظم صلى الله عليه وسلم، على نهج الشريعة المحمدية الغراء على خط مستقيم لا اعوجاج فيه. إذ قامت الآثار والأدلة القوية والبراهين القطعية العقلية والنقلية أن رجال السند جميعهم مرشدون. ومن علائم الإرشاد المتابعة لأمر الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم. فإنه لا يمكن لوصول هذه الدرجة الرفيعة وارثٌ إلا بالعبادة. ولا تسمى عبادة إلا إذا كانت منطبقة على الكتاب والسنة. لأن شريعته صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع. انظر قولـه تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (31 آل عمران). فإن اتِّباعه صلى الله عليه وسلم فيه الرقي الأعلى من محبٍ إلى محبوبٍ  لما في ذلك من الدلالة على كيفية العبادة المخصوصة المطلوبة. ومن هنا تُعلم الشريعة والطريقة والحقيقة. فإن الشريعة هي الأقوال الواردة في الكتاب والسنة. والطريقة هي المتابعة لها بالفعل. ونتيجة الأفعال المشاهدة الحقيقية.  فامتثال الأوامر والنواهي هو الركن الحقيقي إذن في الطريق. قال تعالى {وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (7 الحشر). وإن أركان الإسلام خمسة، جميعها داخـلة ضمن قوله {وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وكل أمر يخالف خط الشرع الشريف: أي الكتاب والسنة داخل ضمن قوله:{وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما تركت مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه). فإن خطاب الله موجه إليه صلى الله عليه وسلم، وهو الآمر والناهي. وعلى ذلك فلا جدال ولا خلاف في أن الطريقة هي المتابعة للشريعة المحمدية. قال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153 الأنعام).

 وقال سيدي العارف بالله الشيخ مصطفى البكري:

واتبع شريعة أحمدٍ خير الورى      من حـاد عنها ربـنا أرداهُ

وإن سَيْر إخواننا وسلوكهم في سائر الأماكن على هذه الخطة المستقيمة، كما هو مُشاهَدٌ للعام والخاص، والحمد لله. ولا ريب في أن تلك الخطة مرتبةٌ عظيمةٌ قلَّ من يصل إليها إلا من سبقت له السعادة في الدارين. غير أني الآن أحيط إخواني علماً بأن قوماً في هذا الزمان ابتدعوا طرقاً مخالفةً لطريق القوم، ويزعمون أنها طريقة الرحمن، كلا بل هي طريقة أبيهم الشيطان: منها الخلوة بالنساء الأجنبيات، ومعهن ربما زاد بعضهم المعانقة والقبلة والملامسة. وسلك آخرون مع الشباب مثل ذلك. وهذه مما لا يخفى أنها من تحيّل الشيطان ومكايده، ومن حبائله ومصائده.

  قال تعالى في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع علو مرتبتهن وكونهن أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم، بل أعظم منهن في الوقار والتعظيم. {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (53 الأحزاب). فمن ادعى أنه أقوى من الصحابة وأن النساء اللاتي يخلو بهن أطهر قلوباً وأملك نفوساً من نساء الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أعظم الافتراء وأكبر الاجتراء. هذا في حديث الخلوة وحـدها، فكيف بمن زاد على ذلك؟ وفي الصـحيح (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً في رمضان فدخلت عليه حفصة بنت عمر رضي الله عنهما فتحدثت عنده ساعة ثم خرجت فرأى رجلين في الطريق. فقال صلى الله عليه وسلم: هي أمكما حفصة فقالا: سبحان الله يا رسول! فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً). وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف أن يوقع الشيطان في قلوب الناس أنه كان عنده امرأة أجنبية، فكيف نسلم لغيره أن لا يوقع الناس في ذلك. فقد روي عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال (لا تخلون بامرأة أجنبية ولو أقرأتها القرآن). وقد ورد في الخبر عن سيد البشر (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء).

 وروي أن النساء اجتمعن عنده، وطلبن منه أن يعاهدنه باليد، فقال لا تمس يدي امرأة، ولكن قَوْلي لامرأة كقولي لمائة. فبايعهن بالكلام من غير ملامسة. وأنه لما طلبن منه البركة وضع يده في ماء ثم نُقل إليهن فوضعن أيديهن فيه. فإذا كان سيد الأولين والآخرين يجتنب هذه الأمور، وغيره يقتحمها، أهو أعظم منه؟ فكيف يخفى على عاقل قُبح ما يتعاطون؟ نسأل الله السلامة بمنه وكرمه.

لهذا أُعلن لعموم إخواني الكرام، أن يفروا من هؤلاء القوم فرارهم من الأسد أو الموت. وأن يجتنبوا كل ما يخالف الشرع الشريف. فإن مرضى القلوب أهل الغفلة يجب بترهم بتراً أزلياً من هذا المجمع الطاهر امتثالاً للأمر التشريعي. قال تعالى {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (199 الأعراف) {فأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (29 النجم) {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (28-29 الكهف). 

 وليكن معلوماً لدى العموم أنه ليس منا من يخالف الكتاب والسنة، وليس منا من يخالف نهج وخط أوامر الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (103-104 الكهف).

 فالحذر الحذر أيها الإخوان الكرام. وفي الختام اقبلوا مني فائق الاحترام، سائلاً منه تعالى أن يسلك بي وبكم طريق أهل الصفا، ويجملني وإياكم بجمال حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا من أهل الاختصاص، ويحلنا من قيد الأقفاص، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين".

 الركن الثالث: الذكر:

الذكر هو الركن الثالث من أركان الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية. وكلمة الذكر في القرآن الكريم لها معان كثيرة. فعني بها في معظم النصوص التسبيح والتكبير والتهليل والذكر بالأسماء، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. كما جاء ذلك في قوله تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} (102 النساء). وفي قوله تعالى {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} (8 المزمل). وعني بها مرة القرآن الكريم نفسه في قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (9 الحجر). وعني بها أخرى صلاة الجمعة بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (9 الجمعة). وعني بها مرة أخرى العلم في قوله تعالى {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (7 الأنبياء).

 وعندنا كما فهمنا من أشياخنا أن الذكر هو جميع ذلك. لكن المعتبر فيه ما غلب استعماله عرفاً. ولفظ الذكر قد غلب استعماله في ذكر الله حقيقة، وهو: الإكثار من ذكر الله تسبيحاً وتهليلاً وتكبيراً وغير ذلك من الصيغ. والذاكر عندنا لا يكون ذاكراً إلا إذا كان مكثراً في ذكره، لأن الإقلال من الذكر صفة المنافقين بدليل قوله تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} (142 النساء).

  فالأصل هو الإكثار من الذكر. وفي كثير من الآيات ورد الذكر مقروناً بكلمة كثيراً: قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (41-42 الأحزاب). وقـال تعالى {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (35 الأحزاب). وقال تعالى {وَاذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} (41 آل عمران). وقال تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (10 الجمعة).

 قال مجاهد: "لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضجعاً". وقال ابن عباس رضي الله عنهما "المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منـزله ذكر الله تعالى".

 وعلى هذا فالذكر هو الدواء النافع لكل أمراض النفس، وهو الصاقل للقلوب، الدافع للبلاء والحزن والهم والغم، الجالب للسكينة والأنس والصبر والرضى والحب وغير ذلك. قال تعالى {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (28 الرعد) ولأن وقع الذكر على قلوب المنافقين ثقيل، فكثيراً ما تجدهم ينكرون على الذاكرين ذكرهم. فلا يلتفت أحد إلى ما يقال من أهل الغفلة عن الذكر والذاكرين. ومصداق ذلك ما أخرجه مسلم في باب الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات عن ابي هريرة رضي الله عنه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جُمدان فقال: سيروا هذا جُمدان سبق المفَرِّدُون، قيل وما المفردون يا رسول الله؟ قال المُسْتَهتَرون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافاً) والمستهتَرون هم المولعون بالذكر، المكثرون منه، ولا يبالون بما قيل فيهم، ولا بما فعل بهم.

 وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرٌ من الأحاديث في فضل الذكر أذكر بعضها اختصاراً: أخرج الترمذي في كتاب الدعوات وحسّنه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قيل وما رياض الجنة قال حِلَقُ الذكر). وروى الطبراني بإسناد حسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليبعثن الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء. قال فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله حِلْهُم لنا نعرفهم (أي صفهم لنا) قال هم المتحابون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله يذكرونه).

 وروى أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم. فقيل ومن هم أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد). وأخرج الترمذي في كتاب فضائل القران وقال حديث حسن، والدارمي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله قراءة القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).

 الجهر والإسرار بالذكر:

شرع الذكر سراً وجهراً، بأدلة كثيرة. إلا أن الذي عليه العلماء العاملون أن الجـهر بالذكر أفضل، إذا خـلا من إيذاء قارئ أو نائمٍ أو مصلٍ، وإذا خلا من حب الشهرة والرياء.

 ومن الأدلة الشرعية النبوية التي تَرُدُّ على من ينكر الجهر بالذكر:

أخرج البخاري في صحيحه (باب التوحيد) والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي (وهذا دليل على ذكر السر)، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم (وهذا دليل على ذكر الجهر)).  والذكر في الملأ لا يكون إلا جهرياً.

 وروى البيهقي كما في الحاوي للفتاوي للسيوطي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال ابن الأدرع رضي الله عنه: (انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر برجل في المسجد يرفع صوته. قلت يا رسول الله عسى أن يكون مرائياً.قال: لا، ولكنه أوَّاه).

 وأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته). وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه السيوطي في كتابه «الحاوي للفتاوي» عن السـائب رضي الله عنـه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (جاءني جبريل قال: مُر أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير).

  أما الذين يستدلون بالآية الكريمة {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} (205 الأعراف) فللعلماء آراء واضحة في ذلك: منها ما أشار إليه ابن كثير في تفسيره أن هذه الآية مكية كآية الإسراء {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} (110 الإسراء) وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله، فأُمر بترك الجهر سداً للذريعة، كما نُهي عن سب الأصنام لذلك في قوله تعالى {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (108 الأنعام) وقد زال هذا المعنى، كما كان الحال في قصة الفاروق رضي الله عنه في توزيع الصدقات على المؤلفة قلوبهم، فقد أبى ذلك في المدينة عندما قويت شوكة الإسلام، وقال كنا نؤلف قلوبهم لما كان الإسلام طريداً.

 ثم إن جماعة من المفسرين منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك، وابن جرير حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن، وأنه أمر بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنه الأصوات. 

 وقد ذكر بعض العارفين في ذلك أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل، وأما غيره ممن هم محل الوساوس، فمأمورون بالجهر لأن الجهر أشد تأثيرًا في دفعها. ويؤيد ذلك هذه الرواية المدنية والله أعلم: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة من أصحابه مختلفي الأحوال، فمر على أبي بكر رضي الله عنه وهو يخافت فسأله عن ذلك فقال إن الذي أناجيه هو يسمعني. ومر على عمر رضي الله عنه وهو يجهر فسأله عن ذلك فقال أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان. ومر على بلال وهو يتلو آياً من هذه السورة وآياً من هذه السورة، فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيب بالطيب. فقال صلى الله عليه وسلم كلكم أحسن وأصاب.

  ويستدل البعض على كـراهية الـذكر بالجهـر بالآية الكريمة {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (55 الأعراف). ولم يتنبه هؤلاء إلى أن هذه الآية تتكلم عن الدعاء (ادعوا) لا عن الذكر. والإسرار في الدعاء أفضل لأنه أقرب للإجابة {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} (3 مريم).

 وروى مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواقع الصلاة، والترمذي في كتاب الصلاة عن ابن الزبير رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلّم من صلاته قال بصوته الأعلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله... الحديث).

 وعلى هذا فلا بأس بأنواع الذكر وأشكاله كلها، سرها وجهرها. وقد تميزت طريقتنا الخلوتية الجامعة الرحمانية بحرصها على أداء الذكر بكل أشكاله وألوانه ضمن أورادها الصباحية والمسائية.

 حكم الذكر بالإسم المفرد (الله):

وهذا الذكر أيضاً واجب بالأمر الإلهي الوارد في:

قوله تعالى {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} (8 المزمل).

قوله تعالى {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (25 الإنسان).

قوله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (14-15 الأعلى).

قوله تعالى {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} (91 الأنعام).

 أما السنة النبوية فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان والترمذي في كتاب الفتن وأحمد في مسنده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)  وهنا ورد لفظ الجلالة مكرراً.

 وقد اعترض بعضهم على الذكر بهذا الاسم لأنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا يالطيف، ياودود. والجواب على ذلك أن الذاكر للأسماء الإلهية وللاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً يجد عسراً في إفهامه، فهو يذكر الله تعالى العالم بنفسه، المطلع على قلبه.

 قال ابن عجيبة وأبو حنيفة والكسائي والشعبي وإسماعيل بن اسحق وأبو حفص: أن لفظ (الله) هو الاسم الأعظم. وهو اعتقاد العارفين بالله، نفعنا الله بهم.

 حكم الذكر الجماعي:

وقد اعترض البعض على الذكر الجماعي ومشروعيته بسبب أن منهج طريقتنا يقوم في جانب منه على الذكر الجماعي. فأسوق الأدلة الشرعية التي تثبت صحة هذا المنهج:

 

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك. قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد تمجيداً، وتحميداً، وأكثر تسبيحاً. قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها. قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها. قال: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة. قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملكٌ من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم وإنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم). 

 وأخرج الترمذي في كتاب الدعوات وحسنه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذِكر). وحِلَقُ الذكر لا يشكلها فرد ولا بد لها من جماعة.

 وروى الطبراني بإسناد حسن كما في «الترغيب والترهيب»، الجزء الثاني، صفحة 406، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليبعثن الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر من اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، فجثا أعربي على ركبتيه فقال: حِلهم لنا نعرفهم. قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه).

أخرج البخاري في صحيحه باب التوحيد، والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه. إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) وفي ذلك دليل على جواز الاجتماع للذكر الجهري الجماعي.

 وروى الإمام أحمد ورجاله رجال الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء أن قوموا مغفوراً لكم فقـد بُدِّلَت سيئاتكم حسنات).

 وهكذا تظهر أهمية الذكر الجماعي، حيث يستفيد الغافل من الذاكر، والمظلم من صاحب النور، والجاهل من صاحب العلم.

 وأخرج مسلم في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات عن معاوية رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما يجلسكم؟ فقالوا جلسنا نذكر الله ونحمده. فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم ملائكته).

الأوراد الفردية واليومية 

  الأوراد الفردية:

إذا أراد السالك الاستزادة من الأذكار بعد أوراده اليومية الراتبة وتهيأت له أسباب ذلك، فله أن يقرأ ما شاء من الأوراد الاختيارية التالية صباحاً ومساءً بعد ورد السبحة:

يا الله                   66 مرة.

يا لطيف يا حفيظ      133 مرة.

يا كريم يا فتاح                100 مرة.

يا ودود يا وهاب      100 مرة.

ورد  الأسماء السبعة : 300 مرة، يقرأ في كل يوم وليلة مرة وهو: (لا إله إلا الله. الله. هو. حيّ. قيوم. حق. قهّار).

أما  الاسم الأعظم: فيذكر في السر في جميع الأوقات بلا انقطاع وهو (الله) مع المد. وهو من الضروريات لمريدي الآخرة.

 ورد اللطيف الاختياري: فيقرأ ضحى كل يوم، حيث تكرر كلمة يا لطيف (16666 مرة). ويبدأ بقول: يا لطيف (66 مرة) بالمد المتأني، و(600 مرة) أسرع قليلاً، و(16000 مرة) بشدة وسرعة مع مراعاة المساواة للجماعة إذا قرىء بشكل جماعي ثم يختم بعشر مرات بالمد المتأني. ويختم كما تختم الأوراد.

    أذكار وأدعية يومية:

دعاء الدخول إلى المسجد:

تقدم برجلك اليمنى وقل:  بسم الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك.

 دعاء الخروج من المسجد:

تقدم برجلك اليسرى وقل:  بسم الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب فضلك.

أذكار النوم:

تتوضأ قبل النوم ثم تجمع كفيك وتنفث فيهما وتقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين، ثم تمسح بهما جسدك، تبدأ من رأسك. تفعل ذلك ثلاث مرات.

ثم تقرأ آية الكرسي.

ثم تقول: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت.

 عند الاستيقاظ:

الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.

 قبل الطعام:

بسم الله الرحمن الرحيم.

وإذا نسيت فقل حينما تذكر: بسم الله أوله وآخره.

 بعد الطعام:

الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وجعلني من المسلمين.

 عند الوليمة:

أكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة الأخيار، وذكركم الله فيمن عنده.

 عند الإفطار:

اللهم إني لك صمت، وعلى رزقك أفطرت. وتفطر على تمرات، وإن لم تجد فعلى ماء، ثم تقول: ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله. ثم تصلي المغرب، وسنـته، ثم تتابع تناول إفطارك. ولك أن تدعو بما تشاء من الدعاء وقت إفطارك لأنه وقت مستحبٌ للدعاء.

 عند وداع المسافر:

المقيم للمسافر:  أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك.

المسافر للمقيم:

أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.

 دعاء السفر: 

سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ولا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا واطْوِ عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر. والخليفة في المال والأهل والولد.

 عند المصيبة:

إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها.

 عند دخول الخلاء:

تقدم برجلك اليسرى، وقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.

 عند الخروج من الخلاء:

تقدم برجلك اليمنى، وقل: غفرانك.

كفارة المجلس:

سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلاّ الله. أستغفرك وأتوب إليك.

الركن الرابع: الفكر:

 لا شك بأن الفكر هو عصب المعرفة وبه يمكن التعرض للمعاني والفهوم، ورصد موجات العلوم. وقد عرف الكثيرون أهميته ومشروعيته من خلال قوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} (190 آل عمران). إلا أن كثيرين قد غفلوا عن كيفيته وكيف يمكن أن يكون عبادة. وما ربط طريقتنا الخلوتية لهذه العبادة وجعلها ركناً من أركان الطريق إلا ليفهم ذلك. فهو الركن اللاحق لركن الذكر لقوله تعالى في تتمة الآية وتعريف أولي الألباب بأنهم {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (191 آل عمران).

 فكما أن الله قد أثنى على الذاكرين المتفكرين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أولى هذه العبادة عناية خاصة، ففي صحيح ابن حبان من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: (انطلقت يوماً أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: زر غباً تزدد حباً. قال ابن عمير: فأخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبكت، وقالت: كـل أمره كان عجباً، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ثم قال ذريني أتعبد لربي عز وجل، فقام إلى القربة فتوضأ منها ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته ثم سجد حتى بل الأرض ثم اضطجع على جنبه حتى أتى بلال يؤذن الصبح. فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله تعالى علي في هذه الليلة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...} الآية. ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها). فقيل للأوزاعي ما غاية التفكر فيهن قال: يقرؤهن ويعقلهن.

 وعن طاووس قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم يا روح الله هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال: نعم، من كان منطقه ذكراً وصمته فكراً ونظره عبرة فإنه مثلي.

 وقال الحسن: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو. وفي قوله تعالى {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (146 الأعراف) قال أمنع قلوبهم من التفكر في أمري.

وعن محمد بن واسع أن رجلاً من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبي ذر فسألها عن عبادة أبي ذر فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر.

 وكان لقمان يطيل الجلوس وحده، وكان يمر به مولاه فيقول يالقمان إنك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك فيقول لقمان إن طول الوحدة أفهم للفكر وطول الفكر دليل على طريق الجنة. وقال وهب بن منبه ما طالت فكرة امرئ إلا فهم، وما فهم إلا علم، وما علم إلا عمل. وقال بشر الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوه.

 وإذا أردنا معرفة حقيقة الفكر فإن الأمر يطول ويصعب في مكان لا تحمد فيه الإطالة والصعوبة، وتسهيلاً على إخوتنا أحثهم على التفكر في أمورٍ جانب منها يتعلق بآفات النفس والتفكر بالخلاص منها والسعي لتحويلها إلى خصال محمودة. فعلى السالك أن يتفكر في آفات نفسه كالبخل والكبر والعجب والحسد وشدة الغضب والرياء وحب المال والجاه وشره الطعام والوقاع. هذه الآفات على السالك التفكر بها للخلاص منها.

 وجانب آخر يتعلق بأمور محمودة على السالك التفكر فيها والإكثار منها كالندم على الذنوب والرضى والصبر والشكر والزهد والإخلاص وحسن الخلق والحب. ثم إن على السالك أن يتفكر كل يوم ويحاسب نفسه بقية النهار على نهاره كيف أمضاه، وهل اجتنب النواهي وجاء بالأوامر الشرعية.

 وتسهيلاً على السالك في هذا الركن من أركان الطريق أنصح بتوجيه الأسئلة التالية للنفس كل يوم حتى نقرن الفكر بالعمل، فيتفكر السالك بأمره ويسأل نفسه هذه الأسئلة:

·                         هل تفكرت في بديع صنع الخالق في أرضه وسمائه وجميع خلقه؟

·                         هل تفكرت في نفسك وبديع صنع الله لك؟

·                         هل ذكرت الله عند قيامك من نومك؟

·                         هل صليت الفجر جماعة؟

·                         هل قرأت أوراد الصباح؟

·                         هل استفتحت يومك بسؤال الله لك أن يرزقك الرزق الحلال؟

·                         هل سألت الله أن يدخلك الجنة واستعذت به من النار؟

·                         هل صليت اليوم السنن الراتبة والتطوع؟

·                         هل واظبت على قراءة الأوراد؟

·                         هل كنت خاشعاً اليوم في صلاتك وتدبرت معانيها؟

·                         هل اتقيت الله في ملبسك ومشربك وطعامك؟

·                         هل حمدت الله على نعمه؟

·                         هل قرأت وتعلمت وحفظت وتدبرت شيئاً من كتاب الله؟

·                         هل حفظت سمعك وبصرك ولسانك وجوارحك عن الحرام؟

·                         هل صليت على النبي صلى الله عليه وسلم اليوم؟

·                         هل عدت مريضاً؟

·                         هل أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر؟

·                         هل شيعت جنازة؟

·                         هل نصحت في الله؟

·                         هل وصلت من قطعك؟

·                         هل عدلت في الغضب والرضى؟

·                         هل عفوت عمن ظلمك وأعطيت من حرمك؟

·                         هل كان صمتك فكراً ونطقك ذكراً ونظرك عبرة؟

·                         هل أحببت وأبغضت في الله؟

·                         هل أهديت هدية لتأليف قلب بزيادة حب ومودة؟

·                         هل حاولت الإقلال من الضحك؟

·                         هل تفكرت في نعم الله عليك؟

·                         هل بكيت من خشية الله أو حباً به؟

·                         هل تصدقت اليوم؟

·                         هل ابتسمت في وجه أخيك؟

·                         هل نطق لسانك غيبة ونميمة وسخرية؟

·                         هل تذكرت الموت والقبر والحساب والصراط والنار؟ 

·                         هل صمت نافلة؟

·                         هل ختمت يومك بتوبة نصوحاً؟

 وهكذا يستقيم أمر الطاعة من خلال الفكر الدال على الخير. ثم ليتأمل قول الله تعالى {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (101 يونس) وقوله {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (21 الذاريات). ويتأمل حقيقة خلقه من نطفة ويتفكر في نفسه فإن في خلقه من العجائب الدالة على عظمة الله ما يفني عمره في النظر إلى أقله. ثم ليتأمل الكون وخلقه وكيف خلق الله في باطن الأرض خيرات جمة للإنسان، الذهب والفضة والحديد والنفط. وفي التراب كيف يخرج منه الزرع مختلف الألوان. والبحار العظيمة وما فيها من الأحياء والأرزاق وكيف جعل الله فيها الأحجار الكريمة واللؤلؤ والصدف والمرجان والعنبر. والماء الذي جعل منه كل شيء حي، ولولاه لما كانت الحياة، ويتفكر الإنسان ماذا لو منع عنه الماء. ثم يتفكر بالهواء والأكسجين ومعادلته العلمية الدقيقة، والغيوم والرعد والمطر والثلج والبرد والشهب والصواعق، والطير التي تسبح كمـا يسـبح حيوان البحر في الماء، والسماء وعظمتها وكواكبها وشمسها وقمرها ودخول الليل بالنهار والنهار بالليل، ومسير الشمس واختلاف الفصول من الصيف إلى الشتاء والربيع والخريف، وكيف تستقيم الحياة على هذا الشكل الرتيب، وماذا لو اختل هذا الميزان.

 ومن غفل عن هذا الفكر فلن يعرف ربه وقد نسي نفسه واشتغل ببطنه وفرجه، فتفكر بذلك فإن هذا هو مفتاح المعرفة.

 الركن الخامس: الصمت:

 هذا هو الركن الخامس من أركان الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية، ويدخل هذا الركن ضمن أنواع مجاهدة النفس وترويضها وتحويل آفاتها المذمومة إلى صفات محمودة وهي ركيزة من الركائز الأساسية التي تعنى بها الطريق. ومعنى الصمت السكوت، وعكس الصمت آفة من آفات اللسان الذي إذا ترك له الحبل على الغارب استرسل في الثرثرة وكثرة الكلام التي تورد الموارد. وآفات اللسان كثيرة ليس المكان هنا لذكرها إلا إنه لا يؤمَن جانب اللسان وخطره إلا بهذا الركن (الصمت) الذي يجمع الهمة ويُفْرِغ الصـبر. قـال تعالى {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (18 ق) وقال أيضاً {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (1-3 المؤمنون). وقال تعالى في وصف المؤمنين {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (55 القصص). ففي هذه الآيات تنبيه وتحذير من الله بأن العبد مراقب فيما يقول ويُكتب عنه ذلك، ومدح للمؤمنين الذين يُعرِضون عن فضول الكلام وما لا حاجة لهم بقوله، ونهي عن الخوض فيما لا يعني، ومفارقة أهل اللغو الذين لا هم لهم سوى الخوض في الباطل وفي أعراض الناس، والغفلة عن ذكر الله وما والاه.

 وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اللسان وآفاته وثرثرته، فقد أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (من صمت نجا). وأخرج الترمذي وقال حسن، عن عقبة بن عامر قال (قلت يارسول الله ما النجاة؟ قال أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).

 وروى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يتكفل لي ما بين لحييه (اللسان) ورجليه (الفرج) أتكفل له الجنة).

 وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين عن معاذ بن جبل قال (قلت يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول؟ فقال ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النار على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم).

 ورُوي أنّ ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما رأى أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو يمد لسانه بيده فقال ما تصنع ياخليفة رسول الله؟ قال هذا الذي أوردني الموارد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله من اللسان على حدته).

 وفي الحديث المرسل ورجاله ثقات عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن، الصمت وحسن الخلق).

 وفي الحديث المتفق عليه قال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

 وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب).

 والأحاديث في الصمت كثيرة كلها تدل على فضيلته وإن فيه النجاة والسلامة والفلاح. {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. (114 النساء) 

وقد تحدث الإمام الغزالي رحمه الله في آفات اللسان وذكرها وفصلها.  وأختصرها للسالكين ليتيسر الفهم:

 الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعني: لقوله صلى الله عليه وسلم:  (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).

 الآفة الثانية: الخوض في الباطل: وهو الكلام في المعاصي كذكر مجالس الخمر ومقامات الفساق. وقريب من ذلك الجدال والمراء وهو كثرة الملاحاة (المنازعة) للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الكبر والعجب. فينبغي للسالك أن ينكر المنكر ويبين الصواب، فإن قُبِل منه ذلك وإلا ترك المماراة. أو فيما يتعلق بأمور الدنيا فلا صحة للجدال فيها. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم).

 الآفة  الثالثة: التقعر في الكلام: ومعناه التشدق وتكلف السجع. لما روى أحمد من حديث ابن ثعلبة عن أبي ثعلبة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة مساويكم أخلاقاً الثرثارون المتشدقون المتفيقهون). والتفيهق: التنطع في الكلام يملأ فمه به لإظهار فصاحته لما في ذلك من كبر وعجب.

 الآفة الرابعة: الفحش والسب والبذاء: لما روى النسائي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إياكم والفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش).  وروى الترمذي بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء).

 الآفة الخامسة: المزاح: إلا ما كان يسيراً منه فلا ينهى عنه إذا كان صادقاً. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقاً. فإنه قال للرجل يا ذا الأذنين، وقال للعجوز إنه لا يدخل الجنة عجوز ثم قرأ {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا}. (35-36 الواقعة) وقال لأخرى زوجك الذي في عينيه بياض. فهذا مزاحه صلى الله عليه وسلم وكان حقاً ونادراً. أما الإفراط فيه والمداومة عليه فهو منهي عنه لأنه يسقط الوقار ويوجب الضغائن والأحقاد.

 الآفة السادسة: السخرية والاستهزاء: ومعنى السخرية الاحتقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه. وقد يكون ذلك بالمحاكاة في العمل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وكله ممنوع في الشرع.

 الآفة السابعة: إفشاء السر وإخلاف الوعد والكذب في القول واليمين: إلا ما رخص فيه الكذب لزوجته لإصلاحها، وفي الحرب وإصلاح ذات البين. وتباح المعاريض لقوله صلى الله عليه وسلم (إن في المعاريض مندوحة عن الكذب)، وتباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح وإلا فالاسترسال بها قد يؤدي إلى الكذب.

 الآفة الثامنة: الغيبة: والنهي عنها واضح في الكتاب والسنة لقوله تعالى {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} (12 الحجرات). وروى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم). وروى أبو داود بإسناد جيد عن أبي برزة الأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته). وروى مسلم عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الغيبة فقال (ذكرك أخاك بما يكره، قال أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).

 فهذه بعض آفات اللسان وتلك هي فضيلة الصمت الذي هو مفتاح الحكمة ومهد الذكر.

    

الركن السادس: العزلة (الخلوة)

 

وهي نوع من أنواع الاعتكاف يقصد بها تنقية القلب مما علق به من ران أثناء ممارسة الحياة العادية بما فيها من مفاتن ومعاصٍ، فينصح السالك ما بين الفترة والأخرى بهذا الاعتكاف، يفرد فيه القلب لذكر الله والتفكر بمخلوقاته. ولا بد لهذه من شيخ يعالج آفات النفس كما يعالج الطبيب علل الجسد.

  أما مدتها فيحددها الشيخ المعالج كما يحدد الطبيب كمية الدواء ومدته. ولا يفهم من هذا المعنى الرهبنة، كما عند النصارى، أو الانقطاع عن الناس وترك الأهل والأولاد بلا معيل، فإن هذا تواكل ينافي التوكل، حاربه الشرع الحنيف. فهي إذن ابتعاد عن الدنيا بكل زخارفها فترة من الوقت، يستريح فيها الجسد والفكر من مشاغل الدنيا، ويأخذ فيها القلب جرعة من الإيمان تدفعه في عليين.

 مشروعية الخلوة:

  الخلوة فعل شرعي أمر به القرآن الكريم، وهي اقتداء بنبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم الذي كان يخلو بغار حراء الأيام والليالي. ثم هي سنة الأنبياء من قبل عليهم الصلاة والسلام، يقول الله تعالى على لسان إبراهيم الخليل لما ازداد عصيان قومه {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا} (48-49 مريم) ويقول تعالى في قصة أهل الكهف {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ...} (16 الكهف). هذا في جانب اعتزال المشركين، وهذه عزلة دائمة تختلف عن المعنى الذي ذكرناه سابقا. أما ما نريده من العزلة هنا فهو أقرب إلى الخلوة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 الدليل عليها من السنة النبوية:

  روى البخاري في صحيحه باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه (أي يتعبد) الليالي ذوات العدد قبل أن ينْزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ويتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.

 وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك الاعتكاف حتى قبض. فكان يخلو في العشر الأواخر من رمضان. وقد سماه الفقهاء اعتكافاً.

 وللعلماء في الخلوة أقوال كثيرة كلها تحث عليها، ولا يتسع المجال هنا لذكرها كلها، وأذكر بعضها على سبيل الاختصار:

·   الإمام الغزالي: يقول في كتاب «الإحياء» "وأما الخلوة ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر، فإنهما دهليز القلب، والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس، ومقصود الرياضة تفريغ القلب من تلك المياه ومن الطين الحاصل منها، لينفجر أصل الحوض فيخرج منه الماء النظيف الطاهر، وكيف يصح له أن ينْزح الماء من الحوض والأنهار مفتوحة إليه؟ فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص فلابد من ضبط الحواس إلا على قدر الضرورة وليس يتم ذلك إلا بالخلوة، وعندما يسلم من علله وأمراضه وتعلقاته ومشاغله وخواطر الشيطان ووساوسه يستحق نعيم قربه ويستعد لتلقي العلوم اللدنية والأسرار الربانية والنفحات النورانية.

 ·  أبو الحسن الشاذلي: يذكر رحمه الله للخلوة عشر فوائد: السلامة من آفات اللسان، وآفات النظر، وحفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة، وحصول الزهد في الدنيا والقناعة منها، والسلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال، والتفرغ للعبادة والذكر، والشعور بحلاوة الطاعات، وراحة القلب والبدن، وصيانة النفس والدين من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة، والتمكن من عبادة التفكر والاعتبار.

 ·  الدكتور مصطفى السباعي: يقول في كتاب «مذكرات في فقه السيرة»: يجب على الداعية إلى الله أن تكون له بين الفينة والفينة أوقات يخلو فيها بنفسه تتصل فيها روحه بالله جل شأنه، وتصفو فيها نفسه من كدورات الأخلاق الذميمة والحياة المضطربة من حوله، ومثل هذه الخلوات تدعوه إلى محاسبة نفسه إن قصرت في خير أو زلت في اتجاه.

  وأخيراً أختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله)، وذكر (رجلاً ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).

 الركن السابع: الجوع:

  هذا هو الركن السابع والأخير من أركان الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية. أستهله بآيات من كتاب الله تدل على حقيقة فهمنا لهذا الركن حتى لا نتهم فيما ليس فينا. يقول الله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (32 الأعراف). ويقول أيضاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (87 المائدة).

فلسنا ممن يحرم ما أحل الله، إلا أننا ننادي بالاعتدال والتوسط في التعامل مع شهوة البطن، ونرمي بذلك إلى المجاهدة وعدم الإفراط في تناول الطعام والبغي بغير الحق، لأن البغي في الشيء الحلال حرام، وهو من الإسراف الذي نهى الله تعالى عنه {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (31 الأعراف) ومصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسِه). وهذا هو الاعتدال بعينه. وهذا هو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه القضية الذي إذا قسناه بأنماط الاستهلاك القائمة في زماننا وجدنا هناك بوناً شاسعاً بين منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وما هو قائم اليوم خصوصاً إذا عرفنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأكل إلا في معى واحد، ولم يشبع من خبز الشعير قط، ولم تكن توقد في بيته النار لطهي الطعام شهوراً عدة، وكان أغلب طعامه الأسودان التمر والماء. ولم يكن ذلك فقراً ولا فاقة إلا أنه اختاره صلى الله عليه وسلم تعليماً لخيار أمته. كيف لا وقد عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهباً فأبى ذلك وقال أجوع يوماً فأصبر وأشبع يوماً فأشكر. وهذه هي الحكمة الحقيقية من هذا الركن.

  وقد عرفنا لاحقاً أن النفس البشرية تجنح بطبيعتها نحو الشهوات وهي أمارة بالسوء أصلاً. فالمجاهدة والرياضة هما درب التزكية لهذه النفس حتى تتمكن من الشكر قال تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (9-10 الشمس)، {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (25 الفرقان). فالصفات الذميمة في النفس ومنها الشره في الطعام أمور يجب تقويمها وتحويلها إلى صفات محمودة، فالشح يتحول بالمجاهدة والتزكية إلى السخاء، والبغض إلى الحب، والكبر إلى التواضع، والغضب إلى الحلم، والسخط إلى الرضا، وهكذا في بقية أحوال النفس. ولا يتأتى ذلك إلا بالمجاهدة والتزكية.

 فالطريقة لم تأت بهذا المنهج من عندها ولم تستقه، كما يدعي البعض من أصول شركية أو فلسفات وضعية، وإنما هو تطبيق عملي لشرع الله الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولئن كانت الطريق قد اتُّهمت بذلك فلأنها تعنى عناية خاصة بتزكية النفس وتوجيهها نحو خالقها ضمن قواعد الشرع الحنيف دون غيرها فكانت تهمة عمياء لا تستند إلى الحقيقة في شيء.

 وصيام النافلة هو جزء من التطبيق العملي لهذا الركن ولهذا المفهوم المعتدل لحقيقة الجوع، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على صيام النافلة من هذا الباب، فقد أمر عليه الصلاة والسلام بصيام الأيام البيض من الشهر القمري (13، 14، 15) وحث على صيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ثم قال (خير الصيام صيام أخي داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) إلى آخر أنواع صيام النافلة. وما ذلك إلا دربة على قيادة النفس وإحكام السيطرة عليها. حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على عدم الإقبال على الموائد بنهم وشراهة للصائم، حيث أنه سن لنا أن نفطر على تمرات ثم نقوم لأداء صلاة المغرب وبعدها يكون الإفطار، وهذا علاج علمي ثبتت فائدته مخبرياً، حيث تبين أن هذه التمرات تعيد للجسم مادة السكر التي فقدها خلال النهار، والتي يؤدي فقدانها إلى الإقبال على الطعام بشراهة عند الإفطار، فأمرنا أولاً بتناولها ثم الصلاة وفي أثناء الصلاة تعيد هذه التمرات الجسم إلى طبيعته وتعوض ما فقد من مادة السكر وبعد الصلاة يقبل على الطعام بشكل طبيعي لا شراهة فيه.

 والمعروف بأن كثرة الطعام تقسي القلب وتؤدي إلى الجشع والطمع، هذا عدا عن كونها تؤذي الجسد وتسبب الأمراض المزمنة كأمراض القلب وضغط الدم والسمنة والجلطات والسكري وغيرها. والاعتدال في تناوله يمنع ذلك كله. كما أن الجوع يذكر الغني بالفقير ليسد فاقته وجوعه. فقد قال صلى الله عليه وسلم (ليس منا من نام شبعان وجاره جائع).

 فهذا الركن إذن يحافظ على التوازن والتكافل في المجتمع المسلم من خلال التطبيق العملي له، حين يتذكر الغني الجائع فيسلم المجتمع من حقد الفقراء والجائعين حين يسدوا رمقهم ويطفئوا عطشهم ويمحوا فاقتهم.


تاريخ الاضافة 2011-08-07 الكاتب المشرف
نسخة للطباعة
مرات القراءة  ( 4079 )

مقالات أخرى
العهد أدلته وكيفية تلقينه
علاج النفس ومراتبها
أركان الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية
الصحبـة
الرئيسية
شيخ الطريقة والمؤسس
الطريقة الخلوتية الرحمانية
مؤسسات دار الإيمان
التصوف الصحيح
تقارب المدارس الإسلامية
مقالات وبحوث أبناء الطريقة
أحداث وأخبار
المكتبة الإلكترونية
مختارات مفيدة
مدارس الدرة الشريفة
ألبوم الصور
صوتيات دار الإيمان
الاستشارات
سجل الزوار
من نحن
أتصل بنا
   
تصميم وبرمجة سمارت